{"ً":{"ٌ":37693,"ٍ":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: تيسير أصول الفقه للمبتدئين\nالمؤلف: محمد حسن عبد الغفار\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ٢١ درسا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2376,"ٕ":11,"ٖ":1770155900,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12","13","14","15","16","17","18","19","20","21"],"ٚ":[{"title":"الحكم الشرعي","level":1,"page":1},{"title":"تعريف الحكم الشرعي","level":2,"page":2},{"title":"حجية السنة النبوية","level":2,"page":3},{"title":"شرح تعريف الحكم الشرعي","level":2,"page":4},{"title":"أقسام الحكم الشرعي","level":2,"page":5},{"title":"أقسام الحكم التكليفي","level":2,"page":6},{"title":"تعريف الواجب","level":3,"page":7},{"title":"أحوال الطلب","level":3,"page":8},{"title":"حكم الواجب","level":3,"page":9},{"title":"أثر الخلاف بين الأحناف والجمهور في الفرض والواجب","level":3,"page":10},{"title":"الفرق بين الواجب الكفائي والعيني","level":3,"page":11},{"title":"أقسام الواجب","level":2,"page":12},{"title":"الواجب الكفائي والعيني","level":3,"page":13},{"title":"الواجب المخير والمرتب","level":3,"page":14},{"title":"الواجب المضيق والموسع","level":3,"page":15},{"title":"القضاء","level":3,"page":16},{"title":"الأمر","level":1,"page":17},{"title":"تعريف الأمر لغة","level":2,"page":18},{"title":"أنواع الأمر","level":2,"page":19},{"title":"صيغ الأمر","level":2,"page":20},{"title":"مسائل تتعلق بالأمر","level":2,"page":21},{"title":"اختلاف العلماء في كون الأمر يفيد التكرار أو لا يفيد ذلك","level":3,"page":22},{"title":"الأدلة من السنة واللغة على أن الأصل في الأمر المطلق عدم التكرار إلا بدليل","level":3,"page":23},{"title":"اختلاف العلماء في كون الوجوب يفيد الفورية أم هو على التراخي","level":3,"page":24},{"title":"الأصل في الأمر الوجوب","level":3,"page":25},{"title":"خروج فعل الأمر عن الدلالة على معنى الأمر إلى دلالات أخرى تعينها القرائن","level":3,"page":26},{"title":"مسألة: الأمر الذي يأتي بعد الحظر","level":2,"page":27},{"title":"اختلاف العلماء في حكم الأمر بعد الحظر","level":3,"page":28},{"title":"دلالة اقتران الأمر بالواجبات لا يدل على الوجوب على القول الراجح","level":3,"page":29},{"title":"مسألة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب","level":3,"page":30},{"title":"النهي","level":1,"page":31},{"title":"تعريف النهي","level":2,"page":32},{"title":"صيغ النهي","level":2,"page":33},{"title":"مسائل تتعلق بالنهي","level":2,"page":34},{"title":"الأصل في النهي التحريم وأدلة ذلك","level":3,"page":35},{"title":"اختلاف العلماء في كون مطلق النهي يقتضي الفساد أم لا","level":3,"page":36},{"title":"دلالة النهي","level":2,"page":37},{"title":"النهي المطلق للفور والدوام","level":2,"page":38},{"title":"الندب والمحرم","level":1,"page":39},{"title":"الكلام على المندوب","level":2,"page":40},{"title":"تعريف المندوب","level":3,"page":41},{"title":"الفرق بين المندوب والواجب","level":3,"page":42},{"title":"حكم المندوب","level":3,"page":43},{"title":"أمثلة للمندوب","level":3,"page":44},{"title":"أسماء المندوب ومراتبه","level":3,"page":45},{"title":"حكم المواظبة على ترك المندوب","level":3,"page":46},{"title":"الكلام على المحرم","level":2,"page":47},{"title":"تعريف المحرم","level":3,"page":48},{"title":"حكم المحرم","level":3,"page":49},{"title":"أقسام المحرم","level":3,"page":50},{"title":"من علامات الكبائر","level":3,"page":51},{"title":"أقسام المحرم من حيث الحرمة","level":3,"page":52},{"title":"المكروه والمباح","level":1,"page":53},{"title":"تعريف المكروه وصيغه","level":2,"page":54},{"title":"أمثلة الكراهة","level":2,"page":55},{"title":"أقسام الكراهة","level":2,"page":56},{"title":"تعريف المباح وأمثلته","level":2,"page":57},{"title":"المباحات تنقلب بالنيات إلى عبادات","level":2,"page":58},{"title":"السبب والشرط والمانع والصحة والبطلان","level":1,"page":59},{"title":"تعريف السبب","level":2,"page":60},{"title":"علاقة السبب بالعلة","level":2,"page":61},{"title":"تعريف الشرط وأمثلته","level":2,"page":62},{"title":"الفرق بين الشرط والركن","level":2,"page":63},{"title":"تعريف المانع وأمثلته","level":2,"page":64},{"title":"تعريف الصحة وأمثلته","level":2,"page":65},{"title":"تعريف البطلان وأمثلته","level":2,"page":66},{"title":"أدلة الأحكام - الدليل الأول: الكتاب","level":1,"page":67},{"title":"أصل الأصول (الكتاب)","level":2,"page":68},{"title":"تعريف القرآن الكريم","level":3,"page":69},{"title":"حكم القراءة الشاذة","level":2,"page":70},{"title":"النسخ في القرآن","level":2,"page":71},{"title":"تعريف النسخ لغة واصطلاحا","level":3,"page":72},{"title":"الأدلة على جواز النسخ","level":3,"page":73},{"title":"أمثلة على النسخ في القرآن","level":3,"page":74},{"title":"أمثلة على النسخ في السنة","level":3,"page":75},{"title":"أحوال النسخ في الكتاب والسنة","level":3,"page":76},{"title":"أحوال النسخ في السنة","level":3,"page":77},{"title":"ما يمتنع من النسخ","level":3,"page":78},{"title":"شروط النسخ","level":3,"page":79},{"title":"أقسام النسخ","level":3,"page":80},{"title":"الحكمة من النسخ","level":3,"page":81},{"title":"الدليل الثاني: السنة","level":1,"page":82},{"title":"تعريف السنة عند العلماء","level":2,"page":83},{"title":"حجية السنة وشروط ذلك","level":2,"page":84},{"title":"الأدلة على حجية السنة","level":3,"page":85},{"title":"علاقة السنة بالقرآن","level":2,"page":86},{"title":"السنة مفسرة للقرآن","level":3,"page":87},{"title":"السنة مبينة لمجمل القرآن","level":3,"page":88},{"title":"السنة مقيدة لمطلق القرآن","level":3,"page":89},{"title":"السنة ناسخة للقرآن","level":3,"page":90},{"title":"أنواع السنة","level":2,"page":91},{"title":"السنن القولية","level":3,"page":92},{"title":"السنة الفعلية","level":3,"page":93},{"title":"السنة التقريرية","level":3,"page":94},{"title":"أنواع الأخبار","level":2,"page":95},{"title":"حجية خبر الآحاد","level":3,"page":96},{"title":"الدليل الثالث: الإجماع","level":1,"page":97},{"title":"مجمل الكلام في الدليل الثاني من أدلة التشريع: السنة","level":2,"page":98},{"title":"من أدلة التشريع: الإجماع","level":2,"page":99},{"title":"تعريف الإجماع","level":3,"page":100},{"title":"حجية الإجماع","level":3,"page":101},{"title":"أنواع الإجماع باعتبار الدلالة","level":3,"page":102},{"title":"أنواع الإجماع باعتبار التصريح وغيره","level":3,"page":103},{"title":"الأقوال في مسألة إنشاء قول ثالث بعد الإجماع","level":3,"page":104},{"title":"مستند الإجماع","level":3,"page":105},{"title":"الدليل الرابع: القياس","level":1,"page":106},{"title":"تعريف القياس","level":2,"page":107},{"title":"أركان القياس","level":2,"page":108},{"title":"ذكر أدلة من قال بالقياس","level":2,"page":109},{"title":"ذكر أدلة من أنكر القياس","level":2,"page":110},{"title":"شروط القياس","level":2,"page":111},{"title":"تمارين على القياس","level":2,"page":112},{"title":"الاستحسان","level":1,"page":113},{"title":"تعريف الاستحسان","level":2,"page":114},{"title":"اختلاف العلماء في العمل بالاستحسان","level":2,"page":115},{"title":"مستند الاستحسان","level":2,"page":116},{"title":"الاستحسان المستند إلى الشرع","level":3,"page":117},{"title":"حكم بيع الاستصناع","level":3,"page":118},{"title":"الاستحسان المستند إلى العرف","level":3,"page":119},{"title":"الاستحسان المستند إلى المصلحة","level":3,"page":120},{"title":"المصالح المرسلة","level":1,"page":121},{"title":"أقسام المصالح في الشريعة","level":2,"page":122},{"title":"تعريف المصلحة المرسلة","level":2,"page":123},{"title":"الضرورات الدينية","level":3,"page":124},{"title":"الضرورات الدنيوية","level":3,"page":125},{"title":"رأي الإمام الغزالي في اعتبار الأصل الذي تعود عليه المصلحة المرسلة بالحفظ","level":2,"page":126},{"title":"شروط المصالح المرسلة","level":2,"page":127},{"title":"حكم الاحتجاج بالمصلحة المرسلة","level":2,"page":128},{"title":"أمثلة للمصالح المرسلة المعاصرة","level":2,"page":129},{"title":"العرف","level":1,"page":130},{"title":"تعريف العرف","level":2,"page":131},{"title":"الفرق بين العرف والعادة","level":2,"page":132},{"title":"شروط اعتبار العرف في الأمور الدنيوية","level":2,"page":133},{"title":"العرف في الأمور الدنيوية","level":2,"page":134},{"title":"العرف الديني","level":2,"page":135},{"title":"تعريفه وترتيبه","level":3,"page":136},{"title":"الأحكام التي علقت على اللفظ ولم تحد شرعا ولا لغة","level":3,"page":137},{"title":"شروط العمل بالعرف الديني","level":3,"page":138},{"title":"العرف ليس دليلا شرعيا مستقلا","level":2,"page":139},{"title":"شرع من قبلنا","level":1,"page":140},{"title":"اختلاف العلماء في الأخذ بشرع من قبلنا","level":2,"page":141},{"title":"القول الأول: شرع لنا مطلقا","level":3,"page":142},{"title":"القول الثاني: ليس بشرع لنا مطلقا","level":3,"page":143},{"title":"القول الثالث: التفصيل","level":3,"page":144},{"title":"حكم قول الصحابي","level":2,"page":145},{"title":"الاستصحاب","level":1,"page":146},{"title":"معنى الاستصحاب","level":2,"page":147},{"title":"أنواع الاستصحاب","level":2,"page":148},{"title":"مسائل تتعلق بالاستصحاب","level":2,"page":149},{"title":"بعض القواعد الفقهية التي تتعلق بالاستصحاب","level":2,"page":150},{"title":"العام","level":1,"page":151},{"title":"تعريف العام","level":2,"page":152},{"title":"الفرق بينه وبين المطلق","level":2,"page":153},{"title":"حكم العام","level":2,"page":154},{"title":"صيغ العموم","level":3,"page":155},{"title":"أقسام العام وتخصيص العام","level":1,"page":156},{"title":"مراجعة لما سبق","level":2,"page":157},{"title":"أقسام العام","level":2,"page":158},{"title":"العام الباقي على عمومه","level":3,"page":159},{"title":"العام المخصوص","level":3,"page":160},{"title":"العام المراد به الخصوص","level":3,"page":161},{"title":"العام الوارد على سبب خاص","level":3,"page":162},{"title":"تعريف الخاص وأنواع المخصص","level":2,"page":163},{"title":"التخصيص