{"ً":{"ٌ":37687,"ٍ":"أحكام انفرد بها النساء عن الرجال","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: أحكام انفرد بها النساء عن الرجال\nالمؤلف: محمد حسن عبد الغفار\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ٨ دروس]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2376,"ٕ":19,"ٖ":1770155900,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8"],"ٚ":[{"title":"جواز لبس الحرير والذهب","level":1,"page":1},{"title":"أحكام انفرد بها النساء عن الرجال","level":2,"page":2},{"title":"الأصل في الأحكام العموم","level":2,"page":3},{"title":"اعتراض والرد عليه","level":2,"page":4},{"title":"معنى قول النبي ﷺ (النساء شقائق الرجال)","level":3,"page":5},{"title":"نسخ جواز لبس الذهب والحرير بالنسبة للرجال","level":3,"page":6},{"title":"تخصيص المرأة بجواز لبس الحرير والتحلي بالذهب من حكمته تعالى ورحمته","level":3,"page":7},{"title":"مسائل خالف فيها الرجال النساء","level":2,"page":8},{"title":"لبس الذهب المحلق وغير المحلق","level":3,"page":9},{"title":"القول الأول","level":3,"page":10},{"title":"القول الثاني وأدلته","level":3,"page":11},{"title":"القول الراجح وأدلته","level":3,"page":12},{"title":"الرد على أدلة القول الثاني","level":3,"page":13},{"title":"افتراش الحرير","level":3,"page":14},{"title":"القول الأول وأدلته","level":3,"page":15},{"title":"القول الثاني وأدلته","level":3,"page":16},{"title":"القول الثالث وأدلته","level":3,"page":17},{"title":"القول الراجح ومناقشة الأدلة","level":3,"page":18},{"title":"الإسبال تحت الكعبين","level":1,"page":19},{"title":"حرمة الإسبال وأنواعه","level":2,"page":20},{"title":"إشكال في مسألة الإسبال والجواب عنه","level":2,"page":21},{"title":"إسبال النساء","level":2,"page":22},{"title":"شروط لباس المرأة","level":2,"page":23},{"title":"ستر العورة","level":1,"page":24},{"title":"أحكام ستر العورة للمرأة في الصلاة","level":2,"page":25},{"title":"الأدلة على وجوب ستر العورة في الصلاة","level":3,"page":26},{"title":"أنواع العورة وحكم كل نوع","level":3,"page":27},{"title":"حكم من صلى وليس على عاتقه شيء","level":3,"page":28},{"title":"عورة المرأة في الصلاة","level":3,"page":29},{"title":"هل قدم المرأة في الصلاة عورة أم لا؟","level":3,"page":30},{"title":"الخروج إلى المساجد","level":1,"page":31},{"title":"حكم خروج المرأة إلى المساجد لأداء الصلاة","level":2,"page":32},{"title":"حكم صلاة الجماعة في حق الرجال","level":3,"page":33},{"title":"حكم خروج المرأة إلى المسجد","level":3,"page":34},{"title":"القول الراجح في حكم خروج المرأة إلى المسجد","level":3,"page":35},{"title":"انفراد المرأة بأحكام العدة [١]","level":1,"page":36},{"title":"من أحكام العدة","level":2,"page":37},{"title":"متى تكون للرجل عدة؟","level":3,"page":38},{"title":"حقوق العدة","level":3,"page":39},{"title":"أنواع العدة","level":3,"page":40},{"title":"أدلة مشروعية العدة","level":3,"page":41},{"title":"أصناف النساء في العدة","level":3,"page":42},{"title":"اختلاف العلماء في المراد بالقرء وبيان الراجح","level":3,"page":43},{"title":"أدلة القائلين بأن القرء هو الطهر","level":3,"page":44},{"title":"أدلة القائلين بأن القرء هو الحيض","level":3,"page":45},{"title":"الراجح في معنى القرء","level":3,"page":46},{"title":"الرد على أدلة القائلين بأن القرء هو الحيض","level":3,"page":47},{"title":"الفرق بين الطلاق السني والبدعي","level":3,"page":48},{"title":"انفراد المرأة بأحكام العدة [٢]","level":1,"page":49},{"title":"بيان الخلاف في معنى القرء","level":2,"page":50},{"title":"أصناف النساء اللاتي يعتددن بالأشهر","level":2,"page":51},{"title":"النساء اللاتي يعتددن بوضع الحمل","level":2,"page":52},{"title":"خلاف العلماء في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها","level":2,"page":53},{"title":"حكم رطوبة فرج المرأة","level":2,"page":54},{"title":"حكم الوضوء من رطوبة فرج المرأة","level":2,"page":55},{"title":"بيان بطلان الصلاة بمرور المرأة البالغة","level":2,"page":56},{"title":"حكم إمامة المرأة والجماعة لها وأحكام العقيقة","level":1,"page":57},{"title":"أفضل صلاة المرأة في بيتها","level":2,"page":58},{"title":"حكم إمامة المرأة بالنساء","level":2,"page":59},{"title":"حكم إمامة المرأة بالرجال","level":2,"page":60},{"title":"ضوابط صلاة المرأة مع الجماعة في المسجد","level":2,"page":61},{"title":"بعض الأحكام التي انفردت بها النساء عن الرجال","level":2,"page":62},{"title":"تولي المرأة القضاء أو الخلافة","level":1,"page":63},{"title":"حكم تولي المرأة القضاء والخلافة","level":2,"page":64},{"title":"أقوال العلماء في مسألة تولي المرأة القضاء أو الإمارة أو الخلافة","level":2,"page":65},{"title":"القول الأول: جواز تولي المرأة القضاء والخلافة وغيرهما وأدلته","level":3,"page":66},{"title":"القول الثاني: جواز تولي المرأة القضاء في الأموال فقط وأدلته","level":3,"page":67},{"title":"القول الثالث: عدم جواز تولي المرأة للقضاء والخلافة والإمارة وغيرها وأدلته","level":3,"page":68},{"title":"مسألة الطلاق من المسائل التي انفرد بها الرجال عن النساء","level":2,"page":69}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"2,1":19,"2,2":20,"2,3":21,"2,4":22,"2,5":23,"3,1":24,"3,2":25,"3,3":26,"3,4":27,"3,5":28,"3,6":29,"3,7":30,"4,1":31,"4,2":32,"4,3":33,"4,4":34,"4,5":35,"5,1":36,"5,2":37,"5,3":38,"5,4":39,"5,5":40,"5,6":41,"5,7":42,"5,8":43,"5,9":44,"5,10":45,"5,11":46,"5,12":47,"5,13":48,"6,1":49,"6,2":50,"6,3":51,"6,4":52,"6,5":53,"6,6":54,"6,7":55,"6,8":56,"7,1":57,"7,2":58,"7,3":59,"7,4":60,"7,5":61,"7,6":62,"8,1":63,"8,2":64,"8,3":65,"8,4":66,"8,5":67,"8,6":68,"8,7":69},"ٜ":{"1":[1,18],"2":[1,5],"3":[1,7],"4":[1,5],"5":[1,13],"6":[1,8],"7":[1,6],"8":[1,7]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"أحكام انفرد بها النساء عن الرجال -<span data-type=\"title\" id=toc-1> جواز لبس الحرير والذهب</span>\nاتفق العقلاء في الكون أن هناك تغايرًا وتباينًا بين الرجل والمرأة وإن قال بغير ذلك أصحاب الفطر المنكوسة، ولأن الشرع عام فقد راعى الفروق بين الرجل والمرأة، فشرع أحكامًا عامة للرجال والنساء، وشرع أحكامًا أخرى وجعلها للرجال خاصة وأخرى خصها بالنساء، وحاشا أن يكون ذلك عبثًا؛ بل إنه عين الحكمة والرحمة، ومراعاة للفطر والاستعدادات المختلفة بين الجنسين التي لا يجحدها إلا معاند جاهل، زاغ قلبه عن الحق فاتبع هواه.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>أحكام انفرد بها النساء عن الرجال</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: فقد سئل ابن عيينة: من أحوج الناس للعلم؟ قال: العالم.\nفكانت وجهة نظر ابن عيينة أن خطأ العالم وزلته أقبح وأفحش من خطأ العامي وزلته، فقال: أحوج الناس إلى طلب العلم العالم، وهذا الذي سطره الحافظ ابن حجر في الفتح فقال: لا يزال العالم عالمًا ما جد في الطلب، وهذا كان دأب سلفنا الصالح، إذ ما كان أحدهم يكتفي من العلم بحال من الأحوال، وقد وصل بهم التنافس إلى أن زعم البعض أن البخاري يأخذ دواء عدم النسيان، فلما سئل عن ذلك قال: أنا لا آخذ دواءً إنما هي كثرة المطالعة وشدة النهم.\nفطالب العلم لا ينفك عن القراءة أو عن السماع أو عن المدارسة أو عن المذاكرة، إما مع شيخ أو مع قرين أو مع تلميذ، فحياة طالب العلم ودأبه أن يبيت في علم ويقوم في علم، فهو يعلم أن الدنيا بلا علم لا تساوي شيئًا، إذ الإنسان لا يعبد ربه جل في علاه إلا بالعلم بل بإتقان العلم، نسأل الله جل في علاه أن يجعلنا من طلبة العلم الذين يجدون في الطلب.\nوسنتكلم في طيات هذه الوريقات عن هذا البحث المتواضع بحث: أحكام انفرد بها النساء عن الرجال، وسنتناول إن شاء الله لبس الحرير والذهب، كما سنتناول حكم افتراش الحرير وأقوال أهل العلم في حكم بيع سجاد الحرير وغير ذلك مما يمكن أن يتعلق بالنساء.","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الأصل في الأحكام العموم</span>\nمعلوم أن الأصل في التشريع العموم، فالله جل في علاه خلق الخلق وهداهم هداية عامة وهداية خاصة وهداية أخص، فالهداية العامة كهداية الرجل كيف يأتي أهله، وهدايته كيف يتعايش في هذه الدنيا، أما الهداية الخاصة فهي هداية الدلالة والبيان، إذ أن الله خلق الخلق وبين لهم طريق الخير وشرع لهم الشرائع، والأصل في الأحكام التي تصدر عن الخالق جل في علاه أن تكون أحكامًا عامةً وليست خاصة، فلا تختص بعين ولا برجل ولا بامرأة ولا بطفل ولا بغيره، بل إنها تعم كل المكلفين.\nوأدل الأدلة على ذلك ما يستدل به دائمًا: قول الله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ﴾ [الطلاق:١]، فمع أنه يخاطب ذات النبي إلا أنه يعمم في الأحكام، فيقول: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق:١]، بلفظ الجمع فعمم الخطاب للأمة، وبذلك علم أن الأصل في التشريع: أن الأحكام على العموم تشمل النساء كما تشمل الرجال فلا خصوص لأحدهما دون الآخر، وقد قعد العلماء قاعدة مهمة لا تنفك عن طالب العلم، ولا يمكن أن يتركها أو أن يحيد عنها بل لا بد أن يتقنها، ألا وهي: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذه تدل على سعة الشريعة كما تدل على أن الأحكام على العموم؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nفهذا أوس بن الصامت نزلت فيه آية الظهار، والظهار هو: أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي.\nوآية الظهار هي: قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ﴾ فهذه المرأة وهي خولة جاءت تشتكي للنبي ﷺ أن زوجها قال لها: أنت علي كظهر أمي، وكان هذا الكلام في الجاهلية بمثابة الطلاق، وبينما هي تشتكي أنزل الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١]، فهذه الآيات لم يقل أحد من المسلمين أنها خاصة بـ أوس فقط أو بصخر فقط أو بفلان فقط، بل هي عامة لكل مسلم، فعلى كل من ظاهر امرأته ويريد الرجوع الكفارة؛ لأنه قد أتى منكرًا من القول وزورًا، وبذلك علم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومثل ذلك أيضًا ما حدث لـ هلال بن أمية كما جاء في الصحيح أنه جاء إلى النبي ﷺ يسأل عن الرجل إذا رأى على امرأته رجلًا ماذا يفعل؟ فقال له النبي ﷺ: (البينة أو حد في ظهرك) وهو يعاود وينكر ذلك في نفسه حتى قال: إن الله جل في علاه سيظهر براءتي أو يظهر ما أنا فيه، فأنزل الله آية اللعان، ومع أنها نزلت في هلال بن أمية إلا أنه لم يقل أحد من العامة أو الخاصة أن هذه الآية تخص هلالًا فقط، بل هي عامة لكل من يلاعن امرأته، فتأكد أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما أن النبي ﷺ قد فهمنا وعلمنا الأخذ بهذه القاعدة قولًا وفعلًا، أما القول: فقد جاء في صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله! طهرني! أقم علي الحد! إني قبلت امرأة -وفي رواية في السنن- قال: أتيت من المرأة ما يأتي الزوج من زوجه إلا الوطء -أي: الجماع، فسكت النبي ﷺ ينتظر الوحي ثم صلى، فصلى الرجل مع النبي ﷺ فأنزل الله عليه آيات كريمات فسأل النبي ﷺ عن الرجل فقال النبي ﷺ! صليت معنا؟ فقال: نعم! فقال النبي ﷺ قارئًا له هذه الآية العظيمة): ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السيئات) [هود:١١٤]، والشاهد هنا أن النبي ﷺ علمنا أن نأخذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب بالقول، فقال له الرجل: يا رسول الله! لي خاصة -يعني: هذا خاص بي، فإني لما فعلت ذلك أنزل الله جل وعلا في ذلك وهو أني لو صليت فإن الحسنات تذهب السيئات، فقال له النبي ﷺوهي قاعدة عامة لكل المكلفين- قال: (بل لأمتي عامة) فبينما نزلت الآية في هذا الرجل خاصة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وهذا من ناحية القول، أما الفعل: فقد جاء في الصحيح وفي غيره أن النبي ﷺ ذهب زائرًا لـ فاطمة ﵂ وأرضاها وعلي بن أبي طالب فكانا نائمين فقال لهما النبي ﷺ: ألا تصليان في الليل، فقال علي بن أبي طالب: يارسول الله! إن أنفسنا بيد الله فإن شاء بعثنا وإن شاء لم يبعثنا، فولى النبي ﷺ ظهره له وضرب على فخذه وقرأ قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤] فدل فعل النبي ﷺ وهو أفهم الناس وأعلم الناس بمراد رب الناس إذ هو رسول رب الناس إلى الناس ﷺ: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ووجه الدلالة في هذه الآية: أنها جاءت بعد قوله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا * وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا * وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف:٥٢ - ٥٣]، فالسياق في الآيات يتحدث عن الكفار، إذ أنها نزلت فيهم فلو كانت العبرة بخصوص السبب لم يصح الاحتجاج بها إلا على كل مجادل يخاصم في توحيد الله جل في علاه، لكن لما كانت العبرة بعموم اللفظ خاطب النبي ﷺ عليًا بها واحتج عليه بها، وهو سيد الموحدين ورابع الخلفاء الراشدين، وبذلك يعلمنا النبي ﷺ أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فبالرغم أن عليًا موحد والآية نزلت في الكفار إلا أن النبي ﷺ يعمم مفهوم الآية ويقول لـ علي بن أبي طالب ما معناه: تجادلني في ذلك، نعم! الأرواح بيد الله، وهذا قضاء، فلم تحتج بالقضاء؟ ولو أخذت بالسبب في القيام فقلت لأحد من أهلك أن يوقظك في الليل حتى تصلي، وكأنه لما جادل علي بن أبي طالب النبي ﷺ وقال: أرواحنا بيد الله فرد عليه النبي ﷺ ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤] اعتبر ذلك تأويلًا من النبي ﷺ لهذا القرآن على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nإذًا: فالأحكام نزلت عامة تعم كل المكلفين، وعلى ذلك جماهير الأصوليين والعلماء والأئمة الأربعة يقولون: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>اعتراض والرد عليه</span>\nوقد يعترض معترض على هذه القاعدة بما جاء في الصحيح: أن سالمًا كان رجلًا كبيرًا فتيًا لما نزلت آية الحجاب وكان يدخل منزل أبي حذيفة وقد تقع عينه على زوجته فجاءت إلى النبي ﷺ تشتكي وتقول: كان يدخل علينا في الحر الشديد وأرى التغير في وجه أبي حذيفة فقال لها النبي ﷺ: (أرضعيه يحرم عليك) سبق وأن تكلمنا: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالأحكام لا تنزل للأعيان والأشخاص فتختص بهم، بل هي عامة لجميع المكلفين وقول النبي ﷺ لامرأة أبي حذيفة: (أرضعيه يحرم عليك) يستدل به على التأصيل الصحيح: أن كل إنسان يستطيع أن يرضع من امرأة فيكون محرمًا لها، لكن أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة وجماهير الفقهاء والأصوليين قالوا: هذه حالة خاصة لـ سالم ولا تعمم على غيره، وحكي هذا القول عن كثير من الصحابة، بل كل نساء النبي ﷺ قلن بأن هذه حالة خاصة سوى عائشة ﵂ وأرضاها.\nفالأصل: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والأحكام على العموم إلا أن تأتي أدلة تثبت الخصوص، ومثال ما يوضح ذلك ما جاء في قول الله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء﴾ فإنه عمم أولًا ثم لما أراد التخصيص أتى بدليل مستقل يدل على التخصيص فقال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، فلما أراد التخصيص صرح بقوله: خالصة، فكانت بمثابة الدليل المستقل؛ لأن الأصل الذي دلت عليه الأدلة: أن الأحكام كلها على العموم، فدل ذلك على أن التشريع يكون على العموم مالم تدل الأدلة على التخصيص، وفي حديث سالم ودخوله على امرأة أبي حذيفة قرائن وأدلة دلت على أن هذه حالة خاصة لـ سالم ومن تلك القرائن التي تدل على ذلك: حديث النبي ﷺ: (لا رضاع إلا في الحولين) وهذا أسلوب حصر، يفيد أن الرضاع المحرم يكون في الحولين فقط، فالنفي والإثبات يفيد الحصر، وقال ﷺ أيضًا: (الرضاعة من المجاعة) فهذه دلالات تثبت أن حالة سالم حالة خاصة وهي الإجابة التي أجابها الأئمة الأربعة على الاعتراض بحديث سالم وبذلك تأكد أن الأصل في الأحكام: العموم وليس التخصيص، إلا أن الله قد خص النساء ببعض أحكام لم يشارك الرجال النساء فيها.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>معنى قول النبي ﷺ (النساء شقائق الرجال)</span>\nأما ما جاء عن النبي ﷺ في سنن أبي داود بسند صحيح قوله: (النساء شقائق الرجال)، أي: في الأحكام، فهو يريد أن الله ما شرع حكمًا للرجال إلا وأنزل تحته النساء، ومن ذلك قول النبي ﷺ: (أيما رجل أدركته الصلاة فليصل) فلا يعني: أن المرأة لا تصلي إلا في المسجد أو مصلاها المعهود، وأن الرجل إذا أدركته الصلاة في أي أرض صلى، فهذا المفهوم غير مراد في الحديث، بل هذا على سبيل التمثيل أو التغليب؛ لأن السفر وقطع الفيافي من الرجال وليس من النساء، فالمعنى: أيما امرأة أيضًا ادركتها الصلاة في أي مكان فلها أن تتيمم ولها أن تصلي فقد جعلت لها الأرض مسجدًا وطهورًا، فبذلك علم أن الأحكام على العموم إلا أن الله خص النساء ببعض الأحكام ومنها: لبس الحرير والذهب:","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>نسخ جواز لبس الذهب والحرير بالنسبة للرجال</span>\nومعلوم أن الذهب كان حلالًا ثم نسخ حله بالنسبة للرجال، وهذا هو الأصل في كل لباس، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢]، فكان كل لباس حلالًا حريرًا كان أو فضة أو ذهبًا مالم يدل الدليل على التحريم كما دل الدليل على تحريم الذهب، وقد جاء التحريم مطلقًا ثم خصص النبي ﷺ بالتحريم الرجال، كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: (نهى النبي ﷺ عن خاتم الذهب) يفسره حديث مسلم عن ابن عباس ﵁ وأرضاه قال: (رأى النبي ﷺ رجلًا وفي يده خاتم من ذهب فأخذه فنزعه من أصبعه فطرحه ثم قال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في أصبعه أو في يده فطرحه في الأرض ومشى، فقال الناس: التقط وانتفع به) أي: خذه فبعه أو أعطه لامرأتك وانتفع به! فقال: لا والله لا آخذ شيئًا طرحه رسول الله ﷺ، إذًا: فهذه دلالات تبين لنا تحريم الذهب على الرجال، ومثله الحرير: فإن النبي ﷺ لما أشار عليه عمر بن الخطاب أن يشتري ثوبًا من حرير يقابل به الوفود قال: (هذا ثوب أو لباس من لا خلاق له) في الآخرة، ثم إن النبي ﷺ جاءته حلة سيراء هدية فأهداها لـ عمر فبكى عمر فذهب إلى النبي ﷺ فقال: تهديني هذا وقد قلت ما قلته في هذا الزي، فقال النبي ﷺ: (أعطيتكها لا لتلبسها بل لتجعلها في نسائك أو تهديها) فأهداها عمر لأخ له مشرك في مكة، وجاء أيضًا عن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: (أن النبي ﷺ نهى عن لبس الحرير والجلوس عليه)، وقد ورد في حديث آخر (عن علي بن أبي طالب أنه قال: نهاني رسول ﷺ عن لبس الحرير) ومثله أيضًا حديث حذيفة ﵁: (نهى النبي ﷺ عن لبس الحرير) فهذه أدلة واضحة جدًا في تحريم الذهب والحرير على الرجال والنساء؛ لأن الأصل في الأحكام العموم، إلا أنه جاءنا الدليل الذي جعلنا نحيد عن هذا التأصيل: وهو أن النبي ﷺ خصص النساء من أحكام الرجال، كما صح عنه ﷺ: (أنه أخذ الذهب بيده والحرير بيده وقال هذان حرام على ذكور أمتي حلال على إناثها) وهذا تصريح بالتخصيص، وبما أن النبي ﷺ خصص هذا الحكم فقد دل على أن النساء يحل لهن أن يرتدين الحرير من الثياب كما يحل لهن أن يرتدين الذهب كيف شئن، لكن بقيد وهو ألا تظهر هذه الزينة للأجانب؛ لأن الله جل في علاه يقول: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور:٣١]، فلها أن تتحلى بالحلي لزوجها فتمتع زوجها بالنظر إليها بما ترتدي من الثياب إلّم يكن فيها بغي أو أشر وبطر.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>تخصيص المرأة بجواز لبس الحرير والتحلي بالذهب من حكمته تعالى ورحمته</span>\nوتخصيص المرأة بذلك دون الرجال من حكمة الله تعالى ورحمته بها؛ لأن النساء فيهن النقص ويكمل النقص بهذه الزينة، ولذا نرى كثيرًا من المتزوجين إن اقترضوا فلا يقترضوا في الغالب إلا لشراء المساحيق وأدوات الزينة التي تطالب بها الزوجات، إذ المرأة تهتم كثيرًا بزينتها، ولذا نبه النبي ﷺ على أنهن ناقصات فقال: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين منكن) وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]، لكن الرجل لا يحتاج لهذا، فلا تجد رجلًا يحب أن يضع الروج على فمه، أو أن يرتدي سلسلة في رقبته كأصحاب الفطر المبدلة أو يضع الأسورة في يده، وإن كان يتمنى أن يكون وسيم امرأته لكن لا يحتاج إلى كل هذه الكماليات، فكان من حكمة الله ورحمته بالمرأة -وهي الكائن الضعيف- أن أباح لها الحلي والزينة وفتح لها المجال لتتحلى لزوجها بشرط ألا تبدي هذه الزينة للأجانب.\nوبعد أن بينا تلك القواعد والأحكام حق لنا أن نشرع في تفصيل ما صدرنا به هذا البحث من الوعد بأننا سنتحدث عن مسألتين:","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>مسائل خالف فيها الرجال النساء</span>\nالمسألة الأولى: لبس الذهب للنساء.\nوالثانية: افتراش الحرير واتخاذه سجادًا أو فرش البيت منه أو اتخاذه كستائر فهل يجوز ذلك كله أم لا؟","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>لبس الذهب المحلق وغير المحلق</span>\nاختلف العلماء في لبس الذهب بالنسبة للمرأة على قولين:","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>القول الأول</span>\nيجوز للمرأة أن تلبس الحلي من الذهب مطلقًا محلق وغير محلق، أسورة كان أو سلسلة، وهذا هو قول الجمهور، واحتجوا على ذلك بعموم قول النبي ﷺ: (هذا حرام على ذكور أمتي حلال على إناثها) وهذا على العموم، كما احتجوا بالأصل إذ الأصل في الأشياء: التحليل لا التحريم ما لم يأت دليل صريح صحيح ينقلنا عن هذا الأصل.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>القول الثاني وأدلته</span>\nوخالف في ذلك بعض أهل العلم كمحدث الدنيا من جدد لهذه الأمة دينها: الشيخ الألباني رحمة الله عليه، ذلك الجبل الذي كان من أساطين أهل العلم، وقد شرفنا الله بأن نعيش في زمان فيه هذا الشيخ رحمة الله عليه رحمة واسعة ومتع بعلومه ونفع الناس بها، فقال ﵀: يحرم الذهب على النساء سواء كان أسورة- أو حلقًا- أو خلخالًا، فلا يجوز للمرأة أن تتمتع به أو تتحلى به، وأستدل على ذلك بأدلة كثيرة من السنن -وهو من هو في الحديث- ولما كان يعلم أن الأصل: هو الحل، فقد نبه على الأدلة التي تنقل عن هذا الأصل إلى التحريم، فاستدل بما روى أبو داود وأحمد: أن النبي ﷺ قال: (من أحب أن يحلق حبيبه بحلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب، ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقًا من نار فليطوقه طوقًا من ذهب) ووجه الدلالة: قوله: حبيبه، فإنها على العموم وإن كان أصل وضع اللفظ للذكر حبيبه، إلا أن الأحكام تكون على العموم، كما استدل أيضًا بما جاء في السنن: (من أن بنت هبيرة جاءت إلى النبي ﷺ وفي يدها فتخ -خواتيم كبار- فنظر النبي ﷺ لهذه الخواتيم فقال لها: يسرك أن يسورك الله بسوار من نار! أو قال بخاتم من نار!) ففيه دلالة واضحة عنده أنها تُحلَق أو تطوق من نار بهذا الخاتم الذي لبسته، واستدل أيضًا بحديث آخر: (عن أم سلمة ﵂ وأرضاها، أنها كانت ترتدي شعائر من ذهب فشد عليها النبي ﷺ وأعرض عنها، فسألته عن إعراضه فقال: من أجل هذه الزينة) أي: أنه أعرض عنها من أجل سلسلة الزينة التي في رقبتها، فالشيخ يرى: أن هذا الإعراض من النبي لأنها تحلقت بحلقة من ذهب.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>القول الراجح وأدلته</span>\nهذه هي جل الأدلة التي استدل بها الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، والقول الصحيح في ذلك: هو قول عامة أهل العلم، وكل يؤخذ من قوله ويرد والله أعلم بالصواب ولكل مجتهد نصيب، ليس نصيبًا من الحق بل نصيبًا من الأجر، إذ أن الحق واحد عند الله لا يتعدد؛ لأن الله جل وعلا قال: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢]، فالصحيح: أن الحق واحد لا يتعدد لكن كل له نصيب من اجتهاده، فالصحيح والله أعلم هو قول الجمهور: وأنه يجوز للمرأة أن تلبس من الحلي المحلق وغير المحلق ما تتزين به، فقد أباحه الشرع لها والدليل على ذلك: هو عموم قوله ﷺ (هذان حلال لنساء أمتي، حرام على ذكورها)، ويؤيد ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه (أن النبي ﷺ كان عندما يخطب في الناس خطبة العيد يفرد النساء بخطبة لهن؛ لأن الصوت لا يذهب إليهن؛ لأنهن كن يبتعدن عن الرجال أدبًا منهن، فيذهب النبي ﷺ لهن خاصة فيخطب خطبة خاصة بالنساء، فكان يعظهن ويذكرهن، ثم أمرهن النبي ﷺ أن يتصدقن: فقال: تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار) فأمرهن بالصدقة فكانت المرأة تعطي السلسلة والخواتيم وتضعها في ثوب بلال، وهذا دليل واضح جدًا على إقرار النبي ﷺ، فإن المرأة أنها كانت ترتدي الخرص وترتدي الخاتم وترتدي الأسورة، ولا يرد علينا فيقال: إنها كانت تقتنيها في ثوبها ولا ترتديها فهذا بعيد جدًا، إذ أن غالب النساء إن كان معهن هذا الذهب فلا يكون إلا ارتداءًا فهذا الظاهر، وغيره غير ظاهر، فالصحيح: أن حديث إقرار النبي ﷺ على ذلك يدل على أنه يجوز للمرأة أن ترتدي هذا الحلي سواءً كان محلقًا أوغير محلق، وهذا الراجح الذي لا محيد عنه.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الرد على أدلة القول الثاني</span>\nأما الرد على الأدلة التي استدل بها الشيخ الفاضل الجليل الجبل الشيخ الألباني رحمة الله رحمة واسعة وجعله مع رفقة النبيين والصديقين والصالحين والشهداء، ورفع الله مقامة وذكره، فكان أول حديث من الأحاديث التي استدل بها حديث: (من أن أراد أن يحلق حبيبه) ووجه الدلالة الأول: أن اللفظ وضع للذكر لا للأنثى، فإن رد علينا وقال: الأصل العموم، قلنا: جاءت الأدلة والقرائن التي تثبت أن المقصود هو: التحريم على الرجال، فقد قال النبي ﷺ: (حرام على ذكور أمتي) فالمعنى: أنه إنما يحلق حلقة من نار إذا كان ذكرًا، ويتضح ذلك إذا عملنا بما قعد لنا الإمام البخاري في فهم أحاديث النبي ﷺ: بألا نأخذ الحديث منفردًا، ولكن نجمع الأحاديث التي تتحدث عن المسئلة جميعها فيتبين المعنى المراد من كلام النبي ﷺ، ففي حديث مسلم أن النبي ﷺ قال للرجل الذي لبس خاتمًا من ذهب (أيعمد أحدكم إلى جمرة من نار) فهذه دلالة واضحة: أن الله يحلقه بحلقة من نار إن كان ذكرًا.