{"ً":{"ٌ":37606,"ٍ":"دورة تدريبية في مصطلح الحديث","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: دورة تدريبية في مصطلح الحديث\nالمؤلف: أبو الأشبال حسن الزهيري آل مندوه المنصوري المصري\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ٩ دروس]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2334,"ٕ":10,"ٖ":1770155874,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9"],"ٚ":[{"title":"[١]","level":1,"page":1},{"title":"فضل طلب العلم","level":2,"page":2},{"title":"طلب العلم طريق إلى الجنة","level":3,"page":3},{"title":"درجات العلم من حيث الانتفاع به وفضله","level":3,"page":4},{"title":"العالم يستغفر له كل شيء","level":3,"page":5},{"title":"العلم ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة","level":3,"page":6},{"title":"العالم يدل غيره على الخير","level":3,"page":7},{"title":"الغبطة على العلم","level":3,"page":8},{"title":"لعن الدنيا وما فيها سوى ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم","level":3,"page":9},{"title":"الملائكة تحف بطالب العلم وتظله بأجنحتها","level":3,"page":10},{"title":"الإخلاص في طلب العلم","level":3,"page":11},{"title":"إطلاق اسم المصطلح على مباحث علوم الحديث","level":2,"page":12},{"title":"مبادئ علم مصطلح الحديث","level":2,"page":13},{"title":"تعريف مصطلح الحديث","level":3,"page":14},{"title":"موضوع علم المصطلح","level":3,"page":15},{"title":"غاية علم المصطلح","level":3,"page":16},{"title":"استمداد علم مصطلح الحديث وفضله","level":3,"page":17},{"title":"واضع علم مصطلح الحديث","level":3,"page":18},{"title":"حكم تعلم مصطلح الحديث","level":3,"page":19},{"title":"مسائل علم مصطلح الحديث ونسبته إلى غيره من العلوم","level":3,"page":20},{"title":"أهمية علم مصطلح الحديث لبقية العلوم","level":2,"page":21},{"title":"أصل نشأة علم مصطلح الحديث","level":2,"page":22},{"title":"تشدد الخلفاء الراشدين في قبول الرواية","level":2,"page":23},{"title":"طريقة نقد الحديث عند الصحابة","level":2,"page":24},{"title":"علة تشدد الصحابة في رواية الحديث والتحرز منها","level":3,"page":25},{"title":"رد الصحابة لبعض الأحاديث لمخالفتها للأصول","level":2,"page":26},{"title":"وجود أحاديث متعارضة لم يتوصل فيها إلى جمع أو رد","level":2,"page":27},{"title":"ظهور الوضع في الحديث وسببه","level":2,"page":28},{"title":"ظهور الأحاديث المرسلة وسببها","level":2,"page":29},{"title":"حث الصحابة والعلماء على الاحتياط في قبول الحديث","level":2,"page":30},{"title":"[٢]","level":1,"page":31},{"title":"أسباب نشأة الإسناد وظهور علم الجرح والتعديل","level":2,"page":32},{"title":"ألفاظ الجرح والتعديل","level":2,"page":33},{"title":"الرسول ﷺ هو واضع قواعد علم المصطلح","level":2,"page":34},{"title":"مشروعية الجرح والتعديل","level":2,"page":35},{"title":"من تكلم من الصحابة والتابعين في الرجال","level":2,"page":36},{"title":"بداية عصر تدوين الحديث","level":2,"page":37},{"title":"اختلاف العلماء في حكم تدوين الحديث","level":2,"page":38},{"title":"دور الإمام الزهري في نشأة علم مصطلح الحديث","level":2,"page":39},{"title":"تشدد الزهري في الإتيان بسند الحديث","level":3,"page":40},{"title":"أسباب التوسع في نقد الحديث ونشاط التأليف في الحديث","level":2,"page":41},{"title":"ازدهار علم الحديث في القرن الثاني والقرن الثالث","level":2,"page":42},{"title":"تصنيف العلماء لعلوم المصطلح في القرن الثالث الهجري","level":3,"page":43},{"title":"تعريف المصطلحات الأولية في علوم الحديث","level":2,"page":44},{"title":"أولا: السند","level":3,"page":45},{"title":"ثانيا: المتن","level":3,"page":46},{"title":"ثالثا: الإسناد","level":3,"page":47},{"title":"رابعا: المسند","level":3,"page":48},{"title":"خامسا: المسند","level":3,"page":49},{"title":"شبهة أعداء الإسلام في عدم وجود علاقة بين أهل الحديث وبين أهل العفة والرد عليهم","level":3,"page":50},{"title":"اجتهاد أهل العلم في مصطلحاتهم","level":3,"page":51},{"title":"سادسا: المحدث والحافظ وأمير المؤمنين والحاكم","level":3,"page":52},{"title":"سابعا: الحديث","level":3,"page":53},{"title":"تقديم الحديث القولي على الحديث الفعلي عند التعارض","level":3,"page":54},{"title":"السنة التقريرية","level":3,"page":55},{"title":"السنة الوصفية","level":3,"page":56},{"title":"ثامنا: السنة","level":3,"page":57},{"title":"[٣]","level":1,"page":58},{"title":"تعريف الحديث والأثر والخبر","level":2,"page":59},{"title":"تعريف الأثر","level":3,"page":60},{"title":"تعريف الخبر","level":3,"page":61},{"title":"العلاقة بين الخبر والأثر","level":3,"page":62},{"title":"أقسام الحديث","level":2,"page":63},{"title":"أقسام الحديث باعتبار طرقه","level":3,"page":64},{"title":"أقسام الحديث باعتبار قبوله ورده","level":3,"page":65},{"title":"أقسام الحديث باعتبار صحته وضعفه","level":3,"page":66},{"title":"الحديث المتواتر","level":2,"page":67},{"title":"شروط الحديث المتواتر","level":3,"page":68},{"title":"اختلاف العلماء في العدد الذي يقع به التواتر","level":3,"page":69},{"title":"العبرة في كثرة الرواة بأقل طبقة من طبقات الإسناد","level":3,"page":70},{"title":"اشتراط استحالة تواطؤ الرواة على الكذب في الحديث المتواتر","level":3,"page":71},{"title":"اشتراط استناد رواة الحديث المتواتر إلى الحس","level":3,"page":72},{"title":"علاقة الحديث المتواتر بمباحث علم مصطلح الحديث","level":2,"page":73},{"title":"أنواع الحديث المتواتر","level":2,"page":74},{"title":"المتواتر اللفظي","level":3,"page":75},{"title":"المتواتر المعنوي","level":3,"page":76},{"title":"فوائد في أدب الخلاف بين العلماء وما يترتب عليه","level":2,"page":77},{"title":"عدد الأحاديث المتواترة وما صنف فيها","level":2,"page":78},{"title":"الحديث المشهور","level":2,"page":79},{"title":"رد المعتزلة الاحتجاج بحديث الآحاد","level":3,"page":80},{"title":"الفرق بين المشهور والمستفيض","level":3,"page":81},{"title":"أنواع الحديث المشهور","level":3,"page":82},{"title":"الحديث المشهور بين العامة","level":3,"page":83},{"title":"الحديث المشهور بين الفقهاء","level":3,"page":84},{"title":"الحديث المشهور بين الأصوليين","level":3,"page":85},{"title":"توقف الحكم في أحاديث الآحاد على النظر في أسانيدها","level":3,"page":86},{"title":"أشهر المصنفات في الحديث المشهور","level":3,"page":87},{"title":"الحديث العزيز","level":2,"page":88},{"title":"الحديث الغريب","level":2,"page":89},{"title":"أشهر المصنفات في الحديث الغريب","level":3,"page":90},{"title":"[٤]","level":1,"page":91},{"title":"تقسيم الحديث باعتبار القبول والرد","level":2,"page":92},{"title":"الحديث المقبول","level":3,"page":93},{"title":"معنى الحديث الصحيح وشروطه","level":3,"page":94},{"title":"شروط الحديث الصحيح","level":2,"page":95},{"title":"الشرط الأول: اتصال السند","level":2,"page":96},{"title":"الشرط الثاني: العدالة","level":2,"page":97},{"title":"حكم تحمل الحديث وأدائه لمن لم يكن بالغا","level":3,"page":98},{"title":"حكم التحمل والأداء لمن لم يكن عاقلا","level":3,"page":99},{"title":"حكم رواية الفاسق والمبتدع","level":3,"page":100},{"title":"حكم رواية التائب من الكذب","level":3,"page":101},{"title":"ما تثبت به عدالة الراوي","level":3,"page":102},{"title":"الشرط الثالث: الضبط","level":2,"page":103},{"title":"ضبط الصدر","level":3,"page":104},{"title":"ضبط الكتاب","level":3,"page":105},{"title":"حكم حديث فاقد كتابه","level":3,"page":106},{"title":"الشرط الرابع: السلامة من الشذوذ","level":2,"page":107},{"title":"شروط الحكم بالشذوذ على الحديث","level":3,"page":108},{"title":"ضعف الإسناد لا يسلتزم ضعف الحديث","level":2,"page":109},{"title":"الشرط الخامس: السلامة من العلة","level":2,"page":110},{"title":"العلة المشترط انتفاءها من الحديث الصحيح","level":3,"page":111},{"title":"العلل الخفية لا يدركها إلا العلماء النقاد الجهابذة","level":3,"page":112},{"title":"طرق معرفة العلل الخفية","level":2,"page":113},{"title":"العلة القادحة والعلة التي لا تقدح","level":2,"page":114},{"title":"بعض صور العلل القادحة وغير القادحة","level":3,"page":115},{"title":"شروط رواية الحديث بالمعنى","level":2,"page":116},{"title":"[٥]","level":1,"page":117},{"title":"الحديث الحسن","level":2,"page":118},{"title":"تعريف الخطابي للحديث الحسن","level":3,"page":119},{"title":"تعريف ابن حجر للحديث الحسن","level":3,"page":120},{"title":"تعريف ابن الجوزي للحديث الحسن","level":3,"page":121},{"title":"تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن وتقسيمه له","level":3,"page":122},{"title":"الخلاصة في تعريف الحديث الحسن","level":3,"page":123},{"title":"أول من أطلق الحسن على الحديث ومظانه","level":2,"page":124},{"title":"مصطلحات الترمذي في جامعه","level":2,"page":125},{"title":"[٦]","level":1,"page":126},{"title":"الإبهام والانقطاع والفرق بينهما","level":2,"page":127},{"title":"مثال الانقطاع في الإسناد","level":3,"page":128},{"title":"مثال الجهالة في الإسناد","level":3,"page":129},{"title":"جهالة الصحابي لا تضر","level":3,"page":130},{"title":"التفريق بين المنقطع وبين غيره من أنواع الحديث","level":2,"page":131},{"title":"طرق معرفة الانقطاع","level":3,"page":132},{"title":"المساواة بين المنقطع والمقطوع والمرسل","level":3,"page":133},{"title":"الفرق بين الحديث المنقطع والمقطوع والمرسل","level":3,"page":134},{"title":"الحديث المعضل والحديث المعلق","level":2,"page":135},{"title":"العلاقة بين المعلق والمعضل","level":3,"page":136},{"title":"حكم الحديث المعلق والمعضل","level":3,"page":137},{"title":"حكم الأحاديث المعلقة في الصحيحين","level":3,"page":138},{"title":"تلقي الأمة للصحيحين بالقبول","level":3,"page":139},{"title":"[٧]","level":1,"page":140},{"title":"الحديث المدلس","level":2,"page":141},{"title":"تدليس الإسناد","level":3,"page":142},{"title":"المرسل الخفي","level":3,"page":143},{"title":"تدليس التسوية","level":3,"page":144},{"title":"تدليس الشيوخ","level":3,"page":145},{"title":"تدليس القطع","level":3,"page":146},{"title":"تدليس السكوت","level":3,"page":147},{"title":"تدليس العطف","level":3,"page":148},{"title":"تدليس البلاد","level":3,"page":149},{"title":"تدليس المتن","level":3,"page":150},{"title":"حكم من عرف بالتدليس وذكر طبقات المدلسين","level":2,"page":151},{"title":"طبقات المدلسين","level":3,"page":152},{"title":"تلخيص الحكم على حديث المدلسين","level":3,"page":153},{"title":"[٨]","level":1,"page":154},{"title":"الأغراض الحاملة على التدليس","level":2,"page":155},{"title":"طرق معرفة التدليس","level":2,"page":156},{"title":"متى يوصف الراوي بالتدليس ومتى يرتفع عنه هذا الوصف","level":2,"page":157},{"title":"التدليس في الصحيحين","level":2,"page":158},{"title":"أسباب ذم التدليس","level":2,"page":159},{"title":"درجات التدليس والتمييز بينها","level":2,"page":160},{"title":"طبقات المدلسين عند العلائي وابن حجر والسخاوي","level":2,"page":161},{"title":"[٩]","level":1,"page":162},{"title":"الحديث الشاذ","level":2,"page":163},{"title":"الفرق بين الحديث الشاذ وبين زيادة الثقة","level":3,"page":164},{"title":"الحديث الشاذ عند الإمام الشافعي","level":3,"page":165},{"title":"الحديث الشاذ عند الحاكم والخليلي","level":3,"page":166},{"title":"رأي ابن الصلاح في معنى الشاذ وزيادة الثقة","level":2,"page":167},{"title":"تحذير العلماء من تتبع الشواذ والرخص","level":2,"page":168},{"title":"الرد على الحاكم والخليلي في تعريفهما للحديث الشاذ","level":2,"page":169},{"title":"تعريف ابن حجر للحديث الشاذ والحديث المنكر","level":2,"page":170},{"title":"أنواع الشذوذ","level":2,"page":171},{"title":"الشذوذ في السند","level":3,"page":172},{"title":"الشذوذ في المتن","level":3,"page":173}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"2,1":31,"2,2":32,"2,3":33,"2,4":34,"2,5":35,"2,6":36,"2,7":37,"2,8":38,"2,9":39,"2,10":40,"2,11":41,"2,12":42,"2,13":43,"2,14":44,"2,15":45,"2,16":46,"2,17":47,"2,18":48,"2,19":49,"2,20":50,"2,21":51,"2,22":52,"2,23":53,"2,24":54,"2,25":55,"2,26":56,"2,27":57,"3,1":58,"3,2":59,"3,3":60,"3,4":61,"3,5":62,"3,6":63,"3,7":64,"3,8":65,"3,9":66,"3,10":67,"3,11":68,"3,12":69,"3,13":70,"3,14":71,"3,15":72,"3,16":73,"3,17":74,"3,18":75,"3,19":76,"3,20":77,"3,21":78,"3,22":79,"3,23":80,"3,24":81,"3,25":82,"3,26":83,"3,27":84,"3,28":85,"3,29":86,"3,30":87,"3,31":88,"3,32":89,"3,33":90,"4,1":91,"4,2":92,"4,3":93,"4,4":94,"4,5":95,"4,6":96,"4,7":97,"4,8":98,"4,9":99,"4,10":100,"4,11":101,"4,12":102,"4,13":103,"4,14":104,"4,15":105,"4,16":106,"4,17":107,"4,18":108,"4,19":109,"4,20":110,"4,21":111,"4,22":112,"4,23":113,"4,24":114,"4,25":115,"4,26":116,"5,1":117,"5,2":118,"5,3":119,"5,4":120,"5,5":121,"5,6":122,"5,7":123,"5,8":124,"5,9":125,"6,1":126,"6,2":127,"6,3":128,"6,4":129,"6,5":130,"6,6":131,"6,7":132,"6,8":133,"6,9":134,"6,10":135,"6,11":136,"6,12":137,"6,13":138,"6,14":139,"7,1":140,"7,2":141,"7,3":142,"7,4":143,"7,5":144,"7,6":145,"7,7":146,"7,8":147,"7,9":148,"7,10":149,"7,11":150,"7,12":151,"7,13":152,"7,14":153,"8,1":154,"8,2":155,"8,3":156,"8,4":157,"8,5":158,"8,6":159,"8,7":160,"8,8":161,"9,1":162,"9,2":163,"9,3":164,"9,4":165,"9,5":166,"9,6":167,"9,7":168,"9,8":169,"9,9":170,"9,10":171,"9,11":172,"9,12":173},"ٜ":{"1":[1,30],"2":[1,27],"3":[1,33],"4":[1,26],"5":[1,9],"6":[1,14],"7":[1,14],"8":[1,8],"9":[1,12]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80],"81":[81],"82":[82],"83":[83],"84":[84],"85":[85],"86":[86],"87":[87],"88":[88],"89":[89],"90":[90],"91":[91],"92":[92],"93":[93],"94":[94],"95":[95],"96":[96],"97":[97],"98":[98],"99":[99],"100":[100],"101":[101],"102":[102],"103":[103],"104":[104],"105":[105],"106":[106],"107":[107],"108":[108],"109":[109],"110":[110],"111":[111],"112":[112],"113":[113],"114":[114],"115":[115],"116":[116],"117":[117],"118":[118],"119":[119],"120":[120],"121":[121],"122":[122],"123":[123],"124":[124],"125":[125],"126":[126],"127":[127],"128":[128],"129":[129],"130":[130],"131":[131],"132":[132],"133":[133],"134":[134],"135":[135],"136":[136],"137":[137],"138":[138],"139":[139],"140":[140],"141":[141],"142":[142],"143":[143],"144":[144],"145":[145],"146":[146],"147":[147],"148":[148],"149":[149],"150":[150],"151":[151],"152":[152],"153":[153],"154":[154],"155":[155],"156":[156],"157":[157],"158":[158],"159":[159],"160":[160],"161":[161],"162":[162],"163":[163],"164":[164],"165":[165],"166":[166],"167":[167],"168":[168],"169":[169],"170":[170],"171":[171],"172":[172],"173":[173]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"دورة تدريبية في مصطلح الحديث <span data-type=\"title\" id=toc-1>[١]</span>\nظهر علم مصطلح الحديث للذب عن سنة رسول الله ﷺ، والحفاظ عليها من وضع الوضاعين، ولقد اهتم العلماء بهذا العلم فوضعوا قواعده وأصوله وأسسه التي قام عليها، واعتنوا بذلك أشد العناية، حتى غدت قواعده أسسًا انبنت عليها العلوم الأخرى.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>فضل طلب العلم</span>","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>طلب العلم طريق إلى الجنة</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وسلم.\nوبعد: مرحبًا بكم وأهلًا وسهلًا، ونسأل الله تعالى أن يجمعنا على مائدة الكتاب والسنة إلى يوم نلقاه.\nروى الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى في كتابه القيم جامع بيان العلم وفضله بإسناده إلى رسول الله ﷺ أنه قال: (ما من رجل يسلك طريقًا يلتمس فيه علمًا إلا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة).\nوهذا يبين فضل العلم وعاقبته في الدنيا، ولم يقل ﷺ: إنه سهّل له طريق طلب العلم، وإنما سهّل له طريقًا يقابل ويزيد عن هذا الطريق، ألا وهو طريق الجنة.\n(ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه).\nوالحديث صحيح، وهو عند الإمام مسلم في صحيحه وغيره.\nفلو أن إنسانًا تقاعس في عمله ولم يكن هدفه فيه ابتغاء مرضاة الله ﷿، فإنه لا يرتفع بهذا العمل عند الله حتى وإن كان مرفوعًا في نسبه بين الناس، لكونه لم يبتغ به وجه الله.\nويقول ﷺ: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله)، أي: في مسجد من مساجد الله ﷿ (يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا حفتهم الملائكة).\nومطلع هذا الحديث يدلنا على أدب من آداب طالب العلم، وهو ألا نتبعثر ونتفرق في المجلس، فالحديث فيه: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله).\nفلا يجلس واحد في زاوية، وآخر في زاوية، وثالث في الشارع، ورابع في بيته، فكل هذا ليس من آداب العلم، بل من أتى درس العلم فينبغي عليه أن يزاحم حتى يجلس في الصفوف الأول، أو في الأماكن الأول.\nقال: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه)، أي: يتفقهون في كتاب الله ﷿، وليس المقصود بالكتاب القرآن فقط، وإنما المقصود به مصادر التشريع من كتاب وسنة وإجماع وقياس، (إلا حفتهم الملائكة)، وهذا في مجلس العلم، فمجالس العلم تحفها الملائكة وتغشاها الرحمة، (وغشيتهم الرحمة).\nوتتنزل عليها السكينة والطمأنينة والأمان، (وذكرهم الله فيمن عنده)، أي: في الملأ الأعلى، أو بين ملائكته.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>درجات العلم من حيث الانتفاع به وفضله</span>\nوقد جاء هذا الحديث بروايات وطرق كثيرة.\nيقول ﷺ: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير).\nوالغيث هو المطر، فالنبي ﷺ يشبّه ويمثّل العلم بالمطر، أي: بغزارته ونفعه للناس.\n(مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا)، أي: نزل هذا المطر بأرض، (فكانت منها بقعة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب)، يعني: كانت هذه الأرض التي أصابها الماء والمطر صالحة استفادت من الماء، وأنبتت ما فيها من العشب والكلأ وغير ذلك.\n(وكانت منها بقعة أمسكت الماء)، أي: هي صالحة تمسك الماء في بطنها.\n(فنفع الله به الناس فشربوا وسقوا وزرعوا).\nفالأرض لم تكن سيئة، فقد ابتلعت الماء كله وحفظته في بطنها فانتفع به الناس.\n(وكانت منها طائفة لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ).\nفالعلم على ثلاث درجات: علم ينفع الله به صاحبه فقط، وعلم ينفع الله تعالى به صاحبه وينفع به الناس، وعلم لا ينتفع به صاحبه وإن كان الناس ينتفعون به.\nفأما العلم الذي ينتفع به صاحبه فهو العلم الذي تعلمه ثم عمل به.\nوأما الذي ينتفع به صاحبه وينتفع به الناس فهو العلم الذي يعمل به ويعلمه الناس فيعملون به.\nوأما العلم الذي ينفع الناس ولا ينفع صاحبه فهو العلم الذي لا يعمل به صاحبه، ولكنه يعلمه الناس فينتفعون به.\n(وذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعمل وعلم الناس، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به).","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>العالم يستغفر له كل شيء</span>\nيقول ﷺ: (معلم الخير يستغفر له كل شيء، حتى الحوت في البحر)، وفي رواية (يستغفر له من في السماء ومن في الأرض، حتى الحيتان في البحر).\nوقيل في سبب استغفار الدواب والحيوانات والأشجار والحيتان في البحر للعالم: أنه يوصي بالإحسان إليها، وعدم اتخاذها غرضًا، إلا إذا كان غرضًا شرعيًا وغير ذلك، فإذا وجد رجلًا يسوق حمارًا أو فرسًا أو غير ذلك ويضربه ضربًا شديدًا قال له: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء، وهذه دعوة لرحمة الحيوانات، وإذا وجد رجلًا يصطاد حيتانًا أو أسماكًا بالكهرباء أو غيرها، أو يصطادها ويرميها ولا ينتفع بها نهاه عن ذلك؛ لأن هذا الصيد فيه نهي شرعي؛ لأن النبي ﷺ نهى عن اتخاذ الحيوانات والطيور أغراضًا، فلا يصطاد الشخص إلا بقصد الانتفاع.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>العلم ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة</span>\nيقول ﷺ: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح).\nفكلما جرت هذه الصدقة على المتصدق بها عليه دعا للمتصدق فينتفع الميت بهذا الدعاء، وهذه هي الصدقة الجارية، وذلك مثل رجل اشترى كتب علم أو مصاحف أو غير ذلك ووزعها على الناس يقرءون بها، أو رجل بنى مسجدًا ليصلي فيه الناس، فكلما سجد رجل أو ركع فلا شك أن ذلك في ميزان من بنى ذلك المسجد، وهذا في الصدقة وليس الهدية؛ لقول النبي ﷺ (صدقة جارية).\nولم يقل: هدية.\nثم يقول: (أو ولد صالح يدعو له).\nوقيد الولد بالصلاح.\nوالشاهد من هذا الحديث هو (أو علم ينتفع به)، أي: في حياته وبعد مماته، والعلم النافع هو العلم الشرعي في الدرجة الأولى، مثل القرآن والعقيدة واللغة وعلوم الآلة التي تساعدنا على فهم العلوم الأصلية.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>العالم يدل غيره على الخير</span>\nيقول أبو مسعود الأنصاري ﵁: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! احملني)، أي: جهّزني للقتال بفرس ودرع وغير ذلك، (فإنه قد أُبدع بي، فقال النبي ﷺ: ما أجد ما أحملكم عليه، فأت فلانًا)، يعني: اذهب إلى فلان فإنه صاحب مال وخيل وغير ذلك، (فأتاه فحمله)، أي: قضى له وطره وحاجته، (فأتى رسول الله ﷺ فأخبره)، أي: بأنه قد حمله فلان، (فقال النبي ﷺ: الدال على الخير كفاعله)، أي: في الأجر.\nوما أعظم ما يدل عليه العالم! فهو يدل الأمة كلها على سبيل الله ﷿، وعلى طريق الهداية، ويحذرهم طريق الغواية والضلال، ولا شك أن العالم هو أحسن من يدل على الخير، و(الدال على الخير كفاعله)، وفي رواية بزيادة: (والدال على الشر كفاعله).\nوهذا من باب المقابلة.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الغبطة على العلم</span>\nيقول النبي ﷺ: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه على هلكته في الحق) وفي رواية: (آناء الليل وآناء النهار، أو وأطراف النهار) (ورجل آتاه الله علمًا) وفي رواية (ورجل آتاه الله القرآن فهو يعمل به ويعلمه الناس آناء الليل وأطراف النهار).\nفلا شك أن الحسد وهو الغبطة في هذا الحديث، بمعنى: أن يتمنى الإنسان أن يكون في مثل مقامه دون أن يتمنى زوال هاتين النعمتين عن صاحبهما، وهما المال الصالح للرجل الصالح، وكذلك العلم النافع عند الرجل الذي ينفعه الله تعالى به -أي: بهذا العلم- وينفع به الناس.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>لعن الدنيا وما فيها سوى ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم</span>\nويقول ﷺ: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها).\nوتفصيل بعد إجمال.\n(إلا ذكر الله وما والاه).\nوهذا تخصيص بعد عموم، يدل على أنه ليس كل الدنيا ملعونة؛ لأن فيها أشياء نافعة يتخذها العبد قنطرة وعبورًا إلى دار الآخرة، ألا وهي (ذكر الله وما والاه، وعالم ومتعلم).\nوالنبي ﷺ يقرن هنا بين ذكر الله وما والاه وبين العالم والمتعلم، وفي رواية عن النبي ﷺ أنه قال: (العالم والمتعلم شريكان في الأجر).","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الملائكة تحف بطالب العلم وتظله بأجنحتها</span>\nفي حديث صفوان بن عسال أنه أتى إلى رسول الله ﷺ وهو في المسجد متكئ على برد له أحمر، قال: (قلت: يا رسول الله! إني جئت أطلب العلم).\nوهذا فيه إثبات الرحلة في طلب العلم.\n(قال: مرحبًا بطالب العلم).\nولذلك يقول العلماء: يُسن للعالم أن يرحّب بمن يتعلم منه، وأن يقول: مرحبًا بطالب العلم، أو يقول: مرحبًا بوصية رسول الله ﷺ.\nثم قال: (إن طالب العلم لتحف به الملائكة وتظلله بأجنحتها).\nوهذا فضل عظيم، وشرف كريم، (فيركب بعضها فوق بعض)، أي: هذه الملائكة التي تحف طالب العلم يركب بعضها فوق بعض، (حتى تعلو إلى السماء الدنيا من حبهم لما يطلب، فما جئت تطلب؟) يسأل النبي ﷺ صفوان بن عسال (قال: قلت: يا رسول الله! لا أزال أسافر بين مكة والمدينة، فجئت أسأل عن المسح على الخفين).\nواليوم لو سألنا في أساسيات المسح على الخفين لم نجد من يريحنا بجواب، فدل ذلك على أن كل مسألة وإن بدت لك صغيرة أو لا تستحق الرحلة والسؤال والطلب فاعلم أن ذلك من الجهل وليس من العلم.\nويقول ﷺ: (نضّر الله امرأً سمع منا مقالة)، أي: حديثًا، وفي رواية (فحفظها وبلغها، فرب حامل فقه ليس بفقيه)، أي: ورب حامل فقه في عقله وفي صدره ولكنه ليس بفقيه، وهذا مثل من يتحمل الحديث ولا يفقه معناه، فإذا قصه ورواه إلى غيره انتفع ذلك الغير به أكثر من انتفاع صاحب الحديث به.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الإخلاص في طلب العلم</span>\nوقال ﷺ: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم).\nوقال رسول الله ﷺ: (من كانت نيته الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يؤته من الدنيا إلا ما كُتب له).\nإلى غير ذلك من الأحاديث التي تحض على طلب العلم، وما ذكرنا فيه كفاية وغنية.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>إطلاق اسم المصطلح على مباحث علوم الحديث</span>\n(علم مصطلح الحديث) اشتهر بهذا الاسم، والصواب أن يسمى: علم أصول الحديث؛ لأن كل علم شرعي له أصول، فعلم التفسير له أصول، وعلم الفقه له أصول، وعلم النحو له أصول، وهي قواعد اللغة.\nوالأصل أن يقال: إن علم قوانين الرواية هو أصول الرواية، أو أصول الحديث، والمتعارف بين الناس من الخواص والعوام أن هذا العلم يطلق عليه مصطلح الحديث، ولكل فن وعلم من العلوم الشرعية بل وغير الشرعية مصطلحات، فالفقهاء لهم مصطلحات، والأصوليون لهم مصطلحات، واللغويون لهم مصطلحات، فلو قلنا: (مصطلح) وسكتنا لم نفهم المقصود؛ لأن المصطلحات كثيرة، ولزمنا أن نسأل أهو مصطلح المحدثين أم الفقهاء أم الأصوليين أم غيرهم؟ ولو قلنا: أصول، لانصرف الذهن إلى أصول الفقه، في حين أن بقية العلوم أيضًا لها أصول، فكل العلوم الشرعية وغير الشرعية لها أصول وقواعد وضوابط تحكمها وتضبطها، فالأصل أن نقول: أصول كذا، ومن هنا نعلم أن تخصيص كلمة مصطلح بعلم الحديث من باب التحكم، كما أن وقف كلمة أصول على أصول الفقه أيضًا من باب التحكم؛ لأن المقصود هي القواعد الكلية أو الجزئية التي تحكم أي علم في ذاته.\nفعلم أصول الحديث هو المشهور والمشتهر على ألسنة الناس بمصطلح الحديث.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>مبادئ علم مصطلح الحديث</span>\nإن كل علم له مبادئ، وهذه المبادئ عشرة، جمعها البعض في قوله: مبادئ أي علم كان حد وموضوع وغاية مستمد وفضل واضع واسم وحكم مسائل نسبة عشر تعد فالأصول والمبادئ العشرة لأي علم في هذين البيتين وهي: الحد، والموضوع، والغاية، والاستمداد، والفضل، والواضع، والاسم، والحكم، والمسائل التي فيه، والنسبة.\nوالحد هو التعريف، والأصل في الحد أن يكون جامعًا مانعًا، أي: جامعًا لشتات المسائل التي تدخل في هذا الموضوع، مانعًا من دخول غيرها عليها.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>تعريف مصطلح الحديث</span>\nعلم المصطلح: هو العلم بقواعد وأصول يُعرف بها حال الحديث سندًا ومتنًا من حيث القبول والرد.\nولو أتينا بألفاظ زائدة على ما في التعريف فستكون زائدة وليس لها داع، ولو أخرجنا منها كلمة واحدة لظهر في التعريف خلل، وهذا ما نعنيه بأن يكون الحد جامعًا مانعًا.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>موضوع علم المصطلح</span>\nموضوع هذا العلم: سنة النبي ﷺ من حيث أقواله وأفعاله وتقريراته وصفاته الخلقية والخُلُقية، هذا الشق الأول، وهو ما يُطلق عليه علم الرواية.