بالاستثناء","level":3,"page":164},{"title":"الأحكام المتعلقة بالمستثنى","level":3,"page":165},{"title":"أحكام المستثنى","level":1,"page":166},{"title":"المخصص المتصل وأقسامه","level":2,"page":167},{"title":"التخصيص بالاستثناء","level":3,"page":168},{"title":"التخصيص بالشرط","level":3,"page":169},{"title":"التخصيص بالصفة","level":3,"page":170},{"title":"التخصيص بالغاية","level":3,"page":171},{"title":"المخصص المنفصل وأقسامه","level":2,"page":172},{"title":"تخصيص الكتاب بالكتاب","level":3,"page":173},{"title":"تخصيص الكتاب بالسنة","level":3,"page":174},{"title":"تخصيص الكتاب والسنة بالإجماع","level":3,"page":175},{"title":"تخصيص الكتاب بالقياس","level":3,"page":176},{"title":"التخصيص بمفهوم المخالفة","level":3,"page":177},{"title":"مفهوم المخالفة","level":1,"page":178},{"title":"تعريف مفهوم المخالفة","level":2,"page":179},{"title":"حجية مفهوم المخالفة","level":2,"page":180},{"title":"الأدلة على الاحتجاج بمفهوم المخالفة","level":3,"page":181},{"title":"أنواع مفهوم المخالفة","level":2,"page":182},{"title":"مفهوم الوصف","level":3,"page":183},{"title":"مفهوم الشرط","level":3,"page":184},{"title":"مفهوم الغاية","level":3,"page":185},{"title":"مفهوم العدد","level":3,"page":186},{"title":"مفهوم اللقب","level":3,"page":187},{"title":"المواضع التي لا يصح فيها اعتبار مفهوم المخالفة","level":2,"page":188},{"title":"الاجتهاد والتقليد","level":1,"page":189},{"title":"انقسام الناس باعتبار الاجتهاد والتقليد","level":2,"page":190},{"title":"القسم الأول: علماء مجتهدون","level":3,"page":191},{"title":"القسم الثاني: طلبة العلم","level":3,"page":192},{"title":"الراجح أن التقليد في الأصول والفروع","level":2,"page":193},{"title":"تعريف الاجتهاد","level":2,"page":194},{"title":"شروط الاجتهاد","level":2,"page":195},{"title":"مسائل تتعلق بالاجتهاد","level":2,"page":196},{"title":"الأدلة على جواز اجتهاد المفضول بوجود الفاضل","level":3,"page":197},{"title":"جواز الاجتهاد من النبي فيما لم ينزل به الوحي","level":2,"page":198},{"title":"تعريف التقليد","level":2,"page":199},{"title":"أنواع التقليد","level":2,"page":200},{"title":"التعارض وأقسامه","level":1,"page":201},{"title":"تعريف التعارض وأسبابه","level":2,"page":202},{"title":"الخطوات العامة لمعالجة إيهام التعارض","level":2,"page":203},{"title":"الجمع بين الأدلة","level":3,"page":204},{"title":"النسخ","level":3,"page":205},{"title":"الترجيح","level":3,"page":206},{"title":"أمثلة للجمع والنسخ والترجيح بين الأدلة عند التعارض","level":2,"page":207},{"title":"الجمع بين نفي العدوى والفرار من المرض","level":3,"page":208},{"title":"نسخ حديث (أفطر الحاجم والمحجوم)","level":3,"page":209},{"title":"مثال الترجيح","level":3,"page":210},{"title":"أقسام التعارض","level":2,"page":211},{"title":"تعارض عام مع عام","level":3,"page":212},{"title":"تعارض خاص مع خاص","level":3,"page":213},{"title":"التعارض بين عام وخاص","level":3,"page":214},{"title":"التعارض بين نصين أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه","level":3,"page":215},{"title":"تتمة في طرق الترجيح","level":3,"page":216}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"2,1":17,"2,2":18,"2,3":19,"2,4":20,"2,5":21,"2,6":22,"2,7":23,"2,8":24,"2,9":25,"2,10":26,"2,11":27,"2,12":28,"2,13":29,"2,14":30,"3,1":31,"3,2":32,"3,3":33,"3,4":34,"3,5":35,"3,6":36,"3,7":37,"3,8":38,"4,1":39,"4,2":40,"4,3":41,"4,4":42,"4,5":43,"4,6":44,"4,7":45,"4,8":46,"4,9":47,"4,10":48,"4,11":49,"4,12":50,"4,13":51,"4,14":52,"5,1":53,"5,2":54,"5,3":55,"5,4":56,"5,5":57,"5,6":58,"6,1":59,"6,2":60,"6,3":61,"6,4":62,"6,5":63,"6,6":64,"6,7":65,"6,8":66,"7,1":67,"7,2":68,"7,3":69,"7,4":70,"7,5":71,"7,6":72,"7,7":73,"7,8":74,"7,9":75,"7,10":76,"7,11":77,"7,12":78,"7,13":79,"7,14":80,"7,15":81,"8,1":82,"8,2":83,"8,3":84,"8,4":85,"8,5":86,"8,6":87,"8,7":88,"8,8":89,"8,9":90,"8,10":91,"8,11":92,"8,12":93,"8,13":94,"8,14":95,"8,15":96,"9,1":97,"9,2":98,"9,3":99,"9,4":100,"9,5":101,"9,6":102,"9,7":103,"9,8":104,"9,9":105,"10,1":106,"10,2":107,"10,3":108,"10,4":109,"10,5":110,"10,6":111,"10,7":112,"11,1":113,"11,2":114,"11,3":115,"11,4":116,"11,5":117,"11,6":118,"11,7":119,"11,8":120,"12,1":121,"12,2":122,"12,3":123,"12,4":124,"12,5":125,"12,6":126,"12,7":127,"12,8":128,"12,9":129,"13,1":130,"13,2":131,"13,3":132,"13,4":133,"13,5":134,"13,6":135,"13,7":136,"13,8":137,"13,9":138,"13,10":139,"14,1":140,"14,2":141,"14,3":142,"14,4":143,"14,5":144,"14,6":145,"15,1":146,"15,2":147,"15,3":148,"15,4":149,"15,5":150,"16,1":151,"16,2":152,"16,3":153,"16,4":154,"16,5":155,"17,1":156,"17,2":157,"17,3":158,"17,4":159,"17,5":160,"17,6":161,"17,7":162,"17,8":163,"17,9":164,"17,10":165,"18,1":166,"18,2":167,"18,3":168,"18,4":169,"18,5":170,"18,6":171,"18,7":172,"18,8":173,"18,9":174,"18,10":175,"18,11":176,"18,12":177,"19,1":178,"19,2":179,"19,3":180,"19,4":181,"19,5":182,"19,6":183,"19,7":184,"19,8":185,"19,9":186,"19,10":187,"19,11":188,"20,1":189,"20,2":190,"20,3":191,"20,4":192,"20,5":193,"20,6":194,"20,7":195,"20,8":196,"20,9":197,"20,10":198,"20,11":199,"20,12":200,"21,1":201,"21,2":202,"21,3":203,"21,4":204,"21,5":205,"21,6":206,"21,7":207,"21,8":208,"21,9":209,"21,10":210,"21,11":211,"21,12":212,"21,13":213,"21,14":214,"21,15":215,"21,16":216},"ٜ":{"1":[1,16],"2":[1,14],"3":[1,8],"4":[1,14],"5":[1,6],"6":[1,8],"7":[1,15],"8":[1,15],"9":[1,9],"10":[1,7],"11":[1,8],"12":[1,9],"13":[1,10],"14":[1,6],"15":[1,5],"16":[1,5],"17":[1,10],"18":[1,12],"19":[1,11],"20":[1,12],"21":[1,16]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","11,7","11,8","12,1","12,2","12,3","12,4","12,5","12,6","12,7","12,8","12,9","13,1","13,2","13,3","13,4","13,5","13,6","13,7","13,8","13,9","13,10","14,1","14,2","14,3","14,4","14,5","14,6","15,1","15,2","15,3","15,4","15,5","16,1","16,2","16,3","16,4","16,5","17,1","17,2","17,3","17,4","17,5","17,6","17,7","17,8","17,9","17,10","18,1","18,2","18,3","18,4","18,5","18,6","18,7","18,8","18,9","18,10","18,11","18,12","19,1","19,2","19,3","19,4","19,5","19,6","19,7","19,8","19,9","19,10","19,11","20,1","20,2","20,3","20,4","20,5","20,6","20,7","20,8","20,9","20,10","20,11","20,12","21,1","21,2","21,3","21,4","21,5","21,6","21,7","21,8","21,9","21,10","21,11","21,12","21,13","21,14","21,15","21,16"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80],"81":[81],"82":[82],"83":[83],"84":[84],"85":[85],"86":[86],"87":[87],"88":[88],"89":[89],"90":[90],"91":[91],"92":[92],"93":[93],"94":[94],"95":[95],"96":[96],"97":[97],"98":[98],"99":[99],"100":[100],"101":[101],"102":[102],"103":[103],"104":[104],"105":[105],"106":[106],"107":[107],"108":[108],"109":[109],"110":[110],"111":[111],"112":[112],"113":[113],"114":[114],"115":[115],"116":[116],"117":[117],"118":[118],"119":[119],"120":[120],"121":[121],"122":[122],"123":[123],"124":[124],"125":[125],"126":[126],"127":[127],"128":[128],"129":[129],"130":[130],"131":[131],"132":[132],"133":[133],"134":[134],"135":[135],"136":[136],"137":[137],"138":[138],"139":[139],"140":[140],"141":[141],"142":[142],"143":[143],"144":[144],"145":[145],"146":[146],"147":[147],"148":[148],"149":[149],"150":[150],"151":[151],"152":[152],"153":[153],"154":[154],"155":[155],"156":[156],"157":[157],"158":[158],"159":[159],"160":[160],"161":[161],"162":[162],"163":[163],"164":[164],"165":[165],"166":[166],"167":[167],"168":[168],"169":[169],"170":[170],"171":[171],"172":[172],"173":[173],"174":[174],"175":[175],"176":[176],"177":[177],"178":[178],"179":[179],"180":[180],"181":[181],"182":[182],"183":[183],"184":[184],"185":[185],"186":[186],"187":[187],"188":[188],"189":[189],"190":[190],"191":[191],"192":[192],"193":[193],"194":[194],"195":[195],"196":[196],"197":[197],"198":[198],"199":[199],"200":[200],"201":[201],"202":[202],"203":[203],"204":[204],"205":[205],"206":[206],"207":[207],"208":[208],"209":[209],"210":[210],"211":[211],"212":[212],"213":[213],"214":[214],"215":[215],"216":[216]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-1> الحكم الشرعي</span>\nيسمى خطاب الشرع للمكلفين: الحكم الشرعي، وهو ينقسم إلى: تكليفي، ووضعي، وينقسم التكليفي إلى أقسام: منها الواجب، وهو طلب الفعل على وجه اللزوم، وله سبعة مباحث هي: الفرض الكفائي والعيني، والتخيير والترتيب، والتضييق والتوسيع، والقضاء، وقد خالف الأحناف الجمهور في الفرق بين الفرض والواجب بحسب الدليل إن كان ظنيًا أو قطعيًا، وهو خلاف لفظي في الفقه حقيقي في العقائد.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تعريف الحكم الشرعي</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: الأصل لغة: ما يبنى عليه غيره.\nواصطلاحًا: ما يبنى عليه الأحكام الشرعية.\nويطلق الأصل على معان متعددة، كالدليل، تقول: الأصل بأن الجدة ترث السدس الإجماع، أي: أن الدليل على توريث الجدة السدس: الإجماع.\nومن معانيه: الراجح، كأن تقول: الأصل في الكلام أن يكون على الحقيقة لا على المجاز، مثل قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، فاليد هنا يد حقيقة، فلله يد وأصابع وأنامل على ما يليق به جل وعلا.\nوالحكم الشرعي هو: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.\nقوله: (خطاب): (الخطاب) مبتدأ مضاف و(الشارع) مضاف إليه.\nوقوله: (الشارع): هو الله جل وعلا، لأنه لا حكم إلا لله، فكل تشريع من غير الله باطل.\nوقد اختلف أهل الأصول: هل رسول الله ﷺ مشرع أم ناقل للشرع؟ وهذه المسألة تتفرع على أصل وهو: هل النبي ﷺ يجتهد أو لا؟ فبعضهم يقول: إن النبي ﷺ مشرع؛ لأنه يفتى في مسائل فيبت فيها، وبعضهم يقول: هو ليس بمشرع، ولكنه ناقل للشرع، وهذا هو الصحيح؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>حجية السنة النبوية</span>\nخطاب الشارع: هو كلام الله جل وعلا، ويقصد به القرآن، وأيضًا تدخل معه السنة، وإذا قلنا: (خطاب الشارع) فالمراد به: المتواتر وغير المتواتر، فالقرآن تكلم الله به وسمعه منه جبريل، ونزل به إلى محمد ﷺ، وكذلك الأحاديث القدسية الله جل وعلا تكلم بها، والنبي ﷺ ينسبه إلى الله جل وعلا، أي: أن النبي ﷺ لا ينفرد به، والراوي عن الرسول ﷺ يقول: قال رسول الله: قال الله تعالى.