{"ً":{"ٌ":37648,"ٍ":"أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء\nالمؤلف: محمد حسن عبد الغفار\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ١١ درسا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2376,"ٕ":12,"ٖ":1770155900,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11"],"ٚ":[{"title":"الحرص على تعلم أصول الفقه","level":1,"page":1},{"title":"فضل العلم والعلماء","level":2,"page":2},{"title":"فضل طلب العلم ومنزلة العالم عند الله","level":3,"page":3},{"title":"فضل علم أصول الفقه","level":3,"page":4},{"title":"أهمية فهم النص الشرعي","level":3,"page":5},{"title":"الحث على التمسك بالكتاب والسنة","level":2,"page":6},{"title":"الأدلة على التمسك بالكتاب والسنة","level":3,"page":7},{"title":"الرد على من يجوز الأخذ بأي قول في المسائل الخلافية","level":3,"page":8},{"title":"رجوع الصحابة إلى الكتاب والسنة","level":3,"page":9},{"title":"الاجتهاد في العصر النبوي","level":2,"page":10},{"title":"اجتهاد النبي ﷺ","level":3,"page":11},{"title":"اجتهاد النبي ﷺ في الإعراض عن الأعمى","level":3,"page":12},{"title":"اجتهاد النبي ﷺ في العفو عن الكفار والمنافقين","level":3,"page":13},{"title":"اجتهاد الصحابة في حياة رسول الله ﷺ","level":3,"page":14},{"title":"الاجتهاد في عصر الخلفاء الراشدين","level":2,"page":15},{"title":"سبب الخلاف في أقوال النبي ﷺ وأحوال الصحابة معها","level":2,"page":16},{"title":"من لم يبلغه الحديث فاجتهد وأصاب","level":3,"page":17},{"title":"من لم يبلغه الحديث فاجتهد فأخطأ","level":3,"page":18},{"title":"من بلغه الحديث فلم يعمل به لعدم ثبوته عنده","level":3,"page":19},{"title":"اختلاف الصحابة في حكم فعل النبي ﷺ","level":2,"page":20},{"title":"الاختلاف الفقهي الناتج عن الخلاف في حكم فعله ﷺ","level":2,"page":21},{"title":"مسألة تعارض الأدلة والجمع بينها","level":2,"page":22},{"title":"معرفة الناسخ والمنسوخ وأثر ذلك على الخلاف الفقهي","level":2,"page":23},{"title":"التشريع ومصادره في عهد الرسول","level":1,"page":24},{"title":"الاختلاف في القراءات وأثره في الاختلاف في المسائل الفقهية","level":2,"page":25},{"title":"الاختلاف في مسألة غسل الرجل في الوضوء","level":3,"page":26},{"title":"حكم غسل الرجل في الوضوء","level":3,"page":27},{"title":"الخلاف وأسبابه وبعض أمثلته","level":2,"page":28},{"title":"عدم الاطلاع على الحديث","level":3,"page":29},{"title":"خلاف العلماء في حكم تيمم الجنب","level":3,"page":30},{"title":"خلاف العلماء في ميراث المفوضة","level":3,"page":31},{"title":"الخلاف في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها","level":3,"page":32},{"title":"الخلاف بين الصحابة في الربا","level":3,"page":33},{"title":"الشك في ثبوت الحديث والاختلاف في فهم النص وتفسيره","level":1,"page":34},{"title":"عدم ثبوت الحديث وأثره في اختلاف العلماء","level":2,"page":35},{"title":"خلاف العلماء في حكم القضاء على من أفطر ناسيا","level":3,"page":36},{"title":"الاختلاف في فهم النص وأثره في اختلاف العلماء وأمثلته","level":2,"page":37},{"title":"الخلاف في حكم عطية الوالد لبعض ولده","level":3,"page":38},{"title":"حكم الرجوع في العطية","level":3,"page":39},{"title":"الاختلاف في حكم الجمع بين المفترق والتفريق بين المجتمع في الزكاة","level":3,"page":40},{"title":"الاشتراك في اللفظ وأثره في اختلاف العلماء وأمثلته","level":2,"page":41},{"title":"اختلاف العلماء في معنى العين والقرء","level":3,"page":42},{"title":"اختلاف العلماء في معنى النكاح","level":3,"page":43},{"title":"حكم زواج الولد بمن زنى بها الأب","level":3,"page":44},{"title":"اختلاف العلماء في حكم زواج الرجل ببنت من زنى بها","level":3,"page":45},{"title":"اختلاف العلماء في حكم زواج الرجل ببنته من الزنا","level":3,"page":46},{"title":"الاشتراك في اللفظ وتعارض الأدلة وعدم وجود نص في المسألة","level":1,"page":47},{"title":"الاشتراك في اللفظ","level":2,"page":48},{"title":"أقوال العلماء في معنى الحيض واختلافهم في ذلك","level":3,"page":49},{"title":"أقوال العلماء في معنى قوله تعالى: «فأتوا حرثكم أنى شئتم»","level":3,"page":50},{"title":"تعارض الأدلة التي ظاهرها التعارض","level":2,"page":51},{"title":"اختلاف العلماء في مسألة نكاح المحرم","level":3,"page":52},{"title":"اختلاف العلماء في مسألة طهارة المني أو نجاسته","level":3,"page":53},{"title":"عدم وجود نص في المسألة","level":2,"page":54},{"title":"مسألة الجد مع الإخوة","level":3,"page":55},{"title":"مسألة قتل الجماعة للواحد","level":3,"page":56},{"title":"الاستدلال بمفهوم المخالفة والعام والخاص","level":1,"page":57},{"title":"مفهوم المخالفة","level":2,"page":58},{"title":"الخلاف في نجاسة الكافر في ضوء مفهوم المخالفة","level":3,"page":59},{"title":"الاستدلال العام والخاص","level":2,"page":60},{"title":"حكم العموم","level":3,"page":61},{"title":"دلالة العام","level":3,"page":62},{"title":"ثمرة الخلاف في دلالة العام","level":3,"page":63},{"title":"تعارض العام والخاص","level":3,"page":64},{"title":"الاحتجاج بمفهوم الموافقة وعموم المقتضى","level":1,"page":65},{"title":"مفهوم المخالفة","level":2,"page":66},{"title":"تعريف مفهوم المخالفة","level":3,"page":67},{"title":"أنواع مفهوم المخالفة","level":3,"page":68},{"title":"مفهوم الموافقة","level":2,"page":69},{"title":"تعريف مفهوم الموافقة","level":3,"page":70},{"title":"أنواع مفهوم الموافقة","level":3,"page":71},{"title":"لحن الخطاب","level":3,"page":72},{"title":"فحوى الخطاب","level":3,"page":73},{"title":"اختلاف العلماء في حجية مفهوم المخالفة وأثر اختلافهم في ذلك","level":2,"page":74},{"title":"الزواج بالأمة الكتابية","level":3,"page":75},{"title":"القول الراجح وأدلته","level":3,"page":76},{"title":"ملكية ثمر النخل قبل التأبير وبعده","level":3,"page":77},{"title":"المنطوق","level":2,"page":78},{"title":"أقسام المنطوق","level":3,"page":79},{"title":"أهمية تطبيق علم الأصول على الفروع الفقهية","level":2,"page":80},{"title":"دلالة الإشارة","level":2,"page":81},{"title":"أثر الخلاف في المسائل الفقهية","level":3,"page":82},{"title":"عموم المقتضي","level":2,"page":83},{"title":"طلاق المكره","level":2,"page":84},{"title":"مسألة","level":3,"page":85},{"title":"الأمر واقتضاؤه الوجوب","level":1,"page":86},{"title":"الأمر","level":2,"page":87},{"title":"تعريف الأمر","level":3,"page":88},{"title":"مراتب الأمر","level":3,"page":89},{"title":"صيغه","level":3,"page":90},{"title":"ما يقتضيه الأمر من وجوب أو ندب","level":3,"page":91},{"title":"خلاف العلماء فيما يقتضي الأمر","level":2,"page":92},{"title":"أثر الاختلاف في حكم الأمر في المسائل الفقهية","level":2,"page":93},{"title":"صلاة ركعتين قبل المغرب","level":3,"page":94},{"title":"حكم التسمية عند الطعام، والأكل والشرب باليمين","level":3,"page":95},{"title":"حكم وطء الزوجة بعد الطهر قبل الغسل","level":3,"page":96},{"title":"حكم المتعة للمطلقة قبل الدخول عليها","level":3,"page":97},{"title":"حكم الإشهاد على الرجعة","level":3,"page":98},{"title":"حكم استئذان البكر في الزواج","level":3,"page":99},{"title":"اقتضاء الأمر المطلق الفور أو التراخي","level":1,"page":100},{"title":"خلاف الأصوليين في اقتضاء الأمر الفورية","level":2,"page":101},{"title":"أثر الاختلاف الأصولي في فورية الأمر على المسائل الفقهية","level":2,"page":102},{"title":"حكم أداء الزكاة فورا","level":3,"page":103},{"title":"قضاء الصوم","level":3,"page":104},{"title":"التنفل قبل قضاء رمضان","level":3,"page":105},{"title":"وقت صيام المرأة للست من شوال","level":3,"page":106},{"title":"الحج على الفور","level":3,"page":107},{"title":"النهي ومسائله","level":1,"page":108},{"title":"تعريف النهي وذكر صيغه","level":2,"page":109},{"title":"تعريف النهي","level":3,"page":110},{"title":"صيغ النهي","level":3,"page":111},{"title":"حكم النهي","level":2,"page":112},{"title":"الأصل في النهي التحريم","level":3,"page":113},{"title":"صرف النهي من التحريم إلى الكراهة","level":3,"page":114},{"title":"حكم الشرب قائما","level":3,"page":115},{"title":"الصلاة في الأماكن المنهي عنها","level":3,"page":116},{"title":"اقتضاء النهي الفساد","level":2,"page":117},{"title":"أقسام النهي من حيث تعلقه بذات المنهي عنه","level":3,"page":118},{"title":"الصلاة في المغصوب","level":3,"page":119},{"title":"نذر صوم يوم العيد","level":3,"page":120},{"title":"حكم الخطبة على الخطبة","level":3,"page":121},{"title":"حكم المسح على الخف المغصوب","level":3,"page":122},{"title":"المطلق والمقيد","level":1,"page":123},{"title":"المطلق والمقيد","level":2,"page":124},{"title":"أحوال المطلق والمقيد والأدلة على كل حال","level":2,"page":125},{"title":"الاتفاق في الحكم والسبب","level":3,"page":126},{"title":"الاختلاف في الحكم والسبب","level":3,"page":127},{"title":"الاتفاق في السبب والاختلاف في الحكم","level":3,"page":128},{"title":"الاتفاق في الحكم والاختلاف في السبب","level":3,"page":129},{"title":"تطبيقات فقهية على مسائل المقيد والمطلق","level":2,"page":130},{"title":"عدد الرضعات المحرمات","level":3,"page":131},{"title":"تقييد الرقبة المعتقة بالإيمان","level":3,"page":132},{"title":"حكم رضاع الكبير","level":3,"page":133},{"title":"الإجماع والقياس والمصالح المرسلة","level":1,"page":134},{"title":"حجية الإجماع ودلالته","level":2,"page":135},{"title":"إجماع أهل المدينة","level":2,"page":136},{"title":"حكم إجماع أهل المدينة","level":3,"page":137},{"title":"حكم الحامل ترى الدم","level":3,"page":138},{"title":"قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية","level":3,"page":139},{"title":"القياس","level":2,"page":140},{"title":"تعريف القياس","level":3,"page":141},{"title":"حجية القياس","level":3,"page":142},{"title":"أثر الاختلاف في حجية القياس على الفروع الفقهية","level":2,"page":143},{"title":"الأصناف الربوية","level":3,"page":144},{"title":"الكفارة على من أكل وشرب في نهار رمضان","level":3,"page":145},{"title":"كفارة الجماع على المرأة","level":3,"page":146},{"title":"المصالح المرسلة","level":2,"page":147},{"title":"أقسام المصالح","level":3,"page":148},{"title":"اختلاف العلماء في الأخذ بالمصالح المرسلة","level":3,"page":149}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"2,1":24,"2,2":25,"2,3":26,"2,4":27,"2,5":28,"2,6":29,"2,7":30,"2,8":31,"2,9":32,"2,10":33,"3,1":34,"3,2":35,"3,3":36,"3,4":37,"3,5":38,"3,6":39,"3,7":40,"3,8":41,"3,9":42,"3,10":43,"3,11":44,"3,12":45,"3,13":46,"4,1":47,"4,2":48,"4,3":49,"4,4":50,"4,5":51,"4,6":52,"4,7":53,"4,8":54,"4,9":55,"4,10":56,"5,1":57,"5,2":58,"5,3":59,"5,4":60,"5,5":61,"5,6":62,"5,7":63,"5,8":64,"6,1":65,"6,2":66,"6,3":67,"6,4":68,"6,5":69,"6,6":70,"6,7":71,"6,8":72,"6,9":73,"6,10":74,"6,11":75,"6,12":76,"6,13":77,"6,14":78,"6,15":79,"6,16":80,"6,17":81,"6,18":82,"6,19":83,"6,20":84,"6,21":85,"7,1":86,"7,2":87,"7,3":88,"7,4":89,"7,5":90,"7,6":91,"7,7":92,"7,8":93,"7,9":94,"7,10":95,"7,11":96,"7,12":97,"7,13":98,"7,14":99,"8,1":100,"8,2":101,"8,3":102,"8,4":103,"8,5":104,"8,6":105,"8,7":106,"8,8":107,"9,1":108,"9,2":109,"9,3":110,"9,4":111,"9,5":112,"9,6":113,"9,7":114,"9,8":115,"9,9":116,"9,10":117,"9,11":118,"9,12":119,"9,13":120,"9,14":121,"9,15":122,"10,1":123,"10,2":124,"10,3":125,"10,4":126,"10,5":127,"10,6":128,"10,7":129,"10,8":130,"10,9":131,"10,10":132,"10,11":133,"11,1":134,"11,2":135,"11,3":136,"11,4":137,"11,5":138,"11,6":139,"11,7":140,"11,8":141,"11,9":142,"11,10":143,"11,11":144,"11,12":145,"11,13":146,"11,14":147,"11,15":148,"11,16":149},"ٜ":{"1":[1,23],"2":[1,10],"3":[1,13],"4":[1,10],"5":[1,8],"6":[1,21],"7":[1,14],"8":[1,8],"9":[1,15],"10":[1,11],"11":[1,16]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","9,14","9,15","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","11,7","11,8","11,9","11,10","11,11","11,12","11,13","11,14","11,15","11,16"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80],"81":[81],"82":[82],"83":[83],"84":[84],"85":[85],"86":[86],"87":[87],"88":[88],"89":[89],"90":[90],"91":[91],"92":[92],"93":[93],"94":[94],"95":[95],"96":[96],"97":[97],"98":[98],"99":[99],"100":[100],"101":[101],"102":[102],"103":[103],"104":[104],"105":[105],"106":[106],"107":[107],"108":[108],"109":[109],"110":[110],"111":[111],"112":[112],"113":[113],"114":[114],"115":[115],"116":[116],"117":[117],"118":[118],"119":[119],"120":[120],"121":[121],"122":[122],"123":[123],"124":[124],"125":[125],"126":[126],"127":[127],"128":[128],"129":[129],"130":[130],"131":[131],"132":[132],"133":[133],"134":[134],"135":[135],"136":[136],"137":[137],"138":[138],"139":[139],"140":[140],"141":[141],"142":[142],"143":[143],"144":[144],"145":[145],"146":[146],"147":[147],"148":[148],"149":[149]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الاختلاف في القواعد الأصولية -<span data-type=\"title\" id=toc-1> الحرص على تعلم أصول الفقه</span>\nمما يجب على مريد العلم أن يتعلم فن أصول الفقه؛ لأنه مفتاح الفقه وبابه، فيتعرف على بدايات نشأة الخلاف وكيف حصلت، حتى يتمكن من تأصيل المسائل مستندًا في ذلك إلى ركن ركين من المعرفة بأصل المسألة المعينة وجذورها، وعلم الأصول يعنى بالأدلة الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد منها، وكيفية تنزيلها على الواقع، فحري بالفقيه خصوصًا وبطالب العلم عمومًا ألا يغفل عن دراسته.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>فضل العلم والعلماء</span>","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>فضل طلب العلم ومنزلة العالم عند الله</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: إخوتي الكرام! مرحبًا بوصية رسول الله ﷺ، فإن أنسًا روى لنا -وإن كانت الأسانيد متكلمًا فيها- أنه يستحب أن يقال إذا جاء طالب العلم: مرحبًا بوصية رسول الله ﷺ! وكفى بطالب العلم فخرًا، وكفى بمجالس العلم بركة؛ ففي الصحيحين أن النبي ﷺ ذكر أن الملائكة تصعد بأسماء طلبة العلم إلى الله جل في علاه فيسألهم: ماذا يقولون؟ ماذا يذكرون؟ فيقولون: يسبحونك ويحمدونك ويمجدونك ويكبرونك ويهللونك، وفي آخر الحديث يقول الملك: فيهم فلان ما جاء للعلم وإنما جاء لحاجة، فيقول الله تعالى: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم.\nوقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع)، وكفى بحديث النبي ﷺ فخرًا لطلبة العلم.\nوقال ﷺ: (العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر).\nفأهل العلم لهم المكانة العظمى في هذه الدنيا؛ لأن العلماء هم منارات الهدى، وهم الشموس التي يستضيء بها الناس، بينما نرى الأمة الآن تتخبط يمينًا ويسارًا، ونرى ما يحدث في البلاد الإسلامية من تعديات على المسلمين، وهذا والله ما حدث إلا بموت العلماء؛ لأن الذي يستنير بنور العلم يعلم أنه إذا هلك فسيهلك عن بينة، وإذا أحياه الله فستكون حياته على بينة، كما قال الله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢]، وهذه البينة لا تكون إلا بطلب العلم.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>فضل علم أصول الفقه</span>\nوقد بينا فضل أصول الفقه على الفقيه، وقلنا بأن القاعدة عند العلماء تنص على أن الفقيه العاري عن الأصول ليس بفقيه بل هو مقلد.\nوترى كثيرًا من المقلدين الذين يحفظون الأقوال ويرددونها ممن لا يحق لهم الفتوى، ولا يحق لهم أن يلزموا الناس بشيء؛ لأنهم مقلدون، فإذا سألت: ما الدليل؟ وما هو وجه استدلال العالم الذي قال بهذا القول من هذا الدليل؟ وجدته يضرب أخماسه في أسداسه، فهذا مقلد، ولا يجوز له أن يلزم الناس بشيء، لأنه يقلد غيره.\nوقد فرق العلماء تفريقًا عظيمًا بديعًا بين المقلد والعالم أو طالب العلم المجد الذي يعرف القول بالدليل، ويعرف كيفية استنباط العالم لهذا الدليل.\nوقد سئل كثير من الناس عن الفقهاء أو المجتهدين، فبينوا أن درجات الفقه والعلم متفاوتة، فليس العلم بالدليل فقط، وإنما العلم بالأصل والقاعدة التي يمكن أن يستنبط منها الحكم، وإلا فكثير من الناس حفظة كما هو حال كثير من المحدثين، فقد كان ينقصهم الفقه، وكان الإمام أحمد يقول: كنا نزعم بأن المحدث صيدلاني، وأن الفقيه طبيب، فخرج علينا الشافعي رجلًا طبيبًا صيدلانيًا.\nوقد عاب كثير من المحدثين على يحيى بن معين أنه لم يشتغل بفقه المتن، وقد قررت في المسجد أكثر من مرة قول شيخ الإسلام: إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده، وفهم متنه.\nوالمقصود بفهم المتن: هو الفقه.\nكان يحيى بن معين إمامًا ترتعش منه فرائص المحدثين، فإذا دخل مجلسًا من مجالس التحديث قام له كل المحدثين تعظيمًا لعلمه وإجلالًا له، وأخذ كل واحد منهم كتابه فنظر فيه وإن كان ضابطًا ضبط صدر، فلا يتكلم بالحديث الواحد إلا بعد أن يكرره في نفسه مرات عديدة؛ خوفًا من أن يتكلم فيهم بجرح؛ لأنه كان إمامًا في الجرح والتعديل.\nوكان يحيى بن معين مشهورًا بدخوله على العلماء واختبارهم، فقد دخل مرة على أبي نعيم يختبره ومعه أحمد بن حنبل وكان قرينًا له يجلس بجواره، فما تكلم أحمد، وأخذ يحيى بن معين يختبر أبا نعيم بأن لقنه بعضًا من الأحاديث بأسانيد مختلطة ليست من لفظه وليست صحيحة، فسمعها أبو نعيم فانتبه -وكان صاعقة في الحفظ- فنظر إلى أحمد ونظر إلى يحيى بن معين، فقال لـ أحمد: أنت أورع من أن تفعل ذلك، ونظر إلى يحيى بن معين فسكت عنه، ثم ضربه برجله فأوقعه إلى الخلف وقال: أنت أجرأ على ذلك.\nفكان يحيى بن معين جهبذًا ونقادًا، وكان وقاد الذهن، يعني: الرواية للحديث وعلم الرجال والإسناد.\nولما لم يكن يحيى بن معين مهتمًا بالفقه فقد وقع في أمر جلل عابه عليه كثير من أهل العلم في زمانه، فقد سألته امرأة فقالت: يا إمام! إن زوجي قد مات، وقد أوصى أن أغسله، أفأغسله وأنا حائض؟ فوقف يحيى بن معين واجمًا لا يعرف كيف يرد عليها، فمر أبو ثور الكلبي -وهو من أصحاب الشافعي - وكان فقيهًا بارعًا، فقال لها: اسألي هذا الرجل فهو فقيه! فذهبت فسألته فقال لها: غسليه، فهذا رسول الله ﷺ كان معتكفًا فإذا أراد أن يرجل شعره يخرج رأسه من المسجد فترجله عائشة.\nيعني: تغسل رأسه وتنظفه وهي حائض.\nفلما قال أبو ثور ذلك قال يحيى: نعم، وهذا الحديث جاءني من طريق فلان وفلان وفلان وفلان عن فلان، فسرد الطرق التي يحفظ منها هذا الحديث.\nفقالت له المرأة: ما نفعتك هذه الطرق وأنا أسألك فلا تجيب.\nوهذه مزية من تعلم الفقه وعرف كيف يستنبط الحكم من الدليل.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>أهمية فهم النص الشرعي</span>\nوأقول: كيف استنبط أبو ثور الحكم من هذا الدليل وهو أن عائشة كانت ترجل شعر رسول الله ﷺ وهو في المسجد يخرج رأسه وهي حائض؟ وما علاقته بامرأة حائض تغسل زوجها؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  استنبطه بطريق قياس الأولى، فإذا كان الحي الذي يستطيع بنفسه أن يرجل شعره وأن يغسله قد جعل المرأة وهي حائض تباشر ذلك فالميت من باب أولى؛ لأنه لا يستطيع أن يفعل ذلك بنفسه فهو أحوج إلى ذلك.\nوهذه فائدة الفقيه الذي يتعلم أصول الفقه.\nوقد سئل الشيخ الإمام محمد بن صالح بن عثيمين وهو على فراش موته فقيل له: هل تستخلف أحدًا نسأله بعدك؟ فقال: أما العلماء فكثر ثم لا تكاد تجد عالمًا فقيهًا يدرك الحكم في المسألة، أو كيفية استنباط الحكم من الدليل وتنزيله على الواقع المعايش، وهذا فهم عزيز يؤتيه الله من يشاء.\nولذلك أنكر البعض على علي بن أبي طالب عظم بطنه، لأن علي بن أبي طالب كان من أفقه الصحابة إن لم يكن هو أفقههم، وهو أعلم الناس أيضًا بالتفسير، فلو خالف علي بن أبي طالب ابن عباس في تفسير آية قدم قول علي بلا جدال، فـ علي بن أبي طالب وتد في العلم والفقه، فقالوا له: مالك عظيم البطن؟ فقال: أعلاها علم وأسفلها طعام.\n﵁ وأرضاه.\nفنقول: إن العالم يعلم الكتاب والسنة، لكن الفقيه يدقق في الكتاب والسنة، ولذلك سئل علي بن أبي طالب: هل ترك لك رسول الله ﷺ شيئًا خصك به من هذا العلم الذي ينهال عليك؟ فقال: لا والله ما خصنا رسول الله ﷺ، بشيء إلا فهمًا يؤتيه الله للمرء في الكتاب أو في سنة النبي ﷺ، أو كما قال ﵁ وأرضاه، والأثر في الصحيحين.\nوهذه كلها مدارها على الإخلاص، فقد كان يقول ابن عباس: يحفظ المرء على قدر نيته.\nوهذا الذي فضل به الشافعي عن كثير من الفقهاء لفهمه وتأمله في الأدلة، والعالم الفقيه لا يصل إلى قوة العلم وإلى باطن العلم إلا بقواعد العلم والقاعدة العريضة بأصول العلم، وهذه الأصول هي أصول الفقه.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الحث على التمسك بالكتاب والسنة</span>","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الأدلة على التمسك بالكتاب والسنة</span>\nقال رسول الله ﷺ:: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا في عصر الرسول ﷺ يستقون من بحر علم رسول الله ﷺ ويأخذون بالوحيين: الكتاب والسنة، وقد حث الله الصحابة وألزمهم بنص الكتاب والسنة، فقال الله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٥].\nوقال جل علاه حاثًا الصحابة على التدبر في معرفة مراد الله جل علاه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].\nوفي القرآن الكريم وسنة رسول الله ﷺ الحث على اتباع الوحيين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].\nوقال جل علاه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].\nوقال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)، فمن حاد عن سنة النبي ﷺ فقد أبى.\nوفي الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: فهو باطل لا يصح ولا يمكن التعويل عليه، ولا يمكن أن نعارض قول رسول الله ﷺ بقول أحد كائنًا من كان.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الرد على من يجوز الأخذ بأي قول في المسائل الخلافية</span>\nوفي السنن ومسند أحمد أيضًا عن العرباض بن سارية أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا).\nوهذا يرد على من يقول بأن اختلاف الأمة رحمة، وأنه يجوز أن نأخذ بأي قول.\nوهذا هو عين الهلاك، ولو قلنا بهذا لصح الزواج مثلًا بتسع نسوة كما قال بهذا ابن حزم، فقد جمع قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] فصارت تسعة واستدل بها على جواز الزواج بتسع من النساء كما فعل النبي ﷺ، ولو قلنا بهذا لصح أيضًا وطء المرأة المستأجرة كالأمة تمامًا، وأنه يفعل بها ما شاء كيف شاء من غير نكاح، ولجاز الربا مع أهل الكتاب أو في أي بلد حربي، وهذه عين المهلكة.\nولو قلنا بهذا المبدأ لما جاز الإنكار على المخالف، فلو رأيت رجلًا في الشارع يتراقص ويسمع أم كلثوم أو مغنيًا من المغنين، فهل لك أن تنكر عليه أم لا؟ فإذا أنكرت عليه قال لك: أنا آخذ بقول الشيخ القرضاوي، وقال بأن اختلاف الأمة رحمة.\nوهكذا في أي مسألة أخرى فإنه سيقول لك بأن هذا القول هو قول الإمام الشافعي أو الإمام مالك أو ابن حزم، وقد قال بها شيخ من العلماء المعتمدين وهكذا، فهذه مهلكة لهذه الأمة، فاختلاف الأمة لا يمكن أن يكون رحمة إلا في أمر يسوغ فيه الاجتهاد ولم يتبين فيه الدليل بحال من الأحوال.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>رجوع الصحابة إلى الكتاب والسنة</span>\nوالغرض المقصود: أن الصحابة يرجعون إلى رسول الله ﷺ، وقد بين في حديث العرباض ذلك فقال: (فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، قالوا: فماذا نفعل يا رسول الله؟! قال: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي).\nفإذا قلنا: قال رسول الله، فلا تقل: قال فلان أو قال الشيخ الفلاني أو قال شيخ مشايخه، هو فوق رأسي وهو معلمي ومؤدبي، وإذا رأيته قبلت رأسه ويده، لكن إذا خالف قول النبي فلا، وكذلك شيخ الإسلام حبيب إلينا ولكن الحق أحب إلينا منه.\nفلابد أن نقترب من قول النبي ﷺ: (فإنه يعش منكم من فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ).\nوفي السنن أيضًا بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (لا ألفين أحدكم شبعان متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: نعرضه على كتاب الله فما وجدناه في كتاب الله حلالًا أحللناه، وما وجدناه حرامًا حرمناه، فقال النبي ﷺ منتهرًا هذا القول: ألا وإني قد أوتيت القرآن ومثله معه).\nوقال النبي ﷺ في رواية أخرى: (ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله).\nفعلى الأمة أن تلتف حول الكتاب وحول سنة النبي ﷺ، فإن لم يكن فلتلتف حول صحابة رسول الله؛ لأنهم علماء الأمة؛ ولأنهم السلف الصالح.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الاجتهاد في العصر النبوي</span>","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>اجتهاد النبي ﷺ</span>\nقد تقدم أن الله جل وعلا حث عباده على الالتفاف حول السنة، وكذلك رسوله ﷺ حث على الالتفاف حول سنته، ولذلك فإنه وإن ظهر الاجتهاد في عصر الصحابة لكنه كان في فهم مراد الله وفهم مراد رسول الله ﷺ، كما قال الشافعي: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله.\nومراد الله لا يعرفه إلا المجتهد الذي يسهر ليله ويظمأ نهاره حتى يصل إلى مراد الله جل في علاه.\nفقد اجتهد الصحابة كما اجتهد رسول الله ﷺ، ولكن الاجتهاد ما كان للإتيان بحكم جديد ولكن لفهم مراد الله ومراد رسول الله ﷺ، وقد اختلف الأصوليون في الاجتهاد لرسول الله ﷺ وإمكانيته، هل له أن يجتهد أم لا؟ والصحيح الراجح أصوليًا أنه يجوز له أن يجتهد، لكن إن أخطأ لا يمكن أن يقر على خطئه.\nوالدليل على اجتهاد النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ﴾ [النساء:٨٣].\nوالدليل الأوضح من ذلك قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] والمشاورة تدل على أنه سيجتهد في الرأي الصائب السليم ثم يعمل به.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>اجتهاد النبي ﷺ في الإعراض عن الأعمى</span>\nوالصور التطبيقية لاجتهاد النبي ﷺ وإقرار الله أو عدم إقراره له في الاجتهاد كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١].\nوسبب نزولها أن النبي ﷺ كان جالسًا مع صناديد قريش، وكانوا هم الأكابر، ومعروف أن الرعية تتبع الراعي، فلو أن الراعي الكبير مثلًا أبا جهل أو غيره أسلم فإن الرعية كلها ستسلم، فقال النبي ﷺ: أنا آتي إلى الراعي وأبين له الإسلام حتى يدخل في الإسلام، فجاءه الأعمى ابن أم مكتوم وكان رجلًا ضعيفًا، فرجح الرسول ﷺ اجتهادًا أن ينشغل بالصناديد الأكابر حتى تأتي الرعية خلفهم، فلم يقره الله جل علاه على اجتهاده هذا فقال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:١ - ٣] إلى آخر الآيات.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>اجتهاد النبي ﷺ في العفو عن الكفار والمنافقين</span>\nوأيضًا عندما جاء المنافقون، أو ما يسمى في عصرنا: (الطابور الخامس) إلى رسول الله ﷺ في المدينة يعتذرون له عن عدم الخروج معه في السرية، فكان النبي ﷺ يقبل عذرهم ويردهم.\nوهذا اجتهاد من رسول الله، فعتب عليه الله في هذا الاجتهاد، فقال له: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣].\nوأيضًا عندما اجتهد النبي ﷺ في أسارى بدر، فقد اختلف النبي ﷺ وأبو بكر مع عمر: هل يأخذ الفداء ويتركهم أحرارًا أم يقتلهم؟ فاجتهد وأخذ برأي أبي بكر فلم يقره الله جل في علاه على هذا الاجتهاد، فقال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال:٦٧] إلى آخر الآيات.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>اجتهاد الصحابة في حياة رسول الله ﷺ</span>\nوالغرض المقصود: أن النبي ﷺ قد اجتهد وكذلك الصحابة الكرام في عصر رسول الله ﷺ، وفي هذا دلالة على أن الاجتهاد لم يمت أبدًا، لكن الاجتهاد يكون لمن أعطاه الله الآلة التي يمكن أن يجتهد بها.\nأما اجتهاد الصحابة في وجود رسول الله ﷺ فقد كان كثيرًا جدًا، لكن أشهره وأقواه كان في رقاب الناس وإهدار الدماء، كما حصل ذلك في اجتهاد سعد في بني قريظة، وذلك لما جاء سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه إلى النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: (قوموا إلى سيدكم فأجلسوه، فقال: إنهم يرضون بحكمك؛ فقال لليهود: أترضون بحكمي؟ فقالوا: نرضى بحكمك، ثم نظر إلى مكان رسول الله، وحتى لا يتقدم عليه بين يديه، فقال: أيرضى هؤلاء بحكمي؟ يعني: أترضى يا رسول الله! فكأنه يلمح إليه تأدبًا، فقال: اللهم نعم، فقال: أحكم فيهم بضرب أعناق رجالهم وسبى ذراريهم، فقال النبي ﷺ: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات).\nفهذا اجتهاد منه ﵁.\nومن الأمثلة صلاة عمرو بن العاص بالناس وهو جنب بالتيمم مع وجود الماء خشيةً على نفسه من الهلكة، فقال له النبي ﷺ: (أصليت بالناس جنبًا يا عمرو؟! فقال: قد رأيت الله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] فأقره النبي ﷺ على اجتهاده).\nوكذلك: عمار بن ياسر عندما تمرغ في التراب جهلًا منه بكيفية التيمم، فلم يقره النبي ﷺ على الكيفية.\nوكذلك حديث الرجلين اللذين سافرا- وهو في السنن وفي الصحيح- ففقدا الماء فتيمما ثم صليا الفرض، فلما سارا وجدا الماء، فقال أحدهما: إذا حضر الماء بطل التيمم، فتوضأ مرة ثانية وأعاد الصلاة، وأما الآخر فقال: إني قد صليت وأديت ما علي فلا أصلي مرة ثانية، فذهبا إلى رسول الله ﷺ فأقر رسول الله الاثنين، فقال للذي اكتفى بالتيمم: قد أصبت السنة؛ لأنه عمل بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]، وقال للآخر: لك الأجر مرتين؛ وذلك لأن الصلاة الثانية حسبت له نافلة؛ لأنه قد أدى الفريضة بالتيمم.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الاجتهاد في عصر الخلفاء الراشدين</span>\nوالحاصل أن كثيرًا من الصحابة قد اجتهد في عصر رسول الله ﷺ، فمنهم من أقر ومنهم من أنكر عليه.\nلكن هل حدث خلاف بعد موت رسول الله؟ فما من زمن يأتي بعد رسول الله إلا والذي بعده شر منه، فلابد أن يحدث الخلاف، لكن لرحمة الله بالأمة فقد جعل الخيرية في القرون المفضلة بعده ﷺ؛ وذلك أن الخلاف ضاق جدًا في عصر أبي بكر، وضاق جدًا في عصر عمر، ثم توسعت الخلافات بين العلماء في عصر الصحابة بعد عمر بن الخطاب.\nوالسبب في ذلك: أن أبا بكر ﵁ وأرضاه كان في المدينة وكان الصحابة جميعهم مع أبي بكر في المدينة، وكذلك الأمر بالنسبة لـ عمر بن الخطاب، فإذا عمت المسألة نظر أبو بكر في كتاب الله وسنة النبي ﷺ.\nفائدة: هل يقال: كتاب الله وسنة نبيه، أم يقال: كتاب الله ثم سنة نبيه؟ والصحيح الراجح: أن الوحيين معًا، فتقول: انظر في كتاب الله وسنة النبي، وهو الذي جرى عليه المحدثون عندما ضعفوا حديث معاذ، والذي يستدل به الفقهاء والأصوليون دائمًا: في أن كتاب الله هو الأول في الترتيب ثم سنة النبي ﷺ، (عندما بعثه إلى اليمن فقال: بم تحكم؟ قال: أحكم بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فإن لم أجد في كتاب الله أحكم بسنة النبي ﷺ) فكأنه جعلها مرتبة بعدية، فقال العلماء: هذا شاذ؛ لأن السنة والكتاب قرينان، فيحكم بكتاب الله وسنة النبي ﷺ.\nفالمقصود: أن أبا بكر كان ينظر في الكتاب والسنة، فإن وجد شيئًا اعتبر الأمر منتهيًا، وإن لم يجد جمع الصحابة فجلسوا إليه فتشاور معهم في حل إشكال هذه المسألة، فإذا كان لديهم علم من رسول الله وإلا اجتمعوا على رأي واجتهاد واحد، وسمي ذلك إجماعًا كما هو عند أهل الأصول.\nومثال ذلك: عندما جاءت الجدة إلى أبي بكر فقالت: يا أبا بكر! أين إرثي؟ فقال: إني لا أرى لك في كتاب الله أو سنة النبي ﷺ شيئًا، ولكن اذهبي حتى أستشير صحابة رسول الله ﷺ، فجمع الصحابة لذلك، فقال المغيرة بن شعبة: (قد سمعت رسول الله ﷺ يورث الجدة السدس)، ووافق محمد بن مسلمة المغيرة على ذلك، فقضى أبو بكر لها بالسدس عملًا بسنة النبي ﷺ.\nوكان عمر بن الخطاب يجمع الصحابة حوله، ويحرم عليهم الخروج من المدينة، فإذا أشكلت المسألة قال لهم: هل يحفظ أحدكم في هذه المسألة حديثًا عن النبي ﷺ؟ وقد اختلفوا مرة في مسألة الجنين، يعني: إذا ضرب رجل امرأة وفي بطنها جنين فمات، فما الحكم؟ أقول: قد خفي الحكم في هذا على عمر، فجمع الصحابة جميعًا فقال: ما الحكم في الجنين؟ فقام المغيرة بن شعبة وقال: (يا أمير المؤمنين! قد رأيت رسول الله ﷺ يجعل في الجنين الغرة) فنزل عمر على كلام المغيرة، وبهذا ضاق الخلاف بينهم.\nثم بعد ذلك جاء عثمان فانتقل الصحابة إلى الأمصار، فذهب ابن مسعود إلى الكوفة، وذهب ابن عباس إلى مكة، فلما تفرق الصحابة في الأمصار عمت المسائل الجديدة، وأصبح من الواجب إيجاد حلول وأحكام لهذه المسائل الجديدة؛ لضرورة معرفة حكم الله في هذا الشيء.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>سبب الخلاف في أقوال النبي ﷺ وأحوال الصحابة معها</span>","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>من لم يبلغه الحديث فاجتهد وأصاب</span>\nفمنشأ الخلاف ابتدأ منذ تفرق الصحابة في البلدان كما سنبين إجمالًا ثم نفصل بعد ذلك، وقد كان جامع أصول الخلاف عند الفقهاء: هو قول النبي ﷺ أو فعله.