\nوالشق الثاني وهو علم الدراية، وهو الذي ينصب على السند، من حيث شروط الرواية والتحمل والأداء، ومن حيث المعايب والمحاسن التي تلحق الأسانيد سواء كانت راجعة إلى الراوي أو إلى الإسناد، فإن كان الراوي ضعيفًا في نفسه أو سيء الحفظ أو كذّابًا، فلا شك أن هذا عيب يلحق الراوي نفسه، وأما إن كان الحديث فيه انقطاع وسقط، فهذا السقط يطعن في عموم الإسناد.\nوالمقصود بالدراية الإسناد، والرواية هي المتن.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>غاية علم المصطلح</span>\nغاية علم مصطلح الحديث: هي تمييز الصحيح من السقيم من الآثار والأخبار، سواء كان ذلك من المرفوع أو الموقوف أو المقطوع.\nوالمرفوع هو ما كان من كلام النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته وصفاته الخلقية والخلُقية.\nوما كان من الأخبار أو الآثار موقوفًا فإنما هو من قول الصحابي أو فعله أو تقريره.\nوأما ما كان مقطوعًا فهو ما كان موقوفًا على من هو دون الصحابي، أي: التابعي ومن دونه.\nولا يقال لإسناد إنه إسناد إلا إذا كان فيه ثلاث طبقات، وهذا أقل ما يُطلق عليه مصطلح الإسناد.\nوالصحة والسقم حقيقة في الأجسام ومعنى في غيرها، ويقال: فلان صحيح وفلان سقيم، ولكن استعير هذا المعنى من حقيقته فكان مجازًا في غيره من الأشياء، فعندما نقول: هذا حديث صحيح، أو قوي، أو جيد، أو حسن؛ فإنما هو من باب المعنى لا من باب الحقيقة.\nوالشق الثاني من غاية هذا العلم هو الفوز بسعادة الدارين: دار الدنيا ودار الآخرة، ولا شك أنه لا يفوز في الدنيا بهذا الحديث إلا من عمل به، ومن كان من العاملين بعلمه في الدنيا فلا شك أنه من الفائزين بفضل الله ورحمته، وإن كان غير ذلك في الدنيا فهو في مشيئة الله ﷿ إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة.\nفغاية هذا العلم من شقين: الأول: التمييز بين الصحيح والسقيم.\nوالثاني: الفوز بسعادة الدارين.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>استمداد علم مصطلح الحديث وفضله</span>\nاستمد هذا العلم من الكتاب والسنة، فأصله موجود في الكتاب والسنة.\nوالسنة عند الإطلاق يقصد بها أقوال النبي ﵌، ومنها حديث: (نضّر الله امرأ سمع منا مقالة فوعاها -أو فحفظها- فأداها كما سمعها)، أي: لم يزد فيها ولم ينقص، وسواء كان هذا الأداء باللفظ أو بالمعنى على خلاف بين أهل العلم.\nويقول النبي ﷺ: (من حدّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبِين، أو الكاذبَين).\nويقول النبي ﷺ: (تسمعون ويُسمع منكم).\nويقول الله ﷿: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦].\nوفي قراءة: (فتثبتوا)، وهذا أمر بالتثبت، وما أكثر ما حض الله ﷿ على اتخاذ شهود عدول في القرآن الكريم، ووصفهم بالعدول، وشرط العدل في الرواية.\nولذلك أجمع أهل العلم إلا الأحناف -وقيل أبو حنيفة على وجه الخصوص- أنه يشترط في الشاهد العدالة، أبو حنيفة أجاز شهادة الفاسق، وقال: لعموم البلوى، وانتشار الفساق في القرن الثاني، فما بالكم بالقرن الذي نحن فيه، نسأل الله العافية! وفضل هذا العلم قد ذكرناه في بداية المحاضرة.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>واضع علم مصطلح الحديث</span>\nوأما واضعه فأول من جمع قواعد الرواية أبو محمد الرامهرمزي في كتاب المحدث الفاصل، ولكن كتابه مبعثر وغير مرتب، فأحيانًا تجد المصطلحات البسيطة التي نأخذها في البداية موجودة في آخر كتابه، ومسائل من آخر العلم موجودة في بداية كتابه، وغير ذلك.\nوأتى بعد ذلك ابن الصلاح فقنن القوانين وأصّل الأصول وقعد القواعد في مقدمته، ولكنه لم يستوعب جميع مسائل هذا العلم، ثم اشتغل العلماء بعد ذلك بشرح وترتيب وتصنيف وتبويب هذا الكتاب، حتى اشتهرت مقدمة ابن الصلاح، بحيث إنك لو سألت طلبة العلم: من أول من وضع هذا العلم؟ لقال لك: ابن الصلاح، ونسي الرامهرمزي؛ لأن كتابه في الحقيقة قليل النفع إذا قورن بكتاب مقدمة علوم الحديث لـ ابن الصلاح.\nوليس معنى أنه قليل النفع أنه لا ينتفع به أبدًا، بل بالعكس، ففيه مسائل لا تجدها في غيره، ويكفي أنه كتاب في قوانين الرواية مسندًا، يعني: يرويه بإسناد، وهذه ميزة لا تتوفر في أي كتاب صُنف في أصول الرواية مطلقًا، فلم يصنف أحد في أصول الراوية كتابًا مسندًا إلا أبا محمد الرامهرمزي.\nثم بعد ذلك تتابع العلماء وتكاثروا في التصنيف في هذا الفن وفي هذا الشأن.\nومنهم من اهتم بقوانين الرواية، ومنهم من اهتم بالآداب التي ينبغي على الراوي والمستمع أن يتحليا بها، وبرز في هذا الشأن الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى، فإنه صنف في كل فن يمس الرواية، سواء من حيث القوانين أو من حيث الأدب، وأشهر كتاب له وأجمعه في قوانين الراوية كتاب الكفاية، وقوانين الرواية هي: الأصول العلمية والقواعد الكلية لعلم مصطلح الحديث، وصنف كتابًا عظيمًا غزير الفائدة في أدب الرواية، أي: فيما ينبغي على العالم والمتعلم أن يتحليا به من أخلاق وآداب، سواء كانت هذه الأخلاق والآداب مع الله ﷿، أو مع طلبة العلم، أو مع الكتب التي يتعامل معها؛ سواء العالم أو المتعلم.\nاسم هذا العلم هو: أصول الحديث، ومصطلح الحديث، وأصول الرواية، ومصطلح أهل الأثر.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>حكم تعلم مصطلح الحديث</span>\nتعلمه فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، فإذا لم يقم به أحد أثم من كان بإمكانه أن يتعلم فتقاعس.\nوحكم أي علم فرض كفاية، ولكن الشروع فيه يجعله فرض عين، فإذا تعلمت علم أصول الفقه مثلًا أو شرعت في تعلمه، ثم آنست من نفسك الرشد والتقدم في الطلب في هذا الباب، وزكّاك من كان أهلًا للتزكية بأنك كفؤ لهذا العلم؛ فإن تقاعست ورجعت مرة أخرى فأنت آثم.\nولا يجوز لك في هذه الحالة أن تقول: سأتركه، فإنما هو فرض كفاية، نعم كان فرضًا كفائيًا عليك قبل أن تشرع فيه، ولكن بشروعك فيه وجب عليك أن تستمر فيه.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>مسائل علم مصطلح الحديث ونسبته إلى غيره من العلوم</span>\nمسائله: هي المسائل المتعلقة بالسند والمتن من حيث القبول والرد.\nوأما نسبته فهذا العلم مباين للعلوم الأخرى تمامًا؛ لأن له قواعده وأصوله الخاصة به، فهو مباين للعلوم الأخرى ومخالف لها، فمسائله غير مسائل أصول الفقه، وغير مسائل الفقه، وغير مسائل اللغة العربية.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>أهمية علم مصطلح الحديث لبقية العلوم</span>\nيقول علماء الحديث: إن علم أصول الحديث هو أصل جميع العلوم الشرعية؛ لأن القواعد والأصول التي وضعها المحدثون أو النقّاد استفاد منها جميع الطوائف، سواء في التاريخ والكتابة فيه، أو في اللغة والتأصيل اللغوي، وغير ذلك من العلوم الشرعية، فقد استفادوا من القواعد والموازين التي وضعها النقاد وعلماء الحديث، وقالوا: إن أهمية هذا العلم لبقية العلوم تأتي في المرتبة العليا؛ لأن العلوم الأخرى تستفيد مباشرة من هذا العلم ولا يستفيد هذا العلم كثيرًا من بقية العلوم.\nيقول المصنف: إن علم أصول الحديث وقواعد اصطلاح أهله لا بد منها للمشتغل برواية الحديث؛ إذ بقواعده يتميز صحيح الرواية من سقيمها، ويعرف بها المقبول من الأخبار والمردود، وهذا العلم كقواعد النحو التي يعرف بها صحة التراكيب العربية، فلو سمي منطق المنقول وميزان تصحيح الأخبار لكان اسمًا على مسمى.\nأي: لو سمينا هذا العلم وهو علم مصطلح الحديث: منطق المنقول -والمنقول، هو: ما نقل إلينا تواترًا أو آحادًا- وميزان تصحيح الأخبار لكان هذا أيضًا يصدق على هذا العلم.\nيقول: وقد حرّر العلماء هذه القواعد التي وضعوها لقبول الحديث وحققوها بأقصى ما في الوسع الإنساني؛ احتياطًا لدينهم، فكانت قواعدهم التي ساروا عليها أصح القواعد للإثبات التاريخي، وأعلاها وأدقها، وتبعهم فيه العلماء في أكثر الفنون النقلية، فاتبعهم علماء اللغة وعلماء الأدب والتاريخ وغيرهم، فاجتهدوا في رواية كل نقل في علومهم بإسناده، وطبقوا قواعد هذا العلم عند إرادة التوثق من صحة النقل في أي شيء يرجع فيه إلى النقل، فهذا العلم في الحقيقة أساس لكل العلوم النقلية.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>أصل نشأة علم مصطلح الحديث</span>\nثم يقول: وقد نشأ هذا العلم مع نشأة الحديث الشريف -يعني: نشأ هذا العلم ومسائله منذ دعوة النبي ﷺ- وكان صاحب الرسالة ﵊ هو الواضع لجذور هذا العلم وأسسه، فقد جاء عنه أنه قال: (نضّر الله امرأ)، الحديث.\nيقول: وقوله: (من سُئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة).\nفهذان الحديثان أصلان عظيمان في ضبط الرواية، فالحديث الأول في ضبط الرواية، (نضّر الله امرأ سمع منا مقالة فوعاها فأداها كما سمعها).\nوالحديث الثاني في وجوب تبليغ الحديث ونقله، وهذا أيضًا أصل من أصول الرواية، وقد فهم المسلمون من كل هذا أنه يجب عليهم أن يحفظوا عن رسولهم كل شيء، وقد فعلوا، وأدوا الأمانة على وجهها، ورووا الأحاديث عنه إما متواترة في اللفظ والمعنى، وإما متواترة في المعنى فقط، وإما مشهورة أو غير مشهورة.\nأي: أحاديث الآحاد.\nوكذلك جاء عنه ﷺ أنه قال: (من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار).\nوهذا الحديث أصل عظيم في التحذير من وضع الحديث واختلاقه.\nأي: وصنعه عليه ﷺ وهو لم يقله.\nوكما أن في القرآن الكريم توجيهًا عامًا إلى بعض قواعد هذا الفن، وهو التثبّت من صدق الراوي والتروي في تصديق خبره -أي: والتمهُّل في تصديق خبر المُخبِر- وذلك من قوله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦].\nوهذه الآية بمفهوم المخالفة تدل على أن العدل لو أتى بالرواية لا يلزمنا أن نبحث فيما أتى به، وإنما نقبله لعدالته وضبطه وتوثيقه، إلا أن الصحابة الكرام كانوا في زمنه ﷺ أمناء ضابطين، وما صدر عن بعضهم إنما هو نوع من السهو والخطأ والغلط؛ لأن هذا لا ينفك عنه إنسان، إلا الأنبياء فإنهم معصومون فيما أُمروا فيه بالبلاغ.\nيقول: وهو نزر يسير -يعني: ما أخطأ الصحابة إلا في النزر اليسير- لا يكاد ينسب إليهم ولا تنبني عليه قواعد، وقد تلقى الصحابة أقوال الرسول ﷺ منه مباشرة، وشهدوا أفعاله وأحواله، فإذا أُشكل عليهم شيء كان يمكنهم الرجوع إليه ﷺ لرفع هذا الإشكال أي: أنهم لم يكونوا بحاجة إلى علماء ونُقّاد يرجعون إليهم؛ لأن النبي ﷺ يُغني عنهم وعن الأمة كلها.\nفلم يكن لتشعب هذا العلم من حاجة في حياته ﷺ؛ لأن العصر هو عصر وحي وتشريع، فلم يكن يُحتاج لأكثر من التحرز عن الوهم والخطأ والنسيان.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>تشدد الخلفاء الراشدين في قبول الرواية</span>\nولما توفي رسول الله ﷺ وجاء عصر الخلفاء الراشدين شدد هؤلاء الخلفاء في قبول الرواية عن رسول الله ﷺ وعملوا على ضبطها وتقليلها؛ خشية انفلات الناس عن القرآن الكريم واشتغالهم بها، وخوفًا من أن يتخذها المنافقون ذريعة للزيادة فيها، وسلمًا لتزييف الحديث عن رسول الله ﷺ، ولئلا تزل أقدام المكثرين فيسقطوا في هوة الخطأ والنسيان، فيكذبوا على رسول الله ﷺ من حيث لا يشعرون.\nوأما عملهم على التقليل من الرواية فقد روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قيل له: أكنت تحدث في زمن عمر هكذا؟ أي: أكنت تكثر من الرواية في زمن عمر كما تكثر في هذا الزمان؟ قال: لو كنت أحدث في زمان عمر مثلما أحدثكم لضربني بمخفقته، أي: بالدرة.\nوجاء مسندًا إلى عمر ﵁ أنه قال: أقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ وأنا شريككم.\nوعن عثمان أنه أرسل السائب بن يزيد إلى أبي هريرة ﵁ فقال: قل له يقول لك أمير المؤمنين عثمان بن عفان: ما هذا الحديث عن سول الله ﷺ؟ -أي: ما هذا الحديث الكثير الذي تحدث به عن رسول الله؟ لقد أكثرت لتنتهين أو لألحقنك بأرض دوس، وهذا تهديد من عثمان بن عفان لـ أبي هريرة، وأبو هريرة دوسي.\nوقد دافع أبو هريرة ﵁ عن نفسه حينما خشي على نفسه التهمة، فأجاب أم المؤمنين عائشة ﵂ حينما قالت له: ما أكثر ما تحدث عن رسول الله -أي: إنك تحدث كثيرًا- إنك لتحدث بأشياء ما سمعنا رسول الله ﷺ يقولها، فرد عليها بقوله: كان يشغلكِ عنها المرآة والمكحلة، أي: أن السبب في عدم سماعكِ للرواية التي سمعتها شغلك بالتزين لرسول الله ﷺ، وأما أنا فكنت أتبعه على شبع بطني، وفي رواية عند البخاري أنه قال: كان الأنصار أهل زراعة، وكان أهل مكة أهل تجارة، فكان هذا ينصرف إلى تجارته وهذا ينصرف إلى زراعته، وأما أنا فكنت ألزم النبي ﷺ.\nوبناء عليه فقد تحمّل أكثر من غيره.\nيقول: كان يشغلكِ عنها المرآة والمكحلة، ولم يشغلني عنها شيء.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>طريقة نقد الحديث عند الصحابة</span>\nيقول: وكان يستعمل الصحابة طريق النقد للحديث -أي: مسألة نقد الحديث- بعرضه على كتاب الله تعالى، فكانوا يأخذون الحديث فيعرضونه على كتاب الله، ونصوص آياته المحكمة، وقد كانوا يردون بعض الروايات إن خالفت نصًا من القرآن الكريم، ومثال ذلك ما فعله عمر ﵁ في رد رواية فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثًا، فلم يجعل رسول الله ﷺ لها سكنى ولا نفقة بقوله: لا نترك كتاب الله ولا سنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت.\nفالله ﷿ جعل لها السكنى والنفقة في قوله: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:١].\nومنه قول عائشة ﵂ حينما سمعت حديث عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، قالت: (رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله ﷺ أن الله يعذّب المؤمن ببكاء أحد، ولكن قال: إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه).\nوقالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤].\nوإن كانت المسألة فيها كلام آخر، لعله لا يخفى على الجميع.\nوأعداء الإسلام في الطعن يطعنون في أبي هريرة، ويقولون: إنه كان يأتي بهذه الأحاديث من عنده، وأنه كان يختلقها ويصنعها ويكذب فيها على رسول الله ﷺ، ويستدلون على ذلك بأنه كان يخاف من الرواية من عمر، فلما مات عمر لم يكن هناك أي داع من الخوف، فانطلق يكذب على رسول الله هنا وهناك.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>علة تشدد الصحابة في رواية الحديث والتحرز منها</span>\nولو عرفنا العلة والحكمة من حرص الصحابة على تقليل الرواية وتشددهم في قبول الأخبار؛ لعلمنا أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك من باب الاحتياط والتحرز، لا ردًا ولا تكذيبًا لما يأتي به الصحابي؛ لأن الصحابة كلهم عدول، ومن قال فيهم بغير ذلك فإنما هو الفاسق.\nيقول: وجدير بالتنبيه أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك للاحتياط في ضبط الحديث، لا لتهمة أو سوء ظن، وإنما من باب الاحتياط والتحرز في قبول الأخبار.\nوالكذب منتف من الصحابي، وأما التحرز فخوفًا من سهو الصحابي ووهمه وخطئه، وكل ذلك إنما يصدر عن الصحابي عن غير عمد، فلزم من ذلك أن نتحرز ونحتاط لقبول روايته، وهذا في حالة الشك فيما أتى به الصحابي، لا في كل الأحاديث ولا في كل ما ينقله الصحابي، وإنما في حالة الشك فقط، وإلا فالأصل أن تُقبل رواية الصحابي بلا تحرز أو احتياط أو تصنيف؛ لأنها ليست محلًا للشك، ولا تخالف أصلًا من أصول الشريعة، فهي لا تخالف كتاب الله، ولا حديثًا آخر، ولا غير ذلك من وجوه المخالفة.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>رد الصحابة لبعض الأحاديث لمخالفتها للأصول</span>\nويقول: وكذلك رد بعض الأحاديث كان اجتهادًا منهم، لمخالفتها ما استنبطوه من القرآن، ولذلك نجد بعض الصحابة ومن بعدهم عملوا بما رده غيرهم.\nإذًا: كان رد الصحابة لهذه الأحاديث بأصول، ولا أدل على ذلك أن العلماء الذين أتوا من بعدهم عملوا بما رده البعض، ولو كان مردود حكمًا لما جاز العمل به بعد ذلك.\nيقول: ولذلك نجد بعض الصحابة ومن بعدهم عملوا بما رده غيرهم؛ لأنهم باجتهادهم رأوه غير معارض للأدلة.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>وجود أحاديث متعارضة لم يتوصل فيها إلى جمع أو رد</span>\nوهناك أحاديث ظاهرها التعارض ولم يتوصل فيها إلى جمع أو رد، يعني: كلما نأتي بوجه من وجوه الترجيح لا ينطبق عليها، فقالوا: إن هذه الروايات تظل هكذا بلا عمل، لا من باب أنها ضعيفة ومردودة، وإنما من باب أنه ليس هناك وجه يترجح به قبول إحدى الروايتين على الأخرى أو رد إحداهما، وربما يأتي بعد ذلك من يجتهد في العمل بالروايتين أو أحدهما بوجه من وجوه الترجيح.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>ظهور الوضع في الحديث وسببه</span>\nولما وقعت الفتنة بمقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁ وما تبع ذلك من التفرق وظهور الأحزاب والفرق في خلافة علي بن أبي طالب ﵁ وخاصة بعد مقتله، كالشيعة والخوارج.\nوهاتان الفرقتان متضادتان، فالشيعة هم أشياع علي وأتباعه، والخوارج هم من خرجوا على علي بن أبي طالب.\nوبظهور هاتين الفرقتين ظهر الوضع، وخاصة في بعض فرق الشيعة، وكذلك في بعض فرق الخوارج؛ لأنهم كانوا يستحلون الكذب على رسول الله ﷺ.\nوكان الداعي لكل فرقة في وضع الأحاديث نصرة المذاهب، فالشيعة يضعون أحاديث لنصر مذهب التشيع، أو يضعون أحاديث في فضل علي وآل البيت، والخوارج يضعون أحاديث في فضل خروجهم على علي، أو في ذم علي ومن تبعه من الشيعة.\nورافق ذلك دخول بعض الملحدين بين صفوف المسلمين لإيقاد نار الفتنة بين تلك الفرق، كشأن الفُسّاق والمجرمين في كل زمان ومكان، ولتوسيع شقة الخلاف فيما بينها، وقد نشط بعض أولئك الملحدين وأهل البدع والأهواء في وضع الأحاديث المكذوبة على لسان رسول الله ﷺ لنصرة مذهبهم، وتعظيم بدعتهم والالتفاف حول فرقتهم.\nوقد تنبه العلماء من أهل السنة إلى هذا الخطر العظيم الداهم على السنة وأهلها، فوقفوا تجاه هذا الخطر موقفًا حكيمًا، يدل على نباهتهم ودقتهم، فلم يعودوا يقبلون الأحاديث من أي إنسان، واشترطوا على الراوي ذكر من روى عنهم، فاشترطوا الإسناد في الرواية حينما وقعت الفتن وظهر الكذب، وكانوا ينظرون في الإسناد تارة وفي المتن تارة أخرى، فإن كان الإسناد فيه راو شيعي نظروا فيه، فإن كان شيعيًا غاليًا ردوا روايته، وإن كان غير غال نظروا بعد ذلك، هل الرواية التي رواها تؤيد بدعته أم لا؟ فإن كانت تؤيدها ردوا روايته، وإن لم تكن تؤيدها قبلوا روايته مع أن أحد رواتها مبتدع أو على خلاف منهج أهل السنة؛ لأن معظم الفرق لم تكن تستحل الكذب، والعدل يقتضي أخذ الكلام المنضبط من أصحاب العدالة ومن غير أصحاب العدالة، ما دام الكلام نفسه منضبطًا.\nقال: وقد أخرج مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين وغيره من أهل العلم أنه قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>ظهور الأحاديث المرسلة وسببها</span>\nثم ظهرت مشكلة الأحاديث المرسلة، فقد كان كثير من علماء القرن الأول الهجري الذين يروون الأخبار والآثار يرفعونها إلى النبي ﷺ، كـ سعيد بن المسيب وقيس بن أبي حازم وغيرهما من كبار التابعين، فيقولون: قال رسول الله ﷺ، دون أن يحددوا الصحابي أو التابعي الذي رووا عنه هذا الحديث؛ لأنه لم يكن هناك حاجة إلى ذكر الإسناد، ولا إلى ذكر من سمع منه ذلك الرجل، فلما شدد العلماء في الرواية لظهور الفتن ظهرت هذه المشكلة، ولذلك نجد معظم المراسيل عند كبار التابعين؛ لأنه لم يكن يشترط في الرواية ذكر السند في ذلك الوقت، ولذلك هناك أحاديث كثيرة عند كبار التابعين لم يُعرف لها اتصال سند.\nقال: عن ابن سيرين ﵀: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم -أي: حتى يعرف من هو من أهل البدع ومن هو من أهل السنة- فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم.\nفكانت بداية التحرز والنقد وضبط الأسانيد بظهور الفتن.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>حث الصحابة والعلماء على الاحتياط في قبول الحديث</span>\nوقد حث علماء الصحابة الناس على الاحتياط في حمل الحديث عن الرواة، وألا يأخذوا إلا حديث من يوثق به دينًا وحفظًا.\nوالدين المقصود بها العدالة، والحفظ المقصود بها الضبط: ضبط صدر وضبط كتاب، حتى شاع في عرف الناس هذه القاعدة: إنما هذه الأحاديث دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم.\nوهذا القول الذي قال عنه المصنف: إنه قاعدة كلام جميل، وإنما هو ثابت من كلام عبد الله بن المبارك ﵀.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"1","page":30},{"text":"دورة تدريبية في مصطلح الحديث <span data-type=\"title\" id=toc-31>[٢]</span>\nنشأ علم مصطلح الحديث لما ظهرت الفرق والبدع؛ للدفاع عن سنة النبي ﷺ، فقد اهتم العلماء بالحديث وتدوينه والبحث عن رجال إسناده، لحفظ سنة النبي ﷺ، فظهر علم الجرح والتعديل، وتوثيق الرواة وتضعيفهم حسب حالهم في ذلك.\nوقد وضع علماء المصطلح مصطلحات لهذا العلم، يجب على كل من أراد دراسة هذا العلم دراستها وفهمها وإلا وقع في الخطأ؛ إذ إن معرفتها مهمة جدًا لمعرفة كلام العلماء وفهمه، ومن هذه المصطلحات ما هو مفتاح لعلم المصطلح وبداية الدخول فيه.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>أسباب نشأة الإسناد وظهور علم الجرح والتعديل</span>\nباسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nكان منشأ ومبدأ ظهور البدع والفرق أحد العوامل والأسباب والدوافع على ظهور الوضع في الحديث؛ لأجل نصر البدعة والهوى، وهذا شأن أصحاب البدع في كل زمان ومكان، فهم يختلقون ويصطنعون الكلام المزين ظاهرًا والمزيف باطنًا لأجل نصرة بدعتهم وهواهم.\nوأصحاب الحديث والرواية قبل ظهور الفتن والبدع لم يكونوا يسألون عن الأسانيد، بل ولا يروون الحديث بإسناده، فلما ظهرت الفتن وظهر ما ظهر قالوا: سموا لنا رجالكم، وكما يقول ابن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما ظهرت الفتن قلنا لهم: سمّوا رجالكم، فمن كان من أهل السنة أخذنا حديثه، ومن كان من أهل الأهواء والبدع طرحنا حديثه.\nوكان هذا هو بداية نشأة علم الجرح والتعديل.\nفبداية نشأة علم الجرح والتعديل كان بظهور الفتن، وقد حث علماء الصحابة الناس على الاحتياط في حمل الحديث عن الرواة، وألا يأخذوا إلا حديث من يوثق به دينًا وحفظًا، والمقصود بالدين هنا العدالة، والمقصود بالحفظ الإتقان والضبط.\nوشاع في عرف الناس هذه القاعدة: إن هذه الأحاديث دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم.\nوهذا ثبت من قول عبد الله بن المبارك ﵀.\nوروي مثل هذا القول عن مالك وغيره.","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>ألفاظ الجرح والتعديل</span>\nلما نشأ علم الجرح والتعديل -وهو علم ميزان الرجال- عدل من الرجال من كان مستحقًا للتعديل بألفاظ معروفة، منها ما هو على صيغة أفعل التفضيل، كأن يقولوا: أوثق الناس، أو أثبت الناس، أو أتقن الناس، ومنها ما هو ذو صيغة مكررة، كأن يقولوا: ثقة ثقة، وهذا التكرار للتأكيد والمبالغة في شدة توثيقه، ومنها ما يجمع فيه بين صفتين، كأن يقولوا: ثقة متقن، أو حافظ ضابط، وغير ذلك من الألفاظ التي تجتمع مع بعضها، وهناك من يقولون فيه: ثقة، أو صدوق، أو مقبول، أو لا بأس به، أو ليس فيه بأس، وغير ذلك من الألفاظ التي تدخل ضمن التعديل.\nوأما المجروح فيقولون فيه: أكذب الناس، وهذا شر أنواع الجرح، أو أسرق الناس للحديث، أو وضّاع، أو كذّاب، أو منكر الحديث، أو سيئ الحفظ، أو ضعيف، أو متهم، أو يروي المناكير، أو فيه ضعف يحتمل، أو فيه ضعف يسير، أو مستور، أو مجهول.\nوكل هذه الألفاظ تدخل في باب الجرح.\nوفرق بين الجرح والجُرح، فالجُرح بضم الجيم هو: ما سال منه الدم، وهو في الأبدان.\nوأما الجرح بفتح الجيم فهو: المصطلح الذي يُطلق على علم الجرح والتعديل.\nوهناك من يسأل: ما رأيك في علم الجُرح والتعديل، فهذا لا بد من جرحه وضربه! وظهور الفتن كانت سببًا في نقد الرجال، وهذا النقد للرجال أطلق عليه علم الجرح والتعديل، وهو قطب الرحى بالنسبة للعلوم الحديثية.","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>الرسول ﷺ هو واضع قواعد علم المصطلح</span>\nالرسول ﷺ هو الذي وضع أسس وقواعد علم مصطلح الحديث، وأسس قواعد علم الجرح والتعديل، ففي حديث حفصة أم المؤمنين ﵂ أنها لما سألت النبي ﷺ عن أخيها عبد الله بن عمر قال: (إن عبد الله رجل صالح لو كان يقوم من الليل).\nفعلّق الصلاح هنا على قيام الليل في حق عبد الله.\nفقوله هنا: (عبد الله رجل صالح) هذا تعديل وتزكية لـ عبد الله بن عمر ﵄ من الرسول ﷺ.\nوأما الجرح فمستنده من حديث رسول الله ﷺ ما رواه الخطيب بسنده عن عائشة ﵂ أن رجلًا استأذن على النبي ﷺ فقال: (ائذنوا له فبئس أخو العشيرة).\nثم لما دخل الرجل -وكان من المنافقين- على النبي ﷺ هش في وجهه وبش وضحك ومازحه ولاطفه، فقالت عائشة: يا رسول الله! رأيتك تصنع ما لم تكن تصنعه من قبل! قال: إن هؤلاء قوم تبغضهم قلوبنا، أي: لأنهم منافقون.\nوقوله هنا: (فبئس أخو العشيرة) جرح.","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>مشروعية الجرح والتعديل</span>\nيقول الخطيب: في قول النبي ﷺ للرجل: (بئس أخو العشيرة) دليل على أن إخبار المخبر -والمخبر هنا بمعنى الناقد- بما يكون في الرجل من العيب على ما يوجب العلم والدين، فشرط إخبارك عن رجل بعيب فيه أن يكون ذلك من باب النصيحة في الدين، ولو لم يكن هذا الغرض من باب النصيحة في الدين فهذه غيبة.\nيقول: إنه من النصيحة للسائل، وليس ذلك غيبة، إذ لو كان ذلك غيبة لما أطلقه النبي ﷺ، وإنما أراد ﵊ بما ذكر فيه -والله أعلم- أن يبين للناس الحالة المذمومة منه، وهي النفاق من ذلك الداخل والفحش، فيجتنبوها، لا أنه أراد الطعن والسب.\nقال: ومما يؤيد ذلك حديث فاطمة بنت قيس حيث قال لها الرسول ﷺ: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه).\nوذلك عندما ذهبت فاطمة بنت قيس تستشير النبي ﷺ في أبي جهم ومعاوية اللذين تقدما لخطبتها، فقال: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه).\nولا شك أن هذا نوع جرح، ولكنه هنا من باب النصيحة في الدين.\nفالنبي ﷺ أراد أن يعلمها ويخبرها بما يعلمه عن أبي جهم فقال: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه)، أي: فإن قبلتيه على هذا فلكِ ذلك وهو شأنكِ، (وأما معاوية فصعلوك).\nوالصعلوك في اللغة هو من لا مال له.\nثم أشار النبي ﷺ عليها بأن تنكح أسامة بن زيد ﵄، فنكحها أسامة بن زيد وكان بينهما خير كثير، أي: أنها قبلت نصيحة النبي ﷺ.\nففي هذا الخبر دلالة على أن الجرح جائز في الضعفاء من جهة النصيحة؛ لتجتنب الرواية عنهم، وليُعدل عن الاحتجاج بأخبارهم؛ لأن رسول الله ﷺ ذكر عن أبي جهم أنه لا يضع عصاه عن عاتقه، وأخبر عن معاوية أنه صعلوك لا مال له، ولكن بشرط ألا يتعدى ذلك المستشير.\nوهنا فرق بين مسألتين، مسألة أن تأتي امرأة تسألك أنه تقدم لها فلان وتسألك عن رأيك فيه، فيجب عليك في هذا الوقت أن تنصحها بما تعلم إن كان يصلح لها أو لا يصلح.\nومسألة أن تتبرع وتتصدق بأن تذكر لها ذلك دون أن تسألك، فهذا غير جائز إلا إذا سُئلت، والنبي ﷺ يقول: (المستشار مؤتمن)، أي: أنه أمين على المشورة.\nويقول ﷺ: (أيما رجل استشير في مسألة فأشار فيها بأمر وهو يعلم أن الرشد في غير ما أشار به فقد خان).\nوذكر العيوب الكاملة في بعض نقلة السنن التي يؤدي السكوت عن إظهارها عنهم وكشفها عليهم إلى تحريم الحلال وتحليل الحرام، وإلى الفساد والإفساد في شريعة الإسلام؛ أولى بالجواز وأحق بالإظهار.\nأي: إذا كانت الغيبة مسموح بها شرعًا فيما يتعلق بزواج رجل من امرأة أو بدخول رجل أو خروجه، فلا شك أنها واجبة من باب أولى في راو يتعلق بنقل الحلال أو الحرام؛ لأنه ربما يأتي وضّاع فيروي رواية تحل حرامًا في الأصل، أو تحرم حلالًا في الأصل، فلو لم تكن النصيحة هنا -بمعنى جرحه وإظهار عيبه- واجبة في هذا الموطن فلا شك أنه سيغير الشريعة تمامًا، فيجعل الحلال حرامًا والحرام حلالًا، فالنصيحة هنا وإظهار العيب من أوجب الواجبات.","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>من تكلم من الصحابة والتابعين في الرجال</span>\nوقد تكلم الصحابة بعد النبي ﷺ في الرجال، ومنهم: عبد الله بن عباس، وعبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، وعائشة ﵃.\nثم تكلم من التابعين إمام التابعين سعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، وابن سيرين، وكان كلامه قليلًا؛ لقلة الضعف وندرته في ذلك العصر، فـ ابن سيرين كان أقل الناس كلامًا في الرجال، والكلام في هذا العصر كان كله قليلًا؛ لعدم الحاجة إليه؛ لأنهم في هذه الأزمان لم يكونوا بحاجة إلى علم نقد الرجال.\nوفي أوائل القرن الثاني الهجري ظهر ما لم يظهر في القرن الأول، وبناء عليه احتيج إلى ما لم يكن موجودًا في القرن الأول.