\nإذًا: الحديث القدسي يختلف عن السنة؛ لأن النبي ﷺ ينسبه إلى الله، وكذلك يختلف الحديث القدسي عن القرآن، إذ القرآن لفظًا ومعنى من الله جل وعلا، وأما الحديث القدسي فلفظه من الرسول ﷺ، لكن معناه من الله جل وعلا، إذ ينزل جبريل بالمعنى والنبي ﷺ يأتي باللفظ، والسنة تنسب إلى رسول الله، لكننا نقول أيضًا: السنة وحي من الله، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧]، فهذا إلزام وليس بدليل، فأنا ألزمه بما أتى به النبي ﷺ، لكني أريد دليلًا على أن السنة وحي من الله جل وعلا، وإذا أثبتنا أن السنة وحي من الله، سنرد على القرآنيين الذين ينكرون السنة.\nوالدليل أن السنة وحي: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، ووجه الدلالة علميًا: (إن) هنا بمعنى: ما نافية، فهي نفي إثبات يفيد الحصر، (إن) و(إلا) وأصلها: ما هو إلا وحي يوحى، ولفظة: (وحي) نكرة في سياق النفي تفيد العموم، فكل ما يتكلم به النبي ﷺ فهو وحي يوحى.\nوأوضح من ذلك تصريحًا: قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، فآيات الله: القرآن، والحكمة: السنة؛ لأن الأصل في العطف المغايرة، أقول: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله) وأقف، وأقول: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من الحكمة) فالحكمة غير الآية، فالآية هي: القرآن، والحكمة هي: السنة، يقول الشافعي: بالاتفاق آيات الله هي: القرآن، والحكمة هي: السنة.\nويوضح ذلك جليًا ما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا ألفين -أي: لا أجدن- أحدكم على أريكته شبعان يأتيه الأمر من أمري فيقول: اعرضه على كتاب الله فما وافق كتاب الله أخذنا به وما لم يوافق لم نأخذ به، ألا وإني قد أوتيت القرآن ومثله معه) والمثلية هنا تدل على المساواة، وإن كان هناك تفاوت في القدسية، فالسنة أيضًا وحي يوحى من عند الله جل وعلا.\nإذًا: فخطاب الشارع -أي: الوحي الذي نزل به جبريل على النبي ﷺ- هو: قرآن وسنة، والإجماع أيضًا يدخل معه؛ لأن الإجماع لا يمكن أن يكون إلا بدليل؛ لأن الله أبى أن تجتمع هذه الأمة إلا على حق، والحق إما من كتاب الله أو من سنة النبي ﷺ.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>شرح تعريف الحكم الشرعي</span>\nقوله: (المتعلق بأفعال المكلفين): خرج به: اعتقادات المكلفين، مثل: الفرق بين الإسلام والإيمان والإحسان، أو صفات الله، أو عذاب القبر ونعيمه، أو أفعال الله جل وعلا، والقرآن فيه آيات تثبت أفعال الله وأسمائه وصفاته، فهذا لا يبحث فيه الأصوليون.\nوقوله: (الاقتضاء): معناه: الإلزام بالفعل أو بالكف.\nوالإلزام بالفعل يعني: الوجوب، وينسحب معه الاستحباب، والمستحب لابد من أمر شرعي فيه يأمر الله به.\nوالإلزام بالكف معناه: التحريم، وينسحب معه المكروه.\nوقوله: (أو بالوضع)، والوضع هو: جعل شيء سببًا لشيء آخر.\nمثاله: أن يجعل الله جل وعلا الشمس سببًا لدخول وقت صلاة الظهر، ورؤية الهلال سببًا لحلول شهر رمضان لفرضية الصوم، فهذا شيء جاء سببًا لشيء.\nوأيضًا يجعل شيئًا مانعًا لشيء آخر.\nمثال ذلك: القتل يعتبر مانعًا للإرث، أي: أن الولد يرث أباه، لكنه لو قتله لا يرثه؛ لأن القتل من موانع الإرث.\nأيضًا الصحة والفساد، فيقال: هذا العقد صحيح أو فاسد، وهذا -إن شاء الله- سوف نتكلم عنه بالتفصيل في الأحكام الوضعية.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>أقسام الحكم الشرعي</span>\nالحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين: حكم تكليفي، وحكم وضعي.\nفالحكم التكليفي: هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير فقط، وهو -بنفس التفصيل السابق- فيدخل فيه الواجب والمستحب والحرام والمكروه والمندوب.\nوالحكم الوضعي: هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالوضع فقط، فيدخل فيه السبب والشرط والمانع والصحة والبطلان.\nفأقول مثلًا لأفرق بينهما: الحكم التكليفي له أوقات وعلامات وأسباب، وأما الحكم الوضعي فليس له ذلك.\nمثال ذلك: الزكاة في مال الصبي: الصبي لا يؤمر بالصلاة ولا بالحج ولا بالجهاد، لكن يؤمر بإخراج الزكاة، فلو أن هناك صبيًا عنده مال بلغ النصاب وحال عليه الحول، فلا بد أن يزكى هذا المال؛ وهذا من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف.\nأيضًا: لو أن الصبي سار في الشارع فكسر أو أتلف شيئًا لبائع، فإن الولي يأخذ من مال هذا الطفل ليضمن هذا المتلف، وهذا من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف أيضًا.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>أقسام الحكم التكليفي</span>\nخطاب التكليف له خمسة أحكام: الواجب، المندوب، المباح، المحرم، المكروه.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>تعريف الواجب</span>\nالواجب في اللغة: الساقط، وهذا نستدل به فقهيًا على من يقول: بأن غسل الجمعة واجب، ويستدل بقول النبي ﷺ: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، فأنا أقول له: غسل الجمعة ساقط عن كل محتلم.\nقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج:٣٦]، أي: أن الجمال تنحر وهي واقفة، فتسقط على الجنب، ثم لك أن تذبح بعد ذلك وتأكل وتعطي القانع والمعتر.\nفي الاصطلاح: طلب الفعل على وجه اللزوم.\nقوله: (طلب الفعل) أي: أن الله جل وعلا يحث العباد، فإذا أمر بأمر فنهتم به، كقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣]، فهذا أمر من الله جل وعلا يطلب به حتمًا الفعل، فإذا طلب حتمًا الفعل يذم من ترك هذا الفعل.\nوقوله: (على وجه اللزوم): أي: على وجه الإلزام، فهو ليس مخيرًا، وإنما لا بد وجوبًا أن يعمله.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>أحوال الطلب</span>\nالطلب له ثلاثة أحوال: أن يكون من الأعلى للأدنى، أو من الأدنى للأعلى، أو من المساوي.\nفإن كان من الأعلى للأدنى فهو على وجه اللزوم، أي: من الرب الشارع المشرع ﷾، فإذا طلب من العبد شيئًا فعلى العبد أن يقول: استسلمت، وقد مدح الله إبراهيم بذلك فقال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١]، أي: استسلمت، ورؤيا الأنبياء وحي، وهي أمر من الله، فلما رأى أنه يذبح ابنه ما راجع هذه الرؤية؛ بل أخذ ابنه ليذبحه بأمر الله جل وعلا.\nوإذا كان الطلب من الأدنى للأعلى فهو رجاء أو تمني أو دعاء، كقولك وأنت ترفع يديك: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ربنا اغفر لنا وارحمنا، فكل هذا أمر، لكنه من الأدنى (العبد) للأعلى (الرب)، ومعناه: الطلب والترجي.\nوأما إن كان من المساوي فهو طلب واستسماح والتماس، فإذا قلت لقرين مثلك: ائتني بكذا، فأنت تطلب منه أن يأتيك بما طلبت منه، أو تقول له: ائتني بكتاب الأصول، أي: ترجوه أن يأتيك بكتاب الأصول، أو تطلب منه أن يأتيك بكتاب الأصول.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>حكم الواجب</span>\nكثير من الأصوليين يعرف الواجب بحكمه لا بحده، وعند الفلاسفة أو المناطقة أو البلاغيين أنه لا بد أن يعرف الشيء بالحد ثم بالحكم.\nفحكم الواجب: هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، فتارك الصلاة يعاقب عند الله جل وعلا، وفاعل الصلاة يثاب عند الله جل وعلا، والمزكي يثاب عند الله بالزكاة، وتارك الزكاة معاقب.\nإذًا: يثاب فاعل الأمر، ويعاقب -أو (يستحق) عند بعض الأصوليين- فاعل المعصية وتارك الأمر، وهو تحت مشيئة الرحمن.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>أثر الخلاف بين الأحناف والجمهور في الفرض والواجب</span>\nالواجب له أمور تتعلق به منها: أولًا: أن الواجب يطلق عليه أيضًا الفرض، لكن اختلف العلماء في الواجب والفرض، فجمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة على أن الواجب هو الفرض، ولا فرق بينهما.\nوأما الأحناف فغايروا بين الواجب والفرض، وقالوا: الفرض ما ثبت بدليل قطعي، وأما الواجب فهو ما ثبت بدليل ظني.\nوالدليل القطعي: المتواتر، مثل: القرآن، فهو فرض عندهم، كقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فهذا فرض وليس بواجب.\nأيضًا أمر الله تعالى بالزكاة، فهذا فرض وليس بواجب؛ لأنه ثبت بدليل قطعي.\nوأما الذي يثبت عندهم بدليل ظني فهو واجب، مثل: الوتر، فهو عندهم واجب وليس بفرض؛ لأنه ثبت في السنة بقول النبي ﷺ: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا)، وهذا فعل أمر، والقاعدة: أن ظاهر الأمر يقتضي الوجوب ما لم تأت قرينة تصرفه من الوجوب إلى الاستحباب، لكنه هنا واجب وليس بفرض؛ لأنه ثبت بدليل ظني وهو: حديث الآحاد وليس بمتواتر.\nوإذا دققت النظر رأيت أن الأحناف يتفقون مع جمهور أهل العلم في أن الذي ثبت بالدليل الظني يجب العمل به، أي: يجب أن تعمل بهذا الأمر الذي ائتمرت به، سواء كان الدليل قطعيًا أو ظنيًا، فلو جاءك مثلًا قول الله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) فلا بد أن تصلي.\nوإذا جاءك قول النبي ﷺ: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا) فعند الأحناف يجب، ويسن عند الجمهور أن تجعل آخر الصلاة وترًا، فهم يتفقون على لزوم العمل بما ثبت ظنيًا أو قطعيًا، فأصبح الخلاف خلافًا لفظيًا وليس له أثر إلا من ناحية الاعتقاد، أي: أن أثر الخلاف بين الأحناف والجمهور بالدليل القطعي والدليل الظني ليس له محل في الفقه، لكن أثره في الاعتقاد فقط.\nونبين ذلك بالآتي: منكر القرآن حكمه كافر، والجميع يتفق على هذا، أما الذي ينكر حديثًا في صحيح البخاري فإن كان متواترًا فيكفر بذلك، وإن كان آحادًا فاختلف العلماء فيه، والراجح ما قاله الجمهور: أنه لا يكفر، فالخلاف هنا ليس خلافًا فقهيًا بين الأحناف والجمهور، وليس له ثمة أثر في المسائل الفقهية.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الفرق بين الواجب الكفائي والعيني</span>","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>أقسام الواجب</span>\nالواجب ينقسم إلى سبعة أقسام: واجب كفائي، وواجب عيني، وواجب على التخيير، وواجب على الترتيب، وواجب موسع، وواجب مضيق، وقضاء، أي: قضاء الواجب.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الواجب الكفائي والعيني</span>\nالفرض الكفائي هو: طلب الشارع إيجاد الفعل نفسه دون النظر إلى عين المكلف.\nأما ضابط الفرض العيني فهو: طلب الشارع الفعل من عين المكلف، فالشارع ينظر فيه إلى الفاعل.\nفالفرض الكفائي ينظر فيه الشارع للفعل نفسه لا للمكلف الذي يفعل، أي: أن الله جل وعلا يريد أن يقام هذا الأمر ولا يريد من الكل أن يقوموا به، بل واحد فقط يقوم به ويسقط عن الآخرين، وتأثم كل الأمة إن لم تقم به.\nمثال ذلك: طلب العلم والفقه في الدين، نحن لا نريد أن الأمة كلها تكون علماء، ولا نريد أن الكل يطلب العلم، بل طائفة تطلب العلم فيسقط هذا الفرض عن باقي الأمة، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١٢٢]، فوجود طائفة واحدة فرض كفائي.