\nالوجه الثاني: أن هذا الدليل يعتريه ما يعتريه من الاحتمالات، إذ هو يحتمل أن تدخل تحت اللفظ النساء، ويحتمل ألا تدخل، والقرينة الفاصلة المحكمة: أن النبي ﷺ عمم، وهذا الحديث لا يصح أن يخصص عموم قوله: (كل الذهب حلال لنساء أمتي) وأيضًا حديث مسلم كن يتصدقن بالخاتم وبالأسورة، فكن يلبسن ذلك، على عصر النبي ويقر النبي ﷺ ذلك أما الرد على الحديث الثاني الذي استدل به الشيخ وهو حديث بنت هبيرة حيث قال لها لما رأى بيدها السوارين: (أيسرك أن يسورك الله جل في علاه بسوارين من نار) فهذا الحديث محتمل أيضًا، فيحتمل أن يكون من أجل الحلقة من الذهب كما يحتمل أن يكون هذا الزجر لأمر آخر، ومعلوم أنه إذا اعترى الحديث الاحتمالات فلا يقال: نحكم الهوى، فالهوى يرجح لنا الصحيح -أعوذ بالله- بل يتتبع العلم.\nالعلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه والعلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه ولذا نحكم أحاديث النبي ﷺ فهي التي تفسر لنا ما أبهم، وتفصل لنا ما أُجمل، فقد جاء في المسند بسند صحيح عن أسماء بنت يزيد وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ: (دخلت عليه امرأة ومعها ابنة وفي يدها أساور من ذهب فقال لها: يسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار، قالت: علام يا رسول الله؟ فقال: أديتي زكاة هذا؟) وفي الرواية تقديم وتأخير: إذ في رواية أخرى: (أنه لما رأى الأسورة ما أنكر لبسها، لكنه قال: أديتي زكاة هذا؟ قالت: لا، فقال: تريدين أن يسورك الله بسوارين من نار)، ففي الرواية الأولى قال: يسورها بسوار من نار أو خاتم من نار، وفي الحديث الثاني في نفس السياق قال: يسورك بسوار من نار، فأخفيت العلة في الحديث الأول وظهر في الحديث الثاني تفسيرها حيث قال: أديتي زكاة هذا؟ فإذًاَ: التقدير في الحديث الأول -حديث بنت هبيرة - أن يقال: كأنه ﷺ يقول لها: أديتي زكاة ذلك؟ قالت: لا، قال: إذًا يلبسك الله خاتمًا من نار يوم القيامة، فهذا الحديث ظاهر جدًا في تفسير الحديث الأول؛ إذ أنه في حديث بنت هبيرة: أن النبي ﷺ زجرها أشد الزجر؛ لأنها لم تؤد الزكاة ولم يذكر التحلي ولا حرمه لا من قريب ولا من بعيد، وعلى ذلك فإنها ما استوجبت النار من أجل الأسورة لأنها من الذهب بل لأنها لم تؤد الزكاة، كما أن حديث عمرو بن شعيب بنفس اللفظ، فقد قال فيه: (تريدين أن يسورك الله بسوارين من نار، أديتي زكاة هذا؟) ومثل ذلك يقال في حديث أم سلمة وعليه يرد بنفس الرد، ففي حديث أم سلمة: أنها كانت ترتدي هذه السلسة، -وإن قلنا: إنها بلغت النصاب أو لم تبلغ النصاب- فهذا التفصيل الفقهي ليس موضعه الآن، وما يهمنا أن النبي ﷺ علل أن هذا العقاب مقيد بالزكاة، فإنها إن أدت الزكاة فلا عقاب وإن لم تؤدها لزم العقاب، وبذلك تبين أن هذه الأحاديث وإن كانت محتملة لكنها بعيدة جدًا، وسياق الأحاديث يدل على أن العقاب والزجر ليس من أجل التحليق ولكنه من أجل الزكاة، وبذلك تسلم أدلة عامة أهل العلم بأن المرأة يجوز لها أن ترتدي السلسلة أو الأسورة أو الخاتم ذهبًا كان أو غيره.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>افتراش الحرير</span>\nمعلوم أن الله قد أحل للنساء الحرير، فهل يجوز للمرأة أن تشتري الفراش الوثير من الحرير؟ وأن تفترش سجاد الحرير؟ وأن تستخدم الحرير استخدامًا مطلقًا كما أنه حل لها أم لا؟ هذه المسألة وعرة قد اختلف العلماء فيها على أقوال ثلاثة:","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>القول الأول وأدلته</span>\nالقول الأول: هو قول جماهير أهل العلم من الشافعية والمالكية والحنابلة فقالوا: لا يجوز للمرأة استخدام الحرير فراشًا كما أنه لا يجوز ذلك للرجل من باب أولى، وقال جمهور أهل العلم: إنما نخص النساء بلبس الحرير جوازًا، أما افتراش الحرير فلا يجوز لا للرجال ولا للنساء، والأدلة على ذلك عندهم حديث حذيفة وهو رأس الأمر عندهم، ففي الصحيح: أن حذيفة ﵁ وأرضاه قال: (نهى النبي ﷺ أن نشرب من آنية الذهب والفضة وعن لبس الحرير وأن نجلس عليه) وموطن الدلالة قوله: وأن نلبس الحرير، وقد تقدم أن تحريم لبس الحرير للرجال خاصة، ثم قال: وأن نجلس عليه، فظاهر هذا التصريح يدل على: حرمة الجلوس على الحرير وافتراشه، أيضًا: قد ورد عن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه أنه قال: نهاني النبي ﷺ أن أضع الخاتم في هذا الأصبع والذي يليه ونهاني أن ألبس الحرير وأن أجلس على المياثر، وهناك روايات عن معاوية وأخرى عن علي بن أبي طالب كما في السنن: (أن النبي ﷺ نهى عن ركوب جلد النمار) وركوب جلد النمار يعني: افتراشها، فهذه أدلة للجمهور توضح حرمة استعمال الحرير كافتراش أو كفرش يمكن للإنسان أن يجلس عليه.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>القول الثاني وأدلته</span>\nالقول الثاني: وهو قول الأحناف فقالوا: يجوز للرجال والنساء افتراش الحرير، واستدلوا على ذلك بنفس أحاديث النهي، وأحاديث النهي جاء فيها: أن النبي ﷺ نهى عن لبس الحرير، فقالوا: قد نهى النبي عن لبس الحرير فيجوز الافتراش، إذ أن الافتراش غير اللبس، واللبس هو المنهي عنه، كما أن الأصل عندنا الجواز مالم يأت ناقل ينقلنا عنه إلى غيره ولا ناقل، ووافقهم في ذلك بعض الشافعية وبعض المالكية.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>القول الثالث وأدلته</span>\nالقول الثالث: قول الشافعية فقالوا: يجوز للنساء خاصة افتراش الحديد، واستدلوا بنفس الأدلة السابقة فاستدلوا بأن النبي ﷺ قال: (هذان حلال لإناث أمتي حرام على ذكورها) وهم يعرفون أن النبي ﷺ نهى أن يجلس المرء على المياثر، ووجهة نظر الشافعية في ذلك أنهم قالوا: لما أحل الله لبس الحرير للنساء وحرمه على الرجال، علمنا أن النبي قد فرق في الأحكام بين النساء والرجال، وعندنا أن الأصل: الحل في اللبس وفي الافتراش، ويضم إليه أن النبي ﷺ فرق في الحكم بين المرأة وبين الرجل، فما جاء من قول النبي ﷺ: حلال لأمتي عموم يجعلنا نقول: يحل للنساء استعمال الحرير مطلقًا ويبقى العام على عمومه ولم يأت دليل يخصصه، فإن قيل: فما تقولون في حديث حذيفة (نهانا أن نجلس عليه) قالوا: حديث حذيفة المقصود به الخصوص، فهو عام يراد به الخصوص؛ لتفريق النبي في الأحكام بين الرجال وبين النساء، وهذا الوجه من القوة بمكان، ولولا الحيطة لقلت بهذا القول؛ لأن النبي ﷺ قد أباح للمرأة لبس الحرير، والأصل يعضده فيبقى العام على عمومه.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>القول الراجح ومناقشة الأدلة</span>\nوالصحيح الراجح: هو القول الأول: وهو قول الجمهور: أنه يحرم افتراش الحرير للنساء وإن خصت النساء بالحل في لبس الحرير، وبيان صحة هذا القول يرد على ما عداه من الأقوال، أما قول الأحناف فالرد عليه من وجهين: الوجه الأول: تصريح حديث حذيفة حيث قال: وأن نجلس عليه، وهذا حديث صريح صحيح إذ أنه في مسلم فقد صرح بالنهي عن الجلوس عليه.\nالوجه الثاني: أن الافتراش يسمى لبسًا، والدليل على ذلك حديث في الصحيح عن أنس ﵁ وأرضاه أنه لما ذهب يصلي وصفّ معه الغلام وخلفه العجوز قال: فقمت إلى حصير قد اسود من طول اللبس، فقوله: طول اللبس، فيه دلالة على: أن اللبس يطلق على الافتراش، قال العلماء: وكل شيءٍ لبسه بحسبه، فهذا بالمكوث والآخر بالارتداء وغيره بالنوم وهكذا، أما قول الشافعية -مع أنه من الوجاهة بمكان- فيقال: سلمنا لكم في التفريق لأنه من حيث النظر قوي جدًا، لكن القاعدة عندنا: أنه إذا اجتمع حاظر مع مبيح جاءت إباحته من النظر، كما أن هناك قاعدة أخرى تؤكد ذلك وهي: أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فإن استخدام المرأة لهذا الحرير فراشًا سيكون وسيلة لاستخدام الرجل أيضًا، لأن الغالب ألا يخلو بيت من رجال، وبما أن الوسيلة ستؤدي إلى محرم فهي حرام.","vol":"1","page":18},{"text":"أحكام انفرد بها النساء عن الرجال -<span data-type=\"title\" id=toc-19> الإسبال تحت الكعبين</span>\nالأصل في الأحكام أنها عامة للرجال والنساء، فما من حكم يشرعه الله تعالى إلا والنساء داخلة فيه؛ لأن النساء شقائق الرجال، لكن هناك أحكام تختص بها النساء دون سائر الرجال، ومنها ما يتعلق بأحكام اللباس، وهذا مبسوط في كتب الفقه الإسلامي.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>حرمة الإسبال وأنواعه</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: ذكرنا فيما سبق أن الأصل في التشريع: هو العموم لا الخصوص، فما من حكم ينزل ويشرعه الله جل في علاه، ويرسل به رسوله ﷺ إلا ويشترك فيه النساء والرجال، قال ﷺ: (إن النساء شقائق الرجال في الأحكام) وبينا أيضًا الحكم الذي خص به النساء دون الرجال في جواز لبس الذهب والحرير.\nوسنتكلم بمشيئة الله تعالى على أحكام الثياب واللباس، فنقول: إن الإسبال مذموم شرعًا، سواء للرجال والنساء، وقد ذمه النبي ﷺ في أكثر من حديث، وهو على حالتين: الحالة الأولى: الإسبال مع الكبر، وهذا أغلظها وأعظمها في الإثم، فهو يمشي بين الناس كالطاووس، وينظر إليهم كالنمل أو الذر، وهو العالي الشامخ، فهذا بين النبي ﷺ جزاءه فقال: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) أي: نظر رحمة، فلا يرحمه الله تعالى.\nوقد قال أبو هريرة ﵁ رافعًا هذا الحديث للنبي ﷺ كما في الصحيح: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر).\nالحالة الثانية: الإسبال بغير مخيلة، وهذا الإسبال أخف وأهون في العقوبة، قال فيه النبي ﷺ: (ما أسفل الكعبين فهو في النار)، أي: ليس بخيلاء، فعادة أهله أنهم يلبسون هذه الثياب والقمص والبنطال فيكونون سادلين، فينزل عن الكعبين.\nإذًا: قسم النبي ﷺ الإسبال إلى قسمين: إسبال بخيلاء، فيأتي رجل ويقول: أنا لا أتكبر، ومع ذلك أسدل ثوبي، فأنا لا أدخل في الحديث، قلنا: نعم، أنت لا تدخل في مسألة الكبر، وليست عقوبتك: لا ينظر الله إليك يوم القيامة، لكن ستدخل في باب آخر -حتى وإن كانت الثياب مهلهلة- وهو: (ما أسفل الكعبين ففي النار).","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>إشكال في مسألة الإسبال والجواب عنه</span>\nوهنا قد يرد علينا إشكال وهو: أن النبي ﷺ بعدما فرَّق بين القسمين جمع بينهما في حديث واحد في مسند أحمد: فقال (الإسبال مخيلة)، وهنا (الإسبال): عموم، فهو لم يفرق بين القسمين المذكورين، فكيف يجاب عن هذا الإيراد؟ والجواب على هذا الإشكال: أن هذا خرج مخرج الغالب، فأغلب من يرتدي الثياب الطويلة يمشي بين الناس متكبرًا، وهذا هو التوجيه الأول.\nالتوجيه الثاني: أن هذا الحديث عام مخصوص بالكبر.\nالتوجيه الثالث: أنه يعم القسمين، يعم الكبر وغير الكبر، أما الكبر فواضح، وأما ما أسفل الكعبين، والذي انسلخ عنه الكبر، وما قلنا بالكبر فيه، فنقول: لأنه وسيلة إلى الكبر، فوسم بالكبر.\nوأقول: أولًا: إذا قال النبي ﷺ: (الإسبال مخيلة) يعني: الإسبال كبر، وهذه بالنص في قول النبي ﷺ: (من جر ثوبه خيلاء) فلا تعب في ذلك.\nأما الثانية: في القسم الثاني: (ما أسفل الكعبين ففي النار) فهو لم يذكر الكبر، لذا فهو ينزل تحت قوله ﷺ: (الإسبال مخيلة) أي: أنه وسيلة للمخيلة - فلو أن رجلًا كان مهلهل الثياب وأسدل ثوبه، وكان يجره في الأرض، ففي المرة الأولى يقول: استحي فثوبك مهلهل.\nوفي المرة الثانية يقول: ألا ترى هذا الثوب الجميل؟ إن ثوبك قذر.\nوفي المرة الثالثة سيقول: هم يجرون وأنا أجر، فيأتيه نوع من أنواع الكبر فيكون ذلك وسيلة للكبر- ولذلك سماه النبي ﷺمع أنه أهون وأخف- مخيلة؛ لأنه وسيلة للمخيلة، وهذه قاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد.\nإذًا: فالنبي ﷺ ذم الكبر ذمًا شديدًا، فمنه ما هو أغلظ إذا كان كبرًا وخيلاء، ومنه ما هو أهون إن كان عادة، لكن هذه العادة ستكون وسيلة إلى دخول الكبر في القلب.","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>إسبال النساء</span>\nولذلك لما سمعت أم سلمة ﵂ وأرضاها هذا الكلام من النبي ﷺ: (لا ينظر الله إليه يوم القيامة، قالت: يا رسول الله! وماذا على النساء؟ فقال النبي ﷺ: يرخين شبرًا.\nقالت: إذًا يتكشفن، فقال النبي ﷺ: يرخين ذراعًا، ثم قال: ولا يزدن) فهذه دلالة على أن هناك إسبالًا للنساء، فلا يجوز أن يزدن على الذراع، وما أباح النبي ﷺ لهن ذلك إلا لدفع مفسدة أعظم، وهي: كشف الساقين للمرأة، فراعينا المفسدة الكبرى بارتكاب المفسدة الأقل، وهي: أن تسبل المرأة ذراعًا تحت الرجل.","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>شروط لباس المرأة</span>\nإذًا: فالثوب الذي لا بد أن ترتديه المرأة لا بد أن يكون طويلًا فضفاضًا سابغًا يغطي الرجل، فيغطي ظهور القدمين، ويغطي الساق كما قال النبي ﷺ: (يرخين ذراعًا ولا يزدن على ذلك).\nوهذا يجرنا إلى الكلام عن صفة الثياب التي لا بد أن ترتديها المرأة.