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>بداية عصر تدوين الحديث</span>\nيقول: بدأ عصر تدوين الحديث بأمر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز على يد محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن زهرة المشهور والمعروف بـ الزهري، أو بـ ابن شهاب الزهري لما طلب إليه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أن يجمع السنة، فطلب منه الزهري ﵀ أن يجعل معه أبا بكر بن عمرو بن حزم -وهذا غير أبي محمد بن حزم الظاهري، فالأول متقدم والثاني متأخر- فانطلقا يجمعان السنة، فرحلا وسهرا وتعبا ونسخا، وواصلا الليل بالنهار في جمع السنة بأمر من الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵀.\nوهنا يقال: إن أول من دون علم الحديث هو الزهري، وهذا تغليب، فهو أول من اشتهر بتدوين وكتابة السنة، وإلا فقد كانت السنة مكتوبة في عصر النبي ﷺ.\nوقد أخذت كتابة الحديث أهمية عظيمة في عصر النبي ﷺ وبعد عصر النبوة.","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>اختلاف العلماء في حكم تدوين الحديث</span>\nاختلف أهل العلم في تدوين الحديث بين مجيز ومانع، وبين مجيز بشروط، وليس هذا وقت تفصيل هذه المسألة.\nوفي حديث عبد الله بن عمرو حينما قال له أهل قريش: إنك تكتب عن رسول الله وهو بشر يتكلم في الغضب والرضا -وقصدوا بذلك أنه يتكلم بكلام لا يستحق أن يسجّل في وقت غضبه- فأخبر بذلك النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: (اكتب؛ فوالذي نفس محمد بيده لا يخرج منه إلا حقًا، وأشار إلى فيه ﷺ).\nوفي حديث أبي شاة الرجل اليمني الذي حج مع النبي ﷺ حجة الوداع لما سمع منه تلك الخطبة المشهورة قال كما في حديث جابر في صحيح مسلم الطويل: (مر لي بكتابة هذا الكلام، فقال النبي ﷺ: اكتبوا لـ أبي شاة).\nوجاء في حديث آخر النهي عن كتابة الحديث، فقد قال النبي ﷺ: (لا تكتبوا عني ومن كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحه).\nوهذا ظاهره المعارضة للحديثين السابقين، ويمكن الجمع بين هذه الأدلة بأن النهي عن كتابة الحديث كان في صدر النبوة؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بالإسلام وبكلام الله ﷿ وكلام النبي محمد ﷺ، فكان هناك خشية وخوفًا من اختلاط الكلام النبوي بكلام الله ﷿، فنهوا في أول الأمر عن التدوين، خاصة وأن العرب كانوا أهل حفظ وضبط وإتقان، فاستغنى الناس في أول الزمان بالحفظ والسماع عن الكتابة والتدوين، ولم يكن هناك حاجة لتدوين الحديث.\nوقد أذن النبي ﷺ لبعض الصحابة بتدوين ونسخ القرآن الكريم، واتخذ النبي ﷺ له كُتّابًا سموا بكتاب الوحي، قيل: إنهم كانوا أربعة وعشرين رجلًا، وقيل: أربعين رجلًا.\nفالنبي ﷺ أمر بنسخ القرآن وكتابته، ولكن الخلاف دار حول مسألة تدوين الحديث، فكان المنع ثم الإباحة بعد ذلك، وكان المنع لعلة، ثم لما انتفت العلة أبيحت الكتابة.","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>دور الإمام الزهري في نشأة علم مصطلح الحديث</span>\nبعد أن دون ابن شهاب الزهري علم الحديث وجمعه من الصحف وغير ذلك، عُني بوضع أصول علم الحديث الذي كان في عصره، وبيّن حدود الحديث المقبول من المردود، حتى قيل: إنه واضع علم مصطلح الحديث.\nوقد قلنا: إن علم مصطلح الحديث له جذور في الكتاب والسنة، وله جذور أيضًا عند الصحابة، وكذلك علم الجرح والتعديل له جذور في الكتاب والسنة، وعند الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ لأنهم تكلموا في الرجال.\nوالإمام الشافعي أول من صنّف في علم أصول الفقه في كتاب الرسالة.\nولكن لا يقال: إن الشافعي هو أول من فهم وفقه وعرف هذا العلم، فقد كان هذا العلم معروفًا سليقة عند الصحابة والتابعين ومن بعدهم.\nفهناك فرق بين العلم بالشيء وبين تدوينه، فالعلم بأصول الفقه كان معروفًا عند من تقدم على الشافعي، ولكنه لم يدون كتابة إلا على يد الشافعي، وكذلك علم أصول الحديث كان معروفًا قبل الزهري من زمن فتنة الخوارج والشيعة، والفرق بين زمان الزهري وزمان علي بن أبي طالب طويل، وبناء عليه لا يمكن أن يقال: إن الزهري أول من عرف علم أصول الحديث، ولكن يقال: إنه أول من اعتنى به وسطره كعلم من العلوم.","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>تشدد الزهري في الإتيان بسند الحديث</span>\nروى ابن أبي حاتم بسنده إلى الزهري قال: كان ابن شهاب إذا حدّث أتى بالإسناد، ويقول: لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجة، يعني: لا يمكن أحد يصعد إلى السطح إلا بسلّم.\nوروى الحاكم بسنده إلى الزهري أنه سمع إسحاق بن أبي فروة يقول: قال رسول الله ﷺ، قال رسول الله ﷺ، فقال له الزهري: قاتلك الله يا ابن أبي فروة! ما أجرأك على الله، ألا تسند حديثك؟ تقول: قال رسول الله، قال رسول الله؟ -وبين إسحاق بن أبي فروة وبين النبي ﷺ ما لا يقل عن ثلاث طبقات- تحدثنا بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة؟ أي: ليس لها إسناد.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>أسباب التوسع في نقد الحديث ونشاط التأليف في الحديث</span>\nوفي أوائل هذا القرن -أي: القرن الثاني- وجد من يروي المرسل والمنقطع، ووجد الضعفاء من صغار التابعين، وأما في منتصفه فازداد أهل البدع والأهواء، وكثرت الفرق التي منها ما كان داخلًا في الإسلام، ومنها ما هو مارق بالكلية، كالإسماعيلية والباطنية والفاطمية وغيرهم، فإنهم لا حظ لهم في الإسلام البتة، وظهر من يتعمد الكذب، واضطر أئمة الحديث إلى توسيع النظر والاجتهاد في التفتيش عن الرواة، ونقد الأسانيد، فتكلم الإمام مالك في الرواة وصنّف كتابًا سمّاه الموطأ بإذن المنصور، ولم يرو فيه إلا الأحاديث المقبولة -أي: التي ثبتت عدالة رواتها عنده، ولم يأخذوا إلا عن الموثوقين الضابطين للحديث، كما تكلم شعبة بن الحجاج ومعمر وهشام الدستوائي، ثم ابن المبارك وابن عيينة، وكل هؤلاء كانوا من أئمة نقد الرجال والأحاديث.","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>ازدهار علم الحديث في القرن الثاني والقرن الثالث</span>\nلم ينته هذا القرن حتى وجد كثير من أنواع علوم الحديث، ووضعت له الضوابط والاصطلاحات، ولكن لم يدون منها إلا شيء قليل، ومعظمها كان محفوظًا في الصدور، كشأن أي علم من علوم الإسلام، إلا ما كتبه الإمام الشافعي من فصول وأبحاث داخل كتابه الرسالة، وشروط الحديث الصحيح، فالإمام الشافعي هو واضع شروط الحديث الصحيح في كتاب الرسالة، وتكلم عن شروط حفظ الراوي والرواية بالمعنى، والمدلِّس وقبول حديثه، كما أنه ذكر في كتابه الأم الحديث الحسن، وتكلم في الحديث المرسل، وناقش الاحتجاج به بقوة، وبحث في غير ذلك من علوم الحديث، ثم نشطت حركة التدوين في القرن الثالث.\nفالقرن الثاني كان بداية حركة التدوين، ثم نشطت حركة التدوين في القرن الثالث، وخاصة تدوين الحديث، ولو نظرت إلى كتب الحديث والسنن المعتمدة -الصحاح منها والمسانيد والمعاجم- لوجدت أن معظمها صنّف في القرن الثالث، ومنها الكتب الستة، ومسند الإمام أحمد بن حنبل وغيرها من الكتب المعتمدة في الحديث.\nثم استقل كل علم بذاته في القرن الثالث، فاستقل علم الفقه، وعلم العقيدة، وعلم الجرح والتعديل، وظهر علم المصطلح.\nففي القرن الأول إلى منتصف القرن الثاني لم يكن تقسيم العلوم معروفًا، ولكن بظهور القرن الثالث ظهرت الاستقلالية التامة لكل العلوم بعضها عن بعض.\nيقول: واستقل كل علم من العلوم استقلالًا متميزًا عن غيره، فصار يقال: علم الحديث الصحيح، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم الجرح والتعديل، وعلم أصول الفقه، وغير ذلك من العلوم.","vol":"2","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>تصنيف العلماء لعلوم المصطلح في القرن الثالث الهجري</span>\nكان القرن الثالث هو عصر الازدهار في التدوين والتصنيف، وقد صُنّفت هذه العلوم مفردة ولكل علم مصنف خاص.\nفألّف يحيى بن معين كتاب تاريخ الرجال، وأحمد بن حنبل صنّف كتابًا في العلل، والبخاري صنّف في الرجال التاريخ الكبير والأوسط والصغير، ويعقوب بن شيبة السدوسي صنّف المسند المعلل ولم يكمله، بل جمع فيه ما يقارب ثلاثين جزءًا، ولو أكمله لجاء في مائتي مجلد.\nوهناك من أكثر في هذا القرن من التأليف في أنواع علوم الحديث كـ علي بن المديني، فقد ألّف في فنون كثيرة حتى بلغت مؤلفاته مائتا كتاب، كما وجد في هذا القرن من كان يكتب شيئًا في علوم الحديث، ويجعله كمقدمة لكتاب في الحديث، كالإمام مسلم في صحيحه، ومسلم توفي سنة (٢٦١هـ)، والبخاري توفي سنة (٢٥٦هـ)، والإمام أحمد بن حنبل توفي سنة (٢٤١هـ)، والشافعي ولد سنة (١٥٠هـ)، أي: في نفس العام الذي توفي فيه أبو حنيفة، وتوفي سنة (٢٠٤هـ)، ومالك توفي سنة (١٧٤هـ).\nومعرفة تاريخ المواليد والوفيات مهم جدًا، فإذا قال شخص: حدثني الشافعي عن الخطيب البغدادي كذبناه؛ لأن التاريخ يكذّبه، وقد دخل رجل على الخطيب البغدادي فقال: حدثني فلان ببلاد الشام، وظل يقول هكذا في عشرين حديثًا، فلما انتهى استدعاه الخطيب البغدادي وقال: من أين أنت؟ قال: أنا من العراق، قال له: ومتى لقيته؟ قال له: سنة (٢٠٤هـ)، قال له: وكيف لقيته وهو قد مات سنة (١٩٨هـ)! أي: أن بين رحلتك وبين موته ست سنوات.\nفمعرفة التواريخ مسألة مهمة جدًا في نقل الأخبار.\nوالإمام مسلم عندما اشترط الصحة في صحيحه شرطه على أصل الصحيح لا على المقدمة؛ لأن المقدمة فيها الضعيف والصحيح، ولما صنّف الإمام مسلم المقدمة لم يقصد بها عين الكتاب، وإنما حث الناس على التحري في نقل الأخبار، وذكر الجرح والتعديل، ومن كان مجروحًا ومن كان معدّلًا، وغير ذلك من المسائل التي ذكرها واهتم بها.\nيقول: وكذلك ما كتبه الإمام أبو داود في رسالة مستقلة إلى أهل مكة، يصف فيها المنهج الذي سار عليه في تصنيف كتابه السنن.\nوقد أفرد الإمام مسلم بالتصنيف كتبًا مستقلة في أبواب مصطلح الحديث، ككتاب الوحدان، وكتاب الطبقات، وكتاب المخضرمين، وكتاب الكنى والأسماء.\nومنهم من كان يجعل تلك الكتابة كملحق لكتاب من كتب الحديث كالإمام الترمذي، فقد جعل كلامه في العلل في آخر كتاب الجامع، وكذا ما بثه من الكلام على أحاديث جامعه في طيات الكتاب من تصحيح وتضعيف وتقوية وتعليل.\nإن الكلام في مقدمة هذا العلم لا ينتهي، وهذه إنما هي نبذة عن هذا العلم، وعن مراحل تدوينه، واهتمام أهل العلم به بقدر الإمكان.","vol":"2","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>تعريف المصطلحات الأولية في علوم الحديث</span>\nلكل علم وفن مصطلحات لابد من معرفتها، ومن لم يعرفها لا يستطيع فهم هذا العلم، فأصحاب الفقه لهم مصطلحات من لم يعرفها فلن يعرف توجيه كلامهم، وأصحاب الحديث لهم مصطلحات تخصهم دون غيرهم، من لم يتعرف عليها لا يستطيع أن يفهم مقصود كلامهم.\nوهذه المصطلحات بدائيات للعلوم، ومن مصطلحات علم مصطلح الحديث: مسألة السند، ومسألة المتن.","vol":"2","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>أولًا: السند</span>\nأولًا: السند: والسند في اللغة: هو ما يعتمد عليه غيره.\nواصطلاحًا هو: سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن.\nوذلك مثل: قال الربيع: حدثني الشافعي عن مالك قال: أخبرني نافع عن ابن عمر، فسلسلة الرواة هؤلاء تسمى السند.","vol":"2","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>ثانيًا: المتن</span>\nثانيًا: المتن وهو في اللغة: ما صلب وعلا وارتفع من الأرض، فكل ما ارتفع من الأرض يسمى متنًا، والمتن هو: الشيء العالي، ومتن البعير أعلى شيء فيه، ومتن السفينة أعلاها.\nوفي الاصطلاح هو: ما انتهى إليه السند من الكلام.\nفالمتن في الاصطلاح هو الكلام، وهذا الكلام مشروط بأن ينتهي إليه السند.\nفلا نقول: المتن هو كلام النبي ﷺ؛ لأنه بالإمكان أن يكون كلام النبي أو من دون النبي، ولذلك قلنا: هو ما انتهى إليه السند من الكلام؛ لأنه يمكن أن ينتهي السند إلى الصحابي أو التابعي، فيكون كلام التابعي أو الصحابي متنًا ما دام قد روي بإسناد، فنقول: إن هذا الكلام الذي قاله الزهري أو ابن سيرين أو سعيد أو غيرهم كلام روي مسندًا.\nوبعض أهل العلم اشترطوا ألا يُطلق لفظ سند إلا إذا كانت طبقات الإسناد لا تقل عن ثلاث طبقات.","vol":"2","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>ثالثًا: الإسناد</span>\nثالثًا الإسناد: بعض العلماء يقولون: الإسناد مرادف للسند، والبعض الآخر يقولون: بل الإسناد يختلف عن السند، فالسند هو سلسلة الرواة، والإسناد حكاية السند، أي: رواية السند بالتحديث أو بالإخبار أو بالعنعنة، أو بالإجازة أو بالوجادة، أو بغير ذلك من صنوف الرواية أو التحمل والأداء.\nفالإسناد هو: تبيين الحال التي روي عليها الحديث، وهل سمعها الراوي الذي رواها أم رواها إجازة؟ والإجازة مثل أن يبعث بكتاب له إلى آخر ويقول له: خذ هذا الكتاب فقد أجزتك أن ترويه عني.\nوالسند والإسناد في الواقع العملي سواء، وهذا هو الغالب من أقوال أهل العلم، فتجدهم عند الحكم على الحديث يقولون: هذا الحديث سنده صحيح، وأحيانًا يقولون: هذا الحديث إسناده ضعيف.","vol":"2","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>رابعًا: المسنَد</span>\nرابعًا: المسند، وهو لغة: اسم مفعول من أسند.\nوأما في الاصطلاح فله ثلاثة معان: المعنى الأول: هو كل كتاب جُمع فيه مرويات كل صحابي على حدة، فإذا جمعت مرويات أبي هريرة عن النبي ﷺ في كتاب واحد سمي مسند أبي هريرة، كما في مسند أحمد.\nوالمعنى الثاني: هو الحديث المرفوع المتصل سندًا، أي: المروي بالإسناد.\nوالمعنى الثالث: هو بمعنى السند، يعني: أن المسند والسند بمعنى واحد.","vol":"2","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>خامسًا: المسنِد</span>\nخامسًا: المسنِد: وهو من يروي الحديث بإسناده، كـ أحمد بن حنبل وأبي داود والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وكالمصنفين الذين صنفوا الكتب المسندة، فكل مصنف من هؤلاء مسنِد؛ لأنه يروي الحديث بإسناده.\nولا يشترط في المسنِد أن يكون عالمًا بما يرويه؛ لقول النبي ﷺ: (فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه).\nومن نوادر طلبة الحديث التي تروى: أن امرأة دخلت الجامع الكبير في الشام، فسألت التلاميذ عن مسألة في الطلاق، فدلوها على الشيخ فسألته فقال لها: لقد وقع الطلاق بدليل قول النبي ﷺ كذا وكذا، فلما سمع الطلبة هذا الحديث قالوا: هذا الحديث رواه فلان عن فلان، وفلان عن فلان عن فلان، وأتى كل واحد منهم بإسناده، ولم يفهموا فقه الرواية.","vol":"2","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>شبهة أعداء الإسلام في عدم وجود علاقة بين أهل الحديث وبين أهل العفة والرد عليهم</span>\nوأعداء الإسلام يستدلون بهذه الروايات وأمثالها وأشكالها على أن أهل الحديث لا علاقة لهم بالفقه، كما أن أهل الفقه لا علاقة لهم بالحديث، فمن قال هذا القول فهو جاهل جهلًا مطلقًا، وليس له دراية بأهل العلم، فالإمام أحمد بن حنبل كان محدثًا فقيهًا، وكذلك الشافعي ومالك والحكم بن عتيبة وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري، وكان الأئمة العظام أئمة في السنة وكانوا فقهاء.\nوقد قيل: إن للفقه أكثر من مائتي مذهب، وليس أربعة أو خمسة كما هو مشهور عند الناس، ولكن هذه المذاهب الأربعة لما اشتهرت عن طريق تلاميذ هؤلاء الأئمة المتبوعين وكان هؤلاء التلاميذ من أهل الحديث، دخل فقههم داخل هذه المذاهب، فلم يكن هناك حاجة لتمييز مذهب كل منهم على حدة.\nوإذا كانت المذاهب أربعة ويحدث هذا القلق في الأمة كلها ما بين مقلّد جاهل أحمق دون نظر، وما بين مجتهد ومجتهد مطلق وغير ذلك؛ فما بالك لو كانت المذاهب مائتي مذهب، كيف سيصير حال الأمة؟","vol":"2","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>اجتهاد أهل العلم في مصطلحاتهم</span>\nلا يسأل أهل العلم عن مصطلحاتهم التي اصطلحوا عليها، فمصطلحهم راجع إلى اجتهادهم في المسألة الواحدة، أو في العلم بعينه، فلا يقال: ما هو الدليل على أن أمير المؤمنين هو من أحاط بالسنة؟ لأنا نقول: إن هذا مصطلح اصطلح عليه أهل العلم في هذا الفن، وليس عليه دليل من الكتاب أو السنة، وإنما هو اجتهاد، ولأهل كل فن مصطلحات وأصول تعارفوا عليها.\nولو سأل شخص النجار مثلًا: ما هو الدليل على أن اسم هذه الآلة (شاكوش)؟ لكان السائل أحمق، فالنجارون اصطلحوا على أن هذا اسمه (شاكوش)، كما اصطلحنا اليوم على أن الرغيف إذا وضع فيه شيء يسمى (سندويتش)، والمجمع اللغوي عجز عن أنه يأتي بكلمة واحدة تساوي نظيراتها في اللغات الأخرى لكلمة (سندويتش)، بل قال: هو كل مشقوق وضع في وسطه شيء.","vol":"2","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>سادسًا: المحدث والحافظ وأمير المؤمنين والحاكم</span>\nسادسًا: المحدث، وهو: كل من أتقن علوم الحديث رواية ودراية، وعرف الرواة في كل طبقة وفي كل عصر، واهتم بجمع الروايات والنظر فيها تصحيحًا وتضعيفًا وحفظًا وغير ذلك.\nوالحافظ قيل: هو من حفظ من السنة ثلاثمائة ألف حديث.\nوأمير المؤمنين قيل: هو من حفظ من السنة ثمانمائة ألف حديث.\nوالحاكم قيل: هو من أحاط بالسنة.\nومن أمراء المؤمنين في علم الحديث البخاري وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهم، وآخرهم إمارة في الحديث هو الحافظ ابن حجر.\nوأما مصطلح الحاكم فهو مصطلح دخيل، وفي النفس منه شيء، لم يعرفه المتقدمون، والخلاف فيه كثير.","vol":"2","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>سابعًا: الحديث</span>\nسابعًا: الحديث: وهو في اللغة: الجديد أو الكلام.\nيقال: هذا شيء حديث، أي: جديد ومحدث، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١]، أي: ما كان كلامًا يفترى.\nفالحديث في اللغة يحمل على معنى الجديد أو الكلام.\nوفي الاصطلاح: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول، أو فعل أو تقرير، أو صفة خلقية أو خلقية.\nوهذا التعريف متفق عليه.\nوالحديث على هذا التعريف إما أن يكون حديثًا قوليًا، أو فعليًا أو تقريريًا، أو وصفيًا.\nفالحديث القولي هو: ما قال فيه الصحابي: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، كقول النعمان بن بشير: قال رسول الله ﷺ: (إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن)، الحديث.\nوأما الحديث الفعلي فهو ما كان من فعل النبي ﷺ، كحديث علي بن أبي طالب: (لما توضأ من ماء زمزم قام فوقف، وشرب ما فضل منه، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل).","vol":"2","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>تقديم الحديث القولي على الحديث الفعلي عند التعارض</span>\nوالحديث القولي أقوى من الحديث الفعلي، وهو عام للأمة ما لم يأت ما يقيده أو يخصصه.\nوهذا من أحد المرجحات بين الأحاديث، فإذا وقع التعارض بين دليلين نظرنا ما إذا كان أحدهما ضعيفًا أو قوليًا.\nوالمرجحات تبلغ أكثر من خمسين مرجحًا.\nوأما الحديث الفعلي فقد يكون خاصًا بالنبي ﷺ، وليست أفعال النبي ﷺ تشريعًا للأمة إلا إذا كانت في مجال التشريع لا الخصوصية، فإن كانت في مجال الخصوصيات -أي: فيما يمس شخص النبي ﷺ- فلا شك أنها مقصورة عليه، وهذا أيضًا يحتاج إلى دليل.\nوالشاهد: أن الحديث القولي أقوى من الحديث الفعلي، فعند التعارض يقدّم القولي على الفعلي إذا لم يكن الجمع بينهما ممكنًا، فإعمال الدليلين خير من إعمال أحدهما وإهمال الآخر، وإعمال الدليلين أي: أخذهما والجمع والتأليف بينهما، فالعمل بهما خير من اختيار أحدهما ورد الآخر.\nومثال ذلك: قول النبي ﷺ: (من شرب قائمًا فليستقئ)، وهذه الرواية فيها نظر، وهي في صحيح مسلم.\nولما رأى رجلًا يشرب قائمًا قال: (أتحب أن يشرب معك الهر؟ قال: لا يا رسول الله! قال: والذي نفس محمد بيده لقد شرب معك من هو شر منه، الشيطان).\nوروي الشرب قائمًا من فعل علي بن أبي طالب ورفع هذا الفعل إلى النبي ﷺ.\nفنقول: إن القولي مقدم على الفعلي، والأحاديث التي ورد فيها النهي عن الشرب قائمًا أحاديث قولية، والأحاديث التي ورد فيها جواز الشرب فعلية، فنقدم الأحاديث القولية التي تنهى عن الشرب قائمًا على الفعلية التي تجيز ذلك، والجمهور قالوا بكراهة الشرب قائمًا كراهة تنزيه، والظاهرية قالوا بالحرمة، وتبعهم على ذلك شيخنا الشيخ ناصر الدين الألباني.\nواستدل الظاهرية الذين قالوا بحرمة الشرب قائمًا بأن النبي ﷺ إنما شرب قائمًا في موسم الحج، فلعله لم يستطع أن يشرب قاعدًا من الزحام فشرب قائمًا، وقالوا: وهذا فعل منه ﷺ وليس قولًا، فقوله للأمة بالتحريم وفعله لنفسه بالجواز، وهذا مقصور عليه هو دون الأمة.\nفأولوا الحديث الفعلي في الشرب بأنه مخصوص بالنبي ﷺ، ولكن هذا التأويل يرد عليه فعل علي أنه قام فشرب، ولو كان مخصوصًا بالنبي ﷺ لكان علي بن أبي طالب أفهم لهذه الرواية منهم.\nوكانت القرب عند العرب تعلق على الأشجار والجدران حتى لا تمسها الهوام والدواب وغيرها، وكانوا يشربون منها قيامًا للعذر، إذ كان يتعذّر عليهم فك الحبل أو قطعه حتى يجلسون للشرب ثم يربطونه مرة أخرى؛ لأن الحبل لو انقطع مرارًا في اليوم الواحد فسينتهي بكامله، وهذا عذر يبيح الشرب قائمًا.\nوالراجح فيها جواز الشرب قائمًا مع الكراهة، وهذا رأي الجمهور.","vol":"2","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>السنة التقريرية</span>\nوأما التقرير: فهو أن يرى الرسول ﷺ أحد الصحابة يعمل شيئًا ويسكت عنه؛ لأن النبي ﷺ لا يسكت على باطل قط، فإذا رأى صحابيًا يفعل فعلًا وسكت عليه نُسب هذا الفعل تقريرًا إلى النبي ﷺ؛ لأنه لو لم يكن مباحًا أو جائزًا لأنكره النبي ﷺ أشد الإنكار، فالنبي ﷺ منزّه عن الباطل، فما فُعل أمامه أو قيل وهو يسمع فلم ينكر؛ دل على رضاه ﷺ عنه، فينسب إليه من باب أنه سنة؛ لأنه رآه أو سمعه وأقره ولم يغيره، ولو كان باطلًا لغيره ولم يقره، وهذا كحديث لعب الحبشة، فقد جاء في حديث عائشة عند البخاري ومسلم: أن الحبشة كانوا يلعبون بالحراب في المسجد، فوقفت عائشة خلف النبي ﷺ تنظر إليهم، وأسندت ذقنها على كتف النبي ﷺ، والنبي ﷺ يسترها، ثم سألها: أما يكفيك؟ فقالت: لا، فانتظر حتى قالت: كفى يا رسول الله! ودخلت بيتها.\nفهذا إقرار من النبي ﷺ لهذا الفعل؛ لأنه أقر عائشة في أن تنظر إلى الحبشة، وكذلك هو إقرار للحبشة بجواز اللعب داخل المسجد.","vol":"2","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>السنة الوصفية</span>\nوأما الصفة فإما أن تكون خلقية، أي: في أصل خلقة النبي ﷺ، أو خُلُقية، أي: في صفات النبي ﷺ المتعلقة بخُلُقه.\nوقد قال الله ﷿: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].\nوهذه الآية لا يقال فيها سنة خلقية ولا خُلُقية.\nوفي حديث عائشة: (كان خُلُقه القرآن).\nوهذا الحديث ينسب إلى النبي ﷺ؛ لأنه يصف خُلُق النبي ﷺ.\nوأما الأحاديث الخلقية كالأحاديث التي رويت في شمائل ووصف بدن النبي ﷺ وشعره، وطوله، وأنه لم يكن بالطويل ولا بالقصير، ووصف منكبيه وذراعيه ووجهه، وأنه كان إذا ضحك انبسط وجهه، وإذا غضب أحمر وجهه كأنما فقئ في وجهه حب الرمان وغير ذلك.","vol":"2","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>ثامنًا: السنة</span>\nثامنًا: السنة، وهي في اللغة: الطريقة، سواء كانت محمودة أو مذمومة، والدليل على ذلك حديث النبي ﷺ: (من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا).\nولكنها عند الإطلاق تنصرف إلى السنة المحمودة، كإطلاق الماء في الفقه يقصد به الماء المطلق، أي: الذي اجتمعت فيه شروطه وصفاته، فلو قيد خرج عن الماء المطلق، مثل ماء الورد.\nوكذلك السنة إذا أطلقت قصد بها الطريقة المحمودة، فإذا قيل: هذه سنة سيئة دل ذلك على عدم قصد الأصل، وإنما يقصد التقييد.\nأما السنة في الاصطلاح فهي: ما أضيف إلى النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريراته والصفات الخلقية والخُلُقية.\nفهي مرادفة للحديث.\nوبعض العلماء أدخلوا في مسمى السنة حياة النبي ﷺ وزمنه وأيامه قبل البعثة وبعدها، وأدخلوا فيها المغازي والسير، بل وأدخلوا فيها ما نُسب إلى الصحابة والتابعين من الأقوال والأفعال والسنن، وغير ذلك.\nفليس هناك كبير فرق بين الحديث والسنة في مصطلح المحدثين.\nوالسنة تطلق عند الفقهاء على ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.\nفهي بمعنى المندوب.\nوالمندوب هو: ما طلبه الشارع من المكلف طلبًا غير جازم.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"2","page":27},{"text":"دورة تدريبية في مصطلح الحديث <span data-type=\"title\" id=toc-58>[٣]</span>\nينقسم الحديث أقسامًا كثيرة باعتبارات مختلفة، فهو ينقسم باعتبار طرقه إلى متواتر وآحاد، فالمتواتر قطعي الورود، ويشترط لاعتباره متواترًا عدة شروط، ولكن لا تعتبر الثقة في رواته لكثرتهم، وذلك بخلاف الآحاد.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>تعريف الحديث والأثر والخبر</span>\nباسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nالحديث لغة: الجديد أو الكلام.\nواصطلاحًا: هو ما أضيف إلى النبي ﷺ من أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخلقية والخُلُقية.\nوالمتن: هو ما انتهى إليه السند.\nوالسنة ترادف الحديث على بعض آراء أهل العلم.\nوبعض العلماء يزيدون في تعريفها ويقولون: هي ما أضيف إلى النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريراته والصفات الخلقية والخلقية، وما أضيف إلى الصحابي والتابعي، وكذلك ما روي من أخباره ﷺ قبل بعثته، وكذا مغازيه وأيامه وغير ذلك.\nوهي في اللغة: الطريقة، وعند الإطلاق يراد بها الطريقة المستقيمة، فإذا قُيّدت خرجت عن هذا الإطلاق، مثل قوله ﷺ (من سن في الإسلام سنة حسنة).\nوقوله: (من سن في الإسلام سنة سيئة).\nوتطلق السنة عند الفقهاء على ما يقابل البدعة، فيقال: هذا سني في مقابلة البدعي، وهذا أمر مسنون في مقابلة أمر آخر غير مسنون.","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>تعريف الأثر</span>\nالأثر في اللغة هو: بقية الشيء، وهو العلامة الفرعية التي تدل على أصل الشيء وحقيقته، مثل أثر الرجل في الطين، فهو فرع للأصل الحقيقي الذي هو القدم، أو هو أثر للمؤثر الحقيقي وهو القدم، فالأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فلو وجدت بعرًا في طريق فإنك تعرف أنه قد مر من هذا الطريق بعير.\nوأما في الاصطلاح فقد اختلف أهل العلم اختلافًا عظيمًا، فمنهم من يقول: الأثر اسم مفعول بمعنى المأثور، وكل مأثور يطلق عليه اصطلاحًا أثر، وهذا المأثور إما أن يكون مرفوعًا إلى النبي ﷺ أو موقوفًا على الصحابي، أو مقطوعًا على التابعي.\nوهذا قول المحدثين.\nوهو بهذا المعنى مرادف للحديث والسنة؛ لأن جمهور المحدثين يرون أن السنة والأثر والحديث بمعنى واحد.\nوخالفهم طائفة قليلة من المحدثين والأصوليين والفقهاء، فقالوا: إنهما متغايران، أي: متباينان ومختلفان: فالحديث: هو ما كان من قول النبي ﷺ وحده دون سواه.\nوالأثر: ما أضيف إلى الصحابي من قوله أو فعله.\nأي: أن الحديث هو المرفوع من قول النبي ﷺ، والأثر هو الموقوف من قول الصحابة.\nوالاختلاف بين العلماء في الحديث والأثر، وهل معناهما واحد أو مختلف خلاف لفظي ليس له أثر في الواقع، مثل الاختلاف في الفرض والواجب بين الجمهور والأحناف، فالأحناف انفردوا عن الجمهور بقولهم: إن الواجب ما ثبت بدليل ظني، والفرض ما ثبت بدليل قطعي، ثم تجد الأحناف أنفسهم عند التطبيق العملي يمثّلون للفرض بالوتر، ويقولون في كتب فروعهم عن الوتر: إنه فرض، وعن السنن: إنها واجبة.\nوممن فرق بين الحديث والأثر الإمام الطحاوي، ولكنه خالف هذا المبدأ في كتبه، ففي كتابيه مشكل الآثار وشرح معاني الآثار أورد المرفوع والموقوف، مع أنه عنون لهما بالآثار، ولو كان الأثر ما كان موقوفًا لكان يجب عليه ألا يورد في هذا الكتاب إلا ما كان موقوفًا فقط، ولكنه خالف ذلك وأورد في كتابيه الحديث المرفوع والأثر الموقوف، وتنازل عن مصطلحاته، وأهل العلم عند العمل يخالفون مصطلحاتهم، فينبغي علينا أن نكون على دراية وعلم بمصطلحات أهل العلم حتى لا نقع في محذور.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>تعريف الخبر</span>\nالخبر في اللغة: هو النبأ، ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ [التحريم:٣]، أي: من أخبرك بهذا؟ وفي الاصطلاح: اختلف العلماء في تعريفه إلى ثلاثة أقوال: الأول: أنه مرادف للحديث، وأن معناهما واحد، وهذا رأي جمهور المحدثين.\nالثاني: الحديث ما جاء عن النبي ﷺ، والخبر ما جاء عن غيره.\nأي: أن الخبر هنا يطلق على الأثر بالمعنى الثاني، أي: ما جاء عن الصحابة والتابعين ومن دونهم، أي: أن هناك فرقًا بين الحديث وبين الخبر، فالحديث ما كان مرفوعًا، والخبر ما كان موقوفًا أو مقطوعًا أو دون لك.\nالثالث: الخبر أعم من الحديث، فالحديث هو ما جاء عن النبي ﷺ، والخبر ما جاء عنه أو عن غيره.\nفالحديث هنا يدخل ضمن الخبر.\nفالحديث ما كان مرفوعًا إلى النبي ﷺ، والخبر ما جاء عن النبي ﷺ وعن غيره ﷺ.\nوهذا هو ما رجّحه الحافظ ابن حجر في نزهة النظر، فقد قال: والخبر إما أن يروى بطرق بلا حصر عدد معين، أو بحصر بما فوق الاثنين أو بهما أو بواحد، فالأول هو المتواتر المفيد للعلم اليقيني، والثاني هو المشهور، والثالث العزيز، والرابع الغريب.