\nكذلك: علم المواريث فرض كفائي، علم البيوع فرض كفائي، علم اللغة والنحو فرض كفائي، صلاة الجنازة فرض كفاية، فإذا صلى خمسة من الناس أو ثلاثة أو واحد على جنازة سقط هذا عن الأمة، لكن لو لم يصل أحد على مسلم مات فتأثم الأمة كلها على ذلك، كذلك إن لم ينبر واحد من الأمة وتفرغ لطلب المواريث وأتقنه فالأمة كلها تأثم، وإذا قام واحد فتعلم علم المواريث وعلم من تحته فالأمة لا تأثم بذلك، ويسقط عنها الإثم.\nولا بد أن ننوه على أمر تحتاجه الأمة، ألا وهو الجهاد، وقد اختلف العلماء في حكم الجهاد هل هو فرض عين أو فرض كفاية؟ والصحيح الراجح: أن الأصل في الجهاد أنه فرض كفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الآخرين، إلا أن يكون هناك ثمة نازلة بالأمة أو حاجة الأمة لرجال ليجاهدوا، فيكون هنا فرض عين، وكل باستطاعته، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].\nوأما فرض العين فهو: الذي يطلب من كل مكلف أن يقوم به، كإقامة الصلاة، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا، وزكاة المال بشرطين وهما: أن يمتلك الرجل النصاب، ويحول عليه الحول.\nوصوم رمضان فرض عين على كل مكلف، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فرض عين، ولا يسقط عن الآخرين، لأنه لا يدخل أحد الإسلام إلا بالشهادتين.\nودفن الميت فرض كفاية، والصدقات مستحبة وليست فرض كفاية، وستر الرجل عورته من السرة إلى الساق فرض عين.\nوالفرق بين فرض العين وفرض الكفاية: أن فرض العين كل مكلف مطالب أن يفعل هذا الفعل الذي أمره الله به، وفرض الكفاية المطلوب إيجاد الفعل فقط، بدون النظر إلى الفاعل.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الواجب المخير والمرتب</span>\nالواجب على التخيير: هو أن الله جل وعلا يأمر بأمر حتمي لا بد أن يفعل، أو: طلب الفعل على وجه اللزوم، لكنه خير العبد -مثلًا- بين فعل الثلاثة أو الخمسة أو الستة، فيختار منها ما يشاء، ويلزمه واحدًا من هذه المخير بينها، فإن لم يفعل واحدًا منها فهو آثم، فإن فعل واحدًا سقط عنه الباقي.\nمثال ذلك: كفارة اليمين، قال الله جل وعلا: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:٨٩]، (أو) هنا للتخيير، فهنا يجب على المرء أن يكفر عن يمينه، لكنه مخير بين ثلاث: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة.\nوأيضًا فدية الأذى في الحج: فلو أن رجلًا حصل له أذى في رأسه، فإن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، وكعب بن عجرة جاء إلى النبي ﷺ والقمل ينزل على وجهه، فقال له النبي ﷺ: (ما كنت أرى أن يبلغ بك الجهد ما بلغ، اذبح شاة، فقال: ما عندي، فقال: أطعم ستة مساكين، أو صم ثلاثة أيام) وقد اختلف العلماء -وهذه مسألة فقهية بعيدة- هل هي على الترتيب، أم على التخيير؟ والصحيح والراجح: أنها على التخيير؛ لأن النبي ﷺ ذكر ذبح الشاة أولًا.\nوقال مالك: هي على الترتيب ثم التخيير، أي: يرتب أصالة بالذبح، ثم يخير بين الصيام أو إطعام ستة مساكين، لكن نحن نقول: الآية واضحة كالشمس: قال الله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، فهو مخير بين الثلاث، ولا بد أن يفعل واحدة من ذلك.\nونضرب مثلًا ونطبقه: رجل في الحج أتعبه شعره، وزاد القمل في رأسه، فأراد أن يحلقه، فقال: الله خيرني، فحلق شعره ولم يفعل شيئًا من الثلاثة، فيعاقب ويأثم، لأنه ترك واجبًا وخالف أمر النبي ﷺ.\nمثال آخر: رجل سمع المؤذن يقيم الصلاة، فقال الرجل: إمام هذا المسجد يستعجل في الصلاة، فذهب وتوضأ وأتى بالواجبات فقط: فغسل يديه، ثم غسل رجله، ثم مسح رأسه، ثم ذهب ليصلي، فهنا وضوءه ليس صحيحًا؛ لأن الترتيب في الوضوء واجب وهو لم يرتب، والترتيب الذي رتبه الله جل وعلا: غسل الوجه، ثم اليدين، ثم مسح الرأس، ثم غسل الرجلين، فإن كان عالمًا يأثم بمخالفته للواجب، وصلاته غير صحيحة، فهذا التطبيق دقة النظر في الفقه وأصول الفقه، حتى نتعلم منها كيف نطبق.\nإذًا: إذا كان على التخيير فلا بد أن يفعل واحدة، وإن كان على الترتيب لزمه أن يفعل نفس الترتيب الذي أمر به، فكفارة اليمين على التخيير: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، وكفارة القتل الخطأ على الترتيب، قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء:٩٢]، فالصيام جاء على الترتيب، فأصبح واجبًا على الترتيب، وليس على التخيير.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الواجب المضيق والموسع</span>\nالواجب الموسع هو: الذي يتسع وقته، والمرء فيه غير ملزم في أول الوقت أن يأتي بهذا الواجب.\nوضابطه الفقهي: أنه يسع لمثل جنسه في وقته.\nمثال ذلك: الصلوات، فهي واجبة واجبًا موسعًا؛ لأنها تسع لجنس مثلها، فيمكن للإنسان أن يصلي قبل الظهر أربعًا، وهي كجنس صلاة الظهر، وكذلك يصح أن الإنسان يصلي قبل العصر أربعًا، قال رسول الله ﷺ: (من صلى أربعًا قبل الظهر وأربعًا بعد الظهر حرم الله لحمه على النار)، وقال النبي ﷺ: (اثنتا عشر ركعة من صلاها في يوم وليلة بنى الله له قصرًا في الجنة: اثنتين قبل الغداة وأربعًا قبل الظهر)، وقال النبي ﷺ: (صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، لمن شاء)، وقال: (وبين كل أذانين صلاة)، فهذه دلالة على أن هذه صلاة من جنس الصلاة، فتصلى في وقت الصلاة المفروضة، لكن واجبًا موسعًا.\nكذلك الزكاة: إذا حال عليك الحول ومعك النصاب، وأخرجت الزكاة (٢.\n٥%) وأخرجت فوق ذلك عشرة جنيهات، فيجوز لك ذلك، لأنه واجب موسع من جنسه.\nوأما المضيق فهو: الذي لا يسع وقته لمثله.\nمثال ذلك: صوم رمضان، فلا يصح للإنسان أن يصوم يوم الإثنين من رمضان على أنه هو اليوم الذي ولد فيه النبي ﷺ، واليوم الذي ترفع فيه الأعمال، فصومه ينعقد فرضًا.\nمثال آخر: حج البيت، فلا يمكن للإنسان أن يحج مرتين في مرة واحدة، والذين يعتمرون أكثر من عمرة في رمضان هذه بدعة، والذي يفعلها آثم غير مأجور، يذهب ويعتمر لجدته وجده وأمه وأبيه، وهذا لا يصح بأي حال من الأحوال، لأنه واجب مضيق وليس موسعًا.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>القضاء</span>\nأما القضاء فلا بد له أصوليًا من أمر جديد مثله مثل الأداء، أي: من ترك صلاة الظهر عمدًا متعمدًا مفرطًا فليس عليه القضاء، وإذا أذن المؤذن للعصر فلا يقضي هذه الصلاة، وإن قضاها فهي ليست محسوبة له، لأن القضاء لا بد له من دليل كما أن الأداء لا بد له من دليل.\nودليل ذلك: أن الله أمر بأوامر يجب على المرء أن يؤديها، ولم يأمر بقضائها، ويجلي لنا ذلك قول عائشة ﵂ وأرضاها عندما سألتها المرأة -كما في الصحيحين- فقالت: (أنقضي الصلاة؟! فقالت: أحرورية أنت، كنا نفعل ذلك على عهد النبي ﷺ) أي: كنا لا نصوم ولا نصلي إذا حاضت المرأة، فنقضي الصوم ولا نقضي الصلاة، والصوم جاء بأمر جديد من النبي ﷺ، وهو الذي أمرهم بذلك، ولذلك قالت عائشة: (كنا نؤمر) وهذا أمر جديد، أي: أمرنا مجددًا بقضاء الصيام، ولم نؤمر مجددًا بقضاء الصلاة.\nولذلك قعد علماء الفقه قاعدة فقهية تقول: دليل الأداء ليس دليلًا للقضاء.\nوالدليل على ذلك أيضًا: قول النبي ﷺ: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها حين يذكرها)، فالنوم والنسيان عذر، ولذلك كل الأحاديث: (إلا من عذر) لكن المفرط ليس له دليل، فجاءنا الدليل على النائم والناسي، ولم يأتنا الدليل على المتعمد، فالمتعمد لا قضاء عليه، لكن ينصح بكثرة النوافل؛ لقول النبي ﷺ كما في سنن أبي داود بسند صحيح من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (أول ما يحاسب عليه المرء الصلاة؛ فإن كانت ناقصة قال الله للملائكة: يا ملائكتي! انظروا إلى عبدي أله من النوافل؟! فإن كانت أتم بها صلاته) فالذي يترك فرضًا عمدًا يكثر من النوافل.\nوهذا الحكم ينطبق أيضًا على السنن الرواتب، فلو أن رجلًا ليس عنده شيء، وكان جالسًا يمزح مع أخيه أو يتسامر معه، ولم يصل سنة الظهر حتى أقام الإمام صلاة الظهر، فهذا ليس عليه قضاء، ولا يقضي سنة الظهر، لأنه ليس لديه دليل على أنه يقضي هذه السنة.","vol":"1","page":16},{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-17> الأمر</span>\nالأمر من مهمات الأصول التي لابد للأصولي أن يدرسها، وللأمر صيغ كثيرة مبسوطة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفي كلام العرب، والأصل في الأمر عدم التكرار، إلا أن تأتي قرينة تدل على التكرار، والأمر الدال على الوجوب يفيد الفورية على القول الراجح، والأصل في الأمر الوجوب، لكن هناك قرائن تصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب أو الإباحة أو التهديد أو الإرشاد أو التعجيز أو الإهانة والتهكم أو الإكرام، وقد اختلف العلماء في الأمر الذي يأتي بعد الحظر، واقتران الأمر بالواجبات لا يدل على الوجوب على القول الراجح.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>تعريف الأمر لغة</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nالأمر لغة: يجمع على أوامر، ويأتي على معان في اللغة، فيأتي بمعنى: الشأن، وبمعنى: القضاء، وبمعنى: طلب الشيء، يقال: أمره كذا، أي: شأنه كذا، وحاله كذا.\nوفي الاصطلاح: هو طلب الفاعل -أي: الله جل وعلا- من العبد أن يفعل ما أمر به على وجه اللزوم، أي: إلزامًا ليس مخيرًا أن يفعل أو لا يفعل، فالتخيير كقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤]، أي: إما أن تفدي وإما أن تصوم، فهذا تخيير، وأما بالنسبة للأمر مكفولة: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] فهذا على اللزوم لا على التخيير.","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>أنواع الأمر</span>\nالأمر على ثلاثة أنواع: الأمر من الأعلى للأدنى، والأمر من الأدنى للأعلى، والأمر من المقارن، أي: الذي يعتبر قرينًا.\nفالأمر من الأعلى للأدنى هو أمر من الرب للعبد، وهذا على وجه اللزوم، ويجب فعله دون توان كما سنبين، والأمر من الأدنى للأعلى معناه: الدعاء، فتقول: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم فإنك أنت الأعز والأكرم، فقولك: (اغفر) أمر يراد به الرجاء والدعاء والتذلل والاستكانة، ومثله قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء:١١٢]، فهذا أيضًا دعاء، أما من القرين الذي هو أصلًا في نفس الطبقة فمعناه: التماس، وسواء قلنا: إنه رجاء نتنزل به، فهو التماس واستسماح.","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>صيغ الأمر</span>\nللأمر صيغ كثيرة، منها: أولًا: فعل الأمر، وهو أصل صيغ الأمر، تقول: قم واتل ما عليك، وأقول لك: كل ما أمامك، كما قال النبي ﷺ في الصحيح: (كل بيمينك وكل مما يليك) فهذا أمر، أيضًا قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود:١١٤]، (أقم الصلاة: فعل أمر، أي: يجب عليك إقامة الصلاة، وقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، وقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ﴾ [المزمل:١ - ٢] فعل أمر، ثم يقولون: إنه كان واجب على النبي ﷺ قيام الليل، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٢ - ٤].\nومن صيغ الأمر أيضًا: اسم فعل الأمر، كقول الله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] أي: الزموا أنفسكم، فلن تضروا طالما أنتم اعتنيتم بأنفسكم، فهذا عند ربكم، ولا حساب عليكم من ضل إذا اهتديتم بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن هذه الآية لها فقه، فقد يظن قارئها أن فيها تقاعس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والغرض المقصود: أن (عليكم) اسم فعل، أمر يدل على الوجوب.