\nأولًا: لا بد أن يكون فضفاضًا سابغًا لكل الجسد، قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١]، وقد اختلف العلماء في ذلك معنى قوله تعالى: «إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا» كما سنبين، قال: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] فلا بد أن يكون الدرع سابغًا، وقد قالت عائشة ﵂ وأرضاها: -عندما قال الله تعالى آمرًا نبيه ﷺ: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]- نعم النساء نساء الأنصار، لما نزلت آية الحجاب، وكن يصلين مع النبي ﷺ العشاء، تلفعن بمروطهن، ثم وصفتهن وصفًا دقيقًا يثبت العفة والحياء فقالت: فكن كالغرابيب السود.\nأي: لا ترى منهن شيئًا لا عينًا ولا وجهًا ولا قدمًا ولا ساقًا ولا ظفرًا ولا شيئًا البتة.\nالشرط الثاني: ألا يكون زينة في نفسه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١]، وهذا رد على من يظهر على الفضائيات ويجيز ذلك، وقد أخبرت من الثقات فقالوا: هذا الحجاب الذي ترتديه فلانة من المكان الفلاني، فهل أنتِ أصلًا قمت تقولين: قال الله وقال الرسول وتنشرين الدين وإلا عارضة أزياء؟ تقول: هذا الزي المحجب من المكان الفلاني، وتأتي بالشراب الأحمر والأصفر والأخضر، أنا أقول: قد ثبت بسند صحيح أنه كان لـ عائشة خمار أحمر، لكن الخمار الأحمر لم يكن زينة في نفسه في عصر عائشة ﵂ وأرضاها، بل خذ أرقى من ذلك في الإحداد للمرأة، فكان فقهاؤنا يقولون: ولا ترتدي الأسود، لأنه كان في زمنهم فتنة في نفسه، والثوب الزينة إذا لبسته المرأة فقد أظهرته للناس، ولفتت الأنظار إليها، وأيما امرأة خرجت من بيتها وتقصدت السير بين الرجال لتفتن الرجال بلفت الأنظار لها، فقد فعلت الفاحشة كما قال النبي ﷺ: (أيما امرأة تعطرت أو تطيبت وخرجت فشم الرجال هذا الريح منها فقد فعلت الفاحشة) أو كما قال ﷺ.\nوالثوب الذي فيه زينة لا يقل خطورة عن الرائحة التي تلفت الأنظار، وقد قال الله جل في علاه: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣].\nكذلك الثياب ذات الألوان التي هي زينة في نفسها، مثل: الأسود، البني، الرمادي، الرصاصي، الكحلي، الأصفر، الليموني، الأحمر، وغيرها من الثياب لا يجوز للمرأة لبسها.\nوالذي أعرفه: أنها تكون سوادًا كالغرابيب السود.\nوهذه المسألة تخضع للعرف، فأي ثوب يفتن فلا بد أن تتجنبه المرأة.\nالشرط الثالث: ألا يصف ما تحته، وألا يحد العضو ولا يحجمه، والله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت أخوات كثيرات -ولسن بأخوات بحال من الأحوال- يرتدين ثيابًا وقد حجَّم عظمة الكتف وكأنها ظاهرة، والله الذي لا إله إلا هو إن بعض ثياب النساء يحجم الوسط، فمن الذي أباح لهن أن يمشين في الطرقات بهذه الملابس؟ أيرضى من أذن لهن بذلك أن يكون ديوثًا؟ فليتق الله ربه، فكل ثوب حد العضو فلا يجوز.\nوقال بعض الإخوة: إن المرأة تلبس الجلباب وتلبس تحته ثيابًا تلتصق بالجسد، فإذا جاء الهواء أظهر كل ما تحته، فهذا أيضًا لا يجوز، كما سنبين فيما بعد.\nجاء في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (صنفان من أهل النار لم أرهما من أمتي: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات).\nقوله: (كاسيات عاريات) ليس المقصود: أنهن يمشين في الطرقات دون ثياب، بل المقصود: أنهن يرتدين الثياب التي تصف ما تحتها، أو تحد العضو تحتها.\nقال النبي ﷺ: (ونساء كاسيات) وانظر! فقد سماهن (كاسيات) فهن في الظاهر يرتدين الثياب، لكن في الحقيقة لسن مرتديات للثياب؛ لأن كل فتنة موجودة في أجسادهن قد ظهرت للناس.\nقوله: (نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات) يعني: فصرن يتسكعن، ويملن في السير أو في الثياب، فيملن قلوب الرجال إليهن.\nوقوله: (مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت) وذلك كالقصة التي يسمينها: قصة الأسد، وتسمى: الدوامة، وغير الدوامة التي تعلو إلى فوق، قال النبي ﷺ: (رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريح الجنة ليوجد من مسيرة كذا وكذا).\nفهذا الحديث العظيم نبوءة نبوءات من سيدنا محمد ﷺ، حيث وأننا في عصر الكاسيات العاريات، وما أكثرهن وأكثر عريهن! وقد فسر كثير من أهل العلم قوله: (كاسيات عاريات) أي: هن اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف ما تحته، ومثل هذا ما يسمى: بالبابي الذي يلتصق بالجسد فيصف لك كل شيء، فهن كاسيات اسمًا لكنهن عاريات حقيقة.\nوعن أسامة بن زيد الكلبي ﵁ قال: (كساني رسول الله ﷺ قبطية كثيفة -يعني: ثوبًا- كانت مما أهداها له دحية الكلبي فكسوتها امرأتي) أي: أعطيتها لامرأتي.\n(فقال لي رسول الله ﷺ: ما لك لم تلبس ما أهديتك إياه؟ ما لك لم تلبس القبطية؟) بالفتح أو بالضم.\n(فقلت: يا رسول الله! كسوتها امرأتي.\nفقال لي: مرها فلتجعل تحتها شيئًا، إني أخاف أن تصف حجم عظامها).\nفإذًا: أي شيء يحد العضو لا يجوز للمرأة أن تسير به بين الرجال، أو أن تظهره للرجال.\nالشرط الرابع: ألا ترتدي ثوبًا خاصًا بالرجال، ولا فيه تشبه بالكافرات، وبعض العلماء حجر صراحة على مسألة البنطال وقال: لا يجوز بحال من الأحوال أن ترتدي المرأة البنطال، لا لزوجها ولا لنفسها، في بيتها ولا في الخارج، وهذه فتوى الشيخ محمد صالح بن عثيمين، وقد سمعتها بأذني فقال: لا ترتدي المرأة البنطال.\nحتى إنه اعترض عليه معترض من طلبة العلم فقال: يا شيخنا! إن المرأة ترتديه متعة لزوجها، قال: لا ترتديه، ولو جلست له من غير بنطال أو من غير شيء تمتعه، لكن لا تمتعه بشيء حرام، لأنه يرى أن هذا الثوب أو هذا الزي خاص بالرجال.\nأما بالنسبة لزي الرجال فقد ورد النهي عن النبي ﷺ كما في الحديث: (لعن رسول الله ﷺ الرجلة من النساء) أي: المرأة التي تتشبه بالرجال في الثياب، وفي مسند أحمد عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ: (لعن الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس زي الرجل)، وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵁ وأرضاه قال: قال النبي ﷺ: (خالفوا المشركين) وهذا عام في الرجال وفي النساء، فلا يجوز للمرأة أن ترتدي ثوبًا تتشبه به بالكافرات، وأيضًا في عموم قول النبي ﷺ: (خالفوا المجوس وخالفوا اليهود والنصارى)، وقوله ﷺ: (من تشبه بقوم فهو منهم)، وقوله: (من تشبه بغيرنا فليس منا، لعن الله من تشبه بغيرنا).\nفعلى المرأة أن ترتدي ثوبًا ليس فيه تشبه بالكافرات، ولا بالعاهرات ولا بالفاسقات.","vol":"2","page":5},{"text":"أحكام انفرد بها النساء عن الرجال -<span data-type=\"title\" id=toc-24> ستر العورة</span>\nستر العورة شرط من شروط الصلاة، لا تصح الصلاة إلا به، فمن صلى كاشفًا عورته بطلت صلاته، وعورة المرأة في الصلاة جميع بدنها إلا وجهها وكفيها، أما قدمها فالصحيح أنه عورة يجب سترها في الصلاة.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>أحكام ستر العورة للمرأة في الصلاة</span>","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الأدلة على وجوب ستر العورة في الصلاة</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: ستر العورة في الصلاة شرط من شروط الصلاة، لا تصح الصلاة إلا به، والأدلة على ذلك ما يلي: أولًا: قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، قال ابن حزم والمقصود هنا هو ستر العورة بالاتفاق.\nثانيًا: عن عائشة مرفوعًا: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)، وهذا دليل على ستر العورة، وهذا الحديث أعله الدارقطني بأنه موقوف على عائشة ﵂ وأرضاها، ومع ذلك إذا كان عن عائشة موقوفًا صحيحًا فلا بد أن يأخذ بعين الاعتبار؛ لأن المسألة توقيفية.\nثالثًا: أم سلمة ﵂ وأرضاها تصف لنا الثياب التي تستر بها المرأة عورتها فتقول: إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور القدمين، صحت الصلاة فيه.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>أنواع العورة وحكم كل نوع</span>\nوالعورة عورتان: عورة نظر، وعورة صلاة، وعورة النظر لها أحكام: فيجب على المرأة أن تكشف الوجه والكفين وهي تصلي، ولا يجوز لها أن تكشفهما أمام الأجانب، فإذًا: عورة النظر تخالف عورة الصلاة.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>حكم من صلى وليس على عاتقه شيء</span>\nوأيضًا: النبي ﷺ لم يبح للمرء أن يصلي وليس على عاتقه أي شيء، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يصلين أحدكم وليس على عاتقه شيء)، ومع ذلك يصح، فيمكن للإنسان أن يظهر أمام الناس عاري الكتفين، وإن كان ذلك من خوارم المروءة لكنه ليس بعورة.\nفإذًا العورة عورتان: عورة نظر وعورة الصلاة، وعورة الصلاة بالنسبة للرجال على الراجح من أقوال أهل العلم: أنها من السرة إلى الركبة.\nوعند الحنابلة: أن العاتق عورة، وقالوا: لا يجوز للمسلم أن يصلي بغير تغطية عظم العاتق، وفي رواية لهم: أن من صلى وليس على عاتقيه شيء بطلت صلاته.\nوالجمهور يرون: أن تغطية العاتق في الصلاة سنة، وأن كشفه يكره، والكراهة: كراهة تنزيهية وليست تحريمية، ويستدلون على ذلك تأويلًا بحديث: (لا يصلين أحدكم وليس على عاتقه شيء)، وبحديث جابر ﵁ وأرضاه أنه قال له النبي ﷺ: (إذا صليت وعليك ثوب واحد فإن كان واسعًا فالتحق به)، أو قال: (ضع على عاتقك منه شيئًا)، قال: (فإن كان ضعيفًا فاتزر به)، وإن كان واسعًا فلابد أن تضعه على عاتقيك.\nفالجمهور أخذوا بهذا الحديث، فصرفوا به حديث النبي ﷺ: (لا يصلين أحدكم وليس على عاتقيه شيء).\nوالصحيح الراجح: ما فصله الحنابلة خلافًا للجمهور، وهو إن كان الثوب واسعًا بحيث يلتحف به ويضعه على عاتقيه، أو كان له ثوبان فلا تصح الصلاة بألا يضع شيئًا من هذا الثوب على عاتقه، وإن كان ضيقًا لا يستطيع أن يلتحف به فله أن يتزر لتصح الصلاة له.\nفهذا التفصيل من أجود التفاصيل الذي يعمل بها كلام النبي ﷺ بأسره، ولا يترك واحدًا من هذه الأحكام إلا ويعمل به في موضعه، فالراجح الصحيح الذي ندين الله به: أنه لو كان عنده ثوب ولم يغط كتفه به فصلاته لا تصح، أو يأثم وصلاته صحيحة على أدنى الأقوال، وهذا بالنسبة للرجال.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>عورة المرأة في الصلاة</span>\nأما بالنسبة للنساء فإن النساء لهن أحكام في ستر العورة في الصلاة، والأصل في المرأة: أنها عورة كلها، فإذا كانت المرأة كلها عورة وجب تغطية كل بدنها في الصلاة.\nوالأدلة في ذلك كثيرة منها مرفوعة ومنها موقوفة، فالدليل المرفوع قول عائشة: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)، وعمر بن الخطاب وعائشة وابن عمر ﵃ بينوا صفة الأثواب في الصلاة.\nأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال: تصلي المرأة في ثلاثة أثواب.\nأيضًا: ورد عن ابن عمر ﵁ وأرضاه، أنه قال: إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها، وكانت عائشة تقول: إذا صلت المرأة فلتصلي في ثلاثة أثواب، في درع وخمار وجلباب، والمقصود من هذا: مبالغة الدرع بالنسبة للمرأة؛ لأن المرأة عورة كلها.\nوهنا مسألتان: المسألة الأولى: هل يشترط أن تصلي المرأة في ثلاثة أبواب؟ الصحيح الراجح في هذه المسألة: أن المطلوب هو ستر بدن المرأة فقط، سواء استترت بملحفة أو استترت بجلباب، فالمهم أن كل جسد المرأة يستتر، سواء بثوب واحد أو بثوبين أو بثلاثة، فالأصل في ذلك أن تستر المرأة جسدها فتصح الصلاة بذلك، كما قال ابن المنذر: على المرأة أن تخمر جسدها في الصلاة، أو قال: تخمر في الصلاة جميع البدن سوى الوجه والكفين، ويجزئها إذا صلت في ثوب واحد أو ثوبين أو ثلاث.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>هل قدم المرأة في الصلاة عورة أم لا</span>؟\nالمسألة الثانية: هل من ستر بدن المرأة ستر ظهور القدمين أم لا؟ قال الأحناف: أنه ليس بشرط أن تستر ظهور القدمين، وجماهير أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين يرون: أن ستر ظهور قدم المرأة شرط لصحة الصلاة، فلو صلت المرأة وظهور القدمين منكشفة فإن صلاتها لا تصح بذلك.\nويستدل على هذا بحديثين: حديث أم سلمة -وفيه كلام- قالت: إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور القدمين أجزأها في الصلاة.\nفهذا قيد وشرط صحيح صريح يبين أن المرأة إذا صلت وظاهر القدم منكشف لم تصح الصلاة، وإذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور القدمين أجزأها ذلك.\nوأيضًا حديث آخر صحيح عن أم سلمة عندما سألت النبي ﷺ عن الإسبال بالنسبة للمرأة، فقال النبي ﷺ: (يرخين شبرًا)، فلما قال (يرخين شبرًا)، دل هذا على أن أقل من شبر يكون عورة، وإرخاء الشبر يصل إلى ظهور القدمين.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.","vol":"3","page":7},{"text":"أحكام انفرد بها النساء عن الرجال -<span data-type=\"title\" id=toc-31> الخروج إلى المساجد</span>\nللمرأة الخروج إلى المساجد لصلاة الجماعة فيها إذا كان خروجها وفق الآداب الشرعية، لكنه خلاف الأولى، وهو أن تقر في بيتها، فقد جاء الأمر بهذا في كتاب الله سبحانه، وفي سنة رسوله ﷺ.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>حكم خروج المرأة إلى المساجد لأداء الصلاة</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد:","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>حكم صلاة الجماعة في حق الرجال</span>\nمن الأحكام التي انفردت بها المرأة في الصلاة: الخروج إلى المساجد.