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>العلاقة بين الخبر والأثر</span>\nقال بعض العلماء: الخبر والأثر بمعنى واحد، أي: مترادفان، وقال بعضهم: الأثر يطلق على الأثري، أي: المشتغل بعلم الأثر، والخبر يطلق على الرجل الإخباري، أي: الذي يهتم بأيام الناس وسيرهم ومغازيهم وأحوالهم، فنقول لمن يتكلم عن التاريخ الإسلامي من حيث المغازي والسير والأيام والغزوات وغير ذلك: هذا رجل إخباري، وأما من يهتم بالحديث رواية ودراية فنقول عنه: رجل أثري، فهم يخالفون بين المصطلحين.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>أقسام الحديث</span>","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>أقسام الحديث باعتبار طرقه</span>\nالحديث ينقسم باعتبارات عدة، فينقسم باعتبار عدد الطرق إلى قسمين: قسم روي بطرق بلا حصر عدد معين، وقسم روي بطرق محصورة.\nومعنى الطريق: السند الذي روي به الحديث، فإذا قال الإمام البخاري: عن فلان عن فلان عن فلان عن ابن عمر فهذا يسمى سندًا وإسنادًا وطريقًا ووجهًا.\nولو روي الحديث من وجهين فإنا نقول: هذا الحديث روي بإسنادين، ومن طريقين، وبسندين.\nوالوجه هو: السند والطريق الموصلة إلى المتن.\nوهذه الطرق إن كانت كثيرة جدًا -أي: إن كان هذا الحديث رواه عن النبي ﷺ عشرون من الصحابة أو ثلاثون أو أكثر، وكل صحابي أخذ عنه واحد أو اثنين أو ثلاثة، وكل واحد من هؤلاء الثلاثة أخذ عنه خمسة أو ستة أو سبعة أو عشرة، ثم في الطبقة الرابعة عدد أكثر من ذلك، وفي الخامسة أكثر إلى أن بلغ المصنفين الذين أوردوا هذا الحديث في مصنفاتهم فنقول: إن هذا الحديث قد روي بلا حصر عدد معين، ونقول: إن هذا الحديث قد روي بطرق كثيرة.\nوالحديث الذي على هذه الصفة نقول عنه: إنه حديث روي بلا حصر عدد معين.\nوإذا أتى الحديث من طريق واحد أو طريقين أو ثلاثة، فالمسألة سهلة؛ لأن طرقه محصورة، والعبرة بأقل طبقة، فإذا كان في طبقة من طبقات الحديث واحد فقط كـ عبادة بن الصامت إذا كان هو يروي الحديث وحده عن النبي ﵊، أو معاذ بن جبل أو أبي ذر -ولا يمنع ذلك أن يكون سمعه كثرة من الصحابة ولم يرووه- فهذا الحديث قد روي في هذه الحالة بطرق محصورة، ولو أخذه عن هذا الصحابي ألف تابعي؛ لأن إحدى طبقات الإسناد قليلة جدًا، وليس فيها إلا صحابي واحد، وكذلك لو رواه اثنان من الصحابة فهو أيضًا محصور باثنين، وكذلك بثلاثة فقط.\nوما روي بطرق بلا حصر عدد معين فهو المتواتر، وأما ما روي بحصر عدد معيّن فهو الآحاد.","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>أقسام الحديث باعتبار قبوله ورده</span>\nالتقسيم الثاني: باعتبار القبول والرد، ينقسم إلى مقبول ومردود.\nوالمقبول أربعة أنواع: صحيح لذاته، أو لغيره، وحسن لذاته، أو لغيره.\nوأما المردود فهو: الضعيف بجميع أنواعه.","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>أقسام الحديث باعتبار صحته وضعفه</span>\nالتقسيم الثالث: باعتبار الصحة والضعف، فينقسم إلى ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف.","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>الحديث المتواتر</span>\nالتواتر لغة: التتابع، يقال: تواتر القوم: أي جاء بعضهم إثر بعض، وتواتر الأنبياء أي: خلف بعضهم بعضًا في دعوة الناس إلى الله، وتواتر المطر: أي نزل بغزارة بعضه إثر بعض.\nوفي الاصطلاح: ما رواه عدد كثير في كل طبقة من طبقاته، بحيث تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>شروط الحديث المتواتر</span>\nوشروط التواتر أولًا: كثرة العدد، أي: أن يرويه عدد كثير في كل طبقة من طبقاته.\nالشرط الثاني: أن تكون هذه الكثرة في كل طبقة من طبقات السند.\nالشرط الثالث: أن تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.\nالشرط الرابع: أن يكون مستند روايتهم الحس لا العقل.\nوهذه الشروط أخذت من الحد، والشرط الرابع أخذ من كلمة (روي) في الحد، وهي تفيد الحس لا العقل، كقول الراوي: سمعت أو أنبأني فلان أو أخبرني فلان.","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>اختلاف العلماء في العدد الذي يقع به التواتر</span>\nفأما الشرط الأول أن يرويه عدد كثير فقد اختلفوا في تحديد مسألة الكثرة، واختلافهم كله مردود.\nفمنهم من يقول: لا بد أن يكونوا سبعين في كل طبقة على الأقل، ويستشهدون على شرطهم هذا بقول الله ﷿: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٥٥].\nوالدليل المراد الاحتجاج به لابد فيه من شرطين: الشرط الأول: أن يكون صحيحًا.\nالشرط الثاني: أن يكون صريحًا.\nفلا تحتج على مسألة من المسائل التي بينك وبين الخصم بدليل ضعيف أو موضوع؛ لأنه لا ينفع في الاحتجاج؛ لأنه ضعيف، ولا بدليل غير صريح، مثل أن يستدل بهذه الآية على تحديد شرط التواتر بسبعين؛ لأنا نقول: إن الآية تتكلم عن مسألة أخرى، وليست شرطًا في مسألة.\nفالآية لا تدل صراحة على ما استدلوا به، وليس فيها تصريح بأن أقل عدد التواتر سبعون، فالاستدلال بهذه الآية مرفوض تمامًا، وليس فيها حجة على هذا الشرط؛ لأنه غير صريح، وهو وإن كان قرآنًا متواترًا، إلا أنه ليس حجة هنا في محل النزاع.\nإذًا: شرط الحجة أن تكون صحيحة وصريحة، فإن كانت صريحة دون أن تكون صحيحة فلا ينفع الاستشهاد بها، وإن كانت صحيحة دون أن تكون صريحة لم ينفع الاستشهاد بها أيضًا، بل لابد أن تكون صريحة وصحيحة في الوقت نفسه.\nومنهم من اشترط أقل من هذا العدد، ومنهم من اشترط أكثر من ذلك، فمنهم من اشترط مائة وعشرين، ومنهم من نزل إلى اثني عشر، ومنهم من قال عشرة، ومنهم من قال أقل من ذلك، ومنهم من قال أكثر، وكل منهم استند إلى دليل ليس له أي علاقة بالمسألة، وأدلتهم صحيحة غير صريحة، فلما فقد الدليل أحد شرطيه رددناه لعدم صلاحيته للاحتجاج في المسألة المتنازع فيها.\nوالسيوطي ﵀ اختار أن أقل عدد التواتر عشرة، واختياره أيضًا ليس عليه دليل، وهو مردود.\nثم أتى علماء التنقيب والبحث والترجيح وقالوا: إن العدد الذي يفيد التواتر هو العدد المشعر يقينًا بصحة الرواية، وبإفادتها العلم اليقيني الضروري الذي يضطر الإنسان إلى تصديقه دون بحث أو نظر فيه، وذلك مثل أن يتفق مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل على الاستدلال بحديث على مسألة فقهية، فنعلم يقينًا على أن هذا الحديث صحيح، وهذا أمر مشعر بأنه صحيح، فإتيانه من طريق كبار المحدثين وعظمائهم يشعر بثبوت هذا الحديث يقينًا، وإفادته العلم اليقيني الضروري الذي يضطر الإنسان إلى تصديقه دون نظر أو بحث فيه.\nوالحديث المتواتر يفيد العلم اليقيني الضروري عند الخاصة والعامة، ولا يحتاج إلى بحث أو نظر لا من قبل العامة ولا الخاصة.\nوالقول الراجح في اشتراط العدد في التواتر هو قول المحققين، وهو أن يأتي الحديث من طرق مشعرة بثبوته يقينًا، وتفيد العلم اليقيني الضروري الذي يضطر الناظر فيه أن يصدقه ويقبله، ويفيد العلم اليقيني عنده دون نظر أو استدلال أو بحث فيه، وهذه الطرق لم تنزل في أي طبقة عن حد الحصر.","vol":"3","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>العبرة في كثرة الرواة بأقل طبقة من طبقات الإسناد</span>\nالعبرة في الحديث بأقل طبقة، فلو كانت أقل طبقة من طبقات الحديث فيها راو واحد فقط، كأن يروى من طريق صحابي واحد فهو الغريب، وهو أحد أقسام الآحاد، وإن كان أقل طبقاته اثنين فهو العزيز، أو ثلاثة فهو المشهور، وهما من قسم الآحاد.\nفلو روى الحديث عن النبي ﵊ مائة صحابي، ثم أخذه عن مائة مائتان، وعن مائتين ثلاثمائة، ثم رواه عنهم واحد فقط، ثم أخذه عنه عدد كثير فهو آحاد، ولا يمكن الجزم بصحته؛ لأن الراوي الواحد يجري عليه الخطأ والنسيان والسهو، ولو كان راويًا صادقًا وحافظًا متقنًا وضابطًا لكل ما يتكلم به فيمكن أن يخطئ أو يخيّل إليه أو ينسى ولو مرة، فلا يمكن الجزم أن خبره صدق؛ لأنه يعتريه الخطأ والنسيان ولو كان صحابيًا.\nوكون الصحابي عدلًا فهذه المسألة متعلقة بديانة الصحابي، فالصحابة في دينهم غير متهمين قطعًا، ومن اتهمهم فهو المتهم، ولكن الصحابي بشر يخطئ ويصيب، وينسى ويحفظ، فمثله مثل غيره من الأمة في مسألة الضبط والنسيان، فهما يجوزان عليه كما يجوزان على غيره، وهو أعدل ممن أتى بعده؛ هذا هو ديننا، وهو عقيدة أهل السنة والجماعة.\nويمكن أن يسمع الحديث الجمع الكثير ولا يرويه منهم إلا واحد، فقد كان عدد المسلمين في حجة الوداع مائة وأربعة عشر ألفًا، وخطب فيهم ﷺ خطبة الحاج المعروفة التي أوصى فيها بالدماء والأموال والأعراض، وقال فيها: (يا معشر المسلمين! في أي يوم أنتم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس هذا يوم النحر؟ في أي شهر أنتم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم).\nثم قال: فإني أوصيكم بكذا وكذا وكذا، فأوصاهم بالدماء والأموال والنساء وغير ذلك، فهل يتصور أنه لم يحضر هذه الخطبة غير جابر بن عبد الله الأنصاري؟ فهو الذي رواها في صحيح مسلم، والصحابة كلهم لم يكتبوها ولا رووها، وإنما رواها جابر بن عبد الله فقط، فهذه الخطبة من حيث السماع حصل لها التواتر في درجة الصحابي، وأما في الرواية فلم يحصل لها تواتر.\nوكذلك حديث: (إنما الأعمال بالنيات) على افتراض أنه لم يسمعه من النبي ﵊ إلا عمر بن الخطاب، فإذا كان عمر قد قال هذا الحديث على المنبر في الخطبة يوم الجمعة في خلافته فهل يتصور أنه لم يكن في المسجد غير علقمة بن وقاص الليثي؟ فقد كان المسجد ممتلئًا، ولكن لم يروه عن عمر إلا ابن وقاص الليثي، ولم يروه عن الليثي إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يروه عن التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم أخذه عن يحيى ما بين المائتين إلى السبعمائة نفر على اختلاف الروايات.\nوهذا الحديث رغم أنه مشهور جدًا إلا أننا لا نستطيع أن تقول عنه: إنه متواتر، فهو آحاد؛ لأن التفرد حصل له في أربع طبقات، في طبقة عمر ﵁، وطبقة الليثي، وطبقة التيمي، وطبقة يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم حصل له التواتر في الطبقة الخامسة.\nفالحديث آحاد؛ لأنه فقد الشرط الأول -الذي هو كثرة الطرق- في الطبقة الأولى والثانية والثالثة والرابعة، فإن حصل له بعد ذلك ألف تواتر فلا يخرج عن كونه حديث آحاد؛ لأن العبرة بأقل الطبقات.\nوكل طريق بمفرده آحاد، وبجمع هذه الطرق من كتب السنة ستجد أن كل طريق غير الطريق الآخر، ثم بالاجتهاد وجمع طرق وروايات الحديث من كتب السنة نعرف أن الحديث متواتر أم غير متواتر، لا أن نذهب إلى كتاب البخاري فقط ونظن أننا سنجد للحديث فيه خمسين طريقًا أو مائة أو مائتين في مكان واحد، فالمسألة ليست هكذا، ولا يمكن أن تكون هكذا.\nفمثلًا حديث: (من كذب علي متعمدًا) يمكن أن يرويه البخاري مرة واحدة، ومسلم مرة واحدة من طريق ثان، وأبو داود من طريق ثالث، والترمذي من طريق رابع، والنسائي من طريق خامس، وابن ماجة من طريق سادس، والبيهقي وغيره من المصنفين كل واحد يرويه من وجه آخر، ومن طريق صحابي لم يروه عنه المصنف الآخر، فحين نجمع طرق الحديث من هذه الكتب سنجد أن الحديث رواه عن النبي ﷺ خمسة أو ستة وعشرون صحابيًا مثلًا، وأخذ عنهم أربعون أو ستون أو أكثر من ذلك.\nوإذا كان للحديث ثلاث طرق صحيحة وبقية الطرق ضعيفة، فلا اعتبار بهذه الطرق؛ لأنها غير مشعرة بتواتره في هذه الحالة.","vol":"3","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>اشتراط استحالة تواطؤ الرواة على الكذب في الحديث المتواتر</span>\nالشرط الثالث: أن تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.\nوعندما فتحت الفتوحات بعد موت النبي ﷺ وأبي بكر الصديق في عهد عمر بن الخطاب ﵁ ومن أتى بعده من الخلفاء والملوك والرؤساء؛ أرسل الصحابة والعلماء إلى جميع الأمصار يعلمونهم أمر دينهم، فنزل كل صحابي في قرية أو مدينة وبث فيها ما عنده من علم، مثل عبد الله بن مسعود نزل الكوفة، ومعاذ بن جبل ذهب إلى اليمن، ودخل الأسود والأبيض في الإسلام، وسمع الحديث والفقه والعلم، وظهر المحدثون والرواة من العبيد والأحرار، بل والنساء، ففي هذا الوقت كان إذا أتى من طريق المدينة برواية المدنيين حديث: (من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)، ثم أتى بلفظه ومعناه من طريق المكيين، وطريق الأندلسيين مع اختلاف الناس في ألسنتهم وطول المسافات بين بلدانهم دل على أن الحديث أصل، وأنه لا يمكن أبدًا أن يجتمع هؤلاء الناس على كثرتهم على الكذب أبدًا.\nونحن المحصورين في المسجد لا يمكن أن نجتمع على الكذب، فكيف بالقرون الأولى -القرون الخيرية- التي يغلب عليها الصدق، وأحدهم مغربي والآخر شامي، وهذا شمالي وهذا جنوبي، وكلهم يروون الحديث على هيئة واحدة؟ فلا يمكن للأمة أن تتفق على الكذب على الرسول ﷺ.\nولا يمكن عقلًا ولا عادة للأمة أن تتفق على مسألة واحدة إلا إذا كانت حقًا وصدقًا، وأما أن يتواطئوا ويتكاتفوا ويتفقوا على الكذب على رسول الله فهذا أمر لا يمكن؛ لأن العادة والعقل يقولان: إنه لا يمكن للناس أن يتفقوا على شر فيما بينهم.","vol":"3","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>اشتراط استناد رواة الحديث المتواتر إلى الحس</span>\nالشرط الرابع: أن يكون مستند روايتهم الحس.\nوالحس غير العقل، فإذا قال شخص: حدثني فلان من عقله أن النبي ﷺ قال: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار).\nوهو لم يسمعه منه وإنما قال: العقل يشهد بذلك، فهذه ليست من طرق الرواية.\nفلابد أن يكون مستند الروايات الحس، كأن يقول الراوي: سمعت، أو أخبرني فلان، أو حدثني فلان، أو سمعنا فلانًا، أو عن فلان.\nوالحس غير العقل.\nومع كثرة هذه الطرق يثبت الحديث يقينًا، ويفيد العلم اليقيني الضروري.","vol":"3","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>علاقة الحديث المتواتر بمباحث علم مصطلح الحديث</span>\nوإذا كان الحديث المتواتر صحيحًا قطعًا، ويفيد العلم اليقيني الضروري حكمًا، فهو ليس من مباحث علم المصطلح؛ لأن علم المصطلح هو: القواعد الكلية التي تنطبق على السند والمتن، فيُعرف منهما المقبول والمردود، يعني: القواعد التي قعّدها العلماء، والأصول التي أصّلوها لمعرفة ما إذا كان هذا الحديث مقبولًا أو مردودًا، فإذا كان هذا الحديث المتواتر مقبولًا يقينًا فإنه لا يحتاج إلى تطبيق قواعد؛ لأنه صحيح قطعًا، ويفيد العلم اليقيني الضروري حكمًا.","vol":"3","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>أنواع الحديث المتواتر</span>\nالحديث المتواتر ينقسم إلى قسمين:","vol":"3","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>المتواتر اللفظي</span>\nالقسم الأول: ما تواتر لفظه ومعناه، وهو المتواتر اللفظي.\nوذلك مثل حديث: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)، وحديث حوض النبي ﷺ، وأحاديث أخرى تواترت بلفظها، أي: أنها جاءت من طرق كثيرة كما ذكرنا في الشرط الأول والثاني من شروط الحديث المتواتر، وجاءت بلفظ واحد أو بألفاظ متعددة، ولكن معناها واحد، فإذا كان اللفظ الواحد قد روي من عدة طرق بلغت حد التواتر فهو المتواتر اللفظي، كحديث: (من كذب علي).\nفهذا الحديث رواه أكثر من سبعين من الصحابة بلفظ: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار).\nثم أخذه عن السبعين عدد كثير، وعن العدد الكثير عدد أكثر، وعن العدد الأكثر عدد أكثر وأكثر، وفي كل طبقة تتأخر عن سابقتها يكون العدد فيها أكثر من سابقتها.\nوإذا نظرنا إلى اللفظ الذي روي بهذا العدد لوجدناه لفظًا واحدًا، فكل صحابي يرويه بلفظ: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)، وفي هذه الحالة أقول: إن هذا الحديث قد تواتر لفظه، أي: أن هذا اللفظ بعينه قد أتى من طرق كثيرة بلغت حد التواتر.\nفالمتواتر اللفظي: هو ما تواتر لفظه ومعناه، وليس ما تواتر لفظه فقط؛ لأن المتواتر لفظًا لا بد وأن يتواتر معناه؛ لأن اللفظ يدل على معنى، فلما كان اللفظ متواترًا دل ذلك على أن المعنى أيضًا متواتر؛ لأن المعنى المستفاد من الطريق الأول هو المعنى المستفاد من الطريق رقم سبعين.\nفإن اختلفت الألفاظ واستفيد منها معنى واحد فهو أيضًا متواتر لفظًا ومعنى؛ لأن الخلاف الوارد في الألفاظ لا يدل على أن هناك خلافًا كبيرًا بحيث يتعدد المعنى أو يتجزأ، وإنما المعنى واحد.","vol":"3","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المتواتر المعنوي</span>\nالقسم الثاني: ما تواتر معناه دون لفظه، وهو المتواتر المعنوي.\nوهو يختلف عن النوع الأول، وليس هناك قصة بعينها حدث لها التواتر.\nومثال ما تواتر معنويًا: رفع اليدين في الدعاء، فلم يرد حديث واحد متواتر دل على أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في الدعاء، وليس هناك وصف متواتر بأن النبي ﷺ رفع يديه في الدعاء في مناسبة من المناسبات، وإنما أخذ من عدة مناسبات أن النبي ﷺ يرفع يديه في الدعاء، ولذلك قال السيوطي ﵀: قد ثبت أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في الدعاء في أكثر من سبعين موطنًا، وقيل: في أكثر من مائة موطن، وكل موطن ومناسبة تختلف عن الأخرى، مثل قصة دعاء النبي ﷺ لأهل البقيع، وهو من حديث عائشة عند البخاري حينما فقدته في الفراش ليلًا فتبعت النبي ﷺ حتى وصل إلى البقيع فرفع يديه ودعا لأهل البقيع، والحديث معروف، وهو طويل.\nفهذه القصة بعينها لم يحدث لها التواتر، ولكنها قصة صحيحة، وكذلك كان النبي ﷺ يرفع يديه في دعاء الاستسقاء على المنبر وغير المنبر، وغير ذلك من المناسبات التي ثبت فيها أن النبي ﷺ كان إذا دعا رفع يديه.\nوهذا الدعاء وقع في مناسبات مختلفة، وليس فيها مناسبة تشابه أختها، فهذا التواتر حصل في مناسبات مختلفة، فهو من باب التواتر المعنوي، فإذا أخذنا الأحاديث التي دعا النبي ﷺ فيها ورفع يديه لوجدناها أكثر من مائة حديث، وكل حديث يختلف عن الآخر، ولكنها كلها تذكر أنه ﷺ دعا ورفع يديه، فالقدر المشترك بين جميع هذه الروايات أن النبي ﷺ كان إذا دعا رفع يديه.\nفليست كل رواية متواترة تواترًا معنويًا، وإنما المتواتر هنا هو رفع اليدين عند الدعاء، وهذا ما يسميه أهل العلم المتواتر تواترًا معنويًا.\nوأما مسألة المسح على الوجه فهي مسألة فرعية وليست داخلة في التواتر، فقد ورد من طريقين أو ثلاثة أن النبي ﷺ كان إذا دعا مسح وجهه بيديه بعد أن يفرغ من دعائه، وهذه الأحاديث حسّنها الحافظ ابن حجر في كتاب بلوغ المرام في أحاديث الأحكام، فثبت سنيتها عند الحافظ، وأما جمهور أهل العلم فيضعفون هذه الأحاديث، ويقولون: إن كثرة الروايات ترفع الحديث من الضعف إلى الحسن.\nفمن حسّن الحديث أثبت سنية المسح، ومن ضعّف الحديث نفى سنية المسح.\nوهذه المسألة كغيرها من المسائل المختلف فيها بين أهل العلم، لا ينكر فيها على من مسح أو لم يمسح.","vol":"3","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>فوائد في أدب الخلاف بين العلماء وما يترتب عليه</span>\nالمسائل المختلف فيها خلافًا معتبرًا ليس فيها إنكار، وهذا أصل من أصول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nفالمسائل التي اختلف فيها أهل العلم اختلافًا سائغًا ليس فيها إنكار، وليس معنى ذلك أن تقول كما يقول شيخنا الحافظ ناصر الدين الألباني في مسألة مسح الوجه بعد الدعاء: إن الحديث بكثرة طرقه ضعيف، وبناء عليه قال ببدعية مسح الوجه باليدين بعد الدعاء، فإذا تبنيت رأي الشيخ ناصر الدين الألباني فلك أن تقول: إن الأمر ليس مسنونًا، وأما كونه بدعة فلا؛ لوجود الرأي الآخر المستند إلى نفس الدليل، ومسألة التضعيف والتحسين مسألة اجتهادية، والمجتهد يخطئ ويصيب، وربما يكون المخطئ من ضعّف وربما يكون من حسّن.\nفإذا احتملت المسألة التأويل والاحتمال فلا شك أن من العدل والإنصاف أن يتحمل كل طرف الطرف الآخر، أي: أن يستسيغ رأيه، وكما يقول الشافعي: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.\nوليس معناه: أنك إذا اقتنعت برأي أنه لزامًا عليك أن تعتبر رأي الغير خطأ، فربما يكون ما تيقنته أنت الآن صوابًا هو الخطأ بعينه، فالمسألة التي فيها خلاف معتبر مستند إلى دليل لا يمكن إلغاؤه، مثل مسألة الحجاب والنقاب، فالراجح النقاب، ولكن لا ننكر على من يقول بكشف الوجه واليدين -وإن كنا نتمنى أن يرجع كل من يقول بهذا القول عن رأيه- لرجحان دليل القول بالستر.\nلا يمكن بحال أن تكون طالبًا للعلم إذا تربيت على أن تسمع رأي عالم واحد دون الآخر، ولا يمكن أن تفلح ولا تنجح في حياتك العلمية مطلقًا، بل لا بد أن يتّسع صدرك للمخالف، وأن يكون النقاش بينكما بمنتهى الأدب والحب والعطف، وأن يخلو الأمر عن الهوى، وكل منا متعبد بأن يعبد ربه بما صح عنده، لا بما صح عند غيره، وإذا كنت طالبًا للعلم لك نظر واستدلال، وتستطيع أن تنظر في أقوال أهل العلم والترجيح بينها، فتعبد ربك بما ترجح عندك، وإذا سُئلت فمن باب الإنصاف في العلم -الذي هو شرط من شروط العلم- ذكر الخلاف، ثم رجّح الراجح عندك، فإن لم تفعل هذا فأنت عند أهل العلم من الخائنين للعلم.","vol":"3","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>عدد الأحاديث المتواترة وما صنف فيها</span>\nلو عقدنا مقارنة عددية بين الأحاديث المتواترة وأحاديث الآحاد لوجدنا أن نسبة الأحاديث المتواترة إلى أحاديث الآحاد قليلة جدًا، فمنهم من قال: إن الأحاديث المتواترة ثمانون حديثًا فقط، ومنهم من بلغ بها ثلاثمائة وعشرين حديثًا على أكثر الأحوال.\nوهذه الأحاديث بالنسبة للألوف المؤلفة من أحاديث الآحاد لا شك أنها عدد قليل ونادر وعزيز جدًا، ولكن إذا نظرت إلى التواتر وإلى صفته لكانت هذه الثمانون حديثًا ليست قليلة، فأنت لو أتاك خبر واحد من أخبار الدنيا بعدد كثير في كل طبقة لاستكثرت هذا الخبر الواحد.\nولما كانت الأحاديث المتواترة قليلة استدعى ذلك أن يصنف فيها بعض الناس، وأن يجتهدوا في مسألة إثبات التواتر في حديث ما، أو عدم إثبات التواتر له.\nوقد صنف الإمام السيوطي ﵀ كتابًا في الحديث المتواتر سماه: الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة، ثم لخّص هذا الكتاب في كتاب سماه: قطف الأزهار.\nثم جاء محمد بن جعفر الكتاني وصنّف كتابًا آخر في التواتر سماه: نظم المتناثر في الحديث المتواتر.\nهذا كلام موجز وبسيط في الحديث المتواتر، أردنا لفت الأنظار إليه دون الخوض في معانيه؛ لأنه ليس من مباحث علم الإسناد؛ لأنه صحيح قطعًا.","vol":"3","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>الحديث المشهور</span>\nالنوع الثاني: حديث الآحاد.\nمعنى الآحاد في اللغة: جمع أحد، بمعنى الواحد.\nوهو: ما رواه عدد ولم يبلغ حد التواتر، فإن كان بثلاثة فهو المشهور، وإن كان باثنين فهو العزيز، وإن كان بواحد فهو الغريب.\nأول قسم من أقسام الآحاد هو المشهور، وهو أعلى طبقات الآحاد ودرجاته وأقسامه.\nوهو في اللغة هو اسم مفعول من شهرت الأمر إذا أعلنته وأظهرته، والأمر المشهور هو الأمر الظاهر المعلن.","vol":"3","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>رد المعتزلة الاحتجاج بحديث الآحاد</span>\nوقد رد المعتزلة الاحتجاج بخبر الواحد في العقائد، وهذه مسألة طويلة جدًا، وتحتاج إلى بحث عظيم، وهناك من يقول: إن حديث الواحد لا يؤخذ به في العقائد، ومنهم من يقول: لا يؤخذ به لا في العقائد ولا في الأحكام، كـ إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الضبي الأسدي المعروف بـ ابن علية، فقد كان يقول: الحديث الواحد لا يؤخذ به لا في العقائد ولا في الأحكام.\nوإذا كان الحديث المتواتر يبلغ على أعلى فرض (٣٢٠) حديثًا، فهل عقيدة المسلمين لا تدخل إلا تحت هذه الأحاديث فقط؟ وسنرد عليهم بعشرات من مسائل الاعتقاد التي يجب على كل مسلم أن يعتقدها وإلا لكان مسلمًا بلا عقيدة، وهذه المسائل في العقائد لم تثبت إلا من طريق الآحاد، فإما أن يقبلها وبذلك تسقط دعواه، وإما أن يردها وبذلك يرد عقيدته.\nوالعبرة بأقل طبقة، فإذا كان أقل طبقة في الإسناد ثلاثة فهذا هو المشهور والمستفيض، وإذا كان اثنين فهو العزيز، وإن كان واحدًا فهو الغريب.\nوالفارق بين المتواتر والآحاد كما يقول ابن حجر: اطمئنان النفس بإفادة العلم، فإن كان الأمر كذلك فهو متواتر، وإن لم يكن كذلك فهو آحاد، وإن زاد عن ثلاثة.","vol":"3","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>الفرق بين المشهور والمستفيض</span>\nبعض العلماء يقول: إن المشهور نفس المستفيض، وبعضهم يقول: إن المستفيض شيء والمشهور شيء آخر.\nوأصحاب مصطلح المستفيض هم الفقهاء في الدرجة الأولى ثم الأصوليون، وليس هو مصطلحًا حديثيًا، وإنما هو مصطلح فقهي أصولي.\nفمنهم من يقول: إن المستفيض كالمشهور، وهذا هو قول المحدثين، وعندما ظهر هذا المصطلح رده المحدثون وقالوا: المستفيض مثله مثل المشهور، من استفاض بمعنى انتشر وذاع، كالمشهور بمعنى انتشر واشتهر وظهر، فالمستفيض عندهم كالمشهور، ومنهم من قال: إن المستفيض أعم من المشهور، ومنهم من قال: بل هو أخص من المشهور، والخلاف فيه خلاف لا ينبغي الخوض فيه.\nوالمشهور في الاصطلاح: هو أن تكون أقل طبقة من طبقاته ثلاثة أو أكثر، ولا يعني أنه لا بد من توفر الثلاثة في كل طبقة، فيمكن أن يرويه ثلاثة من الصحابة عن النبي ﵊، ثم عن هؤلاء الثلاثة ثلاثين، ثم عن الثلاثين ثلاثة، وعن الثلاثة ثلاثين آخرين، ففي هذه الحالة يكون حديثًا مشهورًا في طبقتين، طبقة الصحابة وطبقة أتباع التابعين.","vol":"3","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>أنواع الحديث المشهور</span>\nوالمشهور نوعان: مشهور اصطلاحي، ومشهور غير اصطلاحي.","vol":"3","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>الحديث المشهور بين العامة</span>\nفالمشهور غير الاصطلاحي هو المشهور على ألسنة الناس على اختلاف فئاتهم وطبقاتهم، وسواء كان له إسناد واحد أو أكثر أو ليس له إسناد البتة، ولا يشترط فيه توفر الشروط أو عدم توفرها، كالمشهور عند العامة: (العجلة من الشيطان)، وهذا الحديث ليس له إلا إسناد واحد ضعيف، ولكنه مشهور، وهذه الشهرة غير اصطلاحية؛ لأنه ليس له إلا إسناد واحد، فهو غريب وليس مشهورًا اصطلاحًا، ولكنه لما اشتهر على ألسنة الناس كان لزامًا على العلماء أن يفرقوا بين ما هو مشهور على ألسنة الناس الذي لا تتوفر فيه شروط المشهور اصطلاحًا، وبين المشهور الاصطلاحي.\nفالمشهور الاصطلاحي له قواعد وأصول وضوابط، فإذا توفرت أُطلق عليه أنه مشهور حتى وإن لم يكن يعلمه جميع الناس.","vol":"3","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>الحديث المشهور بين الفقهاء</span>\nوالمشهور غير الاصطلاحي: هو ما اشتهر بين الناس سواء توفرت فيه الشروط أو لم تتوفر، مثل حديث (أبغض الحلال إلى الله الطلاق).\nفهذا الحديث روي من أكثر من وجه، وهو حديث ضعيف في الجملة بجميع طرقه، وإن صححه الحاكم واعتمد تصحيحه الذهبي ولكنهما خولفا، فهذا الحديث حديث ضعيف ومتنه في غاية النكارة؛ لأن الله تعالى ما كان ليحل أمرًا ثم ينكره أو يبغضه، فالحلال يحبه الله، والحرام يبغضه الله، فلما كان الطلاق حلالًا من عند الله ما كان ينبغي أن يكون هذا الحلال مبغّضًا ولا مكروهًا عند الله.\nوهذا الحديث مشهور عند الفقهاء.\nوهناك حديث مشهور عند النحاة يذكرونه في أساليب المدح والذم، وهو: (نِعم العبد صهيب لو لم يخش الله لم يتقه).\nوهذا الحديث لا أصل له البتة في كتب السنة، ولكنه مشهور عند النحاة.\nومثل حديث: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، فهو حديث مشهور جدًا، وكل الناس يحفظونه، وهو حديث صحيح رواه البخاري ومسلم، ولكنه لم تتوفر فيه شروط الحديث المشهور اصطلاحًا في إسناده؛ لأن الحديث يمكن أن يكون عزيزًا صحيحًا، أو غريبًا صحيحًا، ولا يستلزم من كونه صحيحًا أن يكون مشهورًا، فربما يكون الحديث مشهورًا ضعيفًا أو موضوعًا، ويمكن أن يكون الحديث الغريب في أعلى درجات الصحة، كحديث: (إنما الأعمال بالنيات).\nفلا يلزم من الشهرة الصحة، كما لا يلزم من الغرابة الضعف.\nوالأمر متعلق باجتهاد أهل العلم ومدى استنباطهم لإفادة الحديث أو عدم إفادته.\nوالحديث إذا لم يكن في رواته من اتهم بالكذب لا نقول: إنه مكذوب على النبي ﷺ؛ لأنه ليس في الرواة من يتهم بهذه التهمة، ولكن الحديث لا يرد لأجل الكذب فقط، بل يرد لأجل الوهم والنسيان والخطأ وغير ذلك، فربما يهم أو ينسي أو يخطئ فيه بعض الرواة.","vol":"3","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>الحديث المشهور بين الأصوليين</span>\nوقد اشتهر عند الأصوليين حديث معاذ حينما أرسله النبي ﷺ إلى اليمن فقال: (بم تحكم يا معاذ؟).\nوقصة بعث معاذ إلى اليمن جاء فيها حديثان: أحدهما في غاية الصحة والآخر في غاية النكارة: فأما الصحيح منهما فهو أنه لما أرسله النبي ﷺ إلى اليمن قال: (يا معاذ! إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض على أغنيائهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم).\nوأما المنكر فهو قول النبي ﷺ: (بم تحكم إذا عرض لك قضاء؟ قال: أحكم بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو -أي: ولا أقصر- فضرب النبي ﷺ صدري بيده وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله إلى ما يحبه الله ورسوله).\nفهذا الحديث قال عنه إمام الأئمة الإمام البخاري وسيد المحدثين: حديث منكر، ولو نظرت إلى الإسناد لما وجدت فيه نكارة، وإنما ستجد فيه ضعفًا، فأصحاب معاذ مبهمين، كما أن في الإسناد إلى أصحاب معاذ من هو ضعيف، فهذا الحديث من حيث الإسناد لا يصح.