\nولقول النبي حالات: منها أن يكون معللًا، أو أن يكون تعبديًا.\nوقول النبي ﷺ بالنسبة للصحابة له أحوال: فصحابة بلغهم قول النبي ﷺ، وصحابة لم يبلغهم قول النبي ﷺ، وصحابة بلغهم قول النبي ﷺ لكنهم لم يفهموه على وجهه.\nفمثال من لم يبلغه حديث النبي ﷺ: ما حصل لـ ابن مسعود ﵁ في الكوفة، فقد جاءه الناس فقالوا: يا ابن مسعود! امرأة مات عنها زوجها بعد أن عقد عليها ولم يسم لها المهر فما حكمها؟ فنظر ابن مسعود في ذلك فاشتد عليه الأمر، وقال: إليكم عني! فإني لم أجد فيها سنة عن النبي ﷺ، فتركهم.\nثم جاءوا في اليوم الثاني فقالوا: يا ابن مسعود! إن لم نسألك أنت فمن نسأل؟ فقد علموا لمن يرجعون، فلا يرجعون إلا لأهل العلم المدققين المتقنين المحققين، ولا يأخذون بقول أي أحد، بل يأخذون العلم من أهله، وفي زماننا هذا اختلط الحابل بالنابل، واختلط العالم بالواعظ والداعية، واختلط طالب العلم المدقق بغيره من أشباه طلاب العلم.\nوالمستفتون مسئولون أمام الله عن الذي يختارونه للسؤال؛ لأن المقلد لا يسأل أمام ربه عن الفتوى، ولكنه يسأل عن اختياره للمفتي، ولكم أن تنظروا إلى الناس في قرون الخيرية، فلم يذهبوا إلا لصحابة رسول الله، مع أن التابعين في هذه العصور كانوا من أدق الناس نظرًا في أدلة النبي ﷺ، لكن إذا كان الصاحب موجودًا فإنه لا يرجع إلا إليه؛ لأنه أفقه وأعلم وأدق نظرًا في كلام الله وكلام الرسول.\nفقالوا: يا ابن مسعود! إن لم نسألك أنت فمن نسأل؟ فقال: إليكم عني! فإن الأمر خطير، فجاءوه في اليوم الثالث فقال: لم أجد فيها سنة فسأجتهد فيها برأيي، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، ثم قال: لها المهر كاملًا ولها الإرث، وعليها العدة أربعة أشهر وعشرًا.\nفنزلها منزلة الزوجة المدخول بها، إذ إن المطلقة قبل الدخول بها يثبت لها نصف المهر فقط.\nفقام رجل فقال: يا ابن مسعود! والله لقد حكم رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق مثل ما حكمت.\nفخر ابن مسعود ساجدًا وقال: ما فرحت بشيء فرحي بموافقتي لرسول الله ﷺ.\nإذًا: فالصنف الأول: هو من لم يبلغه حديث النبي ﷺ، فاجتهد برأيه في المسألة، فوافق فيها رسول الله ﷺ.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>من لم يبلغه الحديث فاجتهد فأخطأ</span>\nوالصنف الثاني: هو من لم يبلغه حديث النبي ﷺ فاجتهد برأيه في المسألة فخالف فيها رسول الله ﷺ: ومن أمثلة ذلك أبو هريرة ﵁ وأرضاه؛ فإنه استفتي في الصائم يصبح جنبًا، أي: رجل جامع أهله في ليل رمضان كما أباح الله له، فما اغتسل من الجنابة إلا بعد صلاة الفجر، فلما سئل أبو هريرة عن هذا أفتى بسقوط الصيام ولزوم القضاء عليه.\nفجعل أبو هريرة الطهارة شرطًا في الصيام، فخالف بذلك حديث النبي ﷺ عن عائشة: (أن رسول الله ﷺ كان يصبح جنبًا وهو صائم فيغتسل ويتم صومه)؛ فدل هذا الحديث على أن الطهارة ليست شرطًا في الصيام، واستثنيت من ذلك مسألة الحيض؛ لثبوت الدليل فيها.\nفهنا اجتهد أبو هريرة برأيه لعدم علمه بهذا الحديث فخالف بذلك حديث رسول الله، ثم بعد ذلك رجع، وقال: أرجع إلى حديث النبي ﷺ.\nومن هؤلاء الذين لم يبلغهم حديث النبي ﷺ فاجتهدوا وخالفوا النص الصحيح ثم رجعوا، عبد الله بن عمرو بن العاص أو ابن عمر، والشك مني، فقد كان يأمر كل امرأة لها ظفائر إذا أرادت أن تغتسل أن تحل هذه الظفائر، فكان يأمر النساء أن ينقضن شعورهن أو ظفائرهن عند الاغتسال.\nفبلغ ذلك عائشة، وكانت عائشة شديدة على الذي يخالف السنن، وهذا لا يعاب على الشديد، لكن ينبغي له أن يكون شديدًا متأدبًا.\nفقالت عائشة: (أما أمر ابن عمر النساء أن يحلقن رءوسهن؟ والله لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ، فكان يكفيني أن أحثو ثلاث حثيات على رأسي، أو قالت: وكنت أفرغ ثلاث إفراغات على رأسي ولا أنقض شعري).\nفاستدلت بهذا الحديث على عدم وجوب نقض المرأة ظفائر شعرها إذا هي اغتسلت، ووجه الدلالة من هذا الحديث: هو إقرار الرسول ﷺ، فإن الرسول ﷺ رأى عائشة وهي تفرغ الماء على شعرها فلم يقل لها انقضي هذه الظفائر، فإقرار النبي لها يدل على الجواز.\nفلما بلغ هذا الدليل ابن عمر فرجع إلى قول عائشة ﵂ وأرضاها.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>من بلغه الحديث فلم يعمل به لعدم ثبوته عنده</span>\nالصنف الثالث: هو من بلغه الحديث في المسألة لكنه لم يفهمه على مراده أو لم يثبت هذا الحديث عنده: مثال ذلك: عمر بن الخطاب: فقد كان يذهب إلى أن المطلقة ثلاثًا تثبت لها النفقة والسكنى، فإذا أراد زوجها أن يرجع إليها لزمه أن يتزوج بها غيره وأن يدخل بها ثم يطلقها بعد ذلك؛ لقوله ﷺ: (لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)، إذًا: فلابد أن يطأها الآخر، وهذا هو الراجح الصحيح.\nوقد جاءت فاطمة بنت قيس إلى عمر فقالت: (يا أمير المؤمنين! إني قد طلقني زوجي فبت طلاقي -تعني: طلقني ثلاثًا- فلم يجعل النبي ﷺ لي سكنى ولا نفقة)، فقال عمر بن الخطاب: والله لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لامرأة لا ندري أنسيت أم تذكرت.\nوهذا يدل على الفهم الصحيح لقول النبي ﷺ: (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة).\nوزيادة: (ولا سنة نبينا)، لا تصح؛ لأن في إسنادها رجلًا هالكًا، والذي ثبت عن عمر بالسند الصحيح هو قوله: (والله لا نترك كتاب ربنا لقول امرأة لا ندري تذكرت أم نسيت)، وهو يشير إلى قول الله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦].\nفهو استنبط من هذه الآيات وجوب النفقة والسكنى للمبتوتة على الزوج، ورد حديث فاطمة بنت قيس، وكأنه شكك في صحة ثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ.\nوالمحدثون لا يأخذون بهذا، ولا تضعف أحاديث المرأة بهذه الأقوال أبدًا، بل إن فاطمة بنت قيس كانت من أحفظ الصحابيات ﵂ وأرضاها، فقد حفظت حديث الدجال من فم رسول الله ﷺ مرة واحدة قاله على المنبر، وذلك عندما صعد على المنبر فابتسم وقال: (إن تميمًا الداري حدثني).\nوالعلماء يلغزون بذلك ويقولون: كل الصحابة حدثوا عن رسول الله إلا فلانًا فإنه حدث عنه رسول الله، وهو: تميم الداري، فقد قال النبي ﷺ: (حدثني تميم الداري بحديث أعجبني كنت قد حدثتكم به)، ثم ذكر حديث الدجال الطويل، ومع ذلك فقد حفظته فاطمة ثم سردته للأمة بأسرها، فنحن نأخذ بقولها ونرد قول عمر الفاروق وزير رسول الله ﷺ؛ لأنه خالف قول النبي ﷺ.\nومن أمثلة الصحابة الذين بلغهم النص ولم يفهموه: عدي بن حاتم ﵁ وأرضاه: فقد بلغه قول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فأخذ خيطًا أبيض ووضعه تحت الوسادة، وأخذ حبلًا أسود ووضعه تحت الوسادة ثم نام، وكان كلما نظر إليهما لم يفرق بينهما فيأكل حتى طلعت الشمس ففرق بين الحبل الأسود والأبيض، فجاء إلى رسول الله فقال: (يا رسول الله! أكلت حتى طلعت الشمس، والله تعالى يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] فقال: أين وضعت الحبل؟ قال: تحت الوسادة، فقال: إن وسادك لعريض).\nوبعضهم يقول: إن هذه سبة من الرسول ﷺ له، وهذا خطأ على رسول الله، فرسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا.\nوالمقصود أن الخيط الأبيض: هو المستعرض في السماء كما بين النبي ﷺ، والخيط الأسود: هو طلوع الفجر المستطيل في السماء، فإذا ما قست السماء بالوسادة وشبهتها بها صارت الوسادة عريضة بذلك، وهذا معنى قول النبي ﷺ.\nفقد فهم هذا الصحابي النص على خلاف الصحيح، ثم بين له النبي ﷺ الفهم الصحيح، وبذلك محا الله هذا الخلاف في مسألة الصيام.\nفهذا منشأ الخلاف في قوله ﷺ.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>اختلاف الصحابة في حكم فعل النبي ﷺ</span>\nمنشأ الخلاف عند الصحابة في فعل النبي ﷺ: فبعض الصحابة فهم أن فعل النبي سنة وقربة لابد أن نعمل بها، وبعضهم يرى أن فعل النبي ليس بقربة، بل هو عادة من نوى بها الاقتداء به ﷺ أجر على ذلك، لكنها ليست بعبادة.\nمثال ذلك: عندما نزل النبي ﷺ بمكان بمكة اسمه الأبطح، فقد قال أبو هريرة: هذا النزول سنة، أي: أن كل من حج ورمى وأراد أن يرجع إلى بلده فعليه أن ينزل بالأبطح؛ لأنها سنة عن النبي ﷺ، وكذلك فهمه ابن عمر هذا الفهم، وكان أشد الناس تحريًا لسنة النبي ﷺ فكان ينزل بالأبطح.\nلكن عائشة لما سئلت قالت: لا والله ما نزل رسول الله ﷺ بالأبطح إلا وفاقًا لا قصدًا، يعني: وافق مكان نزول النبي ﷺ، فقد يكون تعب ثم نزل الأبطح لموافقته مكان راحته، فتبين من كلام عائشة أن هذا الفعل ليس بسنة، بل جاء ذلك وفاقًا لا قصدًا، وهذا هو الراجح.\nفالغرض المقصود أن الصحابة اختلفوا: هل فعل النبي يؤخذ على سبيل القربة أم الإباحة؟ فمن قال بالقربة اختلف مع من قال بالإباحة، وتفرع الخلاف هنا عند الفقهاء، فيقول مالك والشافعي مثلًا: إن هذا النزول في الأبطح سنة، ثم يأتيك الحنفي أو ابن حزم فيقول: ليس بسنة، فهذا الاختلاف منشؤه الاختلاف في فعل النبي ﷺ هل هو قربة أم لا؟ ومن ذلك أيضًا: أن ينظروا إلى فعل النبي هل هو خاص بالنبي أم لا؟ والذي جرى به قلم العلامة الشوكاني الجهبذ المجتهد المطلق، أنه إذا خالف الفعل القول فإن الفعل خاص.\nمثال ذلك: الشرب قائمًا، أو استقبال القبلة ببول أو غائط، فقد ثبت عنه ﷺ أنه استقبل القبلة ببول وغائط كما قال ابن عمر: (رقيت على بيت حفصة فوجدت رسول الله ﷺ يقضي حاجته مستدبر الكعبة مستقبل بيت المقدس)، وكان قد نهى عن ذلك رسول الله كما سنبين في التعارض، فقال الشوكاني: فعل النبي خاص به، وعندنا النهي العام سواء في المراحيض أو غير المراحيض، فمن استقبل أو استدبر فقد أثم.\nهذا كلام الشوكاني.\nوالشاهد من هذا: أنه يجعل فعل النبي خاصًا به، والجمهور يخالفونه فيرون أن الأصل في فعل النبي هو العموم؛ لأن الأحكام لا تتنزل خاصة بأحد إلا إذا دل الدليل على الخصوصية.\nإذًا: فالقاعدة تقول: إن كل قول وكل أمر وكل فعل فهو لعموم الأمة لا يمكن أن يختص به رجل من الأمة ولا حتى رسول الله إلا أن يدل الدليل على التخصيص.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>الاختلاف الفقهي الناتج عن الخلاف في حكم فعله ﷺ</span>\nومن أمثلة هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، إذ لو كان الفعل للنبي خاصًا به لما احتيج إلى قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠].\nثم تتفرع مسائل عن هذه المسألة: وهي فعله ﷺ هل هو على الوجوب أم على الاستحباب؟ وهل هو على التخصيص أم على العموم؟ فهذا خلاف في الأصل يتفرع عليه الحكم الفقهي.\nإذًا: فخلاف القول خلاف للفعل.\nالثالث: خلاف القول من ناحية العلة: فيقولون: هذا القول معلل أو هذا القول غير معلل، فيتفرع عن ذلك الخلاف الفقهي، مثال ذلك: غسل الإناء من ولوغ الكلب، قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا أولاهن بالتراب)، فهل ينطبق حكم الإناء على الثوب فيغسل سبع مرات ويعفر الثامنة بالتراب؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أن العلماء اختلفوا في علة هذا الحكم -وهو الغسل سبعًا من ولوغ الكلب- فقالت المالكية والأحناف: نغسله سبعًا لعلة النجاسة، والزيادة في الغسل على المرة والمرتين مستحبة.\nوقال الشافعي وأحمد: بل نغسله سبع مرات وجوبًا؛ لعلة التعبد فقط؛ لأن النجاسة أصل واحد، فكونه أمر بهذه الزيادة في الغسل دل ذلك على أن المسألة تعبدية محضة، ومن هنا نشأ الخلاف الفقهي في هذا الحديث: هل هو معلل أم متعبد به؟ والصحيح الراجح: أنها مسألة تعبدية، فلابد من غسل الإناء سبعًا وتعفيره الثامنة بالتراب.\nأما الصنف الثاني من مسألة التعليل فيقولون: هو معلل، لكن يختلفون في ضابط العلة، وهل هي علة أم لا؟ مثال ذلك: الاختلاف في علة الربا، فقد قال بعض الفقهاء بالقياس على الأصناف الستة في الربا، وهي: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والملح بالملح، والشعير بالشعير، فلابد في هذه الأصناف من التقابض يدًا بيد ومن التماثل.\nفهذه أصناف ربوية لا يصح فيها التبادل إلا يدًا بيد، فلابد من الحلول في المجلس والتساوي إذا اتفقا في الجنس كذهب بذهب، وإذا اتفقا في الجنس واختلفا صفة كأن كان هذا ذهبًا مكسرًا محروقًا والآخر نظيفًا مصنوعًا بأرقى المواصفات فلابد من التساوي.\nأما إذا اختلفا في الجنس كالذهب والفضة فلا بد أن يكون يدًا بيد، ويجوز التفاضل، فلو أتيت بمائة كيلو من الفضة مع كيلو من الذهب فإنه يجوز بشرط أن يكون يدًا بيد، وأيضًا في البر والشعير.\nفالغرض المقصود: أن بعض العلماء قاسوا على الأصناف الستة غيرها فأدخلوها فيها، وهؤلاء الذين قالوا: بأن هذا الحديث معلل، أي: له علة.\nأما ابن حزم وابن عقيل من الحنابلة فقد قالا: بأن هذه الأصناف تعبديه فلا يقاس عليها شيء.\nثم اختلف القائلون بالعلة في ضبط العلة، فالأحناف مثلًا والحنابلة يرون أن العلة في الذهب هي الوزن، ومفاد العلة بالوزن أن الحديد بالحديد لا يصح بيعه إلا كيلو بكيلو.\nوهذا غلط، والصحيح الثمنية.\nوالشافعية والمالكية يرون أنها علة أخرى، وليس هذا باب النظر فيها، لكن الغرض المقصود: أنهم اختلفوا في قول النبي هل هو معلل أم متعبد به؟ فنشأ من هنا الخلاف الفقهي بين العلماء على هذا الأصل الفقهي، فهذا هو الصنف الثاني.\nومن هذا أيضًا: الاختلاف في علة القيام للجنازة، فبعض العلماء يرون أن القيام للجنازة منسوخ، وهذا ليس بصحيح، بل الراجح: أنه ليس بمنسوخ، لكن المدققين نظروا في القيام للجنازة فقالوا: نريد أن نعرف ما هي العلة حتى نقوم أو نقعد؟ فقال بعضهم: العلة في القيام: هي احترام الملائكة، وقد جاء بسند صحيح في سنن النسائي: (أن النبي ﷺ مرت عليه جنازة يهودي فقام، فقالوا: يا رسول الله! إنه يهودي، فقال: تحفه الملائكة أو قال: تصحبه الملائكة)، فهي إشارة من النبي أن القيام كان تعظيمًا للملائكة، وبعضهم يجري ذلك إلى جواز القيام للمعظم وللعالم الجليل وللأب وللأم، خلافًا لما ذهب إليه بعض أهل الظاهر والألباني ﵀ في عدم جواز القيام، وهذه المسألة ستأتي إن شاء الله.\nوجاء في رواية أخرى في سنن أبي داود وسنن النسائي أيضًا بسند صحيح: (لما مرت الجنازة على النبي ﷺ وقام فقالوا: يا رسول الله! إنه يهودي فقال: إن للموت فزعًا)، أو كما قال ﷺ، والمعنى: أنه قام تعظيمًا وتذكيرًا بأمر الموت، فهو يستحضر في قلبه الموت وسؤال الملك، فإن سيسأله ويقول: من ربك؟ ما دينك؟ والصحيح الراجح في هذا: هو الجمع بين العلتين.\nوقد ورد أيضًا أن الحسن لما مرت عليه جنازة لم يقم، فاعترضوا عليه وقالوا: مرت جنازة على رسول الله فقام وكانت جنازة يهودي، فقال الحسن: قام رسول الله خشية أن تعلو جنازة اليهودي رأسه ﷺ.\nوفي هذا دلالة: على أن أهل الإسلام لا يقربون إلا أهل الإسلام، ولذلك كان عمر يقول: كيف تقربوهم وقد أبعدهم الله؟ فـ الحسن يقول: مرت الجنازة من فوق رأس رسول الله ﷺ فخشي ذلك فقام؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، والصحيح الراجح: هو الجمع بين العلل، فإنه يجوز أن تقوم، ويجوز ألا تقوم، وهذا شاهد لنا بأن الفقهاء اختلفوا عند النظر في تعليل الدليل.\nفالغرض المقصود بهذا الصنف الثالث هو الاختلاف في العلة.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>مسألة تعارض الأدلة والجمع بينها</span>\nالصنف الرابع: تعارض الأدلة: فقد نتج عنه أيضًا اختلاف بين الفقهاء، وقد يقع التعارض بين القول والقول، أو بين القول والفعل، وقد نظر العلماء إلى هذا التعارض فوجدوا التعارض في القول والفعل، فاختلفوا في الأحكام الفقهية نظرًا لهذا التعارض.\nويجب أن نعلم أولًا: أنه لا يجوز لأحد أن يقول: إن كلام النبي ﷺ متعارض، أو إن كلام الله متعارض والعياذ بالله، فقد خرج كله من مشكاة واحدة، لكن التعارض كما قال ابن حجر وقرره قال: التعارض حاصل في نظر المجتهد وليس التعارض في قول النبي ﷺ.\nفالعلماء ينظرون في الأدلة التي ظاهرها التعارض فيقولون: نجمع بين القولين، أو نرجح، أو ننظر في الناسخ والمنسوخ، وهذا منشأ الخلاف عند الفقهاء، فمنهم من يعرف طريقة الجمع، ومنهم من لا يستطيع فيرجح، ومنهم من ينظر إلى الناسخ والمنسوخ، فينشأ بالتالي الخلاف الفقهي بين العلماء.\nمثال ذلك: أن النبي ﷺ كما في حديث أنس: (مر على رجل يشرب قائمًا فقال له: تريد أن يشرب معك الهر؟)، قال: (تريد أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: يشرب معك من هو أشر من الهر الشيطان)، ففي هذا دلالة على النهي الأكيد؛ لأن الشيطان يشرب معك.\nوفي رواية أخرى في السنن بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (من شرب قائمًا فليستقئ)، وهذه دلالة أخرى: على شدة الحرمة، فهذا قول.\nثم جاء عن النبي ﷺ بعد ذلك أنه شرب قائمًا: (فقد شرب النبي من شن معلقة -من قربة معلقة- قائمًا، وشرب من ماء زمزم وهو قائم).\nفهذه أدلة ظاهرها التعارض، فقد ثبت من فعله أنه شرب قائمًا، وثبت من قوله أنه نهى عن ذلك، ومن هنا نشأ الخلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: الحاظر يقدم على المبيح، فنرجح ونقول: بأن النهي هو الذي يعمل به، وبالتالي فلا يجوز أن يشرب قائمًا.\nوقال الشوكاني: بل يكون فعله خاصًا به ويبقى النهي على عمومه.\nومنهم من يقول: إن القاعدة عند العلماء: أن إعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما، وأن إعمال الكلام خير من إهماله، فيكون النهي عن الشرب قائمًا مصروفًا من التحريم إلى الكراهة، وقد يفعل النبي المكروه تبيينًا للأمة وتشريعًا لها وكأنه يقول: من شرب قائمًا فليس بآثم، لكنه مكروه فلا يكثر منه.\nومثال ذلك أيضًا: البول قائمًا، فقد ورد النهي عنه وورد الجواز فيه بالفعل، ففي سنن الترمذي عن عبد الكريم بن أبي المخارق: (أن عمر بن الخطاب بال قائمًا فنهاه النبي ﷺ عن ذلك، قال: فما بلت قائمًا منذ أمرني رسول الله ﷺ أو منذ نهاني رسول الله ﷺ)، وهذا الحديث ضعيف؛ وعلته: ابن أبي المخارق، فهو ضعيف ضعفه المحدثون فالسند ضعيف، لكنه جاء بسند صحيح عن عائشة أنها قالت: ما بال رسول الله قائمًا قط، ومن حدثكم أن رسول الله ﷺ بال قائمًا فقد كذب أو أخطأ.\nفهذه الآثار تدل على النهي عن التبول قائمًا.\nلكنه جاء في الصحيح عن المغيرة بن شعبة قال: (أتى رسول الله ﷺ سباطة قوم فبال قائمًا) والسباطة: هي المزبلة.\nفهذه الأدلة ظاهرها التعارض، ومن هنا نشأ الخلاف بين العلماء: فبعضهم يقول بحرمة البول قائمًا، وبعضهم يقول بالجواز؛ لأن أصل الخلاف ورد في فهم فعل النبي ﷺ عند تعارض الأدلة.\nونحن نقول: الراجح الصحيح هو التفصيل؛ فإن كان على أرض صلبة فلا يجوز له أن يبول قائمًا؛ لأن الرذاذ سيرجع على ثوبه، فلا يصح أن يبول قائمًا في المراحيض الموجودة الآن لصلابتها، إلا إذا أمن الرذاذ أن يرجع عليه، أما إذا كانت الأرض رخوة كالسباطة فيجوز له أن يبول قائمًا، والأصل: هو البول قاعدًا، وهذا هو الصحيح.\nفالغرض المقصود: أن منشأ الخلاف جاء في فعل النبي ﷺ عند التعارض بين القول والفعل أو بين الفعل والفعل.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>معرفة الناسخ والمنسوخ وأثر ذلك على الخلاف الفقهي</span>\nثم يأتي بعد ذلك النسخ: ومثال ذلك: نكاح المتعة، والشيعة يقولون بجوازه أخذًا بقول ابن عباس.\nأما جمهور العلماء فيقولون بحرمته؛ لأن نكاح المتعة كان مباحًا في أول الإسلام ثم نسخه النبي ﷺ وحرمه بعد ذلك، إلى الأبد، يعني إلى يوم القيامة.\nوالحقيقة أن ابن عباس لم يقل بجواز المتعة مطلقًا، لكنه أجازها عند الضرورة، فإنه لما استفتي في هذه المسألة قال: هي كالميتة، يعني تجوز عند الضرورة.\nويجوز للرجل الذي يعيش في الخارج وخشي على نفسه الوقوع في الزنا أن يتزوج زواجًا بنية الطلاق، فإن عقد النكاح بهذه الصورة يكون صحيحًا بشرط أن تكون من أهل الكتاب، لكن هذا الزواج ليس من المروءة في شيء.\nفالغرض المقصود: أن ابن عباس لم يعلم بالناسخ، ولكنه ضيق في زواج المتعة فلم يبحها إلا عند الضرورة، وقد سأله علي بن أبي طالب فقال: تفتي بالمتعة؟ قال: نعم، فقال: إنك رجل تائه.\nفغلظ عليه القول لأنه دين الله تعالى؛ ولذلك فإن بعضهم يعيب علينا عندما نقول: إن قول الشيخ الفلاني والعلاني لا يعتبر لأنه خالف قول النبي ﷺ، فهذا ابن عباس الذي احتضنه رسول الله ﷺ وقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، والذي كان يقدمه عمر بن الخطاب على كثير من الصحابة، يقول له علي بن أبي طالب معنفًا: إنك رجل تائه، إن رسول الله حرم نكاح المتعة يوم خيبر.\nليس هذا فحسب، بل عن عبد الله بن الزبير -والذي كان خليفة للمسلمين بالمبايعة لولا ما فعله الحجاج به- فقد قام مرةً خطيبًا في الناس فقال: مالي أرى أناسًا قد أعمى الله بصائرهم كما أعمى أبصارهم -يعرض بـ ابن عباس، وقد كان عمي في آخر عمره- قال: يفتون بالمتعة، والله لأنكلن بمن يقول ذلك.\nفقام ابن عباس وسط الخطبة وقال: مالي أراك جلفًا جافيًا كالأعراب -أي: غليظًا- فقال: افعلها! فوالله الذي لا إله إلا هو لأرجمنك بأحجارك.\nوالحق: أن ابن عباس كان مجتهدًا في ذلك، والمشاجرة الكلامية بين عبد الله بن الزبير وابن عباس لا تفسد للود قضية أبدًا، وإنما نقلناها حفاظًا على آثار السلف رضوان الله عليهم أجمعين.\nفالغرض المقصود أنه عندما لا تبلغ العلماء والفقهاء مسألة الناسخ والمنسوخ اختلفوا في الحكم الفقهي.\nوهذا يبين لك أهمية التأصيل العلمي لمثل هذه المسائل، فإن التفصيل هو الذي يجعل الإنسان يعلم كيف يصدر العلماء هذه الأحكام من الأدلة، ونحن سنتكلم في مسائل كمفهوم المخالفة، والقياس، والمصالح المرسلة، والإجماع، فمثلًا: هل من المتصور وقوع الإجماع بعد عصر الصحابة؟ مثال ذلك: مسألة الذهب المحلق التي عارض فيها فقهاء عصرنا الشيخ الألباني فقيل له: خالفت الإجماع، فرد عليهم: بأن الإجماع غير متصور بعد عصر الصحابة، واستدل بقول الإمام أحمد: وما يدريك لعل الناس قد اختلفوا.\nوسنبين هذه المسائل التي هي محل خلاف بين فقهائنا وأصل منشأها، فإن أصلها يعود إلى الكلام عن الإجماع والقياس ومفهوم المخالفة وما أشبه ذلك.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيرًا.","vol":"1","page":23},{"text":"الاختلاف في القواعد الأصولية -<span data-type=\"title\" id=toc-24> التشريع ومصادره في عهد الرسول</span>\nللخلاف بين العلماء أسباب كثيرة، منها: الاختلاف في القراءات، فكل يستدل بقراءة معينة على الحكم الذي يراه، ومن أسبابه: الاختلاف في السنة، وله أسباب منها: عدم الاطلاع على الحديث، والاختلاف في ثبوته ونحو ذلك.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>الاختلاف في القراءات وأثره في الاختلاف في المسائل الفقهية</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد.\nفإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد.\nإن أفضل الأصول الذي يحتج به كل إنسان يشتم رائحة العلم هو كتاب الله جل في علاه، ثم سنة النبي ﷺ.\nفأصل الأصول هو الكتاب، وقد اتفق العلماء على أن القرآن هو كلام الله المبين الحاكم على عباده، فما اختلف العلماء في الكتاب، ولكن اختلفوا في أمر آخر مهم جدًا ألا وهو: فهم دلالات الكتاب، وفهم المراد من كتاب الله جل في علاه، وفهم ما هو مراد الله من الآية أو من الحكم الشرعي.\nواختلفوا أيضًا في القراءات، أما بالنسبة للاختلاف في الدلالات فسيأتي؛ لأن بابها واسع جدًا.\nالاختلاف في القراءات قد صح عن نبينا ﷺ أنه قال: (أتاني جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تأمر أصحابك -أو أمتك- أن يقرءوا القرآن على حرف، فقال النبي ﷺ: أسأل الله المعافاة! إن أمتي لا تطيق ذلك، فجاءه جبريل في المرة الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تأمر أمتك أن يقرءوا القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله المعافاة! إن أمتي لا تستطيع ذلك، فقال: إن الله يأمرك -في المرة الثالثة- أن تأمر أصحابك -أو أمتك- أن يقرءوا القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله المعافاة! فجاءه في الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تأمر أمتك أن يقرءوا القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا، أو فمن قرأ بها فقد أجزأته).\nفالقرآن نزل على سبعة أحرف، وكل حرف يختلف عن الآخر؛ ولذلك نجد في بعض الروايات أن الله ﷿ يقول: «فتثبتوا» وفي قراءة أخرى تقرأ: (فَتَبَيَّنُوا).","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الاختلاف في مسألة غسل الرجل في الوضوء</span>\nوالاختلاف في فهم القراءات أثمر خلافًا في المسائل الفقهية، مثال ذلك: مسألة غسل الرجل في الوضوء، فنتيجة لأن العلماء اختلفوا في القراءات أثمر ذلك الاختلاف في حكم غسل الرجل أو مسحها، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] هذه قراءة نافع والكسائي وأبي عمرو، وأما ابن كثير وحمزة فقرأا: «وامسحوا برءوسكم وأرجلِكم» بالكسر فالقراءة المعهودة المعروفة عند المصريين: «وَأَرْجُلَكُمْ» بالفتح فتكون معطوفة على «فَاغْسِلُوا وجُوهَكُم» أي: معطوفة على الغسل.\nأما القراءة الثانية، وهي قراءة سبعية، وصلت إلينا بالتواتر، أي: أنها متفق عليها، فقرأت: وأرجلِكم، فتكون معطوفة على المسح، وبذلك نبع من الاختلاف هذا في القراءة اختلاف الفقهاء في الحكم الفقهي.","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>حكم غسل الرجل في الوضوء</span>\nفالجمهور من أهل العلم يرون أن غسل الرجل هو الوارد، وهو الذي يجب، ومعنى ذلك أن المسح عندهم لا يجزئ؛ لأن الواجب معناه هو الذي يجزئ وهو الذي يقبل، واحتجوا بالقراءة المشهورة: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ» [المائدة:٦] وعضد ذلك الاستدلال أحاديث كثيرة، منها حديث النبي ﷺ عندما كانوا في سفرة؛ فنظر إلى أقوام يتوضئون فكانوا يمسحون على أرجلهم، فصرخ فيهم النبي ﷺ قائلًا: (ويل للأعقاب من النار) فهذه دلالة على أن المسح لا يجزئ.\nالقول الثاني: قول من أخذ بالقراءة الثانية وهي قراءة: (وأرجلِكم)، وهو قول ذهب إليه أنس بن مالك وابن عباس، وهو قول الشيعة، فقالوا: الواجب هو المسح، ولا بد أن يقولوا: إن الغسل يجزئ؛ لأن الغسل يشمل المسح.\nالقول الثالث: لـ ابن جرير الطبري، فقد نظر إلى القراءتين فقال: المصلي مخير بين أن يغسل وبين أن يمسح، وهذا كلام جيد جدًا، وهو من الحسن بمكان؛ ذلك لأنه يعضد القاعدة التي قعدها العلماء: إعمال الدليلين أولى من إعمال أحدهما، لكن يشكل عليه حديث النبي ﷺ: (ويل للأعقاب من النار)؛ لأنه لم يرض بالمسح.\nالقول الرابع: قول ابن حزم، وهو قول عجيب، فقد قال: إنه يجب على المصلي الغسل والمسح، ولا بد أن يجمع بين الغسل وبين المسح، وحجته في قوله أن الله جل وعلا أمر بالغسل وأمر بالمسح، ففي القراءة الأولى أمر بالغسل في قوله: «وَأَرْجُلَكُمْ»، وفي القراءة الثانية أمر بالمسح، وكلا الأمرين من الله، وهذا القول قريب من كلام ابن جرير.\nولكن الأصل إذا تعارضت القراءات في حكم من الأحكام، أو كان ظاهرها التعارض، فإنه لا بد لنا من الرجوع للسنة والمرجحات.\nومن الأدلة التي تعضد وجوب الغسل: أن جميع الذين رووا ونقلوا صفة وضوء النبي ﷺ قالوا: (فغسل رجله ثلاثًا)، وفي حديث عثمان المتفق عليه قال: (فغسل رجله إلى الكعبين) ولم يذكر ثلاثًا ولا واحدة.\nفالغرض المقصود أن كلًا من زيد أو أسامة أو علي بن أبي طالب أو عثمان أو أنس، وكل من روى لنا وصف وضوء النبي ﷺ ما قال أنه قد مسح على رجله مرة واحدة، إذًا فعل النبي ﷺ المداوم عليه دل على أن الواجب هو الغسل.\nلكن الأصل في الفعل أنه لا يفيد الوجوب، ولكن الفعل هنا يفيد الوجوب للقاعدة التي تقول: بيان الواجب واجب؛ لأن النبي ﷺ لما بين لنا الوضوء قد بين لنا ما أوجب الله علينا، والقاعدة عند العلماء: بيان الواجب واجب.\nوالواجب هو قول الله تعالى: «فَاغْسِلُوا» وهذا لفظ أمر، وظاهر الأمر الوجوب، فأوجب علينا الغسل، والقراءة الثانية أوجب المسح، فلو كان المسح هو المراد لمسح مرة واحدة ليبين لنا الجواز؛ لأنه لما حرم الشرب قائمًا شرب هو قائمًا؛ ليبين لنا أن هذه ليست على التحريم ولكنها على الكراهة.\nأما الإجابة عن القراءة الثانية فهي من وجوه: الوجه الأول: أن القراءة بالجر جاءت للجوار، فالجر هنا للجوار، وهذه معروفة في اللغة وفي أشعار العرب؛ بل ورد في القرآن جر ما حقه الرفع من أجل الجوار، قال الله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن:٣٥]، وقد ورد في القراءة السبعية الأخرى: (يرسل عليكما شواظ من نارٍ ونحاسٍ)، مع أن النحاس مختلف، فقالوا: الجر هنا للمجاورة، والأصل فيها الرفع، وهي القراءة المشهورة: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن:٣٥] فلما جرت في القراءة الثانية جرت للمجاورة.\nالوجه الثاني: أن قراءة: (وأرجلِكم) خاصة بالخف؛ لأن النبي ﷺ كما في حديث صحيح عن المغيرة بن شعبة: (قام فبال على سباطة قوم قائمًا، ثم توضأ، فلما توضأ أهوى المغيرة لينزع خف النبي ﷺ فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، ثم مسح على خفيه) فتكون (وأرجلكم) عطفًا لبيان جواز المسح على الخفين.\nوالرد على كلام ابن جرير الطبري الذي يقول: يجوز الأخذ بالقراءتين: بأنه لو كان صحيحًا لفعله النبي ﷺ، لبيان الجواز، ولو كان يجزئ المسح لبينه، ولما أنكر على من مسح وقال: (ويل للأعقاب من النار).","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>الخلاف وأسبابه وبعض أمثلته</span>\nالسنة حدث فيها خلاف، فقد نجم خلاف بين الفقهاء والعلماء في السنة: إما في فهم مراد الرسول ﷺ، وإما لعدم الثبوت، وإما لعدم الاطلاع.","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>عدم الاطلاع على الحديث</span>\nأولًا: عدم الاطلاع على الحديث، فبعض الصحابة كانوا يجلسون حول رسول الله، ويكتبون عنه الحديث، وبعضهم كان يعمل وينشغل بالتجارة والزراعة وغيرها.\nونتيجة لهذا فإن بعض الصحابة لم يدركوا أحاديث النبي ﷺ، ولم يحدثوا بأحاديث النبي ﷺ، فكانت تعرض عليهم المسائل فيخالفون أو يوافقون، أو أنهم ما كانوا يعرفون عن هذه المسألة شيئًا فيتفقون.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>خلاف العلماء في حكم تيمم الجنب</span>\nومن هذا تيمم الجنب، فإذا أجنب امرؤ فلم يجد ماءً فقد قال الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣] لكن عمر بن الخطاب ﵁ كان ينكر على الجنب الذي يتيمم إن لم يجد الماء، وكان يقول: إن لم يجد الماء فعليه أن يمتنع عن الصلاة عشر سنين، ووافقه في هذا القول ابن مسعود ﵁ وأرضاه، فقال: إذا أجنب المرء ولم يجد الماء فلا يتيمم ويبقى جنبًا، فلا يصلي حتى يجد الماء ثم يقضي.\nأي مشقة هذه؟! وهذا مخالف لمقاصد الشريعة، والذي جعل عمر بن الخطاب يفتي بذلك أنه لم يطلع على سنة النبي ﷺ، وقد وافقه ابن مسعود ﵁ وأرضاه.\nفاستنبط العلماء: أن من كانت عنده آلة الاجتهاد؛ فاجتهد وأقام العبادة على اجتهاده وإن كانت على خطأ فلا يعيدها، فقد أصاب أجرًا بذلك ولا يعيد الصلاة، ومن ذلك قصة عمار بن ياسر الذي تمرغ في التراب كما تمرغ الدابة؛ لأنه أجنب ولم يجد ماءً، فذهب إلى النبي ﷺ فقص عليه القصة، فأقره النبي ﷺ، وبعدما أقره قال: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا) ثم ضرب بيديه الأرض ومسح ظاهر كفيه ووجهه، وفي رواية: (نفخ التراب، ثم تمسح وجهك وتمسح كفيك، فيكفيك ذلك لكل بدنك) فقام عمار فقال لـ عمر -وكان عمر يفتي أنه لا تيمم من جنابة-: أما تذكر حين كنت جنبًا وقد حدث كذا وكذا وكذا فلم يتذكر عمر الواقعة، فقال عمار: إن أردت أن أكف عن هذا الحديث أكف، فقال له: لا والله! نوليك ما توليت.\nفالذي جعل هذا الخلاف يحدث بين الصحابة أنه لم يصل إلى عمر حديث النبي ﷺ.","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>خلاف العلماء في ميراث المفوَّضة</span>\nأيضًا علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه كان دائمًا ما يسأل عن المفوَّضة، والفرق بين المفوَّضة والمفوِّضة: أن المفوِّضة في العقيدة، والمفوَّضة في الفقه، فالمفوضة في العقيدة من الفرق الضالة، والإمام حسن البنا رحمة الله عليه كان يقول بالتفويض، وكثير من الإخوان يعتقدون بعقيدة التفويض، وهو أن يفوض الكيف ويفوض المعنى، بمعنى إذا قيل لك: ربك سميع، فماذا تعلم عن سميع؟ وما معنى سميع؟ أي: يسمع الأصوات والحركات والسكنات، وهم يقولون: نعم سميع، لكن لا نعلم ما معنى سميع، والذي نعرفه عن سميع أنه سين بجانب ميم بجانب ياء بجانب عين! وهكذا بقية الأسماء.\nأما المفوَّضة فهي المرأة التي عقد عليها زوجها ولم يسم مهرها، ومات عنها، فكان علي يقول: المفوضة التي مات عنها زوجها ليس لها شيء، أفتى بهذا؛ لأنه لم يصل إليه حديث النبي ﷺ في هذه المسألة، وهو حديث بروع بنت واشق، فقد مات عنها زوجها ولم يسم لها المهر؛ فجعل النبي ﷺ لها المهر، وجعلها ترث من زوجها.\nفالخلاف الذي بين الصحابة كان منشؤه أنه لم يطلع على حديث النبي ﷺ، فـ علي بن أبي طالب لا يريد أن يخالف حديث النبي الله ﷺ، لكنه اجتهد رأيه وخالف.","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>الخلاف في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها</span>\nومن الأمثلة أيضًا: عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، فكتاب الله قد فسر لنا العدد، قال الله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] أي: ثلاث حيضات، والحامل حتى تضع حملها قال تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر، قال تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، فإذا كان عندنا عدتان: عدة الحامل، وعدة المتوفى عنها زوجها، فنجمع بين الاثنين أن المرأة حامل ومات زوجها، فاختلف العلماء في حكمها، وهذا الخلاف نابع من عدم الاطلاع على الأحاديث.\nفننظر إلى الدليلين فنعملهما؛ لأن كل الأدلة خرجت من مشكاة واحدة، فإعمال الدليلين أولى من إهمال واحد منهما.\nفلذلك نظر علي بن أبي طالب وابن عباس في هذه المسألة فقالا: قال الله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، فللجمع بينهما قالوا: تعتد بأبعد الأجلين، فإن كانت حاملًا ومات زوجها مات فننظر: إن كانت حاملًا في الشهر الثاني فعدتها أن تضع؛ لأن هذا أبعد، وإذا كانت في الشهر الخامس فعدتها أربعة أشهر وعشر؛ لأنه أبعد الأجلين.\nوهذا الذي أفتى به علي وابن عباس، حتى إن أبا هريرة وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنكرا على ابن عباس، فتناظرا في هذه المسألة، فقال ابن عباس: تعتد أبعد الأجلين، ونعمل بالدليلين، فقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: لا والله! بل عندما تضع، أي: عدتها عندما تضع، فقال أبو هريرة: نبعث إلى أم سلمة حتى ننظر هل فيها سنة أم لا؟ فبعثوا إلى أم سلمة، فقالت أم سلمة ﵂ وأرضاها: إن سبيعة الأسلمية كانت حاملًا، ومات عنها زوجها، وما لبثت أن وضعت، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك وقال: تريدين النكاح يا لكع؟ لا والله حتى يبلغ الكتاب أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فجمعت عليَّ ثيابي فذهبت إلى رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ بعدما وضعت (قد حللت للنكاح)، وهنا فصل الخطاب بين الآيتين، فقد فصل النبي ﷺ وبين لنا مرجحًا من المرجحين، وهو أن المرأة الحامل التي توفي عنها زوجها عدتها أن تضع حملها، إذًا إذا كان عندنا امرأة حامل، مر عليها أربعة أشهر وعشر، واشتاقت للنكاح، فماذا نقول لها؟ نقول: الراجح في الخلاف أنها تنتظر إلى أن ترضع، فإذا وضعت حملنا عموم قول الله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤] على خصوص الحامل ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤].","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>الخلاف بين الصحابة في الربا</span>\nومن الأمثلة أيضًا: أنها حدثت خلافات بين فقهاء الصحابة -بسبب عدم الاطلاع- في الربا، فـ ابن عباس وزيد بن أرقم وأسامة بن زيد والزبير بن العوام يجعلون الربا في النسيئة فقط، ويقولون: إنه لا ربا إلا في النسيئة، ويحدثون بحديث النبي ﷺ: (لا ربا إلا في النسيئة)، واختلف معهم جماهير الصحابة على أن الربا عام: ربا نسيئة وربا فضل، وكان سبب الخلاف أنهم ما عرفوا بحديث عمر بن الخطاب ولا حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء) وقال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، ولا تشفوا بعضه على بعض) يعني: لا تزيدوا بعضه على بعض، ولا بد من التقابض في المجلس، فكان ابن عباس يفتي إلى آخر عمره أنه (لا ربا إلا في النسيئة)، أي أنه يجوز أن يعطي الدينار بدينارين، ويعطي الدينار بعشرة، ولكن لابد من التقابض في المجلس؛ لأن عنده النسيئة -وهو التأخير- هو المحرم، فطالما أنه كان التقابض في المجلس فيجوز أن تفعل ذلك بزيادة كيفما شئت، فقال له أبو سعيد الخدري: اتق الله، أما علمت رسول الله ﷺ يقول: (الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، سواء بسواء!) وروى ابن عبد البر: أن ابن عباس قد رجع عن قوله، ورجع أسامة.\nلكن الصحيح أن الذي رجع أسامة وزيد والزبير وابن مسعود، لكن ابن عباس اختلفت الروايات اختلافًا شديدًا هل رجع أم لم يرجع، ولذلك يقول ابن عبد البر في التمهيد سواء رجع ابن عباس أو لم يرجع فالحجة ليست في ابن عباس ولكن الحجة في السنة، وإذا لم يرد شيء عن رسول الله فنرجع إلى الصحابة، لكن الصحابة إذا قالوا خلاف قول النبي وجب الأخذ بقول رسول الله ﷺ.","vol":"2","page":10},{"text":"الاختلاف في القواعد الأصولية -<span data-type=\"title\" id=toc-34> الشك في ثبوت الحديث والاختلاف في فهم النص وتفسيره</span>\nللاختلاف بين العلماء أسباب كثيرة، فقد يكون بسبب عدم ثبوت الحديث عند بعضهم وثبوته عند الآخرين، وقد يكون سبب الاختلاف هو اختلافهم في فهم النصوص مع اتفاقهم على ثبوتها، أو بسبب أن اللفظ الواحد يحتمل أكثر من معنى، وغير ذلك، ولكل سبب أمثلة ذكرها الفقهاء والأصوليون.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>عدم ثبوت الحديث وأثره في اختلاف العلماء</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nما زلنا مع أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء، وقد انتهينا من الكلام على الاختلاف في القراءات، ثم الشك في ثبوت الحديث، وذكرنا أن هذه كلها من أسباب الخلاف وتكلمنا عن أثر عدم ثبوت الحديث عندهم في الاختلاف، وذكرنا من أمثلة ذلك حديث عمار بن ياسر مع عمر بن الخطاب في تيمم الجنب، وأن أبا موسى الأشعري قال لـ ابن مسعود: أوما وصلك حديث عمار بن ياسر؟ قال: أو ما علمت كيف رد عليه عمر؟ وعمر رد على عمار بقوله: (نوليك ما توليت) ولم يتذكر القصة.","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>خلاف العلماء في حكم القضاء على من أفطر ناسيًا</span>\nمن أمثلة الاختلاف في ثبوت الحديث وعدمه: الصائم إذا شرب أو أكل في صومه نسيانًا هل عليه قضاء أم ليس عليه قضاء؟ اختلف العلماء في الصائم الذي أكل وشرب ناسيًا هل عليه قضاء أم ليس عليه قضاء؟ واجتمعوا على أنه لا إثم عليه، لكن اختلفوا هل يجزئه هذا الصوم أو لا يجزئه؟ على قولين: قول الجمهور من الشافعية والحنابلة والأحناف أنه لا قضاء عليه لو أكل أو شرب ناسيًا؛ لأنه إنما أطعمه الله وسقاه.\nوأصل الخلاف هنا عدم ثبوت الحديث عند قوم وثبوته عند آخرين، فعند الجمهور ثبتت رواية لم تثبت عند المالكية، واحتجوا بحديثين: الحديث الأول: حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه)، هذا الحديث اتفق عليه الأئمة الأربعة، والذين ينازعون في القضاء يقولون: إن النبي ﷺ لم يتعرض في هذا الحديث للكلام عن القضاء، وإنما أمره أن يتم هذا اليوم الذي أكل أو شرب فيه ناسيًا، لكن الجمهور من الشافعية والحنابلة والأحناف أجابوا وقالوا: عندنا رواية أخرى -وهي في سنن الدارقطني - وفيها: (من أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه، ولا قضاء عليه)، وهذا فصل في محل النزاع قال: (لا قضاء عليه).\nوجاء المالكية فقالوا: عندنا أن الذي أكل أو شرب ناسيًا لا إثم عليه وعليه القضاء، ودليلنا القواعد العامة في الشريعة، والقواعد العامة في الشريعة أدلتها كثيرة جدًا، منها: أن كل عبادة قد وصفها الله لنا وصفًا بشروط وأركان، فحتى تصح لا بد فيها من توافر الشروط والأركان وانتفاء الموانع.\nفالقاعدة: أن كل عبادة وصفت بوصف لها شروط وأركان لا بد أن تتوافر فيها الشروط والأركان وتنتفي الموانع حتى تقبل، ودليلها قوله ﷺ: (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، فتبين لنا أن من شروط الصلاة التطهر، فلا بد من توافر الشروط والأركان وانتفاء الموانع حتى تقبل الصلاة.\nقالت المالكية: ونظرنا في الصوم فوجدنا أن أهم أركان الصوم هو الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة، فقالوا: هذا لم يمسك، إذًا: فقد اختل ركن من أركان العبادة، فهذه العبادة لا تقبل أو لا تجزئ؛ لأن الأركان قد اختلت، بل أهم ركن في الصيام قد اختل وهو الإمساك، وهو قد أكل أو شرب، وقواعد الشريعة تأبى أن يكون هذا العمل مقبولًا أو يجزئ عن صاحبه.\nونقول لهم: لم رفعتم عنه الإثم؟ قالوا: رفعنا عنه الإثم بالدليل الذي جاءنا عن النبي ﷺ أنه قال: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، يعني: رفع الإثم وليس رفع الحكم.\nوقالوا: إن حديث الدارقطني حديث ضعيف، ونقول: حديث الدارقطني الذي قال فيه النبي ﷺ: (ولا قضاء عليه) حديث صحيح، وقد قال ذلك ابن العربي المالكي والقرطبي المالكي.\nإذًا: كيف أجاب المالكية عن هذا الحديث بعدما صح؟ قالوا: هذا الحديث آحاد، وقد خالف القواعد العامة التي بيناها، وهي أن كل عبادة لا بد لها من شروط وأركان.\nوعليه نقول: الراجح الصحيح هو قول الجمهور، أن من أكل أو شرب ناسيًا فإن صيامه صحيح؛ وذلك لقول النبي ﷺ: (ولا قضاء عليه).\nلكن كيف نرد على المعترض الذي يعترض علينا ويقول: هذا خلاف القواعد فلا نعمل به؟ نقول: الحديث أصل بذاته فكيف تقولون بأنه خالف القواعد؟ فهو قاعدة مستقلة فلا تتضارب القواعد ولا تتعارض؛ لأنها كلها جاءت من مشكاة واحدة، فالحديث أصل بذاته لا بد أن يعمل به، فإذا قال النبي ﷺ: (ولا قضاء عليه)، فلا قضاء عليه، لكن يمكن أن نجمع بين القواعد العامة وبين هذه القاعدة بالآتي: أن هذه القاعدة من باب الخصوص والقواعد العامة من باب العموم، ولا يتعارض عام مع خاص، وإذا تعارض العام مع الخاص فإننا نقدم الخاص على العام.\nإذًا: فقواعد الشريعة تقول: كل عبادة لا بد أن تتوافر فيها الشروط والأركان، فإن اختل شرط أو ركن لا تجزئ ولا تسقط عن صاحبها، وهذا في كل عبادة، إلا في الصوم، فإن اختل ركن الإمساك وكان ناسيًا فإن العبادة تصح وتقبل عند الله جل في علاه وتسقط عن صاحبها.\nفهذا أثر من آثار اختلاف الفقهاء وكان تحرير محل النزاع ثبوت الحديث، فإنه لم يثبت عند المالكية فلم يأخذوا به، لكن إن صح الحديث لنا أن نقول: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>الاختلاف في فهم النص وأثره في اختلاف العلماء وأمثلته</span>\nمن أسباب الخلاف: الاختلاف في فهم النص، يأتينا نص من عند النبي ﷺ، فالمالكية والشافعية والأحناف والحنابلة علموا أن النبي ﷺ قد قال ذلك، وقد ظهر لهم أن هذا السند سند صحيح، لكن اختلفوا في فهم كلام النبي ﷺ، وقد بينا أن الشافعي كان دائمًا يقول: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت بما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ.\nوكيف يحدث الخلاف في فهم النص عندما يظهر للفقهاء الحديث؟ نقول: يتناول كل فقيه الحديث ويفهمه فهمًا مخالفًا لفهم الفقيه والعالم الآخر.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الخلاف في حكم عطية الوالد لبعض ولده</span>\nومن أمثلة ذلك: الهبة والعطية، فمعلوم أنه يجب على كل رجل أن يقسم بين أولاده العطاء بالسوية، كما جاء في الحديث: (سووا بين أولادكم في العطية)، وفي البخاري ومسلم من حديث النعمان: (أن والده أعطاه عطية فقالت امرأته: لا، حتى تشهد على ذلك رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: أَشْهِدْ على هذا غيري فإني لا أشهد على جور).\nانظروا إلى اختلاف مشارب العلماء وإلى الخلاف بين العلماء، فالشافعية يرون أنه لو أعطى الرجل ولدًا دون أن يعطي الآخر وأشهد على ذلك أي أحد جاز ذلك العقد، ويمتلك الولد هذه الهبة أو هذه العطية، لكن الجمهور يرون أن هذه العطية تكون باطلة، ولا يصح أن يأخذها الولد؛ لأن النبي ﷺ قال: (أشهد على هذا غيري)، فالجمهور قالوا في قول النبي ﷺ: (أشهد على هذا غيري): هذا زجر وليست إحالة، يعني لا أوافق على هذا العقد، فأشهد على ذلك غيري، فهو من باب الزجر، أما الإمام الشافعي فإنه فهم من هذا الحديث: (أشهد على هذا غيري)، أن المعظم والمقدم أو العالم الذي له وجاهة لا يفعل ذلك، لكن آحاد الناس لهم أن يفعلوا هذا؛ لأنه خلاف الأولى أو خلاف المروءات، ففهم من قول النبي ﷺ: (أشهد على هذا غيري) أنه لو شهد أبا بكر أو شهد عمر أو شهد عثمان صح العقد وصحت العطية.\nوهذا عندنا فهم خاطئ، لكن نقول: ظهر الخلاف بين الشافعية وبين جمهور أهل العلم بسبب اختلاف الفهم في قول النبي ﷺ: (أشهد على هذا غيري)، أما الذي يدلك على أن فهم الجمهور هو الصحيح دون فهم الشافعية أنه في بعض الروايات أن النبي ﷺ قال: (فإني لا أشهد على جور)، فسماه جورًا والجور معناه الباطل.\nإذًا: هذه العطية باطلة بنص كلام النبي ﷺ.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>حكم الرجوع في العطية</span>\nالمثال الثاني الذي حدث فيه خلاف بين الشافعية وبين الجمهور: مسألة الرجوع في العطية، فعند الجمهور لا يجوز الرجوع فيها، وعند الشافعية يجوز لأي امرئ أعطى عطية هبة أن يرجع فيها.\nوما هي شروط العطية حتى تصح؟ الأول: أن يكون الواهب مالكًا لها.\nالثاني: أن يكون مكلفًا؛ لأن الهبة من الصغير غير المكلف لا تصح.\nالثالث: ألا يكون عليه دين.\nوهذا فقه عال فهمه شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يجوز للمديون أن يهب هبة لأحد.\nالرابع: الإيجاب والقبول.\nأي: لا بد من قبض الهبة أو العطية؛ لأنه لو لم يقبض الهبة فيمكن أن يرجع فيها، والدليل على هذا أن أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه كان قد ترك زرعًا أو ثمرًا لـ عائشة فلم تقبضه وهو على فراش الموت، فقال لها: قبضتيه؟ قالت: لا، قال أبو بكر: هو الآن بين الورثة.\nإذًا: يصح الرجوع قبل القبض، أما إذا قبض الموهوب له الهبة فإنه لا يصح الرجوع، والدليل على قول الجمهور قول النبي ﷺ: (الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه).\nوقال الشافعية: كل واهب إذا أراد أن يرجع في هبته فله أن يرجع في هبته، مع أن النبي ﷺ قال: (الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع)، يقول الشافعية: هذا حديث إسناده كالشمس، ويقول أحمد: حديث صحيح، ويقول مالك: إسناده لا غبار عليه، ويقول أبو حنيفة: حديث صحيح، إذًا: بلغهم الدليل وعلموا صحته، لكن الخلاف في فهم مراد رسول الله، فـ الشافعي فهم من قول النبي ﷺ: (الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يعود) أن الكلب إذا استقاء ثم أكل قيئه فإنه يحل له، فكذلك الواهب يجوز له ويباح له أن يعود في هبته كما أن الكلب يعود في قيئه، وهذا فهم دقيق، لكنه ليس براجح بل هو مرجوح جدًا، والرد عليه سهل وهين، وهو أن الإمام أحمد بن حنبل عند مناظرته للشافعي أجاب على الشافعي بهذا\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قال: إن النبي ﷺ في بعض الروايات قال: (ليس لنا مثل السوء) يعني: لا يجوز لنا أن نتمثل بما تتمثل به الكلاب ولا نفعل مثل ما تفعل الكلاب، فهذه دلالة واضحة جدًا على أن الواهب لا يجوز له أن يرجع في هبته بحال من الأحوال.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>الاختلاف في حكم الجمع بين المفترق والتفريق بين المجتمع في الزكاة</span>\nمن أمثلة الاختلاف في فهم النص: زكاة الغنم، يقول النبي ﷺ: (لا يجمع بين مفترق من أجل الصدقة، ولا يفرق بين مجتمع من أجل الصدقة) لما تكلم النبي ﷺ عن زكاة الخليطين فهم الشافعي وأحمد الخلطة خلاف ما فهمه أبو حنيفة ومالك.\nفـ الشافعي وأحمد فهما من قول النبي ﷺ: (لا يجمع بين مفترق من أجل الصدقة ولا يفرق بين مجتمع من أجل الصدقة) أنه إذا كان للمرء أربعون شاة واختلط مع غيره ومعه أربعون شاة بحيث يكون المكان الذي يبيت فيه الغنم واحدًا، ويكون المراح والمطرح والشراب والفحل واحدًا، فهنا يخرجان شاة واحدة فقط يقتسمانها بينهما، كما قال النبي ﷺ: (فالقسمة بينهما بالسوية) مع أنهما لو لم يختلطا للزم كل واحد منهما شاة واحدة، وكذلك إذا كانوا ثلاثة كل واحد معه أربعون شاة فصارت مائة وعشرين، والمائة والعشرون عليها شاة واحدة؛ لأن النصاب مائة وواحد وعشرون فيها شاتان، لكن معهم مائة وعشرون فلا يجب عليهم إلا واحدة.\nإذًا: لا يؤخذ منهم إلا واحدة ما داموا مجتمعين، لكن بشرط أن يكون المكان والمراح والمطعم والمشرب واحدًا، لكن لو تفرقوا وصار مع كل واحد منهم أربعون شاة، فإنه يكون على كل واحد منهم شاة.\nهذا فهم الشافعية والحنابلة، أما أبو حنيفة فقد فهم من قوله ﷺ: (لا يجمع بين مفترق) أنه لو كان هناك رجل عنده ثمانون شاة، لكنه جعلها نصفين ووضع كل أربعين في مكان منفصل عن الأربعين الأخرى، فإن عليه شاتين، ولو جمع الثمانين في مكان واحد فإن عليه شاة واحدة.\nإذًا: هو يفرق في المكان فقط، لكن يشترط النصاب عند الأحناف؛ لأن الله جل وعلا لما أمر بالصدقة اشترط شرطين من أجل الصدقة: أولًا: النصاب، ثانيًا: حولان الحول، فقالوا: لا بد أن يكون مالكًا للنصاب، وهذا كلام من أجود الأقوال، لكن الراجح الصحيح هو قول الشافعية والحنابلة، وهو أنه إذا جمعت الغنم وبلغت النصاب ففيها الزكاة وتقسم بينهم بالسوية.\nمثاله: رجل عنده ثلاثون شاة والثاني عنده خمسون والثالث عنده أربعون، فعند الشافعية والحنابلة تقسم عليهم بالسوية، يعني: فعلى صاحب الثلاثين أقل من الثلث، والأكثر على صاحب الخمسين وأقل منه على صاحب الأربعين، كل بسهمه، وعند المالكية عليهم شاة واحدة، لكن قالوا: صاحب الثلاثين لا يقسم عليه؛ لأنه لم يبلغ النصاب، لكن عند الشافعية والحنابلة لا بد أن يكون عليه جزء بالسوية، وهذا هو الراجح الصحيح.","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الاشتراك في اللفظ وأثره في اختلاف العلماء وأمثلته</span>\nمن أسباب الاختلاف بين العلماء: الاشتراك في اللفظ، فالله جل وعلا عندما ينزل حكم مسألة معينة بلفظ معين، هذا اللفظ يحتمل أكثر من معنى، فهل يحمل هذا اللفظ على المعنى الأول أو يحمل على المعنى الثاني أو يحمل على المعنى الثالث؟ لا بد أن يحمل على معنى معين بالقرائن المحتفة، فكل عالم عنده النص ثابت؛ لأنه من القرآن، لكن يجتهد في فهم النص بالقرائن المحتفة.","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>اختلاف العلماء في معنى العين والقرء</span>\nمثال الألفاظ المشتركة: العين، فالعين تطلق على البصر، وتطلق على العين الجارية، وتطلق أيضًا على الجاسوس ونحو ذلك، أيضًا: الجون، يطلق على البياض ويطلق على السواد، فهذه ابنة الجون قالت لها عائشة: (إن أردت أن يحبك النبي ﷺ فقولي له: أعوذ بالله منك -وكانت من أجمل نساء العرب- فدخل عليها النبي ﷺ فقالت: أعوذ بالله منك فقال: لقد عذت بمعاذ الحقي بأهلك).\nأيضًا الشراء يدخل في معنى البيع، قال ﷿: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف:٢٠]، أي: باعوه.\nأيضًا معنى القرء كما في قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] فالقرء يحمل على الحيض، ويحمل على الطهر، فهو طهر وحيض، فعلى أيهما نحمله؟ وهل هو الحيض أو الطهر؟ فمثلًا: المطلقة هل عدتها الأطهار أم عدتها الحيض، لقول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]؟ وأصل الخلاف في المعنى الذي يحمل عليه القرء، فالعلماء اختلفوا فيه على قولين: القول الأول: الجمهور وهم الشافعية والمالكية ورواية عن الحنابلة، قالوا: القرء هو الطهر، واستدلوا على ذلك بالأثر وبالنظر، أما من الأثر فقالوا: قال الله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق:١]، (لعدتهن) قال العلماء: لقبل عدتهن أو في عدتهن، فالقرء معناه هنا الطهر؛ لأن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز الطلاق في الحيض، والذي يؤكد ذلك حديث النبي ﷺ أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فقال النبي ﷺ لـ عمر: (مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، فإن شاء أمسكها وإن شاء طلقها في طهر لم يجامعها فيه)، وهذا دليل قوي جدًا.\nوأيضًا قول النبي ﷺ: (مره فليراجعها ثم يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء) فقوله: (فتلك العدة) هذا هو محل الشاهد، يعني: في الطهر وليس في الحيض.\nوأيضًا من الأثر ما ورد بسند صحيح عن عائشة قالت: (تعلمون ما الأقراء؟ الأقراء الأطهار).\nالدليل الثاني: من النظر، قالوا: إن القرء لغة معناه الجمع، تقول: قرأت كذا أي: جمعت كذا، فيقولون: الطهر بالنسبة للمرأة هو تجميع الدم في الرحم، أما الحيض فهو خروج الدم وتفريقه، وهذا صحيح راجح.\nالقول الثاني: قول الأحناف وهو رواية عن الحنابلة، قالوا: القرء هو الحيض، فقول الله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] أي: ثلاث حيض، وقالوا: عندنا الدليل أيضًا من الأثر ومن النظر.\nأما من الأثر فقد قال الله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، فإذا قلنا بقول الجمهور أن القرء معناه الطهر، فجاء شخص وطلق امرأته في نصف الطهر فهل نصف الطهر يحسب أم لا يحسب؟ يعني: لو طلقها في نصف الطهر، ثم حاضت ثم طهرت فهنا طهران، ثم حاضت ثم طهرت، فهل نقول: هذه ثلاثة أطهار أم اثنان ونصف؟ اثنان ونصف وليست ثلاثة أطهار؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، وهي لم تكتمل ثلاثة، والأصل بقاء اللفظ على ظاهره، وتقدير النصف مع الاثنين على الغالب يكون ثلاثة ليس هو الأصل، فإذا قال النبي ﷺ ثلاثة فلا بد أن تكون ثلاثة، وإذا قال الله ثلاثة فلا بد أن تكون ثلاثة، قالوا: ولا يمكن أن يكون ذلك في الأطهار، لكن لا بد أن يكون في الحيض، فإذا طلقها في الطهر الذي هو السنة فنقول: لا تستقبلي عدتك الآن حتى تحيضي، فلو حاضت تكون أول حيضة، ثم طهرت ثم حاضت تكون الثانية، ثم طهرت ثم حاضت تكون ثلاث حيضات كاملة.\nإذًا: ظاهر الآية مصدق على الحيض.\nواستدلوا أيضًا من الأثر بحديث أن النبي ﷺ قال: (للأمة طلقتان وحيضتان وعدتها حيضتان) فليست ثلاث حيض كالحرة الأمة، لكن هذا حديث ضعيف لا حجة لهم فيه، وقد روي مرفوعًا وروي موقوفًا وصح موقوفًا عن ابن عمر ﵄ ولم يصح مرفوعًا عن النبي ﷺ.\nالدليل الثالث: وهذا هو فاصل في محل النزاع، وهو حديث في سنن النسائي وأبي داود بسند صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (فإذا جاء قرؤك فدعي الصلاة) وقال في رواية أخرى: (دعي الصلاة أيام أقرائك)، يعني: أيام حيضك، فهي لا تدع الصلاة في الطهر وإنما في الحيض، ولولا صحة هذا الحديث لكان القول الأول من أقوى الأقوال أثرًا ونظرًا.\nإذًا: فهذه دلالة على أن القرء هو الحيض.\nوأيضًا من النظر قالوا: ما هي العلة في العدة؟ أقوى العلل هي استبراء الرحم، واستبراء الرحم لا يعرف بالطهر وإنما يعرف بالحيض؛ لأن المرأة إذا حاضت دل ذلك على أنها لم تحمل، هذا على قول الحنابلة وقول الأحناف؛ لأنهم هم الذين يقولون بذلك.\nإذًا: براءة الرحم تعرف بالحيض على حد قولهم هم، وإن كان هذا الأمر مردودًا عليه، لكن نقول: فصل النزاع لنا: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه فإذا جاءنا الحديث فهو مذهبنا، وإذا جاء الحديث خصمت كل الفقهاء، وإذا جاءنا النص نأخذ به ونضرب بكل قول لأي أحد عرض الحائط، فقد قال النبي ﷺ: (دعي الصلاة أيام أقرائك) يعني: أيام حيضك، فجعل القرء بالنص الصريح هو الحيض، وينبني على ذلك العدد، وينبني عليه مسائل كثيرة، وهذا مجاله في الفقه.","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>اختلاف العلماء في معنى النكاح</span>\nمن أمثلة الخلاف في اللفظ: لفظ النكاح.\nفالنكاح في اللغة له معان ثلاثة: فيأتي بمعنى الاقتران، ويأتي بمعنى الوطء، ويأتي بمعنى العقد.\nوالأدلة على ذلك كثيرة منها: أولًا: قول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء:٦]، أي: بلغوا سن الرشد بحيث لو وطئ ينزل.\nإذًا: النكاح هنا المقصود به الوطء.\nالآية الثانية: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٤٩] أي: إذا عقدتم العقد.\nالآية الثالثة: يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا﴾ [البقرة:٢٣٠].\nالدليل على هذه الآية من السنة هو حديث عائشة قالت: (جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي ﷺ فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا والله حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) ومعنى كلامها: أنه لا يطأ فراشها، تتهمه بعدم القدرة على وطء النساء.\nفهنا معنى قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠]، أي: تعقد وتنكح ويطؤها.","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>حكم زواج الولد بمن زنى بها الأب</span>\nرجل زنى بامرأة وله ابن صالح، فتابت هذه المرأة توبة نصوحًا وظهر عليها الصلاح، فهل للولد أن يتزوجها أم لا؟ هذه مسألة خلافية، والخلاف فيها يرجع إلى تفسير النكاح في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء:٢٢] أي: ولا تطئوا ما وطئ آباؤكم بعقد صحيح.\nإذًا: الخلاف في تفسير النكاح هل هو الوطء ولو عن طريق الزنا أو هو الوطء بعقد صحيح وبنكاح صحيح؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: قول الأحناف والحنابلة: أن المقصود بالنكاح هنا الوطء سواء كان بنكاح صحيح أو لا؛ لأن النظر في ذلك إلى ماء الرجل الذي قد دخل في فرج هذه المرأة، فلا يدخل عليه ماء ابنه.\nالقول الثاني: قول الشافعية، فقد نظروا في قول الله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء:٢٢] فقالوا: نكح أي: وطئ بعقد صحيح، وهذا هو الظاهر، وقالوا: إن الحرام لا يحرم حلالًا.\nفالشافعية والمالكية يرون أنه لو زنى رجل بامرأة فإنه يجوز لابنه أن يتزوج هذه المرأة إن تابت توبة نصوحًا، واستدلوا على ذلك بحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الحرام لا يحرم حلالًا)، وهذا الحديث موضوع لا يصح حجة في الأمر.\nفالمعترك هنا من النظر، قالوا: أما من النظر -وهذا الكلام الذي يقصم ظهور من يخالف- قالوا: إن الله أناط حكم التحريم بالنكاح الذي هو من الحلال، والحرام لا يمكن أن يحرم حلالًا، للفارق بين الحرام وبين الحلال؛ لأن الأحناف والحنابلة يرون أنه يقاس الحرام على الحلال، قال الشافعية: هذا القياس باطل غير صحيح؛ لأن القياس هنا قياس مع الفارق.\nما هو الفارق بين الحرام والحلال؟ قالوا: الفارق الأول: أن النكاح الصحيح يكون فيه التوقير والتعظيم، فلو أن رجلًا عقد على امرأة فإنها تصبح للابن أمًا، يدخل عليها ويقبل يدها ويدعو لها وله أن يسافر بها؛ لأنه محرم لها، وأما الثانية التي زنى بها الوالد فلها الإهانة والاحتقار، والمحرمية لا تنتشر بينها وبين ولد من زنى بها، فهذه الفوارق تمنع من القياس، ولذلك العلماء يقولون: إن هذا القياس قياس مع الفارق، أي: أن الأصل لا يساوي الفرع، والعلة غير متساوية.\nإذًا: فالصحيح الراجح أن الحرام لا يحرم حلالًا؛ إذ الحلال معه التوقير والتعظيم، ومعه المحرمية، أما الحرام فلا تنتشر به المحرمية ولا يكون فيه توقير ولا تعظيم.","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>اختلاف العلماء في حكم زواج الرجل ببنت من زنى بها</span>\nمسألة: زنى رجل بامرأة ثم نظر إلى ابنتها فأعجبته فتاب إلى ربه وأناب، فهل له أن يتزوجها أم لا؟ الشافعية يقولون: يجوز؛ للقاعدة التي قعدناها الآن وهي: أن الحرام لا يحرم حلالًا، أما الحنابلة والأحناف فقالوا: لا يجوز؛ لأن ماء الرجل قد دخل في فرج أمها، لكن الصحيح الراجح في ذلك أنها كسابقتها فيجوز أن يتزوجها، لكن بشرط التوبة، وأنا أشترط عليه أمرًا آخر للوقاية وهو أنه يأخذ البنت ويسافر بها؛ حتى لا يأتيه الشيطان ويذكره أنه جامع أمها فيراها فيقع عليها ثانية، فلا بد أن يفارق هذا المكان، لكن الأحوط والأورع ألا يفعل ذلك خروجًا من الخلاف.","vol":"3","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>اختلاف العلماء في حكم زواج الرجل ببنته من الزنا</span>\nالمسألة الثالثة: زنى رجل بامرأة فأنجبت من هذا الزنا بنتًا، فهل له أن يتزوج بهذه البنت؟ هذه مسألة فقهية شديدة الخلاف.\nفهل تسمى ابنته وتنسب له أم لا تنسب؟ لا تنسب له؛ لأن النبي ﷺ قال: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، والفراش معناه فراش الزوجية، فالشافعية قالوا: يجوز أن يتزوج بها؛ لأن الحرام لا يحرم حلالًا، وهي ليست ببنته أصلًا؛ لأن الولد للفراش.\nوقال الجمهور: لا يجوز له أن يتزوجها؛ لأنها من مائه.\nوأقول: في الحقيقة أن مذهب الشافعية قوي، لكن إذا قلنا بالأثر والاستنباط والفطرة وجمعنا أدلتنا فإن هناك دليلًا واحدًا يرد على مذهب الشافعية، وهو لبن الفحل، فلو أن رجلًا تزوج امرأة فأنجبت منه، ثم طلق تلك المرأة، فثاب اللبن في ثديها من أثر جماعه، وهذه المرأة بعدما أنجبت ذهبت وأرضعت بنتًا، فهل تكون بنتًا له من الرضاع أم لا، مع أنه قد طلق المرأة التي أرضعت؟ الصحيح الراجح أن لبن الفحل متسبب في كونها بنته من الرضاع.\nإذًا: لبن الفحل يحرم البنت عليه، فمن باب أولى أن تكون التي ولدت من مائه حرامًا عليه، وهذه المسألة تكون مستثناة من القاعدة الصحيحة التي قعدها الشافعية وهي: أن الحرام لا يحرم حلالًا، فيكون الصحيح الراجح أن البنت من ماء الزاني لا يجوز له أن يتزوجها؛ للبن الفحل.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.","vol":"3","page":13},{"text":"الاختلاف في القواعد الأصولية -<span data-type=\"title\" id=toc-47> الاشتراك في اللفظ وتعارض الأدلة وعدم وجود نص في المسألة</span>\nمن أسباب الاختلاف بين العلماء والفقهاء: الاشتراك في اللفظ، ومنها: الأدلة التي ظاهرها التعارض، ومنها: عدم وجود النص في المسألة، وهذا يجعلنا نعذر العلماء والفقهاء في اختلافهم، مع النظر في أدلة كل منهم والترجيح إن أمكن.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>الاشتراك في اللفظ</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nما زلنا مع هذا الكتاب الجليل الذي من أتقنه كان فقيهًا بحق، كتاب «أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء»، هذا الكتاب يمرس طالب العلم على دقة النظر في الاستدلال، بالأدلة على الأحكام، أو استنباط الأحكام من الأدلة، وكما قلت: الفقيه العاري عن الأصول ليس بفقيه، بل هو مقلد، وأرفع ما يصل إليه أنه تابع وناقل عن غيره.\nفي الدرس الماضي عند ذكر أثر خلاف الفقهاء قلنا: إنه يرجع إلى الاختلاف في فهم اللفظ الواحد الذي يكون له أكثر من معنى.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>أقوال العلماء في معنى الحيض واختلافهم في ذلك</span>\nإن الألفاظ المشتركة كانت سببًا من أسباب الاختلاف والنزاع بين الفقهاء، مثال ذلك: قول الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢].\nاختلف العلماء في معنى المحيض، وقالوا: المحيض يأتي مصدرًا ويأتي اسمًا للمكان، يعني: هو مشترك يقصد به محل الدم، أو زمن حضور الدم.\nالقول الأول: المحيض هنا اسم للمحل، يعني: اعتزلوا محل الحيض، وهو الفرج، وأصحاب هذا القول يقولون: يجوز للرجل أن يباشر امرأته في الفرج دون إيلاج وفي غير الفرج؛ لأن الأمر بالاعتزال في الآية يتعلق بمحل الحيض، يعني: في الفرج، فقالوا: يجوز للرجل أن يقبل ويضم ويفاخذ، ويباشر تحت السرة وعند الفرج دون أن يلج، وإنما المحرم عليه فقط هو الإيلاج، قالوا: الدليل قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢].\nيعني: اعتزلوا مكان الحيض، وهو الفرج فقط، أو اعتزلوا إدخال الفرج في الفرج، أما غير ذلك فلك أن تتمتع بزوجتك كما شئت، قالوا: وعندنا من السنة ما يعضد هذا المعنى، وهو حديث أنس ﵁ وأرضاه الصحيح الذي فيه أن النبي ﷺ قال (اصنعوا كل شيء سوى النكاح) قوله: (سوى النكاح) ليس معناه: سوى العقد، وإنما يعني: سوى الوطء، بقرينة أنها زوجته، ومعنى الحديث: اصنع كل شيء قبل باشر ضم فاخذ، قالوا: وهذا دليل من أظهر ما يكون، وهو يعضد معنى قول الله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢].\nيعني: اعتزلوا مكان الحيض وهو الفرج، هذا هو القول الأول، وهو الذي رجحه الشافعي، وهو قول المالكية والأحناف والشافعية.\nالقول الثاني: للحنابلة والظاهرية، وهؤلاء قالوا: إن معنى قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] يعني: زمن الحيض، أي: ألا يباشر امرأته وهي حائض؛ لكن نحن نخصص عموم عدم المباشرة بما فوق السرة، أي: له أن يباشر فوق السرة وتحت الركبة، وقالوا: وهذا المعنى يعضده ما ورد في الصحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: (كان النبي ﷺ يأمر إحدانا وهي حائض- يعني: زمن المحيض- أن تتزر، فيباشرها من فوق الإزار) وورد في بعض الآثار التي فيها كلام أن الأمر بالمباشرة كان فوق الإزار، فقالوا: هذا دليل أيضًا على أن المعنى: لا تقربها زمن المحيض.\nنأتي إلى الراجح في ذلك، علمنا محل النزاع، وهو قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢].\nوهل هو محل الحيض أو زمن المحيض؟ من قال: إنه محل الحيض، أباح للرجل أن يباشر امرأته تقبيلًا وضمًا ومفاخذة، ومن قال: زمن الحيض منع كل ذلك إلا المباشرة من فوق السرة أو تحت الركبة، فهل الراجح أن يباشر حتى يقارب الفرج دون أن يلج، أو لا يباشر إلا بما فوق السرة فقط؟ أقول: الصحيح الراجح في ذلك الذي لا محيد عنه: أنه يباشر امرأته في كل مكان دون أن يلج فقط؛ لقول النبي ﷺ بالتصريح: (اصنعوا كل شيء سوى النكاح) و(كل) نص في العموم، (اصنعوا كل شيء) من تقبيل وضم ومفاخذة، لكن لا تدخل الفرج في الفرج، هذا من الأثر، أما من النظر الذي يرجح لنا ذلك، فلو قلنا بقول الآخرين على أن معنى قول الله تعالى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]: هو زمن الحيض، فنقول: عموم قول الله تعالى «فَاعْتَزِلُوا».\nمعناه: لا تقربها لا بضم ولا مباشرة ولا تقبيل، هذا ظاهر اللفظ، لكن قالوا: لا، نحن نخصص هذا العموم بالسنة، قلنا: إذًا اللفظ حملتموه ما لا يحتمل؛ لأن الأصل أن يبقى العام على عمومه، ويبقى المطلق على إطلاقه، وهنا الأصل عدم التخصيص، فأنتم بتخصيصكم أضعفتم دلالتكم، ونحن لم نخصص، فبقيت الدلالة عندنا سالمة من التخصيص، وسالمة من التقييد، وسالمة من المعارضة، فيكون هذا هو الأرجح، إذ العام الذي خصص قد ضعفت دلالته، والعام الذي لم يخصص لم تضعف دلالته، فهذا من النظر.\nإذًا: الصحيح الراجح أن للرجل أن يباشر امرأته في كل مكان دون أن يلج في الفرج، حتى ولو كانت حائضًا.\nأقول: محل النزاع في هذه المسألة هو الاشتراك في اللفظ، واللفظ هو (المحيض)، فالمحيض يتردد بين مكان الحيض وهو الفرج، ويتردد بين زمن الحيض، وقد رجحنا أنه مكان الحيض.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>أقوال العلماء في معنى قوله تعالى: «فأتوا حرثكم أنى شئتم»</span>\nالمسألة الثانية: التي تتعلق بالاشتراك في اللفظ: هي مسألة إتيان المرأة في الدبر، وهذه مسألة مشكلة جدًا، والناس تحسب أنها مسألة هينة، قال الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣].\nقلنا: إن الخلاف بين العلماء يكون في كلمة تكلم الله بها في كتابه، لكنها تحتمل عند أهل اللغة أكثر من معنى، وهذه الكلمة هي قول الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم﴾ [البقرة:٢٢٣].\nاختلف علماء اللغة في معناها، وقالوا: إن لها أكثر من معنى، قالوا: (أنى) تأتي بمعنى كيف، والدليل قول الله تعالى حاكيًا عن الرجل الذي مر على القرية وهي خاوية: ﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩].\nيعني: كيف يحيي الله هذه الأرض بعد موتها؟ أيضًا قال أهل اللغة: هناك معنى آخر لكلمة (أنى) وهي أن تأتي بمعنى متى، وأتوا ببيت شعر يدل على ذلك، لكن هذا ليس في محل النزاع فنطرحه جانبًا.\nقالوا: وعندنا معنى ثالث لكلمة (أنى) وهي أن تأتي بمعنى أين، والدليل على ذلك من كتاب الله، قال الله تعالى حاكيًا عن زكريا، عندما دخل على مريم ﵂ وأرضاها، فوجد عنده فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فقال: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران:٣٧].\nأي: من أين لك هذا؟ فهنا (أنى) بمعنى أين.