\nوصلاة الرجل جماعة في المسجد مستحبة بالإجماع وليست واجبة، والخلاف الذي ظهر بين العلماء في وجوب صلاة المرء في المسجد جماعة: فالجمهور من المالكية والشافعية والأحناف يرون: الاستحباب، والحنابلة: يرون الوجوب، وهذا خلاف معتبر بين العلماء.\nوقد قال المحققون من الشافعية: إنها فرض كفاية أي: لا هي واجبة على الأعيان ولا هي مستحبة -أي: في كل منطقة فيها مسجد، وكذلك الأذان- فإن أقامها البعض سقط الوجوب عن الباقين، وإن لم يأت أحد للصلاة في المسجد أو أغلق المسجد في صلاة من الصلوات أثم الجميع.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>حكم خروج المرأة إلى المسجد</span>\nإذًا: انعقد الإجماع بين العلماء على استحباب صلاة الجماعة في المسجد للرجل، أما بالنسبة للمرأة فقد انفردت بهذا، وأجمعت الأمة على أنه لا يستحب للمرأة أن تخرج إلى المسجد ولو للعلم أو للصلاة أو للحفظ أو غير ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، فالأفضل للمرأة أن تقر في بيتها.\nوفي مسند أحمد بسند صحيح عن أم حميد الساعدية أنها جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: (يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك، فقال النبي ﷺ: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاة في مسجدي هذا)، أي: في المسجد النبوي.\nوأجمل من ذلك: قول النبي ﷺ: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن)، فـ أم حميد لما سمعت ذلك من النبي ﷺ وعلمت أن السنة أن تقر في بيتها، أمرت الناس أن يبنوا لها مسجدًا في بيتها فقرت فيه، فلم تخرج منه حتى ماتت ولقت ربها، فرضي الله عنها من امرأة أطاعت رسول الله ﷺ فيما يقول.\nوهذا يؤكده قول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، والصحيح الراجح: أنه يجوز للمرأة أن تخرج للمسجد وتشهد الجمعة والجماعات لكنه خلاف الأولى.\nوعن ابن عمر ﵁ وأرضاه كما في الصحيح قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، فقامت امرأة عمر لتخرج إلى المسجد، فهيأت نفسها ذات يوم فأرادت أن تخرج إلى المسجد، فقال ابنه: أما علمت غيرة أبي؟ فقالت: أو يمنعني عمر وقد قال رسول الله ﷺ: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)؟ وفي واقعة أخرى: أن عمر قال لها: إلى أين تذهبين يا لكع؟ فقالت له: أذهب إلى المسجد، فوقف حائرًا، فقالت: أتمنعني؟ فخشي على نفسه، فقال: لا أمنعك ولكن أكره، يعني: أكره خروجك، فلم تعبأ بالكلام وخرجت إلى المسجد عملًا بقول النبي ﷺ: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله).\nوفي الصحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: (كانت نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن) فالنساء كن يخرجن إلى المساجد، وصلاة المرأة جائزة في المساجد، ولا إنكار عليهن، مع أنه خلاف الأولى.\nبل وفي حديث صحيح عن ابن عمر: (كن يتوضأن بجانب الرجال)، أي: كان المكان الذي يتوضأ فيه الرجال والنساء مكانًا واحدًا، فكان الرجال يولون ظهورهم للنساء، ويولي النساء ظهورهن للرجال، فلا هذا يطلع على هذا ولا هذا يطلع على هذا، وهذا الظن بالصحابة رضوان الله عليهم.\nوكان النبي ﷺ يرى النساء في المسجد، ويحترم مكانهن، فقال: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها) وهذه دلالة على أنه كان يسوي هذه الصفوف، (وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها).\nوأيضًا: كان يمنع النساء أن ترفع قبل أن يرفع الإمام، وكان إذا انتهى من صلاته أخر الرجال حتى تخرج النساء من المسجد؛ احترامًا لوجود النساء، ففي هذا دلالة على جواز خروج النساء للمسجد، وإن كان خلاف الأولى.\nوهذا القول هو قول الجماهير، وما خالف فيه إلا عائشة وابن مسعود، فقالا: بجواز خروج المرأة فقط في عصر النبوة، أما بعد عصر النبوة فعلى الكراهة أو على التحريم، والحديث صريح عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها كانت تقول: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدثت النساء بعده لمنعهن من المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل.\nوأيضًا: قال ذلك ابن مسعود ﵁ وأرضاه، وقال بذلك أيضًا: ولد لـ عبد الله بن عمر عندما قال له: قال رسول الله: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) فقال: والذي نفسي بيده لنمنعهن، أي: إذا دخلت المسجد للغيبة والنميمة والذهاب بالمكياج وغير المكياج والكلام فيما لا ينفع بل فيما يضر.\nفهذه وجهة من الوجهات التي ظهرت لنا بأن عائشة ﵂ وأرضاها وابن مسعود وولدًا لـ عبد الله بن عمر يرون كراهة خروج المرأة، وأن الجواز كان في عصر النبوة فقط؛ لأن المرأة في عصر النبوة كانت تتحرى ألا تَفتن وألا تُفتن، ثم بعد ذلك اتخذت المرأة للفتنة، والدلالة على ذلك كما ورد في الصحيح: أن أبا هريرة رأى امرأة ذهبت إلى المسجد فاشتم رائحتها وكانت تصلي، فلما صلت قال لها: ارجعي فاغتسلي فأعيدي صلاتك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أيما امرأة صلت متطيبة فلتغتسل ولتعد الصلاة) أو كما قال ﵁ وأرضاه.\nفالظاهر يدل على أن زمن النبوة كان فيه الحرص، والإرشاد من النبي ومن الصحابة الكرام، وبعد زمن النبوة أو بعد خروج الخيرية انتشر الفساد، فأولى بهن أن يجلسن في بيوتهن على قول عائشة ﵂ وأرضاها.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>القول الراجح في حكم خروج المرأة إلى المسجد</span>\nفإن قلنا: بأن الراجح هو الجواز وهو خلاف الأولى، فلا بد أن نجيب عن قول عائشة، فنقول: لو أن المرأة خرجت لتفتن بالرجل، أو يفتتن الرجل بها فيحرم عليها الخروج، فإن خرجت فلا بد أن تخرج ساترة بدنها، وإن مشت في الطرقات فلا تضرب في الأرض كما بين الله جل في علاه، فإن فعلت ذلك فلها أن تخرج، والأولى ألا تخرج لعلم أو لصلاة أو لغير ذلك.\nأما العلم فعلى أبيها أو زوجها أو أخيها أن يعلموها، فإن كان أخوها أو زوجها لا يستطيعون تعليمها فيجوز لها أن تخرج بالآداب الشرعية.\nومن جملة هذه الآداب: أنها تخرج ليلًا لا نهارًا، وهذه عادة الصحابيات الفضليات، فكن يشهدن صلاة الفجر وهذا في الليل، وأيضًا في حديث صريح عن ابن عمر ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا استأذنكم نساؤكم بالليل)، فقيد بالليل، وهذا المفهوم غير مراد، وهو يدل هنا على الأفضلية لا على أنه مكروه، قال: (إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن).\nوأيضًا: ورد بسند صحيح أن أم سلمة ﵂ وأرضاها، كانت إذا أرادات الطواف طافت خلف الرجال ليلًا على بعير، وكذلك كانت تفعل عائشة ﵂ وأرضاها، وفي هذا دلالة على أن الطواف يكون بالليل حتى لا تحتك المرأة بالرجل.","vol":"4","page":5},{"text":"أحكام انفرد بها النساء عن الرجال -<span data-type=\"title\" id=toc-36> انفراد المرأة بأحكام العدة [١]</span>\nمما اختص الله به المرأة من الأحكام: مسألة العدة، وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وفي العدة حقان: حق لله ﷿، وحق للزوج، والعدد هي: عدة الطلاق والخلع والوفاة، والغرض الأساسي من العدة: استبراء الرحم وخلوه من الحمل الذي قد يتسبب في اختلاط الأنساب، وأيضًا: إحياء واحترام ذكرى الزوج الأول.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>من أحكام العدة</span>","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>متى تكون للرجل عدة</span>؟\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: إخوتي الكرام! لقد انفردت المرأة عن الرجل بأحكام منها أحكام العدة، فهل للرجل عدة؟ الصحيح: أن نقول: إن العدة تختص بالنساء دون الرجال، والصحيح: أن العدة أيضًا للرجال ولها صورة واحدة، وهي: إذا تزوج الرجل أربعًا من النساء، ثم طلق امرأة منهن، وأراد أن يتزوج غيرها فهل يصح له أن يتزوج أم لا؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  في هذه الحالة تكون للرجل عدة، فينتظر حتى تنقضي عدة المرأة المطلقة، فإنها في زمن العدة لا تزال زوجته، قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة:٢٢٨].\nوبالإجماع: أن من طلق امرأته فله أن يقول قبل أن تنقضي العدة: أرجعتك، فلو نكح امرأة أخرى في زمن عدة امرأته المطلقة، فتعتبر زوجة خامسة، والسنة: أن يكون عدد الزوجات أربعًا، خلافًا لمن قال: أن مثنى وثلاث ورباع تساوي تسعًا، وهذا قول ابن حزم، وهذا القول أوهى من بيت العنكبوت، والصحيح: أربع زوجات؛ لأن الرجل لما جاء إلى النبي ﷺ وكان عنده أكثر من امرأة قال له: (أبقِ عندك أربعًا من النسوة وطلق الباقي)، فلو تزوج الأخرى مع وجود زوجته وهي في العدة مع أن له أن يردها فقد تزوج الخامسة ووقع في المحظور، لكن هذا وطء شبهة، فيعذر فقط لجهله، لكن لا يقام عليه حد ولا يقال عنه زانٍ، لكن الصحيح: أن نقول: إن هذه هي الصورة الوحيدة التي يمكن أن نقول: إن للرجل فيها عدة، والحق: أن العدة هي عدة النساء، فمن الأحكام التي فرضت على النساء: العدة.","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>حقوق العدة</span>\nللعدة حقان: حق لله وحق للزوج، فتلزم بها المرأة، ولو كان قد مات زوجها؛ من أجل كرامة الزوج، ومن أجل إظهار عظم حق الزوج على الزوجة.\nأما حق الله في العدة فهو معرفة براءة الرحم، وأما حق الزوج فإن كان قد مات عظم حقه عليها، لتبين حزنها الشديد على بعلها الذي له القوامة عليها، ولو كانت مطلقة طلاقًا رجعيًا فعظم حقه أن يردها دون مهر ودون ولي ودون شهود وإن كان الطلاق ثلاثًا؛ لأن هذا تعبد لله جل في علاه، والراجح الصحيح: أن العدة ثلاثة قروء تعبدًا لله جل في علاه.","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>أنواع العدة</span>\nعدة المرأة على ثلاثة أقسام: عدة الوفاة والطلاق والخلع.\nوالعدة لغة: مأخوذة من العد والحساب، والعد في اللغة: هو الإحصاء، وسميت بذلك؛ لاشتمالها على العدد من الأقراء أو الأشهر، فلليائسة مثلًا أو الصغيرة التي لم تحض، وعدة المرأة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها: هي ما تعده من أيام أقرائها.\nوالعدة في الاصطلاح: هي اسم لما تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة الرحم أو للتعبد أي: تعبدًا لله، ولو كان بت في طلاقها فتعتد ثلاثة قروء تعبدًا لله جل في علاه، أو لتفجعها على زوجها، وهي عدة الوفاة وتكون أربعة أشهر وعشرًا.","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>أدلة مشروعية العدة</span>\nأما أدلة مشروعية العدة فمن الكتاب ومن السنة ومن الإجماع، وهذا الحكم كما قلت انفردت به النساء قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨].\nوقال الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق:٤].\nوقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤].\nوفي صحيح مسلم عن أم عطية ﵂ وأرضاها قالت: قال رسول الله ﷺ (لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا).\nوفي مسلم أيضًا أن النبي ﷺ قال (لـ فاطمة بنت قيس عندما طلقها زوجها فبت طلاقها اعتدي في بيت أم مكتوم).\nفهذا أمر، وظاهر الأمر: الوجوب، فقوله: (اعتدي) دلالة على مشروعية ذلك أو الأمر به، والإجماع حاصل من علماء الأمة: على وجوب العدة على المرأة عند الطلاق أو عند الوفاة بل وعند الخلع كما سنبين.","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>أصناف النساء في العدة</span>\nأنواع العدة الثلاثة التي ذكرناها هي: عدة القروء، والأشهر، ووضع الحمل، فأصناف النساء في العدة ثلاثة: الصنف الأول: امرأة تحيض.\nالصنف الثاني: امرأة يائسة لا تحيض، أو صغيرة لم يأتها الحيض.\nالصنف الثالث: امرأة حامل، وفيه قسمان وقسم له فرعان: القسم الأول: امرأة حامل -وهذا ليس له فروع- فعدتها بالوضع.\nوالقسم الثاني: امرأة حائل ليست بحامل ولها فرعان: امرأة تحيض وامرأة لا تحيض، فالتي لا تحيض إما كبيرة في السن أي: يائسة، وإما صغيرة في السن لم يأتها الحيض، فإن كانت من التي يحضن فعدتها بالقروء، وإن كانت من اليائسات فعدتها بالأشهر كما سنبين.\nوالعدة بالقروء تكون للمطلقة الرجعية، أو المبتوتة يعني: بانت منه بينونة كبرى بأن طلقت ثلاثًا مثلًا.\nوالقرء طهر أو حيض، ويكون للمطلقة الرجعية والمطلقة المبتوتة التي بانت من زوجها بينونة كبرى بشرط وقيد، وهو الدخول بها، فلو طلقها ولم يدخل بها فليس عليها عدة، قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩].\nأما المدخول بها، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨].\nوهذه العدة لصنفين من النساء: امرأة مطلقة رجعية، وامرأة مبتوتة.","vol":"5","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>اختلاف العلماء في المراد بالقرء وبيان الراجح</span>\nوهذا هو الإشكال العظيم حتى نعرف ماهية العدة، وهل تعتد المرأة بالطهر أم تعتد بنزول الدم يعني بالحيض؟ فالقرء يحتمل الحيض ويحتمل الطهر، والقول الفصل في هذه المسألة أن القرء لغة: يطلق على الطهر وعلى الحيض، وهذا يسمى في اللغة لفظًا مشتركًا، كأن تقول: اشترى وتعني: باع أو اشترى، فالقرء هو الطهر والحيض، واختلف العلماء في معناه اصطلاحًا: فأما الشافعية والمالكية فيرون أن المراد بقول الله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، يعني ثلاثة أطهار، فيرون أن القرء هو الطهر، ولهم أدلة من الكتاب والسنة والنظر، أي: من الأثر والنظر.","vol":"5","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>أدلة القائلين بأن القرء هو الطهر</span>\nأما من الأثر فقد قال الله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١].