\nوما في إسناده راو مبهم أو ضعيف لا يقال عنه: حديث منكر، فإطلاق البخاري القول بأنه حديث منكر هذا ينصب على المتن دون الإسناد؛ إذ إنه من المعلوم قطعًا أنك إذا بحثت في أي مسألة من مسائل الشرع فلا بد أن تبحث في الأدلة الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على حد سواء، ولا تقل: سأبحث المسألة في كتاب الله، فإن وجدتها اكتفيت بها عن السنة، وإن لم أجدها ذهبت إلى السنة، ومن هنا أتت النكارة؛ لأن الحكم على المسائل الشرعية لا بد وأن يكون نابعًا من الكتاب والسنة على حد سواء، فلما أخّر السنة واعتبرها ليست بلازمة ولا ملزمة إلا بعد عدم العثور على البغية من كتاب الله كانت هذه نكارة في الحديث؛ لأنه يجب البحث أولًا في الكتاب والسنة على حد سواء.\nوالفاء في لفظ الحديث تفيد الترتيب والتعقيب، كما هو معلوم في الأصول.\nوقد تتابع أهل العلم إلى يومنا هذا على أن هذا الحديث غير صحيح، وشذ بعض الناس الذين ليس لهم أي باع في الحديث فصححوه وعملوا به، لا من باب أنه حديث صحيح، ولكن من باب أنهم أدخلوا أنفسهم في باب لا يحسنون الدخول منه، ثم بعد ذلك شنوا حربًا شعواء على أهل الحديث.\nوهناك رجل في جامعة القاهرة صحح هذا الحديث، وهو ليس محدثًا ولا شبه محدث، بل ولا فقيه ولا أصولي، وهذا غالب وضع الأساتذة، وقال لي أحد الإخوة الذين استمعوا إليه: إن فلانًا يقول: إن هذا الحديث حديث صحيح، ومن قال عنه منكر فإنما هو منكر، وأن هذا الأخ قال له: يا أستاذ! البخاري يقول عن هذا الحديث: إنه منكر، قال: ومن هو البخاري؟ إنما البخاري أحد طلاب العلم! فقال له: والألباني يقول عنه: إنه منكر، فقال: ومن الألباني هذا؟ ولم يُذكَر له عالم من علماء الحديث إلا وقال: ومن فلان؟ ومن فلان؟ وهذا طريق المغتر، ولا عبرة بالتعويل عليه.\nفأتيت بالبحث الذي كتبه شيخنا الألباني في الضعيفة، وهو اثنتا عشرة ورقة، وقلت لهذا الأخ: انسخ هذا الكلام بخطك وخذه وادفعه إلى ذلك الأستاذ، فأعطاه للأستاذ فقرأه وسر به جدًا، وفي محاضرة أخرى قال: هناك أحد الطلاب كتب بحثًا طيبًا جدًا، ويبدو أنه مجتهد، ومن الواضح أنه يفهم كثيرًا في الحديث، وظل يثني ويمدح على هذا الطالب الذي كتب هذا البحث، وقرأ بعض الصفحات منه على الطلاب، فسمعه طالب متنبه وقال له: هذا كلام الشيخ الألباني في الضعيفة، فقال: ولهذا أنا أقول: إن هذا الحديث صحيح.\nونحن لا نحب تقليد الشيخ ناصر ولا غيره، فالتقليد مكروه ومبغّض، ونحن نخالف الألباني إذا خالف أهل العلم، ونوافقه إذا وافق أهل العلم، والتقليد منقصة ومعيبة، وهو ليس مدحًا، وعلينا اتباع الحق سواء كان عند الألباني أو من عند غيره.\nوقد حمل هذا الأستاذ شنآنه على أهل السنة فدفع كل ما يأتي من طريقهم، وهم أهل التخصص، وهم أهل الفتوى حقًا في هذا الفن.\nفهذا الحديث حديث منكر رغم شهرته عند الأصوليين.","vol":"3","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>توقف الحكم في أحاديث الآحاد على النظر في أسانيدها</span>\nوالمشهور والعزيز والغريب لا يوصف أحدها بأنه صحيح أو حسن أو ضعيف إلا بعد البحث والنظر في إسناده.\nولا يلزم من الشهرة الصحة كما لا يلزم من الغرابة الضعف، فهذه الأنواع خاضعة للبحث، فما كان منها موافقًا لشروط أهل العلم فهو صحيح، وما كان منها مخالفًا أو اختل أحد شروطه فهو ضعيف.","vol":"3","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>أشهر المصنفات في الحديث المشهور</span>\nومن أشهر المصنفات في الحديث المشهور: المقاصد الحسنة في المشهور على الألسنة للإمام السخاوي.\nوكذلك: كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس للعجلوني.\nوكذلك: تمييز الطيب من الخبيث مما يدور على ألسنة الناس من الحديث لـ ابن الديبع الشيباني.","vol":"3","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>الحديث العزيز</span>\nوأما العزيز فهو: ما كان في أقل طبقاته اثنان.\nولم يصنف فيه أحد، فالعزيز يعني: القليل والنادر جدًا، وهو مشتق من عز يعَزُ، أو عزّ يعِزُ، والمعنى: إما نادر وإما غال وعزيز.","vol":"3","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>الحديث الغريب</span>\nوهو أكثر أقسام الآحاد، وهو ما ينفرد بروايته راو واحد، وبعض العلماء يطلق عليه الفرد.\nوالغريب في اللغة هو: الفرد والوحيد، فالإنسان الغريب هو الوحيد والفرد.\nوهو إما أن تكون غرابته مطلقة أو نسبية، وكذلك الفرد إما أن يكون فردًا مطلقًا أو نسبيًا.\nفالغرابة المطلقة هي: أن يحصل التفرد في أصل السند -أي: طبقة الصحابة- فلا يرويه عن النبي ﷺ إلا صحابي واحد.\nوالغرابة النسبية هي: أن تكون في أثناء السند لا في أصله، وذلك مثل حديث: مالك عن الزهري عن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر).\nوالمغفر هو الخوذة.\nفهذا الحديث تفرد به مالك عن الزهري، أي: لم يروه عن الزهري غير مالك، وهذا التفرد في طبقة أتباع التابعين.\nوالغريب النسبي أو الفرد النسبي له أنواع كثيرة، فقد تكون هذه الغرابة بالنسبة إلى شخص معين، أو إلى صفة معينة، ففي الحديث السابق حديث مالك عن الزهري عن أنس حصل التفرد في طبقة مالك؛ لأن مالكًا هو الوحيد الذي روى عن الزهري هذا الحديث، ولو روى مع مالك عشرة عن الزهري هذا الحديث، ولكن العشرة ضعاف ومالك هو الثقة فقط فنقول: إن هذا الحديث غريب غرابة نسبية، ولا نقصد الغرابة العددية وإنما الغرابة بالنسبة إلى صفة، فهو لم يروه ثقة عن الزهري إلا مالك.\nوقد تكون الغرابة عن أهل بلد بأكمله، كأن يكون الحديث لا يروى إلا عن المدنيين كما في صحيح مسلم تجد أن بعض الأسانيد رواتها كلهم مدنيون أو كوفيون أو بصريون أو غير ذلك.\nوعندما نقول: إن هذا الحديث أصله مدني، أي: إن أول طبقة فيه مدنيون، فأصل السند -أي: الصحابة الذين رووا هذا الحديث- مدنيون، فإذا أخذه في الطبقة الثانية أهل مكة، وفي الطبقة الثالثة أهل بغداد، وفي الطبقة الرابعة أهل مصر فنقول أيضًا: إن هذا الحديث حديث غريب؛ لتفرد أهل مصر عن أهل بغداد، ولتفرد أهل بغداد عن أهل مكة، ولتفرد أهل مكة عن أهل المدينة.\nفالتفرد إما أن يكون تفرد ثقة عن راو، أو تفرد راو معيّن عن راو معيّن، أو تفرد أهل بلد أو أهل جهة بحديث وحدهم، أو تفرد أهل بلد أو أهل جهة عن أهل بلد آخر أو أهل جهة أخرى.\nوالغرابة إما أن تلحق السند والمتن وإما أن تلحق المتن فقط، وهذا الكلام لا يُعلم إلا بالممارسة العملية.","vol":"3","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>أشهر المصنفات في الحديث الغريب</span>\nمن الكتب التي صنفت في الغريب مسند البزار والمعجم الأوسط للطبراني، وهناك أناس صنفوا في الغريب على حدة، منهم الإمام الدارقطني صنّف كتابًا سماه: غرائب مالك، وكتابًا آخر سمّاه: الأفراد، وهذا يدل على أن الدارقطني كان يطلق الغريب على الفرد والفرد على الغريب.\nوكتاب ثالث للإمام أبي داود السجستاني سماه: السنن التي تفرد بكل سنة منها أهل بلدة.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصل اللهم على النبي محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"3","page":33},{"text":"دورة تدريبية في مصطلح الحديث <span data-type=\"title\" id=toc-91>[٤]</span>\nاهتم العلماء بالحديث الشريف اهتمامًا كبيرًا، فهو المصدر الثاني للتشريع، ولذلك بالغوا في جمعه وضبطه والتحري عن أسانيده ورجاله، وذلك خوفًا من الكذب والوضع أو الغلط والخطأ على رسول الله ﷺ، وفي سبيل ذلك وضعوا شروطًا للحديث الصحيح ولقبول رواية الرواة وتعديلهم، فمن انطبقت عليه تلك الشروط قبلوا حديثه وإلا ردوه، وكل هذا من أجل الحفاظ على سنة النبي ﷺ.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>تقسيم الحديث باعتبار القبول والرد</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وسلم.\nوبعد: ينقسم الحديث باعتبار القبول والرد إلى مقبول ومردود.\nومعنى القبول: صلاحية الحديث للاحتجاج به.\nوالمردود أي: الحديث غير صالح للاحتجاج به، وهو الضعيف.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>الحديث المقبول</span>\nالحديث المقبول ينقسم إلى صحيح وحسن.\nوهذان القسمان بدورهما ينقسمان إلى قسمين آخرين، فالصحيح ينقسم إلى صحيح لذاته أو لغيره، والحسن ينقسم إلى حسن لذاته أو لغيره.\nوإذا أطلقنا الصحيح ولم نضفه إلى شيء آخر دل ذلك على أننا نتكلم عن الحديث الصحيح لذاته لا لغيره، وكذا الحديث حسن، فلو قلنا: حديث حسن دل ذلك على أننا نتكلم عن الحسن لذاته لا الحسن لغيره.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>معنى الحديث الصحيح وشروطه</span>\nالصحيح في اللغة ضد السقيم، والسقيم هو: المريض، والصحة والسقم حقيقة في الأجسام والأبدان، واستعير هذا المعنى للحديث.\nوفي الاصطلاح هو: ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة.\nوأهل العلم تكلموا في تعريفه كلامًا كثيرًا منه ما هو جامع غير مانع، ومنه ما هو مانع غير جامع؛ ولكن هذا ما رجّحه الحافظ ابن الصلاح والحافظ ابن حجر وغيرهما.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>شروط الحديث الصحيح</span>\nالشروط دائمًا تؤخذ من الحد والتعريف، فشروط الحديث الصحيح: الشرط الأول: اتصال السند.\nالشرط الثاني: العدالة.\nالشرط الثالث: الضبط.\nالشرط الرابع: انتفاء الشذوذ.\nالشرط الخامس: انتفاء العلة.\nفإذا توفرت هذه الشروط الخمسة حكمنا على الحديث بأنه حديث صحيح، وإذا اختلت أو اختل أحدها حكمنا على الحديث بأنه حديث ضعيف.\nوهذه الشروط منها ما يتعلق بالسند، ومنها ما يتعلق بالراوي.","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>الشرط الأول: اتصال السند</span>\nإذا انقطع السند فهذا الانقطاع يقدح في الإسناد، وليس في الراوي ولا المروي.\nفاشتراط صحة السند للاحتراز من أي انقطاع يكون في السند، سواء كان في أول السند أو وسطه أو آخره؛ لأن أي انقطاع يفقد الصحة أحد شروطها.\nإن كان الانقطاع في أول الإسناد سمي الحديث معلقًا، وهو ما حُذف من إسناده من جهة المصنف راو فأكثر، كأن يحذف شيخ المصنّف.\nوإن سقط اثنان على التوالي في أي موضع من الإسناد سمي الحديث معضلًا، وإن كان السقط في طبقة الصحابي سمي الحديث مرسلًا.\nوكل أنواع الانقطاع التي تلحق الإسناد تؤثر في صحة الحديث؛ لأن السند فقد أحد شروط الصحة، وهو الاتصال.\nوالمقصود باتصال السند هو: أن يكون كل راو أخذ عمن فوقه مشافهة وسماعًا.\nواتصال السند يعرف بتصريح الراوي، كأن يقول: حدثني فلان، أو أخبرني فلان، أو سمعت فلانًا يقول كذا.\nولو عنعن الراوي فإن كان ثقة لم يرم بالتدليس، وحملت عنعنته في أرجح أقوال أهل العلم على الاتصال، وإن كان مرميًا بالتدليس اختلف فيه أهل العلم على ثلاثة مذاهب، والراجح: أنه لا يُقبل إلا إذا صرّح بالسماع.","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>الشرط الثاني: العدالة</span>\nالشرط الثاني من شروط الصحة: عدالة الرواة، فلابد أن يكون الراوي عدلًا، أي: أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا سالمًا من الفسق وخوارم المروءة.\nوبعض العلماء ينازعون في بعض هذه الأوصاف، مثل شرط البلوغ، ويرون أنه يمكن أن يكون المسلم عدلًا دون أن يبلغ.\nوبعض العلماء يعرف العدالة بأنها: الالتزام والائتمار بما أمر الله ﷿ ورسوله، والانتهاء عما نهى الله عنه ورسوله ﷺ.\nوالعدالة شرط في الأداء لا في التحمل.\nوالتحمّل: هو سماع الراوي للحديث.\nوالأداء: هو إسماع الراوي للحديث.\nوالراوي قد يتحمل الرواية حال كفره، وهذا موجود، فكثير من الصحابة سمعوا النبي ﷺ قبل أن يدخلوا في الإسلام، فلما دخلوا الإسلام رووا ما سمعوه منه حال كفرهم، ولم تنكر عليهم روايتهم هذه.\nولا بد في الرجل حتى يكون عدلًا أن يكون مسلمًا، وهذا احتراز من أن يكون الراوي غير مسلم، والإسلام لا يشترط حال التحمّل وإنما يُشترط حال الأداء؛ لأن غير المسلم ليس بعدل، فالعدالة وصف ظاهر يلحق المسلم فقط دون غيره من الناس.","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>حكم تحمل الحديث وأدائه لمن لم يكن بالغًا</span>\nوأما البلوغ فقد اختلف أهل العلم في اشتراطه أيضًا في الرواية، وأرجح الأقوال أنه مشروط في الأداء دون التحمّل، والدليل على ذلك: حديث محمود بن الربيع ﵁ في صحيح البخاري في كتاب العلم قال: (عقلت مجة من النبي ﷺ مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين).\nولا شك أن الغلام في هذه السن لم يبلغ، ولكنه حينما ميّز وعقل ما فعله النبي ﷺ معه وهو في هذه السن قلنا بصحة التحمّل قبل البلوغ، وإما إسماعه الحديث لغيره فيشترط فيه البلوغ.\nوقد ذكر الحافظ الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية بعلم الرواية اختلاف العلماء في اشتراط البلوغ، وهل يشترط في التحمّل أو في الأداء؟ وقد اشترطوا لذلك شروطًا وخالفوها من ناحية العمل، وقد ذهبوا مذاهب شتى في تحديد سن معينة للتحمّل، والراجح: أن البلوغ شرط في الأداء وليس في التحمّل.\nوكان السلف رضي الله ﵎ عنهم يُسمعون أولادهم وهم غلمان صغار الحديث والقرآن، وقد يكمل أحدهم حفظ القرآن وهو صغير لم يبلغ العاشرة، فيؤتى به إلى مجالس أهل العلم ليسمع الحديث وغيره من صنوف وأفنان العلم.\nفالبلوغ كالإسلام شرط في الأداء وليس في التحمّل.","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>حكم التحمل والأداء لمن لم يكن عاقلًا</span>\nوالشرط الثالث في العدل أن يكون عاقلًا، وهذا الاحتراز من الجنون والسفه والعته وغير ذلك.\nفلا تُقبل رواية المجنون، سواء كان جنونه مستمرًا أم متقطعًا؛ لأنه لا يعلم أكان تحمله وقت الإفاقة أو وقت الجنون؟ ولا بد من كمال العقل وسلامته مما يطرأ عليه من علل وأمراض.\nوبعضهم يعبّر عن هذا بالتمييز، والمصطلحان مختلفان من حيث اللغة ومن حيث الاصطلاح.","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>حكم رواية الفاسق والمبتدع</span>\nالسلامة من أسباب الفسق، فإذا كان الراوي فاسقًا، مرتكبًا للكبائر أو مصرًا على الصغائر والمجاهرة بها، حكمنا عليه بأنه فاسق، فلو تاب منها قُبلت روايته على أرجح الأقوال.\nفإذا كانت الكبيرة شركًا كفر الراوي، وإن كانت غير شرك لم يكفر بها، وقد اختلفت الفرق في مرتكب الكبيرة اختلافًا عظيمًا، وهذه المسألة مما تميز بها أهل السنة والجماعة عن بقية الفرق، فقالوا: مرتكب الكبيرة إن أقيم عليه الحد كان كفارة له في الدنيا والآخرة، بمعنى: قبول توبته في الدنيا والمغفرة له في الآخرة، والنبي ﷺ يقول: (الحدود كفارات لأهلها)، بمعنى: أنها تمحو عنه تلك الخطيئة وهذا الذنب.\nوأما إذا لم يُقم عليه الحد في الدنيا فإن تاب منها بينه وبين الله تاب الله عليه، وإن لم يتب منها فهو في مشيئة الله تعالى إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له.\nوهذا هو معتقد أهل السنة في مرتكب الكبيرة.\nوكل من ارتكب حرامًا مستحلًا له وهو عالم بالحرمة فهو كافر.\nوإن كان الراوي مرتكبًا للصغائر مصرًا عليها ومجاهرًا بها ردت روايته تأديبًا له، ولا شك أن شرب السجائر وحلق اللحية وغير ذلك أمور مفسقة لصاحبها.\nويتفرع عن مسألة السلامة من الفسق الابتداع، والابتداع منه ما هو مكفّر، ومنه ما هو مفسِّق.\nفالبدعة إذا كانت مكفّرة لصاحبها كغلاة الروافض والشيعة وغير ذلك ردت رواية مرتكبها، وأما إذا كانت غير مكفّرة فتقبل رواية صاحبها بشروط: الشرط الأول: ألا يكون غاليًا في بدعته، وهذا احتراز من الصنف الأول من البدعة.\nالشرط الثاني: ألا يكون داعيًا إلى بدعته، أي: ألا تكون الرواية التي رواها تخدم وتؤيد بدعته.\nالشرط الثالث: توفر الضبط وموافقة الثقات.","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>حكم رواية التائب من الكذب</span>\nويدخل في هذه المسألة أيضًا حكم من تاب من الكذب، وهل الكذب ذنب ومعصية أم لا؟ وهل يفسق صاحبه أم لا؟ والكذب إما أن يكون على رسول الله، وإما أن يكون على الناس، والكاذب في حديث رسول الله ﷺ يسمى الوضاع، وجمهور أهل العلم يردون رواية التائب من الكذب على رسول الله ﷺ من باب الزجر له، ويقبلون رواية التائب من الكذب في حديث الناس.\nوغير الجمهور يقبلون رواية التائب من الكذب على رسول الله وعلى الناس.\nوذهب إمام الحرمين الإمام الجويني وتبعه الشيخ أحمد شاكر إلى تكفير من كذب على رسول الله ﷺ.","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>ما تثبت به عدالة الراوي</span>\nوتثبت عدالة الرواة بأحد طريقين: الطريق الأول: التنصيص من إمام من أئمة النقد والجرح والتعديل على أن هذا الراوي عدل، وقد اختلف العلماء هل يكفي قول الواحد فقط في إثبات العدالة أم لا بد من اثنين؟ والراجح أن العدالة تثبت بنص إمام واحد، رجلًا كان أو امرأة، كأن يقول الدارقطني أو يحيى بن معين أو أحمد بن حنبل أو صالح جزرة: فلان ثقة، أو غيرهم من أئمة النقد، فيكفي أن يحكم واحد منهم فقط على راو ما بأنه عدل أو غير عدل.\nالطريق الثاني: الاستفاضة والشهرة، أي: أن يشتهر ذلك الرجل أو ذلك العالم بين الناس جميعًا العامة والخاصة بأنه عدل، كـ البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري وابن عيينة، فهؤلاء استفاضت واشتهرت عدالتهم بين الناس جميعًا، فأغنت عن التنصيص.","vol":"4","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>الشرط الثالث: الضبط</span>\nوالشرط الثالث: ضبط الرواة.\nومعنى الضبط: إثبات الحفظ في القلب، أو المحافظة على المكتوب في الكتاب.\nوالضبط نوعان: ضبط صدر، وضبط كتاب.","vol":"4","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>ضبط الصدر</span>\nفضبط الصدر: هو أن يعي الراوي ما يسمع جيدًا، فيحفظه عن ظهر قلب ويستطيع استحضاره متى طُلب منه ذلك.\nإن حفظ الراوي جيدًا، حتى إذا طُلب منه ذلك أداه كما سمعه، ثم بعد أن تقدم به السن أنكر أن يكون قال هذا القول؛ رد إنكاره بشرط أن يكون المتحمّل عنه ثقة، أي: أن يكون عدلًا ضابطًا، وإن كانت هذه الرواية قد تحمّلها غير واحد إما لفظًا وإما معنى عن ذلك الشيخ؛ ففي هذه الحالة لا يُعد إنكاره ولا يُعتبر به، ويُعتبر في غير هاتين الحالتين، والله تعالى أعلم.\nمما يطرأ على ضبط الصدر ويؤثر عليه: فحش الغلط، والغفلة، والوهن، والمخالفة للثقات، وسوء الحفظ.\nوفحش الغلط هو كثرة الأخطاء، أي: أن يكثر خطؤه حتى يكون هو الغالب على حديثه، وهذا يُعرف بمخالفته للثقات.\nوالوهن هو: أن يروي الراوي حديثًا على سبيل الإيهام لا التحقق والتأكد.\nوهذه كلها مجرّحات تؤثر في ضبط الراوي.","vol":"4","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>ضبط الكتاب</span>\nالنوع الثاني من الضبط ضبط الكتاب، وهو ألا يعتمد الراوي في سماعه للحديث على صدره وقلبه، وإنما يعتمد على ما كتبه بعد شيخه.\nفضبط الكتاب أن يكتب الراوي ما يسمعه من الشيخ في كتاب أو في صحيفة.\nويُشترط لمن كانت هذه صفته شروط: الشرط الأول: أن يقابل أو يراجع هذا الكتاب على نسخة الشيخ الذي سمعه منه؛ حتى يقره الشيخ على صحة سماعه وكتابته.\nفربما يكون ذلك الرجل الذي كتب خلف الشيخ تصحّف عليه السماع وكتبه في كتابه مصحفًا، أو تحرّف عليه السماع وكتبه محرّفًا.\nوذلك مثل من كتب في كتابه حديث النبي ﷺ: (يا أبا نغير! ما فعل البعير؟)، فلما انتصب للتدريس ألقى على تلاميذه الحديث بهذا الشكل: (يا أبا نغير! ما فعل البعير؟).\nوتكلّف في تأويله وشرحه، فقال له أحد التلاميذ: ليس هكذا الحديث أيها الشيخ! وإنما هو (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟).\nوأبو عمير هذا أخو أنس بن مالك من أمه، والنبي ﷺ هو الذي كنّاه بـ أبي عمير، وكان معه نغير -وهو طائر بين اليمامة والعصفور من طيور المدينة- يلعب به، فكان النبي ﷺ يمازح هذا الغلام الصغير، ويقول له: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟) أي: ما الذي تفعله مع طائرك الصغير؟ وهذا الحديث يؤخذ منه فوائد جمة، وقد صنّف فيه أحد السلف كتابًا بعنوان: الفوائد المستنبطة من حديث أبي عمير، وذكر فيه ستين فائدة، والكتاب مطبوع ومعروف.\nولا شك أن هذا الراوي وقع فيما وقع فيه من خطأ؛ لأنه لم يلتزم بشروط ضبط الكتاب.\nالشرط الثاني: إذا لم يكن عند الشيخ وقت للمراجعة أو لم يوافق الطالب على مطلبه، أو كان الشيخ سيئ الخلق، أو حاد المزاج ويهاب أن يُطلب منه هذا الطلب -وهذا موجود بكثرة في السلف- فعلى الطالب أن يراجع نسخته على نسخة أقرانه.\nوإذا لم يكتب أحد غيره فلا مانع أن يراجع مكتوبه على مسموع غيره، فليس بلازم أن تكون المقابلة على مكتوب، بل يمكن أن تكون على مسموع.\nالشرط الثالث: أن يحافظ على هذا الكتاب من كل ما يتلفه من حرق وغرق وإتلاف وإفساد، وغير ذلك من الأمور التي تطرأ وتفسد الأوراق، فإذا تعرّض الكتاب لما يتلفه فلا بد وأن يتوقف الراوي عن الرواية.\nالشرط الرابع: أن يحدث الراوي وقت التحديث من الكتاب لا من حفظه.","vol":"4","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>حكم حديث فاقد كتابه</span>\nفإذا فقد الكتاب لأي علة من العلل التي ذكرناها فلا يمنع أن يكون الراوي ضابطًا ضبط صدر وضبط كتاب، ولكن من غلب عليه الاعتماد على الكتاب فلا يؤمن عليه الغلط في ضبط الصدر إذا حدّث من غير كتاب، وهذا لا يمنع من أنه يحفظ أحيانًا، فإذا فقد الكتاب فإن وافقت روايته رواية الثقات قبل حديثه، وإذا لم توافق روايته رواية الثقات رُد حديثه، هذا في حالة ما إذا كان له أقران، أو أتت هذه الرواية من غير طريقه.\nولو كان هو المتفرد بالرواية فإن كان غالب اعتماده على الكتاب ردت روايته بعد فقده للكتاب.\nفإن لم يعرف متى فقد الكتاب، ولا الأحاديث التي حدّث بها قبل فقد الكتاب وبعد فقده، ردت جميع رواياته إلا ما وافق منها الثقات، فإذا خالف الثقات أو تفرد برواية ليست عند غيره ردت، وأما ما وافق فيه الثقات أو جاءت الرواية عنه من طريق من رووا عنه قبل الاختلاط، أو قبل ضياع الكتاب، أو قبل حرقه، فلما ضاع الكتاب أو احترق أو اختلط الراوي توقفوا عن الرواية عنه، فتقبل روايته من طريقهم.\nوذلك مثل عبد الله بن لهيعة، فقد كان يحدث من كتاب ثم احترق كتابه، وكان أشهر من أخذ عنه قديمًا عبد الله بن المبارك وعبد الله بن يزيد المقرئ وعبد الله بن وهب المصري، ثم لما حدث لكتاب ابن لهيعة ما حدث توقفوا تمامًا عن الرواية عنه، والذين توقفوا عن الرواية عنه بعد احتراق كتبه بلغوا ثماني عشرة نفسًا، وهم مذكورون في كتب التراجم والرجال، لكن أشهر الرواة الذين توقفوا عن الرواية عنه هم العبادلة الثلاثة - ابن المبارك وابن يزيد المقرئ وابن وهب - فإذا أتت الرواية عن ابن لهيعة من طريق هؤلاء العبادلة فهي على الاستقامة؛ لأنهم رووا عنه قبل الاختلاط، فلما ضاع كتابه توقفوا عن الرواية عنه.\nفإذا عُلم من ترجمة الراوي أنه توقف عن الرواية عمن اختلط قُبل حديثه، وما لم يُعلم عنه توقُف فيه، ونرجع إلى الأصل، فما وافق فيه الثقات أخذنا به، وما خالف أو انفرد رددناه.","vol":"4","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>الشرط الرابع: السلامة من الشذوذ</span>\nالشرط الرابع: السلامة من الشذوذ.\nوالشذوذ له معنيان في الاصطلاح: المعنى الأول هو: ما خالف فيه الثقة من هو أوثق منه.\nوالفارق بين الشذوذ وبين زيادة الثقة دقيق جدًا، فالشذوذ فيه مخالفة، وزيادة الثقة ليس فيها مخالفة.\nفالمعنى الأول من معاني الشذوذ: هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق أو أحفظ منه، حتى وإن كان واحدًا، كأن يخالف راو صدوق راويًا ثقة؛ لأن مسألة الصدق أقل في التعديل من مسألة التوثيق، وكذلك الثقة أقل في الحفظ والضبط من الحافظ، والحافظ أقل في الحفظ والضبط من أمير المؤمنين في هذا العلم.\nوكما أن التعديل درجات، فكذلك الجرح درجات، وأعلى مراتب التعديل ما كان بصيغة أفعل التفضيل، كأن نقول: أوثق الناس، أو أحفظ الناس، أو أضبط الناس، أو أتقن الناس، هذه أعلى درجات التعديل.\nومنها: أن يكون اللفظ مكررًا، كأن نقول: ثقة ثقة، أو يكون اللفظ أو اللفظان مقترنين، كأن نقول: ثقة حافظ، أو ثقة متقن، أو ثقة ضابط أو غير ذلك.\nثم بعد ذلك نقول: ثقة، وصدوق، ولا بأس به، وليس به بأس، ويحتمل، ويعتبر به، وغير ذلك من الألفاظ التي تدل على التعديل.\nفمنها العالي، ومنها العالي جدًا، ومنها الوسط، ومنها الداني.\nوكذلك ألفاظ الجرح تختلف تبعًا لاختلاف ألفاظ التعديل، فمنها: أكذب الناس، وكذّاب، ويكذب، ويسرق الحديث، وضعيف، ومن أضعف الناس، ولا يعتبر به، والمستور والمغفّل وسيئ الحفظ، وكثير الخطأ وغير ذلك من الألفاظ التي تفيد الجرح.\nفإذا خالف الثقة حافظ، أو الصدوق فنقول: الرتبة في التعديل مختلفة مع مخالفة الرواية، وفي هذه الحالة نحكم على هذا الحديث بأنه حديث شاذ؛ لمخالفة الثقة لمن هو أوثق منه.\nوالمعنى الثاني من معاني الشذوذ هو: مخالفة الثقة لمجموع الثقات، فلو أن عشرة رواة في درجة واحدة من التوثيق والتعديل، ورواية أحدهم تخالف رواية التسعة، فلا شك أن المعقول والمقبول نسبة الخطأ إلى الواحد لا إلى الجماعة، واحتمال الوهم والخطأ والنسيان عليه أقرب وأولى من إلصاقه بالجماعة، فنقول في هذه الحالة: إن هذا الراوي أخطأ رغم أنه ثقة.\nفالحديث الشاذ: هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، أو لمجموع الثقات.","vol":"4","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>شروط الحكم بالشذوذ على الحديث</span>\nالحكم على الحديث أنه شاذ لا بد فيه من توافر أمور: الشرط الأول: وجود المخالفة.\nالشرط الثاني: أن تكون هذه المخالفة بين راو ثقة مع من هو أوثق منه، أو مع مجموع الثقات.\nالشرط الثالث: أن يكون المخالف ثقة، وهذا الشرط للاحتراز من أن يكون المخالف ضعيفًا.\nلو كان المخالف ضعيفًا فالحديث منكر، فلو حكم شخص مثلًا على حديث خالف فيه الراوي الضعيف الراوي الثقة بأنه حديث شاذ لقلنا له: إنه لا يفهم المصطلحات؛ لأن الحكم اللائق اصطلاحًا وبهذا الحديث أنه حديث منكر وليس شاذًا.\nفالحديث المنكر هو مخالفة الراوي الضعيف للراوي الثقة، فالحديث المنكر لابد فيه من شرطين: أن يكون الراوي ضعيفًا، وأن يكون مخالفًا لبقية الأحاديث.\nفإذا كان الراوي ضعيفًا ولم يخالف فيه الثقة عد إسناده ضعيفًا، وأما الحديث فمقبول من الطريق الآخر، ويُنظر في الضعف، فإن كان ضعفًا يسيرًا فإنه يتقوى بالطريق الآخر، وإن كان شديدًا استغني بالطريق الصحيح عن الطريق الضعيف.","vol":"4","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>ضعف الإسناد لا يسلتزم ضعف الحديث</span>\nنجد في كتب المحققين عندما يحقق أحدهم كتابًا معينًا من الكتب المسندة يتكلم عن الإسناد الوارد في الكتاب بعينه ويقول: إسناده ضعيف والحديث صحيح.\nفهذا الإسناد بعينه ضعيف؛ لوجود الراوي فلان، ولكن الحديث ورد من طرق أخرى، وقد تكون الطرق الأخرى بذاتها صحيحة فيصح الحديث دون النظر إلى هذا الإسناد بعينه، وإما أن تكون الأسانيد الأخرى نفسها فيها ضعف، ولكن ضعفها يسير يتقوى بها الحديث لو اجتمعت هذه الطرق كلها بعضها إلى بعض، فنقول في هذه الحالة: إن هذا الإسناد بعينه ضعيف، ولكن الحديث يرتقي من الضعف إلى الحسن أو إلى الصحة؛ لتعدد طرقه.\nولفظ الغرابة يخضع لمصطلح كل عالم رغم أن المقصود بها التفرد، وهي عند الترمذي بمعنى الضعف، وعند الحافظ ابن كثير في تفسيره بمعنى النكارة، ولا مشاحة في الاصطلاح إذا عُرف هذا عن كل مصنّف في كتابه.","vol":"4","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>الشرط الخامس: السلامة من العلة</span>\nالشرط الخامس من شروط صحة الحديث: انتفاء العلة، أي: عدم وجودها.\nوالعلة في اللغة: المرض.\nوهو حقيقة في الأجسام، ثم استعير هذا المعنى لإلحاقه بالحديث غير الصحيح.\nوفي الاصطلاح هي: سبب خفي يقدح في صحة الحديث مع أن الظاهر السلامة منه.","vol":"4","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>العلة المشترط انتفاءها من الحديث الصحيح</span>\nفالعلة: هي سبب خفي؛ لأن العلل الظاهرة يضعف بها الحديث بمجرد النظر لأول وهلة، فالحديث الذي ليس فيه التابعي أو الصحابي مثلًا سبب ضعفه ظاهر، وهو الانقطاع، والحديث الذي ليس فيه شيخ المصنف سبب ضعفه ظاهر، ولو قال البخاري مثلًا: قال الزهري لكان الحديث ضعيفًا؛ لأن البون شاسع جدًا بين البخاري والزهري، فبينهما على الأقل راويين، ونقول: هذا الإسناد ظاهر الانقطاع، ولا تسمى هذه علة خفية، ولكن علة ظاهرة.","vol":"4","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>العلل الخفية لا يدركها إلا العلماء النقاد الجهابذة</span>\nوالعلة هنا المقصود بها العلة الخفية التي تلحق الإسناد وتقدح في صحته مع أن الظاهر السلامة منها، ولا يطّلع عليها ولا يعرفها إلا العلماء النُقّاد الجهابذة، وهي تلحق الحديث وتقدح في صحته مع أن الظاهر السلامة منها، وهذه العلة لا يتسنى لأي عالم معرفتها، بل هذا حكر ووقف على النقاد الجهابذة كـ الدارقطني والبخاري وأحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وأبي زرعة وغيرهم من الأئمة.