\nلما اختلف المعنى في (أنى) وأنها تأتي بمعنى كيف وأين أختلف الفقهاء في ذلك، فتعلق بعض العلماء بالمعنى الأول وهو كيف، وقالوا: قال الله تعالى: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) أي: كيف شئتم وقد فسرها كثير من الصحابة: مقبلين ومدبرين، بمعنى يجامع الرجل امرأته من الأمام ومن الخلف، لكن في محل الحرث، في محل الولد الذي هو الفرج، ولذلك كان أنس يقول: كان إخواننا من المهاجرين يشرحون النساء تشريحًا يعني: ما يتركون موضعًا إلا ويستعملونه في التمتع بالأزواج، وهذا مما أباحه الشرع، جاء في الحديث: (وفي بضع أحدكم صدقة) فقال: كانوا يشرحون النساء تشريحًا، فكان الواحد منهم يأتي امرأته مقبلة ومدبرة وعلى جنب ومضطجعة، فلما جاء المهاجرون إلى المدينة، تزوج بعض المهاجرين من الأنصار، وكان الأنصار لا يأتون النساء إلا في موضع واحد، على الظهر مستلقية فقط، فقام الذي هاجر إلى المدينة ليجامع امرأته كما كان يفعل، مقبلة ومدبرة ومضطجعة وعلى جنب، فقالت: لا إلا في موضع واحد، وهو الاستلقاء؛ لأنها لم تعلم بهذا الأمر، فلما قيل للنبي ﷺ هذا، نزل قول الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣].\nيعني: كيف شئتم مقبلين مدبرين، المقصود أن يكون في محل الولد، قالوا: ولنا أدلة على أن معنى (أنى) كيف؛ لأننا لو قلنا بأين للزمت علينا لوازم باطلة ودخلنا في المحظور، وهو حرمة إتيان المرأة في الدبر، والدليل على الحرمة أن النبي ﷺ في أكثر من حديث قال: (ملعون من أتى امرأة في دبرها) وهذا تصريح بالتحريم، ووجه الدلالة من التحريم في هذا الحديث: أن اللعن هو الطرد من رحمة الله، ولا يطرد من رحمة الله إلا من أتى بكبيرة.\nوالدليل الثاني: قال النبي ﷺ (من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد) وهذا أوضح في الدلالة؛ لأن الكفر دلالة على فعل الكبيرة، إن لم يكن كفرًا أكبر فهو كفر أصغر، وهذا هو الراجح الصحيح.\nالقول الثاني: قول بعض أهل العلم وهم ندر، فهؤلاء قالوا بحلية إتيان المرأة في دبرها، يعني: المسألة خلافية.\nفهؤلاء قالوا: قال الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣].\nأي: فأتوا حرثكم أين شئتم، وقالوا: إن أين هنا تدل على العموم، يعني: أين شئتم، سواء في الفخذ أو في الورك أو في الثدي أو في الفم أو في الدبر أو في الفرج، الأصل عدم المنع حتى يأتي دليل بالمنع، فقالوا: يجوز للرجل أن يجامع امرأته في دبرها، وقالوا أيضًا: وإن كان الأصل معنا فنحن نقول بالقياس، وهذا نقل عن الشافعي ولكنه ضعيف، فروي أنه قال: أقيس الدبر على القبل، بجامع الدخول والإيلاج، أو بجامع الاستمتاع بالاستحلال بالعقد، لأنه ما دفع هذا المهر لها إلا ليستمتع بها كلية، وأنتم توافقوننا على أنه يجوز للرجل أن يباشر الإلية، بل حتى الدبر وإن قلتم: مع عدم الإيلاح، فنحن نقول بالإيلاج؛ لعدم المنع، وقد ورد عن بعض المحدثين، وهو عيسى بن يونس، وهو ثقة وكانوا قد سألوه عن إتيان المرأة في دبرها، فقال: هو أشهى من الماء البارد، يعني كأنه يقول: ليس بالحلال فقط بل هو أشهى من الماء البارد، وفي رواية في كتاب السر لـ مالك، وهذا الكتاب كأنه مكذوب عليه، أنهم سألوا مالكًا: أتؤتى المرأة في دبرها؟ قال: اغتسلت منه الآن.\nفالقول بحلية إتيان المرأة في دبرها منسوب لـ مالك وللشافعي.\nونقول في تحرير محل النزاع: الراجح الصحيح: هو حرمة إتيان المرأة في دبرها، وهو كبيرة من الكبائر، وأقول: نعم هناك خلاف معتبر؛ لأن بعضهم يقول: إن ابن عمر الذي كان يقول: إن (أنى) بمعنى أين، لكن قالوا: إنه رجع عن ذلك، وقالوا: لم يثبت عن مالك هذا القول، أما الشافعي فقوله مرجوح جدًا وضعيف، فالصحيح أن الشافعي قال بحرمة إتيان المرأة في دبرها.\nإذًا: الصحيح الراجح أنه لا يجوز للرجل أن يأتي المرأة في دبرها، وإن كنت أقول بضعف الأحاديث التي تقول بأن من أتى المرأة في الدبر ملعون؛ لأن هذه الأحاديث أسانيدها كلها ضعيفة، وقد ضعف البخاري من المتقدمين المتقنين هذه الأحاديث كلها، وإن صححها الشيخ الألباني.\nإن قلنا بصحة هذه الأحاديث لغيرها، تبقى مشتملة على التحسين، لكن هناك ما يعضد قول من يقول بحرمة إتيان المرأة في دبرها وهو القياس الجلي، والقياس أنواع: النوع الأول: قياس العلة، وأصل القياس هو قياس العلة؛ لأن العلة في الأصل تكون نفس العلة في الفرع، مثال ذلك: حرم الله شرب الخمر؛ وعلة التحريم الإسكار مع النشوة، فلو وجد الإسكار مع النشوة في النبيذ نقول بالحرمة، قياسًا على الخمر؛ لأن العلة الموجودة في الخمر هي موجودة أيضًا في النبيذ، فيبقى الحكم واحد، للاشتراك بجامع العلة، ومعنى قياس العلة: هو إلحاق فرع بأصل في الحكم بجامع العلة.\nالنوع الثاني: قياس الشبه، وهو إلحاق فرع بأصل في الحكم للشبه بين الفرع والأصل، مثال ذلك: أن العلماء اختلفوا في العبد، هل العبد فيه شبه من الإنسان أم فيه شبه من البهيمة؟ فيه شبه من الإنسان من حيث أصل الخلقة، لكن فيه شبه من البهيمة من حيث إنه يباع ويشترى وله ثمن، فهذا قياس الشبه.\nالقياس الثالث: قياس العكس، وقياس العكس تكون العلة في الفرع عكس العلة في الأصل، فيكون الحكم في الفرع مساويًا للحكم في الأصل، مثال ذلك: رجل زنى ورجل جامع امرأته في آن واحد، فالذي جامع امرأته في حلال وله بذلك أجر، أما الثاني الذي زنى فهو جامع مثل جماع الأول، فالجماع واحد لكن هنا الوصف مختلف، هذا حلال وهذا حرام، فيكون الحكم مختلفًا، فالأول مثاب، والثاني معاقب.\nإن القياس الذي نتكلم عنه الآن هو القياس الجلي أو قياس الأولى، بمعنى: أن العلة في الفرع أقوى منها في الأصل، مثال ذلك: رجل يضرب أمه وينتهرها ويسبها، يقول ابن حزم: لو فعل ذلك ليس بآثم، لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء:٢٣].\nفالمنهي هو التأفف فقط، لكن نقول: إن العلة في الفرع الذي هو الضرب أقوى منها في الأصل الذي هو التأفف، فيحرم الضرب من باب أولى، خلافًا لـ ابن حزم الذي لا يقول بالقياس لا الجلي ولا غير الجلي، وهذا خطأ فاحش، والصحيح أن العلة هنا في الفرع أقوى منها في الأصل.\nفنقول: الذي يرجح لنا مسألة: أن إتيان المرأة في دبرها حرام هو القياس الجلي، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢].\nونستنبط من هذه الآية لما حرم الله على الزوج أن يأتي المرأة وهي حائض، قال بوصف دقيق: «هُوَ أَذًى».\nيعني: يتأذى به الرجل معنويًا وحسيًا، وقد قال الأطباء في وقتنا المعاصر: إن الجماع في زمن الحيض يأتي بأضرار جسيمة على الرجل، فيؤذى معنويًا ويؤذى حسيًا، معنويًا من منظر الدم فقد يتقزز من امرأته، بل قد لا يجامعها وهي طاهر، والأذى في الدبر أغلظ وأقوى من الأذى في الفرج؛ لأنه محل العذرة، فهو أشد من أذى الدم، فإن كان الأذى هنا في الدبر أقوى من الأذى في الفرج، فمن باب أولى إذا منع من الجماع في زمن الحيض في الفرج للأذى أن يمنع من أن يأتي المرأة في دبرها للأذى، فيكون القول الصحيح الراجح في قول الله تعالى: «أَنَّى شِئْتُمْ» يعني: كيف شئتم، مقبلة ومدبرة، لكن في محل الحرث، ولذلك الإمام مالك لما قيل له: كيف تقول ذلك؟ قال: من قال علي هذا فقد كذب، كيف وقد قال الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]، والحرث محل الولد، وإن كان الشافعي قد رده على محمد بن الحسن فقال: أرأيت لو نكحها في ثديها أو نكحها في وركها؟ أيصح أم لا يصح؟ فإن قال: لا يصح، فهذا مخالف، لكن الرد على هذا القول هين، نقول: إن الحرث هو الأصل، وغير ذلك جاء الدليل بحله؛ لأن النبي ﷺ كان يباشر امرأته وهي حائض دون الفرج، سواء فوق السرة أو تحت السرة أو في أي جزئية من جسدها يحل للمرء أن يتمتع به، لكن دون أن يولج، والصحيح الراجح في التمتع بالحائض دون الفرج ما ق","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>تعارض الأدلة التي ظاهرها التعارض</span>\nهناك أسباب أخرى أدت إلى الخلاف بين الفقهاء، منها: تعارض الأدلة التي ظاهرها التعارض، ولا يصح أن نقول: إن الأدلة تتعارض؛ لأنها خرجت من مشكاة واحدة، فأدلة الكتاب والسنة خرجت من مشكاة واحدة، والدليل على ذلك قوله ﷺ: (إلا إني قد أوتيت القرآن ومثله معه) وقبل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤].\nقال الشافعي: آيات الله هي الكتاب، والحكمة هي السنة، فلا تعارض بين الكتاب والسنة، لكن نقول: الأدلة يمكن أن يكون ظاهرها التعارض في نظر المجتهد العالم الذي لا يستطيع أن يجمع بين الأدلة، فيأتي عالم آخر فيجمع بين الأدلة.","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>اختلاف العلماء في مسألة نكاح المحرم</span>\nمن هذه المسائل التي نجمت عن الأدلة التي ظاهرها التعارض: نكاح المحرم، فهل المحرم يستطيع أن يعقد لغيره أو يعقد له؟ وهل نكاح المحرم يقصد به الوطء أم العقد؟ هناك من يقول: إن المراد بنكاح المحرم الوطء؛ لأن النكاح هنا يتردد بين الوطء وبين العقد، وهناك حديث في هذا، لكن ليس فاصلًا في محل النزاع، لكن نحن نقول: المقصود به العقد، ومن باب أولى أن يكون الوطء أيضًا؛ لأن الوطء حال الإحرام يفسد الحج على قول بعض العلماء، وبعضهم يقول: لا، لا بد أن يكمل، وهذا الراجح الصحيح يكمل حجه ويكون حجًا فاسدًا.\nاختلف العلماء في مسألة نكاح المحرم؛ لأن الأدلة ظاهرها التعارض، قالت الأحناف: يجوز للمحرم أن ينكح، يعني: يعقد لأخيه ولابنه؛ وقالوا: دليلنا من السنة الحديث الذي في البخاري عن ابن عباس قال: (تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم)، وميمونة هذه كانت خالة ابن عباس.\nقال الجمهور وهم: المالكية والشافعية والحنابلة: لا يحل للمحرم أن ينكح أو ينكح، والدليل على ذلك الحديث الصحيح عن عثمان بن عفان عن النبي ﷺ أنه قال: (لا ينكح المحرم ولا ينكح) وهذا دليل صريح جدًا في حرمة نكاح المحرم، أما قول الأحناف فنحن نرد على الحديث الذي استدلوا به بعدة ردود: أولًا: تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو حلال ليس بمحرم، فعن يزيد بن الأصم عن ميمونة قالت: (تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف)، وهذه قرائن تثبت ضبط الراوي أكثر من ابن عباس، وقول الجمهور: المحرم لا يجوز له أن ينكح ولا يجوز له أن يعقد، ولا يجوز له من باب أولى أن يطأ امرأته في الحج، وهو الراجح الصحيح، وقد نقل البخاري نفسه عن ابن المسيب أنه قال: وهم ابن عباس في هذا الحديث، والذي يوضح وهم ابن عباس ﵄ في هذا الحديث هو قول أبي رافع؛ لأن أبا رافع روى حديث تزويج النبي ﷺ بـ ميمونة قال ﵁: (تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت السفير بينهما يعني: أن أبا رافع هو الذي خطبها للنبي ﷺ، فصاحب القصة أتقن وأضبط ممن بعد عن القصة، فهذا فيه دلالة واضحة على أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهي حلال، فقول ابن عباس: (تزوج وهو محرم) وقول أبي رافع (تزوج وهو حلال) هذه الأدلة ظاهرها التعارض، لكن نقول: وهم ابن عباس، والحكم لا يتعلق بالوهم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وكأن ابن عباس لم يقل هذا القول؛ لأن الذي حضر القصة كان أتقن وأضبط من ابن عباس فرواها لنا صحيحة سليمة.","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>اختلاف العلماء في مسألة طهارة المني أو نجاسته</span>\nالمسألة الثانية: هل المني نجس أم هو طاهر؟ يعني: لو أن رجلًا جامع امرأته وأصاب المني ثوبه أو المكان الذي جامعها فيه فهل هذا المحل يكون نجسًا أم يكون طاهرًا؟ أقول: في هذا خلاف بين العلماء، وسبب الخلاف هو الأدلة الظاهرة التعارض، قال الأحناف والمالكية بنجاسة المني، والدليل على ذلك الحديث الذي في صحيح البخاري أن عائشة قالت: (كنت أغسل ثوب النبي ﷺ من المني، فيذهب يصلي وبقع الماء على ثوبه) فهذا حديث ظاهر جدًا، قالوا: والغسل لا يكون إلا من نجاسة، ولو كان غير نجس لما غسلته.\nوقالوا: عندنا رواية أخرى نستدل بها، وهي أن النبي ﷺ قال: (يغسل الثوب من البول والغائط والمني) وهذه دلالة اقتران المني بالبول والغائط وهما نجسان فيكون المني نجسًا.\nوقال الحنابلة والشافعية: المني طاهر وليس بنجس، والدليل على ذلك ما جاء في الصحيح عن عائشة ﵂ قالت (كنت أفرك المني من ثوب النبي ﷺ ويذهب ويصلي فيه) يعني: تدلك المني ولا تغسله، وهذا مرفوع بالتقرير، كأن النبي ﷺ اطلع عليها وهي تفرك المني من ثوبه فيصلي فيه.\nالدليل الثاني: ورد في صحيح ابن خزيمة: (أن النبي ﷺ كان يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابسًا ثم يصلي فيه).\nالدليل الثالث: عن ابن عباس وإن تكلم فيه بعض العلماء لكنه صحيح، أن ابن عباس روى عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما المني كالبصاق والمخاط) والبصاق طاهر باتفاق العلماء لكنه مستقذر.\nفهذه أدلة صحيحة في البخاري وغيره وفيها الغسل وفيها الدلك والفرك، فكيف نجمع بينها؟ نقول: تحرير محل النزاع: أن الأدلة ظاهرها التعارض، فنجم عن ذلك الخلاف بين الفقهاء، لكن كيف نعتذر للأئمة، ونعلم أن الأئمة لم يقولوا بالهوى في الأحكام، بل كانوا يتلمسون السنة، لكن منهم من غابت عنه السنة، ومنهم من قاس قياسًا بعدما رأى أن هذا الدليل ضعيفًا لا يوافق الحق، ومنهم من ظهرت له السنن فحكم بها، وهذا الذي بسببه جعل شيخ الإسلام يؤلف رسالة صغيرة اسمها (رفع الملام عن الأئمة الأعلام).\nفنقول: الخلاف بين الفقهاء له أدلة، ما كان الأمر عن هوى وتعصب مذهبي، بل كان الخلاف للأدلة التي ظاهرها التعارض، فعلينا أن ننظر هل الأدلة متعارضة وإلا يمكن الجمع بينها أو الترجيح إن لم يمكن الجمع؟ نقول: إن قول الشافعة والحنابلة: إن المني طاهر وهو الراجح الصحيح، ونقول: إن أدلة غسل المني ليس فيها ما يبين نجاسة المني ولا طهارته، وكون عائشة غسلت المني من الثوب، فيكون هذا الغسل للاستقذار، استحبابًا لا وجوبًا، أما حديث النبي ﷺ أنه قال: (يغسل الثوب من البول ومن الغائط ومن المني)، فهذا الحديث ضعيف ولا حجة لكم فيه؛ لأن الأحكام لا تبنى إلا على الأحاديث الصحيحة.\nثانيًا: لو صح الحديث، فاستدلالكم بدلالة اقتران المني مع البول لا يعطيه حكمه، لأن دلالة الاقتران ضعيفة، والدليل على ذلك الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ﴾ [الأنعام:١٤١].\nفالأكل مستحب، لكن إتيان الزكاة واجبة، فهذا يبين أن دلالة الاقتران ضعيفة، فالصحيح الراجح في ذلك أن غسل عائشة للثوب كان عن استحباب، وأما الفرك فهو دلالة على عدم النجاسة، فيكون المني طاهرًا، والذي يرجح لك ذلك جليًا هو أن النبي ﷺ أكرم الخلق على الله وأفضل الخلق أجمعين وإمام المرسلين، لا يمكن أن يقول قائل: إنه قد ولد من نجاسة أبدًا، وهذه التي احتج بها الشافعي على محمد بن الحسن وقال: إن رسول الله ﷺ ولد من شيء طاهر، ولا يمكن أن يولد النبي ﷺ من شيء نجس، فلو كان المني نجسًا لكان متولدًا عنه.\nإذًا: فالنبي ﷺ هو أطهر الخلق أجمعين، وأفضل الخلق أجمعين لا يمكن أن يولد إلا من طاهر، وهذا يرجح بأن المني طاهر وليس بنجس.","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>عدم وجود نص في المسألة</span>\nمن الأسباب التي اختلف من أجلها العلماء أيضًا: عدم وجود النص في المسألة، وتتعلق بها مسألتان.","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>مسألة الجد مع الإخوة</span>\nالمسألة الأول: الجد مع الإخوة، هل يرث الإخوة مع الجد أم لا؟ أقول: الجد من الأصول، لكن اختلف العلماء اختلافًا شديدًا في مسألة الجد مع الإخوة، فـ أبو بكر وابن عباس وكثير من الصحابة يقولون: بأن الجد إذا وجد معه الإخوة لأب أو الإخوة الأشقاء، لا يرثون معه؛ لأن الجد ينزل منزلة الأب، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨].\nفإبراهيم أبو النبي ﷺ، وأيضًا قول يوسف ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف:٣٨].\nفإبراهيم جده وليس بأبيه، ومع ذلك قال: إني اتبعت ملة آبائي إبراهيم.\nفالقرآن أنزل الجد منزلة الأب، فيأخذ الجد حكم الأب، فيحجب الإخوة الأشقاء والإخوة لأب.\nالدليل الثاني: الإجماع على أن الجد إذا وجد مع الإخوة لأم فإنه يحجبهم حجب حرمان فلا يرثون، وهذا هو قول الأحناف ورواية عن أحمد من الفقهاء.\nأما الذين قالوا بأن الجد يرث مع الإخوة بالاشتراك، بتقسيم معين بين الجد وبين الإخوة في المواريث، وهذا ما عليه جمهور الصحابة وجمهور الفقهاء، فـ زيد بن ثابت الذي قال فيه النبي ﷺ: (وأفرضكم زيد) يقول بالتشريك، وكذلك الشافعي وأحمد ومالك يقولون بالتشريك، وأيضًا ابن عباس وعمر رجعا عن القول الأول إلى هذا القول.\nونكتفي بما قاله زيد بن ثابت والشافعية، قالوا: الإخوة يمكن أن يكونوا عصبة للنساء فيرثون بالتعصيب، مثال ذلك: هلك هالك عن بنت وإخوة وأخوات، فالبنت لها النصف، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١].\nوالباقي يكون للذكر مثل حظ الأنثيين تعصيبًا، فالأخ الذكر عصب النساء الأخوات وورث معهن، والجد لا يمكن أن يعصب الأخت.\nوقال أصحاب القول الأول: يمكن أن الجد يرث تعصيبًا ويأخذ الكل إذا لم يكن أحد.\nفالصحيح الراجح هو قول الذين قالوا بأن الجد ينزل منزلة الأب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [يوسف:٣٨].\nفيأخذ الجد حكم الأب فيحجب الإخوة، وهذا ترجيح شيخ الإسلام وهو قول الأحناف.","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>مسألة قتل الجماعة للواحد</span>\nالمسألة الأخيرة في مسألة عدم وجود النص: رجل اجتمع عليه خمسة فقتلوه، فهل يقتلون به أم لا يقتلون به؟ هذه المسألة اختلف فيها الصحابة، وسبب الخلاف هو عدم ورود النص، وهذه المسألة ظهرت في عصر عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، وهي أن امرأة كانت متزوجة من رجل في صنعاء، فسافر عنها وبقي مدة، وكان له ولد من غيرها، فالولد كان معها، فهذه المرأة اشتاقت لرجل والعياذ بالله، فخادنت رجلًا فكان يفجر بها فقالت لهذا الذي يفجر بها: إن هذا الولد سيفضحنا أمام زوجي، فلا بد من قتله، فالرجل قال: لا، ما أفعل ذلك، فبقيت خلفه حتى قتله هو ومن معه وهي، وقطعوه أربًا، ووضعوا كل جزء في كيس وألقوه في بركة ماء، فجاء الرجل يسأل عن ابنه، قالوا: مات، فلما علموا الحقيقة أمسكوا بهم وبعثوا بهم إلى عمر، وأخبروا عمر بالقصة، فجمع عمر كبار الصحابة، فاختلف علماء الصحابة في ذلك على قولين: فـ عمر بن الخطاب وعلي وابن عباس وغيرهم من علماء الصحابة قالوا: نقتلهم أجمعين، فقال عمر بن الخطاب: والله لو أن أهل صنعاء بأسرهم قتلوه لقتلتهم به؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩].\nوهذا قول جمهور العلماء المالكية والشافعية والأحناف، وقالت الحنابلة، وهو قول الزبير وابن المنذر، وقول الزهري: إن عليهم الدية ولا قتل عليهم؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٩٠].\nفهذا النزاع كان لعدم ورود الدليل.\nوالصحيح الراجح في ذلك هو قول عمر بن الخطاب ومن وافقه، وأنهم لو تمالأ أهل صنعاء على قتله لقتلوا به، والدليل هو نفس ما استدلوا به: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٩٠].\nفنحن نقول: نقتل من قتل، وقد قتل الخمسة الولد فيقتلون به، وأيضًا من باب سد الذريعة، لأن أي إنسان يريد أن يقتل إنسانًا آخر يقول: لو قتلت هذا وحدي سأقتل به، فحفاظًا على حياته يأتي بخمسة مجرمين فيقتلون هذا القتيل ولا يقتلون به، وتصبح المسألة حيص بيص، وتهدر الدماء دون أدنى رقابة، وهذا يخالف حكمة الله في القصاص، ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩].\nإذًا: الصحيح الراجح في ذلك: هو قتل المجموعة بالواحد.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.","vol":"4","page":10},{"text":"الاختلاف في القواعد الأصولية -<span data-type=\"title\" id=toc-57> الاستدلال بمفهوم المخالفة والعام والخاص</span>\nدراسة علم الأصول لا يستفاد منها إذا عزلت عن التطبيق على الفروع الفقهية، فما جيء بالأصول إلا لتنظم متناثر الفروع.\nومن ذلك مسألة حجية مفهوم المخالفة، وحجية العام والخاص، فالخلاف في حجية مفهوم المخالفة انبنى عليه الخلاف في مسائل كثيرة في الفروع، وكذلك الخلاف في دلالة العام على أفراده هل هي قطعية أو ظنية، وكيفية العمل عند تعارض العام والخاص.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>مفهوم المخالفة</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد: فإن دراسة الأصول بمعزل عن الفقه آفة جسيمة استفحل خطرها، وزاد ضررها، وظهر عوارها خاصة بين طلبة العلم الشرعي مما أدى إلى عقم المادة الأصولية عند طلابها، وعند دراسة المنهج الأصولي بمعزل عن التطبيق على الفروع أصبحت دراسة الأصول بلا ثمرة، فانفصمت بذلك عرى الأصول عن أن تبنى عليها الفروع وهي في أصل وضعها إنما وضعت بمثابة المقدمة لبناء الفروع عليها واستنباطها منها.\nقال الإمام الشاطبي في المقدمة الرابعة من موافقاته: كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية، أو لا تكون عونًا في ذلك فوضعها في أصول الفقه عارية.\nوأهمية دراسة الأصول تكمن في استنباط الفروع منها وبنائها عليها، وليس في مجرد دراسة منهج أصولي بمعزل عن التطبيق الفقهي.\nنواصل كلامنا في شرح كتاب (أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء)، وقد انتهينا من الكلام على عموم المقتضي ودلالات الألفاظ، ونتكلم الآن عن مفهوم المخالفة، تعريفه، وحكمه، ومتى لا يعتبر مفهوم مخالفة؟ أما تعريفه: فهو حكم المسكوت عنه يخالف حكم المنطوق.\nلمفهوم المخالفة عدة أوجه فإما أن يخرج الكلام مخرج الغالب، فلا نعمل بالمفهوم، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء:٢٣].\nفلا يقال بإباحة الزواج بالربائب إذا لم يكن في حجر الزوج، لأن الآية هنا لم ترد التقييد وإنما خرجت مخرج الغالب، وكون الربيبة لا تكون في حجر الزوج أمرًا نادرًا، فلا عبرة به، هذا هو الوجه الأول.\nأما الوجه الثاني: فأن تأتي الآية في سياق الامتنان أو سياق التنفير كقوله تعالى: [﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] فليس مفهومه جواز أكل الربا شيئًا فشيئًا كقوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل:١٤] وهذا في سياق الامتنان.\nوقد يكون في المفهوم مخالفة المنطوق كحديث: (إنما الماء من الماء)، فمفهومه أنه لا يجب الغسل إلا إذا نزل المني، ولا عبرة بالتقاء الختانين، فهذا يخالف حديث: (إذا التقى الختانان وجب الغسل).","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>الخلاف في نجاسة الكافر في ضوء مفهوم المخالفة</span>\nإن مسألة نجاسة الكافر خلافية، لكن حتى الذين يقولون بالمفهوم لا يقولون بها، فالكافر لا يجوز السلام عليه، لكن إذا سلمت عليه هل تغسل يدك من السلام عليه أم لا؟ اختلف العلماء على قولين: القول الأول: الكافر نجس، فإذا سلم عليك فلا بد أن تغسل يدك منه، وإذا أكل معك فلا تأكل معه ولا تستعير منه شيئًا، وهذا قول ابن حزم، وهذا القول لا بد للجمهور أن يقولوا به، فـ ابن حزم أخذ بدليل مفهوم المخالفة، لما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: (قابلت النبي ﷺ وكنت جنبًا فانسللت، فاغتسلت فرجعت، فقال لي النبي ﷺ: يا أبا هر! أين كنت؟ فقال: كنت جنبًا فكرهت أن أجالسك فاغتسلت، فقال: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس)، وفي رواية أخرى عن حذيفة بن اليمان ﵁ وأرضاه قال: (قابلت النبي ﷺ وكنت جنبًا فانسللت فاغتسلت، فقال: إن المؤمن لا ينجس)، يعني لا تفعل ذلك فإن المؤمن لا ينجس، فالمنطوق: حكم المؤمن أنه طاهر ولا ينجس، ومفهوم المخالفة: الكافر ينجس، فتمسك بها وعض عليه بالنواجذ ابن حزم.\nقال: ويعضد ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]، فهذه دلالة واضحة على نجاسة الكافر، فلو سلمت على رجل من أهل الكتاب فعليك أن تغسل يدك على قول ابن حزم، ولا ينتقض الوضوء كما لو مس الرجل المتوضئ النجاسة بيده فإنها لا تنقض وضوءه، فإذا مسكت النجاسة فعليك أن تغسل مكان النجاسة فقط.\nوهذا أيضًا على خلاف بين العلماء، لكن هذا هو الراجح عند أهل التحقيق.\nالقول الثاني: قول جماهير أهل العلم أن الكافر ليس بنجس، فقام ابن حزم -بأسلحته الفتاكة- فقال: خالفتم ما قعدتم! أي: تؤصلون وتقعدون ولا تأخذون بالقواعد! فقال الجمهور: كيف ذلك؟ قال: قلتم: مفهوم المخالفة معتبر، ولما قال الأحناف: لا نعتبر بمفهوم المخالفة رددتم عليهم وشننتم، فنحن نرد عليكم ونقول لكم: قال النبي: (المؤمن لا ينجس) فمفهوم المخالفة: غير المؤمن ينجس، فلم لا تقولون بذلك؟ قالوا: يا ابن حزم! نحن نتفق معك في القاعدة ونقول: مفهوم المخالفة حجة، لكننا قلنا: إن مفهوم المخالفة لا عبرة به إذا خالف منطوقًا، وكذلك مفهوم المخالفة لا عموم له كما عليه كثير من الأصوليين، فإذا قلنا: المؤمن لا ينجس إذًا: الكافر عليه نجاسة معنوية أي: نجاسة اعتقاد؛ لأنه يعبد الأوثان والعياذ بالله، فهذه نجاسة اعتقادية معنوية لا نجاسة حسية، فنحن نخصص هذا المفهوم ولا نقول بالعموم فيه، وإن كنا نتفق معك على المفهوم لكن الذي جعلنا لا نأخذ بالمفهوم هنا هو أدلة المنطوق التي هي أقوى من المفهوم، قال: ما هي؟ قالوا: لقد أباح الله الزواج من الكتابيات، والكتابية إن كانت نجسة فالمؤمن الذي تزوج بها سيمسها بيده، فلو قلنا إنه كلما قبل أو سلم أو عانق، يجب أن يغسل فذلك يلحق به المشقة الشديدة التي لا يمكن احتمالها، فحلية النكاح من الكتابيات فيه إشارة من الشرع على أن الكافر ليس بنجس نجاسة حسية.\nكذلك لقد دعي النبي ﷺ من قبل يهودية، وأكل الشاة التي قدمتها وصنعتها له بيدها، فلو كانت نجسة ما أكل منها النبي ﷺ ومن معه.\nوكذلك: لقد توضأ النبي ﷺ بماء يملكه الكتابي الكافر، فكل هذه الأفعال من النبي ﷺ تدل على عدم نجاسة الكافر، فقلنا بهذه الأدلة القوية في المنطوق الذي عارضها في الظاهر المفهوم، فالمفهوم يبين أن الكافر نجس، والمنطوق يبين أن الكافر ليس بنجس، فقلنا: لا عبرة هنا؛ لأنه خالف منطوقًا والمنطوق أقوى في الدلالة من المفهوم، إذ المنطوق قوته في التصريح والمفهوم قوته في التلميح، وإذا عارض المصرح به المستنبط فإننا نقدم المصرح به، ومع هذا فإننا لا نطرح المفهوم عمومًا بل نخصص عموم المفهوم، ونقول: نجاسة الكافر نجاسة اعتقادية لأنه يعبد الوثن أو الشمس أو القمر وهذه نجاسة معنوية وليست نجاسة حسية.","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>الاستدلال العام والخاص</span>\nمن المسائل التي اختلف فيها الأصوليون (مسألة العام والخاص)، فسنتكلم عن المسائل الخلافية التي تدخل في الخلاف بسبب العموم والخصوص.\nفلو قلت مثلًا: أكرموا العلماء، فهذه دلالة على إكرام كل عالم من العلماء، ويكون هذا اللفظ عامًا يصلح للعالم الصغير، والعالم الكبير، والعالم المصري، والعالم الألباني، والعالم الهندي، والعالم الباكستاني، سواء كان عالم كيمياء، أو عالم فقه أو غيرها، لكن لو قلت: أكرموا علماء الشرع فقد خصصت علماء الشرع بالإكرام، وإن كان هذا أيضًا عمومًا، ولكنه عموم في بابه.\nأما الخاص: فهو اللفظ الموضوع لمعنى واحد معلوم على الانفراد.\nفلو قيل: أكرم زيدًا، فإن جاءك محمد فلا تكرمه؛ لأنك خصصت الإكرام لزيد، فلا يجري الحكم على محمد.\nوألفاظ العموم كثيرة نذكرها كما يلي: أسماء الإشارة، والأسماء الموصولة: كالذي والتي واللائي وهذا كمثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] فهذا عام مخصوص والمراد به أبو بكر الصديق.\nقال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق:٤] فهذا عام في كل امرأة؛ لأن كلمة (اللائي) من الأسماء الموصولة الدالة على العموم.\nومن ألفاظ العموم أيضًا المفرد المعرف بألف واللام وذلك كقول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] فهذا عام في كل سارق وسارقة، وأيضًا قول الله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور:٣]، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور:٢] فلفظ: (الزانية والزاني) معرف بألف ولام فهي استغراقية.\nومن ألفاظ العموم اسم الجنس المعرف بالألف واللام كأن تقول: الإنسان أي: جنسه فيدخل تحته كل أفراده، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨].\nومنها المفرد المضاف كقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤] فكلمة: (النعمة) مضافة إلى لفظ الجلالة: (الله) والمفرد المضاف يفيد العموم.\nومن ألفاظ العموم أيضًا النكرة في سياق النفي كقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، أو قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]، فالآية الأولى في سياق النفي والثانية في سياق النهي.\nومن النكرة في سياق النفي قول النبي ﷺ: (لا وصية لوارث)، وهناك ألفاظ كثيرة من ألفاظ العموم تراجع في مظانها.","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>حكم العموم</span>\nحكم العموم أنه يعمل به على الراجح، والقاعدة عند العلماء: العام يبقى على عمومه ما لم يأت مخصص يخصصه، وهناك أقوال في هذه المسألة: فقيل: نبحث عن المخصص، وقيل: نتوقف، والثالث: نعمل به ولا نبحث عن المخصص، وعند الجمهور أنه يعمل به.\nوالصحيح أن العام يعمل به حتى يأتي مخصص يخصصه.","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>دلالة العام</span>\nهذه المسألة مهمة جدًا، وهي: هل دلالة العام على أفراده دلالة ظنية أم دلالة قطعية؟ اختلف العلماء في هذا فقال الأحناف: دلالة العام على أفراد العموم دلالة قطعية وليست دلالة ظنية؛ لأنه لا عبرة بالدليل الناشئ عن الاحتمال، فتكون دلالته على أفراده قطعية وكلمة أفراده المراد بها: من يدخلون تحت لفظ العموم ويصح أن يكونوا مرادين بالنص العام.\nوقيل: إن دلالة العام على أفراده ظنية؛ لإمكانية طروء احتمال ناشئ، وإذا كان الاحتمال ناشئًا فتكون الدلالة ظنية وليست قطعية، أما الأحناف فقالوا: إذا قال: أكرم الطلبة، فدلالته على كل الطلبة دلالة قطعية، ولا نقول بوجود احتمال إلا أن يأتي الدليل، وهذا الكلام من القوة بمكان، والذي يشهد لجمهور العلم أنه ما من عام إلا وجاءه المخصص، ولذلك قعد العلماء قاعدة (ما من عام إلا قد خصص)، فدليلهم شيوع الخصوص في العموم، وكذلك قول الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر:٣٠] فكلمة (أجمعون) للتأكيد، والتأكيد يأتي لقطع الاحتمال، فلا يوجد احتمال أن يخرج ملك واحد عن السجود، وعندما احتاج ذلك للتأكيد دل على أن الاحتمال قائم بدون التأكيد، وهذه دلالة على أن العام دلالته ظنية.\nوالراجح هو قول الجمهور.","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>ثمرة الخلاف في دلالة العام</span>\nإن ثمرة الخلاف تظهر في المسائل الفقهية، والفائدة أن يعرف طالب العلم أن يحرر محل النزاع وكيف يرجح.\nفإذا قلنا: إن قول الجمهور هو القول الصحيح فلننظر في المسائل العلمية.\nالمسألة الأولى: حكم الذبيحة التي ترك فيها ذابحها التسمية.\nفلو أراد رجل أن يعق عن ولده، فأخذ الذبيحة وذبحها ولم يسم، فهل تؤكل الذبيحة أو لا؟ لقد اختلف العلماء في هذه المسألة فالأحناف الذين يقولون: إن دلالة العام على أفراده قطعية قالوا: لا تؤكل ذبيحة من لم يسم، والدليل: قول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، وهذه الدلالة دلالة عموم لا خصوص، ووجه العموم ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١].\nوقوله: (مما) هي من الأسماء المبهمة تدل على العموم ولا سيما لو قصدنا بـ (مما) هنا ذبيحة فتكون نكرة في سياق النهي فتدل على العموم يعني: لا تأكلوا كل ذبيحة لم يذكر فيها اسم الله، ويدخل في كل ذبيحة: ذبيحة المسلم، وذبيحة الكافر، وذبيحة الوثني، وذبيحة أهل الكتاب، والدلالة عند الأحناف على هذا دلالة قطعية، ولكن الأحناف استثنوا فقالوا: لو ذبح المسلم ولم يسم ناسيًا فيجوز أن تؤكل ذبيحته، لأن الناسي حكمه حكم الذاكر، وقد جاء في الحديث: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) وكأنهم خالفوا القاعدة التي قعدوها قبل ذلك، والمالكية يقولون: إن المراد من الحديث رفع الحكم ورفع الإثم.\nوقول الأحناف هذا هو أيضًا قول الحنابلة والمالكية على ما أذكر.\nوالقول الثاني: قول الشافعية ورواية عن أحمد: أن التسمية ليست واجبة، وأنه إذا ذبح المسلم دون أن يسمي فللمسلم أن يأكل من تلك الذبيحة؛ لأن القاعدة عندهم أن العموم دلالته على أفراده دلالة ظنية كقول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١] وهذا العموم أفراده هي: ذبيحة مسلم وذبيحة الكتابي وذبيحة الوثني وذبيحة الكافر، ودلالته على هذا كله دلالة ظنية يعني: أنه بالإمكان أن يخصص هذا العموم، لأنه يحتمل طروء شيء مخصص بخلاف مذهب الأحناف، قالوا: ونحن نقرر هذه القاعدة وإن خالفنا من خالفنا؛ لأنه جاء في البخاري عن عائشة (قالت عائشة: إن أقوامًا قالوا: يا رسول الله إنا يأتينا اللحم من أقوام لا نعلم أذكروا اسم الله أم لم يذكروا اسم الله، فقال لهم النبي ﷺ: سموا أنتم وكلوا) ووجه الدلالة أنه لو كانت التسمية واجبة لما جاز الأكل منها مع الشك، ومع ذلك قال لهم النبي ﷺ: (سموا أنتم وكلوا).\nوالدليل الثاني: جاء عند أبي داود في المراسيل أن النبي ﷺ قال: (المسلم يذبح على اسم الله ذكر أم نسي)، قالوا: وهذه الأدلة عندنا مخصصة لعموم قول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، والذي يوضح ذلك أن الله أباح الأكل من ذبائح أهل الكتاب، وأهل الكتاب غالبًا لا يسمون، ففيه دلالة على أن التسمية سنة.\nأقول: من جهة التقعيد والتقسيم فكلام الشافعية أقوى؛ لأننا نقول: بأن قول الجمهور أقوى في أن كل عام قد يخصص وأن التخصيص وارد، فتكون الدلالة على الأفراد ظنية، وأما من جهة الأثر فقول الأحناف أقوى، وأنا أميل لذلك وأقول: لا يجوز الأكل من الذبيحة إذا لم يسم عليها؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، وما ذكره غيرهم من أنه قد خصص هذا العموم فليس ذلك بمخصص، فحديث أبي داود ضعيف، والضعيف لا يخصص به، وأما حديث البخاري فهو صحيح لكنه لا يسلم من المعارضة حتى يخصص، قالوا: كيف؟ قلنا: قول عائشة: يأتون باللحم فلم نعلم الحديث فقال رسول الله: (سموا أنتم) فهذا إرجاع من النبي ﷺ لهم إلى الأصل، إذ الأصل أن المسلم إذا ذبح أنه لا يذبح إلا أن يسمي، وهذا الأصل لا ننتقل عنه إلا بدليل، فالشك لا يزيل اليقين، واليقين أن الأصل في المسلم أنه لا يذبح إلا إذا سمى، فأحالهم النبي على الأصل، لأنهم ليس عندهم يقين يزيل هذا الأصل عن أصله، فكأنه يقول: إن المسلم الأصل فيه أنه سيذبح ويسمي، وإذا شك في التسمية فهذا الشك لا يزيل اليقين، فلا يصح هذا مخصصًا، لأن النبي ﷺ ما أباح لهم الأكل مع عدم وجود التسمية والنزاع ليس هنا، إذ النزاع إنما هو في رجل استيقنا أنه لم يسم، وهذا لم نستيقن فيه ذلك بل هو الشك، والراجح أن يبقى العام على عمومه إلا أن يأتي مخصص، وهذا ليس بمخصص؛ لأنه لم يسلم من المعارضة.