\nوجه الدلالة من الآية: أن العدة هي الأطهار لا الحيض.\nفقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] يعني: فطلقوهن في طهرهن، ويدل على هذا: حديث ابن عمر ﵁ وأرضاه في الصحيح: أن النبي ﷺ قال: للذي طلق زوجته في الحيض (مره فليراجعها ثم يتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء أمسك وإن شاء طلق) فالنبي ﷺ أمره أن يطلق في الطهر، فهذه دلالة على أن المقصود بالقرء: هو الطهر.\nوأيضًا ورد بسند صحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها، قالت: أتعرفون ما الأقراء؟ الأقراء: الأطهار.\nوهذه الصحابية لم يخالفها أحد، يعني: في أن عدة المرأة تحسب بالطهر.\nأما من النظر: فإن الشافعي استدل بدلالة قوية جدًا من النظر، ألا وهي: اللغة، فقال: القرء يشتق من الجمع والجمع لا يكون إلا على الطهر، لأن الطهر هو جمع الدم أو تجميع الدم داخل الرحم، أما الحيض فهو خروج الدم من الرحم.\nوهذا القول من القوة بمكان، أن القرء معناه: الجمع، وإذا نظرت إلى الجمع وجدت أن الطهر: هو الذي يساوي الجمع؛ لأن الطهر معناه: تجميع الدم داخل الرحم، والحيض خروج الدم من الرحم، فصراحة لو وقفنا عند اللغة لقلنا: القرء هو الطهر، كما قال الإمام الشافعي.","vol":"5","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>أدلة القائلين بأن القرء هو الحيض</span>\nأما الأحناف والحنابلة فرأوا أن القرء هو الحيض، واستدلوا على ذلك أيضًا بالأثر وبالنظر.\nأما بالأثر فمن كتاب الله جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨].\nوجه الدلالة: أن الذي طلق في الطهر سيكون على امرأته أن تعتد عدة المطلقة طهرين ونصف الطهر فلا تنطبق، ولا يمكن أن تطلق عليها ثلاثة قروء تمامًا، ولا تكون إلا في الحيض، ونحن نقول: الأصل في اللفظ: أن يبقى على ظاهره وألا يؤول إلا بقرينة، ولا قرينة هنا صارفة؛ لأن حديث النبي ﷺ أثبت هذا العدد، وهو ثلاثة قروء، وهذه لا تصح بحال من الأحوال إلا أن تحيض للمرة الأولى ثم للمرة الثانية ثم للمرة الثالثة، فيكون ثلاثة قروء.\nولو طلقها في الطهر، فستبدأ تحسب من هذا الطهر، فلو طلقها في نصف الطهر، فسيكون هذا الطهر ناقصًا ثم الطهر الثاني والثالث، فتكون عدتها طهرين كاملين وشطر طهر، فلا يمكن أن ينطبق على قول الله بأنه ثلاثة قروء، وإنما ينطبق على الحيض فقط فتكون عدتها ثلاثة كاملات.\nأما السنة: فحديث فاطمة بنت حبيش في السنن ﵂ وأرضاها، قال لها النبي ﷺ لما اشتكت أنها تثج الدم ثجًا، فقال: (إذا أتى قرؤك فلا تصلي) وجه الدلالة من الحديث: أن القرء هنا: الحيض، فإذا جاء الحيض فتطهري، ثم صلي بين القرء إلى القرء، يعني: في الطهر الذي بين الحيض والحيض، وهذا دليل واضح جدًا على أن المرأة قرؤها هو: الحيض.\nأيضًا: هناك حديث مرفوع ضعيف أعله الدارقطني لكنه صح موقوفًا عن ابن عمر ﵁ وأرضاه إذ يقول: طلاق الأمة اثنتان، يعني: يطلقها الأولى والثانية، وليس لها ثالثة، ثم قال: وعدتها حيضتان، وهذا أوضح من الأول وصريح: بأن عدتها حيضتان.\nوأيضًا في سنن الترمذي وأبي داود بسند صحيح عن النبي ﷺ قال: (ولتدع الصلاة أيام أقرائها) يعني: في حيضها.\nومن النظر: يبدوا أن العدة ما أوجبها الله إلا للتعبد أو التفجع أو براءة الرحم، وبراءة الرحم لا تعرف إلا بالحيض.","vol":"5","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>الراجح في معنى القرء</span>\nوالراجح من القولين صراحةً هو كلام الأحناف والحنابلة، لأننا قد تعهدنا وأقسمنا على أنفسنا أن نتكلم ونعلم أنفسنا والآخرين أن مدار الدين كله على قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه، وهذا جاء نهر الشرع أي: كلام النبي، فلا كلام مع كلام النبي، قال النبي ﷺ: (لتدع الصلاة أيام أقرائها) والحديث صححه المحدثون، فلذلك نقول: الصحيح أن القرء هو: الحيض، وأن عدة المرأة تحسب بالحيض ولا تحسب بالطهر، فهذا هو الراجح الصحيح.","vol":"5","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>الرد على أدلة القائلين بأن القرء هو الحيض</span>\nوأما الرد على ما استدل به الشافعية والمالكية، فنقول: الآية محتملة، وقد جاء الحديث وفصلنا المسألة عندما قال: (مره فليراجعها) فهو طلقها في حيض فيأثم بذلك، فليراجعها ثم يمسكها فلتطهر ثم تحيض تم تطهر.\nفبين النبي ﷺ أن الطلاق السني: هو أن يطلقها بطهر، فسياق الحديث على الطلاق الذي يقبله الله لا أنه في معرض بيان العدة.","vol":"5","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>الفرق بين الطلاق السني والبدعي</span>\nفالعدة من الحيض لا من الطهر، والآية والحديث يبينان لنا التفريق بين الطلاق السني والطلاق البدعي، وكأن النبي ﷺ يقول لـ ابن عمر هذا طلاق بدعي عندما طلقها في الحيض، والطلاق السني: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه.\nأما في اللغة: فلا يستطيع أحد الرد على ما قاله الإمام الشافعي؛ لأنه من القوة بمكان، ولكن نقول: إن الأثر يقدم على اللغة، فإن المسألة إن لم تحد فحدها الشرع، فإن لم يحدها الشرع فالعرف وإلا فاللغة.\nفاللغة لا تتقدم على لسان الشرع، وقد جاء لسان الشرع وبين أن القرء هو الحيض، فلا نقدم اللغة على الشرع، وهذا الراجح الصحيح.\nأقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم.","vol":"5","page":13},{"text":"أحكام انفرد بها النساء عن الرجال -<span data-type=\"title\" id=toc-49> انفراد المرأة بأحكام العدة [٢]</span>\nاختلف العلماء من أتباع الأئمة الأربعة في معنى القرء على قولين: أحدهما: أنه الطهر، وثانيهما: أنه الحيض، وقد بين الله ورسوله مقدار العدة التي تجب على المرأة إذا مات عنها زوجها، أو كانت صغيرة أو آيسة من الحيض، وفي هذا الدرس بيان لبعض أحكام العدة التي ينبغي معرفتها، فإنها من العلم المهم.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>بيان الخلاف في معنى القرء</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: فإن القرء عند العلماء يأتي على معنيين: الطهر أو الحيض، والمرأة التي تعتد بالقرء هي: المرأة المطلقة الحائض، أي: التي تحيض وليست بحامل، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]،واختار الأحناف والحنابلة أن معنى القرء في هذه الآية الحيض، واختار الشافعية والمالكية أن القرء: هو الطهر، وقد بينا الخلاف والراجح.","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>أصناف النساء اللاتي يعتددن بالأشهر</span>\nأما أصناف النساء في العدة بالأشهر فهن: المرأة المطلقة التي لا تحيض، أو التي توفي عنها زوجها، فإذًا: العدة بالأشهر في صنفين من النساء، الصنف الأول: امرأة طلقت وهي لا تحيض، إما لصغر أو يأس.\nوهذه عدتها الأشهر، كما قال الله جل في علاه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق:٤]، فجعلها بالأشهر ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤]، يعني: لصغر، وهذه الآية فيها دلالة واضحة عند الفقهاء على أنه يجوز أن يتزوج الرجل ابنة ثلاث سنين أو أربع أو خمس أو ست، فإن قيل: وإن كانت لا تطيق الجماع، قلنا: لو كانت لا تطيق الجماع فله أن يتمتع بخدمتها، أو يتمتع بالتقبيل، أو غير ذلك.\nأما اليائسة من الحيض: فهي التي انقطع عنها الدم ولم يرجع لها مرة أخرى.\nفعدة القسمين ثلاثة أشهر، إذ البدل يساوي الأصل، فالأصل: القرء وهو الحيض، فقد عده الله جل في علاه بثلاثة قروء، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، فلما عدم الأصل كان البدل مساويًا للأصل، فقال: «ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ» [الطلاق:٤].\nالصنف الثاني: المرأة التي توفي عنها زوجها، وهذه على العموم، سواء كانت يائسة، أو كانت صغيرة، أو كانت حائضًا، فعدتها بالأشهر، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠]، وهذا في أول الأحكام ثم نسخه الله جل في علاه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، فعدة المرأة التي توفي عنها زوجها: أربعة أشهر وعشرًا، أما على غير الزوج فثلاثة أيام، كما في الحديث عن النبي ﵌ أنه قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا)، فهذه العدة الثانية وهي بالأشهر.\nوهنا ملحوظة مهمة جدًا لا بد من النظر إليها ألا وهي: أن الأشهر تحسب بالعربي لا بالميلادي، والعد يكون بالأشهر القمرية لا الشمسية، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، فالمواقيت تحسب بالأهلة؛ أي: بالأشهر القمرية، سواء كانت تسعة وعشرين أو كانت ثلاثين فهي تحسب بذلك أربعة أشهر وعشرًا أو ثلاثة أشهر على حسب المعتدة.","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>النساء اللاتي يعتددن بوضع الحمل</span>\nالصنف الأخير أو القسم الأخير من العدد: هو العدة بوضع الحمل، ولها صنفان: امرأة حامل مطلقة، أو امرأة حامل توفي عنها زوجها.\nأما المرأة الحامل المطلقة: فإن عدتها: أن تضع الحمل، وأما المرأة التي توفي عنها زوجها: فعدتها: أن تضع الحمل على الراجح كما سنبين الخلاف، قال الله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، ووجه الدلالة من الآية: العموم، إذ بين أن أي امرأة كانت حاملة، سواء توفي عنها زوجها أم لم يتوف عنها زوجها فإن عدتها وضع الحمل، كما قال تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، والغرض المقصود من العدة: هو براءة الرحم، وبراءة الرحم تعرف: بالولادة، وهذا على الراجح.","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>خلاف العلماء في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها</span>\nاختلف العلماء في المرأة التي توفي عنها زوجها وهي حامل هل عدتها وضع الحمل أم غير ذلك؟ على قولين: أما جماهير أهل العلم فقالوا: بأن عدتها وضع الحمل، والذي نجم الخلاف بسببه هو قول الله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، فإن هذه الآية عامة من وجه وخاصة من وجه، فهي عامة في المطلقة وفي المتوفى عنها زوجها، وخاصة بأولات الأحمال، والآية الثانية: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، فإن هذه الآية أيضًا عامة من وجه وخاصة من وجه آخر، فهي عامة في الحامل والحائض وغير الحائض فعدتهن أربعة أشهر وعشرًا، وخاصة بالمرأة التي توفي عنها زوجها، فقال الجمهور: أما عموم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، فهو مخصوص بقول الله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، كأنهم يقولون: المرأة الحامل التي توفي عنها زوجها آيتها هي قول الله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، فخصصوا بها عموم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، فالخاص من هنا يخصص عموم هذه الآية.\nوقال علي بن أبي طالب وابن عباس وكثير من التابعين: بأن الأصح في هذه المسألة تطبيق القاعدة الفقهية التي نتفق عليها جميعًا وهي: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، فلا بد من إعمال الدليلين بأن نأخذ أبعد الأجلين، فنقول: إن كانت حاملًا وتوفي عنها زوجها فننظر، فإن كانت ولادتها بعد شهر قلنا لها: عدتك ثلاثة أشهر وعشرًا؛ لأن هذا هو أبعد الأجلين، وإن كانت في بداية الحمل فنقول: عدتك وضع الحمل، فهي أبعد الأجلين، وبذلك نكون عملنا بالآية الأولى، وعملنا بالآية الثانية، وإعمال الكلام أولى من إهماله، وهذا القول من القوة بمكان في النظر، وهو موافق للتأصيل والتقعيد الفقهي عند العلماء، لولا أننا قد قعدنا قاعدة هي أهم من القواعد بأسرها ألا وهي: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه فهنا الآيتان ظاهرهما التعارض لكن قد فصل النبي ﵌ في النزاع، ورجح بين الآيتين، كحديث سبيعة الأسلمية حيث كانت حاملًا وما هي إلا ساعات حتى ولدت فتهيأت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك وقال: يا لكع! -وقد كان يريدها- أتتزينين للخطاب؟! قالت: فجمعت علي ثيابي، فذهبت إلى رسول الله ﵌ فقلت له ما قال أبو السنابل، فقال النبي ﵌: (كذب أبو السنابل)، أي: أخطأ أبو السنابل، (قد حللت للخطاب)؛ وذلك لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، فرسول الله ﷺ قد فصل النزاع في المسألة، ونحن ندور مع الشارع حيث دار، وهذا الحديث فاصل في النزاع، وهو الصحيح الراجح.","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>حكم رطوبة فرج المرأة</span>\nآخر المسائل التي انفرد بها النساء: هي حكم رطوبة فرج المرأة، فالمرأة تعاني كثيرًا من هذه المسألة، خاصة إذا وجدت الاحتكاكات أو كانت المرأة شديدة الشهوة، فتضطرب المرأة فيها وتحتار؛ لأن الرطوبة إن كانت نجسة فعلى المرأة أن تغسل الثياب كل مرة، وأن تغسل المحل، وأن تتوضأ لكل صلاة، وإن كانت طاهرة فلا يشق عليها هذا الأمر كما سنبين، ورطوبة فرج المرأة اختلف العلماء فيها على قولين: أما جماهير أهل العلم كالشافعية والمالكية والحنابلة وبعض الأحناف فقالوا: رطوبة فرج المرأة نجسة، واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري ومسلم عن زيد بن خالد ﵄ أنه سأل عثمان بن عفان ﵁ فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأة ولم ينزل؟ قال عثمان: (يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره، وقال عثمان: سمعت ذلك من النبي ﵌)، والشاهد في هذا الحديث هو قوله: (يغسل ذكره) ووجه الدلالة منه: أن عثمان أمر بغسل الذكر من جماع المرأة وإن لم ينزل، وذلك لأن الذكر قد أصابه من رطوبة فرج المرأة شيء، وجعل هذا عامًا، أي: سواء أمذى أو لم يمذ، فكأنه قال: سواء أمذيت أم لم تمذ فعليك أن تغسل ذكرك، ففيها دلالة واضحة على أنهم كانوا يعتقدون أن رطوبة فرج المرأة نجسة.\nوالحديث الثاني أيضًا في الصحيحن وهو عن أبي بن كعب ﵁ وأرضاه قال: يا رسول الله! إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل، قال: (يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ) أو قال: (اغسل ما أصابك منه) وهذا أوضح في الدلالة، إذ أنه أمر بالغسل، ولا يأمر بالغسل إلا على نجاسة، فهذا فيه دلالة واضحة على أنها نجسة، أما حكم أن الرجل إذا جامع امرأته فعليه أن يتوضأ فهذا منسوخ.\nالقول الثاني: وهو قول للشافعية وابن حزم، وهو ترجيح ابن عبد البر من المالكية، قالوا: رطوبة فرج المرأة طاهرة، واستدلوا بما يلي: أولًا: الأصل، فإن الأصل عدم النجاسة ما لم يدل دليل على ذلك، قالوا: فإن قيل: الدليل هو قول النبي ﵌: (اغسل ما أصابك)، قلنا: لا نوافق على هذا المقدمة، فإن قوله: (اغسل ما أصابك)، أي: اغسل استحبابًا لا وجوبًا.\nالدليل الثاني: الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها (أنها كانت تفرك المني من ثوب النبي ﵌)، وهو من جماع، فيدل على أنه أصاب المرأة، وإذا أصاب المرأة فلا بد أن يصيب الثوب رطوبة فرج المرأة، وهذا الحديث ظاهر جدًا في أن رطوبة فرج المرأة كانت تلاقي الثوب ومع ذلك كانت لا تغسله بل تفركه، وفيه دلالة على أنه ليس نجسًا؛ إذ لو كان نجسًا لأمرت بالغسل، لكنها كانت تفرك ثوب النبي ﵌، وهذا فيه دلالة على عدم النجاسة.\nوالراجح من القولين: هو القول الثاني، وهو أن رطوبة فرج المرأة طاهرة وليست بنجسة، لا سيما وأن مقاصد الشريعة توافق القول بذلك؛ لأن المرأة إذا كانت تتابع معها هذه الرطوبة وقلنا بالنجاسة لشق عليها هذا الأمر شقة لا يعلمها إلا الله جل في علاه، حيث يجب عليها غسل الثوب، وغسل المحل، والوضوء دائمًا وفي هذه مشقة، فالصحيح الراجح في ذلك: أنها طاهرة، وهذا الذي يتفق مع روح الشريعة.","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>حكم الوضوء من رطوبة فرج المرأة</span>\nالمسألة الثانية التي تتفرع عن هذه المسألة هي: أنه إذا قلنا بالطهارة فهل ينقض الوضوء أم لا ينقض؟ المسألة على قولين: القول الأول: وهو قول جماهير أهل العلم أنه ينقض الوضوء؛ لأنه نجس عندهم، ومن يقول بالطهارة يقول: إنه خرج من السبيلين، وكل ما خرج من السبيلين ينقض الوضوء، وهذا تفصيل من الشافعية، ونظير ذلك في الشرع: الريح، فإن الريح طاهر باتفاق، ومع ذلك فهو ينقض الوضوء.\nإذًا: القول الأول: ينقض الوضوء؛ لأنه خرج من السبيلين فيعامل معاملة الريح.\nالقول الثاني: وهو قول ابن حزم قال: لا ينقض الوضوء، والدلالة على ذلك: أن الأصل عدم نقض الوضوء.\nونحن نقول: قد جاء الدليل الناقل عن هذا الأصل، ألا وهو: القياس على الريح، وهذا القياس مضمون جدًا، فإن الريح طاهر وخرج من السبيلين فينقض، وكذلك رطوبة الفرج فإنها تخرج من السبيلين وهي ناقض أيضًا.","vol":"6","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>بيان بطلان الصلاة بمرور المرأة البالغة</span>\nمسألة فرعية أخرى: مسألة مرور المرأة البالغة أمام المصلي تبطل الصلاة؛ لقول النبي ﵌: (يقطع الصلاة مرور المرأة والحمار والكلب الأسود)، فقالوا: يا رسول الله! على ما الكلب الأسود من الأصفر؟ قال: (الكلب الأسود شيطان).\nهذه آخر المسائل في هذا البحث، فلقد انتهينا منه بفضل الله ومنه وكرمه علينا.","vol":"6","page":8},{"text":"أحكام انفرد بها النساء عن الرجال -<span data-type=\"title\" id=toc-57> حكم إمامة المرأة والجماعة لها وأحكام العقيقة</span>\nلقد جاء الإسلام بتكريم المرأة وصيانتها، والمحافظة عليها، ومن أجل ذلك فقد رتب لها أحكامًا خاصة بها، من أجل المحافظة عليها، وعلى طهارة المجتمع، ومن الأحكام التي خصها بها: أن صلاتها في بيتها أفضل لها، وعدم جواز صلاتها بالرجال، أو متقدمة عليهم، كما أنه جعل لها ضوابط في صلاتها مع الرجال في المسجد، وكل ذلك من أجل المحافظة على نقاء المجتمع وطهارته، وخوفًا من شيوع الفساد فيه.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>أفضل صلاة المرأة في بيتها</span>\nإن الحمد لله، نحمده وستعينه وستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: فمن الأحكام التي انفردت بها النساء: أن المرأة لا ينبغي لها الخروج إلى المسجد، فقد جاء في حديث أم حميد الساعدية ﵂ وأرضاها أنها جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: (يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك فقال النبي ﷺ: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من الصلاة في مسجدي هذا)، فأمرت بمكان في بيتها فبني لها، فأصبح مسجدًا تصلي فيه، حتى لقيت ربها جل في علاه، تطبيقًا لقول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣].","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>حكم إمامة المرأة بالنساء</span>\nويجوز للنساء أ، يعقدن لهن جماعة، ويجوز أن تؤم المرأة بالنساء وتكون وسطهن وهذه الحالة لها نظير عند الرجال، فقد كانت صلاة الرجلين مع الرجل أن يقف وسطهما، ثم نسخ ذلك.\nفإذًا: المرأة تقف وسط النساء، وهذا هو قول الأئمة الثلاثة الشافعي وأحمد وأبي حنيفة ﵏، وأما مالك فيرى أنه لا يجوز الصلاة للنساء جماعة، فالمالكية يرون أنه لا تصح إمامة المرأة للنساء، فضلًا عن الرجال، وليس لهن جماعة.\nفأما الدليل على صحة جماعة النساء وأن المرأة تقف وسطهن: ما جاء في مصنف ابن أبي شيبة بسند صحيح: أن أم سلمة ﵂ وأرضاها كانت تصلي بالنساء، فتؤمهن في رمضان، وتقوم معهن في الصف، وأيضًا حدث ذلك من عائشة ﵂ وأرضاها.\nفالصحيح الراجح الذي دلت عليه الآثار والأدلة: أنها يصح إمامة المرأة بالنساء، وقد فعلت ذلك أمهات المؤمنين ﵅، ولنا بهن أسوة حسنة، وهذه فيه دلالة على أن لهذا أصلًا وهو: أن النبي ﷺ كان يعلم أنهن يفعلن ذلك، ويقر بذلك.","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>حكم إمامة المرأة بالرجال</span>\nوإذا قلنا بجواز إمامة المرأة للنساء، وأنها تقف وسطهن، كما كانت تفعل أمهات المؤمنين، فما حكم إمامة المرأة للرجال؟ إمامة المرأة بالرجال الصحيح الراجح عند الأئمة الأربعة: أنها لا تصح ولا تجوز، فإذا صلت بالرجال فالصلاة باطلة، والأدلة على ذلك كثيرة: أولًا: قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]، وإذا جعلت المرأة إمامًا لهؤلاء الرجال فقد جعلتها قوامة عليهم، وقلبت الآية، وخالفت نهج ربك جل في علاه.\nكذلك جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، وفي رواية أخرى بإسناد جيد قال ﷺ: (لن يفلح قوم أسندوا أمرهم لامرأة)، فهذه أدلة واضحة جدًا على أن المرأة لا يمكن أن تتقدم على الرجال.\nكذلك النبي ﷺ كان يجعل النساء خلف الرجال في الصلاة، وكان يقول: (أخروهن كما أخرهن الله).\nوهذا الحديث ضعيف، والصحيح: أنه موقوف على ابن مسعود ﵁، وكان يقول ﷺ: (خير صفوف النساء آخرها، وشر صفوف النساء أولها)، فكيف يجعل النبي ﷺ الشر في أول صفوف النساء، ثم يجعلها بعد ذلك أول الناس ويجعلها إمامة؟! فالصحيح الراجح: أن إمامتها باطلة، والصلاة باطلة، ومن رضي بذلك فقد خالف الفطرة السليمة الصحيحة، ورد على الله حكمه، حيث يقول الله جل في علاه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤].","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>ضوابط صلاة المرأة مع الجماعة في المسجد</span>\nأما إذا أرادت المرأة أن تصلي مع الجماعة في المسجد مع الرجال، فلا بد لها من ضوابط منها: أولًا: أن تخرج تفلة غير متطيبة، كما جاء عن الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن إذا خرجن تفلات)، يعني: غير متطيبات.\nكذلك جاء في مسلم مرفوعًا عنه ﷺ: (أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء)، فإذا صلت خلف الصفوف، وظهرت رائحتها فقد ذهب أبو هريرة إلى أن عليها أن تذهب وتغتسل وتعيد هذه الصلاة -على خلاف فقهي بين العلماء- ورفع ذلك للنبي ﷺ.\nثانيًا: أن تكون متأخرة خلف الرجال.\nكما قال أنس ﵁: صلى بنا النبي ﷺ فقمت أنا والغلام خلف النبي ﷺ وقامت المرأة خلفنا.\nفلو تقدمت المرأة -كما يحدث في الحرم كثيرًا- فمن أهل العلم من يرى أن الصلاة باطلة.\nفإذا صلى الرجل وصلت أمامه المرأة فالصلاة باطلة، والدلالة على بطلان الصلاة أن النبي ﷺ جعل لهن مكانًا وهو الصف الأخير، فإذا خالفوا النبي ﷺ فقد وقعوا في المحظور.\nفالدلالة على بطلان الصلاة: هو صريح قول النبي ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)، يعني: فهو باطل، وقال ﷺ: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد).\nوهذا فيه دلالة واضحة على بطلان الصلاة، والجمهور والمحققون من أهل العلم يرون أن الصلاة تبطل، ويأثم المرء إن كان مختارًا، ولا شيء عليه إن كان قد غلب على أمره وهو الراجح الصحيح، فإن لم يكن مختارًا فلا شيء عليه، لكن الصلاة يقل أجرها؛ لأن فيه مخالفة صريحة لفعل وقول النبي ﷺ.\nثالثًا: إذا اختلجت على الإمام القراءة فإنها تصفق؛ لأن النبي ﷺ قال: (من نابه شيء في الصلاة فليسبح، فإنما التصفيق للنساء)، ففرق بين حكم النساء وبين حكم الرجال في ذلك.","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>بعض الأحكام التي انفردت بها النساء عن الرجال</span>\nومن الأحكام التي انفردت بها النساء عن الرجال مسألة العقيقة، ومسألة تولي المرأة القضاء والخلافة.\nفأما مسألة القضاء والخلافة ففيها ثلاثة أقوال، وخلاف عريض، وأدلة كثيرة جدًا، وفيها أخذ ورد، وأما مسألة العقيقة، فالخلاف بين العلماء هل هي واجبة أم سنة؟ فقد اختلفوا على أقوال، والراجح عند بعض العلماء: أنها واجبة على الولي الذي ولد له المولود، والصحيح: أنها سنة عند الجمهور، ويذبح عن الطفل شاتان، وعن الجارية شاة واحدة، وهذا على الاتفاق.\nثم اختلفوا في حلق الشعر، فقالوا: يحلق شعر الطفل بالاتفاق، ويتصدق بوزنه فضة على المساكين.\nواختلفوا في الطفلة هل يحلق شعرها أم لا؟ والصحيح: أنه يحلق أيضًا، وقد ورد أثر عن فاطمة ﵂ وأرضاها بذلك، وإن كان السند لا بد أن يراجع؛ لأن فيه كلامًا ولكن الصحيح: أنه لا فرق بين الاثنين في هذه المسألة، فتحلق أيضًا الجارية، ويتصدق بوزن هذا الشعر فضة، وفي الحديث بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: (من ولد له ولد فأحب أن يعق عنه قال: فعن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة واحدة)، أو كما قال ﷺ.\nوفي المسند أيضًا بسند صحيح عن أبي رافع ﵁ وأرضاه قال: قال النبي ﷺ: (احلقي رأسه، وتصدقي بوزن شعره فضة على المساكين)، وهناك أيضًا فرق آخر في مسألة الطهارة، وهو: أنه يغسل الثوب من بول الجارية، ولا يغسل من بول الطفل، بل يرش أو ينضح كما فعل النبي ﷺ ذلك.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.","vol":"7","page":6},{"text":"أحكام انفرد بها النساء عن الرجال -<span data-type=\"title\" id=toc-63> تولي المرأة القضاء أو الخلافة</span>\nالأحكام الشرعية تعم الرجال والنساء على السواء، لكن هناك أحكام انفردت بها النساء عن الرجال، وذلك بما يتوافق مع قدراتهن الحسية والمعنوية، وكذلك هناك أحكام انفرد بها الرجال دون النساء؛ وذلك بما يتوافق مع قدراتهم الحسية والمعنوية، ومن ذلك القوامة والخلافة والإمارة والقضاء وغير ذلك مما يختص به الرجال دون النساء، وكذلك مسألة الطلاق، فقد جعل الله سبحانه الطلاق بيد الرجال، وكل هذا يدل على حكمة الله ﷾.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>حكم تولي المرأة القضاء والخلافة</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nفهذه أحكام انفردت بها النساء، وقد انتهينا في هذه المسألة إلى تولي المرأة القضاء والخلافة ورئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ورئاسة كذا وكذا وكذا، هل للمرأة أن تكون أميرة على الرجال؟ وهل لها أن تكون رئيسة عليهم؟ وهل للمرأة أن تكون خليفة للمسلمين؟ هذا الذي نبحثه الآن.\nالقول بأن المرأة كائن قوي كالجبل الشم الشامخ، قوية البنيان قوية العقل خطأ وتدليس من أجل أن ترضى عنا النساء، لكن القول الحق: أنَّ المرأة كائن ضعيف بالاتفاق والإجماع.\nوقد بين النبي ﷺ ضعف المرأة بقوله: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، فقلن: يا رسول الله! علام نقصان العقل والدين؟ فقال النبي ﷺ مبينًا نقصان العقل والدين: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ فهذا نقصان العقل، وأليست إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ فهذا نقصان الدين)، وقد قال الله تعالى مبينًا لنا ضعف الإنسان: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٨]، وهذا على العموم، فما بالكم بالمرأة الكائن الضعيف الذي قال فيه النبي ﷺ: (أحرج على حق الضعيفين: المرأة واليتيم) فسماها ضعيفة، وقال: (اتقوا الله في النساء؛ فإنما هن عوان عندكم) أي: أسيرات عندكم.