\nقال الحافظ ابن حجر: وهذا الفن من أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكًا، ولا يقوم به إلا من منحه الله ﵎ فهمًا غائصًا، واطلاعًا حاويًا، وإدراكًا لمراتب الرواة، ومعرفة ثاقبة، ولذلك لم يتكلم فيه إلا أفراد من أئمة هذا الشأن وحُذّاقهم، وإليهم المرجع في ذلك؛ لما جعل الله لهم من معرفة ذلك والاطلاع على غوامضه، دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك، وقد تقصر عبارة المعلل -يعني: أن الذي يعلل الحديث تقصر عبارته عن ذكر العلة، فقد يقول لك: هذا الحديث معلول، فإذا سألته: ما هي علته؟ لم يستطع التعبير عنها، ولذلك بعض الناس يقول: إن العلة في الحديث كهانة، فهم يعبرون عن غموض العلة وعدم القدرة على التعبير عنها بالكهانة- فلا يفصح بما استقر في نفسه، أي: أنه يشك في أن الحديث معلول، فإذا سألته: ما هي علته؟ قال: في نفسي شيء من الحديث لا أستطيع التعبير عنه.\nوذلك مثل الصراف يقول لك: هذا الدولار مضروب، فإذا قلت له: من الذي ضربه؟ قال: لا أعرف، وإذا قلت له: ما هي العلة التي عرفت بها ضربه؟ قال: لا أعرف.\nفهو لا يستطيع أن يعبر عن العلة التي لحقت هذا الدولار، وهذا كالحاسة السادسة، فهو لا يستطيع أن يعبر ولا أن يقدم دليلًا ماديًا محسوسًا على أن هذا الدولار مضروب، وإنما وقع في قلبه أن هذا الدولار ليس جيدًا، وبناء عليه امتنع عن أن يقبله، وكذلك الناقد الكبير في هذا الفن يقول لك: إن هذا الحديث معلول، فإذا سألته: ما هي علته؟ قال: لا أعرف، فعبارتي تقصر عن إفادة العلة في هذا الحديث، وتجده يقسم أيضًا على أنه معلول.\nفهو متأكد، ولكنه لا يستطيع التعبير عن العلة.\nفمتى وجدنا حديثًا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله فالأولى اتباعه في ذلك؛ لأننا نتّبعه في التصحيح، فلِم لا نتبعه في التعليل؟ فكما نتّبعه في تصحيح الأحاديث إذا صححها فلنتبعه أيضًا في تعليل الحديث إذا علله.\nوهذا الإمام الشافعي مع إمامته وجلالته يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه، فيقول: وفيه حديث لا يثبته أهل العلم الكبار بالعلل، وهذا حيث لا يوجد مخالف منهم لذلك المعلل، وحيث يصرّح بإثبات العلة.\nويقول السخاوي: وهذا النوع من علوم الحديث -أي: الحديث المعلل- من أغمض أنواع الحديث وأدقها، ولذا لم يتكلم فيه إلا الجهابذة أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب، مثل ابن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري ويعقوب بن شيبة وأبي حاتم وأبي زرعة، ولخفاء هذا النوع كان بعض الحفّاظ يقول: معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل.\nوكان عبد الرحمن بن مهدي شيخ الإمام أحمد والشافعي يقول: هو إلهام -أي: إن معرفة العلل إلهام- ولو قلت للقيّم بالعلل: من أين لك هذا؟ لم تكن له حجة يعبر بها، وإلا ففي نفسه حجج للقبول والرفض.\nوسئل أبو زرعة الراوي عن الحجة لقوله عندما سئل عن حديث، فقال: معلول؟ فقال: لا أستطيع أن أقول لك ما هي حجتي، ولكن اذهب واسأل ابن وارة -وهو من أئمة الحديث- فإذا قال لك مثل قولي فاذهب إلى أبي حاتم، فإذا قال لك مثل قولنا فاعلم أن الحديث معلول، ففعل الرجل ذلك فاتفقوا جميعًا، فاعلم أن هذا الأمر على الحقيقة، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام، فلو لم تكن له علة لما اتفق أبدًا كلام أبي زرعة مع كلام أبي حاتم وكلام ابن وارة، فلما اتفقوا دل على أن الأمر فعلًا فيه علة، ولما قصرت عبارة هؤلاء جميعًا عن ذكر هذه العلة دل على أنها إلهام من الله ﷿ لهؤلاء العلماء.","vol":"4","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>طرق معرفة العلل الخفية</span>\nومعرفة العلة لا تأتي إلا بطول الممارسة والخبرة الطويلة جدًا، حتى يعلم العالم ما يمكن أن يصدر عن النبي ﷺ، بل وما يمكن أن يصدر عن الرواة أنفسهم.\nولو أن ملكًا أو رئيسًا من رؤساء الدنيا عنده خادم خدمه خمسين أو ستين عامًا فإنه لا يتصور أن يبقى شيء من أمر الملك أو الرئيس إلا ويعلمه ذلك الخادم، وخاصة ما يمكن أن يقوله ذلك الرئيس وما لا يمكن أن يقوله، فإذا كان لم يسمع الملك تلفظ بكلمة قبيحة طوال الخمسين سنة ثم أتى من يقول له: إن الملك يتكلم بألفاظ قبيحة، فسيكذبه الخادم من أول وهلة؛ لأنه منذ خمسين سنة يخدم الملك ويعرف ما يمكن أن يصدر عنه من ألفاظ، وأنه لا يمكن أن يصدر منه العيب أبدًا.\nوكذلك العالم الكبير في هذا الفن الذي مارس حديث النبي ﷺ حياته كلها، فقد أصبح لديه حاسة إذا سمع لفظًا أو إسنادًا عرف أن هذا الإسناد مستقيم أو غير مستقيم، وهذا الكلام يصدر أو لا يصدر عن المعصوم ﷺ؛ لكثرة ممارسته للأسانيد وحفظه للرجال ومراتبهم وطبقاتهم، وبناء على خبرته الطويلة يحكم بأن هذا الحديث معلول أو غير معلول.\nفعلم العلل عبارة عن إلهام من الله ﷿ يلقيه في قلوب النُقّاد، وليس معنى هذا أن يحدث كل منا ويقول: هذا حديث موضوع، وهذا حديث صحيح، وأن هذا يمكن أن يصدر عن النبي ﷺ وهذا لا يمكن أن يصدر عنه ﷺ، بل هذا الكلام يقوله ابن المديني والبخاري والدارقطني.\nوقد بين الخطيب البغدادي السبيل إلى معرفة العلة إذا كان يمكن أن يتوصل إليها، وذلك بما يعرف في هذا العلم بالتتبع، والشواهد، والاعتبار.\nوهو: جمع طرق الحديث من بطون كتب السنة والمقارنة بينها؛ حتى يعرف ما إذا كان هذا الحديث مرفوعًا أو موقوفًا، أو موصولًا أم مرسلًا، ثم الترجيح بينها، فإذا ترجّح الرفع كان الوقف هو المعلول، وإذا ترجّح الوقف كان الرفع هو المعلول، فإذا كان الحديث قد روي مرفوعًا من طريق الحفاظ الثقات الضابطين، وروي موقوفًا من طريق أهل الصدق والستر والأمانة رجح المرفوع.\nقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم؛ لهم فَهْمٌ خاصٌّ يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديث بذلك.\nفمثلًا إذا أتى حديث من طريق الزهري، ونفس الحديث جاء من طريق حماد مثلًا قالوا: هذا الحديث أليق بـ الزهري، أي: أنه أشبه بـ الزهري، ويقولون: أخطأ فيه حماد.\nوهذا يرجع فيه إلى الفهم والمعرفة التي خصوا بها عن سائر أهل العلم.","vol":"4","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>العلة القادحة والعلة التي لا تقدح</span>\nوالعلة منها ما هو قادح، ومنها ما هو غير قادح.\nفالقادحة هي التي تطعن في صحة الحديث.\nوغير القادحة هي التي لا تطعن في صحة الحديث.\nومثال العلة غير القادحة في السند مثلًا: أن يروى حديث عن راو مدلس من أربعة طرق، ثلاثة منها يقول فيها: عن فلان، وفي الطريق الرابع قال: حدثني فلان؛ فهنا صرّح بالتحديث، وهذا يجبر عنعنته في الطرق الثلاثة الأولى؛ لأنه صرّح بالتحديث، وهذا ينفي عنه شبهة التدليس، فهذه العلة غير قادحة؛ لأنه صرّح بالتحديث في مكان آخر.","vol":"4","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>بعض صور العلل القادحة وغير القادحة</span>\nالنوع الأول: العلة القادحة في الإسناد دون المتن، وتقدح فيه ولا تقدح في المتن، وذلك كحديث: (البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تفرقا فقد وجب البيع).\nوهذا بخلاف البيوع المحرّمة والمنهي عنها، كالملامسة والمنابذة، وقد كانت هذه البيوع موجودة في الجاهلية، فقد كان البائع يقول للمشتري: انبذ إلي وأنبذ إليك، بمعنى: لو دفعت لك السلعة فقد وجب عليك أن تدفع لي الثمن أعجبتك أو لم تعجبك، وفي الملامسة كان يقول له: لا تضع يدك على السلعة، فلو وضعت يدك عليها فقد وجب البيع.\nوهذا الحديث رواه يعلى بن عبيد الطنافسي عن الثوري عن عمرو بن دينار، ويعلى بن عبيد هو الوحيد الذي يرويه عن الثوري عن عمرو بن دينار، وأصحاب الثوري يروونه عن الثوري عن عبد الله بن دينار وليس عن عمرو، ففي هذه الحالة نقول: إن يعلى بن عبيد أخطأ في هذا الإسناد، فقال: إن شيخ الثوري عمرو بن دينار وهو في الحقيقة عبد الله بن دينار.\nوهذه العلة لا تؤثر في المتن؛ لأنه أتى من وجوه أخر صحيحة.\nالنوع الثاني: أن تقع العلة في الإسناد وتقدح فيه وفي المتن معًا، وذلك مثل إبدال راو ضعيف براو ثقة، كـ حماد بن أسامة كان يروي عن شيخه عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وكان يعرف من اسمه عبد الرحمن بن يزيد فقط، فغلب على ظنه أن اسمه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر فكان يقول من عند نفسه: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهو في الحقيقة ابن تميم، فهنا يضعف الحديث رغم أن العلة لحقت بالإسناد؛ لأن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ضعيف وابن تميم ثقة، فهو أبدل الراوي الثقة براو ضعيف، فهذه العلة تقدح في السند والمتن معًا؛ لأن الراوي ضعيف.\nالنوع الثالث: أن تقع العلة في المتن ولا تقدح فيه ولا في الإسناد، كمثل ما وقع من اختلاف في ألفاظ كثيرة من أحاديث الصحيحين، فإن أمكن رد الجميع إلى معنى واحد فإن القدح ينتفي عنها، وهذا الذي نسميه وجوه الترجيح.\nالنوع الرابع من أنواع العلة: أن تقع العلة في المتن دون الإسناد، وذلك مثل حديث أنس ﵁: (أنهم كانوا لا يقرءون ببسم الله الرحمن الرحيم، وكانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين)، فـ أنس فهم أنهم كانوا لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، وهناك فرق بين الصورتين؛ لأن السورة نفسها تسمى سورة الحمد، فحينما كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين، فهذا لا ينفي أنهم يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، فهي آية من الفاتحة على الراجح من أقوال أهل العلم، وأما قوله: كانوا لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم فهذا نفي لقراءة البسملة، والصورة الأولى لا تمنع قراءة البسملة؛ لأن السورة نفسها يُطلق عليها سورة الحمد، فكانوا يبدءون القراءة بسورة الحمد، ولا ينفي ذلك أنهم يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم.\nوقول أنس استدل به من قال: إن البسملة ليست آية من القرآن حتى الفاتحة.\nوالراجح: أنهم كانوا يذكرونها سرًا.\nالنوع الخامس من أنواع العلة: أن تقع في المتن وتقدح فيه وفي الإسناد معًا، وذلك كالحديث الذي يرويه راو بالمعنى ويخطئ في معناه، والمراد بلفظ الحديث غير ذلك، فإن ذلك يستلزم القدح في الراوي.","vol":"4","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>شروط رواية الحديث بالمعنى</span>\nالأصل عند السلف أن يروى الحديث بلفظه.\nوذهب جمهور أهل العلم إلى جواز الرواية بالمعنى، بشرط أن يكون الراوي عالمًا بما تحيل إليه الألفاظ من المعاني؛ لأن الراوي الذي يروي الحديث بالمعنى لا شك أنه يأتي بألفاظ من عنده هو، فإن لم يستطع ضبط الألفاظ التي أتى بها مع الألفاظ الموجودة في الحديث فسوف يغير المعنى، وربما يكون في لفظه ما يحتمل أحكامًا جديدة وليست موجودة في أصل الحديث، أو ربما يأتي بلفظ يخل بالمعنى، فيصرف الحديث عن مراد رسول الله ﷺ الذي أراده، فالذي يروي الحديث بالمعنى لا بد وأن يكون عالمًا بما تحيل إليه الألفاظ من المعاني، وإلا يحرم عليه أن يروي الحديث بالمعنى.\nفإذا روى الراوي الحديث بالمعنى فأتى بألفاظ تحتمل أحكامًا ليست موجودة، أو تنفي أحكامًا موجودة، أو غيّر أو بدّل فهذا التغيير والتبديل والزيادة والنقصان علّة تلحق المتن، وبالتالي تقدح في الراوي، وهذه العلة التي لحقت المتن تؤثر في المتن كما تؤثر في الإسناد أيضًا.\nذكر الحاكم أبو عبد الله في كتابه معرفة علوم الحديث العلل وقسّمها إلى عشرة أجناس، ولخّصها السيوطي في تدريب الراوي، فمن أراد الاطلاع عليها فليراجعها في تدريب الراوي أو في معرفة علوم الحديث للحاكم.","vol":"4","page":26},{"text":"دورة تدريبية في مصطلح الحديث <span data-type=\"title\" id=toc-117>[٥]</span>\nمن أقسام الحديث باعتبار القبول والرد الحديث الحسن، وقد اختلفت عبارات العلماء في تعريفه، وذلك لأن الحسن أمر نسبي قد يقترب من الصحة وقد يبتعد عنها، وقد يرتقي الضعيف فيصير حسنًا لغيره إذا كان ضعفه مما ينجبر واعتضد بغيره.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>الحديث الحسن</span>\nباسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nالحديث الصحيح لذاته: هو ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط أو تام الضبط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة.\nواختلف أهل العلم في تعريف الحديث الحسن لذاته على أكثر من عشرة أقوال، ومدارها على قولين أو ثلاثة.\nيقول الإمام ابن كثير: وهذا النوع لما كان وسطًا بين الصحيح والضعيف -في نظر الناظر لا في نفس الأمر- عسر التعبير عنه وضبطه على كثير من أهل هذه الصناعة، وذلك لأنه أمر نسبي ينقدح عند الحافظ، وربما تقصر عبارته عنه.\nفالحديث من حيث الصحة والضعف ينقسم إلى: صحيح، وحسن، وضعيف.\nوالحديث الحسن هو المرتبة الوسط بين الصحيح وبين الضعيف، والمرتبة الوسط تحتاج إلى جهد عظيم حتى تُضبط؛ لأن طرفيها لهما علاقة بما فوقها وما تحتها، فالحديث الحسن له علاقة بالضعيف، كما أن له علاقة بالصحيح، فهو يأخذ من هذا ومن هذا.\nيقول: وقد تجشم كثير منهم حده، أي: وقد تعرّض له كثير من أهل العلم بمعرفة ماهيته وموضوعه وحده.","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>تعريف الخطابي للحديث الحسن</span>\nقال الخطابي: هو ما عُرف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء.\nفقوله: هو ما عُرف مخرجه، هذا الكلام يشترك فيه الصحيح والضعيف مع الحسن؛ لأن الصحيح أيضًا هو ما عُرف مخرجه، والضعيف كذلك أيضًا ما عُرف مخرجه، فالأول ما عُرف مخرجه بالصحة، والثاني ما عُرف مخرجه بالضعف.\nفهذا الكلام غير جامع؛ لأنه يجمع الحسن مع الصحيح والضعيف، وغير مانع من دخول غير الحسن فيه.\nفهذه الجزئية من التعريف فيها نظر.\nوإذا كان قتادة يروي عن البصريين استقام حديثه، فروايته معروفة عن البصريين، وإذا روى عن غيرهم كان حديثه معلولًا.\nوالعبادلة إذا رووا عن ابن لهيعة كان حديثهم مستقيمًا؛ لأنه معروف المخرج.\nثم قال: واشتهر رجاله، ولم يقل: واشتهر رجاله بالتوثيق، ولا بالعدالة، ولا بالضعف، ولا بالصدق والأمانة، فهذه الجزئية أيضًا جزئية عامة؛ لأن الحديث الصحيح اشتهر رجاله أيضًا، كما أن الحديث الضعيف أيضًا اشتهر رجاله.\nيقول: وعليه مدار أكثر الحديث، أي: أن معظم السنة تدور على هذا النوع من الحديث، وهو الحديث الحسن.\nوهذا مما ينازع فيه؛ إذ لم لا يكون مدار السنة على الحديث الصحيح؟ ثم يقول: وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء.\nوهذا الكلام أيضًا ينطبق على الحديث الصحيح.\nفهذا التعريف عليه انتقادات شتى.\nفقوله: وعليه مدار أكثر الحديث، يعني: أن الأحاديث التي صحت اتفاقًا قليلة جدًا، ومعظم الأحاديث المعمول بها في العقائد والأحكام من قبيل الحديث الحسن.\nيقول الحافظ: فإن كان المعرّف هو قوله: ما عُرف مخرجه واشتهر رجاله فالحديث الصحيح كذلك، بل والضعيف، وإن كان بقية الكلام من تمام الحد فإنا ننازعه بقوله: ما عُرف مخرجه واشتهر رجاله.\nوليس هذا الذي ذكره الخطابي مسلمًا له من أن أكثر الحديث من قبيل الحسن، ولا هو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء.","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>تعريف ابن حجر للحديث الحسن</span>\nالتعريف الثاني: تعريف الحافظ ابن حجر، فقد عرّف الحديث الصحيح بقوله: هو ما اتصل سنده بنقل عدل تام الضبط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة، فإن خف الضبط فالحسن لذاته.\nفجعل الحافظ ابن حجر الفرق بين الصحيح والحسن لذاته خِفّة ضبط الراوي.\nفقال: فإن خف الضبط فالحسن لذاته.\nفالحسن عند الحافظ ابن حجر هو: الحديث الذي اتصل سنده بنقل العدل خفيف الضبط.\nيعني: أنه نزل من مرتبة الثقة إلى مرتبة الصدوق.\nفالإسناد الذي رواته كلهم ثقات ما عدا واحدًا -وهو صدوق- هو إسناد حسن، فإن كان كل رواته ثقات فهو صحيح.\nفالراوي إذا اختل ضبطه شيئًا يسيرًا نزل من مرتبة الثقة إلى مرتبة الصدوق، وهذا هو راوي الحديث الحسن.\nوالحافظ ابن حجر تكلم هنا عن الحسن لذاته، فقد قال: فإن خف الضبط فالحسن لذاته.","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>تعريف ابن الجوزي للحديث الحسن</span>\nالتعريف الثالث تعريف ابن الجوزي قال: هو الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل ويصلح للعمل به.\nفقال: هو الحديث الذي فيه ضعف، ولم يقل: خفة ضبط، والضعف أنواع، منه ما هو شديد، ومنه ما هو متوسط، ومنه ما هو يسير.\nفالضعف الشديد لا ينجبر وإن أتى من مائة طريق بمثل هذا الضعف.\nوالضعف المتوسط ينجبر إن أتى من طرق متعددة.\nوأما الضعف اليسير والبسيط فيكفي أن يأتي من طريق آخر على هذا النحو، فهو يدل على أن الحديث في هذه الحالة له أصل، فيرتقي من الضعيف إلى الحسن لغيره.\nوالفرق بين الحديث الصحيح لذاته والصحيح لغيره: أن أسباب الصحة في الحديث الصحيح لذاته اجتمعت في ذات الحديث، ولم تأته القوة من خارجه، والصحيح لغيره أتته القوة من خارجه.\nومثال ذلك: لو أن هناك أخوين أحدهما فتى شاب يافع قوي، والآخر مريض هزيل، فالأول الذي اجتمعت فيه أسباب القوة والفتوة يخافه الناس؛ لأنه اجتمعت فيه أسباب القوة، وبإمكانه أن يبطش بمن يتعرض له في أي وقت، فأسباب القوة مجتمعة في ذاته هو، ولم تأته من خارج ذاته.\nوأما الضعيف فيقول عنه الناس: إنه أيضًا قوي، ولكنه ليس قويًا في ذاته، بدليل أنه لو مات أخوه فسوف يعتدون عليه في كل وقت، وإنما يحترمونه الآن بسبب أن له ظهرًا، فأسباب القوة أتت إليه من خارجه، فيقال عن هذا الضعيف: إنه قوي بأخيه وليس قويًا بنفسه، فأسباب القوة أتته من الخارج ولم تأته من ذاته ومن داخله.\nوكذلك إذا كان الحديث صحيحًا لذاته، أي: أن أسباب القوة اجتمعت في ذاته هو ولم تأته من خارجه، وإذا كان الحديث صحيحًا لغيره دل ذلك على أن أسباب القوة أتته باجتماع الطرق، فيكون الحديث في أصله حسنًا لذاته، ولكنه روي من عدة طرق.\nفإذا أتى حديث بإسناد واحد يقل فيه ضبط الراوي شيئًا يسيرًا فهو حديث حسن لذاته، ولو أتى من عدة طرق بهذا الوصف فكثرة هذه الطرق تجبر الخلل الذي حصل في ضبط الراوي، وترتقي بالحديث إلى منزلة الصحيح لغيره، ولا نقول عنه: إنه صحيح لذاته؛ لأنه لو كان لذاته فلا بد أن تجتمع أسباب القوة في إسناد واحد، ولكن عندما حصلت هذه القوة بمجموع أسانيد الحديث الواحد دل على أن الصحة كان سببها اجتماع الطرق والأسانيد، فيكون الحديث في هذه الحالة صحيحًا لغيره لا لذاته.\nفقوله: هو الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل، أي: أن الحديث الحسن هو: الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل، يعني: يسيرًا، فإذا لم يأت هذا الحديث من وجه آخر سمي ضعيفًا؛ لأن فيه راويًا ضعيفًا.\nوالضعف ثلاثة أنواع، وهذا أخفها، فإذا أتى هذا الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل من وجه واحد سمي حديثًا ضعيفًا، وإذا أتى من طريقين أو بإسنادين سمي حسنًا لغيره؛ لأن أسباب الحُسن لم تجتمع في إسناد واحد.\nوما يقال من أن الصحيح لغيره هو الحسن لذاته ورد من عدة طرق يقال كذلك في الحسن لغيره والضعيف، ولذلك يعرف العلماء الحديث الضعيف بأنه: ما لم يجمع شروط الصحيح ولا الحسن.\nوالتعريف الراجح هو: ما لم يجمع شروط الحسن؛ لأنه إذا لم يجمع شروط الحسن فمن باب أولى ألا يجمع شروط الصحيح.\nفالحديث الحسن: هو ما فيه راو خفيف الضبط.\nوأما الحديث الضعيف: فهو ما فيه راو ضعيف، وليس خفيف الضبط.\nوالضعيف منه ما يرتقي إلى الحسن لغيره ومنه ما لا يمكن أن يرتقي.\nفتعريف ابن الجوزي إنما ينطبق على الحديث الحسن لغيره، وليس على الحديث الحسن لذاته.\nالحديث الحسن لذاته أقوى من الحسن لغيره؛ لأن أسباب الحُسن اجتمعت في إسناد واحد، وكذلك الصحيح لذاته أقوى من الصحيح لغيره؛ لأن أسباب الصحة اجتمعت في إسناد واحد.\nفالشيخ أراد أن يقول: إن الحديث الحسن هو ما كان فيه ضعف يسير محتمل، وأتى من وجه بنحوه.\nهو لم يقل هذا الكلام هنا، لكنه موجود في كتابه الضعفاء.\nثم قال: وكل هذا مستبهم لا يشفي الغليل، يعني: مع كل هذا الكلام لم نحدد تمامًا ما هو الحديث الحسن.\nوأقوال أهل العلم كثيرة في تعريف الحديث الحسن، وهي أكثر من أن تحصى.\nيقول: وليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن عن الصحيح، أي: أن تعريفهم متداخل بعضه في بعض.","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن وتقسيمه له</span>\nيقول ابن الصلاح: وقد أمعنت النظر في ذلك والبحث، فتنقح لي واتضح أن الحديث الحسن قسمان: النوع الأول: الحديث الحسن لذاته.\nوالنوع الثاني: الحديث الحسن لغيره.\nأي: أن من العلماء من تعرّض لتعريف الحسن لذاته، ومنهم من عرف الحسن لغيره.\nوالحديث الحسن لغيره: هو الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلًا كثير الخطأ، ولا هو متهمًا بالكذب، ويكون متن الحديث قد روي مثله أو نحوه من وجه آخر، فيخرج بذلك عن كونه شاذًا أو منكرًا.\nوهذا التعريف هو تعريف الترمذي، أو هو المشهور بحد الترمذي للحديث الحسن.\nفـ ابن الصلاح يقول: إن الحديث الحسن قسمان: قسم يتنزل عليه كلام الترمذي وهو هذا القسم -أي: الحسن لغيره- فهو يقول: هو الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته.\nأي: أن إسناده فيه راو مستور، -أي: مجهول الحال لا مجهول العين- والإسناد الذي فيه راو مستور يساوي الإسناد الضعيف.\nولكن هذا الراوي المستور ليس كثير الغلط والغفلة والخطأ، فهو ضابط، غير أنه مجهول الحال لم يتكلم فيه أحد لا بجرح ولا بتعديل، أي: أن حاله مبهمة غير معروفة، فلم يطعن فيه أو يزكيه أحد، فأمره على الستر، فلا يعرفه أحد، ولم يتكلم فيه أحد لا بخير ولا بشر.\nفـ الترمذي يقول: إنه ليس كثير الغلط والغفلة والخطأ؛ لأن روايته توافق رواية غيره، وهذا يدل على أنه كان يحفظ ويضبط.\nثم يقول: ولا هو متهم بالكذب، ويكون متن الحديث قد روي من وجه آخر مثله أو نحوه، أي: أن يكون متن الحديث الذي رواه ذلك المستور روي من وجه آخر من طريق رجل مستور أيضًا، فلو أتى حديث واحد بإسنادين في كل إسناد منهما راو مستور يختلف عن الراوي الذي قبله، ففي هذه الحالة يرتقي الحديث إلى مرتبة الحسن، فتعريف الترمذي يتنزّل على الحديث الحسن لغيره لا لذاته.\nفالحسن لغيره هو في أصله حديث ضعيف ضعفًا يسيرًا، ولكن باجتماع الطرق يرتقي من الضعف إلى الحسن لغيره.\nوالنحوية والمثلية مسألة مهمة جدًا في مجال الحديث، فمثله: أي مثله في اللفظ، ونحوه: أي نحوه في المعنى.\nفلو روى البخاري حديثًا بألفاظ معينة، ورواه بنفس الألفاظ مسلم ففي هذه الحالة أقول: هذا الحديث رواه البخاري، ورواه مسلم بمثله، فإذا اختلفت الألفاظ واتحد المعنى فأقول: هذا الحديث أخرجه البخاري بلفظ كذا وكذا، وهو عند مسلم بنحوه، أي: بمعناه، فالمثلية تفيد تمام المطابقة بين الألفاظ، وأما النحوية فلا تفيد هذا المعنى.\nفلو كان الحديث ضعيفًا ضعفًا متوسطًا فيجب أن يأتي من عدة طرق، وإن كان ضعيفًا ضعفًا يسيرًا فيكفي أن يأتي من طريقين اثنين، بمعنى لو جاء مثلًا من طريق سيئ الحفظ أو كثير الغلط فلا يرتقي إلى الحسن لغيره إلا إذا أتى من أربع أو خمس طرق حسب المقام؛ حتى تطمئن النفس إلى أن الرواة لم يخطئوا، وإذا كان الراوي مستورًا فيكفي أن يأتي من طريقين اثنين، سواء كان الراوي الآخر مستورًا أو أتى الحديث من وجه آخر مرسلًا، فيدل هذا على صحة مخرج الحديث نفسه.\nالقسم الثاني حسب تعريف ابن الصلاح: أن يكون راوي الحديث من المشهورين بالصدق والأمانة، ولم يبلغ درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان.\nفالحديث الحسن لذاته ينزل راويه من مرتبة الثقة إلى مرتبة الصدوق، والأمانة المقصود بها هنا العدالة -فالأمانة خاصة بالعدالة، وأما الصدق فخاص بالضبط- أي: ينزل من رتبة ثقة إلى رتبة صدوق، أي: ينزل عن رتبة الحديث الصحيح إلى رتبة الحسن لذاته.\nولا يُعد ما ينفرد به منكرًا، فلو انفرد هذا الراوي الذي هذه أوصافه لا يُقال: هذا الحديث منكر، وإنما يقال: حديث حسن لذاته، ولا يقال: ضعيف؛ لأنه مشهور بالصدق والأمانة وإن كان دون مرتبة الصحيح، والذي ينزل عن مرتبة الصحيح تبقى مرتبته في الحديث الحسن لذاته.\nولا يكون المتن شاذًا ولا معللًا، وعلى هذا يتنزل كلام الخطابي.\nوهو الحديث الحسن لذاته.\nوهذا يوازي تعريف ابن حجر للحديث الحسن لذاته.\nفهذا التعريف كله جمعه الحافظ في قوله: فإن خف الضبط فالحسن لذاته.","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>الخلاصة في تعريف الحديث الحسن</span>\nونخلص من كل هذا إلى أن الحديث الحسن حينما تعرّض له العلماء منهم من عرف الحسن لذاته، ومنهم من عرف الحسن لغيره.\nوالصواب أن الحديث الحسن نوعان: حسن لذاته ولغيره.\nفالحديث الحسن لذاته: هو ما خف فيه ضبط راويه ونزل عن مرتبة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر والخطابي.\nوالحسن لغيره: هو ما كان في أصله ضعيفًا ضعفًا يسيرًا، ولكنه أتى من غير وجه بهذا النحو، فارتقى من رتبة الحديث الضعيف إلى رتبة الحديث الحسن لغيره.","vol":"5","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>أول من أطلق الحسن على الحديث ومظانه</span>\nالإمام الترمذي هو أول من اشتهر عنه أنه قسّم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، وكان العلماء قبله يقسّمون الحديث إلى صحيح وضعيف، ويقولون: الصحيح والضعيف أنواع.\nوالعلماء الذين سبقوا الترمذي يقولون بجواز العمل بالحديث الضعيف، وكانوا يقصدون بقولهم: يجوز العمل بالحديث الضعيف الحسن لغيره؛ لأن هذا المصطلح -أي: تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف- لم يكن موجودًا، فهم يقولون: الحديث ينقسم إلى صحيح وضعيف، والصحيح عدة أنواع، والضعيف أيضًا عدة أنواع، ويجعلون أدنى مراتب الصحيح في مرتبة أعلى مراتب الضعيف، وهذا الذي جعله الترمذي قسمًا وسطًا بين الصحيح والضعيف.\nفلما قال العلماء بجواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال إنما كانوا يقصدون الحديث الحسن لغيره.\nوجامع الترمذي وسنن أبي داود والسنن عمومًا مظنة الحديث الحسن لذاته ولغيره، ويوجد معظم الحديث الحسن في ما عدا الصحيحين من الكتب التي اشترطت الصحة.","vol":"5","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>مصطلحات الترمذي في جامعه</span>\nومن مصطلحات الترمذي في جامعه أنه أحيانًا يقول: حديث غريب، وأحيانًا: صحيح غريب، وأحيانًا: حسن غريب، وأحيانًا: حسن صحيح غريب، وأحيانًا: حسن فقط، وأحيانًا: صحيح فقط، وأحيانًا: حسن صحيح.\nفإذا قال: حديث غريب فإنه لم يصفه بهذا الوصف إلا والغالب عليه أنه ضعيف.\nوإذا قال: حديث صحيح غريب، أو حسن غريب، فيعني أن الحديث أتى من وجه واحد بسند صحيح أو حسن، فهو يقصد بالغرابة هنا الغرابة الاصطلاحية.\nفإذا قال الترمذي: حديث صحيح غريب فقد حكم عليه بالصحة وهو فرد، كحديث: (إنما الأعمال بالنيات)، فقد قال عنه: حديث صحيح غريب، فهو غريب لأنه فرد، فقد أتى من طريق واحد، أي: من طريق فرد، وما يقال في الصحيح الغريب يقال في الحسن الغريب والعكس.\nوالغرابة مسألة عرفية معلومة، فإذا استنكرت شيئًا من إنسان قلت: هذا إنسان غريب، وتقصد أنه إنسان غير منضبط، وتصرفاته مشينة، وليست هذه هي الغرابة الاصطلاحية.\nوالغرابة إذا أطلقها الترمذي منفردة مثل قوله: حديث غريب فإنما يعني النكارة والضعف، وأما إذا جمع مع هذا المصطلح مصطلح من المصطلحات المقبولة مثل قوله: صحيح أو حسن فإنما يحكم على الحديث بأنه صحيح في ذاته وقد أتى من طريق واحد.\nومن مصطلحات الترمذي قوله: حسن صحيح غريب، أو صحيح حسن غريب.\nوهذا مشكل، وهذه المسألة متعلقة بطرق الحديث، فإذا كان للحديث إسناد واحد فيه راو اختلف فيه أهل العلم النقّاد أصحاب الجرح والتعديل بين كونه تام الضبط أو خفيف الضبط، ولم يستطع الترمذي أن يرجّح بين أقوال أهل العلم في المسألة وقصرت عبارته عن أن يصنّف هذا الراوي في أحد الاتجاهين جمع بين الوصفين فقال: صحيح حسن، أي: صحيح باعتبار قول قوم في هذا الراوي، وحسن باعتبار قول أقوام آخرين في هذا الراوي نفسه.\nفهو يجمع بين الوصفين باعتبار اختلاف أهل العلم في الراوي الواحد، هذا إذا كان الحديث له إسناد واحد يقول عنه: حسن صحيح، وكان الأولى أن يقول: حسن أو صحيح، أو يقول: صحيح أو حسن، ولكنه حذف همزة الشك، فبدلًا من أن يقول: صحيح أو حسن قال: صحيح حسن، أي: أنه جمع الوصفين باعتبار اختلاف أهل العلم في الراوي الواحد، وعدم ترجح أحدهما لديه.\nوتفسير آخر لقول الترمذي: صحيح حسن، أنه قال ذلك باعتبار إسنادين، أي: أن هذا الحديث أتى بإسنادين، أحدهما رجاله ثقات، والآخر فيه راو صدوق، فلما أتى الحديث من طريقين أحدهما صحيح والآخر حسن جمع بين الصحة والحسن.\nوعلى هذا فقول الترمذي في الحديث الذي روي بإسناد واحد أنه صحيح أقوى من الذي يقول فيه: صحيح حسن؛ لأن الجزم أولى من الشك، فإذا قال: صحيح فمعنى ذلك أنه رجّح جانب من قال: إن هذا الراوي ثقة.\nوإذا كان للحديث إسنادان فقوله: صحيح حسن أقوى من قوله: صحيح فقط؛ لأنه في هذه الحالة قال ذلك باعتبار الإسنادين؛ لأنه لو قال: صحيح لانصب كلامه على الإسناد الأول وأهمل الثاني، ولا شك أن اعتبار الاثنين أقوى من اعتبار أحدهما.