\nوأوجه من هذا القول والذي أدين لله به هو قول ابن حزم بأن المسلم إذا ذبح ولم يسم على الذبيحة عمدًا فإنه لا يأكل منها وهذا أيضًا قول الأحناف، وإذا لم يسم ناسيًا فأهل الظاهر أيضًا قالوا: لا يأكل منها، هذا وهو الراجح الصحيح، لأن الله جل في علاه قال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، والذي يؤكد ذلك (أن النبي ﷺ قال لـ عدي بن حاتم: إذا أرسلت كلبك المعلم (شرط وقيد) وذكرت اسم الله فكل)، ومفهوم المخالفة أنه إن أرسلت كلبًا غير معلم فلا تأكل، فالصحيح الراجح أن الذي لم يذكر اسم الله على الذبيحة ذاكرًا أو ناسيًا فإنه لا يأكل منها؛ لأنها ميتة.\nفإن قيل: قد قال النبي ﷺ: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) والرجل قد نسي، قلنا: قد فرقنا قبل ذلك بين قاعدتي المأمورات والمحظورات، وهذا من المحظورات فيرفع الإثم فقط ويبقى الحكم، والدليل قال الله تعالى: «وَلا تَأْكُلُوا» وهذا نهي وما وجدنا المخصص فأخذنا بعموم قول الله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١].\nوهذه المسألة تتعلق بهذا الأصل، وهي أن الرجل الذي قتل رجلًا عمدًا ثم لاذ بالفرار ودخل الحرم وتعلق بأستار الكعبة فهل يقام عليه الحد أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين، ومدار الخلاف فيها هو قاعدة هل دلالة العام على أفراده ظنية أو قطعية؟ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران:٩٦] إلى قوله تعالى: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧] وهذه تفيد العموم، فأي شخص يدخل الحرم يكون آمنًا، وكان الأصل أن تعم الآية كل إنسان سواء كان كافرًا أو مؤمنًا أو وثنيًا ولكن الكافر والوثني أخرجوا من العموم بقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة:٢٨] فبقى العموم في المسلم سواء كان سارقًا أو قاتلًا، أو زانيًا، فكل هؤلاء داخلون في عموم: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧]، فاختلف العلماء إذا لم يستطيعوا أن يقتلوه إلا وهو متعلق بأستار الكعبة فهل يصح قتله أولا؟ أما الأحناف فعلى أصلهم لا بد أن يقولوا: لا يقام عليه الحد؛ لعموم قول الله تعالى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧] حتى ولو كان قاتلًا أو سارقًا أو زانيًا؛ لأن كل هؤلاء داخلون تحت عموم ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧] فالأحناف يقولون: لا يجوز أن يقام عليه الحد في الحرم، ودلالة العام على الأفراد دلالة قطعية فلا احتمال للتخصيص، وهذا الذي رجحه ابن جرير الطبري وذكر أنهم قالوا: يضيق عليه ويمنع عنه الطعام والشراب حتى يخرج من الحرم فيقام الحد عليه.\nأما الجمهور فقالوا: إنه يقتل في الحرم ويقتص منه في الحرم، ويقام عليه الحد في الحرم، وقالوا: إن دلالة العام على أفراده ظنية فيحتمل التخصيص وقد جاء المخصص، قلنا: ما هو المخصص؟ قالوا: القياس والأثر، قلنا: كيف ذلك؟ قالوا: قد أباح الله قتال المشركين في الحرم بدليل قول الله تعالى: (وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١] فأباح للنبي أن يقتلهم في الحرم.\nوأيضًا ابن خطل الذي كان يسب النبي ﷺ قال عنه النبي ﷺ: (إن وجدتموه متعلقًا بأستار الكعبة فاقتلوه) فوجدوه متعلقًا بأستار الكعبة فقالوا: يا رسول الله وجدناه قد تعلق بأستار الكعبة قال: (فاقتلوا)، فقتلوه وهو متعلق بأستار الكعبة.\nفهذا يدل على أن الذي استحق القتل فإننا نقتله ونقتص منه في الحرم قياسًا على الكافر، قلنا: كيف تقيسون المؤمن على الكافر؟ قالوا: هذا القياس محله إباحة الدم؛ لأن الكافر مباح الدم والمقتص منه مباح الدم، فبجامع إباحة الدم قلنا نقيم عليه الحد، وهذا الراجح الصحيح؛ لأن العموم قد يخصص بالقياس.","vol":"5","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>تعارض العام والخاص</span>\nمسألة تعارض العام مع الخاص اختلف العلماء فيها: فالأحناف يرون أن العام والخاص لابد أن ينظر إليه من جهات: منها النظر إلى المتقدم والمتأخر فالمتقدم ينسخ المتأخر عندهم.\nوأما الجمهور فيرون أن الخاص والعام لا يتعارضان؛ لأن الخاص يقدم على العام فيعمل بالخاص في خصوصه، ويعمل بالعام في عمومه.\nفمثلًا قوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة:٢٢١] فهذا النص عام، في كل المشركات، ولكن جاء التخصيص بإباحة نساء أهل الكتاب فنقول: إنه لا يوجد تعارض بينهما، بل يبقى الخاص على خصوصه بحلية الزواج من أهل الكتاب، ويبقى العام على عمومه دون نساء أهل الكتاب، فكل المشركات اللاتي يعبدن الشمس أو القمر أو الماء أو الفيلة أو الفئران لا يجوز الزواج منهن.\nأقول قولي هذا واستغفر الله العظيم.","vol":"5","page":8},{"text":"الاختلاف في القواعد الأصولية -<span data-type=\"title\" id=toc-65> الاحتجاج بمفهوم الموافقة وعموم المقتضى</span>\nعلم الأصول من أجل العلوم وأنفعها على الإطلاق؛ إذ لا يمكن أن يستغني عنه عالم ولا طالب علم، فهو وسيلته لاستنباط الأحكام ومعرفة الحلال من الحرام، بل عده بعض العلماء من علوم الشريعة المحفوظة من قبل رب العالمين، وما وقع المتعالمون فيما وقعوا فيه من خبط وخلط في أحكام الشريعة إلا بسبب جهلهم بهذا العلم، ولذا ينبغي أن يُدرك إدراكًا تامًا؛ إذ به يتضح شمول الشريعة وعظمتها.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>مفهوم المخالفة</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فقد تحدثنا فيما سبق عن المفهوم وأقسامه أو أنواعه، وبينا حجية المفهوم واختلاف العلماء في ذلك.","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>تعريف مفهوم المخالفة</span>\nمفهوم المخالفة: هو ما خالف حكم المنطوق، أو: هو حكم المسكوت عنه مخالفًا حكم المنطوق.\nمثال ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥].","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>أنواع مفهوم المخالفة</span>\nللمفهوم أنواعًا كالتالي: ١) مفهوم الصفة، مثال قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥].\n٢) مفهوم الغاية، وهو أن يكون حكم ما بعد الغاية مخالفًا لما قبلها، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦].\n٣) مفهوم الشرط، ومثاله: حديث: (إذا بلغ الماء قلتين) ٤) مفهوم الحصر، ومثاله: قول النبي ﷺ (إنما الأعمال بالنيات)، فمفهوم الحديث: أن أي عمل لم يسبقه نية فليس بعمل مجزئ، أو أنه غير مقبول.\nوبينا أيضًا: أن مفهوم المخالفة يطرح في عدة حالات، ولا يكون حجة فيها، وقد عددناها وسنتحدث الآن عن مفهوم الموافقة.","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>مفهوم الموافقة</span>\nعلمنا أن المفهوم مفهومان: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة، وسبق أن تحدثنا عن مفهوم المخالفة.","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>تعريف مفهوم الموافقة</span>\nأما مفهوم الموافقة: فهو أن حكم المسكوت عنه يوافق حكم المنطوق نفيًا وإثباتًا؛ لاشتراكهما في معنى واحد، مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] فالمنطوق: أن لا تتأفف عليهما، ويدخل في المعنى ما شابهها من اللفظ أو الإشارة باليد؛ لأنهما وافقا التأفف في المعنى، وكما أن الوالدان يتأذيان بالتأفف، فإنهما يتأذيان بالإشارة أو بالكلام الرافض لأوامرها.","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>أنواع مفهوم الموافقة</span>\nمفهوم الموافقة نوعان: لحن الخطاب.\nوفحوى الخطاب.","vol":"6","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>لحن الخطاب</span>\nلحن الخطاب: هو مساواة المسكوت عنه للمنطوق في المعنى، والحكم، مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، فالأكل هنا يساويه الإتلاف بالإلقاء في البحر مثلًا، أو الإتلاف بالإحراق، فلهما نفس الحكم.","vol":"6","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>فحوى الخطاب</span>\nأما فحوى الخطاب: فهو أن يكون المعنى في المسكوت عنه أقوى من المنطوق، ويسميه بعض الأصوليين: القياس الجلي، إلا أن الشافعي رجح أنه من دلالات الألفاظ، مثال ذلك قول الله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] فالمنطوق هنا: النهي عن التأفف، والأقوى منه في المسكوت عنه، وهو الضرب، فإن حرم الله عليك أن تقول لهما: أف، وأيضًا حرم عليك أن تضربهما من باب أولى، إذ المعنى في المسكوت عنه أقوى، فهو أولى بالحكم من التأفف.\nومثال ذلك أيضًا: قول النبي ﷺ: (لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل منه) فالمنطوق قوله: لا يبولن، وهو نهي عن البول في الماء الراكد، والمسكوت عنه الأقوى في المعنى: وهو التغوط، فإذا نهى النبي عن البول وهو الأخف نجاسة فالتغوط أشد، فيكون أولى بالحكم.","vol":"6","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>اختلاف العلماء في حجية مفهوم المخالفة وأثر اختلافهم في ذلك</span>\nوقد اختلف العلماء في حجية مفهوم المخالفة على قولين: القول الأول وهو قول الأحناف: وهو أن مفهوم المخالفة ليس بحجة، ووافقهم في ذلك ابن حزم.\nوالقول الثاني قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة: وهو أن مفهوم المخالفة حجة، وقد بينا ضعف هذا القول.","vol":"6","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>الزواج بالأمة الكتابية</span>\nمن المسائل التي تتعلق بمفهوم المخالفة: مسألة الزواج بالأمة الكتابية.\nوالأمة: هي التي كانت سبيا من الجهاد بين المسلمين والكفار، فأخذها فوقعت في سهم مقاتل من المقاتلين فأصبحت أمة، فله أن يطأها بدون عقد، أو بدون شهود وولي، كما أن له أن يستعملها ويستربح بمالها الذي تأتي به.\nفهذه المسألة فيها معنى الأمة، أي الأمة الكافرة، وسواء أسلمت أم لم تسلم، وهناك خلاف عريض بين العلماء في جواز وطء الأمة المجوسية أو الوثنية، أو الأمة التي من غير أهل الكتاب، وليس هنا مجال بحثه.\nفمن لا يستطيع الصبر هل له أن ينكح الأمة غير المسلمة أم لا؟ ومدار هذه المسألة على حجية مفهوم المخالفة، فمن قال بحجية مفهوم المخالفة لم يجز للمرء أن يتزوج بالأمة غير المسلمة، وهم الجمهور، ومن قال بعدم حجية مفهوم المخالفة أجاز له أن يتزوجها وهم الأحناف.\nأما الجمهور فاستدلوا على عدم الجواز بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٥]، فهم يرون بأن الله قيد جواز الزواج من الأمة بشرطين اثنين في الآية: الشرط الأول في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ أي: لا يستطيع غنى أن يتزوج، فلو كان يستطيع أن يتزوج فلا يجوز له أن يطأ الأمة وهذا بالإجماع.\nوالشرط الثاني: في قوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾ [النساء:٢٥]، فقوله: (فتياتكم) أضافها إلى المخاطبين، وهم مسلمون مؤمنون فكأنه يقول: لابد أن تكون على نفس ملتكم ودينكم، ثم أكدها حتى لا يحصل اللبس، فقال: (الْمُؤْمِنَاتِ) والمعنى: من فتياتكم المؤمنات اللاتي هن من ملتكم، ووصف الإماء بهذا الوصف جعل قيدًا وشرطًا، ولأنهم يقولون بمفهوم المخالفة فقد بنوا عليه أحكامًا: الحكم الأول: الذي يستطيع طولا لا يجوز له الزواج من الأمة.\nالحكم الثاني وهو محل الخلاف بين العلماء: الذي لا يستطيع طولا ولم يجد الأمة المؤمنة فلا يجوز له أن يتزوجها، إذ أن مفهوم المخالفة في الآية: إن كن من غير فتياتكم وعلى غير ملتكم فلا يجوز لكم الزواج بهن؛ لأن المعنى المنطوق في الآية: الأمة المؤمنة يجوز الزواج منها، فكان مفهوم المخالفة المسكوت عنه: لا يجوز الزواج بالأمة غير المؤمنة.\nوذكرنا أن الأحناف يقولون: يجوز للمرء أن يتزوج من الأمة الكتابية، ودليلهم عمومات الكتاب، فمنها: أولًا: قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] فقوله: ما طاب لكم من النساء، يدل على العموم لما تحمله ما الوصولية من معنى العموم، وكما أن الألف واللام في قوله: (النساء) تفيد الاستغراق لكافة أفراد جنس النساء، والمعنى: كل النساء سواء كن كتابيات أو غير ذلك.\nثانيًا: قول الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] فقوله: (ما وراء) يدل على العموم، إذ أن (ما) من الأسماء المبهمة التي تدل على العموم، والمعنى: كل ما وراء أولاءٍ فالزواج منهن حلال لكم، أما دليل الجمهور فهو ضعيف، ووجه الضعف أنهم يحتجون بمفهوم المخالفة وهذا المفهوم ليس بحجة.","vol":"6","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>القول الراجح وأدلته</span>\nالمفهوم حجة، وتقدم أن الأدلة الكثيرة فهم النبي ﷺ ذلك، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة:٨٠]، إذ قال النبي ﷺ بعد نزولها: (سأزيد عن السبعين)، فوجه الدلالة التي استدل بها النبي ﷺ لنبين أنه فهم قول الله بمفهوم المخالفة: إذ أن في الآية مفهوم العدد والمعنى: لا تستغفر السبعين، فمفهوم العدد: أنه لو استغفر أكثر من سبعين فقد يغفر الله لهم.\nومن الأدلة أيضًا: فهم الصحابة ﵃، ومنهم عمر بن الخطاب ﵁، وذلك عند قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١].\nومن الأدلة على حجية مفهوم المخالفة: أخذ أئمة اللغة كـ ابن سلام به، والشافعي كذلك وهو من أئمة اللغة، وقد قال بمفهوم المخالفة.\nوالدليل حديث: (إنما الماء من الماء) أي: لا يمكن الاغتسال إلا بالإنزال، فإذا لم يكن الإنزال فلا اغتسال فقلنا لهم: المفهوم حجة وبينا ذلك.\nإذا علم أن الراجح هو قول الجمهور، وهو أنه لا يجوز أن يتزوج بالأمة الكتابية بدليل مفهوم المخالفة من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥] فليعلم كذلك أنه يخصص عموم قوله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣] وكأن مراد الله: فانكحوا ما طاب لكم من النساء الحرائر سواء كن كتابيات أو مؤمنات مسلمات، والإماء خاصة المسلمات دون الكتابيات، إذ أن مفهوم المخالفة من قوله: فتياتكم المؤمنات، هو أن الفتيات غير المؤمنات لا يجوز لكم النكاح منهن.\nإذًا: فمفهوم المخالفة هذا يخصص عموم قول الله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فهو عام مخصوص، والمراد به الحرائر المسلمات والحرائر الكتابيات والإماء المسلمات خاصة دون الإماء الكتابيات.","vol":"6","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>ملكية ثمر النخل قبل التأبير وبعده</span>\nمن المسائل التي يرجع الخلاف فيها ضمن مفهوم المخالفة مسألة في كتاب البيوع وهي: النخلة إذا أبرت ثم بيعت، فلمن يكون ثمرها؟ معلوم: أن النخيل جنسين ذكر وأنثى، فالذكور لا تثمر، ومهمتها إخراج الطلع الذي يؤخذ ثم يشق متاع الأنثى ويوضع فيه الطلع فيحدث اللقاح، وهو ما يسمى بـ: التأبير، ومن ثم تثمر الأنثى ولا تثمر إلا بذاك، فلو أن شخصًا يمتلك نخلًا ثم أبره وبعد ذلك بدا له أن يبيعه، فجاء مشتر ليشتري هذا الحائط، الذي فيه النخيل، فهل الثمر الذي تعب فيه البائع يكون له بعد الشراء أم يكون للمشتري؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين، ومدار الخلاف أيضا على مفهوم المخالفة، فمن قال بحجية مفهوم المخالفة وهم الجمهور يقولون: الثمرة للبائع إذا أبرت فإن لم تأبر فهي للمشتري، ومن لم يقل بحجية مفهوم المخالفة وهم الأحناف فيقولون: نتفق مع الجمهور في أنها بعدما أبرت تكون للبائع، ونخالفهم في أنها قبل أن تأبر فهي للبائع أيضًا.\nعلم أن الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة يقولون: الثمرة تكون للبائع وليست للمشتري، فينبغي أن يتفق البائع مع المشتري عند الجزاء، فيقول البائع للمشتري: عندما تثمر هذه النخلة فهي لي وليست لك، واستدلوا بقول النبي ﷺ: قد أبرت، فهذا وصف للنخل، أم نقول: لا مفهوم؟ فالنبي ﷺ قال: (من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع) ووجه الدلالة من الحديث: أن مفهوم المخالفة لقول النبي ﷺ (من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع): أنها إذا بيعت ولم تؤبر فهي للمشتري، وليس للمشتري أن يستصحب الحكم فيحلق الحكم قبل التأبير بالحكم بعد التأبير؛ لأن النبي ﷺ فصل في النزاع وقال: قد أبرت، فمفهوم المخالفة: إن لم تكن قد أبرت فإنها للمشتري.\nمعلوم أن الأحناف يقولون: الثمرة ليست للمشتري قبل التأبير، بل هي أيضا للبائع، ودليلهم: عموم قوله ﷺ: (من باع أرضا أو حائطا فثمرتها للبائع) ووجه الدلالة للأحناف: أنه لم يقيد بالتأبير هنا، فهو على الإطلاق، ينبغي للمطلق أن على إطلاقه حتى يأتي ما يقيده.\nالقول الراجح: هو قول الجمهور؛ لأن المقيد هو مفهوم المخالفة، فإن النبي ﷺ قال: قد أبرت، بمعنى أنها إن لم تؤبر فثمرتها للمشتري؛ تخصيصا لعموم قول النبي ﷺ: فثمرتها للبائع، إن صح الحديث.","vol":"6","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>المنطوق</span>\nالمنطوق: هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق.","vol":"6","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>أقسام المنطوق</span>\nالمنطوق له قسمان: منطوق صريح ومنطوق غير صريح.\nأما المنطوق الصريح: فهو الذي يدل بدلالة المطابقة أو التضمن؛ لأن دلالات الألفاظ ثلاث: دلالة مطابقة، ودلالة تضمن، ودلالة التزام، مثال دلالة المطابقة بالمنطوق الصريح: قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥].\nفقوله: أحل الله البيع، منطوق صريح مطابق لحلية البيع، وكذا قوله: وحرم الربا، فإنه تصريح في تحريم الربا.\nأما المنطوق غير الصريح: فإن دلالته على الحكم دلالة استلزام، ودلالة اللزوم منها ما هو من مقتضى اللفظ، ومنها ما هو بالإيماء، ومنها ما هو بالإشارة، وهي أقسام المنطوق غير الصريح.\nينقسم المنطوق غير الصريح إلى ثلاثة أقسام: الأول: دلالة الاقتضاء.\nالثاني دلالة الإيماء، الثالث: دلالة الإشارة.\nأما ما يقتضيه اللفظ: فهو الذي يتوقف اللفظ على صحته عقلًا وشرعًا، مثاله: قول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] فقوله: ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر المعنى فيه غير مستقيم فلا بد من تقدير، والتقدير: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ فأفطر فعدة من أيام أخر، أي: فهناك أيام أخرى عليه أن يصومها، فتقدير كلمة: فأفطر، هو معنى المقتضي أي: أن اللفظ يقتضي هذا التقدير، وإذا لم يكن ثمة تقدير هنا فسيظل الكلام غير صحيح شرعًا وعقلًا.\nأما دلالة الإيماء -كما يسميها الأصوليون- فلا يتوقف صدق الكلام أو صحته شرعًا وعقلًا عليه، فكأن النبي ﷺ يومئ بأن هذا الحكم سببه هذا الفعل.\nمثال ذلك: ما جاء عن النبي ﷺكما في سنن أبي داوود بسند صحيح-: أنه (جاء رجل يمسك لحيته ويضرب وجهه ويقول: يا رسول الله! هلكت، فقال له: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في نهار رمضان، قال: اعتق رقبة) فأمر النبي ﷺ له أن يعتق رقبة يومئ أن حكمه عليه أن يعتق رقبة بسبب أنه وقع على أهله في نهار رمضان.\nإذًا: فدلالة الإيماء: أن يومئ الشرع بحكم معلق على سبب، مثال ذلك أيضًا: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨]، فكأن القطع سببه السرقة، وكأن الشرع يومئ أن القطع لا يكون إلا بالسرقة.\nفالمختلس لا يقطع، مع أنه اشترك مع السارق في أخذ المال؛ لأن الشرع أومأ بأن الحكم معلق على السارق، فغير السرقة حتى لو اتفقت معها على أخذ المال فلا تدخل تحت الحكم.","vol":"6","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>أهمية تطبيق علم الأصول على الفروع الفقهية</span>\nأعلم الدكاترة الذين تخصصهم في الأصول لا يعرفون كيف يطبقون الأصول على الفقه، والفقيه العاري عن الأصول ليس بفقيه، فلا ينبغي أن تأخذ منه فقهًا؛ لأنه لن يستطيع أن ينظم الفقه، فهو مقلد يحفظ فروعًا يلقيها على مستمعيه فحسب، ولذا لا بد أن يُعلم أن الإتقان في هذه المسائل سيما دلالة الإيماء ودلالة الإشارة هو الذي يفرق بين عالم وآخر، فمفهوم الإشارة هو مقصود الكلام، إذ المتكلم لا يقصد ما فهمته أنت، كقول النبي ﷺ مثلا (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب بلب الرجل منكن قالوا: وما نقصان عقلها يا رسول الله؟ قال: أليست لا تصلي ولا تصوم في الحيض؟)، فقد اكتشف بعض العلماء منها مع بعض الروايات الأخرى بالإشارة -أن أقل مدة طهر تكون ثمانية عشر يوما، أو أكثر مدة حيض تكون خمسة عشر يوما، مع أن سياق الحديث لم يذكر: لا أقل ولا أكثر، وإنما فهم منه بعد الاستنباط والنظر، إذ هو الذي يبين الفرق بين العلماء، ويذكر أن الشافعي ذهب ضيفًا عند الإمام أحمد بن حنبل فأثقل عليه العشاء وأكل كثيرا، ثم نام أحمد وقام يأخذ قسطه من الليل، بينما ظل الشافعي في مكانه متيقظًا فلم ينم ولم يصل من الليل شيئا، فلما بزغ الفجر قام الشافعي يصلي الفجر من غير أن يتوضأ، فاندهشت بنت الإمام أحمد وقالت: يا أبت! أهذا الشافعي شيخك؟! قال: نعم! هو الشافعي شيخي.\nقالت: أخذت عليه ثلاثًا.\nقال: هاتها.\nقالت: يأكل كثيرًا -وهذه ليست سمة العلماء الأتقياء- وينام كثيرًا، ويصلي بغير وضوء، وكأنها تقول: أي علم عند الشافعي وهو يأكل كثيرا فهمه البطن لا العقل، وهذه طبعا لا تكون دأب العلماء فهم لا يفعلون ذلك؛ لأن الطعام الكثير يضغط على المعدة، فمن أكل كثيرًا اشتهى كثيرًا فجامع كثيرًا ولم يقرأ من العلم شيئًا، كما أنه ينام كثيرًا، ولم يكن له من الليل شيء يأخذه ليستقبل ربه سحرًا، ثم صلى الشافعي بغير وضوء، وحكم ومن يصلي بغير وضوء وهو يعلم أنه بغير وضوء وفعل ذلك مستهزئًا الكفر.\nوجريًا على القاعدة التي ذكرناها -أي: أنه لا يتجرأ على التكفير إلا جريء- فإنه لا يكفر عينًا، وإنما يقال: عمله عمل كفر.\nفلما عرف ذلك اندهش الإمام أحمد وقال: يا إمام! ابنتي قالت فيك كذا وكذا، فقال الشافعي -حتى يزيل الدهشة عن الإمام وهذا هو الشاهد-: أما وقد أكلت كثيرًا: فإني وجدت طعاما طيبًا مباركا من الحلال فقلت: أكثر من الحلال يغنيني الله جل في علاه فأكثرت منه، وأما النوم كثيرا: فإني ما نمت لحظة من الليل، بل جلست على أريكتك هذه أفكر في حديث النبي ﷺ (يا أبا عمير ما فعل النغير) فاستنبطت منه نيف ومائة مسألة.\nأو قال أكثر من مائة وعشرين مسألة، فاندهش الإمام أحمد وقال: هذه التي لا نستطيعها؛ لأن هذه محل فضل العلماء، ولذلك قال عمر بن الخطاب ﵁: نعوذ بالله من قضية وليس فيها أبو الحسن يريد عليًا بن أبي طالب ﵁ وأرضاه؛ لشدة علمه، فقالوا لـ علي: خصك النبي بعلمه؟ فقال: والله ما خصنا النبي ﷺ نحن أهل البيت بشيء، إلا فهما يؤتيه الله من يشاء في كتابه، فالفهم هو الذي يفصل بين عالم وآخر، فلا بد من الأصولي الذي يتعلم الأصول، ثم يتبعه بالتطبيق ويتدرب على المسائل العملية، فيحرر محل النزاع، ويدرك وجوه الاختلاف والترجيح.","vol":"6","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>دلالة الإشارة</span>\nدلالة الإشارة: هي النظر بدقة في معنى الحديث والغوص فيها حتى يستنبط منه الحكم، مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥].\nفالحمل والفصال ثلاثون شهرًا أي: سنتان وستة أشهر، وقال الله جل في علاه أيضا في آية أخرى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣] فأخبر أن الرضاعة أربعة وعشرون شهرًا، فعلم بالإشارة من هذه الآية: أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وهذا الذي فهمه عثمان بن عفان، فأوضحه لـ عمر بن الخطاب؛ لأن عمر بن الخطاب كاد أن يقيم الحد على امرأة قد ولدت بعد ستة أشهر، فبين له أن ستة أشهر هي أقل مدة للحمل.","vol":"6","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>أثر الخلاف في المسائل الفقهية</span>\nأثر الخلاف في المسائل الفقهية.\nيظهر أثر الخلاف جليًا في مسألة قراءة الفاتحة في الصلاة للمأموم، ومسألة الأكل والشرب ناسيا للصائم، ومسألة المتكلم في الصلاة، فكل هذه المسائل جلها نزاع، ومحله: الاختلاف في عموم المقتضى، قال رسول ﷺ كما في السنن (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فالمقتضى: رفع الإثم ورفع الحكم عند الجمهور، أما الأحناف فلا يوافقون على العموم.\nويظهر الخلاف جليا في مسألة الذي تكلم ناسيا أو مخطئا أو مكرها في الصلاة، كأن يصلي رجل فرأى حية أمامه، فقال كلمة تذهب بصلاته، كأن يقول: أدركوني.\nأو حدث أن أباه فضل أخاه عليه، فوهبه شيئًا أثمن مما أعطاه، ثم ذهب ليصلي وفكره جائل فيما حدث من تفضيل أبيه لأخيه، ثم تحدث في الصلاة فقال: أبي فضل أخي عليّ، فبطلان صلاته وصحتها مما اختلف فيها العلماء، ومدار الخلاف مبني على الخلاف في عموم المقتضي، أي: هل يعم أم لا؟ وهل الرفع في الحديث رفع الإثم والحكم أم رفع الإثم فقط ويبقى الحكم؟ ولمزيد من الإيضاح نبين معنى رفع الإثم ورفع الحكم، فمعنى قولنا: رفع الإثم أي: أنه ليس بآثم؛ لأنه تكلم في الصلاة ناسيًا، إذًا أنه من تكلم عامدًا في الصلاة فقد أثم؛ لأنه فعل مبطلًا لها.\nومعنى قولنا: رفع الحكم أي: لا تلزمه إعادة الصلاة، والخلاف: هل يرفع الحكم أم لا يرفع؟ فهذا هو محل النزاع، وقد اتفق الجمهور مع الأحناف في رفع الإثم، واختلفوا في رفع الحكم، فقال الجمهور: يرفع الحكم، وكلامهم هو الصحيح؛ لعموم المقتضي، بمعنى: أن قول النبي ﷺ: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) الأصل فيه: رفع الإثم ورفع الحكم، وعضدوا هذا المذهب بقرائن أخرى، وهذا من تنوع الأدلة؛ لقوة القول، فعضدوا هذا القول بحديث معاوية بن الحكم السلمي الذي تكلم في الصلاة عندما وجد آخر قد عطس فقال: الحمد لله.\nفقال له: يرحمك الله.\nقال معاوية: فوجدتهم يحدقون في البصر، فقلت: مالكم، ويح أمي ما فعلت، كل هذا في الصلاة، فضربوا على أفخاذهم كأنهم يسكتونه فسكت، فتكلم فكادوا يقتلونه، فجاء النبي ﷺ فقال (إن في الصلاة لشغلا، إن هذه الصلاة لا يصلح فيها من كلام الناس شيء) ثم علمهم، وقال معاوية: والله ما نهرني ولا كهرني، اللهم أرحمني ومحمدًا ولا ترحم أحدًا بعدنا.\nووجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ لم يقل له: أعد الصلاة، فتبين أنه رفع عنه الإثم رفعت عنه الصلاة، أما الأحناف فقالوا: نقول برفع الإثم ولا نقول بعموم المقتضي، فلا يقولون برفع الحكم، واستدلوا على ذلك بأدلة، منها: حديث ابن مسعود عندما دخل على النبي فسلم عليه فلم يرد ﵇ ونهاه عن الكلام في الصلاة، والأصل: أن مطلق النهي يقتضي الفساد، والدليل: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، و(من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) يعني باطل، وهذا يدل على أن مطلق النهي يقتضي الفساد وهذا قول الأحناف.\nوالراجح والصحيح -هو قول الجمهور-: أن من تكلم ناسيا فقد رفع عنه الإثم ورفع عنه الحكم، والذي يعضد ذلك فعل النبي ﷺ مع معاوية فلم يقل له: أعد الصلاة، وهنا يقال: هل للأحناف أن يحتجوا بحديث المسيء صلاته؟ فقد قال له النبي ﷺ: (ارجع فصل فإنك لم تصل)؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس بحجة لهم؛ لأن محل النزاع: هو الكلام في الصلاة ناسيًا، أما من ناحية الفرق فقد فرق الفقهاء بين فعل المأمورات وترك المحظورات، كما سنبينها إن شاء الله، والغرض المقصود هنا: أن المتكلم إن كان ناسيًا أو مكرها أو مخطئا فصلاته صحيحة، ورفع عنه الإثم؛ بدلالة عموم المقتضي في حديث: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان).","vol":"6","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>عموم المقتضي</span>\nاختلف العلماء في بعض المسائل التي تتعلق بالمنطوق، وإن كانوا قد اتفقوا في ذلك إجمالًا، ومن تلك المسائل التي اختلفوا فيها: عموم المقتضى، ففي دلالة الاقتضاء -التي هي من دلالات المنطوق غير الصريح- قد يقتضي اللفظ واحدًا أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة، كأن يقال مثلًا: قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] فالمنطوق الصريح: حرمة الأمهات، ولا يفيد معنىً صحيحًا عقلًا وشرعًا، فعلم أن اللفظ يقتضي شيئا قد قدر: وهو الزواج، فالتقدير: حرم عليكم وطء الأمهات، فمعنى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ أي: وطؤهن، ونلحظ في هذه الآية: أن المقتضي اقتضى شيئًا واحدًا وهو الزواج، غير أن هناك أدلة تقتضي أكثر من مقتضٍ واحد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة:١٧٣] فاللفظ يقتضي أكثر من حالة، فهو يقتضي: الأكل أو الاستعمال أو الانتفاع بها أو البيع أو الشراء، وهنا يسأل هل يؤخذ بعموم هذا أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول -هو قول الجمهور-: أنه يجب العمل بعموم المقتضي، فإذا قال الله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ فقد حرم الأكل والانتفاع بالبيع والشراء أو غيره، إلا ما دل الدليل على تخصيصه كالانتفاع بالإهاب بعد دبعه.\nالقول الثاني -وهو قول الأحناف-: وهو أن المسألة خاصة في الأكل فقط، وعموم المقتضي لا يقولون به.\nوإذا قالوا بغيره فيقولونه بدليل.","vol":"6","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>طلاق المكره</span>\nومن ذلك طلاق المكره: كأن يؤخذ رجل ويجبر على طلاق زوجته، ويهدد بأنه إذا لم يفعل فإنه سيقتل، فقال: هي طالق ثلاثًا، فاختلف هل يقع الطلاق منه أم لا؟ ومدار المسألة على نفس الحديث أيضا والمقتضي، وهل رفع الإثم والحكم أم رفع الإثم فقط؟ ووجه الدلالة في الحديث: قوله: (وما استكرهوا عليه)، فإن الإكراه مصرح به؛ فرفع الإثم ورفع الحكم عند الجمهور جريًا على العمل بعموم المقتضي، وخالف الأحناف جريًا على عدم العمل بعموم المقتضي، فكان مفاد قول الجمهور: أن الطلاق يقع؛ لعموم المقتضي، وكان مفاد قول الأحناف: أن الطلاق لا يقع؛ لأنهم لا يقولون بعموم المقتضي، وعضد الجمهور قولهم بمفهوم عموم المقتضي في حديث: (لا طلاق في إغلاق) ووجه الدلالة في الحديث: أن معنى (إغلاق): إما غمي على عقله فيهرف بما لا يعرف، وإما أنه قد أكره فتكلم بما لا يريد، وإما أنه مخطئ في نفس الأمر، فيتكلم بما لا يريد أن يتكلم به، وعلل الأحناف قولهم بأن طلاقه يقع: بقصد الطلاق، وذلك بقوله: هي طالق، وقد قال الله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩] وعضدوا قولهم بقول النبي ﷺ: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، الطلاق والإعتاق والنكاح) فقالوا: الهازل إذا طلق يقع طلاقه وهو لا يريد لفظ الطلاق، كما أن المكره كذلك لا يريد لفظ الطلاق، ويسمى عند الأصوليين: العلة.","vol":"6","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>مسألة</span>\nلو أن رجلًا أخذ ثم أجبر على أن يطلق زوجته فطلقها، ثم تزوجت رجل آخر، وبعده ولدت للثاني ولدين أو أكثر، فهل ينسب هؤلاء الأولاد للزوج الثاني أم لا؟ أما الجمهور فقالوا: لا يقع طلاقه ابتداءً، ومن ثم فالعقد الثاني يفسخ، ولا يعد زنًا للشبهة، وإنما يعطيها المهر لما استحل من فرجها، ولا بد أن ترجع للأول، ولكن الأول لا يجامعها إلا بعد أن يستبرئ رحمها، واستبراء الرحم حيضه واحدة؛ لأن النبي ﷺ قال (لا تطأ حاملًا حتى تضع، ولا حائلًا حتى تحيض حيضه) والحيضة معناها: استبراء الرحم، واستبراؤء بحيضه واحدة، أما الأحناف فالطلاق عندهم يقع، والزواج الثاني صحيح، ودليل الأحناف القياس على الهازل، وعدم العمل بعموم المقتضي.\nوالراجح الصحيح: هو قول الجمهور، حاصله: أن الطلاق لا يقع؛ لقول النبي ﷺ (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) إذ أن (رفع) في الأصل تدل على كمال الرفع، فتدل على رفع الإثم والحكم، ما لم يأت الدليل على خلاف ذلك، ونحن ندور مع الحديث حيث دار، وأيضًا: عموم قول النبي ﷺ: (لا طلاق في إغلاق) و(لا طلاق) يعني: لا طلاق واقع.\nأما قياس الأحناف: فإنه قياس فاسد الاعتبار؟ لأنه قد خالف نصًا، وهو قول النبي ﷺ: (لا طلاق في إغلاق).","vol":"6","page":21},{"text":"الاختلاف في القواعد الأصولية -<span data-type=\"title\" id=toc-86> الأمر واقتضاؤه الوجوب</span>\nالأمر يقتضي الوجوب على قول جماهير العلماء، ولا يصرف إلى الاستحباب إلا بصارف من نص أو قرينة أخرى معتبرة، ولهذه القاعدة أثر كبير في بيان أحكام كثير من المسائل الفقهية؛ ولذا ينبغي لطالب العلم إتقانها وتحقيقها.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>الأمر</span>","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>تعريف الأمر</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد.\nفما زلنا مع اختلاف الأصوليين في القواعد الأصولية، وأثر هذا الاختلاف في المسائل الفقهية، فنقول: الأمر هو: طلب الفعل على وجه اللزوم على جهة الاستعلاء.\nأي: طلب الله جل في علاه من المخلوق المربوب أن يفعل هذا الفعل، كقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [المزمل:٢٠] فطلب فعل الصلاة هو طلب الفعل على وجه اللزوم، يعني: لابد أن تقول: سمعت وأطعت، ولست مخيرًا بين الفعل وغيره، فإذا قال: صل، فلست مخيرًا بين أن تصلي وألا تصلي.\nأما قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] فهذه صيغة تهديد، يهدد الله جل في علاه وكأنه يقول: فمن شاء فليؤمن وسيرى ما عندي، ومن شاء فليكفر وسيرى عقابي، فهذه صيغة تهديد.","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>مراتب الأمر</span>\nفعل الأمر ينقسم إلى ثلاث مراتب من حيث الآمر: المرتبة الأولى: من الأعلى للأدنى، وهذا هو الذي يكون على وجه الاستعلاء، وفائدة معرفة أنه من الأعلى للأدنى أنك إذا علمت أن الأمر من الأعلى قلت: سمعت وأطعت، وليس لك تخيير فيه.\nالمرتبة الثانية: من الأدنى للأعلى، ويكون معناه الطلب والدعاء والترجي، كقول الله تعالى مبينًا لنا ما نقول: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٥٣].\nالمرتبة الثالثة: من المساوي للمساوي، ومن النظير للنظير، وهذا يسمى التماسًا، فأنت تلتمس ممن يساويك في أمر معين وتقول له: اكتب لي هذا الدرس، أو ائتني بهذه الوسادة، فهذا التماس.","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>صيغه</span>\nالأمر له صيغ منها: أولًا: فعل الأمر: كقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] وقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٩٤]، وقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، فالوفاء بالعقود من الواجبات؛ لأن الله أمر به.\nثانيًا: من صيغ الأمر أن يقترن الفعل المضارع بلام الأمر: كقول الله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق:٧]، (لينفق) اللام هنا لام الأمر كأن الله يقول: أنفقوا مما آتيناكم.