\nفالمرأة بأصلها ضعيفة لا تستطيع أن تفصل في الأمور العظام، والمرأة أصل كينونتها وجبلتها أن عاطفتها تغلب على الحكمة، فإذا وجدت رجلًا يقتل رجلًا فلن تفض النزاع، ولن تقول: اتق الله! ولن تأخذ الأداة القاتلة وتكسرها، لكنها ستولول وتلطم خدها، وهذا الذي يمكن أنْ تفعله، وأنها ستأتي بباقي النساء ليولولن معها.","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>أقوال العلماء في مسألة تولي المرأة القضاء أو الإمارة أو الخلافة</span>\nإن المرأة خلقها الله وجبلها على النقص في الدين والعقل، وبالتالي لا تستطيع أن تقود هذه الأمة إلى الانتصارات وإلى العلو والرقي، فهل للمرأة أن تكون خليفة، أو أن تستلم مقاليد القضاء، أو أن تكون رئيسة؟ بعض العلماء قالوا: نعم، تكون أميرة، أو وزيرة أو رئيسة لكنْ على النساء، وليس على الرجال، كأن تكون مديرة مستشفى ولادة، أو مديرة مدرسة بنات فهذا جائز، لكن لا تكون مديرة على الرجال، كأن تكون قاضية، فيدخل الرجال عليها من بينهم رجل في وجهه سبعة عشر جُرحًا والآخر أعور، فلو رأت هذه الأشكال لسقطت، فهي لا تستطيع أن تقوم مقام القاضي، فلو كانت المرأة قاضية ودخل عليها مجرم وأخذ يفصل لها كيف زنى بامرأة، فماذا ستفعل المرأة القاضية؟ وليس من اللائق أنْ يفصل لها هذا، والعقل لا يقبل مثل هذا، لكننا تعلمنا أن نتكلم بعلم، ومن رد علينا بعلم فأهلًا به وسنأخذ بكلامه، وإن كان جاهلًا أو متعاطفًا مع الموجة فإنا نرد كلامه في نحره ونقول: العلم قال الله قال رسوله.","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>القول الأول: جواز تولي المرأة القضاء والخلافة وغيرهما وأدلته</span>\nنقول: اختلف العلماء في مسألة تولي المرأة القضاء، ومن باب أولى مسألة الخلافة والإمارة على ثلاثة أقوال: القول الأول: قول ابن جرير الطبري، وقوله أضعف الأقوال.\nقال ابن جرير: يجوز للمرأة أن تكون خليفة أو أميرة للمؤمنين أو قاضية، وكل شيء تتولاه المرأة يصح لها أن تفعل ذلك، وهذا القول قال فيه ابن العربي: قد شذ ابن جرير، أو قال: أربأُ به أن يشذ عن العلماء، فما من أحد وافقه في مثل هذا القول، فقد قال: يجوز لها أن تتولى القضاء في الدماء وفي الأموال وفي كل شيء.\nولقد بحثت كثيرًا عن أدلة له فلم أجد دليلًا، لكن يمكن أن يستدل له بدليل الأحناف: وهو أن الله أباح للمرأة أن تكون شاهدة، فإذا أباح لها الولاية على الشهادة فقد أباح لها الولاية على القضاء وغير القضاء، ويمكن أن يستدل بعموم قوله ﷺ: (النساء شقائق الرجال)، وَفي الأحكام إن تولى رجل القضاء، فالمرأة تستطيع أن تتولى القضاء، وهذا أضعف الأقوال.","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>القول الثاني: جواز تولي المرأة القضاء في الأموال فقط وأدلته</span>\nالقول الثاني: قول الأحناف وهو أقوى من الأول بيسير، قالوا: يجوز للمرأة أن تتولى القضاء في الأموال فقط، فلو أن رجلًا سرق رجلًا مالًا، أو بخس حق رجل، أو تنازع الناس في التجارة في البيع والشراء، فللمرأة أن تفصل فيه.\nوأدلة الأحناف قالوا: قد أباح الله جل في علاه شهادة المرأة في الأموال، قال ﷿: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ» [البقرة:٢٨٢].\nوأيضًا لها ذمة خاصة بها، تبيعها وتشتري كيفما شاءت، فلها أن تتولى القضاء في مثل هذا الباب الذي أباحه الله لها عن باقي الأبواب، وهذا القول حسن على الأقل؛ لأنه قيد المسألة ولم يطلقها.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>القول الثالث: عدم جواز تولي المرأة للقضاء والخلافة والإمارة وغيرها وأدلته</span>\nالقول الثالث: وهو أقوى الأقوال، وهو الذي عليه جماهير أهل العلم من الخلف والسلف: لا يجوز للمرأة بحال من الأحوال أن تتولى القضاء لا في الأموال، ولا في غير الأموال، ولا أن تكون أميرة على الرجال.\nوالأدلة على ذلك بالأثر والنظر، أما بالأثر فمن الكتاب، قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]، والعلمانيون ينادون ويقولون: النساء قوامون على الرجال، فهل نصدق الله في عليائه أم نصدق هؤلاء؟ إنما نصدق الله سبحانه، فهو ﷿ من قدم الرجال على النساء، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]، ولم يقل: النساء قوامون على الرجال.\nوأيضًا من كتاب الله جل في علاه: قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، ولم يجعل المرأة منفردة في مسألة أباحها لها، لكنه جعلها مقيدة؛ لضآلة عقل المرأة في هذه المسألة، ولعدم ضبطها، ولعدم تذكرها، وانظروا إلى الفقيهة الأريبة اللبيبة أم الشافعي التي أخرجت لنا الشافعي، وهذا يبين رجحان عقل المرأة، وذلك أنها دخلت على القاضي في شهادة، فقال لها: أدلي بشهادتك، فقالت: أنتظر أختي، فقال: هي على الباب، أدلي بشهادتك الآن وسأدخلها بعدك، قالت: لا، لا بد أن تكون معي، فتعجب القاضي، وقال: ولم؟ قالت: قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢]، إذًا فيد واحدة لا تأتي بنفع ولا تثمر.\nفلما أباح الله لها الشهادة ما جعلها منفردة، بلْ جعل معها أخرى، ووجه الدلالة في هذه الآية قوي جدًا.\nومن السنة: حديث النبي ﷺ: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، فقالت امرأة من سطة النساء -أي: من وسط النساء-: يا رسول الله! ما نقصان الدين والعقل؟ فقال النبي ﷺ: أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ هذا نقصان الدين، أليس الله جعل شهادة الرجل بشهادة امرأتين؟ فذاك نقصان العقل)، فبين النبي ﷺ أن عقلها ليس براجح وإن كانت ذات عقل، فليس من الممكن أن تأتي بامرأة لتفصل في كل مسألة؛ لأنها لا تستطيع أن تحل المشكلات والمعضلات؛ لأن الله ركبها لتكون ملكة في بيتها، ولتخرج لنا الشموس التي تشرق على هذه الدنيا بحنانها وعاطفتها وجمال فعلها، وقول النبي ﷺ: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)، عامٌ في ذلك، وإليكم الدليل القاطع في النزاع، قال النبي ﷺ كما ثبت في الصحيح: (ما أفلح الله قومًا ولوا أمرهم امرأة)، وهذا خبر على: أن الله جل وعلا جعل الخراب والدمار بقوم ولوا على أمرهم امرأة، فهو يقول: خلقتكم وأنا أعلم بكم، لو وليتم أمركم امرأة فهو خراب ودمار عليكم.\nوأما إن كان إنشاءً؛ فإن النبي ﷺ لا يرد دعاؤه بل يقبل.\nإذًا: فمن ناحيتي الخبر والإنشاء فهي مغلقة، وكأن النبي ﷺ يرفع يديه ويقول: اللهم من تجرأ وولى أمره امرأة فلا تفلحه.\nوالخبر والإنشاء أحلاهما بالنسبة للقوم الذين يولون أمرهم امرأة مر: (ما أفلح الله قومًا ولوا أمرهم امرأة)، وفي رواية أخرى يقول: (لا يفلح -أبدًا إلى يوم القيامة- قوم ولوا أمرهم امرأة)، وهذه أدلة تثبت لنا عدم صحة تولي المرأة القيادة على الرجال.\nوأما الأدلة من النظر فنقول: المرأة ضعيفة وهي كائن لطيف، فقد تكسب المرأة حين تتغزل في محاسنها، أو تحسن لها بكلامك اللطيف، وتستطيع أن تجعلها تدعو لك، وأن تعينك على طاعة كَأَنْ تراجع لك القرآن، لكن تفصل لك الأمور، أو تقضي لك في المعضلات، فهذا لا تطيقه؛ لأنها ضعيفة لا تستطيع أن تحتمل، ولا تستطيع أن تفكر تفكيرًا جليًا ينهي لها المسائل في المعضلات؛ لأن القاعدة عند النساء: العاطفة تتغلب على الحكمة، وهذا من أمتع ما يكون للنساء، فإذا كانت العاطفة تغلب الحكمة فلا يمكن لها أن تحل المعضلات والمشكلات، وتكون رقاب الأمة بأسرها في يدها تحكم فيها، فإذا وَجَدتَ رجلًا أنيقًا وسيمًا عيناه زرقاوتان وشعره لطيف، فإنها ستقول: هذا الرجل سأجعله وزيرًا، أو نائبًا لي؛ لأن العاطفة عند المرأة تغلب على الحكمة، ولن تُعمِلَ عقلها فيما يرضي الله جل في علاه.\nإذًا: فالصحيح الراجح من الأثر والنظر أنه لا يجوز للمرأة أن تتولى قلائد الأمور بالنسبة لرقاب العباد.\nوهناك شبهات يوردها العلمانيون حول تولية المرأة للقضاء والإمارة والخلافة، ويردون بها حديث: (لن يفلح قوم ولوا عليهم امرأة) وغيره من الأدلة، ومنها قولهم: هذا الحديث خاص في امرأة من فارس في الواقعة التي وقعت، ونرد عليهم ونقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإذا قالوا: هي خاصة بهذه المسألة، قلنا: لابد أن تعرفوا مراد رسول الله ﷺ، فلو كانت الأحكام تنزل بالناس خاصة، ما أخذنا بحكمٍ نعمل به، لكن الأحكام على العموم وليست على الخصوص.\nفإذا قالوا: عندنا أدلة أخرى قوية تدل على أن المرأة تستطيع أن تكون لها الولاية والقلادة، وهي من أدلة الأحناف، حيث قالوا: يصح للمرأة أن تكون ناظرة وقف، ويصح لها أن تكون وصية على الأيتام، كما كانت عائشة ﵂ وأرضاها، قلنا: هذا صحيح، لكنه لا يرتقي إلى أن تكون مباشرة للقضاء مع الرجال، ولا أنْ تحتك بهم ولو احتكت بهم لقلنا: هذا حرام، ولا يصح بحال من الأحوال.\nأما الوصية على الأيتام كأن يقمن لهم بالحنان والعطف فهذا لا بأس به، ومع ذلك نقول: لو كان الرجل وصيًا لكان أولى من المرأة، وهذه الأمور لا تجعلها تتقلد هذه المسألة العظيمة، وهي أن تكون خليفة أو أميرة للمؤمنين.\nوهناك شبهات تتعلق بهذا القول، منها: شبهة الملكة بلقيس التي كانت ملكة على رجال، بل لم ينفذوا أمرًا إلا بها، قال ﷿ مخبرًا عنها: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل:٢٩ - ٣٣].\nقالوا: قد بين الله جل وعلا لنا أن المرأة كانت ملكة وأقر ذلك وما أنكره، وإقرار الله يدل على الصحة، وهذه المقدمة الأولى.\nقالوا: والمقدمة الثانية -وهي الشبهة الأقوى في نظرهم-: أنَّ عمر بن الخطاب، جعل امرأة والية لحسبة السوق، ويقولون: وأنتم ليلًا ونهارًا على المنابر تقولون: عمر وما أدراك ما عمر، فإذا كان عمر هو الذي ولى، فخذوا بتلابيب عمر؛ لأنه هو الذي جعل للمرأة الولاية على حسبة السوق، فماذا تقولون في هذه الشبهة؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  شبهة الملكة بلقيس نرد عليها من خمسة أوجه: الوجه الأول: أنهشرع من قبلنا؛ وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت في شرعنا ما ينسخه، هذا إذا كان سليمان أقرها على ملكها، لكن لا يصح أن سليمان أقرها على ملكها؛ لأن سليمان لم يملكها شيئًا، بل أخذ ملكها وأخذ عرشها، وقال الله ﷿ حاكيًا عن سليمان: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل:٤٢]، ولما دخلت الصرح الممرد من قوارير وكشفت عن ساقيها لم تصبح مع سليمان ملكة حاشا لله، وحاشا لسليمان أن يفعل ذلك.\nالوجه الثاني أن الهدهد حيوان من العجماوات ومع ذلك ما أقر بملك بلقيس بل أنكره، فهو عندما تكلم مع سليمان أنكر وصفها بالملك، قال: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً﴾ [النمل:٢٣]، فالهدهد ينكر ذلك، فما بالك بالبشر، قال: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا﴾ [النمل:٢٣ - ٢٤]، إلى آخر الآيات.\nالوجه الثالث: على فرض أنهم قد أقروها على ذلك، وأصبحت ملكة عليهم، فقد خربت عليهم الديار، وضيعت عليهم الآخرة، وجعلتهم يعبدون الشمس، وهذا هو مصير كل من يدع للمرأة زمام الأمور، فقد عبدت الشمس فعبدوا الشمس معها، فآل أمرهم إلى بوار، ولولا رحمة الله بهم لكانوا كلهم في نار جهنم خالدين فيها، وبذلك تحققت نبوءة النبي ﷺ: (ما أفلح الله قومًا ولوا أمرهم امرأة).\nالوجه الرابع: أن سليمان أطاح بملكها ولم يعطها ملكًا.\nالوجه الخامس: إذا وافقناكم وقلنا: إن الملكة بلقيسًا كانت ملكة وحدث الإقرار لها فقد جاء النبي ﷺ ليهدم هذه القواعد، ووضح وبين أن كل هذه القواعد في ديننا لا تقبل، يقول: (ما أفلح الله قومًا ولوا أمرهم امرأة)، وكذلك في شرع سليمان أنهم كانوا يعملون له ما يشاء من التماثيل، فجاء الشرع بهدم هذه الشريعة.\nوأما الرد على الشبهة الثانية أو الفرية الثانية، نترك المجال لـ ابن العربي في الرج عليه، قال ابن العربي: والظن في ابن جرير أنه لا يشذ أبدًا عن العلماء، بل قوله يوافق قول الأحناف أنها تتولى القضاء في مسألة الأموال فقط، يعني كما أبيحت لها مسألة الشهادة، على ضعف في هذا القول.\nثم قال: وقد","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>مسألة الطلاق من المسائل التي انفرد بها الرجال عن النساء</span>\nومن المسائل التي انفرد بها الرجال عن النساء: الطلاق، فالطلاق لا يكون بيد النساء؛ لأن العصمة في يد الرجل، لكن هناك أمور جديدة ظهرت ونسمعها كثيرًا، منها: أن المرأة تقول: العصمة في يدي، فإذا ضايقني خلعته.\nنقول: لا والله، إن الله جل في علاه يعلم أن المرأة لا يصح أن تقود أو تكون قوامة على الرجل؛ لأنه تفريع عن هذا الأصل الذي تكلمنا به، وأن الله يعلم من ضعف المرأة فلم يجعل الطلاق بيدها؛ لأن الحكمة عندها ضئيلة والعاطفة عندها تغلب على الحكمة، وإذا دخل الرجل على امرأته يومًا فأغضبها لأنكرت كل معروف قدمه لها.\nولو كان الطلاق بيدها لطلقته ثلاثًا في الحال، والنبي ﷺ قد فسر حالها، فقال: (لو أحسن معها الدهر بأسره، ورأت منه شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط)، أي: نفت كل الخير.\nإذًا: فالعاطفة تغلب الحكمة عند المرأة، ولذلك لم يجعل الله الطلاق بيدها، كما قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) [النساء:٣٤]، وفصل الرسول ﷺ هذه المسألة وقال: (الطلاق بيد من أخذ بالساق)، أي: أن الطلاق بيد الرجل.","vol":"8","page":7}]}