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصل اللهم على النبي محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"5","page":9},{"text":"دورة تدريبية في مصطلح الحديث <span data-type=\"title\" id=toc-126>[٦]</span>\nمن أقسام الحديث باعتبار القبول والرد الحديث المنقطع والحديث المرسل والحديث المعضل والحديث المعلق، وهي في الأصل من أقسام الحديث الضعيف، والضعف فيها يتعلق بالإسناد، وقد يطلق بعض العلماء نوعًا من هذه الأنواع على الآخر؛ لكن عند التحقيق فإن لكل نوع صفات وشروطًا تميزه عن غيره.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>الإبهام والانقطاع والفرق بينهما</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.\nوبعد: إبهام الراوي كالانقطاع، فوجود الراوي على الإبهام يساوي عدم وجوده؛ لأنه يلحقه الضعف.\nوالعلماء يفرقون بين سقوط الراوي بالكلية وبين كونه مبهمًا، على الرغم من كون الحديث ضعيفًا في الحالتين؛ لأن كيفية الحكم على الإسناد مختلفة، ففي الصورة الأولى تقول: هذا إسناد ضعيف للانقطاع بين فلان وفلان.\nوفي الصورة الثانية تقول: هذا إسناد ضعيف لجهالة الراوي الذي لم يسم.\nففي هذه الصورة يكون الراوي موجودًا ولكنه مجهول، وأما في الصورة الأولى فهو غير موجود بالكلية، وهذا فرق، وإن كان المآل في النهاية اتحاد الحكم وهو الضعف.\nفإذا كانت عين الراوي أو حاله مجهولة فالحكم واحد واختلف اللفظ، وقياس الانقطاع على الجهالة على اعتبار أنهما نوع واحد قياس مع الفارق.\nوفائدة ثالثة للفرق بين الانقطاع والإبهام وهي: أن طالب العلم إذا نظر في الحديث المنقطع لأول مرة حكم بصحته؛ لأنه ليس عنده علم بالانقطاع، ولكن إذا أبهم الشيخ توقف، وإذا رأى الإسناد الأول حكم بصحته؛ لأن الإسناد كله مستو.\nأولًا: يعرف الانقطاع بمعرفة تراجم الرواة، وهل أدرك الراوي شيخه أو لم يدركه؟ وهل ثبت سماعه منه أو لم يثبت؟ وغير ذلك.\nفمعرفة الانقطاع لا تأتي إلا بالبحث والتحري.","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>مثال الانقطاع في الإسناد</span>\nيقول: مثّل ابن الصلاح للنوع الأول -وهو السقط من الإسناد- بما رواه عبد الرزاق عن الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن حذيفة مرفوعًا: (إن وليتموها أبا بكر فقوي أمين).\nففيه انقطاع في موضعين.\nوالناظر إلى هذا الإسناد لا يدرك الانقطاع؛ لأن كل راو من هؤلاء أدرك الذي فوقه، ولكن هذا الإسناد بعينه منقطع في موضعين.\nيقول: أحدهما: أن عبد الرزاق لم يسمعه من الثوري، وإنما رواه عن النعمان بن أبي شيبة الجندي عنه، فبين عبد الرزاق وبين الثوري النعمان بن أبي شيبة الجندي، وهذا أول نوع من أنواع الانقطاع.\nوالانقطاع الثاني: أن الثوري لم يسمعه من أبي إسحاق، وإنما رواه عن شريك عنه، فبين الثوري وبين أبي إسحاق شريك.\nفالانقطاع هنا في موضعين، والناظر إلى هذا الإسناد لأول وهلة لا يتفطن إلى هذا الانقطاع، ولكن لو قال عبد الرزاق: عن شيخه عن الثوري عن شيخ عن أبي إسحاق فلن يتوقف عن الحكم عليه بالضعف؛ للجهالة التي فيه.\nوأما في حالة الانقطاع فقد ينظر إلى ترجمة رجاله، فإذا وجد أن جميعهم ثقات حكم بأنه صحيح، وهو لا يدري أن فيه انقطاعًا.\nوقد يسقط الراوي من فوقه وهو ليس مدلسًا، وإنما من باب أن هذا الأمر كان معلومًا عندهم، وقد كانوا لا يلتزمون ذكر الإسناد لوجود الأمانة بينهم ومعرفة ذلك، ولم يكونوا يحتاجون إلى الإسناد أصلًا حتى وقعت الفتن فقالوا: سموا لنا رجالكم، ونسمي لكم رجالنا، فما كان من أهل السنة أخذوا عنه، وما كان من غيرهم طرحوا حديثه.","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>مثال الجهالة في الإسناد</span>\nيقول: ومثَّل للنوع الثاني -وهو وجود الراوي مع جهالة اسمه- بما رواه أبو العلاء بن عبد الله بن الشخير عن رجلين عن شداد بن أوس، وذكر حديث: (اللهم إني أسألك الثبات في الأمر).\nفهذان الرجلان مجهولان ولا نعرفهما.\nوجهالة الراوي ضعف يلحق الإسناد، فيكون الإسناد ضعيفًا بسبب جهالة الراوي الذي لم يسم.","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>جهالة الصحابي لا تضر</span>\nوكل جهالة في الإسناد تتسبب في ضعف الحديث، إلا أن يكون المجهول صحابيًا، مثل أن يقول التابعي: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ، أو قال: حدثتني إحدى نساء النبي ﷺ، أو إحدى أزواج النبي ﷺ، أو بعض نسائه، أو بعض أصحابه وغير ذلك، فهذا تصريح من التابعي بأن المحدّث الصحابي.\nوجهالة الصحابي لا تضر؛ لأنهم كلهم عدول، ومن تكلم فيهم كالشيعة نسأل الله تعالى أن يفضحه.\nيقول: الفرق بين جهالة أي راو في الإسناد وبين جهالة الصحابي فرق كبير، فجهالة الصحابي لا تضر؛ لأن الصحابة كلهم عدول على الصدق والأمانة والعدالة، وأما غيرهم فلا؛ لأنهم يخضعون للجرح والتعديل.\nوهل رأيت راويًا أو محققًا يبحث في الإسناد للحكم عليه عن أبي داود؟ فـ أبو داود أشهر من أن يُبحث عن ترجمته، ولكنه يبحث من عند شيوخ أبي داود كـ قتيبة بن سعيد وعبد الله بن مسلمة وغيرهما في الإسناد، فإذا وصل إلى الصحابي وأراد البحث عنه فإنه يستحق الضرب، فهو قد تعود سماع كلمة: ثقة، وضعيف، وصدوق، وإمام، وحافظ، ومتقن، وغير ذلك، فإذا لم يجد في ترجمة الصحابي هذه الألفاظ -لأنه غني عنها- قال: لم نجد في هذا الرجل شيئًا، فهو مجهول الحال.\nوهذا كما حصل مرة أن رجلًا ذهب يبحث عن ترجمة الإمام البخاري فوجد أن الحافظ ابن حجر عدله في كتاب التقريب بقوله: إمام الدنيا وجبل الحفظ، ولكن لما لم يجد ذلك الشيخ المحقق الألفاظ التي حفظها في التعديل قال: ونتوقف في هذا الإسناد لجهالة الراوي المسمى محمد بن إسماعيل أبو عبد الله، حيث قال عنه الحافظ: إمام الدنيا وجبل الحفظ، وهذا ليس من ألفاظ التعديل.","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>التفريق بين المنقطع وبين غيره من أنواع الحديث</span>\nومنهم من قال: إن المنقطع والمقطوع واحد، ويجعل مصطلح المقطوع نفس مصطلح المنقطع.\nوهناك من يفرق بينهما، ويقول: المنقطع هو: سقوط راو بين راويين، وأما المقطوع فهو: وقف الكلام على التابعي فمن دونه، والموقوف هو: ما كان من قول الصحابي خاصة، والمرفوع هو: ما كان من قول النبي ﷺ خاصة.\nفمن ساوى بين المقطوع والمنقطع فلا شك أن الصواب قد جانبه.\nوالصواب أن المنقطع هو: ما سقط فيه راو فأكثر في موطن أو في أكثر من موطن أثناء الإسناد.\nوأما المقطوع فهو: ما كان من قول التابعي فمن دونه.","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>طرق معرفة الانقطاع</span>\nويعرف الانقطاع بالطرق الآتية: فمثلًا ننظر في ترجمة عبد الرزاق ومن هم شيوخه، وهل مذكور فيهم الثوري أم لا؟ وننظر لكيفية رواية عبد الرزاق عن الثوري، وهل روايته عنه مستقيمة أم يرسل عنه، أم أنه يدلّس عليه أو غير ذلك؟ فإن ثبت أنه يدلس عنه أو يرسل عنه فيتوقف فيه، ولابد من التصريح بالسماع إن كان مدلّسًا أو مرسلًا عمن يرسل عنهم.\nفإن لم نجد مثلًا في شيوخ عبد الرزاق الثوري نرجع إلى ترجمة الثوري ونبحث هل في تلاميذه عبد الرزاق أم لا.\nثانيًا: إن لم تُجْد هذه الوسيلة بحثنا في المواليد والوفيات للتلميذ وشيخه؛ لنعرف هل تعاصرا أم لم يتعاصرا.\nثالثًا: معرفة اللقاء.\nفنبحث هل الثوري من نفس بلد عبد الرزاق أم لا؟ فإن كان الثوري كوفيًا وعبد الرزاق صنعانيًا، فربما رحل عبد الرزاق إلى الكوفة أو رحل الثوري إلى صنعاء، وربما لم يرحل كل منهما إلى بلد الآخر ولكنهما التقيا في بلد ثالث.\nوهناك أساليب كثيرة لمعرفة ما إذا كان هذا الراوي لقي هذا الشيخ أم لم يلقه.\nوالله أعلم.","vol":"6","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>المساواة بين المنقطع والمقطوع والمرسل</span>\nوالذين ساووا بين المنقطع والمقطوع ساووا بينهما من الناحية اللغوية، فالمنقطع بمعنى المقطوع لغة، وأما اصطلاحًا فينبغي التقيد والوقوف عند مصطلحات هذا الفن دون النظر إلى اللغة.\nوهناك من ساوى بين المنقطع والمرسل؛ لأن الانقطاع في اللغة هو قطع الشيء وعدم وصله، والإرسال: هو الإطلاق بلا قيد.\nوهذا من حيث اللغة، وأما في اصطلاح أهل هذا الفن فالإرسال هو: ما ذكره التابعي عن النبي ﷺ.\nفعندما نتكلم في مصطلح من مصطلحات أهل فن معين فينبغي التقيد بمصطلحات أهل الفن من الناحية الاصطلاحية.\nوالإسناد المنقطع إن كان من قطعه لم يرم بالكذب حمل على الاتصال، وإن كان كذابًا حكم عليه بأنه كذاب، وحمل تصريحه بالتحديث على الكذب.\nوتدليس الراوي أو إرساله أو معاصرته لمن روى عنه مذكورة في ترجمة كل راو، وبمراجعتها تستطيع معرفة ما إذا كان هذا الراوي أدرك أو لم يُدرك من روى عنه، لقيه أم لم يلقه، وهل سمع منه أم لم يسمع منه؟","vol":"6","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>الفرق بين الحديث المنقطع والمقطوع والمرسل</span>\nوالمرسل أكثر ما يطلق على ما رواه التابعي عن رسول الله ﷺ.\nوالفرق بينه وبين المنقطع أن الانقطاع في المرسل يكون في موطن خاص من الإسناد، وهو ما فوق التابعي.\nيقول ابن الصلاح: وهذا أقرب، وهو الذي صار إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم، وهو الذي ذكره الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية.\nوحكى الخطيب عن بعضهم: أن المنقطع ما روي عن التابعي فمن دونه موقوفًا عليه من قوله أو فعله، وهذا بعيد غريب.\nولكن الصواب: أن المقطوع هو ما كان من قول التابعي فمن دونه، والمنقطع هو ما لا يتصل إسناده.\nوهذا نوع من أنواع ضعف الإسناد بسبب سقط أحد الرواة؛ لأن التابعي معرّض للجرح والتعديل مثله مثل أي راو، ففي التابعين ضعفاء بخلاف الصحابة.\nفالفرق بين المرسل والمقطوع أن المقطوع هو: ما كان موقوفًا على التابعي فمن دونه من قوله، كأن يقول مثلًا: قال الزهري كذا، أو قال سعيد بن المسيب، أو قال قيس بن أبي حازم.\nفهذا مقطوع؛ لأنهم من التابعين.\nوأما المرسل فهو: أن يقول التابعي: قال رسول الله ﷺ، فالتابعي أرسل هذا الكلام إرسالًا ولم يقيده بالصحابي الذي سمع منه.\nوالإرسال ضعف يلحق الإسناد؛ لأنا لا نتيقن أن الساقط هو الصحابي، ولو تيقنا أن الساقط صحابي لحكمنا بصحة الحديث، ولكن التابعي ربما يروي عن تابعي آخر، بل ربما يروي عن خمسة من التابعين، فقد يكون الساقط واحدًا أو اثنين أو ثلاثة أو حتى خمسة، كالحديث المدبج، والتدبيج هو: رواية الأقران بعضهم عن بعض.\nفإذا لم نتأكد أن الساقط هو الصحابي حكمنا بضعف الإسناد، وإذا تيقنا أن الساقط هو الصحابي حكمنا بصحة الحديث.","vol":"6","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>الحديث المعضل والحديث المعلق</span>\nهو: سقوط راويين على التوالي في أي موطن من مواطن الإسناد.\nفيشترط في الإعضال أن يسقط منه اثنان على التوالي.\nوالإعضال في اللغة بمعنى: الإعياء.\nوفي الاصطلاح وهو: أن يسقط منه راويان على التوالي.\nوالمعلق هو: سقوط راو فأكثر من أول الإسناد -أي: من جهة المصنّف- والمصنّف هو: من أخرج الحديث في كتابه، مثل: البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم.\nفلو قال ابن ماجه مثلًا: وقال الزهري، فقد أسقط بينه وبين الزهري ثلاثة، وأول الساقطين شيخ المصنّف، وإذا قال مسلم: وقال يحيى بن أبي كثير فهذا الإسناد فيه انقطاع؛ لأن مسلمًا لم يدرك يحيى بن أبي كثير، وهذا الانقطاع في طبقة شيوخ مسلم، فيسمى هذا الحديث معلقًا؛ لسقوط شيخ المصنف.\nوإذا سقط الصحابي أو التابعي سمي الحديث مرسلًا.","vol":"6","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>العلاقة بين المعلق والمعضل</span>\nبين الحديث المعلق والمعضل عموم وخصوص، فلو قال أبو داود مثلًا: حدثني عبد الله بن مسلمة القعنبي عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر فـ القعنبي هو شيخ أبي داود، فلو سقط سمي الحديث معلقًا؛ لسقوط شيخ المصنّف، ولو سقط القعنبي والشافعي ثم ذُكر الإسناد بتمامه بعد ذلك سمي الحديث معضلًا ومعلقًا؛ لأن الإعضال هو سقوط راويين على التوالي في أي موطن من مواطن السند، وهنا تحقق الإعضال في أول السند، وقد اجتمع في هذه الصورة الإعضال مع التعليق.\nفالحديث المعلّق هو: سقوط راو من مبدأ الإسناد من جهة المصنّف فأكثر، وقد تصل الصورة بالمعلق إلى أن يحذف الإسناد كله فتقول أنت: قال رسول الله؛ لأن السقط هنا بدأ من جهة المصنّف إلى النبي ﷺ، فيستوي أن يكون الساقط واحدًا من جهة المصنف أو أكثر، حتى لو سقط الإسناد بكامله.\nوالمعضل يتفق مع المعلق في هذه الصورة، وهي سقوط أكثر من راو من مبدأ الإسناد من جهة المصنّف.\nففي هذه الصورة يتحد الإعضال مع التعليق.\nفإذا لم يسقط القعنبي وإنما سقط الشافعي وشيخه مالك فهذا إعضال وليس تعليقًا.\nفالإعضال والتعليق يتفقان فيما لو كان الساقط من مبدأ الإسناد من جهة المصنف، ويختلفان فيما لو ذُكر شيخ المصنّف.\nيقول: كل معلق معضل، وهذا خطأ، فلنفرض أن الساقط شيخ واحد فقط وهو شيخ المصنف، فكل تعليق بأكثر من واحد إعضال وليس كل إعضال تعليقًا.","vol":"6","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>حكم الحديث المعلق والمعضل</span>\nوالمعلقات على العموم حكمها الضعف، وكذلك المعضلات؛ لسبب السقط في الإسناد، ولما كان هذا الساقط مجهولًا لدينا كان الحكم مناسبًا لأن نقول: إن هذا الإسناد ضعيف لجهالة الراوي الذي لم يسم، أو لسقوط الراوي الذي لم يُذكر من الأصل في الإسناد، فإذا ذُكر في مكان آخر جبر الضعف الأول.","vol":"6","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>حكم الأحاديث المعلقة في الصحيحين</span>\nالمعلقات في الصحيحين تختلف عن المعلقات في غيرها، فمنها ما يروى بصيغة الجزم، ومنها ما يروى بصيغة التمريض.\nفصيغة الجزم تشعر بثبوت الكلام عن قائله، كأن يقول: قال فلان، وذَكَر فلان، وقال لي فلان، وحكى فلان، أي: القطع بثبوت هذا الكلام عن قائله.\nوأما صيغة التمريض فكأن يقول: يروى عن فلان، أو يحكى عن فلان، أو يُذكر عن فلان.\nوصيغ التمريض يعبر عنها لغة بالبناء للمجهول، أما البناء للمعلوم فهو الذي يعبّر عنه بصيغة الجزم.\nوصيغة التمريض مشعرة بضعف الكلام عن قائله على العموم، وأما صيغ الجزم فهي مشعرة بثبوت الكلام عن الذي نسب إليه.\nوالمعلقات في الصحيحين إما أن تكون بصيغة الجزم وإما أن تكون بصيغة التمريض.\nفإن كانت بصيغة الجزم فهي حكم بصحة هذا الكلام عن قائله، والخلاف الدائر حول هذا النوع من المعلقات في الصحيحين إنما ينصب على توفر شروط الصحة المشترطة في الصحيحين، وليس في أصل صحة هذا الكلام.\nفالمعلقات في الصحيحين إن كانت بصيغة الجزم فهي مشعرة بثبوت هذا الكلام عن قائله، ومع هذا ففيها إشكال، وهو أنها على غير شرط الاتصال وغير ذلك، وإن كانت في نفس الأمر صحيحة.\nوأما ما روي بصيغة التمريض -كيروى، ويُذكر، ويُحكى- فينظر بعد ثبوت الإسناد له، أو إغلاقه بعد تعليقه؛ فإن كان الطريق بعد إغلاقه رجاله ثقات فلا شك أنه يحكم له بالصحة، وإن كان فيهم مجروح أو سقط ولم يعلم فلا شك أنه خاضع لقواعد المصطلح، فما كان صحيحًا فهو صحيح، وما كان حسنًا فهو حسن، وما كان ضعيفًا فهو ضعيف.\nومن الناس من رد ونفى تمامًا أن يكون في الصحيحين ضعيف، سواء كان في المسندات أو في المعلقات، وهذا من باب تبجيل الصحيحين تبجيلًا زائدًا عن الحد، والأمر كله متعلق بمدى توفر قواعد الصحة والضعف وقواعد هذا الفن من أصول الحديث على إسناد ما، سواء كان هذا الإسناد في داخل الصحيحين أو في خارجهما.","vol":"6","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>تلقي الأمة للصحيحين بالقبول</span>\nوالصحيحان تلقتهما الأمة بالقبول على الإجمال دون التفصيل، فلا يتجرأ أن أحد على أن يتهجم على الصحيحين بالحكم على أحاديثهما؛ سواء المتصلة أو المعلقة بالضعف أو الصحة؛ لأن ولوج هذا الباب يؤدي إلى الطعن فيما هو أعلى من الصحيحين، ألا وهو القرآن.\nوقد ولج هذا الباب بعض المعتزلة، فطعنوا في النهاية في القرآن الكريم.\nوالمعتزلة في زماننا هذا يرفضون أن يسمو أنفسهم معتزلة، مع أنهم عقلانيون (١٠٠%)، ومنهم من يقول: أنا أحكم على الحديث بالصحة إذا اتفق مع عقلي، فإذا قلنا له: أنت معتزلي؟ قال: لا.\nوهو قد تحققت فيه أصول المعتزلة ولكنه يجهل المصطلح، ويجهل أنه معتزلي، وليس بلازم أن يقر أنه معتزلي، ولكن العبرة بأنه يتبنى أصولهم.\nومن أصول المعتزلة تقديم العقل على النقل الذي هو الكتاب والسنة، فالذي يدّعي أن هذا الحديث لا يتفق مع عقله فقبّح الله ذلك العقل، وإن كان عقل أعقل العقلاء، ولا شك أنه لو كان عاقلًا لما قال بهذا المبدأ، وما ضل كثير من علماء عصرنا إلا بسبب ضلال عقولهم! يقول علي بن أبي طالب ﵁: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه.\nوهذا نص من مئات النصوص الواردة عن السلف، فإعمال العقل في قبول الأخبار وردها ليس من منهج السلف، وإنما هو من منهج المعتزلة الذين ضلوا عن الصراط المستقيم.\nوالكلام على المعلقات فيه مباحث كثيرة وكلام كثير، يرجع فيه إلى كتب المصطلح كالباعث الحثيث، وتدريب الراوي، والألفيات وغير ذلك.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصل اللهم على النبي محمد وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"6","page":14},{"text":"دورة تدريبية في مصطلح الحديث <span data-type=\"title\" id=toc-140>[٧]</span>\nالحديث المدلس قسم من أقسام علوم الحديث، وهو أنواع كثيرة بحسب نوع التدليس، ولذلك فإن بعض أنواع التدليس محرم وبعضها مكروه، ويختلف الحكم بقبول حديث المدلس أو رده بحسب طبقات المدلسين.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>الحديث المدلس</span>\nهناك صيغ تحتمل السماع وصيغ تفيد السماع، فالصيغ التي تحتمل السماع: كقال وعن، والتي تفيد السماع: حدثني، وأخبرني، وأنبأني، وسمعت، وغيرها من الألفاظ التي تدل على السماع.\nوأما: قال لي، وذكر لي، فكانوا يستخدمونها في المذاكرة والمسامرة، وليست من صيغ التحديث.","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>تدليس الإسناد</span>\nتدليس الإسناد هو: رواية الراوي عمن لقيه وسمع منه ما لم يسمعه منه.\nفهو قد جالس الشيخ وسمع منه وروى عنه علمه، فهو يقول: حدثني فلان؛ لأنه سمع منه مباشرة ومشافهة، وروى عنه أحاديث لم يسمعها منه، فلا يقول: حدثني فلان، وإنما يقول فيها: عن فلان، أو قال فلان، أو أي صيغة تحتمل، ولا يقول: حدثني وسمعت؛ لأنه إن لم يكن حدثه كان كذابًا.\nوحديث المدلّس ضعيف، وحديث الكذّاب موضوع ومصنوع، وحديث المدلّس يرتقي إذا جاء من طريق آخر، وأما حديث الكذّاب فلا يرتقي، ففرق بين الحكمين.","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>المرسل الخفي</span>\nوالعلماء في كتب المصطلح يقولون في تعريف تدليس الإسناد هو: رواية الراوي عمن لقيه أو عاصره ما لم يسمعه منه.\nفزيادة (وعاصره) خطأ؛ لأن اللقيا تفيد المعاصرة.\nوالمعاصرة تعرف بمعرفة المواليد والوفيات، فإذا قال شخص: أخبرني فلان، فسئل: متى أخبرك؟ فقال: سنة (٢٠٤هـ)، ثم يتبيّن أن فلانًا هذا مات سنة (١٩٨هـ) فعند هذا يكون كذابًا؛ لأنه مات قبل المخابرة بست سنوات.\nفكلمة (أو عاصره) فيها خلط بين نوعين من أنواع علوم الحديث، وهو التدليس والمرسل الخفي.\nولم ينتبه لذلك إلا الحافظ ابن حجر، وأما العلماء قبله فكأنهم كانوا مجمعين على هذا التعريف، ولم ينتبه لهذه اللفظة إلا الحافظ ابن حجر حيث قال: هذا خلط بين تدليس الإسناد وبين المرسل الخفي.\nفتدليس الإسناد هو: رواية الراوي عمن لقيه وسمع منه ما لم يسمع منه بصيغة تحتمل السماع، كقال وعن.\nوأما المرسل الخفي: فهو رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه، أو عمن عاصره ولم يلقه.\nوهذا هو الفرق بين التدليس وبين المرسل الخفي.\nوحكم تدليس الإسناد أنه مكروه جدًا.","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>تدليس التسوية</span>\nالنوع الثاني من أنوع التدليس: تدليس التسوية.\nوهو: أن يبقي الراوي شيخه ولو كان ضعيفًا، ويحذف شيخ شيخه من الإسناد.\nفمثلًا: بقية بن الوليد كان مشهورًا بتدليس التسوية، ولكنه لا يدلس عن شيخه، والأصل في المدلس أنه يدلّس عن شيخه مباشرة، وأما في تدليس التسوية فالراوي يحذف شيخ شيخه أو من علا في الإسناد، وأما الرواية بينه وبين شيخه فسليمة (١٠٠%).\nفـ بقية بن الوليد يقول: حدثني الأوزاعي عن فلان، فيلحق صيغة التدليس بشيخه، وليس بنفسه، والأوزاعي في أصل الرواية يقول: حدثني فلان، ولكن لما كان شيخ الأوزاعي ضعيفًا حذفه بقية.\nوبقية مشهور جدًا بالتدليس، وهذا النوع يسمى تدليس التسوية، فهو يسوي الإسناد، أي: يحذف الراوي الضعيف من أجل أن يكون كل الإسناد ثقات على السواء؛ لأن وجود الراوي الضعيف هذا سوف يغير الحكم على الإسناد.\nيقول أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر: أحاديث بقية ليست نقية -أي: أنها ليست مستقيمة ولا مضبوطة- فكن منها على تقية.\nأي: احذرها.\nفتدليس التسوية هو: أن يعمد الراوي المدلس إلى إسقاط شيخ شيخه ومن علا من الإسناد حتى يسوي الإسناد كله ثقات، فالناظر في الإسناد لأول وهلة يقول: كل رواته ثقات، ولكن فيه علة خفية وهي إسقاط راو من الإسناد، وهذا الراوي هو شيخ شيخ المدلس أو من علا، فهو لا يحذف شيخه؛ لأن الناس سيعرفون أنه مدلّس.\nولابد في حديث من يدلس تدليس التسوية من التصريح بالسماع على مدار الإسناد كله؛ لأنه لا يؤمن وقوع التدليس في أي طبقة من الطبقات، فلابد أن يكون التصريح بالسماع في كل طبقات السند حتى نأمن التدليس.\nولما سئل بقية: لماذا تدلّس على الأوزاعي وتسقط شيوخه الضعاف؟ قال: أنا أجل الأوزاعي عن الرواية عن أمثال هؤلاء، يعني: هو أجل قدرًا من أن يروي عن الضعيف! فهو يعرف قدر الأوزاعي أكثر من الأوزاعي نفسه، فنزه الأوزاعي عن الرواية عن الضعفاء، واتهم هو في دينه وأمانته.\nقال الخطيب: وربما لم يسقط المدلس شيخه، ولكن يسقط ممن بعده رجلًا ضعيفًا أو صغير السن؛ ليحسن الحديث بذلك، وكان الأعمش والثوري وبقية يفعلون هذا النوع.\nوالعلماء في كتب المصطلح لا يهتمون بتدليس التسوية، ويقولون: إن التدليس نوعان: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ.\nوالصواب: أن هؤلاء الثلاثة هم رءوس التدليس.\nوحكم تدليس التسوية الحرمة.","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>تدليس الشيوخ</span>\nوتدليس الشيوخ: هو أن يروي الراوي عن شيخ حديثًا سمعه منه، وهذا الشيخ -صاحب الحديث- معروف باسمه، فلا يذكره الراوي باسمه المعروف، وإنما يذكر كنيته، فمثلًا: لو قلت الآن: حدثني أبو عبد الرحمن السوري فلا أظن أن أحدًا يعرفه، وهو الألباني، ولو قلت: حدثني أبو محمد العماني فهو كذلك الألباني، ولو قلت: حدثني محمد بن حماد فهو كذلك الألباني؛ لأن الشيخ مشهور بـ محمد ناصر الدين الألباني، ومشهور بـ ناصر الدين، ومشهور بـ الألباني.\nفلو عدلت عن الثلاثة إلى محمد بن حمّاد أو أبي محمد العمّاني أو أبي عبد الرحمن السوري فلن يعرفه أحد، ولو رويت عن الشيخ ثلاثة أحاديث فقلت في الأول: حدثني أبو محمد العمّاني، وفي الثاني: حدثني أبو عبد الرحمن السوري، وفي الثالث: حدثني محمد بن حمّاد فالذي يسمعني سيظن أن لي ثلاثة شيوخ، وهو في الحقيقة شيخ واحد، فالراوي يعدد وينوع في ذكر اسم شيخه بما لم يشتهر به عند السامع حتى يحيره فلا يعرفه، وبهذا يوعر طريق الوصول إلى معرفة الشيخ.\nفتدليس الشيوخ هو: أن يروي الراوي عن شيخ حديثًا سمعه فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يعرفه بما لا يُعرف به كي لا يُعرف.\nهذا النوع الثالث من أنواع التدليس.\nوقد ذمه أكثر العلماء، وكان شعبة بن الحجاج العتكي من أشد الناس ذمًا له حتى قال فيه: لأن أشرب من بول حمار أحبُّ إليّ من أن أُدلّس! وقال مرة: لأن أزني أحب إليّ من أن أدلس! وهذا الكلام محمول على المبالغة في الزجر عن التدليس وكراهته، ولا يقصد به الحقيقة، ولا يعقل أن يكون الزنا وشرب بول الحمير أحب على الحقيقة إلى شعبة من التدليس، فهذا الكلام محمول على المبالغة في الزجر وكراهية التدليس.\nوتدليس الشيوخ لا شك أنه محرّم.","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>تدليس القطع</span>\nالنوع الرابع: تدليس القطع.\nوهو: أن يحذف الصيغة ويقتصر على ذكر الشيخ، كأن يقول: الزهري عن أنس، ولا يقول: قال، ولا ذكر، ولا حدث، ولا عن، ولا حدثني، ولا أخبرني، ولا يذكر صيغة تفيد أنه سمع أو تحتمل السماع؛ لكونه لم يسمع منه.","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>تدليس السكوت</span>\nالنوع الخامس: تدليس السكوت.\nوهو أن يقول الشيخ: حدثنا فيكتب الطلاب، ثم يذكر راويًا ضعيفًا في سره وبهدوء ولا يسمعه أحد، كأن يقول: حدثني الحارث، فيذكر الحارث بصوت ولا يسمعه أحد؛ لأن الحارث كذاب، ثم يقول: الزهري، فيسمعه الطلاب يقول: حدثني الزهري عن أنس، فيكتب الطلبة: حدثني الزهري عن أنس، ولم يسمعوا الحارث.","vol":"7","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>تدليس العطف</span>\nالنوع السادس: تدليس العطف، وهذا اشتهر به هشيم بن بشير.\nهو: أن يصرّح الراوي المدلّس بالسماع من شيخ ويعطف عليه آخر لم يسمع منه هذا الحديث بعينه، وكان هشيم بن بشير متفننًا في هذا النوع من التدليس، حتى أنه تحدى تلاميذه في ليلة من الليالي وقال لهم: سأحدثكم هذه الليلة، فاحذروا وانتقوا لي الأحاديث التي أدلّس فيها، فمكث طوال الليل يحدثهم، حدثني فلان وفلان، حدثني فلان وفلان، حدثني فلان وفلان، حتى قرب الفجر فقال لهم: هل دلست عليكم؟ فقالوا: لا، إنك لم تدلس قط، فقال لهم: ما حدثتكم حديثًا إلا وقد دلّست فيه، فقالوا: وكيف ذلك؟ قال: ما قلت لكم فيه حدثني فلان فقد حدثني، وأما قولي وفلان فلم يحدثني.\nأي: أنه عطف الثاني على الأول بحرف الواو، فكلمة وفلان اعتبرها فصلًا، وليست من باب التحديث، وهم حملوا العطف على التحديث، وهو اعتبر أن هذا العطف بداية إسناد جديد، فقال لهم: حدثني فلان وفلان، فالذي قال لهم فيه: حدثني فهو قد حدثه، والأصل إذا أراد العطف أن يقول: حدثني فلان وحدثني فلان، ولكنه لم يقل هكذا، فدل على أنه دلّس في الثاني.","vol":"7","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>تدليس البلاد</span>\nالنوع السابع: تدليس البلاد، وهو مثل أن يقول: حدثني فلان في الرياض، فيظن السامع أنها المدينة التي في السعودية، ويظن أنه رحل في طلب العلم، ولكنه يقصد الرياض قرية بجوار بلده.\nولو قال: حدثني فلان فيما وراء النهر، فيتبادر إلى الذهن أنها بلاد ما وراء النهر المعروفة، ولكنه يقصد نهر دجلة أو الفرات، أو الترعة التي بجانب بيته.\nأو يقول مثلًا: حدثني فلان بالأندلس، فيظن لأول وهلة أنها الأندلس المعروفة، وهو يقصد الأندلس التي بجوارنا، أو يقول: حدثني فلان في المدينة المنورة، والمدينة المنورة اسم شارع في مصر مثلًا، أو اسم محل أو مسجد.\nفتدليس البلاد: أن يحدث الراوي بمكان يتسمى باسم مكان آخر مشهور، فيوهم السامع أنه رحل إلى ذلك المكان في طلب العلم.\nوهذا التدليس مكروه كراهة بسيطة؛ لأن صاحبه يتشبّع بما لم يعط، والنبي ﷺ يقول: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)، وذلك مثل: أن آتي بكتاب للنووي مثلًا وأكتب عليه اسمي، ثم أنزله السوق على أساس أنني أنا الذي ألفته، فأنا هنا قد تشبعت ماديًا ومعنويًا بما لم أُعط، أو بما لم أبذل فيه جهدًا، و(المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور).\nومعنى الحديث: أن يعود عليّ فوائد مادية ومعنوية وغير ذلك من أمر لم أبذل فيه جهدي، ولم أستحق الدخل الذي دخل إليّ من جراء هذا العمل وهو عمل غيري وليس عملي، وأما أنا فقد نسبته إليّ زورًا وبهتانًا، فالذي يقول: حدثني فلان بالرياض وهو مصري فقد أوهم أنه رحل في طلب العلم، والرحلة في طلب العلم شرف لصاحبها، وهذا لا يستحق ذلك الشرف.","vol":"7","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>تدليس المتن</span>\nالنوع الثامن: تدليس المتن، ويسميه العلماء المدرج.\nوهو: اللفظ الدخيل على متن الحديث، كأن يكون في الحديث لفظ غريب أراد الراوي أن يبينه فذكره بمعنى آخر.\nمثل قول عائشة ﵂ في البخاري: (وكان النبي ﷺ يتحنث الليالي ذوات العدد في غار حراء).\nرواه الزهري بلفظ: (وكان النبي ﷺ يتحنث -يعني: يتعبد- الليالي ذوات العدد في غار حراء).\nفكلمة (يتعبد) هنا لفظة مدرجة في المتن، يعني: دخيلة على المتن، تبيّن لفظة غريبة وردت في المتن، وهي يتحنث.\nفهذه اللفظة إن كانت داخلة لبيان الغريب أو غير ذلك من الأغراض المسموح بها فلا بأس بها، بشرط بيان أنها مدرجة، أما لو أدرجها الراوي متعمدًا الإدراج وليس لها موطن، بل يمكن الاستغناء عنها، ولم يبين أنها لفظة مدرجة؛ فهذا عده العلماء من تدليس المتن.","vol":"7","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>حكم من عرف بالتدليس وذكر طبقات المدلسين</span>\nوقد اختلف العلماء فيمن عُرف بالتدليس، فقال بعضهم: التدليس علة لجرح الراوي المدلس، قالوا: وبناء عليه يرد حديث المدلس مطلقًا؛ لأنه مجروح، سواء صرح بالسماع أو لم يصرح.