\nوأيضًا قول الله تعالى عن صوم رمضان: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣]، وقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، فكل هذه أفعال مضارعة اقترنت بلام الأمر فتفيد الأمر، والأمر للوجوب.\nثالثًا: من صيغ الأمر اسم فعل الأمر: قول النبي ﷺ عن طلحة يوم أحد: (دونكم صاحبكم فقد أوجب)، أي: أوجب الجنة بما فعل من الخير والمدافعة عن رسول الله.\nومنه قول المؤذن في الأذان: حي على الصلاة، فهذا اسم فعل أمر.\nومنه قول الله تعالى حاكيًا عن امرأة العزيز أنها قالت ليوسف: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣]، يعني: هلم وتعال.\nومنه قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]، يعني: الزموا أنفسكم.\nومنه حديث: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)، عليكم: اسم فعل أمر.\nوعندما يقول الإمام: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] نقول: آمين، وهذا اسم فعل أمر بمعنى: استجب، لكن هذا الأمر من الأدنى إلى الأعلى.","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>ما يقتضيه الأمر من وجوب أو ندب</span>\nاختلف العلماء في الأمر هل يدل على الوجوب بذاته أم لا بد من قرينة تثبت هذا الوجوب؟ وفي هذه المسألة أقوال أربعة: القول الأول: الأمر للوجوب، وهذا قول جمهور أهل العلم.\nالقول الثاني: الأمر يدل على الندب إلا إذا جاءت القرائن التي تبين الوجوب.\nالقول الثالث: الوقف، فلا يدل على الوجوب ولا على غير الوجوب حتى تأتي القرائن.\nالقول الرابع: الأمر للإباحة، وهذا ضعيف.\nوالراجح الصحيح أن ظاهر الأمر يدل على الوجوب كما هو قول الجمهور، والدليل على ذلك قول الله جل في علاه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور:٦٣]، قال أحمد: الفتنة الشرك، فقد حذر الله من مخالفة أمر النبي ﷺ، وهذا التحذير يدل على أن الأمر للوجوب.\nأيضًا قول النبي ﷺ: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)، وفي رواية: (عند كل صلاة)، فقد امتنع من الأمر حتى لا تقع المشقة؛ ولذلك قال الشافعي: لو أمر لوجب شق أو لم يشق.\nأيضًا قول النبي ﷺ: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)، فلا يستحق النار إلا من عصى.\nوأوضح من ذلك حديث أم سلمة ﵂ وأرضاها عندما (دخل النبي ﷺ عليها وهو غضبان فقالت: يا رسول الله! من أغضبك أهلكه الله؟! فقال: أمرت الناس بأمر فلم يأتمروا)، والهلاك لا يلحق إلا من عصى، وهي دليل على أن عصيان الأوامر يأتي بالهلاك؛ لأنه خالف أمر الله، فهذه دلالة على أن أمر الله على الوجوب لا على الاستحباب كما هو الراجح والصحيح الذي لا محيد عنه.\nوالقول بأنه على الاستحباب إلا لقرينة هو قول بعض الشافعية وبعض الأحناف.","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>خلاف العلماء فيما يقتضي الأمر</span>\nاختلف العلماء في الأمر هل يدل على الوجوب بذاته أم لا بد من قرينة تثبت هذا الوجوب؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال أربعة: القول الأول: الأمر للوجوب، وهذا قول جمهور أهل العلم.\nالقول الثاني: الأمر يدل على الندبية إلا إذا جاءت القرائن التي تبين الوجوب.\nالقول الثالث: الوقف، فلا يدل على الوجوب ولا على غير الوجوب حتى تأتي القرائن.\nالقول الرابع: الأمر للإباحة، وهذا ضعيف، والراجح الصحيح أن ظاهر الأمر يدل على الوجوب كما هو قول الجمهور، والدليل على ذلك قول الله جل في علاه في كتابه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور:٦٣]، قال أحمد: الفتنة الشرك، فقد حذر الله من مخالفة أمر النبي ﷺ، وهذا التحذير يدل على أن الأمر للوجوب.\nأيضًا قول النبي ﷺ: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)، وفي رواية: (عند كل صلاة)، فقد امتنع من الأمر حتى لا تقع المشقة؛ ولذلك قال الشافعي: لو أمر لوجب شق أو لم يشق.\nأيضًا قول النبي ﷺ: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)، فلا يستحق النار إلا من عصى.\nوأوضح من ذلك حديث أم سلمة ﵂ وأرضاها عندما (دخل النبي ﷺ عليها وهو غضبان فقالت: يا رسول الله! من أغضبك أهلكه الله؟! فقال: أمرت الناس بأمر فلم يأتمروا)، والهلاك لا يلحق إلا من عصى، فهذه دلالة على أن عصيان الأوامر يأتي بالهلاك؛ لأنه خالف أمر الله، فهذه دلالة على أن أمر الله على الوجوب لا على الاستحباب كما هو الراجح والصحيح الذي لا محيد عنه.\nوالقول بأنه على الاستحباب إلا لقرينة هو قول بعض الشافعية وبعض الأحناف.","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>أثر الاختلاف في حكم الأمر في المسائل الفقهية</span>","vol":"7","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>صلاة ركعتين قبل المغرب</span>\nاختلاف العلماء في الأمر هل هو للوجوب أم لا ظهر أثره في الاختلاف في الأحكام الفقهية.\nوقد اتفق أهل الظاهر مع الجمهور أن ظاهر الأمر الوجوب إلا أن تأتي قرينة تصرفه من الوجوب إلى الاستحباب، لكنهم اختلفوا فيما بينهم هل كل صارف يصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب: فقالت الظاهرية: لا يمكن أن نرضى بصارف يصرف كلام النبي ﷺ من الوجوب إلى الاستحباب إلا بقرينة أظهر من شمس النهار وذلك إما بالنص أو بالإجماع.\nمثال ذلك: قول النبي ﷺ: (صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب) فظاهر الأمر الوجوب، ولا يمكن أن يصرف على قول الظاهرية إلا بنص أو إجماع، وقد جاء النص على أن الركعتين قبل المغرب على الاستحباب لا على الوجوب، والنص هو قول النبي ﷺ: (صلوا قبل المغرب؛ لمن شاء)، فهذا التخيير هو الصارف من الوجوب إلى الاستحباب.\nوالجمهور يرون أن الصارف يمكن أن يكون نصًا أو إجماعًا أو قياسًا أو مفهوم مخالفة أو بالنظر والمعنى، وهذا كلام جيد وهو أوسع، لكن في بعض الأحايين ترى قوة قول أهل الظاهر على قول الجمهور.","vol":"7","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>حكم التسمية عند الطعام، والأكل والشرب باليمين</span>\nالتسمية عند الأكل: فالتسمية عند الأكل هي عند الجمهور على الاستحباب، أما أهل الظاهر فقالوا: هي على الوجوب، واستدلوا بقول النبي ﷺ لـ عمرو بن سلمة: (يا غلام! سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك).\nفهذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب، فقال أهل الظاهر: التسمية واجبة عند الطعام، والأكل باليمين واجب عند الطعام؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك، والنبي لا يأمر إلا بالواجب، ولو أكل وشرب ولم يسم عامدًا يأثم عند الظاهرية، أما إن كان ناسيًا فلا يأثم بالاتفاق.\nوالتسمية عند الجمهور سنة وليست واجبة، قالوا: لأن هذا من باب الآداب، وهذه قاعدة عند الجمهور، وهي: الأوامر والنواهي إن كانت من باب الآداب فهي تصرف الأوامر من الوجوب إلى الاستحباب، وتصرف النواهي من التحريم إلى الكراهة.\nوأنا لا أميل لهذا القول، بل القول الأقوى والأصح دليلًا هو قول أهل الظاهر فإذا لم يرد نص ولا إجماع ولا مفهوم ولا نظر ولا قياس حتى نقول بالصرف فيبقى أمر النبي ﷺ على ما هو عليه؛ حفظًا لأوامر النبي ﷺ؛ فلذا نقول: لزامًا على الآكل أن يسمي وأن يأكل بيمينه.\nويستدل لأهل الظاهر بأن النبي ﷺ قال لرجل: (كل بيمينك، قال: لا أستطيع، فقال له النبي ﷺ: لا استطعت، فما رفع يده إلى فيه).\nلكن للجمهور أن يجيبوا عن هذا الاستدلال بما في آخر الحديث: (ما منعه إلا الكبر)، فيكون الدعاء عليه من أجل الكبر.\nونحن نقول: بل للأمرين؛ لأنه لم يأكل باليمين ولأنه متكبر، فالصحيح الراجح وجوب التسمية عند الطعام ووجوب الأكل والشرب باليمين، لا سيما وقد قال النبي ﷺ: (لا تأكلوا بشمالكم فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله)، وهذا ظاهره التحريم، والله تعالى أعلى وأعلم.","vol":"7","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>حكم وطء الزوجة بعد الطهر قبل الغسل</span>\nوطء الزوجة بعد أن تطهر من الحيض واجب عند أهل الظاهر، فهم يرون وجوب إتيان الزوجة فور الطهر.\nوعندهم يكفيها أن تغسل الفرج دون أن تغتسل، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢].\nومحل الشاهد: (فأتوهن من حيث أمركم الله)، وهذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب، فيجب على الزوج إذا طهرت زوجته من الحيض أن يأتيها ائتمارًا بأمر الله جل في علاه.\nوقال جمهور أهل العلم: المرأة إذا طهرت من الحيض يستحب لزوجها أن يأتيها؛ لأمر الله جل في علاه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢].\nوبعض العلماء قالوا: هو على الإباحة لا على الاستحباب، والأوامر قد تأتي على الإباحة، كقول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]، وقوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١]، فهذا الأكل على الإباحة لا على الوجوب.\nوالصحيح الراجح هو قول الجمهور، والصارف الذي صرف الأمر في قول الله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢] من الوجوب إلى الاستحباب أن الأصل في الجماع أنه على الإباحة، لاسيما وأن هذا الأمر جاء بعد الحظر؛ لأنه قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فحرم الإتيان وقت الحيض، وبعد هذه الحرمة جاء الأمر بالإباحة فقال: «فَأْتُوهُنَّ» يعني: النهي معلق بصفه الحيض، فإذا انتهى الحيض انتهى التحريم، ويرجع الأمر على ما هو عليه من الإباحة.","vol":"7","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>حكم المتعة للمطلقة قبل الدخول عليها</span>\nالمطلقات على أنواع: الأولى: المعقود بها ولم يدخل بها.\nالثانية: المدخول بها.\nومن عقد عليها من غير دخول لها حالتان: الحالة الأولى: أن يكون قد فرض لها مهرًا معلومًا.\nالحالة الثانية: لم يفرض لها مهرًا معلومًا.\nفالتي لم يفرض لها المهر المعلوم قال الله تعالى فيها: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦]، فهذه الآية اختلف فيها العلماء، فالشافعية والأحناف والحنابلة يرون وجوب المتعة للمطلقة قبل الدخول عليها ولم يفرض لها فريضة يعني: لم يسم لها المهر، قال الله: «مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ» يعني: ما لم تدخلوا بهن، ثم قال: «وَمَتِّعُوهُنَّ»، فهذا فعل أمر، والأمر ظاهره الوجوب، وأيضًا أكد هذا الأمر بقوله: «حَقًّا»، والحق فيه دلالة على الوجوب.\nأما المالكية فقالوا: سلمنا أن الأمر ظاهره الوجوب، لكنا نقول: هذا الأمر قد صرف من الوجوب إلى الاستحباب، والصارف في الآية نفسها، فالله قال في الآية: «حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ»، قالوا: والإحسان ليس بواجب بالاتفاق، فإن كان الإحسان ليس بواجب فالمتعة ليست بواجبة، بل هي من مكارم الأخلاق لقول الله تعالى: «حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ».\nوالصحيح الراجح هو قول جمهور أهل العلم؛ لأن الأمر ظاهره الوجوب، ولا صارف له، وهذا الصارف الذي ذكرته المالكية غير معتبر؛ لأن الإحسان من الواجبات، فالراجح الصحيح هو أن المرأة التي طلقت قبل الدخول ولم يفرض لها فريضة أنه لا بد لها من المتعة، لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦].\nوهذه المتعة اختلف العلماء في تقديرها، والصحيح الراجح أن مردها إلى العرف، فالموسع يمتع على قدر غناه، والمقتر يمتع على قدر فقره.","vol":"7","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>حكم الإشهاد على الرجعة</span>\nالرجعة تطلق على شيئين: الرجعة التي يؤمن بها الشيعة، وقد افتراها اليهودي الذي ضيع الشيعة عبد الله بن سبأ، وهذه الرجعة تمس العقيدة، فالشيعة يعتقدون رجعة محمد بن الحسن العسكري، ويقفون عند السرداب ويقولون: ارجع يا محمد بن العسكري! وتطلق الرجعة على الرجعة من الطلاق، فالجمهور يرون أن الرجعة لا تحتاج إلى إشهاد.\nمثلًا: دخل رجل على امرأته فوجدها في حال لا يرضيه فقال: أنت طالق، وبعدما طلقها توضأ وصلى لله نافلة فاستغفر ربه وأناب وقال: لم فعلت بامرأتي هكذا؟! فذهب إليها وقال: سامحيني قد رددتك، فراجعها، فهذه الرجعة هل تقع أو لا تقع؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: جمهور أهل العلم يرون أن هذه الرجعة تقع.\nوالظاهرية يرون أن هذه الرجعة لا تقع، لأنه لم يأت بركن الرجعة وهو الإشهاد، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] يعني: أشهدوا على هذه الرجعة، (وأشهدوا) فعل أمر، والأصل في فعل الأمر أنه على الوجوب، فقالوا: يجب على المطلق إذا أراد أن يراجع امرأته أن يشهد، فمن أراد إرجاع امرأته دون إشهاد فهذه الرجعة غير معتبرة.\nوهذا رجحه من المتأخرين الشيخ الألباني رحمة الله عليه، قال: الرجعة لا تصح بحال من الأحوال إلا بالشهود.\nوظاهر الدليل معهم.\nوعند الجمهور أن الأمر بالإشهاد للاستحباب، والصارف هو الأصول والمقاصد الشرعية، قالوا: أولًا: هذه الرجعة على النكاح الأول، فإذا كانت على النكاح الأول فاستدامتها صحيحة، ولو كانت نكاحًا جديدًا لكان الأمر للوجوب.\nثانيًا: قالوا للظاهرية: إذا قلتم بوجوب الإشهاد فيجب الولي، فلما لم يجب فيها ولي وهو أهم أركان النكاح، فإنه لا يجب فيها الشهود.\nوالغرض أنه عقد لم يفتقر إلى الولي فلم يفتقر أيضًا إلى الشهود.\nوهذا النظر قوي جدًا، يصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب.\nثالثًا: هذا الإرجاع لا يفتقر إلى رضا المرأة، فلو دخل على امرأته وقال: رددتك، فقالت: أنا لن أرجع إليك، فالرجوع يصح، ورضا الزوجة من أهم أركان النكاح، وهو لا يشترط في الرجعة، فإذًا لا يشترط الإشهاد فيها من باب أولى.\nفهذه ثلاثة أمور من النظر القوي تصرف حكم الإشهاد من الوجوب إلى الاستحباب.\nوفائدة الإشهاد عدم الجحود، فقد يكون الرجل فاسقًا يطلقها مرة ومرتين وثلاثًا ولا يشهد، فإذا قالت له: قد طلقتني الثالثة وبنت منك، قال: هذه طلقة واحدة فقط، وينكر أنه طلقها أكثر من مرة.\nوفي هذه الأزمنة لا يبعد أن نفتي بقول ابن حزم حزمًا على هؤلاء الناس الذين خربت ذممهم، فأعرف مشاكل كثيرة جدًا بين الناس، فالرجل يعيش مع امرأته في زنا ولا يقر بذلك، ويأتي منها بأولاد، فهؤلاء أولى بأن يفتى لهم على مذهب ابن حزم، لكن الحكم العام يغاير الفتوى، فإذا رأيت المتسيبين تشدد عليهم بفتوى ابن حزم، وإن وجدت الرجل تقيًا ورعًا فقل له: خذ امرأتك وارجع بها فقد رددتها، وتفتي له بالصحيح من الحكم العام.","vol":"7","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>حكم استئذان البكر في الزواج</span>\nاختلف العلماء في حكم استئذان البكر البالغة في النكاح، هل يجب أو لا يجب؟ وثمرة الخلاف أنه لو كان يجب على الولي أن يستأذن البكر في الزواج فزوجها من غير أن يستأذنها فالنكاح مفسوخ بفسخها إياه.\nوقد اتفق أهل العلم على أن الصغيرة غير البالغة إذا زوجها وليها دون إذنها فالنكاح صحيح، لكن الأحناف قالوا: إذا بلغت فلها الخيار، وهذا كلام ليس بصحيح، والصحيح أن الولي إذا زوج ابنته الصغيرة فله ذلك، والعقد صحيح.\nويصح للمرء أن يزوج الصغيرة غير البالغة ولو كانت بنت ثلاث سنوات، والدليل على ذلك قال الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤] والشاهد قوله: «وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ» وهن الصغيرات اللاتي لم يحضن، فإذا طلقت الصغيرة التي لم تحض فعدتها ثلاثة أشهر، والطلاق مرتب على نكاح صحيح.\nإذًا: هذه دلالة واضحة على أن هذا النكاح صحيح، وله أن يداعبها ويلاطفها ويتمتع بها دون أن يطأها، فإن احتملت الوطء وطئها.\nإذًا: اتفق أهل العلم على جواز زواج الصغيرة بلا إذن منها، واختلفوا في البكر التي بلغت المحيض، فإذا زوجها وليها بلا إذن منها فهل يصح النكاح أو لا يصح؟ الجمهور على أن النكاح يصح، واستدلوا على ذلك بأدلة منها قول النبي ﷺ: (الأيم أحق بنفسها، والبكر تستأذن وإذنها صماتها)، ووجه الدلالة من هذا تفريق النبي بين حكم الأيم وحكم البكر، ولأنه قال: (الأيم أحق بنفسها)، فمفهوم المخالفة أن ولي البكر أحق بها، وهي تستأذن على الاستحباب، وإن لم تستأذن فوليها أحق بها.\nواستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩]، والخطاب هنا للأولياء، هذا قول الجمهور.\nوخالفهم الأحناف فقالوا: إن تزويج الولي للبكر دون أن يستأذنها باطل إلا إذا رضيت بهذا الزواج، واستدلوا بقول النبي ﷺ: (والبكر تستأذن، وإذنها صماتها) فشرط النبي إذن المرأة البكر حتى يصح النكاح.\nوالدليل الثاني: أن النبي ﷺ فسخ عقدًا عقد على بكر لم تستأذن، وهذا الحديث قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، وصححه كثير من المحدثين، وهو عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ جاءته امرأة تبكي فقالت: يا رسول الله؟ زوجني أبي برجل ليرفع بي خسيسته ولم أرض، فقال لها النبي ﷺ: الأمر إليك) يعني: إن شئت أديمي العقد وإن شئت فسخته.\nفهذا دليل واضح على أن عقد النكاح لا يصح إلا برضاها، فقالت: (يا رسول الله! رضيت، لكني أردت أن تعلم النساء ذلك)، فهذه الفقيهة جزاها الله عن الإسلام خيرًا علمت النساء أن البكر لابد أن تستأذن وأن إذنها شرط في صحة العقد.\nوهذا الحديث فاصل في النزاع، فإنه يبين لنا أنه ليس للولي إجبار البكر على النكاح إلا برضاها، وإن زوجها بدون إذنها وبدون رضاها فلها أن ترفع أمرها لولي الأمر، وتفسخ هذا العقد، وهذا هو الراجح الصحيح.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.","vol":"7","page":14},{"text":"الاختلاف في القواعد الأصولية -<span data-type=\"title\" id=toc-100> اقتضاء الأمر المطلق الفور أو التراخي</span>\nاختلف الأصوليون في الأمر هل يقتضي الفورية أم لا؟ والراجح هو اقتضاؤه الفورية لدلالة الشرع واللغة والعرف على ذلك، وقد ترتب على هذا اختلاف في المسائل الفقهية المبنية على هذا الأصل، كإخراج الزكاة وقضاء الصيام وحج بيت الله الحرام.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>خلاف الأصوليين في اقتضاء الأمر الفورية</span>\nإن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: ما زلنا مع اختلاف العلماء في الأصول وأثر ذلك في مسائل الفقه.\nوقد سبق أن بينا أن الأمر يقتضي الوجوب، وقد اختلف العلماء في هذا، واختلفوا في الصارف الذي يصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، ثم اختلفوا في القواعد التي قعدها بعض الأصوليين وكثير من الفقهاء، وأكثر ما يظهر هذا الخلاف في مسألتي الأكل باليمين أو الأكل بالشمال، والتمسح من قضاء الحاجة باليمين، فاختلف العلماء في ذلك على نفس الأصل.\nوذكرنا أن الصارف إما أن يكون نصًا أو إجماعًا أو قياسًا أو مفهوم مخالفة.\nهناك مسألة أخرى: هل الأمر يقتضي الفور أم لا؟ أولًا: ماذا نعني بـ (يقتضي الفور)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يعني: إذا قال الله جل في علاه: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [الإسراء:٧٨] معناه: أنك الآن تقيم الصلاة، وإذا قلت: الأمر لا يقتضي الفور، أي: أنه لديك سعة في الوقت في تنفيذ الأمر، فلو صليت الآن لا تعاتب، وإن صليت بعد ذلك لا تعاتب.\nوثمرة ذلك: أنه إذا كان الأمر يقتضي الفورية فمن لم يسارع في امتثال الأمر يأثم، ومن يسارع فقد أصاب ما عليه من الأمر.\nوقد اختلف العلماء في مسألة اقتضاء الأمر الفورية على أقوال ثلاثة: القول الأول: أن الأمر يقتضي الفور، وهو قول كثير ممن قال بأن الأمر يقتضي التكرار.\nالقول الثاني: وهو قول جمهور أهل العلم: أنه غير معلق بزمن، وهذا قول الشافعية والأحناف، ويقولون: إنه لا يقتضي الفورية، وإن كان هناك قول للشافعي وهو أقوى في المذهب: أن الأمر يقتضي الفورية.\nالقول الثالث وهو قول الواقفة.\nوالصحيح الراجح في ذلك هو أن الأمر يقتضي الفورية، ودليل ذلك من الكتاب قول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) [آل عمران:١٣٣]، والمسارعة والمسابقة وردت بلفظ الأمر الدال على الفورية، وهي دلالة على أن المسارعة واجبة.\nوالأجلى من ذلك والأوضح فعل أم سلمة مع النبي ﷺ كما في سنن أبي داود: (أن النبي ﷺ دخل عليها مغضبًا، فقالت: يا رسول الله! من أغضبك أهلكه الله؟! فقال النبي ﷺ: أما رأيت قد أمرت الناس بأمر فلم يأتمروا به) يعني: لم يفعلوه.\nوالدلالة واضحة جدًا فإنه لو كان على التراخي ما غضب النبي ﷺ، وما الذي يغضب النبي إن كان الأمر على التراخي؟ فهو أمرهم بالأمر، وعليه أن ينتظر لهم هذا اليوم كي يفعلوه، أو اليوم الذي بعده، أو اليوم الذي بعده، فلو كان الأمر على التراخي ما كان للنبي ﷺ أن يغضب.\nبينما كان غضب النبي هنا ظاهر جدًا بما يثبت أن الأمر على الفورية، فإذا قال النبي ﷺ: افعل كذا.\nفلا بد أن تفعل، وهذا الراجح الصحيح الذي لا نحيد عنه، وهو أن الأمر يقتضي الفورية.","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>أثر الاختلاف الأصولي في فورية الأمر على المسائل الفقهية</span>","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>حكم أداء الزكاة فورًا</span>\nأثّر ذلك في المسائل الفقهية اختلافًا كبيرًا في عدة مسائل: الزكاة فرض من الفروض التي أمر بها الله جل في علاه، حيث يقول جل في علاه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فإيتاء الزكاة ركن من الأركان التي أمر الله بها، ويشترط فيها شرطان: الشرط الأول: بلوغ النصاب، وهو خمسة وثمانون جرامًا من الذهب، ومن الفضة خمسمائة وخمسة وتسعون جرامًا لكن هناك معضلة وهي: عظم الفارق بين مقدار زكاة الذهب والفضة.\nالشرط الثاني: حولان الحول القمري.\nبمعنى: أن رجلًا في واحد رمضان كان معه ستة آلاف جنيه، وحال عليها الحول وهي معه، فهل نقول بوجوب إخراج الزكاة في أول رمضان أم أن له الاختيار في أول رمضان أو آخر رمضان؟ وفائدة الخلاف في هذه المسألة: أنه لو أخرج أول رمضان فلا عتب عليه، أما لو أخرج في ثالث يوم من رمضان فهو آثم عند ربه، نعم هو أخرج الفريضة، لكنه أثم بالتأخير.\nهذا عند من يقول بالفورية.\nوقد اختلف العلماء في فورية أداء الزكاة على قولين، فإذا لم يخرج المرء الزكاة في الوقت الذي بلغ فيه النصاب وحال عليه الحول القمري، هل يأثم أم لا يأثم؟ فالحنابلة يقولون: من لم يخرج الزكاة في وقتها وتأخر ولو ساعة أثم بذلك، وهذا تشديد على الناس، ومنتشر بين العوام أن الرجل قد تكون زكاته في رجب، لكنه يقول: إنني أؤخرها لكي أدخل السعادة على الفقراء في رمضان، فيحبس الزكاة عنده، ثم يخرجها في رمضان، وهؤلاء لا يعلمون أن هناك مساءلة عند الله، وأن المرء يأثم إن أخر الزكاة عن وقتها.\nوالشافعية والأحناف -على ما أصلوه من أن الأمر لا يقتضي الفور- قالوا: له أن يخرجها في رمضان، وله أن يخرجها في ذي القعدة، المهم أنها في ذمته، وهي دين يحاسب عليه أمام الله جل في علاه، لا يملك منها فلسًا، ويخرجها وقت ما يشاء، وقد أسقط الفريضة بإخراجها.\nوهذا الكلام وإن كان أصوليًا قد اتفق عليه الأحناف والشافعية وخالفوا الحنابلة فيه، لكن لو أخرجت كتب الفقهاء الأحناف أو الشافعية أو الحنابلة تراهم يسطرون فيها ما يخالف هذا التأصيل، حيث يقولون بوجوب إخراج الزكاة حين حولان الحول بعد بلوغ النصاب، فعلى الإنسان أن يحتاط لدينه.\nوإذا قلت لهم: هذا أصل أنتم أصلتموه وقلتم: الأمر لا يقتضي الفور، فلم تلزمون الناس بإخراج الزكاة في نفس الوقت؟ حينها ترى أن مستند الشافعية ليس هذا التأصيل، وإنما نظروا إلى حالة الغني وحالة الفقير، أي: حالة المزكي وحالة المزكى له، فقالوا: حاجة الفقير ناجزة، وهو يحتاج الآن للصدقة، فقالوا: نقول بالفورية لا لمقتضى الأمر ولكن لحاجة الفقير؛ لأن حاجة الفقير ناجزة فلا يجوز له أن يؤخر؛ لأنه لو تأخر عن إعطاء الفقير لألحق الضرر به، ولا ضرر ولا ضرار.\nإذًا: المسألة الفقهية أصبح فيها شبه اتفاق، لكن ليس على نفس التأصيل الأصولي، أما الحنابلة فقالوا بوجوب فورية إخراج الزكاة، للتأصيل العلمي المسبق بأن الأمر مقتضاه الفورية، وهذا هو الحق في المسألة.\nأما الشافعية والأحناف فقد وافقوهم في وجوب الإخراج لا للتأصيل، لكن لنظر آخر وهو: أن حاجة الفقير ناجزة، فقالوا: إذا كانت حاجة الفقير ناجزة فلا بد أن يخرج الزكاة بعد حولان الحول، وإن تأخر أثم عند الشافعية والأحناف للغير -أي: الفقير- وأثم عند الحنابلة لذات الأمر.","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>قضاء الصوم</span>\nومما يتفرع عليها: قضاء صوم رمضان: هل هو على الفور أم على التراخي؟ أما الحنابلة فيرون بأن قضاء صوم رمضان على الفورية، ولا يجوز تأخيره، واستدلوا بنفس التأصيل العلمي، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].\nقال: «فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» وهو خبر يراد به الإنشاء، كأن الله يقول: فعليكم أن تصوموا أيامًا أخرى مكان هذه الأيام التي أفطرتم فيها، فكأن الله أمرهم بالصيام، فقالوا: هذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب، وأيضًا الأمر يقتضي الفورية عند الحنابلة فقالوا: لا بد أن يصوم، والفورية تعني أن له أن يصوم إلى رمضان القادم، وإن لم يصم حتى أتى رمضان آخر فعليه أن يصوم هذه الأيام وعليه كفارة تأخير، وهو آثم بسبب التأخير، والكفارة هي أن يطعم عن كل يوم مسكينًا، ولكن هذه الكفارة لم أر عليها دليلًا؛ ولذلك لا يؤخذ بها، وهو يأثم عندهم لأنه لم يأت بالفورية.\nأما جمهور الأحناف فيرون أنه على التراخي، وله ألا يعجل ويسارع في قضاء الصوم.\nأما الشافعية والمالكية فقد وافقوا الحنابلة، وأيضًا قولهم ليس مبنيًا على التأصيل العلمي في أن الأمر يقتضي الفور.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>التنفل قبل قضاء رمضان</span>\nرجل سافر سفرًا يباح له الفطر فيه، فأفطر، فهل له أن يصوم النافلة قبل أن يقضي أم ليس له ذلك؟ الخلاف هنا محتدم بين أهل العلم: أما الأحناف فقد قالوا: له أن يصوم نافلة كيفما شاء، ثم بعد ذلك يصوم الفرض؛ لأن القضاء ليس على الفورية.\nأما الشافعية والمالكية فقد وافقوا الحنابلة في الحكم -مع أنهم يخالفونهم في التأصيل- بأنه لا يصح منه أي نافلة حتى يقضي الصوم، ووجهة نظرهم هي قول الله تعالى: دين الله أحق، وإذا تعارض الفرض مع النفل يقدم الفرض.\nونحن نقول خلافًا للحنابلة وللشافعية والمالكية، الصحيح الراجح أنه له أن يصوم من النافلة ما شاء قبل أن يقضي، لكن عليه القضاء قبل أن يأتي رمضان الآخر؛ لأن هذا الواجب موسع، وتوسيعه أنه يوجد وقت آخر من بعد رمضان إلى رمضان الآخر له أن يصوم الأيام التي عليه، والواجب الموسع هو الذي يسع غيره من جنسه، كصلاة الظهر، فإنها تبدأ من زوال الشمس عن كبد السماء إلى أن يصير ظل الشيء مثليه، فنقول: من هذا الوقت إلى ذلك الوقت له أن يصلي نافلة كصلاة الظهر، فكذلك قضاء رمضان، هل يسع في وقت القضاء أن يضم معه غيره أو لا يسع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يسع، ولذا قال الأحناف له: أن يتنفل.\nونقول نحن ردًا على الجمهور: له أن يتنفل؛ لأن هذا يعتبر واجبًا موسعًا لا سيما وقد جاءت الأدلة مصرحة بتأخير القضاء، ومن أصرح الأدلة: أن السيدة عائشة ﵂ وأرضاها كانت تؤخر وتؤجل قضاء رمضان في شعبان لمكان النبي ﷺ منها، فهذا فيه دلالة واضحة على أن واجب القضاء لصيام رمضان واجب موسع، إذًا: ينضم معه غيره من جنسه، ويصح أن تقدم عليه النافلة.","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>وقت صيام المرأة للست من شوال</span>\nتبقى مسألة متعلقة بهذا الباب، ألا وهي: المرأة الحائض إذا أفطرت في رمضان بسبب الحيض، واستمر معها حيضها حتى لم يبق من شهر شوال إلا ستة أيام، وهي تريد أن تنال الحظ الأوفر والأكبر في صيام شوال وصيام رمضان؛ لقول النبي ﷺ: (من صام رمضان، ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر).\nفهي تقول: لو قضيت ما علي فلن أستطيع صوم الأيام الستة، فسأقضي ما افطرت من رمضان في أي وقت، فهل نقول بقول الجمهور: بأنه لا نافلة مع الفرض حتى تأتي بالفرض، أم نقول بقول الأحناف بأنه لها أن تتنفل ما دام الواجب موسعًا؟ أقول: لن نقول بأي القولين، والصحيح الراجح: أن المرأة ليس لها إلا أن تقضي أولًا ثم تصوم الست من شوال، أو تريد أن تتنفل تنفلًا مطلقًا لها، ثم تقضي ما عليها، لمَ؟ لست أقول بأنه محجور عليها النافلة حتى تقضي؛ لأن هذا واجب موسع، لكني أحجر عليها الفضيلة، فصيام المرأة ستة أيام قبل أن تقضي هل تندرج به في قول النبي ﷺ: (من صام رمضان، ثم أتبعه بست من شوال) لأن قوله: (صام رمضان) يعني: كل رمضان، هذا ظاهر اللفظ، وهي الآن لم تتم الشهر، إذًا: لا تندرج تحت الحديث لأن النبي ﷺ يقول: (من صام رمضان) رمضان هنا نكرة في سياق الإثبات، وهذا يفيد الإطلاق، يعني: من صام كل رمضان من أول يوم إلى آخر يوم، ثم أتبع رمضان بست من شوال، فكأنما صام الدهر كله، فنحن نقول: هي لم تصم رمضان، فعليها أولًا: أن تقضي الأيام التي أفطرتها من رمضان بسبب الحيض، فإذا قضت هذه الأيام نقول لها: أنت الآن قد صمت رمضان فلك أن تصومي الست من شوال.\nقالت: إذًا لو قضيت ما علي فلن يتسع لي الوقت أن أصوم الست من شوال، نقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، ولك ما نويت، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وكم من مريد للخير لم يبلغه، وهذه قواعد شرعية أصولية عامة لا بد أن نعمل بها.\nولو قلنا بأنها تصوم الست ثم تقضي ما عليها لم تكن قد دخلت تحت عموم الحديث: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال).\nفاعترض علينا المعترضون، وقالوا: كيف تقولون ذلك وهي قد صامت ما فرض عليها، لكن ليس بفرض عليها في أيام الحيض؟ قلنا: ليس بفرض عليها حين الحيض، لكن هل القضاء فرض عليها أو ليس بفرض عليها؟ سيقولون: فرض عليها.\nقلنا: إذًا لم تتم الشهر، فتتم الشهر بالقضاء.\nقالوا: ماذا تفعلون في حديث عائشة، ألا تظنون خيرًا في عائشة ﵂ وأرضاها؟ هل عائشة ﵂ وأرضاها تترك صيام الست من شوال، وتترك هذا الخير العميم العظيم وهو أن تصوم الست من شوال مع رمضان فتفوز بصيام الدهر كله، فهي لم تقض القضاء إلا في شعبان، ويبعد كل البعد أن تترك أيام الست من شوال، ولدينا أيضًا قاعدة: كلما ضاق الأمر اتسع، فكيف نجيب عن هذه الأسئلة؟ أقول: الراجح والصحيح أنه ليس لها أن تصوم الأيام الستة حتى تقضي، وهذا ليس تضييقًا عليها، وإذا دارت مع الشرع فليس هذا من التضييق بشيء، بل الدوران مع الشرع كله خير.\nأما عن حديث عائشة، فهي لم تصم الست، وأين الدليل على أنها صامت؟ أنا عندي الدليل أنها لم تصم، مع أني لست ملزمًا أن آتي بالدليل، فالمخالف هو الذي يأتي بالدليل؛ لأن الأصل عدم القيام بهذه الطاعة، فإذا قامت بالطاعة فائتوني بالدليل، ولا دليل لديكم إلا حسن الظن، ونحن نحسن الظن، وفوق هذا الإحسان أقول: إنها لم تصم لمكان رسول الله ﷺ منها؛ لأنها بينت العلة -كما في البخاري - أنها ما كانت تقضي رمضان إلا في شعبان لمكان رسول الله منها، إذا كان يريدها النبي ﷺ فكانت تجعل لنفسها وقتًا لرسول الله ﷺ، فأنا أحسن بها الظن ألا تقدم النفل على الفرض وهي الفقيهة ﵂ وأرضاها؛ لأن استجابتها لرسول الله إذا أراد وطأها واجب والصيام نفل.\nلذلك أنا أقول: المرأة لو صامت يوم الإثنين ودخل زوجها فاشتهاها فلا بد أن تفطر وجوبًا، ولولم تفطر أثمت بذلك؛ لأنها تقدم النفل على الفرض.\nفقدمت عائشة الفقيهة فرضية الطاعة لرسول الله ﷺ على النفل وهو صوم ستة أيام، وهي تعلم أنها لو نوت خيرًا ما ضاع هذا الخير (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، فهذه دلالة واضحة جدًا على أن عائشة لم تصم الأيام الستة.\nوأما القول بأن الأمر إذا ضاق اتسع، وإذا اتسع ضاق، فنقول: أين محل هذه القاعدة مما نقول؟ نحن نقول لها: صومي النافلة كيفما شئت، لكن لن تحوزي فضيلة الأيام الستة بعد صيام رمضان وتكوني قد صمت الدهر كله إلا بعد أن تطبقي الحديث؛ لأنها مقدمة ونتيجة، المقدمة (من صام رمضان)، أي: كل رمضان، (ثم أتبعه بست من شوال) النتيجة: (فكأنما صام الدهر كله) فالحائض إنما جاءت ببعض رمضان وبست من شوال، فلا تأخذ النتيجة؛ فإذا صامت رمضان، وقضت ما أفطرته في شعبان، وكانت قد صامت ستة أيام من شوال، نقول: هل صامت رمضان حقيقة وأتبعته بالست، أم قدمت الست ثم أتبعت الصيام؟ نؤصل تأصيلًا آخر لكي نوضح أكثر.\nالنبي ﷺ إذا قال: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) الصحيح الراجح المتوافق مع ظاهر كلام النبي هو وجوب التسمية، فلو صلى بوضوء لم يذكر اسم الله عليه، فصلاته باطلة، لمَ؟ اجعلوها معادلة، مقدمة ونتيجة، المقدمة: وضوء بتسمية مع صلاة فالصلاة صحيحة، وضوء بدون تسمية فالصلاة غير صحيحة، كذلك هنا: صيام رمضان كاملًا مع ست من شوال، فالنتيجة: صام الدهر كله، وإذا لم يصم كل رمضان لم يدخل تحت الحديث.\nإذًا: محور الكلام كله على لفظ النبي ﷺ.\nامرأة صامت نصف رمضان، وصامت الست من شوال، فلا يقال إنها صامت رمضان وأتبعته ستًا من شوال؟ إلا أن يوجد دليل يوضح أن النبي ﷺ يقصد المسارعة ولا يقصد هذه المقدمة، ولا يوجد دليل إلا حسن الظن بـ عائشة، ونحن نحسن الظن، لكنها إنما تركت الصيام من أجل مكان النبي ﷺ.\nوهل تترك صيام الدهر؟! نعم؛ لأن الله جل وعلا سيعطيها فوق ذلك أضعافًا مضاعفة؛ لأنها قدمت الفرض على النفل، وقدمت رضا رسول الله ﷺ على أمر في ذاتية نفسها.\nبل القاعدة عند العلماء: لو تعارضت العبادات المتعدية مع العبادات الذاتية فالمتعدي يقدم على الذاتي، كصلاة ركعتين والتصدق بدرهم، فالتصدق بدرهم أفضل من صلاة الركعتين، لأن الركعتين تنفع صاحبها فقط، أما الصدقة فتنفع المتصدق والمتصدق عليه.\nوقد قالت عائشة للرواي: أما أنا وأنت فمن الذين ظلموا أنفسهم؟ هي تصرح بنفسها، كأنها لا تفعل إلا الفرائض فقط.\nابن مسعود كان يقول: إن الصيام يضعفني فلا أصوم حتى أستطيع القيام، كما أن النبي ﷺ كان في العصر يطوف على نسائه ويقبل كل امرأة، ولو افترضنا أنه قبل امرأة فاشتهاها فهل تمتنع؟ لا.\nثم بعد وفاة النبي ﷺ كانت تقضي أولًا ثم تصوم الست، ولا يوجد مخالف لهذا، ولا يوجد دليل أنها لم تصم وأخرت وصامت بعد ذلك.\nهناك قاعدة علمية تقول: إذا تعلق الحكم على شرطيه لا يتواجد إلا بوجودهما، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وهنا الشرط الأول: أن تصوم كل رمضان، والشرط الثاني: أن تصوم الست، فاختل الشرط وهو صيام رمضان كله.\nإذًا: الصحيح الراجح في هذه المسألة: أنها لا تصوم.","vol":"8","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>الحج على الفور</span>\nهل الحج على الفور أم على التراخي؟ فلو أن رجلًا سهل الله له الاستطاعة بالمال والزاد والراحلة، وأراد السفر للحج ثم تقاعس وقال: أذهب إلى الحج العام القادم، فما محله من العقاب والثواب؟ يرى الحنابلة أنه آثم وعاصٍ لله جل في علاه؛ لأنه لم يمتثل لأمر الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، هذه أيضًا دلالة على الأمر، والأمر يقتضي الوجوب والفورية، فإذا استطاع المكلف الحج وجب عليه في حينه أن يسافر إلى الحج، ولو كان قبله بيوم أو بأسبوع إلا أن يمنع من قبل السلطات، فقد اتقى الله ما استطاع.\nهذا قول الحنابلة.\nأما الجمهور من الشافعية والأحناف فقد قالوا بأنه ليس على الفور، بل لو تراخى في الحج بعدما وفر الله له الزاد والراحلة لم يأثم بذلك، لكنه في ذمته ولا بد أن يأتي بهذه الفريضة.\nدليل الحنابلة: أن مقتضى الأمر الفورية.\nوأما دليل الأحناف والشافعية فليس على هذا التأصيل.\nوالدليل من اللغة على أن الأمر يقتضي الفورية: أن السيد لو قال لعبده: ائتني بكوب من الماء، فتركه إلى الليل فضربه لم يكن ملومًا؛ لأن العبد لم يأتمر بأمره، فهذا دليل من لغة العرب على أن الأمر على الفورية؛ لأنه لو كان على التراخي لم يكن له أن يعاقبه.\nفالقول بالفورية هو قول الحنابلة، أما الشافعي فله قولان، أحدهما بالفورية؛ والآخر بأن الحج ليس على الفور، لا لمقتضى الأمر -يعني: لا على التأصيل- ولكن للقرائن المحتفة التي صرفت الأمر من الفورية إلى التراخي، وهذا القول هو الراجح الصحيح.\nقالوا: أولًا: أن الحج فرض في السنة السادسة، على خلاف بين العلماء هل فرض في السنة السادسة أو السنة التاسعة، والذي أميل إليه أن الحج فرض في السنة السادسة، وحج النبي ﷺ في السنة العاشرة.\nلكن الحنابلة قالوا بأنه فرض في السنة التاسعة، والوفود التي قدمت على النبي ﷺ هي التي أخرته من أجل مصالح المسلمين إلى السنة العاشرة.\nفالشافعية قالوا: أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا معه كانوا على يسر، وكانوا يملكون الزاد والراحلة فلم يحجوا إلا مع حج النبي ﷺ، فماذا تقولون في هؤلاء الذين أخروا الحج؟ هذه شبهة قوية جدًا، وإذا قلنا بأن الحج فرض في السنة السادسة والنبي ﷺ أخره إلى السنة العاشرة كان ذلك ليس على الفور.\nوالشبهة الثانية: أن الصحابة كانوا مياسير وكان معهم المال ولم يحجوا، فكانت هذه دلالة قوية جدًا صارفة من الفورية في مسألة الحج إلى التراخي، لكن الأحوط وخروجًا من الخلاف نقول بالفورية، ويأثم من وفر الله له الزاد والراحلة فلم يذهب إلى الحج.\nينبثق عن هذه المسألة مسألة مهمة جدًا.\nإذا قلنا بالتراخي، وقلنا: ليس الوجوب على الفورية في مسألة الحج بالذات لوجود الصارف إلى التراخي، فإذا وجد المكلف الزاد والراحلة ثم مات وهو يقول بأن الأمر ليس على الفورية، فهل يجب أن يقضى عنه الحج أم لا؟ نقول: يجب الحج عنه، ومال الحج لا يدخل في الميراث -كالزكاة- ثم يحج عنه بالنيابة، فهذه المسألة هي التي انبثقت من هذه المسألة.\nوقال المالكية والأحناف: لا يجب إلا إذا أوصى، للتأصيل العلمي الذي يقول: الوصية واجبة التنفيذ، فإذا وصى بذلك حج عنه، وإن لم يوص فلا يحج عنه.\nقالوا: وأيضًا للتأصيل العام الشرعي أن الأصل في العبادات عدم النيابة.\nفلو حج رجل عن رجل كان هذا نيابة، والأصل في العبادات أنه لا نيابة فيها، فقالوا: هذا التأصيل العام وأنتم توافقون عليه، فإنه لا يجوز النيابة في الحج إلا إذا أوصى، فتكون المسألة بواجب آخر غير النيابة وهو وجوب تنفيذ الوصية.\nوأما الشافعية والحنابلة فقالوا بوجوب الحج عنه إذا مات وإلا فآثم، وسيسأل عند ربه عن هذا الحج.\nوهذا هو الراجح الصحيح.\nوالدليل على ذلك: المرأة الخثعمية التي سألت النبي ﷺ: إن أمي افتلت نفسها، وفي رواية ذكرت الصوم، فقال لها النبي ﷺ: (أرأيت إن كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ فقالت: نعم، فقال: دين الله أحق أن يقضى).\nوأيضًا المرأة التي قالت للنبي ﷺ: إن أبي شيخ كبير أدركته فريضة الحج ولا يستطيع أن يستوي على الراحلة إلى آخر الحديث.\nالمقصود: أن هذا الحديث فيه فصل الخطاب؛ لأن النبي ﷺ قال: (دين الله أحق أن يقضى).\nإذًا: دين الله في الحج لا بد أن يخرج من التركة قبل أن يقسم الميراث.\nإذًا: الراجح الصحيح: أن من مات وعليه حَج حُج عنه وجوبًا، هذا إن مات وهو مستطيع، لكن إن مات وهو غير مستطيع فهذا لا يطالب بالحج، ولا يحج عنه وجوبًا، لكن هل يحج عنه استحبابًا؟ هذا خلاف فقهي عريض بين العلماء ليس هذا مجال التفصيل فيه.","vol":"8","page":8},{"text":"الاختلاف في القواعد الأصولية -<span data-type=\"title\" id=toc-108> النهي ومسائله</span>\nالأصل في النواهي الشرعية أن تدل على التحريم ولا تحمل على الكراهة إلا بدليل، وقد اختلف العلماء في ذلك، واختلفوا أيضًا في هل النهي يقتضي الفساد أم لا؟","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>تعريف النهي وذكر صيغه</span>","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>تعريف النهي</span>\nالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: فما زلنا مع أثر الاختلاف في القواعد الأصولية، واليوم نتكلم عن النهي وأثر الخلاف في النهي على المسائل الفقهية، فنقول: النهي في اللغة: ضد الأمر.\nوفي الاصطلاح: طلب الكف على وجه اللزوم والاستعلاء.\nطلب الكف، أي: أن الله جل وعلا يأمر أن تكف عن فعل شيء معين.\nعلى وجه اللزوم، يعني، لست مخيرًا في ذلك.\nعلى وجه الاستعلاء، يعني: من الأعلى للأدنى، وتقدم الكلام عليه في مسألة الأمر.\nوحكمه: يثاب تاركه ويعاقب فاعله.\nمثال ذلك: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨].\n(ولا تأكلوا): نهي، فهذا طلب الكف عن هذا الأكل.\nعلى وجه اللزوم، يعني لا تأكل مال أخيك بالباطل.\nوهو على وجه الاستعلاء: يعني من الأعلى إلى الأدنى.\nفيعاقب فاعله: يعني من أكل مال أخيه بالباطل يستحق العقاب يوم القيامة، وهو تحت المشيئة إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، لكن هو يستحق العقاب بتجرئه على هذه المحرمات.\nويثاب تاركه: يعني من لم يأكل مال أخيه بالباطل فله الثواب عند الله جل في علاه.","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>صيغ النهي</span>\nصيغ النهي كثيرة منها: الفعل المضارع المقرون بلا الناهية، كقول الله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣]، وقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]، ففيهما فعل مضارع مقرون بلا الناهية.\nوقد يقرن بلا النافية ويكون المطلوب من النفي النهي، فيصبح خبرًا يراد به الإنشاء، مثل قوله تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]، فهذا خبر بمعنى الإنشاء، يعني لا تبدلوا فطرة الله.\nومن صيغ النهي التصريح بعدم الحل، نحو قول الله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء:١٩]، وقول الله تعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠].\nومن صيغ النهي التصريح بالتحريم، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣].\nومن صيغ النهي التصريح بالكراهة، والكراهة الأصل فيها التحريم إلا بقرينة، كقوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:٧] يعني: وحرم عليكم الكفر والفسوق والعصيان.","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>حكم النهي</span>","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>الأصل في النهي التحريم</span>\nالأصل في النهي التحريم، وهذا فيه خلاف بين العلماء، لكن هذا هو الراجح ما لم تأت قرينة تصرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة، والدلائل على ذلك كثيرة: منها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠]، ثم قال في آخر الآيات: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١]، قال أنس -كما في الصحيح-: جئت إلى سعد بن معاذ ومعه جمع من الأنصار، والكئوس تدور على الرءوس، فصاح الصائح: إن الله حرم الخمر ثم قرأ الآية: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ﴾ [المائدة:٩٠]، إلى أن قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١]، فألقوا بالكئوس في الأرض فقالوا: انتهينا ربنا انتهينا.\nفالأصل في النهي التحريم، يعني إذا قيل لك: قال رسول الله: لا تفعل، فيجب عليك ألا تفعل، ويحرم عليك أن تفعل؛ لأن الأصل في النهي التحريم.\nفالصحابة سارعوا في الانتهاء، ولو كان النهي يقتضي الكراهة فممكن أن يشذ واحد منهم فيشرب، ويقول: هذا ليس بمحرم، ولا سيما وهم كانوا يشربون الخمر كالماء، بل أتلفوا المال، وإتلاف المال لا يجوز، فهذا الإتلاف للمال دلالة على أن التحريم كان على القطع والحسم، فسكبوا الخمر في الأرض، ولم يسألوا هل هو محرم أو مكروه، وعدم الاستفصال يدل على أن النهي عندهم على التحريم.\nوأصرح من ذلك حديث غزوة خيبر، فعندما عز عليهم الطعام نحروا الحمر الأهلية، وكانت حلالًا، وغلت القدور باللحوم، فقال رسول الله ﷺ: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن أكل لحوم الحمر الأهلية)، فلما سمعوا النهي ألقوا باللحوم في الأرض وأتلفوا المال، وهذا فيه دلالة أيضًا على التحريم.\nوفي الصحيح أن النبي ﷺ مر على رجل قد لبس خاتم ذهب، والنبي ﷺ قد نهى عن الذهب للرجال، فنزع الخاتم منه وألقاه، وقال: (أيعمد أحدكم إلى جمرة من النار فيضعها في أصبعه!)، فقالوا له: خذه وانتفع به، فقال: والله لا آخذ شيئًا ألقاه النبي ﷺ.\nولو لم يكن النهي على التحريم لما زجر النبي ﷺ الرجل هذا الزجر الشديد، ولما أخذ الخاتم وألقاه على الأرض، فهذه دلالة قوية جدًا على أن الأصل في النهي التحريم.\nإذًا: الأصل في النهي التحريم ما لم تأت قرينة تصرف النهي من التحريم إلى الكراهة.","vol":"9","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>صرف النهي من التحريم إلى الكراهة</span>\nاختلف العلماء في مسألة الصارف للنهي إلى الكراهة في مسائل كثيرة منها: النهي عن الاختصار في الصلاة، ومعنى الاختصار في الصلاة على الصحيح الراجح أن يضع اليمنى على اليسرى عند الخاصرة.\nوبعض الأحناف يفعلون هذا، وهي مخالفة للسنة مخالفة صريحة، فوضع اليمنى على اليسرى عند الخاصرة لا يجوز، وفي البخاري ومسلم أن النبي ﷺ نهى عن التخصر في الصلاة، وقد فسر علي وغيره الاختصار بهذا التفسير.\nفالعلماء اختلفوا: هل هذا النهي على التحريم أم على الكراهة؟ جمهور أهل العلم يحملون النهي على الكراهة ولا على التحريم؛ لأن وضع اليمنى على اليسرى على الصدر ليس واجبًا، لكنه يستحب، ولو أرسلت يديك فلا عتب عليك؛ لكن تكون قد خالفت السنة، قالوا: فإذا وضع اليمنى على اليسرى على الخاصرة في الصلاة فقد خالف السنة، ولا نقول إنه فعل محرمًا، هذا قول الجمهور وهذه حجتهم.\nوأهل الظاهر يرون أن التخصر في الصلاة حرام، وأن من وضع اليمنى على اليسرى على الخاصرة فقد وقع في الإثم؛ لأن النبي ﷺ نهى عنه، والأصل في النهي التحريم.\nوالصحيح الراجح قول أهل الظاهر خلافًا لجمهور أهل العلم؛ لأن النبي ﷺ نهى عن التخصر، والأصل في النهي التحريم ما لم تأت قرينة تصرف النهي من التحريم إلى الكراهة، ولم تأت هنا قرينة.\nأما التعليل بأن الضم سنة، فهذا تعليل غير مؤثر في النهي.","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>حكم الشرب قائمًا</span>\nأيضًا: الشرب قائمًا فقد نهى النبي ﷺ المرء أن يشرب قائمًا، وقال: (من شرب قائمًا فليستقئ)، والجمهور على أن النهي للكراهة؛ لأنه قد ورد الصارف، وهو شرب النبي ﷺ من ماء زمزم قائمًا.\nفإن قال المعترض: كان ذلك من أجل الازدحام، فنقول: فقد شرب من قربة معلقة قائمًا، ولا ضرورة لأن يشرب منها قائمًا؛ لأنه يستطيع أن يأخذ القربة ويشرب منها جالسًا، فلما شرب منها قائمًا علمنا أن فعله صرف النهي من التحريم إلى الكراهة.\nأيضًا: البول قائمًا، على القول بصحة حديث عمر -وهو ضعيف- (أن النبي ﷺ نهى عن البول قائمًا)، وقول عائشة: (ما بال قائمًا قطا)، فقد صرف النهي بفعل النبي ﷺ عندما أتى إلى سباطة قوم فبال قائمًا.","vol":"9","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>الصلاة في الأماكن المنهي عنها</span>\nأيضًا: الصلاة في الأماكن المنهي عنها، كالصلاة في المقبرة، وكالصلاة في المسجد وفيه قبر، وكالصلاة في مبارك الإبل، فالنبي ﷺ نهى عن الصلاة في مبارك الإبل، ونهى عن الصلاة في الحمام، فهل هذا النهي يحمل على التحريم أم على الكراهة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: مذهب الحنابلة أنه على التحريم، والشافعي وجمهور أهل العلم أنه على الكراهة، قالوا: والصارف قول النبي ﷺ: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا)، وجه الدلالة من هذا الحديث أن كل أرض أدرك المسلم فيها الصلاة فعليه أن يصلي في هذه الأرض، فهذا العموم صارف للنهي.\nوالحنابلة خالفوا الجمهور وقالوا: دليل تحريم الصلاة في هذه الأماكن خاص، وهذا هو الحق الصحيح الراجح؛ لأن الدليل الذي جعله الجمهور صارفًا دليل عام، ودليل النهي دليل خاص، والقاعدة عند العلماء أنه يقدم الخاص على العام.","vol":"9","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>اقتضاء النهي الفساد</span>","vol":"9","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>أقسام النهي من حيث تعلقه بذات المنهي عنه</span>\nهل مطلق النهي يقتضي الفساد أم لا؟ الراجح أن هناك تفصيلًا: فيوجد نهي عن ذات المنهي عنه، ونهي عن وصف ملازم لذات المنهي عنه، ونهي عن أمر خارجي غير ملازم له.\nوبالمثال يتضح المقال.\nالأول: النهي عن ذات الشيء كالزنا والخمر والخنزير، فنقول: عقد الزنا عقد باطل، فإذا تعاقد رجل سافل مع امرأة عاهرة سافلة مثله على الزنا والعياذ بالله فهذا العقد باطل، ومعنى باطل أنه لا يترتب عليه آثاره، فالزانية لا تملك الثمن بعدما زنى بها وأعطاها المال، فإن تابت فلا بد أن تخرج هذا المال.\nوهل ترده عليه؟ الصحيح أنها لا ترده عليه.\nوهكذا العقد على بيع الخمر أو حملها أو الإجارة عليها، كل هذه العقود باطلة، ولا يترتب عليها أثرها؛ لأن النهي هنا عائد على ذات الشيء.\nالثاني: النهي عن الوصف الملازم للذات، أي فالذات ليست محرمة، كالذهب فهو ليس محرمًا في ذاته، لكن الحرام هو بيع الذهب لرجل يريد أن يلبسه، فهذا البيع حرام، ولا يترتب عليه آثاره.\nوأيضًا كبيع الذهب بالذهب مع الزيادة، فالذهب بالذهب ليس بحرام، والحرام هو في وصف ملازم للذات وهو الزيادة، فهذا الوصف الملازم للذات يحرم من أجله بيع الذهب بالذهب، فهذا البيع لا يترتب عليه آثاره، ويبطل العقد.\nالثالث: النهي عن أمر خارجي ليس وصفًا ملازمًا للذات، ولا هو نهي عن ذات الشيء، كالصلاة في ثوب الحرير، فإذا صلى المرء في ثوب حرير، فهل تبطل الصلاة أم لا؟ فالثوب الحرير ليس شرطًا ولا ركنًا في الصلاة، فهو وصف خارجي، فقد نهى النبي ﷺ عن لبس الحرير سواء في الصلاة أو خارج الصلاة، فهو غير مؤثر في الصلاة، فلو لبس الحرير في غير أوقات الصلاة ولم يصل به فهو آثم، ولو لبسه وصلى به فهو آثم.\nإذًا الإثم على اللبس ولا علاقة للصلاة بذلك، فالصلاة تصح ويأثم بلبس الحرير.\nفالقاعدة إذًا: مطلق النهي يقتضي البطلان والفساد إن كان النهي عن ذات المنهي عليه، كشرب الخمر أو التعاقد على بيع الخمر أو الإجارة على الزنا.\nوإن كان النهي عن وصف ملازم لذات الشيء المنهي عنه، كأن يكون شرطًا فيه أو يكون ركنًا من أركانه، فهذا أيضًا تبطل به العبادة وإن كان عقدًا لا يترتب عليه آثاره.\nوإن كان النهي عن وصف خارج، فهذا الوصف الخارج لا يقتضي البطلان؛ لكن نقول: يأثم صاحبه ولا تبطل به العبادة، وأيضًا لا يبطل العقد؛ والأمثلة على ذلك كثيرة منها الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، فالراجح خلاف مذهب الحنابلة، فأكثر الحنابلة يرون البطلان، وابن حزم يوافقهم على ذلك.\nفالصلاة في المسجد الذي فيه قبر عند الجمهور صحيحة، ويأثم صاحبها عند البعض، وعند البعض لا يأثم؛ لأنه يجعل الصلاة مكروهة في المسجد الذي فيه قبر، والصحيح الراجح الذي لا محيد عنه أنه يأثم المصلي بذلك والصلاة تكون صحيحة؛ لأن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد).\nوقلنا بذلك لأن وجود القبر ليس شرطًا من شروط الصلاة وليس ركنًا من أركان الصلاة، فيكون هذا النهي عن أمر خارجي، فنقول: لا تبطل الصلاة بهذا، ويأثم المصلي في ذلك المكان.","vol":"9","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>الصلاة في المغصوب</span>\nأيضًا: الصلاة في الثوب المغصوب أو الدار المغصوبة أو الوضوء بالماء المغصوب، هذا فيه خلاف بين جمهور أهل العلم وبين الحنابلة، فعند الحنابلة تبطل الصلاة ولا تصح، واستدلوا بحديث: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)، ومذهب الجمهور أن الصلاة صحيحة والغصب حرام؛ لأن الغصب ليس شرطًا من شروط الصلاة، وليس ركنًا من أركان الصلاة.\nوكيف نرد على استدلالهم بحديث: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)؟ نقول: هو صلى صلاة عليها أمرنا، وقد توافرت فيها الأركان والشروط، وغصب غصبًا ليس عليه أمرنا، فأثم بالغصب وصلاته صحيحة.\nأيضًا: البيع وقت نداء الجمعة، اختلف العلماء هل يصح العقد عند النداء أم لا يصح؟ الحنابلة يرون أن البيع باطل، قالوا: مطلق النهي يقتضي الفساد، يعني لا يترتب عليه آثاره، فلا المشتري يمتلك السلعة، ولا البائع يمتلك الثمن.\nوقال الجمهور: البيع صحيح، ويأثمان بمخالفة النهي.\nقال الحنابلة: من باع بيعًا ليس عليه أمرنا فهو رد، أخذًا من قول النبي ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)، فهو عقد باطل، والباطل لا يترتب عليه آثاره.\nقال الجمهور: الجهة منفكة، والنهي لا يعود على الذات ولا على وصف ملازم للذات، بل النهي يعود على أمر خارجي، فالله قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، والسعي إلى الجمعة ليس من أركان البيع، وليس شرطًا من شروط البيع، وركنا البيع متوافران، وهما: الإيجاب والقبول، والشروط متوافرة، فالبيع يصح، والسعي أمر خارج عن البيع، فتتم الصفقة فيملك هذا السلعة، ويملك الآخر الثمن؛ لكنهما آثمان لأنهما خالفا أمر الله الذي قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، لكن البيع والشراء صحيح.","vol":"9","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>نذر صوم يوم العيد</span>\nأيضًا: من المسائل التي تتعلق بالبطلان والفساد: نذر الصوم يوم العيد: فقد ورد عن النبي ﷺ النهي عن صيام يوم العيدين، فلو قال رجل: نذرت لربي إن شفى أمي أن أصوم يوم عيد الفطر، والنذر ثقيل كما قالت عائشة فلا بد من الوفاء به.\nفلما جاء العيد صام، فما حكم هذا الصوم عند العلماء؟ اختلف العلماء على قولين، فالجمهور قالوا: صومه باطل لا يصح، ونذره باطل لا يجوز؛ فقد نهى النبي ﷺ عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى، ومطلق النهي يقتضي الفساد؛ لأن النهي انصب على ذات الفعل وهو الصوم.\nوقال الأحناف: أصل الصوم مشروع وحلال، والنهي غير منصب على الصوم؛ لأن أصل الصوم مشروع، فيصح النذر ويصح الصوم، لكن يأثم المرء؛ لأنه صام في وقت غير مباح له الصوم فيه.\nوقول الجمهور هو الصحيح؛ لأن النهي منصب على ذات الصوم فالنبي ﷺ نهى عن الصوم يوم العيد ويوم الفطر.\nوالنذر باطل لحديث النبي ﷺ: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، وهذا النذر معصية.\nأما الرد على الشبهة التي أوردوها بأن الأصل أن الصوم مشروع فنقول: نعم، الأصل في الصوم مشروع على العموم ما عدا يوم الفطر ويوم الأضحى وما عدا الأيام التي نهى النبي ﷺ عن صيامها.\nفنحن نقول بكل الأدلة، فأصل الصوم مشروع لكن هناك استثناءات استثناها الشرع، ونحن ندور مع الشرع حيث دار، والقاعدة أن مطلق النهي يقتضي الفساد، والنبي ﷺ نهى عن نذر المعصية، فيكون هذا نذر معصية لا يمكن أن يوفى به.\nوقد اختلف العلماء فيمن نذر نذر معصية، هل عليه كفارة أم لا؟ وقد سبق التفصيل في هذه المسألة.","vol":"9","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>حكم الخطبة على الخطبة</span>\nمسألة أخرى اختلف فيها العلماء: مسألة الخطبة على خطبة الرجل: اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: قول جماهير أهل العلم من الشافعية والحنابلة والأحناف: أن العقد صحيح والزواج صحيح، والعاقد المتزوج آثم؛ لأنه خالف النهي.\nالقول الثاني: مذهب المالكية، ولهم أقوال ثلاثة: البطلان مطلقًا، وعدم البطلان مطلقًا كقول الجمهور، والقول الثالث وهو التفصيل، وهو الراجح في مذهبهم، قالوا: إذا بنى بها لم يبطل العقد، وإذا لم يبن بها بطل العقد.\nالظاهرية قالوا: نهى النبي ﷺ أن يخطب المرء على خطبة أخيه، ونص الحديث: (لا يبع أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه)، والأصل في النهي التحريم، ولم تأت قرينة تصرف التحريم إلى الكراهة، وعندنا قاعدة: مطلق النهي يقتضي الفساد، فالنبي ﷺ نهى عن الخطبة على الخطبة، وهذا خالف هذا النهي، وخطب على الخطبة، فيقتضي ذلك البطلان والفساد، فلو تزوجها وفض غشاء البكارة، فعليه مهر المثل بما تمتع منها، ويفسخ العقد ويفرق بينهما.\nوقال الجمهور: العقد صحيح والزواج صحيح، إلا أن هذا الزوج آثم، وعليه أن يتوب إلى الله ويستسمح صاحبه؛ لأنه قد جاء في بعض الروايات (إلا أن يأذن له)، قالوا: فإذا علق النبي ﷺ صحة الخطبة برضا هذا الخاطب، فهذا يدل على أن النهي منصب على أمر خارجي، وهو رضا الخاطب، لا على عقد النكاح بحال من الأحوال؛ لأن الخطبة ليست ركنًا من أركان عقد الزواج، وليست شرطًا من شروط عقد الزواج بالاتفاق، فإذا توافرت الشروط والأركان فيكون النهي منصبًا على أمر خارجي وهو رضا الخاطب الأول، فإذا كان النهي منصبًا على أمر خارجي فنقول: يصح العقد ويصح الزواج، ويترتب عليه آثاره ويأثم هذا المتزوج.\nوالرد على احتجاج الظاهرية بقول النبي ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وأنه من عقد عقدًا ليس عليه أمرنا فهو رد باطل، فنقول: هو قد عقد عقدًا عليه أمرنا، فقد توافرت فيه الشروط والأركان؛ لكنه تعدى على غيره فعمل عملًا ليس عليه أمرنا، فاستحق الإثم ولم يستحق العقد البطلان؛ لأنه قد توافرت فيه الشروط والأركان.\nومن باب الفائدة: متى تحرم الخطبة على خطبة أخيه؟ اخلتف العلماء في ذلك، فالحنابلة يرون التحريم مطلقًا سواء ردوا عليه أو لم يردوا عليه، لعموم حديث النبي ﷺ.\nوالصحيح الراجح أن وقت النهي هو وقت الركون، فإذا ركنت المرأة إلى الخاطب الأول، فلا يجوز أن يعكر عليه ويخطبها خاطب ثاني، وهذا مذهب الجمهور.","vol":"9","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>حكم المسح على الخف المغصوب</span>\nمسألة أخرى: ما حكم المسح على الخف المغصوب؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين، والقولان يرتكزان على تأصيل أصولي، وهو: هل النهي يقتضي الفساد أم لا؟ فقد نهى عن التعدي على مال الغير، قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨]، فالغصب محرم منهي عنه، فمن مسح على الخف المغصوب وصلى هل صلاته صحيحة أم لا؟ قال الحنابلة: الصلاة باطلة؛ لأن المسح أصلًا باطل، فهو لم تكتمل طهارته؛ لأن هذا الخف المغصوب وقع تحت النهي، والقاعدة: أن مطلق النهي يقتضي الفساد، والنبي ﷺ يقول: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) أي باطل.\nأما جمهور العلماء فنظروا في النهي فوجدوه ليس منصبًا على ذات الصلاة بل على أمر خارجي، فالمسح على الخف ليس شرطًا في الصلاة، وليس ركنًا من أركان الصلاة ولبس الخف ليس شرطًا في الوضوء، وليس ركنًا في الوضوء، والركن هو المسح، وقد مسح فتوافرت الشروط والأركان، وصحت الصلاة خلافًا للحنابلة.","vol":"9","page":15},{"text":"الاختلاف في القواعد الأصولية -<span data-type=\"title\" id=toc-123> المطلق والمقيد</span>\nمن مسائل الأصول المهمة: مسألة المطلق والمقيد، فالمطلق والمقيد قد يتحدان في السبب والحكم أو يختلفان فيهما أو في أحدهما، وقد اختلف العلماء في حمل المطلق على المقيد في بعض الحالات المذكورة، ونشأ عن ذلك خلاف كثير في المسائل الفقهية.","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>المطلق والمقيد</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: فالمطلق: هو ما دل على شائع في جنسه، وشائع يعني: أنه غير مقيد بوصف معين؛ كقول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة:٣] لم يقيدها بوصف، ولم يقل: مؤمنة ولا كافرة، بل جعلها مطلقة، سواء كانت سوداء أو بيضاء أو بالغة أو غير بالغة، أو مسلمة أو كافرة.\nأما المقيد: فهو ما لا يدل على شائع في جنسه، أي: ليس بشائع بل هو مقيد بوصف، مضبوط بضابط، فلا يجزئ إلا هو، فقول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] فهذا قيد الرقبة بالمؤمنة، فلا تجوز الكافرة، ولا الكتابية من أهل الكتاب، فهذا لا يدل على شائع في جنسه، بل هو مقيد بقيود لا يجزئ غيرها.","vol":"10","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>أحوال المطلق والمقيد والأدلة على كل حال</span>\nللمطلق والمقيد أربعة أحوال: اتفقا في الحكم والسبب.\nاختلفا في الحكم والسبب.\nاتفقا في الحكم دون السبب.\nاتفقا في السبب دون الحكم.","vol":"10","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>الاتفاق في الحكم والسبب</span>\nأولًا: أن يتفقا في الحكم والسبب: مثل قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [المائدة:٣]، وفي الآية الأخرى قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ [الأنعام:١٤٥].\nفالدم في الآية الأولى مطلق (الدم) وفي الآية الثانية مقيد (دمًا مسفوحًا).\nوالدم المسفوح: هو المهراق عن موضعه، يعني: لو خرج الدم من العرق وانتقل إلى الأرض، فهذا يسمى دمًا مسفوحًا، فنحمل المطلق على المقيد ونقول: الدم المحرم هو الدم المسفوح فقط، وهذا باتفاق الفقهاء، فقد اتفقوا على حمل المطلق على المقيد إذا اتفقا في السبب واتفقا في الحكم.\nوالحكم هو التحريم، والسبب: الميتة حرام للضرر الناجم منها؛ لأن فيها النجاسة.\nومن الأدلة التي توضح ذلك: عن ابن عمر ﵁ قال: (أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال).","vol":"10","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>الاختلاف في الحكم والسبب</span>\nثانيًا: أن يختلفا في السبب وفي الحكم: كقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦].\nوقول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨].\nفقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] مقيد.\nوقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] مطلق.\nفاليد تشمل العضد والرسغ والمرفق، إذًا: السارق والسارقة تقطع اليد إلى العضد مثلًا أو تقطع إلى المرفق أو تقطع إلى الرسغ، فالعلماء قالوا: إن الآية التي ذكرت قطع اليد جاءت مطلقة.\nأما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] فقد قيد اليد إلى المرفق؛ فهل نقول بحمل المطلق على المقيد، فتقطع يد السارق من المرفق حملًا للمطلق على المقيد أم لا؟ فلابد أن ننظر في سبب الحكم.\nفالحكم في الآية التي ذكرت قطع اليد هو القطع، والسبب هو السرقة.\nوالحكم في الآية التي ذكرت الوضوء هو الغسل، والسبب هو إرادة الصلاة.\nفاختلفا في السبب والحكم، فلا يحمل المطلق على المقيد بالاتفاق، ولا نقول بأن اليد تقطع إلى المرافق، وقد جاءتنا أدلة أخرى تثبت القطع من الكف، بأن النبي ﷺ قطع من الكف، ونصاب القطع ربع دينار.","vol":"10","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>الاتفاق في السبب والاختلاف في الحكم</span>\nثالثًا: أن يتفقا في السبب ويختلفا في الحكم: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦].\nوقال الله جل في علاه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة:٦].\nففي الآية الأولى: السبب: إرادة الصلاة، والحكم: الغسل.\nوفي الآية الثانية: السبب: إرادة الصلاة، والحكم: التيمم.\nفهل نحمل المطلق على المقيد، ونقول: إذا أراد أن يتيمم يمسح اليد إلى المرفق؟ حدث الخلاف بين العلماء في حمل المطلق على المقيد في ذلك، والصحيح الراجح: أننا لا نحمل المطلق على المقيد، لكن بعض العلماء حمله عليه، وأثبتوا ذلك برواية عن ابن عمر أنه قال في التيمم: (يكفي الضرب هكذا، وضرب بيده فمسح بوجهه ومسح بيده إلى المرفق).\nوهذا مرجوح ليس بالراجح؛ لكن الغرض المقصود أنه حمل المطلق على المقيد.","vol":"10","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>الاتفاق في الحكم والاختلاف في السبب</span>\nرابعًا: أن يتفقا في الحكم ويختلفا في السبب: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣] فالرقبة مطلقة.\nوقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] وهذا مقيد بالإيمان، أي: تحرير رقبة مؤمنة.\nفالحكم في الآية الأولى تحرير رقبة، والسبب: الظهار.\nوالحكم في الآية الثانية: تحرير رقبة، والسبب: القتل الخطأ، فهل يحمل المطلق على المقيد أم لا؟ الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة يرون حمل المطلق على المقيد.\nوالأحناف يرون عدم الحمل، وحجتهم في ذلك أن هذا توسيع من الشرع لا بد أن نأخذ به ولا نضيق الحكم، أي: يكون المطلق بمجاله والمقيد بمجاله.\nأما الجمهور فيرون أن القرآن كله ككلمة واحدة، وطالما اتفقا في الحكم، فلا بد أن يحمل الأول على الثاني؛ لأن الثاني قد بين لنا مراد الآية الأولى، فلا بد من حمله عليه؛ لأن ظاهر الآية يقول: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة:٣] أنه سكت عن التقييد.\nوفي الآية الأخرى قيد لنا الرقبة بوصف الإيمان، بل ومقاصد الشريعة تعضد كلام الفقهاء في ذلك، بل تؤكده؛ لأن الله عظم حرمة المسلم، أما الكفر فهو رق، وكان ذلك للكافر جزاء وفاقًا؛ لأنه هرب من رق الرحمن، ونزل في رق الشيطان فيذل ويهان؛ لأنه لا يحب لنفسه الإيمان بالله جل في علاه.\nفالصحيح الراجح أن المطلق هنا يحمل على المقيد، ويكون تحرير الرقبة المؤمنة شرطًا في الإجزاء، فمن ظاهر فقال لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فلا بد أن يعتق رقبة مؤمنة وإلا فلن ينجو.\nوأيضًا: قتل النفس خطأ فيه تحرير رقبة مؤمنة.","vol":"10","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>تطبيقات فقهية على مسائل المقيد والمطلق</span>","vol":"10","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>عدد الرضعات المحرمات</span>\nمن هذه المسائل التي فيها النزاع على حمل المطلق على المقيد مسألة تقييد الرضاع المحرم، فقد اختلف العلماء في مسألة الرضاع المحرم على أقوال ثلاثة: القول الأول: وهو قول الأحناف الذين لا يقولون بحمل المطلق على المقيد إذا اتفق الحكم واختلف السبب، قالوا: نصف رضعة أو رضعة واحدة تحرم؛ للإطلاق.\nودليلهم: قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣] فأطلق الرضاعة، فأقل شيء يطلق عليه اسم الرضاع يحرم، وأقل شيء هو رضعة واحدة حتى وإن لم تكن مشبعة.\nفهنا الأحناف الذين لا يقولون بحمل المطلق على المقيد قالوا بأن الرضاع المحرم رضعة واحدة؛ لإطلاق قول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء:٢٣].\nأيضًا: ولحديث عائشة ﵂ وأرضاها في الصحيح: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) فالرضاع هنا مطلق، ويحرم من الرضاعة أقل شيء يسمى رضاعًا، ونحن نجعل المطلق على إطلاقه، فلو امرأة أرضعت طفلًا رضعةً واحدة أصبح ابنًا لها من الرضاعة، وكل بناتها أخوات له، فلا يجوز أن يتزوج منهن.\nالقول الثاني: قول الذين يحملون المطلق على المقيد، فقد قال ابن المنذر، وأبو ثور، وداود الظاهري: الذي يحرم من الرضاع ثلاث رضعات، فقول النبي ﷺ: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) مطلق، ويكون تقييده بقول رسول الله ﷺ: (لا تحرم المصة ولا المصتان)، وفي رواية قال: (لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان).\nوأيضًا: جاء رجل إلى النبي ﷺ كما في صحيح مسلم فقال: (أرضعت هذه امرأتي رضعة) فلم يحرمها عليهم.\nووجه الدلالة من حديث: (لا تحرم المصة ولا المصتان) أن مفهوم المخالفة أن ما فوق الثانية تحرم، وهذا قول الظاهرية، وقول أبي ثور من الشافعية.\nالقوال الثالث: قال جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة: نحن نقول بحمل المطلق على المقيد، ولا نقول بأن أقل الرضاع يحرم، بل لا بد من خمس رضعات مشبعات.\nوالمقيد الذي قيد إطلاق القرآن هو حديث عائشة ﵂ وأرضاها مرفوعًا إلى النبي ﷺ قالت: (كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات مشبعات يحرمن، ثم نسخن إلى خمس رضعات مشبعات، فتوفى النبي ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن) يعني: بقيت على خمس رضعات حتى مات النبي ﷺ فهذه الآية منسوخة تلاوة لا حكمًا.\nوالآية: (عشر رضعات مشبعات) نسخت حكمًا وتلاوة.\nوالغرض المقصود هنا: أن قول عائشة: (وكان فيما يقرأ من القرآن بعد ممات النبي ﷺ خمس رضعات مشبعات) يعني: أن الحكم باقٍ في كتاب الله، فقد أمرنا الله باتباع رسوله ﷺ، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].\nوابن مسعود ﵁ لعن النامصة والمتنمصة وقال: ومالي لا ألعن من لعنه رسول الله، وهو في كتاب الله؟ فقالت له امرأة: لم أجده في كتاب الله، فقال لها: إن كنت قرأته فقد وجدته، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وقد قال رسول الله ﷺ: (لعن الله النامصة والمتنمصة).\nونفس الأمر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧] وقد قال النبي ﷺ: (خمس رضعات مشبعات يحرمن).\nفهذه دلالة واضحة جدًا على أن الخمس الرضعات تحرم وغير الخمس الرضعات لا تحرم، كما هو في حديث عائشة.\nالحديث الثاني: قول النبي ﷺ لامرأة أبي حذيفة حين جاءته لتسأله في حال سالم ودخوله عليها، فقال لها النبي ﷺ: (أرضعيه خمس رضعات) وهذا تحديد من النبي ﷺ.\nوالراجح والصحيح في ذلك: أن خمس رضعات مشبعات هي التي تحرم فقط، وأقل من ذلك لا تحرم.\nأما بالنسبة للأحناف فنقول لهم: هذا مطلق وهذا مقيد، وقد اتفقا في الحكم والسبب، فالحكم هو التحريم، والسبب هو الرضاع.\nوأما هم فقالوا: إن الأولى بينت الإطلاق، وأما الآية الثانية المنسوخة فبينت التقييد، ولنعمل بالاثنين: بالمطلق وبالمقيد، فكما قلتم: إن تحرير رقبة مؤمنة فيه مشقة على الناس، فأنتم كذلك قد ضيقتم على الناس، فلو أن طفلًا رضع رضعة واحدة حرمتم عليه كل بنات هذه المرأة فوقعتم فيما احتججتم به، فلا بد من ضابط وميزان عادل نأخذ به، وهو اتفاق الحكم والسبب، ولا بد أن نحمل المطلق على المقيد، وهنا الحكم التحريم، والسبب الرضاع، والرضاع مقيد بالخمس رضعات، فلا بد من حمل مطلق الرضاع على التقييد بالعدد.