\nأيضًا قول المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح، اسم فعل أمر، وقول النبي ﷺ لما كان في غزوة أحد واجتمع له عشرة من أصحابة من الأنصار، وكان معه طلحة بن عبيد الله، فقال النبي ﷺ: (من يدفع عنا هؤلاء وهو معي في الجنة، فيقوم طلحة فيقول: اقعد أو اجلس، فيقوم الأنصاري فيقاتل فيقتل، ويقوم الآخر فيقاتل فيقتل، فقال: ما أنصفنا إخواننا)، على التأويلين: التأويل الأول: (ما أنصفنا إخواننا)، أي: أهل مكة هم إخوان لنا، ما أنصفونا ونحن ندعوهم إلى الإسلام.\nالتأويل الثاني: (ما أنصفنا إخواننا)، أي: الأنصار، ما استطاعوا رد هؤلاء، فقام طلحة يقاتل وينافح عن رسول الله، حتى إن السيف انكسر في يده، فصد السيوف بيده عن رسول الله ﷺ، ثم طرح أرضًا وشلت يده، فما كان من أبي بكر وعمر إلا أن أسرعا إلى النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: (دونكم صاحبكم فقد أوجب) أي: أوجب الجنة بما فعل، (فدونكم) أيضًا من نفس هذه الصيغ.\nومن صيغ الأمر أيضًا: الفعل المضارع المقترن بلام الأمر، قال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، وقال الله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الفتح:٩]، (فاللام) هنا لام الأمر، أي: آمنوا بالله ورسوله، واطوفوا بالبيت العتيق، وأوفوا بنذوركم.\nومن صيغ الأمر أيضًا: المصدر النائب عن فعل الأمر، كقول الله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد:٤].\n(فضرب): مصدر نائب عن فعل أمر، أي: اضربوا الرقاب، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد:٤]، فهذه أيضًا من صيغ الأمر التي تدل على الوجوب كما سنبين.\nأيضًا هناك ألفاظ وصيغ تدل على الأمر منها: كتب، وفرض، أو الجمل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:٢٧٨]، وكقول ابن عمر في الحديث: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان كذا وكذا وكذا)، ففرض أيضًا من صيغ الأمر، وكتب من صيغ الأمر، كقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣]، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] فهذه جمل، وأيضًا قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة:٢١٦].\nأيضًا: إذا كانت الجملة لابتداء وخبر فهي تدل على الوجوب، وإن كانت ليست كثيرة، كقول الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة:٨٩]، أي: كفروا عن أيمانكم بإطعام عشرة مساكين، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة﴾ [النساء:٩٢]، مصدر نائب عنها، وأيضًا قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧].","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>مسائل تتعلق بالأمر</span>","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>اختلاف العلماء في كون الأمر يفيد التكرار أو لا يفيد ذلك</span>\nهناك مسائل تتعلق بالأمر، وأول هذه المسائل: هل الأمر المطلق يفيد التكرار أم لا؟ أي: إذا قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [هود:١١٤]، هل لابد في حياتك كلها أن تقيم الصلاة، أم مرة واحدة تكفيك؟ اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال، والخلاف سيكون طرفين ووسط، أي: طرف سيقول: نعم بالتكرار، وطرف يقول: ليس بالتكرار، وسبب الاختلاف كله يرجع إلى مسألة: هل يفيد الأمر الفورية أم لا؟ فطرف يقول: يفيد الفورية؟ وطرف يقول: لا يفيد الفورية، وطرف يقول: بالوسط، وهم: الواقفة، فيقولون: ننتظر القرينة من الخارج التي تثبت لنا إن كان على الفورية أو على التكرار، أو بعد الحظر على الإباحة أو على الوجوب، فهؤلاء الواقفة، فالواقفة يقولون: ننتظر الدليل من الخارج، فهو الذي يفصل لنا أو يرجح لنا، أما بالنسبة للراجح سنتكلم عنه الآن، أما على التكرار، فالأصل في الأمر أنه لا يفيد التكرار، بمعنى: إذا فعل المأمور الأمر مرة واحدة فقد قضى ما عليه ولا يسأل، قلنا: إن حكم الأمر كحكم الواجب يثاب فاعله ويعاقب تاركه، فمن فعل مرة واحدة فلا يلزم عليه بأن يفعله مرة ثانية، وليس عليه عقاب، إلا أن تأتي قرينة تثبت التكرار.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>الأدلة من السنة واللغة على أن الأصل في الأمر المطلق عدم التكرار إلا بدليل</span>\nإذًا: الأصل في الأمر عدم التكرار إلا أن تأتي قرينة تثبت التكرار، والدليل على هذا من السنة ومن اللغة.\nأما من السنة: (أمر النبي ﷺ للناس بالحج: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ﴾ [آل عمران:٩٧]، فقام رجل: قال يا رسول الله! أفي كل عام؟ فغضب النبي ﷺ وقال: لو قلت: نعم لوجبت)، معنى هذا: أن أصل وضعه ليس على التكرار، إلا أن يقول النبي ﷺ: هو في كل عام، وقال: (دعوني ما تركتم)، وذم الأسئلة، فدل على أن أصل الأمر في اللغة: أنه لا يفيد التكرار إلا بقرينة، والدليل أيضًا أنه لا يفيد التكرار إلا بقرينة، قول الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] إذًا: علق الله الصلاة بقوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:٧٨] وذلك كلما دلكت الشمس فعليك أن تقيم صلاة الظهر، وبين المواقيت كما في السنة التي فصلت مواقيت الصلوات، فهذه قد تعلقت بقرينة تثبت التكرار.\nوفي رواية عن ابن عمر يعضد لنا ما رجحناه، عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تصلوا صلاة في يوم مرتين)، وهذا من أصل وضعه أنه إذا صلاها مرة فلا يصلي فيها مرة ثانية، وكل ذلك في الأمر المطلق، فالأمر المطلق لا يفيد التكرار، أما الأمر المقترن بشرط أو بقرينة تثبت التكرار فهو يفيد التكرار، كقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]، إذًا: كلما قمتم إلى الصلاة تتوضئون، وهذا على التكرار، لكن جاءت قرينة بينت أن هذا في حق المحدث، فهو الذي إذا قام للصلاة فلابد أن يتوضأ لكل صلاة؛ لأن النبي ﷺ ورد أنه صلى خمس صلوات أو أربع صلوات بوضوء واحد.\nأيضًا الأمر المتعلق بعلة يفيد التكرار إذا ظهرت هذه العلة، كما قلنا: إن الحكم يدور مع العلة حيث دارت، وتطبيقها أيضًا في مسألة الأمر، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] رجل زنى بامرأة فجلدناه مائة جلدة، ثم تاب وآب واستغفر ربه جل وعلا، وبعد شهر تلاعبت به الشياطين واشتدت عليه شهواته فزنى مرة ثانية، فنجلده مرة ثانية؛ للقرينة التي أثبتت التكرار وهي العلة، ارتباط الحكم بعلته؛ لأنه يدور مع العلة حيث دارت.","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>اختلاف العلماء في كون الوجوب يفيد الفورية أم هو على التراخي</span>\nهل الوجوب يفيد الفورية أم هو على التراخي؟ هذا محل نزاع كبير بين العلماء، وهو على ثلاثة أقوال، وليس هذا محل التفصيل، لكن الراجح الصحيح: أنه يفيد الفورية لا التراخي، سواء كان الأمر مطلقًا أو مقترنًا بقرينة، كقول السيد لعبده: اسقني، فالقرينة هنا تفيد الفورية؛ لأنه لو لم يأت العبد بكوب الماء لسيده لاستحق الذم، فهذه القرينة تثبت الفورية، وأيضًا: إن كان مطلقًا فهو يثبت الفورية؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] هذا من الكتاب.\nأما من السنة فأدلة ناصعة وواضحة جلية، ففي صحيح مسلم: (دخل النبي ﷺ على عائشة مغضبًا، فقالت: يا رسول الله! من أغضبك أدخله الله النار؟ فقال لـ عائشة: أما رأيت قد أمرت الناس بالأمر فلم يفعلوا)، فهذه فيها دلالة على الفورية.\nأولًا: وجه الشاهد في قوله: (أمرت الناس)، فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ دخل مغضبًا، ولو كان الأمر على التراخي ما كان للنبي ﷺ أن يغضب؛ لأنه إذا لم يفعلوا اليوم سيفعلون غدًا، أو سيفعلون بعد غد، لكن غضب النبي ﷺ إذ أمرهم أمرًا فلم ينفذوا هذا الأمر، فغضب النبي ﷺ، ففيه دلالة على الفور، أي: لابد أن يفعلوا هذا الأمر، ثم جاءت عائشة فقالت: أدخله الله النار، والله لا يدخل أحدًا النار إلا على ترك واجب، وهنا ترك الفورية هو الذي أغضب النبي ﷺ، فهذه فيها دلالة على أنه على الفور.\nأيضًا: دخل النبي ﷺ مغضبًا في صلح الحديبية على أم سلمة عندما تقاعسوا عن الحلق لما أمرهم بالحلق فدخل مغضبًا، فقالت: (يا رسول الله! اخرج عليهم دون أن تتحدث مع أحد، وادع الحلاق واحلق رأسك، ففعل ففعلوا كلهم ما فعل النبي ﷺ)، الغرض المقصود: أنه دخل النبي ﷺ دخل مغضبًا أيضًا؛ لأنهم لم يمتثلوا للأمر على الفور، مع قرينة قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، وقول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران:١٣٣]، ولا يكون إلا بفعل الأوامر وترك النواهي.","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>الأصل في الأمر الوجوب</span>\nالأصل في الأمر الوجوب، أي: أي أمر جاء من الله أو جاء من النبي ﷺ لابد ويجب على كل امرئ أن يفعل به.\nوأدلة ذلك من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، ولو لم يكن للوجوب ما كان هذا الوعيد الشديد الأكيد، والفتنة: الشرك والزيغ عن الطريق المستقيم والإلحاد؛ لأنه خالف أمر النبي ﷺ، فهذه دلالة شديدة جدًا وواضحة على الوجوب.\nأيضًا: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن:٢٣]، ونار جهنم لا تكون إلا على معصية واجب، ولا يمكن ترك المستحب يستوجب النار، حاشا لله، قال الرجل لرسول الله ﷺ: (هل علي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال: والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص، فقال النبي ﷺ: دخل الجنة إن صدق)، فهذا رجل ترك المستحبات بأسرها، فالنار لا تكون إلا لمن خالف الواجبات؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الجن:٢٣].\nوأما من السنة: فقول النبي ﷺ: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، وفي رواية: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)، فوجه الشاهد: (لأمرتهم)، ووجه الدلالة: أنه لو كان واجبًا لشق عليهم وأمرهم، أي: لو كان هذا من الواجبات التي أوجبها الله جل وعلا لأمرهم به وشق عليهم، ففيه دلالة على أن النبي ﷺ لو قال: أمرتكم، لوجب أن يفعلوا، لكنه خشي أن يشق على أمته فلم يأمرهم، فبالمفهوم أنه لو أمرهم لوجب عليهم أن يستعملوا السواك في كل صلاة وعند كل وضوء، لكن هذا شاق على الأمة، فهذا الحديث يدل على أن الأصل في الأمر الوجوب، وهذا هو الصحيح.\nوالمسألة فيها خلاف بين العلماء، منهم الواقفة، ومنهم الذين يقولون: الأصل فيه الندب إلا أن تأتي قرينة، والجمهور على أن الأصل في الأمر الوجوب، وهذا الأخير هو الراجح.","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>خروج فعل الأمر عن الدلالة على معنى الأمر إلى دلالات أخرى تعينها القرائن</span>\nهناك قرائن تصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، والأمثلة على ذلك كثيرة منها: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، إذًا: يجب على كل مقرض ومقترض أن يكتبا القرض والدين، وأن يشهدا عليه، وهذا للوجوب؛ لقوله تعالى: «فَاكْتُبُوهُ» لكن جاءت قرينة صرفت هذا الواجب إلى الاستحباب، هذه القرينة من الآيات التي تلتها، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٣]، بمعنى: إذا حدث الأمان بين المقرض والمقترض فليس عليهم الوجوب بالكتابة، وإن كانت الكتابة مستحبة.