\nهذا على العموم، وذلك مثل ما لو كان الراوي ضعيفًا بسبب أنه سيئ الحفظ، فلو قال هذا الراوي الضعيف الذي اتهم بسوء الحفظ: حدثني فلان فحديثه ضعيف؛ لأنه سيئ الحفظ، وبناء عليه حُكم عليه بالضعف، فكذلك المدلّس عند هذا الفريق، فالتدليس يجرح صاحبه، فلو قال المدلس: حدثني فلان، فهذا الحديث عند قوم مردود، رغم أنه قال: حدثني؛ لأن التدليس علة كافية في ضعف الراوي، أي: في رد روايته، كما أن سوء الحفظ يجعل الراوي ضعيفًا.\nوهذا الرأي غير صواب.\nوقال بعضهم: التدليس كله مقبول الجيد والسيئ منه؛ لأن التدليس عبارة عن إرسال، أي: إطلاق بلا قيد، فلم يقيد الراوي الرواية وإنما أطلقها.\nوهذا الرأي ضعيف.\nوقال بعضهم بتقسيم المدلسين إلى خمس طبقات، وهذا هو الصحيح.\nفهناك من لم يثبت عنه أنه دلّس إلا مرة أو مرتين، وهو أصلًا إمام جليل كبير، كـ يحيى بن سعيد، فقد روى أحاديث كثيرة ولم يثبت أنه دلّس إلا مرة أو مرتين، ولا نعرف هذين الحديثين، ولن نجد من يعرفهما، ففي هذه الحالة يشهد المنطق والعقل وكل شيء بقبول الحديثين وعدم رد أحاديثه.","vol":"7","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>طبقات المدلسين</span>\nوهذه الخمس الطبقات كالآتي: الطبقة الأولى من المدلسين: قوم دلّسوا حديثًا أو حديثين فيُحتمل تدليسهم؛ لأنهم من الأئمة الكبار الحفاظ المكثرين في الرواية.\nوالطبقة الثانية: قوم أخرج لهم البخاري ومسلم في صحيحيهما، كـ سفيان الثوري، ولكن تدليسهم كان يسيرًا بجوار ما رووه من أحاديث كثيرة، وقوم لم يكونوا يدلسون إلا عن ثقات، كـ سفيان بن عيينة، فاحتمل الأئمة تدليسهم لجلالتهم وفضلهم وزيادة ووفرة علمهم.\nوهذا هو الذي كانوا يسمونه الإرسال، ولم يكونوا يشترطون ذكر الشيخ، وهو مقبول مطلقًا؛ لأنه لا يدلس إلا عن ثقة؛ لأنهم كان يعتبرونه مجرد إرسال، ولم ينووا به التدليس، فهم لا يضرهم ذكر الشيخ؛ لأنه ثقة.\nالطبقة الثالثة من طبقات المدلسين -وهذا هو بيت القصيد في الطبقات الخمس-: قوم اشتهروا بالتدليس، ولكنهم ثقات.\nفهم مشهورون بالتدليس، أي: أن الأصل فيهم التدليس، ولكنهم ثقات.\nفإذا صرّح الراوي بالسماع قُبل حديثه، وإذا روى بصيغة تحتمل السماع رد حديثه حتى يبيّن السماع.\nفلو قال: حدثني فلان، أو سمعت فلانًا، أو أخبرني فلان، أو أنبأني فلان؛ فهذه الصيغة تفيد السماع فتقبل الرواية بها، ولو قال: عن فلان أو قال فلان فهي محتملة للسماع، وهي من صيغ التدليس.\nالطبقة الرابعة من طبقات المدلسين: قوم عُرفوا بالتدليس حتى كان التدليس أصل روايتهم، ولم يكونوا يصرّحون بالسماع، وكانوا مع ذلك متهمون بتهم أخرى أو معلولون بعلل أخرى.\nالطبقة الخامسة: قوم ضعاف ومدلسون في الوقت نفسه، فلو صرّح بالسماع فهو ضعيف، ولو لم يصرّح لبقي ضعيفًا ومدلسًا، فهو في الحالتين مردود الرواية.","vol":"7","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>تلخيص الحكم على حديث المدلسين</span>\nفالخلاصة: أن الرأي الأول فيه شطط، والرأي الثاني فيه إفراط، والرأي الثالث هو الصواب الذي هو التفصيل، وهو أن طبقات المدلسين خمس طبقات، فالطبقة الأولى والثانية يحتمل حديثها، والطبقة الثالثة يُنظر في حديث رواتها، فإن صرّحوا قبلت روايتهم، وإن لم يُصرّحوا رُدت روايتهم.\nوالطبقتان الرابعة والخامسة مردودتان بالتدليس وبغيره من العلل.\nسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.","vol":"7","page":14},{"text":"دورة تدريبية في مصطلح الحديث <span data-type=\"title\" id=toc-154>[٨]</span>\nالتدليس في الحديث مذموم عند العلماء؛ لأنه قد يؤدي إلى الحكم بضعف الحديث، ولذلك تتبع العلماء أحاديث المدلسين، وبينوا الأسباب الحاملة على التدليس، وألفوا الكتب في التدليس والمدلسين وما يتعلق بهم وبأحاديثهم.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>الأغراض الحاملة على التدليس</span>\nباسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: المدلس إذا صرّح بالسماع انتفت عنه شبهة التدليس، فيتوقف في روايته حتى يتبين لنا سماعه من وجه آخر، فإن لم يتبين فحديثه مردود.\nوأقسام التدليس ثمانية أو تزيد، منها: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، وتدليس التسوية، وتدليس العطف، وتدليس السكوت، وتدليس البلاد، وتدليس القطع، وتدليس المتن، وهو الإغراب المتعمد من غير بيان، وغير ذلك.\nالأغراض الحاملة على التدليس: أولًا: إيهام علو الإسناد، وخاصة في تدليس التسوية، ومعنى العلو الاقتراب من صاحب الكلام، فبدلًا من أن يكون بينه وبين الرسول ﷺ عشر طبقات سيكون بينه وبينه تسع طبقات، فيختصر طبقة.\nفالعلو هو القرب من القائل.\nوتدليس التسوية هو أن يعمد الراوي إلى شيخ شيخه الضعيف فيسقطه حتى يسوي الإسناد كله ثقات، وفي نفس الوقت فإن الطبقة التي أسقطها تقربه درجة من النبي ﵊.\nثانيًا: أن يفوته شيء من حديث شيخ، وقد سمع منه الكثير.\nفلو أن شيخًا عنده (١٠٠٠) حديث سمع منها المدلس (٩٥٠) حديثًا، وبقي خمسون، فإنه يرويها عن ذلك الشيخ بصيغة محتملة للسماع، فيقول: قال فلان، أو عن فلان.\nوهذا مثل أن يكون الشيخ يحدث من كتابه، فلما بقي خمسون أو مائة حديث مات الشيخ أو رحل وقد نسخ الطالب الكتاب، فيقول: أنا أروي البقية عنه بصيغة: قال وعن.\nثالثًا: ضعف الشيخ، وهذا كما كان يفعل بقية تلميذ الأوزاعي، فقد كان الأوزاعي يروي عن بعض الشيوخ الضعفاء، ولم يكن مدلسًا، وإنما كان يقول: حدثني فلان، فأراد بقية أن يورّع وينزّه الأوزاعي من الرواية عن أمثال هؤلاء الضعفاء، فكان بحذف الشيخ الضعيف -الذي هو شيخ الأوزاعي -والذي يعتبر شيخ شيخه- حتى يسوي الإسناد كله فيكون عن ثقات، ويظهر في الصورة أن شيخ الأوزاعي ثقة، ويقول: قال الأوزاعي: عن شيخه عن فلان.\nرابعًا: صغر سن الشيخ، فقد كان المدلس إذا كان عمره كبيرًا يأنف أن يروي عن شيخ أصغر منه سنًا، فيسقطه من الإسناد ويذكر شيخه مباشرة.\nخامسًا: تأخر وفاة الشيخ حتى شاركه في السماع منه جماعة كثيرة دونه، فهو يأنف أيضًا من ذكر ذلك الشيخ؛ لأن الشيخ لما طال عمره سمع منه أجيال كثيرة، وهذا المدلس من قمة الأجيال التي أخذت عن ذلك الشيخ، فيشاركه الأولاد الذين أعمارهم تتراوح بين (١٠ - ١٥) سنة، فإذا قال: حدثني فلان قال الصبي الصغير: حدثني فلان، فيتوهم السامع أن الذي يبلغ من العمر (١٠٠) عام كالذي يبلغ من العمر (١٠) سنوات، وأنهما في طبقة واحدة، فيسقط المدلس ذلك الشيخ ويذكر شيخ شيخه؛ لأن شيخ شيخه لم يُدركه هؤلاء الصغار، فهو يريد أن يخرج من مشاركة الصبيان في الطبقة والسماع، وفي ذلك الشيخ على وجه الخصوص.","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>طرق معرفة التدليس</span>\nلمعرفة التدليس طريقان: الطريق الأول: الإقرار، والإقرار لا يكون إلا من المدلّس، والإقرار -كما يقال- سيد الأدلة.\nوهذا كما في حديث ابن خشرم قال: كنا عند سفيان بن عيينة فقال: قال الزهري، فقال له أحد الحاضرين: أأنت سمعته من الزهري؟ قال: لا، حدثني عبد الرزاق عن معمر عنه.\nفهنا سفيان بن عيينة يقر بأنه لم يسمع هذا من الزهري على وجه الخصوص، وإنما سمعه بواسطتين، الأولى عبد الرزاق، والثانية معمر، فـ معمر هو الذي سمع هذا الكلام من الزهري.\nوسفيان بن عيينة لما روى عن الزهري لم يقل: حدثني ولا أخبرني، وإنما قال: قال الزهري، وعمدة المدلس في الرواية قال وعن، وصرّح أن عبد الرزاق حدثه.\nالطريقة الثانية في معرفة التدليس: التنصيص، وهو: أن ينص إمام من أئمة هذا الفن على أن فلانًا دلس في هذا الحديث، وهذا الأمر لا يتسنى إلا لعلماء النقد وعلل الأحاديث وأسانيدها ومتونها من الكبار الجهابذة.","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>متى يوصف الراوي بالتدليس ومتى يرتفع عنه هذا الوصف</span>\nيثبت التدليس بمرة واحدة، فلو ثبت أن الراوي دلّس مرة واحدة قلنا: إنه مدلّس، وعندما تكلمنا عن طبقات المدلسين قلنا: الطبقة الأولى من لم يدلّس إلا مرة أو مرتين.\nوأحيانًا يروي المدلس الحديث عن شيخ له ويقول: حدثني فلان، وفي طريق ثان لنفس الحديث يقول: أنبأني فلان، وأخبرني فلان، وفي طريق ثالث يقول: عن فلان، وفي طريق رابع يقول: قال فلان، فتصريحه بالسماع في إحدى طرق الحديث ينفي عنه شبهة التدليس في هذا الحديث، وتصريحه بالسماع يعرف من تتبع طرق الحديث في دواوين السنة، وهذا ما يعرف بالاعتبار والمتابعات والشواهد.\nلو أتى حديث قتادة من طريق شعبة فهو محمول على السماع؛ لقول شعبة: لو أتاكم حديثه من طريقي فأنا أكفيكم تدليسه.\nفإذا أتى من طريق آخر فلا بد من البحث في بطون كتب السنة لجمع طرق الحديث، وهذا هو ما يسمى بالاعتبار، فإذا صرح في إحدى طرق الحديث بالتحديث فقد ثبت سماعه لهذا الحديث، وبقية الطرق التي عنعن فيها محمولة على السماع، وتنتفي عنه شبهة التدليس.\nفشبهة التدليس تنتفي عن المدلس إذا صرّح بالتحديث ولو مرة واحدة.","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>التدليس في الصحيحين</span>\nوفي الصحيحين روايات كثيرة عن المدلسين بصيغة: عن وقال، ولم يصرحوا فيها بالتحديث، ولا يعني هذا أن هذا الحديث أخطأ فيه صاحبا الصحيحين؛ لأن المدلّسين في الصحيحين وإن لم يصرحوا بالسماع فروايتهم محمولة على ثبوت سماعهم من طرق أخرى، وما دام سماعهم ثابتًا فلا يضر بعد ذلك أن يرويه صاحبا الصحيح بالطريق التي فيها العنعنة.\nوللبخاري ومسلم أغراض حملتهما على رواية الحديث من طريق العنعنة دون طريق السماع، منها: أن الإسناد المعنعن إسناد عال، والإسناد الذي فيه حدثنا إسناد نازل، فيخرجان الرواية العالية دون النازلة.\nومنها: أنه قد يكون في الرواية التي ثبت فيها السماع وصرّح فيها المدلّس بالتحديث راو ضعيف غير ذلك المدلّس، فلا توافق شرط البخاري أو شرط مسلم، ولكنهما يأخذان العبرة فيها من تصريح المدلّس فيها بالسماع، ويرويان الحديث بطريق العنعنة.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>أسباب ذم التدليس</span>\nالتدليس مذموم، وقد قال بعض العلماء: التدليس أخو الكذب.\nوالأسباب الداعية لذم المدلس: أولًا: لأنه يوهم السماع ممن لم يسمع منه.\nثانيًا: عدوله عن الحقيقة إلى الاحتمال.\nفلو قال المدلس: حدثني فقد أراحنا من البحث، ولو قال: عن وقال فقد كلفنا بجمع طرق الحديث والبحث عن كونه صرح بالتحديث أم لا، فعدول الراوي المدلّس عن الحقيقة إلى الاحتمال يحير الباحث، ولهذا ذُم التدليس.\nثالثًا: يقينه بأنه لو كشف الذي دلّس عنه لم يكن مرضيًا، فقد يكون المدلَّس عنه مبتدعًا فيسقطه حتى يقال: إن شيوخه من أهل السنة، فيقوم بإسقاط شيخه البدعي، أو يكون شيخه صغير السن، أو ضعيفًا، فيظن أنه لو ذكره سيكون منقصة له، أو يكون متيقنًا أن شيخه ليس مرضيًا، فتعمده التدليس لا شك سبب في ذمه، وهذه من الأغراض الحاملة على تدليس الشيوخ.\nرابعًا: ومن الأسباب الحاملة لتدليس الشيوخ كراهة أن يذكر شيخه في كل مرة على وجه واحد، فينوع صفاته، وهذا التنويع يوعّر ويصعّب الوصول إلى معرفة ذلك الشيخ، مما يوهم الباحث أن هؤلاء شيوخ عدة، وهو في الأصل شيخ واحد، وهذا أيضًا من أسباب ذم المدلس.\nوالمدلس لا يدلس عن ثقة إلا إذا كان فيه عيب آخر.\nوالمدلّس قد يحدث بالحديث بصيغة قال وعن، ثم يسمعه بعد ذلك من الشيخ الذي دلس عليه، فيصرح بالتحديث آخرًا.\nويمكن أن يكون الشيخ المدلس هذا قد ذكر الحديث بصيغة قال وعن في مجلس المذاكرة أو المسامرة، لا مجلس التحديث، فنقل عنه الذي تذاكر معه وسامره هذا الحديث بصيغة قال أو عن حسب ما سمعه منه، وأما الشيخ نفسه فقد يصرّح بالسماع في مجلس التحديث.","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>درجات التدليس والتمييز بينها</span>\nوالمدلس إذا حذف الراوي تمامًا فهذا يسمى تدليس التسوية، وأما تدليس الإسناد فليس فيه إسقاط، وإنما فيه أن المدلس سمع من المدلَّس عنه عدة أحاديث، ولكن هذا الحديث بعينه لم يسمعه منه، ولكنه يعلم أن هذا الحديث من محفوظات أو مسموعات الشيخ، فيرويه عن ذلك الشيخ الذي هو شيخه في الأصل لا بصيغة السماع، وإنما بصيغة تحتمل السماع كقال وعن.\nوتدليس التسوية ليس له علاقة بشيخه أبدًا، وإنما بشيخ شيخه ومن علا.\nوتدليس الشيوخ أخف من تدليس التسوية وتدليس الإسناد، وفيه تضييع للمروي عنه، وتوعير لطريق معرفة حاله، وتختلف الحال في كراهته، لسبب الغرض الحامل عليه، فهو مكروه، ولكن الكراهة تختلف بحسب الغرض الحامل للمدلّس على تدليس الشيوخ، فقد يحمله على ذلك كون شيخه الذي غيّر اسمه غير ثقة فيلقبه، وهذا أشد كراهة، أو أنه أصغر من الراوي عنه، أو متأخر الوفاة وقد شاركه في السماع منه جماعة دونه، أو كونه كثير الرواية عنه فلا يحب تكراره على صورة واحدة.\nوتفنن في هذا النوع أبو بكر الخطيب البغدادي، وكذلك ابن الجوزي.\nيقول ابن الصلاح في النوع الثاني والأربعين: والخطيب الحافظ يروي في كتبه عن أبي القاسم الأزهري، وعن عبيد الله بن أبي الفتح الفارسي، وعن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، والجميع شخص واحد من مشايخه.\nوكذلك يروي عن الحسن بن محمد الخلال وعن الحسن بن أبي طالب وعن أبي محمد الخلال، والجميع شخص واحد.\nويروي أيضًا عن أبي القاسم التنوخي وعن علي بن المحسن وعن القاضي أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي وعن علي بن أبي علي المعدل، والجميع شخص واحد، وله من ذلك الكثير.\nوهو أمر غير مستحسن؛ لما فيه من صعوبة معرفة الشيخ على من لم يعرفه، وقد لا يفطن له الناظر فيحكم بجهالته.\nفالباحث الذي ينظر في الإسناد قد لا يتفطن لهذا النوع من أنواع التدليس فيحكم بأن هذا الراوي مجهول.","vol":"8","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>طبقات المدلسين عند العلائي وابن حجر والسخاوي</span>\nوالمدلسون على خمس مراتب بينها العلائي وابن حجر ونقلها عنهما السخاوي: الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادرًا، كـ يحيى بن سعيد الأنصاري.\nالثانية: من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى، كـ الثوري أو كان لا يدلس إلا عن ثقة، كـ ابن عيينة.\nالطبقة الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقًا، كـ أبي الزبير المكي.\nالرابعة: من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع؛ لكثرة تدليسهم على الضعفاء والمجاهيل، كـ بقية بن الوليد.\nالخامسة: من جمع إلى علة التدليس علة أخرى كالضعف وسوء الحفظ وغير ذلك.\nوممن ألف في التدليس والمدلسين: سبط بن العجمي ألف رسالة في التدليس والمدلسين، وكذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني وبرهان الدين بن الحلبي والحافظ العلائي وآخرهم الشيخ حماد الأنصاري أستاذ الحديث في الجامعة الإسلامية.\nسبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.","vol":"8","page":8},{"text":"دورة تدريبية في مصطلح الحديث <span data-type=\"title\" id=toc-162>[٩]</span>\nمعرفة الحديث الشاذ من أهم علوم مصطلح الحديث، فبه يتميز الحديث المحفوظ من الشاذ، وبتتبع طرقه تدرك مخالفة الرواة وخطؤهم، ولذلك تناوله علماء المصطلح بالدراسة والتحقيق.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>الحديث الشاذ</span>\nباسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nالشذوذ في اللغة: هو الانفراد، فقولنا: إنسان غريب أو إنسان فرد بمعنى: إنسان شاذ، فلو خالف رجل مجموع الناس لقلنا: إن هذا الرجل بهذه المخالفة قد شذ عن المجموع، أي: قد انفرد وأغرب عن المجموع.\nوأما الشذوذ في الاصطلاح فله تعريفان: التعريف الأول: هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه.\nوالتعريف الثاني: مخالفة الثقة لمجموع الثقات.\nومن هذين التعريفين نأخذ شرطي الحديث الشاذ وهما: أولًا: أن يكون راويه ثقة.\nثانيًا: أن يخالف الراوي من هو أعلى منه في الحفظ والضبط، أو من يساويه في الحفظ والضبط ولكنهم أكثر منه عددًا.\nفلو كان راوي الحديث المخالف للثقة ضعيفًا فتكون روايته منكرة، ورواية الثقة في هذه الحالة معروفة، بمعنى: صحيحة وثابتة.\nفحتى نحكم على الحديث بأنه شاذ لا بد وأن تثبت المخالفة.","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>الفرق بين الحديث الشاذ وبين زيادة الثقة</span>\nوالفرق بين الشذوذ وزيادة الثقة وجود المخالفة، والراوي في الحالتين ثقة، وهذا وجه الاتفاق بين الحديث الشاذ وزيادة الثقة.\nوالفرق بينهما أن الشاذ فيه مخالفة، وزيادة الثقة ليس فيها مخالفة.\nفلو قال عشرة رواة: من علامة المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان، ثم جاء غيرهم وقال: من علامة المنافق أربع، والرابعة يقول: وإذا خاصم فجر.\nفهذا ليس شذوذًا وإنما زيادة ثقة؛ لأن هذه الرواية ليس فيها مخالفة.","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>الحديث الشاذ عند الإمام الشافعي</span>\nوالإمام الشافعي يقول: ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره.\nفلا نأتي إلى ثقة يروي حديثًا ثم نبحث من الذي روى هذا الحديث من الثقات الآخرين، ثم إذا لم نجد هذا الحديث رواه غيره نسميه شاذًا؛ لأنه حديث مستقل، فليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، وإنما أن يروي الثقة حديثًا يخالف ما روى الناس.\nوكلام الإمام الشافعي هذا انتقد عليه، ولكنه يُفهم من كلامه ضمنًا وصراحة في أماكن أخرى أنه أراد الناس أهل الحفظ والضبط والإتقان؛ لأن الثقة لو خالف مجموع الناس الضعاف اعتبر بحديثه، وحديث هؤلاء الجماعة لا يعتبر به؛ لضعفهم وعدم ارتقاء حديثهم، وهذا لا إشكال فيه؛ لأن حديثهم كله مطّرح، لأنه من رواية الضعفاء، وهو في مقابل رواية الثقة، فهو منكر.","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>الحديث الشاذ عند الحاكم والخليلي</span>\nوأبو يعلى الخليلي والحاكم يعرفان الحديث الشاذ بأنه تفرد الثقة، أي: أنه الحديث الذي لم يأت من وجوه أخر.\nوهذا التعريف مردود، وإن كان سليمًا من الناحية اللغوية؛ لأن التفرد والغرابة في اللغة بمعنى الشذوذ.\nوقد رد الشافعي والإمام النووي وابن الصلاح وغيرهم على الحاكم وأبي يعلى وقالوا: إذا أردتم أن تردوا الأحاديث الأفراد التي انفرد بها الثقة فستردون معظم السنة، وستتعطّل معظم الأحكام، وستتعرى عن الدليل؛ لأنه ليس دليل كل مسألة في الدين جاء من عدة طرق، بل معظم المسائل جاء الدليل عليها من طريق واحد، فإن حكمت على هذا الطريق بأنه شاذ فقد وجب رده، وبالتالي سترد معظم أحكام الشريعة؛ سواء كان ذلك في العقائد أو الأحكام أو العبادات أو المعاملات أو الأخلاق أو غير ذلك، وهذا القول في منتهى الخطورة، ثم استغله بعد ذلك قوم في رد قبول خبر الواحد، وهذا مذهب فاسد، وليس مرجوحًا فحسب، وهو خلاف ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم.\nوأول حديث يلزم رده على هذا التعريف حديث عمر بن الخطاب: (إنما الأعمال بالنيات).\nفقد تفرد به عمر وهو صحابي، ثم تفرد به علقمة بن وقاص الليثي عن عمر وهو ثقة، فلو قلنا: إن حديث الثقة الفرد شاذ للزمنا أن نقول: إن حديث (إنما الأعمال بالنيات) غير مقبول، مع أن أهل العلم يقولون عن هذا الحديث: إنه الدين كله، ومنهم من قال: هو نصف الدين، ومنهم من قال: هو ربع الدين، ومنهم من قال: مدار الدين على أربعة أحاديث، منها حديث: (إنما الأعمال بالنيات).\nفلو رددنا كل حديث تفرد به الثقة للزمنا أن نرد معظم السنة، وبذلك تتعطل معظم المسائل والأحكام في الشريعة الإسلامية.\nوقال أبو يعلى الخليلي: الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به شيخ ثقة أو غير ثقة.\nونسبته هذا القول لحفاظ الحديث من باب التعدي.\nوهذا الكلام لا يمكن قبوله حتى من الناحية العقلية والعملية، فأنت في حياتك العملية لا يمكنك أن ترد خبر الثقة الأمين الضابط المتقن، صاحب الديانة والعدالة الضبط والفهم.","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>رأي ابن الصلاح في معنى الشاذ وزيادة الثقة</span>\nقال ابن الصلاح ﵀: إذا انفرد الراوي بشيء، فإن كان هذا الانفراد مخالفًا لما رواه من هو أولى منه -أي: من هو أوثق منه- أو أكثر منه عددًا وأضبط؛ كان ما انفرد به شاذًا مردودًا، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو، فيُنظر في هذا الراوي المنفرد، فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه قُبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به، كان انفراده خارمًا له، مزحزحًا له عن حيز الصحيح.\nفهذه الزيادة تكون بمثابة الحديث الجديد، فلو قال راو: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من علامة المنافق إذا خاصم فجر) فما الذي يمنع أن يقول النبي ﷺ الحديث عدة مرات وفي مواطن مختلفة، وحسب حال السائل نفسه، فربما علم النبي ﷺ من هذا السائل سوء خلقه عند الخصام وأنه يفجر، فأراد أن يعالج فيه هذا، وهذا معلوم كثير، وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ وقال له: (قل لي في الإسلام قولًا ولا تكثر، فقال: لا تغضب).\nوقد كان يسأل عن أي الأعمال أفضل، فكان يجيب كل واحد بما ينفعه، وكانت تتعدد الحوادث فتتعدد الروايات بما يناسب الحال والمقام، وبما يناسب حال السائل وإصلاحه.\nوليس هناك مانع أن يكون الراوي وقع له مناسبة لم تقع للآخرين مثلها، فمسألة زيادة الثقة هي بمثابة الحديث المستقل.\nوإذا قبل ما انفرد به الثقة عن الناس فيلزم قبول الزيادة في حديثه الذي شارك فيها غيره من الثقات ما لم يخالف، فإن خالف فهو شاذ.\nإذًا: الراوي الثقة إما أن يوافق غيره، وإما أن يخالفه، فإن خالفه فحديثه شاذ، وإن وافقه في أصل روايته فلا إشكال فيه، وإن زاد على روايته شيئًا لم يذكره فيقبل باعتبار أنه حديث مستقل.","vol":"9","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>تحذير العلماء من تتبع الشواذ والرخص</span>\nوقد حذر العلماء من تتبع الشواذ، وهناك من الناس من يتتبعون الشواذ سواء من الأحاديث أو من المسائل الفقهية أو رخص الفقهاء، وإذا سأل عن مسألة فقهية وأجابه المفتي قال: أليس هناك رأي آخر؟ وقد ألّف بعض إخواننا الأفاضل رسالة سماها: زجر السفهاء عن تتبع رخص الفقهاء.\nويقول أحمد بن حنبل ﵀: من تتبع رخص الفقهاء فقد اجتمعت فيه خصال الشر كلها، فهو يحرص في كل مسألة من المسائل التي تعرض له في حياته أن ينتقي منها القول الذي يناسب حاله وقلبه المريض.\nويقول إبراهيم بن عبلة: من حمل شاذ العلماء حمل شرًا كثيرًا.\nوقال شعبة بن الحجاج: لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ.\nوقال أحمد بن حنبل عن بعض طلبة العلم: تركوا الحديث وأقبلوا على الغرائب، ما أقل الفقه فيهم!","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>الرد على الحاكم والخليلي في تعريفهما للحديث الشاذ</span>\nوقد عاب ابن الصلاح ما ذهب إليه الحاكم والخليلي حيث قالا: إن الشاذ هو انفراد الثقة، سواء خالف أو لم يخالف، ثقة أو غير ثقة.\nورده بالأحاديث الغرائب والأفراد الصحيحة.\nقال ابن الصلاح: أما حكم الشافعي عليه بالشذوذ فلا إشكال بأنه شاذ غير مقبول.\nوكأنه يقول: إن كلام الشافعي في الشذوذ هو الكلام الأصل، وهو التعريف المعتمد في معنى الشاذ، وأما قول الحاكم وأبي يعلى الخليلي فهو كلام مشكل، أي: مردود.\nولو رددنا ما ينفرد به العدل الحافظ الضابط لرددنا حديث (إنما الأعمال بالنيات)، وحديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر: (نهى النبي ﷺ عن بيع الولاء وعن هبته).\nفهذا قد انفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وكان أحمد بن حنبل يقول: كل الرواة عيال في هذا الحديث على عبد الله بن دينار، بمعنى: أنه لم يروه عن ابن عمر إلا عبد الله بن دينار، وكذلك حديث مالك عن الزهري عن أنس: (أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر).\nانفرد به مالك عن الزهري، وانفرد به الزهري عن أنس.\nوقد قال مسلم بن الحجاج: للزهري نحو من تسعين حرفًا -أي: حديثًا- لم يشاركه فيها غيره، أي: لم يروها غيره من الرواة، فلو كان ما انفرد به الراوي شاذًا للزمنا أن نرد هذه التسعين حديثًا التي معظمها في البخاري ومسلم.\nيقول: ولو روى ثقة مخالفًا لما رواه الضعفاء فالعبرة لروايته لا لروايتهم.\nأي: لو أن الراوي الثقة روى حديثًا وروى جماعة ضعفاء حديثًا يخالف رواية الثقة، فالمقبول حديث الثقة دون حديث الضعفاء، ولا تضر هذه المخالفة في صحة الحديث الأصل الذي هو من رواية الثقة.\nوالمراد بالناس في قول الشافعي ﵀ هم الحفاظ الضابطين المتقنين، وهذا هو الظاهر من كلام الشافعي أيضًا، ومما يدل عليه قول الإمام أحمد للإمام البخاري عندما أراد أن يترك بغداد: تترك العلم والناس وتصير إلى خراسان؟ فكلمة الناس هنا بمعنى العلماء وأهل الفضل والصلاح، فلا يُحمل قول الإمام الشافعي أن الناس هنا المقصود بهم عوام الناس.","vol":"9","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>تعريف ابن حجر للحديث الشاذ والحديث المنكر</span>\nقال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: فإن خولف الراوي بأرجح منه -وهذا يدل هذا على أن هناك راجحًا ومرجوحًا- لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات، فالراجح يقال له: المحفوظ، ومقابله هو المرجوح يقال له: الشاذ.\nفالحديث الشاذ هو: حديث الثقة الذي خالف فيه من هو أوثق منه أو خالف فيه من هو أكثر عددًا منه.\nوأما مخالفة الضعيف للثقة فيطلق على مخالفة الضعيف المنكر، وحديث الثقة يطلق عليه المعروف.\nوإذا تفرد الثقة بحديث فلا يطلق عليه شاذ، وإنما يطلق عليه حديث صحيح، يُعمل به في العقائد والأحكام وسائر أمور الإسلام.\nوإذا كان هذا الراوي من الحفاظ الضابطين المتقنين فلا شك أنه حديث صحيح، وإذا كان ينزل عن مرتبة التوثيق وتمام العدالة والضبط إلى مرتبة الصدق والأمانة فهو حديث حسن.\nوقد ذهب قوم إلى أن ما تفرد به الصدوق شاذ، وهذا كلام غير معقول ولا مقبول؛ لأن ما يتفرد به الثقة حديث صحيح، وما يتفرد به الصدوق حديث حسن.","vol":"9","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>أنواع الشذوذ</span>\nالشذوذ قد يكون في السند وقد يكون في المتن.","vol":"9","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>الشذوذ في السند</span>\nفمثال الشذوذ في السند: ما رواه الترمذي من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس: (أن رجلًا توفي على عهد رسول الله ﷺ ولم يدع وارثًا إلا مولى له هو أعتقه، فقال ﵊: هل له أحد؟ قالوا: لا، إلا غلام أعتقه، فجعل ﷺ ميراثه له).\nفهذا الحديث تابع ابن عيينة فيه ابن جريج وغيره عن عوسجة ولكنهم لم يذكروا ابن عباس.\nفالمخالفة والشذوذ هنا في السند، بذكر ابن عباس في طريق ابن عيينة، وأما في طريق ابن جريج وغيره فلم يذكروا ابن عباس، وإنما رووه مرسلًا عن عوسجة، فهذه مخالفة شاذة من النوع الثاني، وهي مخالفة الثقة لمجموع الثقات.\nقال أبو حاتم: المحفوظ حديث ابن عيينة، وتكون رواية حماد بن زيد من الحديث الشاذ، حيث إنه خالف من هو أولى منه، فـ حماد بن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك رجّح أبو حاتم رواية من هم أكثر عددًا كما قال الحافظ ابن حجر ﵀.\nوالذي لا يأخذ بحديث الثقات على اعتبار أنهم غير معصومين وأن الخطأ جائز في حقهم، نقول له: ونحن كذلك لا نأخذ بقولك هذا؛ لأنك فرد وجائز عليك الخطأ والوهم، فنرد عليه بمثل منطقه تمامًا.","vol":"9","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>الشذوذ في المتن</span>\nومن أمثلة الشذوذ في المتن: ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا (إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع عن يمينه).\nوهذا الحديث قولي وليس فعليًا، ففيه: (إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع عن يمينه).\nوخولف عبد الواحد بن زياد في ذلك.\nقال البيهقي: خالف عبد الواحد العدد الكثير في هذا، فإن الناس إنما رووه من فعل النبي ﵊ لا من قوله، وانفرد عبد الواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ، فمتن هذا الحديث شاذ، أي: أن عبد الواحد -وهو ثقة- تفرد بروايته من قول النبي ﷺ مخالفًا العدد الكثير الذين رووه من فعله ﷺ، وقد قالت عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع عن يمينه).\nفـ عائشة تحكي فعل النبي ﵊.\nفلو كان هذا الحديث من قول النبي ﵊ لاختلف عما إذا كان من فعله، ومعلوم الفرق بين الحديث القولي والحديث الفعلي.\nفالحديث القولي أمر موجه للأمة لا يجوز لأحد التخلف عنه إلا إذا ثبت أنه منسوخ أو غير ذلك.\nوقد أخذ بهذا الحديث ابن حزم وقال: من لم يضطجع بعد ركعتي الفجر فليست صلاته -أي الفجر- بصحيحة، وهذا ليس له علاقة بصحة الصلاة وغيرها؛ فكلام ابن حزم بعيد؛ لأن شروط صحة الصلاة هي: استقبال القبلة، والنية، وطهارة الملبس، طهارة المكان، وكذا، وأما الاضطجاع فليس من شروط صحة الصلاة، ولكن ابن حزم أدخله في صلاة الفجر بالذات، وقال: من لم يضطجع فليست صلاته صحيحة، وهذا الكلام مردود وشاذ؛ لأنه خالف به جمهور الناس.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلِّ اللهم على النبي محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"9","page":12}]}