\nأما الذين يقولون: إنه يحرم من الرضاع ثلاث رضعات فالرد عليهم كالتالي: أنهم احتجوا بمفهوم المخالفة، واحتج الجمهور بالمنطوق، وعند التعارض يقدم المنطوق على المفهوم؛ لأن المنطوق أقوى في الدلالة، والمفهوم يحتمل احتمالات.\nفالمفهوم أصلًا أن الإملاجة والإملاجتان لا تحرم، إذًا: فالثلاث أو الأربع أو الخمس تحتمل نفس هذا الاحتمال، فموافقة لحديث عائشة، ولا بد ألا يحرم إلا الخمس، والدليل على ذلك: قول النبي ﷺ لـ سهلة: (أرضعيه خمس رضعات) ولو كان أقل لبين؛ لأمرين اثنين: الأمر الأول: أن هذا وقت تبيين، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\nوالأمر الثاني: إن هذا أيسر على المرأة، لا سيما وهي كبيرة في السن، يعني: أن ثديها ممكن ألا يأتي بالرضعة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة.\nوأما كيفية الرضاعة فيمكن يكون من قارورة، وإن قلنا بأنه كشفت الثدي ورضع منه فهذا للضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، والصحيح الراجح أنها فرغت الرضعات في قارورة، ثم شربها، فلو كانت ثلاث رضعات ليسر النبي ﷺ عليها حتى لا تتعب فتأتي بخمس رضعات مشبعات.\nفنقول: قول النبي ﷺ: (أرضعيه خمس رضعات)، ويؤكد أن التحريم لا يكون إلا في الخمس رضعات.","vol":"10","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>تقييد الرقبة المعتقة بالإيمان</span>\nالمسألة الثانية: اشتراط الإيمان في الرقبة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣].\nقال الأحناف: نأخذ بهذا الوصف المطلق، فالذي يظاهر من زوجته يعتق رقبة كافرة أو رقبة مؤمنة، فكلاهما يصح.\nوالجمهور يقولون: لابد من تحرير رقبة موصوفة بالإيمان، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢].\nفالآيتان تتفقان في الحكم وإن كان السبب مختلفًا، فالأول الظهار والثاني القتل، فنحمل المطلق على المقيد، فالذي يظاهر من زوجته لا يجوز له أن يجامعها حتى يعتق رقبة مؤمنة، فإن أعتق رقبة كافرة فلا يجزئه؛ لأنه لابد من حمل المطلق على المقيد.\nوهذا الخلاف بين الجمهور والأحناف أصله خلاف في مسألة حمل المطلق على المقيد.\nوحديث النبي ﷺ الذي يعضد قول الجمهور أن النبي ﷺ لما جاءه معاوية بن الحكم السلمي وقد صفع جارية له، فقال: أعتقها يا رسول الله! فقال له النبي ﷺ: (ائتني بها، فجاءت فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء.\nفقال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي ﷺ: أعتقها فإنها مؤمنة) فهذا الحديث يعضد قول الجمهور.\nووجه الدلالة من هذا الحديث: أن القاعدة عند العلماء: ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، فيحتمل أن معاوية أعتقها من أجل الظهار، ويحتمل أنه أعتقها لخطأ وقع منه، ويحتمل أنه أعتقها لأنه جامعه في نهار رمضان، فلما لم يسأله النبي ﷺ وربط العتق بالإيمان فيفهم من ذلك أن الإيمان شرط للعتق، وذلك بقوله: (أعتقها فإنها مؤمنة) يعني: أن مناط الحكم أن تكون مؤمنة، فتجزئك في عتقك، وإن كانت غير مؤمنة فلا تجزئك.","vol":"10","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>حكم رضاع الكبير</span>\nهذه المسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال: القول الأول: قول الجمهور ومنهم المالكية والشافعية والحنابلة والأحناف: على أنه لا يجزئ رضاع الكبير؛ لقول النبي ﷺ: (يحرم من الرضاع ما أنشز العظم وأنبت اللحم).\nوقال: (إنما الرضاع من المجاعة).\nومن الأدلة أيضًا: أنه لا يكون إلا بالحولين، قال ﷺ: (الرضاع بالحولين).\nفهذه أدلة صريحة على أن الرضاع لا يحرم إلا إذا كان طفلًا رضيعًا لم يبلغ الحولين.\nالقول الثاني: قول الظاهرية: أن رضاع الكبير يحرم على الإطلاق.\nواستدلوا بحديث واضح جدًا في الدلالة وهو حديث سالم وهذا الحديث احتج به غير الظاهرية، وكانت عائشة ﵂ تقول بهذا الحديث على الإطلاق، ولذلك كانت إذا أرادت أحدًا أن يدخل عليها ليسألها تجعل أختًا من أخواتها ترضع الرجل فيرضع فيدخل عليها، فكانت عائشة تأخذ هذا القول بالإطلاق، وتقول: الكبير إذا رضع خمس رضعات يحرم؛ لقول النبي ﷺ: (خمس رضعات يحرمن) وأيضًا قول النبي ﷺ لامرأة أبي حذيفة: (أرضعيه يحرم عليك).\nوالقول الثالث: التفصيل في ذلك، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية حيث يرى أن واقعة سالم واقعة عين، والأصل العام أنه لا يمكن الرضاع أن يحرم إلا أن يكون من المجاعة حولين.\nفنقول: وقائع الأعيان لا تعمم، لكن يقاس على ذلك مثلها في حالتها، فإذا كان الرجل يدخل على امرأة كثيرًا وكان ذلك يوقع الحرج على المرأة، وهذه المرأة تريد أن تقطع الحرج على نفسها فنقول: أرضعيه ليحرم عليك ويكون ابنك من الرضاعة، فيدخل عليك متى شاء، بل ويجوز أن يقبل رأسك.\nفالقول الراجح: رضاع الكبير واقعة عين لا تعمم، لكن يقاس عليها مثلها.\nوصل اللهم وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"10","page":11},{"text":"الاختلاف في القواعد الأصولية -<span data-type=\"title\" id=toc-134> الإجماع والقياس والمصالح المرسلة</span>\nمن الأدلة المختلف فيها بين أهل العلم إجماع أهل المدينة، فقد أخذ به الإمام مالك من الأئمة الأربعة، وقد انبنى على ذلك خلاف في المسائل الفقهية، ومن الأدلة أيضًا القياس وله شروطه، وممن رفع راية رفضه كدليل ابن حزم الظاهري، ومن الأدلة أيضًا المصلحة المرسلة، وقد اختلف أصحاب المذاهب ظاهرًا في الأخذ بها، ولكنهم أخذوا بها مندرجة تحت أصل آخر.","vol":"11","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>حجية الإجماع ودلالته</span>\nإن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: نسأل جل في علاه أن يلهمنا وإياكم الإخلاص وأن يتقبل منا صالح الأعمال.\nنختم الكلام على الاختلاف في القواعد الأصولية وأثر ذلك في الخلاف الفقهي، وسنتكلم على الأصل الثالث من أصول الأدلة، وهو الإجماع.\nالإجماع لغة: هو الاتفاق.\nواصطلاحًا: هو اتفاق مجتهدي هذه الأمة في مسألة من المسائل بعد وفاة النبي ﷺ في عصر من العصور.\nولم التقييد بـ: بعد وفاة النبي ﷺ؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لأنه لا يوجد في المسألة نص؛ لذا فهم يجتهدون فيها، لا.\nوالقاعدة عند العلماء: لا اجتهاد مع النص، فإذا قلت: (بعد وفاة النبي) أثبت أنه لا يصح الاجتهاد في وجود النبي ﷺ، للنص النبوي.\nوهل الإجماع ممكن أو غير ممكن؟ الصحيح أنه ممكن لكنه عزيز جدًا، أي: أن المسائل التي فيها إجماع نادرة، ولذلك كان الإمام أحمد بن حنبل يقول عندما يعترض عليه في بعض المسائل بالإجماع: وما يدريك لعل الناس قد اختلفوا؛ أي لأن الإجماع عزيز.\nوقد تفرق العلماء في الأمصار، وصعب جدًا أن تذهب من المشرق للمغرب حتى تأخذ قول المجتهد الذي في المغرب، وترى أنهما قد اتفقا معًا في المسألة، لكن في هذه العصور الإجماع سهل وهين، فمجتهدو هذه الأمة في هذا العصر ممكن الاتصال بهم بالتلفون أو بالإنترنت أو بغير ذلك من الوسائل التي مَنَّ الله بها على هذه الأمة.","vol":"11","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>إجماع أهل المدينة</span>","vol":"11","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>حكم إجماع أهل المدينة</span>\nهذه مسألة أخرى يفترض ألا تدخل في حديثنا عن الإجماع، لكن سندخلها حتى نرى المسائل التي اختلف فيها العلماء، وهي: إجماع أهل المدينة.\nأولًا: ما معنى إجماع أهل المدينة؟ وأي مدينة هذه التي نرى أن إجماعها حجة على المسلمين؟ المقصود بها المدينة المنورة، وهذا مذهب الإمام مالك، فهو يرى أن إجماع أهل المدينة حجة، ويقدمه على الآحاد من الأحاديث، ولذلك ترى كثيرًا من المسائل وردت فيها الأحاديث وثبتت، ومع ذلك لا يقول بها مالك، مع أن مالكًا إذا ذكر الحديث فهو النجم، لكنه يرى أن إجماع أهل المدينة يقدم، وهو أقوى في الدلالة، وأنه قطعي، وحديث الآحاد دلالته دلالة ظنية، والقاعدة عند العلماء: القطعي يقدم على الظني؛ ولذلك ترى أنه يرى جواز أكل القرد والأسد، وله مسائل معينة انفرد بها الإمام مالك بسبب هذه القاعدة.\nوقد فرق العلماء بين إجماع المدينة أيام النبي ﷺ، وأيام الخليفة أبي بكر والخليفة عمر، وبين ما بعدهم فالأول حجة بالاتفاق ولا بد أن يعمل بمسائله؛ لأن فيه إجماع الصحابة، والخلاف إنما وقع في عهد عثمان؛ فهل إجماع المدينة يؤخذ به بعد هذا الخلاف؟ جماهير أهل العلم يرون أن إجماع أهل المدينة ليس بحجة، وهذا الراجح الصحيح.\nالعلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه والإجماع المعتبر هو اتفاق مجتهدي هذه الأمة، فإن حصرنا الإجماع باتفاق أهل المدينة فقط، فهذا الحصر لا يصح ولا يليق بالعلماء؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يخص ذلك بالمدينة.\nمن أجل هذا الخلاف بين مالك وبين جمهور أهل العلم طرأت مسائل اختلفوا فيها، منها:","vol":"11","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>حكم الحامل ترى الدم</span>\nأن ترى المرأة الحامل الدم، هل هذا الدم للحامل يكون حيضًا أو ليس بحيض؟ أقول تفريعًا عن هذا التأصيل: اختلف العلماء في هذه المسألة نظرًا لاختلافهم في حجية إجماع أهل المدينة، أما مالك فيراه حيضًا، والشافعي يوافقه لكن بالنظر.\nفالإمام مالك يرى أن الدم الذي ينزل من المرأة الحامل دم حيض، وأنه لا يجوز لها أن تصلي أو تصوم، وتأخذ كل أحكام المرأة الحائض، وعمدة دليله في ذلك إجماع أهل المدينة على أن المرأة الحامل إذا رأت الدم لا تصلي ولا تصوم.\nأما الشافعي فيرى رأي مالك لأن الأصل في الدم الذي يدفعه الرحم هو دم حيض، وهو الدم الجبلي، وليس دم فساد ولا علة، إلا إن تأتي قرينة ودليل يدل على أنه دم فساد أو علة.\nوهذا هو الراجح الصحيح، لكن معتمد الإمام مالك أن أهل المدينة أجمعوا على أن المرأة الحامل إذا نزل منها الدم فإن هذا الدم يعتبر دم حيض.\nأما الأحناف والحنابلة فاحتجوا بأدلة على أن هذا الدم ليس بدم حيض، منها: قول النبي ﷺ: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض)، فبين أن الحمل لا يحاض فيه، ولذلك فرق بين الحامل والحائض.\nومن الأدلة: براءة الرحم إما بالوضع وإما بالحيض، إذًا: الحامل لا تحيض، وإن كانت حائلًا فبراءتها بالحيض.\nلكن الصحيح الراجح في ذلك هو قول المالكية والشافعية بأن الحامل تحيض، وإذا نزل على المرأة الحامل الدم فهذا الدم دم حيض؛ فلا تصلي ولا تصوم، وذلك للنظر والأثر.\nأما الأثر فإجماع الصحابة لا إجماع أهل المدينة؛ لأن عائشة ﵂ وأرضاها بعثوا لها سؤالًا فيه: امرأة حامل وقد نزل عليها الدم؟ قالت: لا تصلي ولا تصوم.\nوسمع الصحابة فتوى عائشة ﵂ وأرضاها فلم ينكروا عليها، فصار إجماعًا سكوتيًا.\nوأيضًا الأصل يدل على ذلك إلا أن يدل الدليل الناقض على خلافه، فالأصل أن الدم الذي يدفعه الرحم هو دم حيض إلا أن يكون دم فساد أو دم علة بدليل، ولم يرد دليل.\nوأما تفريق النبي ﷺ بين الحامل والحائل فنقول: الغالب أن الحامل لا تحيض، وإذا نزل عليها الدم فهو من الحيض.","vol":"11","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية</span>\nومن المسائل التي اختلف فيها العلماء بسبب الخلاف في إجماع أهل المدينة مسألة قراءة الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية: فاختلف العلماء في المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: قول المالكية.\nقالوا: بعدم جواز قراءة المأموم الفاتحة وإن كانوا يقولون بركنية قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام في الصلاة السرية وأنه إن لم يقرأ تبطل صلاته، وأما إن كانت جهرية فلا يقرأ، فلو أن الإمام يأخذ بالسنة فإنه يقرأ الفاتحة ثم يفتتح السورة ولا ينتظر المأموم لقراءة الفاتحة.\nوعمدة الإمام مالك إجماع أهل المدينة على أنه لا يقرأ خلف الإمام في الصلاة الجهرية.\nأولًا: نذكر الدليل على أن قراءة الفاتحة ركن من الأركان، فهي ركن لقوله ﷺ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب)، كذلك حديث المسيء؛ لأنه بين له الأركان لكن من بعيد.\nوكذلك حديث: (من لم يصل بأم الكتاب فصلاته خداج خداج خداج) أي: ناقصة.\nوأصرح ما في الباب للدلالة على ركنية قراءة الفاتحة هو حديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب) وممكن لمعترض أن يقول: الصلاة هي ناقصة فقط لكنها صحيحة.\nونحن نقول: (لا صلاة) يعني: لا صلاة صحيحة (إلا بأم الكتاب).\nالمهم في هذه المسألة أن الإمام مالك استدل على عدم وجوب قراءة أم الكتاب في الجهرية بهذا الدليل، وجاء شيخ الإسلام ابن تيمية فرجح قوله، واستدل بدليل آخر، وهو حديث النبي ﷺوهو مختلف في إسناده-: (من صلى خلف إمام قراءة الإمام قراءة للمأموم).\nالقول الثاني: قول الأحناف.\nقالوا: لا يجب عليه قراءة أم الكتاب لا سرية ولا جهرية مطلقًا.\nالقول الثالث: قول الشافعية.\nقالوا: يجب عليه قراءة أم الكتاب في الجهرية وفي السرية.\nإذًا: هي أقوال ثلاثة: لا يجب مطلقًا، يجب مطلقًا، قول وسط، والقول الوسط هو قول الإمام مالك قال: يجب عليه قراءة الفاتحة في السرية دون الجهرية، واعتمدوا على إجماع أهل المدينة، واستدل له شيخ الإسلام ابن تيمية بالحديث الذي ذكرناه.\nولما اعترض عليهم: لم تفرقون بين السرية والجهرية؟ قالوا: التفريق عندنا لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤]، فإذا قرئ القرآن من الإمام وجب عليك ألا تقرأ؛ لأن القارئ مع قراءة الإمام ليس بمنصت، فهو مخالف لظاهر الآية، قالوا: وقراءة الإمام لا تسمع إلا في الجهرية، ففرقنا بين السرية والجهرية.\nوالقول الراجح الذي لا محيد عنه في هذه المسألة هو: أنه يجب قراءة الفاتحة سواء في السرية أو الجهرية، أما في السرية فظاهر جدًا لقول النبي ﷺ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب)، وبين أن السبع المثاني هي أم الكتاب، و﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] آية من آياتها، (فلا صلاة) يعني: لا صلاة صحيحة إلا بأم الكتاب.\nوأما حديث: (قراءة الإمام قراءة للمأموم) فهو عام مخصوص بهذا الحديث، بمعنى: أن قراءة الإمام قراءة للمأموم في الفاتحة وفي السورة بعد الفاتحة، لكن جاء دليل من النبي ﷺ قال فيه: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب)، فخصص الفاتحة، فيلزم بقراءة أم الكتاب، وتبقى لنا: (قراءة الإمام قراءة للمأموم) في السورة التي بعد الفاتحة.\nإذًا أقول للمأموم: إذا صليت خلف الإمام والإمام يقرأ فاقرأ خلفه الفاتحة، ثم لا تقرأ السورة بعد الفاتحة؛ لأن قراءة الإمام قراءة لك إلا في الفاتحة؛ لقول النبي ﷺ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب).\nوالذي يعضد ذلك ويبينه: أن النبي ﷺ كان يجهر بالقراءة في صلاة الفجر، فقام رجل خلفه وهو يقول: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى:١ - ٢] ويقرأ، فارتجت القراءة وحدث تشويش على النبي ﷺ وهو يصلي، فلما انتهى ﷺ من صلاته قال: (أيكم ينازعني في الصلاة؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله قرأت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، فقال له النبي ﷺ: لا تقرأ إلا بأم الكتاب).\nهنا نهاه عن القراءة؛ لأن قراءة الإمام قراءة للمأموم، ثم استثنى أم الكتاب، وهذا تصريح، يعني: لا تنازعني في القراءة إلا إذا كنت تقرأ بالفاتحة.\nيعني: لو وجدتني أقرأ فاقرأ الفاتحة حتى لو شوشت علي؛ لأن صلاتك لا تصح إلا بقراءة الفاتحة، ولو وجدتني أقرأ وأنت قد انتهيت من الفاتحة فلا تقرأ ولا تشوش علي، واعمل بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤].\nإذًا: أعدل الأقوال التي تلتئم معه الأدلة: أنه يجب قراءة الفاتحة في السرية والجهرية سواء قرأ الإمام أو سكت الإمام.\nأما لو كان الإمام يسرع بقراءته ولا يترك وقتًا بين الفاتحة وبين السورة، فأقول: اقرأ الفاتحة في سكتات الإمام أو في نفسك؛ لأن أبا هريرة سئل في هذه المسألة: قال: (أرأيت إن قرأ الإمام -يعني: لم يسكت الإمام- فقال له أبو هريرة: يا بني! اقرأها في نفسك).\nوأيضًا كثير من العلماء أفتى بقراءتها في سكتات الإمام، مثلًا يقرأ الإمام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] ويأخذ نفسًا، فتقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، هو يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] وأنت تقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣].\nإذًا: في سكتات الإمام تقرأ ذلك حتى تفوز بالمصلحتين.","vol":"11","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>القياس</span>\nالقياس في اللغة: التقدير والمساواة، وفي الاصطلاح: إلحاق فرع بأصل في الحكم للمساواة في العلة أو الاشتراك في العلة، مثل: النبيذ، أما البيرة فهل حرمت لأنها سائل أصفر؟ حرمت لإذهاب العقل بنشوة؛ لأن الخمر ما خامر العقل بنشوة، ترى الرجل يمشي عريانًا وهو يظن نفسه أحسن الناس وهو أصغر الناس، ويرى أنه في السماء يطير، فنقول: هو مخامرة العقل بنشوة، فالعلة في التحريم الإسكار، والبيرة تفعل ما يفعله الخمر من إسكار.\nإذًا: إلحاق فرع البيرة بأصل الخمر كالتالي: للمساواة في العلة وهي الإسكار، وحكم الخمر الحرمة، إذًا: البيرة حرام.\nهذا معنى إلحاق فرع بأصل مع المساواة للاشتراك في العلة.\nاختلف العلماء في حجية القياس على أقوال: منهم من وقف، ومنهم من قال يؤخذ به، وأصحاب القول الأول هم جماهير أهل العلم على أن القياس حجة شرعية يعتبر بها، ويتعبد بها لله جل في علاه، فإذا قلنا: هذا حرام بالقياس يحرم، وإذا قلنا: هذا حلال بالقياس فالقياس حجة شرعية، سواء كان في المؤخرة أو المقدمة.\nوأما ابن حزم فهو ممن رفع راية إنكار القياس، وقال: القياس ليس بحجة شرعية، فما الدليل على حجية القياس؟ من الأدلة قول الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤].\nأيضًا: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]، وجه الدلالة في الآية هو إلحاق النظير بالنظير؛ لأن القاعدة في الشرع: لا يفرق بين المتماثلين، لكن يفرق بين المختلفين.\nكذلك: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩].\nومن السنة: إقرار النبي على القياس، وإن كانت سنة تقريرية وفي المرتبة الثالثة لكنها صحيحة؛ لأن عمارًا قاس وكان القياس قياس فاسد الاعتبار وأين وجه الدلالة على أن النبي ﷺ أقره؟ أن النبي ﷺ لم ينكر على عمار، وقال له: لم تقيس، أنت لا بد تأتي بدليل فقط، فلم ينكر عليه القياس نفسه.\nكذلك قوله: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في حلال)، وهذا قياس من النبي اسمه قياس العكس.\nكذلك قوله: (إنما ذلك عرق)، وقوله: (إنما مثلي ومثلكم كالنذير العريان).\nأيضًا قول النبي ﷺ: (أرأيت إن كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، فقال: فدين الله أحق أن يقضي)، كل هذه أدلة على القياس.","vol":"11","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>تعريف القياس</span>\nالقياس في اللغة: التقدير والمساواة.\nوفي الاصطلاح: إلحاق فرع بأصل في الحكم للمساواة أو الاشتراك في العلة، مثل: النبيذ، وقد حرمت لإذهاب العقل بنشوة؛ لأن الخمر ما خامر العقل بنشوة، ترى الرجل يمشي عريانًا وهو يظن نفسه أحسن الناس وهو أصغر الناس، ويرى أنه في السماء يطير، فنقول: هو مخامرة العقل بنشوة، فالعلة في التحريم الإسكار، والبيرة تفعل ما يفعله الخمر من إسكار.\nإذًا: إلحاق فرع البيرة بأصل الخمر كالتالي: للمساواة في العلة وهي الإسكار، وحكم الخمر الحرمة، إذًا: البيرة حرام.\nهذا معنى إلحاق فرع بأصل للاشتراك في العلة.","vol":"11","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>حجية القياس</span>\nاختلف العلماء في حجية القياس على أقوال: منهم من وقف، ومنهم من قال يؤخذ به.\nفجماهير أهل العلم على أن القياس حجة شرعية، ويتعبد بها لله جل في علاه، فإذا قلنا: هذا حرام بالقياس فهو حرام، وإذا قلنا: هذا حلال بالقياس، فالقياس حجة شرعية، سواء كان في المؤخرة أو المقدمة.\nوأما ابن حزم فهو ممن رفع راية إنكار القياس، وقال: القياس ليس بحجة شرعية.\nفما الدليل على حجية القياس؟ من الأدلة قول الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤].\nأيضًا: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]، وجه الدلالة في الآية هو إلحاق النظير بالنظير؛ لأن القاعدة في الشرع: لا يفرق بين المتماثلين، لكن يفرق بين المختلفين.\nكذلك: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩].\nومن السنة: إقرار النبي على القياس، وهي إن كانت سنة تقريرية وفي المرتبة الثالثة لكنها صحيحة، فـ عمارًا قاس التيمم على الماء وكان القياس فاسد الاعتبار، ولكن وجه الدلالة أن النبي ﷺ أقره ولم ينكر عليه القياس، فلم يقل له: لم تقيس، لا بد تأتي بدليل.\nكذلك قوله: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في حلال)، وهذا قياس من النبي اسمه قياس العكس.\nكذلك قوله: (إنما ذلك عرق)، وقوله: (إنما مثلي ومثلكم كالنذير العريان).\nأيضًا قول النبي ﷺ: (أرأيت إن كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، فقال: فدين الله أحق أن يقضي)، كل هذه أدلة على القياس.","vol":"11","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>أثر الاختلاف في حجية القياس على الفروع الفقهية</span>","vol":"11","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>الأصناف الربوية</span>\nهناك مسائل اختلف فيها نظرًا للاختلاف في حجية القياس، منها: أن الأصناف الربوية التي ذكرت في الحديث أصناف، قال النبي ﷺ: (الذهب بالذهب ربا إذا لم يكن يدًا بيد سواء بسواء، والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح)، فهل يقاس عليها شيء آخر كالحديد أو النحاس أو تقاس النقود على الذهب والفضة أم لا؟ الذين يقولون بأن الذهب والفضة فقط ربوية سيقولون في عصرنا: النقود ليست ربوية، إذا قلنا ليست بربوية فمعنى ذلك أن فوائد البنوك حلال، ولك أن تبيع الجنيه باثنين؛ لأنه ليس صنفًا ربويًا.\nفالذي يقول بعدم القياس يقول بأن الأصناف الربوية محصورة في الأصناف الستة، والصحيح الراجح خلاف ذلك، والقياس هنا قياس ظاهر جدًا، وابن حزم يقول: هذا من دلالة اللفظ وليس من القياس، من دلالة اللفظ أن تدخل الأصناف مع الأصناف الربوية، فالذهب والفضة العلة فيهما الثمنية؛ تدخل ولذلك النقود مع الذهب والفضة على خلاف بين العلماء؛ لأن الحنابلة يقولون: الذهب والفضة العلة فيها الوزن.\nوثمرة هذا الكلام: أن يقال: الحديد بالحديد ربا إلا أن يكون مثلًا بمثل، وهذا الكلام ليس بصحيح، والصحيح أن العلة هي الثمنية.\nالتمر بالتمر، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، كل هذه أصناف ربوية يدخل معها غيرها.\nفالملح يدخل معه -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - كل ما يصلح به الطعام من توابل مثل الشطة وغيرها.\nأيضًا: (التمر بالتمر) يدخل معه الفواكه؛ لأن التمر فاكهة.\nوالبر يدخل معه الأرز والقمح والحبوب على تفصيل فقهي.\nالمقصود: أن الاختلاف في حجية القياس سبب اختلافًا في مسألة الأصناف الربوية، فمنهم من قصر الربا على الأصناف الستة فقط وما دون ذلك فليست بربويات، وهذا خلاف الراجح الصحيح.\nوالصحيح الراجح: أن كل ما وافق هذه الأصناف في العلة يدخل معها؛ لأن القاعدة: أن الشرع لا يفرق بين المتماثلين، بل يسوي بينهما، ويفرق بين المختلفين.","vol":"11","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>الكفارة على من أكل وشرب في نهار رمضان</span>\nرجل أفطر عامدًا في نهار رمضان بالأكل والشرب، هل عليه الكفارة أم لا؟ وها هي على الترتيب أم على التخيير؟ أما المالكية فيرون أنها على التخيير، وأما الجمهور فيرون أنها على الترتيب.\nودليل التخيير أنه قال في بعض الروايات: (أطعم أو صم أو أعتق) فـ (أو) هنا للتخيير.\nوالصحيح الراجح أنها على الترتيب.\nإذًا: المسألة فيها خلاف، لكن الراجح الصحيح أنها على الترتيب.\nهذا الذي أكل أو شرب هل عليه كفارة مع القضاء أم لا؟ اختلف العلماء في المسألة على قولين، وسبب الخلاف ناشئ عن القياس، فترى مجموعة من الذين يقيسون ينتصرون لمذهب ابن حزم الذي لا يقيس، فيقول: الذي أكل أو شرب ليس عليه إلا القضاء، لكن هو لا يقول بالقضاء أيضًا، وإنما يقول: ليس عليه شيء، ويتوب إلى الله جل في علاه، وإلا فالعقوبة زائدة عند الله جل في علاه، قلنا: لم؟ قالوا: لأنه لم يرد نص يثبت القضاء على الذي أكل أو شرب، وليس هناك نص على الكفارة لكي يكفر.\nووافق ابن حزم الحنابلة والشافعية مع أنهم من أهل القياس، وقالت المالكية والأحناف: من أفطر عامدًا بالأكل أو الشرب في نهار رمضان فعليه القضاء والكفارة بعتق رقبة، فإن لم يجد فيصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.\nقالوا: ودليلنا في ذلك القياس على الجماع في نهار رمضان، ففي الصحيحين والسنن: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ ينتف لحيته ويقول: (يا رسول الله احترقت! قال: أين المحترق؟ - وفي رواية قال: هلكت- قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان- يعني: وطأت أهلي في نهار رمضان- فقال له النبي ﷺ: أعتق رقبة، فقال: ليس عندي، فقال: صم شهرين متتابعين، قال: ما فعل بي ذلك إلا الصيام، قال: أطعم ستين مسكينًا، قال: لا أجد) فأمره النبي ﷺ بالكفارة؛ لأنه واقع أهله في نهار رمضان، قالوا: والعلة هنا مشتركة، وهي انتهاك حرمة يوم من رمضان بالإفطار عمدًا، فبجامع انتهاك حرمة اليوم نقول: إن الذي أكل أو شرب عامدًا في نهار رمضان يلحق بالذي جامع عامدًا في نهار رمضان، فيكون عليه الكفارة.\nقلنا: هذا قياس بديع، فهل نقول به أو لا نقول به؟ الذي أتبناه وأدين الله به: أنه لا يلحق بالجماع غيره.\nالمقصود أن القول الراجح هو قول ابن حزم والشافعي وأحمد مع أن الشافعي وأحمد يقولان بالقياس.\nفردوا عليهم قالوا: أنتم تقيسون، فلم رفضتم هذا القياس؟ قالوا: لأن قياسكم هنا اختل فيه شرط من الشروط، فإنه يشترط في القياس الصحيح: أولًا: أن يثبت الأصل بالكتاب أو السنة.\nثانيًا: علة الوصف المناسب، أي: لا تكون العلة قاصرة، لا تتعدى لغيرها.\nثالثًا: ألا يكون الأصل تعبديًا غير معلل، فلابد من توجد علة غير قاصرة، والعلة الغير قاصرة يدور معها الحكم وجودًا وعدمًا، أي: يوجد الحكم بوجودها، وينعدم الحكم بعدمها.\nرابعًا: ألا يصادم نصًا أقوى منه، فيكون فاسد الاعتبار.\nخامسًا: أن تكون العلة في الفرع مساوية للعلة في الأصل.\nفإذا نظرنا إلى الشروط وجدناها غير متوفرة في هذه المسألة؛ لأننا وجدنا أن العلة هي الجماع، والعلة هنا هي الأكل والشرب، والأكل والشراب لا يلحق بالجماع، إذ إن هناك فارقًا بينهما، فالمتعة هنا غير المتعة هنا، وهناك فوارق كبيرة.\nنقول: إن القياس إذا كان مع الفارق لا يصح الاستدلال به، فنقول لهم: إن قياسكم الطعام والشراب على الجماع قياس مع الفارق، والقياس مع الفارق يعتبر قادحًا من قوادح القياس، فلا نأخذ بالقياس في هذه الحالة، فيصح قول ابن حزم والشافعية والحنابلة بأن الذي أكل أو شرب ليس عليه القضاء.\nوحتى القضاء فيه خلاف بين العلماء، لكن الراجح الصحيح أنه ليس عليه إلا القضاء، وليس هذا مجال التفصيل.","vol":"11","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>كفارة الجماع على المرأة</span>\nهل المرأة عليها كفارة جماع أم لا؟ الذين قالوا بأن عليها كفارة قاسوا، وهو قول الأحناف والمالكية وأحد قولي الشافعية، فقالوا: تجب عليها الكفارة قياسًا على الرجل؛ لأنه لا فارق بين المرأة والرجل.\nوالذين اختلفوا معهم قالوا: ليس على المرأة كفارة، لحديث الرجل: (جامعت أهلي في نهار رمضان، فقال له النبي ﷺ: افعل كذا وافعل كذا وافعل كذا) كأنه يقول: عليك الكفارة أنت وحدك، ولم يسأله عن المرأة، ولم يلزم المرأة بالكفارة، وفيه دلالة على أنه لا كفارة عليها.\nلكن الأصول الشرعية تحتم علينا أن نقول بأن عليها كفارة إلحاقًا لها بالرجل؛ إذ لا فارق بينهما، لما رواه أبو داود بسند صحيح: (النساء شقائق الرجال) أي: في الأحكام.\nإذًا: لا فارق بين المرأة والرجل إلا أن يدل الدليل على التفريق بين المرأة والرجل.\nإذًا: إذا كانت الكفارة على الرجل فلا بد أن تكون على المرأة للمساواة بينهما في الأحكام الفقهية.","vol":"11","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>المصالح المرسلة</span>","vol":"11","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>أقسام المصالح</span>\nالمصلحة في اللغة: على وزن منفعة، ومعناها: المنفعة التي لا دليل عليها من الشرع باعتبارها ولا بإلغائها.\nوالمصالح أقسام ثلاثة: مصالح معتبرة، مصالح ملغاة، مصالح مرسلة.\n١ - المصالح المعتبرة: هي التي جاء الشرع باعتبارها: قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] يعني: لا تأتوا النساء في المحيض، فهذه مصلحة معتبرة، فلو أن المرأة ولدت فإنه يعقب الولادة النفاس، فلا يصح للرجل أن يجامع المرأة في نفاسها، للمصلحة وهي دفع ضرر سيقع عليه، ولو نظرنا في سبب منع الله الرجل أن يأتي المرأة في الحيض لظهر الأمر.\nإذًا: المصلحة أنه يكف، لأن الضرر موجود في النفاس، والكف مصلحة، وهذه مصلحة جاء الشرع باعتبارها.\n٢ - المصالح الملغاة: هي التي جاء الشرع بإلغائها: مثال ذلك: المصلحة في الدرهم والدينار في المنفعة التي تأتي من بيع وتصنيع الخمر، قال الله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢١٩] والمنافع المال الناتج من التصنيع والبيع والشراء، فهذه مصلحة جاء الشرع فألغاها، فلا يمكن أن تعتبر؛ لأن الشرع ألغاها، قال النبي ﷺ: (لعن الله شارب الخمر وبائعها وساقيها ومشتريها) إلى آخر الحديث، فملعون من باع الخمر واستفاد من هذا المال.\nفهذه مصلحة متوهمة ملغاة.\nوالربا أيضًا؛ لأن فيه فائدة، لكن هذه الفائدة جاء الشرع فألغاها.\n٣ - المصالح المرسلة: هي التي لم يأت الدليل باعتبارها ولا بإلغائها: مثل الخط في المسجد للصلاة لتسوية الصفوف، فتسوية الصفوف من باب إقامة الصلاة، وإن كانت لا تسوى الصفوف إلا بالخط، فنحن نعمل الخط من باب المصلحة المرسلة.\nأيضًا من باب المصالح المرسلة الميكرفون؛ لأنه سيسمع الناس.\nفالمصالح المرسلة هي التي لم يأت دليل على اعتبارها ولا على إلغائها، ولكي نعمل بها ننظر أولًا: هل هي توافق الشرع أم تصادمه؟ فإن كانت تصادمه فلا نأخذ بها، وإن كانت توافقه وتوافق المقاصد الكلية والقواعد الشرعية فنأخذ بها.","vol":"11","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>اختلاف العلماء في الأخذ بالمصالح المرسلة</span>\nاختلف العلماء في الأخذ بالمصالح المرسلة: فجمهور أهل العلم قالوا: المصلحة المرسلة ليست حجة، وإلا لقيل بها في كل مسألة مثل السجاد في الأرض والصلاة عليه، هذا من قبيل المصالح المرسلة، فأقول: لا دليل عليه، فلا يجوز على قول الجمهور! لو قلت: الميكرفون هذا من المصالح المرسلة ولا بد أن نستخدمه حتى نسمع الناس، فإنك ترد علي وتقول: الجمهور يرون عدم حجية المصالح المرسلة، إذًا: لا يصح استعماله! أيضًا الخط لا يصح استعماله.\nهذه ثمرة الخلاف.\nوالمالكية هم أكثر الناس أخذًا بالمصالح المرسلة.\nوإذا نظرت إلى المسائل الفقهية وجدت أن جل الفقهاء بل الأئمة الأربعة يأخذون بالمصالح المرسلة، لكن الشافعي يدرج المصلحة المرسلة تحت مسمى القياس، وأما الأحناف فيأخذون بالمصلحة المرسلة ويدرجوها تحت الاستحسان، فالكل يأخذ بالمصالح المرسلة.\nأيضًا اختلف العلماء في مسائل تبعًا للاختلاف في حجية المصلحة المرسلة، مثل: سبعة رجال جاءوا إلى رجل فقتلوه، فهل يقتل السبعة بالرجل أم يقتل واحدًا منهم، أم لا يقتل أحد وله الدية؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء، وأصل النزاع فيها بسبب الخلاف في اعتبار المصالح المرسلة، فجماهير أهل العلم من الشافعية والمالكية والأحناف يرون أن السبعة يقتلون بهذا الواحد.\nأما المالكية فدليلهم المصالح المرسلة، وكيف رأوا أن المصلحة في أن يقتل السبعة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قالوا بقتلهم سدًا للذريعة؛ لأننا لو قلنا إن السبعة لا يقتلون بواحد، فكل من في قلبه ضغينة على أحد يقول: لو قتلته وحدي سأقتل، لكن سآتي بثلاثة وأعطيهم المال فنقتل هذا الرجل فلا نقتل به.\nفمن المصلحة العظمى للحفاظ على الأرواح والدماء أن يقتلوا به، قال الله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩] فمن أجل حياة الناس نقتلهم بالواحد.\nفلو تكالب أهل مدينة بأسرهم على قتل رجل فلا بد أن نقتل هؤلاء به، كما قال عمر بن الخطاب: لو قتله أهل صنعاء لقتلتهم به.\nأما أحمد وابن المنذر فيرجحون أنه لا يقتل السبعة، بل يقتل رجل منهم، أو عليهم الدية، ودليلهم في ذلك عموم قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤].\nلكن نقول: لو اعتدوا كلهم عليه، فلا بد أن يأخذوا حكم القاتل الواحد فيقتلون بهذا القتيل.\nالمسألة الثانية: من المصالح المرسلة تضمين الصناع: لو أنك ذهبت بالقميص لمن يكويه لك فأحرقه، فهل يضمن هذا القميص أو لا؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين: جماهير أهل العلم قالوا: لا يضمن؛ لأن يد الأجير يد أمانة ولا يضمن إلا بالتفريط، فإن ثبت أنه غير مفرط فلا يضمن.\nوالإمام علي والإمام عمر بن الخطاب ﵄ والأحناف والمالكية قالوا بتضمين الصناع، فعليك أن تضمنه هذا القميص وتأخذ منه بدلًا عن القميص، ودليلهم في ذلك: المصالح المرسلة.\nقالوا: المصلحة في ذلك أننا نأخذ على أيديهم حتى لا يحدث منهم تهاون أو تفريط، فإنا نقول له: هذا بيدك وأنت ضامن له، وأشترط عليك هذا ضمان، فإن قلت بالضمان فلا بد أن ينتبه، لكن لو علم أنه لا يضمن فإنه قد يتهاون.\nوالصحيح الراجح هو قول جماهير أهل العلم، وهو أنه لا يضمن؛ لأنك عندما أعطيته هذا القميص ما أعطيته إياه إلا وأنت تثق في دينه وأمانته، فإذا أعطيته ذلك فيده يد أمانة، والأصول الشرعية والقواعد الكلية تدل على أن الذي يده يد أمانة لا يضمن إلا بالتفريط، فإن أحرق لك ثوبك فأثبت أنه قد فرط ضمنه وإلا فلا.\nوالحمد لله الذي أتم علينا هذا الكتاب بفضله ومنه وكرمه وحوله وقوته، وأسأل الله أن ينفع به، وأن يلهمنا وإياكم الإخلاص.","vol":"11","page":16}]}