\nوأيضًا قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢]، فقوله: «وَأَشْهِدُوا» فعل أمر يدل الوجوب، أي: يجب إذا بعت وإذا جاءك مشتر أن تأتي بشاهدي عدل تشهدهم على البائع، لكنه مصروف إلى الاستحباب، والصارف: أن النبي ﷺ اشترى فرسًا ولم يشهد عليه، فهذه فيها دلالة على أن الإشهاد ليس بواجب بفعل النبي ﷺ؛ لأنه صرف الوجوب إلى الاستحباب.\nأيضًا: قول النبي ﷺ: (صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب)، إذًا: الصلاة قبل المغرب واجبة بفعل الأمر: (صلوا)، إلا أن تأتي قرينة تصرفه، وقد جاءت القرينة بالتخيير، وهي قوله: (لمن شاء)، فهذا صارف من الوجوب إلى الاستحباب، (صلوا قبل المغرب صلوا المغرب، ثم قال: لمن شاء)، فخير، والتخيير هذا صارف من الوجوب إلى الاستحباب.\nوممكن أن الوجوب أيضًا يخرج إلى الإباحة، كقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢]، والاصطياد مباح، فهذا خرج من الوجوب إلى الإباحة بالقرائن المحتفة.\nويمكن أن يخرج الأمر أيضًا على الوجوب فيكون تهديدًا ولا يكون أمرًا معروفًا بالاصطلاحي، الذي هو: استدعاء الفعل أو طلب الفعل على وجه اللزوم وعلى وجه الاستعلاء، كقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، هل الله جل وعلا يأمر عباده أن يكفروا؟! لا، فهو القائل سبحانه: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]، لكن هذا من باب الوعيد الأكيد والتهديد الشديد، فهذا خرج به من الأمر للوجوب إلى التهديد.\nأيضًا: يمكن أن يخرج من الوجوب إلى الإرشاد فقط، كالآداب، وهناك قاعدة عند جمهور الفقهاء وبعض الأصوليين يقولون في الأمر: إذا كان من الآداب فهو للإرشاد، وهذه القاعدة تحتاج إلى نظر، لكن ممكن أن يخرج الأمر الذي هو للوجوب إلى الإرشاد، كقول الله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦]، هذا إرشاد، وإن كان الاستدلال بهذه الآية فيها نظر، إذ أنه على الوجوب، فيجب أن يقي المرء نفسه وأهله النار.\nويمكن أن يخرج إلى التعجيز بدلًا من أن يكون للوجوب، ويسمى أسلوب تعجيز، كقول الله تعالى: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء:٥٠]، فخرج به من الوجوب إلى التعجيز، وقول الله تعالى: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ [آل عمران:١٦٨]، أيضًا: هذا للتعجيز، فمن يستطيع أن يرد على الله قدره بالموت؟! فقوله: (فادرءوا) هل معنى ذلك الوجوب؟ المسألة فيها تفصيل: فإن كان المراد بها للتعجيز، وإن كان المراد أن تأخذ بأسباب النجاة فيجب عليك أن تأخذ بأسباب النجاة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥].\nأيضًا: يخرج الأمر عن الوجوب ويقصد به التهكم والسخرية، كقول الله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]، (ذق) هذا فعل أمر للوجوب، وهو تهكم وسخرية، وقول الله تعالى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر:٤٨].\nويمكن أن يخرج إلى الإكرام؛ كقول الله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر:٤٦]، إكرام لأهل الجنة.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>مسألة: الأمر الذي يأتي بعد الحظر</span>\nمن المسائل التي تتعلق بالأمر: مسألة: الأمر الذي يأتي بعد الحظر، أي: بعد النهي، كأن يكون هناك نهي عن شيء ثم يأمر بعده الله جل وعلا بالفعل؛ كقول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] فقوله: «وَذَرُوا» نهي، بمعنى: انتهوا عن البيع وقت الجمعة، ثم قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة:١٠]، والانتشار في الأرض إما شراء أو بيع، والانتشار في الأرض أصلًا ملقاة الأصحاب والأحباب، وهذا يسمى أمر بعد الحظر، وقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢]؛ فهو حرم على المحرم الصيد، فهذا أمر أيضًا بعد الحظر.","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>اختلاف العلماء في حكم الأمر بعد الحظر</span>\nاختلف العلماء في الأمر الذي بعد الحظر، هل هو على الاستحباب أم هو على الوجوب أم الوقف؟ على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه على الوجوب؛ لأن هذه هي الصيغة الصحيحة للأمر، والأصل في الأمر الوجوب فنرجع للأصل، فكل أمر جاء بعد حظر فهو على أصله الذي هو الوجوب إن لم تأت قرينة تخرجه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢]، يقولون: هذا على بابه، أي: على الوجوب، لكن القرينة جاءت فصرفته إلى الاستحباب، وقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]، هذا أيضًا على بابه على الوجوب، إلا أن تأتي قرينة تصرفه.\nالقول الثاني: أنه على الاستحباب، وهذا قول الجمهور، ويستدلون أيضًا بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢]، والاصطياد على الإباحة لا على الاستحباب أي: أن الأمر بعد الحظر على الإباحة؛ فهم قالوا: الاصطياد مباح، والأمر به هنا على الإباحة، والصحيح الذي عليه المحققون من أهل الأصول من الحنابلة وبعض الشافعية وبعض الأحناف أن الأمر بعد الحظر يرجع ويعود إلى ما كان عليه أولًا، أي: إن كان مباحًا فهو مباح على الإباحة، وإن كان واجبًا فهو على الوجوب، وإن كان مستحبًا فهو على الاستحباب، وهذا الذي رجحه ابن كثير من الشافعية ومن المتأخرين.\nوالأمثلة على ذلك: المثال الأول: على الإباحة، كقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢]؛ لأنه قال: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥]، ثم قال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢]، فأصل الاصطياد مباح ليس بواجب ولا مستحب، فرجع إلى أصله وهو الإباحة، وقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وأصل إتيان المرأة على الإباحة، لكن ممكن أن يرتقي إلى الوجوب، وممكن أن ينزل إلى الاستحباب، فهو على أصله، أي: على الإباحة.\nالمثال الثاني: أنه يرجع كما كان لو كان على الوجوب، كقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥]، وقال: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١]، فقد حرم الله قتال المشركين في الأشهر الحرم، ثم أمر بعد انسلاخ الشهر الحرام بالقتال، أي: اقتلوهم حيث ثقفتموهم، فالأمر هنا جاء بعد حظر، وقتال المشركين واجب؛ لقول النبي ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)، قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١]، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٧]، وقال: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥].","vol":"2","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>دلالة اقتران الأمر بالواجبات لا يدل على الوجوب على القول الراجح</span>\nوهناك أمر لابد أن نشير إليه، وهو: دلالة الاقتران، أي: إذا اقترن الأمر الذي يدل على الوجوب بغيره، فهل دلالة الاقتران يدل على أن كل معطوف على الواجبات واجبات أم لا؟ هذه دلالة يستدل بها بعض الشافعية، أي: اقتران الأمر بالواجبات يدل على الوجوب، والصحيح الراجح: أن اقتران الأمر بالواجبات لا يدل على الوجوب، وهذا قول المحققين من أهل الأصول، لأن دلالة الاقتران دلالة ضعيفة، وتوضيح ذلك في قول الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١]، فقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَر﴾ [الأنعام:١٤١]، هذا أمر يدل على الإباحة، وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١]، أمر يدل على الوجوب؛ لأن الزكاة واجبة وفرض عين على كل امرئ معه مال بلغ النصاب وحال عليه الحول، فقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] أي: فيما سقت السماء العشر إن كان بلغ خمسة أوسق، هذا بالنسبة للزرع، قال الله في الزرع: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١]، وقال أولًا: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَر﴾ [الأنعام:١٤١]، هذا الأمر الأول، والأمر الثاني: «وَآتُوا»، فالأمر الثاني واجب على الوجوب؛ لأنه زكاة، والأمر الأول على الإباحة، فيدل ذلك على أن دلالة الاقتران لا تدل على أن المعطوفات على الواجبات واجبات.\nودليل ذلك من السنة أيضًا: قول النبي ﷺ: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يكون معه سواك، وأن يمس من طيب أهله)، وغسل الجمعة كما بينا فقهيًا أنه على خلاف بين أهل العلم، فقد من يقول بالوجوب سيقول: غسل الجمعة واجب على كل محتلم، فهو واجب وعطفنا عليه مس الطيب، ومس الطيب مستحب، والسواك كذلك مستحب، فاقترن مس الطيب واقترن السواك بغسل يوم الجمعة، وغسل يوم الجمعة واجب عند من يقول بوجوب غسل يوم الجمعة، ومس الطيب والسواك على الاستحباب، هذا يدل دلالة واضحة على أن دلالة الاقتران ضعيفة.\nومن الأمثلة على دلالة الاقتران: (أمرنا الرسول ﷺ ألا ننزع خفافنا من بول أو غائط أو نوم إلا من جنابة)، إذًا: قرن البول والغائط بالنوم، فاستدل به من يقول: بأن النوم على الإطلاق ناقض للوضوء، بدلالة اقترانه ببول وغائط، والبول ينقض الوضوء، والغائط ينقض الوضوء، والنوم مقترن بما ينقض، فدلالة الاقتران هنا: أن النوم ناقض، وهذا عند من يقول: بأن النوم على الإطلاق ينقض، والصحيح الراجح: أن النوم على الإطلاق لا ينقض كما فصلناه فقهيًا، إما انفرادًا أو جماعات.\nفالنوم فيه أقوال كثيرة لأهل العلم، ففي قوله: النوم بالإطلاق ينقض، والنوم بإطلاق لا ينقض، ثم التفصيل، والصحيح: هذا التفريق الذي فرقه الشافعية، وهو: أنه إذا نام وهو ممكن مقعدته لا ينتقض وضوؤه؛ لحديث أنس في الصحيح: (كان صحابة الرسول ﷺ تخفق رءوسهم من النوم فيخرج عليهم في العشاء الآخرة فيصلون ولا يتوضئون).\nوإن أشكل ابن عبد البر على ذلك بأن رجلًا كان جالسًا ممكن المقعدة، وبجانبه آخر فأخرج ريحًا، فقال له: إني أسمع منك هذا الريح، قال: لم أخرج ريحًا، فيقول: هو لا يستشعر، وفي حديث النبي ﷺ: (العين وكاء السه)، أي: لابد أن يتوضأ، لكن الصحيح الراجح: لحديث أنس أن هذا فصل في النزاع: (كان صحابة رسول الله ﷺ ينامون فتخفق رءوسهم من النوم فيخرج عليهم في العشاء الآخرة، فيصلون ولا يتوضئون)، فخفض الرأس هذا لا يكون إلا من الجلوس، ففيها تمكين المقعدة، وهذا هو الراجح.","vol":"2","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>مسألة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب</span>\nهذه مسألة أخرى تتعلق بالأمر، وتدخل تحت قاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد، وهي مسألة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهي مسألة مهمة جدًا، وهناك فرق بين ما لا يتم الوجوب إلا به فهو ليس بواجب، وبين ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أي: شيء واجب عليك لا يمكن أن تصل إليه إلا بأمر آخر، فالأمر الآخر الذي سيوصلك إلى الواجب أيضًا واجب، مثال ذلك: رجل يجب عليه في الصلاة ستر العورة ومعه مال وليس عنده ثياب، فيجب عليه شراء الثوب، فالأصل في شراء الثوب أنه ليس بواجب، لكن يجب هنا لغيره؛ ليستر عورته من أجل الصلاة.\nأيضًا: رجل كان يصلي مأمومًا، فلما سلم الإمام أصبح حكمه منفردًا، وهو بعيد عن السترة، ونحن نقول: بوجوب السترة، وقد بينت ذلك بالأدلة القاطعة الدالة على وجوب السترة، وأرد على من يقول بالاستحباب، وإن كان هذا قول الجمهور، فإذا قام المأموم بعد سلام إمامه فهو منفرد، فإن كان بعيدًا عن الاسطوانة يجب عليه أن يمشي، فالمشي في حقه هو أقل من ثلاث خطوات، أو ثلاث خطوات فقط، فالمشي في حقه إلى الاسطوانة، أي: إلى السترة واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nأما ما لا يتم الوجوب إلا به فهو ليس بواجب، مثل: وجوب إخراج الزكاة، لابد له من أن يتوافر شرطان: الشرط الأول: النصاب، والشرط الثاني: لا يجب على كل امرئ أن يذهب ليعمل ليل نهار، حتى يكتمل النصاب، إذًا: ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، أي: ليس بواجب عليه أن يحصل أموالًا كثيرة ويسندها حتى تبلغ النصاب، هذا الفارق بين ما لا يتم الوجوب إلا به فهو ليس بواجب، وبين ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nأيضًا: رجل رأى ماء، ومعه مال ويريد أن يتوضأ، ولا يجد حتى التراب الذي يتيمم به، فيقول له: وجب عليك أن تشتري الماء بمالك هذا حتى تتوضأ للصلاة، فإنه لا يمكن أن تكون صلاتك صحيحة إلا بالوضوء، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فيجب عليه أن يشتري الماء حتى يتوضأ به، وهذا على خلاف فقهي عريض، فإن كان أصلًا سيبيع الماء بسعر مثله أو بأغلى من سعر مثله، فبعضهم يقول: لا يجب عليه شراء الماء، لكن هذا محل القصد الذي نريده في هذا الباب.","vol":"2","page":14},{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-31> النهي</span>\nيُعدُّ النهي من المباحث الأصولية الهامة، لما له من أثر في معرفة المنهيات التي نهى عنها الشارع الحكيم، ولذلك أفرده بعض العلماء بالبحث والدراسة والتأليف، وعلى القول الراجح من آراء العلماء أنه يقتضي الفساد، وهو على الدوام والفور بأصل وضعه.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>تعريف النهي</span>\nإن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: النهي لغة: ضد الأمر، وهو الكف عن شيء معين.\nواصطلاحًا هو: طلب الكف على جهة الإلزام على وجه الاستعلاء، أي: من الأعلى للأدنى.\nمثاله: قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١]، فقوله: (لا تقتلوا) نهي، أي: يحرم عليكم قتل أولادكم.\nوقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢].\nوقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠].\nوإن كان النهي من الأدنى للأعلى فيكون رجاء ودعاء.\nمثل: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>صيغ النهي</span>\nللنهي صيغ تدل عليه منها: أولًا: الفعل المضارع المقرون بلا الناهية، ويسمى إنشاء، أما إذا قرن بلا النافية فيسمى خبرًا، كقول الله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ﴾ [البقرة:١٩٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الذاريات:٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام:١٥٢]، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنعام:١٥٠]، وكل ذلك تحريم.\nوهل هذا خاص بالنبي ﷺ أم هو عام لجميع الأمة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أنه عام لجميع الأمة، فهو خطاب للنبي ﷺ يعم كل الأمة.\nثانيًا: اسم الفعل بمعنى النهي، كقول المعلم للطالب: (صه) بمعنى: اسكت، و(مه) بمعنى: لا تفعل.\nثالثًا: التصريح بالنهي، كقول الراوي في غزوة خيبر عندما صرخ الصارخ فيهم: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [النحل:٩٠] أي: يحرم فعل الفاحشة، ويحرم كل منكر.\nوقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] إلى آخر الآية، فالتحريم هنا بمعنى النهي.\nرابعًا: النهي بمعنى الأمر، فيكون ظاهره الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام:١٢٠] فـ (ذروا) معناه: اتركوا ظاهر الإثم وباطن الإثم، وإن كان أمرًا في ظاهره، لكنه يتضمن معنى النهي، والقاعدة عند العلماء: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده على تفصيل بينهما، أي: ليس نهيًا عن كل الأضداد، وهذا التفصيل ليس هنا محله.\nخامسًا: التصريح بالاجتناب، كقول الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢]، وكقول النبي ﷺ: (اجتنبوا السبع الموبقات) أي: أحرم عليكم فعل هذه السبع؛ لأنها من المهلكات، وقول الصحابي: (نهى النبي ﷺ عن المزابنة والمحاقلة، ونهى عن المتعة).","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>مسائل تتعلق بالنهي</span>","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>الأصل في النهي التحريم وأدلة ذلك</span>\nمن المسائل التي تتعلق بالنهي: أن الأصل في النهي التحريم، إلا أن تأتي قرينة تصرفه من التحريم إلى الكراهة.\nفإذا جاءتك آية أو حديثًا بصيغة: (لا تفعل)، فمعنى ذلك: أن هذا الفعل محرم، ومعنى المحرم: ما يثاب تاركه ويعاقب فاعله، وهذا هو القول السديد، حتى أن بعض العلماء يقول: إن النهي إذا كان عن الآداب فيصرف إلى الكراهة.\nوإذا نظرت إلى أول من أصل الأصول، وهو الإمام: الشافعي فقد نقل عنه السبكي وغيره أنه يرى: أن الأصل في النهي التحريم.\nودليل ذلك: حديث النبي ﷺ: (أنه نهى عن القران بين تمرتين) قال الشافعي: وهذا على التحريم.\nوكذلك: (نهى النبي ﷺ عن اشتمال الصماء) قال الشافعي: وهذا أيضًا يدل على التحريم، ففي هذا دلالة على أن الشافعي يرى أن الأصل عنده في النهي أنه على التحريم، وهذا هو الصحيح والراجح والقول السديد.\nودليل ذلك من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، فإذا قال: لا تلبس الخاتم من الحديد، وجب عليك أن تنتهي، وتحرم ذلك على نفسك، وهذا هو الذي جعل الصحابي الكريم يفعل ذلك انقيادًا واستسلامًا لنهي النبي ﷺ، وذلك عندما قال النبي ﷺ: (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في أصبعه، فأخذه من يده ثم ألقاه في الأرض) فقال له الناس: خذه وانتفع به -كالبيع ونحوه- فقال: والله لا ألتقط شيئًا ألقاه رسول الله ﷺ، وفي رواية: أنه كان معه عصا فضربه بهذه العصا، وقال: (يعمد أحدكم أن يضع جمرة من النار في أصبعه).\nوأيضًا من الأدلة على أن الأصل في النهي التحريم: ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة وغيره أن النبي ﷺ قال: (ما أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا)، انتهوا دون أدنى نظر ولا انتظار لأدلة، فهذا يقتضي وجوب الانتهاء عن الفعل الذي نهى عنه النبي ﷺ.\nكذلك من الأدلة على أن الأصل في النهي التحريم: ما ثبت من فعل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ففي غزوة خيبر لما نفد الطعام واشتد الجوع بهم، أخذوا الحمر الأهلية فذبحوها، وغلت القدور بالحمر الأهلية، فجاء الصارخ فقال: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية) فأكفئوا القدور بما فيها، مع أن حاجة الناس إلى هذا الطعام شديدة، ولو كان هذا النهي على الكراهة لأكل الناس من هذا الطعام، فدل ذلك على أن الأصل في النهي التحريم.\nوأيضًا: ما جاء في الصحيح من حديث أنس قال: دخلت على سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه ومعه صحبة من الأنصار، قال: فدخلت والكئوس تدور على الرءوس -أي: يشربون الخمر- فقرأت عليهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ﴾ [المائدة:٩٠] إلى أن قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] فكسروا هذه الكئوس وأكفئوا ما فيها، وقالوا: انتهينا يا ربنا! انتهينا يا ربنا! انقيادًا لأمر الله جل وعلا، وتحريمًا لما حرمه الله ورسوله.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>اختلاف العلماء في كون مطلق النهي يقتضي الفساد أم لا</span>\nمن المسائل التي تتعلق بالنهي: هل مطلق النهي يقتضي الفساد أم لا؟ ومعنى مطلق النهي يقتضي الفساد: أن العبادة إذا فُعلَتْ على غير وفق ما أمر به النبي ﷺ، أو جاءت على نهي، أو شيء حرمه النبي ﷺ، فالعبادة باطلة ولا يعتد بها، وإن كان ذلك في المعاملات فالعقد يكون باطلًا، ولا يملك المشتري السلعة، ولا يملك البائع الثمن، وللعلماء في المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: أن مطلق النهي يقتضي الفساد، ودليلهم في ذلك قول النبي ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وقوله: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد) أي: باطل، وهذا على العموم، وهو ما رجحه القاضي أبو يعلى من الحنابلة وجمهرة من علماء الحنابلة، وهو قول أهل الظاهر.\nالقول الثاني: أن مطلق النهي لا يقتضي الفساد.\nالقول الثالث: التفصيل، وهو القول الصحيح الذي عليه جمهرة من أهل العلم من الشافعية والحنابلة وغيرهم، والتفصيل هو: أن المنهي عنه أنواع: منهي عن ذات الشيء، ومنهي عن وصف لازم لذات الشيء أو شرط فيه، ومنهي عن أمر خارج عنه.\nوبالمثال يتضح المقال: فالنهي عن ذات الشيء مثل: النهي عن شرب الخمر، والنهي عن أكل لحوم الخنازير، والنهي عن مهر البغي -وهو: الأجرة التي تأخذها الزانية- والنهي عن ثمن الكلب، والنهي عن ثمن الدم، فكل ذلك منهي عنه لذات الشيء.\nوأما المنهي عنه لوصف لازم للذات، مثال ذلك: الذهب بالذهب مع التفاضل، أو مع الجهل بالمساواة، هل هو نهي عن ذات الذهب أم لا؟ لا، ليس نهيًا عن ذات الذهب، وإنما هو نهي عن وصف لازم وهي: الزيادة؛ لأن النبي ﷺ قال: (الذهب بالذهب ربا إلا يدًا بيد، سواء بسواء، مثلًا بمثل، هاء بهاء).\nمثال آخر: بيع العنب لمن يعصره خمرًا، هذا نهي عن وصف لازم للذات، وكذلك النهي عن الصلاة بدون وضوء، فهذا نهي عن ترك شرط ملازم للذات، والنهي عن الصلاة مع عدم استقبال القبلة، قال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] أي: شطر المسجد الحرام.\nوأما مسألة النهي عن شيء خارج عنه، مثل: الوضوء بالماء المغصوب، فهو نهي عن الغصب، وضابط هذا: أن يكون المنهي عنه داخل الشيء وخارج الشيء، فمثلًا: الصلاة بالماء المغصوب، هل النهي هنا عن الغصب مختص بالوضوء، أو مختص بالصلاة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أن هذا النهي في خارج الصلاة وداخلها، وكذلك النهي عن لبس الحرير داخل الصلاة وخارجها، فهذا ضابط يبين لنا أن هذا من المنهيات، الذي هو المنهي عنه لوصف لازم وليس للذات، فهو لأمر خارج عن الذات فلا يقتضي الفساد.\nفالأول والثاني حكمهما أنهما: يقتضيان الفساد، فمن فعل المنهي عنه لوصف لازم للذات فيقتضي الفساد؛ لقول النبي ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: باطل، ومن باب أولى إن كان ارتكب ما نهي عنه لذاته أيضًا يقتضي البطلان ويقتضي الفساد، أما الذي لا يقتضي البطلان ولا الفساد إذا كان المنهي عنه داخل الشيء وخارجه، مثال ذلك: الصلاة في الأرض المغصوبة، هل هذا النهي في الصلاة وخارجها؟ وهل تبطل الصلاة في الأرض المغصوبة؟ ننظر في شروط الصلاة، هل هي متوفرة أم لا؟ وكذلك في أركانها، فنجد أنه أتى بالشروط والأركان على تمامها، فالصلاة إذًا صحيحة مع الإثم؛ لأنه صلى في أرض غصبها، والإثم منفك عن الصلاة، فهنا الجهة منفكة، فإذا كانت الجهة منفكة فيصح العمل مع الإثم، فإذا صلى في الأرض المغصوبة فصلاته صحيحة، لكن يشكل علينا عموم حديث النبي ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: باطل، وقوله: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد) أي: باطل، فالرد على هذا الإشكال أن نقول: هو صلى صلاة عليها أمرنا -بشروط وأركان صحيحة- فهذا العمل صحيح، وقد صلى على أرض مغصوبة ليست عليها أمرنا، فيأثم بذلك والجهة منفكة، فتكون الصلاة صحيحة؛ لأنها على ما أمر به الله ورسوله، ويكون الغصب غير صحيح، أي: أنه لا يمتلك هذه الأرض بالغصب؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، وهو عمل ليس عليه أمرنا، وكذلك الأمر في من غصب ماءً، أو سرق ماءً فتوضأ به وصلى، هل صلاته صحيحة أم باطله؟ نقول: الصحيح والراجح على خلاف بين العلماء: أن الصلاة صحيحة، ونحن هنا إنما نتكلم على الوضوء والصلاة لا على السرقة، فالنهي عام، سواء داخل الصلاة أو خارجها، سواء توضأ بهذا الماء أم بغيره، فإن كان النهي عن خارج أو داخل فالجهة منفكة، فنقول: الوضوء صحيح والصلاة صحيحة، لكنه بسرقة الماء يأثم، فتكون الصلاة صحيحة مع الإثم، هذا معنى هذه المسألة: هل مطلق النهي يقتضي الفساد أم لا؟ ونذكر بعض الأمثلة حتى تتضح هذه المسألة: مثال: نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر، هل هذا النهي لذاته، أم لوصف لازم للذات، أم نهي عن شيء خارج عنه؟ الصحيح: أن النهي هنا لوصف لازم للذات، فهو ليس نهيًا عن ذات الشيء، إذ ممكن أن يبيع بيعًا صحيحًا، لكن قد يغرر بالمشتري بجهالة ثمن، أو كيل، أو وزن.\nمثال آخر: رجل لبس خاتمًا من ذهب، ثم صلى صلاة العصر، فهل صلاته باطلة أم صحيحة؟ الصلاة صحيحة، وهو آثم بلبسه خاتم الذهب.\nمثال آخر: صوم يوم العيدين، الأصل أن الصوم ليس منهيًا عنه، ولكنه نهي عنه لذاته، وعلى ذلك يكون نهيًا عن الصوم نفسه؛ لأن النهي فيه صريح، فينهى عن ذات صوم يوم العيدين.\nمثال آخر: بيع حبل الحبل، أو بيع الحمل، فلو أن رجلًا اشترى ما في بطن البقرة، ولم يشترها هي، لم يجز ذلك؛ لوجود نهي عن وصف لازم للذات، وهو جهالة وغرر، وهذا هو الصحيح.\nمثال آخر: بيع النجش، وهو: أن يزيد في ثمن السلعة لا ليشتريها وإنما ليغرر بالآخر حتى يشتريها بثمن مرتفع، فيكون نهيًا خارجًا عن الذات.\nومثله الغش، فإن النبي ﷺ قال: (من غشنا فليس منا) لكن لو تم البيع بغش، وتوفرت الأركان والشروط فالبيع صحيح، والنهي هنا خارج عن الذات فيصح البيع، لكن مع وجود الضرر في هذا البيع، فالإثم لا يرفع إلا بالتسامح.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>دلالة النهي</span>\nالأصل في النهي التحريم حتى تأتي قرينة تصرفه إلى الكراهة.\nمثلًا: الشرب قائمًا، ورد النهي عنه، لكن صرف هذا التحريم إلى الكراهة؛ لفعل النبي ﷺ.\nوبعض العلماء يمثل لذلك بقول النبي ﷺ: (لا يمس أحدكم ذكره بيمينه) فالأصل في النهي التحريم.\nوأجيب بأنه: للكراهة، لقول النبي ﷺ: (إنما هو بضعة منك).\nوالصحيح الراجح: أن هذا القول يحتاج إلى دليل؛ لأن قوله: (إنما هو بضعة منك) يمكن أن نقيده باليسار، وعلى ذلك لا يكون على العموم، إلا أن يأتينا أحد بنص صريح عن النبي ﷺ كما ورد في\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أيتوضأ أحدنا من مس ذكره؟ وهذه الرواية الصحيحة: (من مس ذكره فليتوضأ) ليس فيها زيادة يمين، فمن أتانا بهذه اللفظة، وكانت صحيحة عن النبي ﷺ قلنا هي صارفة، ولكن نبقي النهي هنا للتحريم، فمن مس ذكره بيمينه فهذا محرم.\nوأيضًا: ممكن أن يأتي النهي للإرشاد لا للكراهة، كقول النبي ﷺ لـ معاذ: (يا معاذ! إني أحبك - وقال:- لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)؛ فهذا النهي: (لا تدعن) للإرشاد وليس للتحريم أو الكراهة، فهو يرشده للخير، ويحثه على أن يقول دبر كل صلاة: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>النهي المطلق للفور والدوام</span>\nمن المسائل المتعلقة بباب النهي: أن النهي يقتضي التكرار، فيجب على من علم بنهي النبي ﷺ أن ينتهي عنه طيلة حياته وعلى الدوام، ولذلك قال القاضي القرافي قلت: للشيخ العز سلطان العلماء إن لم يقتض النهي التكرار ما وجد عاصيًا في هذه الدنيا.\nوالصحيح والراجح في ذلك: أن الله جل وعلا إذا قال: (انتهوا)، فالانتهاء يكون إلى يوم القيامة، إلا إذا عُلِّق بوصف معين فالحكم يدور مع علته حيث دار، وممكن أن يخرج النهي المعلق بوصف أو بعلة.\nفمثلًا: النهي عن الصيام ليلًا -الوصال- على قول من رجح بحرمة الوصال، فأنه يحرم الصيام من الليل إلى الفجر.\nومن الأمثلة التي خرج بها النهي عن التحريم إلى الكراهة أو الإرشاد أو التحقير: نهى النبي ﷺ عن أن ينتعل الرجل وهو قائم، قال بعض العلماء: هذا النهي للكراهة، وهذا قول الجمهور، لكن نقول: إن الأصل في النهي التحريم وائتونا بالدليل والقرينة التي صرفت النهي إلى الكراهة، لكن ممكن أن تكون القرينة: خشية أن ينكب على وجهه، وإن تمكَّن فله أن يفعل، والله تعالى أعلم.\nوالقاعدة التي قعَّدها جمهور الفقهاء: أن النهي أو الأمر إذا كان من الآداب فيصرف الأمر إلى الاستحباب، ويصرف النهي إلى الكراهة، وهذه مسألة تحتاج إلى دليل حتى تنضبط به المسألة.\nويخرج أيضًا النهي من التحريم إلى الإرشاد، كقول الله تعالى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١]، وقوله ﷺ: (لا تحقرن من المعروف شيئًا)، وكقوله ﷺ: (لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).\nوأيضًا قول النبي ﷺ: (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا).\nويخرج النهي عن التحريم أيضًا إلى الدعاء؛ لأنه يكون من الأدنى للأعلى، كقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران:٨].\nويخرج أيضًا من التحريم إلى التحقير، كقول الله تعالى مرشدًا لأهل الصلاح: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه:١٣١]، يحقر زينة الدنيا.\nوأيضًا يخرج النهي عن التحريم إلى بيان العاقبة، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢]، فالله جل وعلا لا يغفل عما يفعل الظالمون، وسيرجعون إليه ثم يحاسبهم على ما فعلوا.\nويخرج أيضًا النهي إلى التيئيس، كقول الله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] فهو ييئسهم من أن هذا العذر غير مقبول في الدنيا، ومن باب أولى في الآخرة.","vol":"3","page":8},{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-39> الندب والمحرم</span>\nالندب من الأحكام التكليفية الخمسة، وهو: ما أمر به الشرع أمرًا غير جازم، وللندب أحكام عدة بحثها العلماء، منها: حكمه في الشريعة، والفرق بينه وبين الواجب، ومراتبه وأسماؤه، وحكم المواظبة على تركه، وغيرها من المسائل والأحكام المتعلقة بالندب.\nوأما المحرم فهو: ما نهى الشرع عنه نهيًا جازمًا، وهو أيضًا من الأحكام التكليفية الشرعية، وله أحكام ذكرها العلماء، منها: حكمه في الشريعة، وأقسامه باعتبارات عدة، وغير ذلك من الأحكام المتعلقة به.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>الكلام على المندوب</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: فقد جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر).\nفليس هناك علم شرفه الله تعالى ومدح أصحابه إلا علم الشرع، فهو سمو لأهل العلم ولطلبة العلم، فمرحبًا بوصية رسول الله ﷺ.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>تعريف المندوب</span>\nالندب لغة: الدعاء إلى الفعل، والمندوب: هو المدعو إليه.\nوفي الاصطلاح: طلب الفعل لا على وجه اللزوم، على جهة الاستعلاء.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>الفرق بين المندوب والواجب</span>\nوالفرق بينه وبين الواجب: أن الواجب هو: طلب الفعل على وجه اللزوم، على جهة الاستعلاء، وأما بالنسبة للندب فهو: طلب الفعل لا على وجه اللزوم، فأي خطاب سيأتينا في المندوب فهو أمر وطلب، والأصل في صيغة الأمر أنها على الوجوب، لكن قد تأتي قرينة تصرفها من الوجوب إلى الاستحباب.\nإذًا: فهو طلب الفعل لا على وجه اللزوم، بقرينة تبين لنا أن الشرع مثلًا قد خيرك أن تصلي ركعتين بين كل أذانين أو لا تصل.\nوكذلك: إذا دخلت المسجد فلك أن تجلس دون أن تصلي أو تصلي ركعتين ثم تجلس، وهذا عند من يقول بسنية تحية المسجد.\nوقولنا: (على جهة الاستعلاء)، أي: أن الأمر جاء من الأعلى إلى الأدنى، والأعلى هو الرب جل وعلا، والأدنى هو العبد.\nوقد ذكرنا أن الطلب ثلاثة أنواع: من الأعلى للأدنى، ومن الأدنى للأعلى، ومن القرين إلى قرينه، وشرحناها سابقًا.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>حكم المندوب</span>\nحكمه: يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، أي: أن من ترك السنن فلا يعاقب، ويتفرع عليه أنه لا إنكار على ترك السنن.\nفمثلًا: لو لقيت رجلًا أتى إلى صلاة الظهر، فجلس ولم يصل السنن حتى يقيم المؤذن الصلاة فيصلي الفرض ولا يصلي بعده السنة، فلا تنكر عليه.\nوإن وجدت رجلًا مثلًا لا يمشي بغطاء الرأس أو الغترة أو العمامة -وهذا له بابه في التأصيل الفقهي- ويقول: إنها سنة، فلا يجوز لك أن تنكر عليه، وإنما فيها المناصحة.\nوأصل هذه المسألة قوله ﷺ كما في الصحيحين عندما جاءه الأعرابي فقال: (هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، ثم سأله عن الصدقة فبين له الزكاة، ثم قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، إلى أن قال: هل علي غيرها في الحج وفي غيره، قال: إلا أن تطوع، فقال النبي ﷺبعد أن قال: والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص- أفلح وأبيه إن صدق) وفي رواية: (دخل الجنة إن صدق).\nفهذا الحديث يدل على أن المندوب لا يعاقب تاركه.\nوالدليل على أن المندوب مأمور به شرعًا قول الله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج:٧٧]، فقوله: (وافعلوا): فعل أمر يقتضي الوجوب.\n(فالخير) اسم جنس معرف بالألف واللام فيفيد العموم، أي: كل الخير سواء كان واجبًا أو كان مستحبًا.","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>أمثلة للمندوب</span>\nوللمندوب أمثلة كثيرة نذكر منها ما يعضد ما نحن فيه: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].\nقوله: (فاكتبوه): فعل أمر يقتضي الوجوب ما لم تأت قرينة تصرفه عن الوجوب إلى الاستحباب، لكن جاءتنا قرينة صرفت هذا الوجوب إلى الاستحباب، وهي: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة:٢٨٣] فلم يذكر الكتابة للقرض، ومفهوم المخالفة في الآية الأخيرة أنه إذا لم يأمن بعضكم بعضًا فلابد من الكتابة، فتكون واجبة عند عدم الأمن، وإذا أمن بعضكم بعضًا فالكتابة مستحبة.\nوأيضًا: يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠] والانتشار في الأرض مستحب وليس بواجب، وهذا بالاتفاق، وهذا يرجع إلى قاعدة: الأمر بعد الحظر هل هو على الإباحة أم لا؟ وهذا مبحثه في مبحث الأمر، لكن المتفق عليه أن الانتشار في الأرض ليس واجبًا، فلو أن رجلًا بعدما صلى الجمعة جلس في بيته ولم ينتشر، فلا نقول له: أنت آثم؛ لأنك لم تنتشر في الأرض! لا؛ لوجود قرينة وهي الإجماع على أن الانتشار ليس واجبًا.\nوأيضًا: قول النبي ﷺ: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا)، فـ (بالغ) فعل أمر، والأمر على الوجوب، لكن جاءتنا قرينة تصرف هذا الأمر إلى الاستحباب، وهي ذكر الصوم، قال النبي ﷺ: (بالغ في الاستنشاق ما لم تكن صائمًا)، وهذا يدل أنه على الاستحباب، وقد يقول بعضهم: هو واجب على غير الصائم، ولا يجب على الصائم.\nفنقول: إن القرينة الصارفة عن الوجوب مطلقًا قول النبي ﷺ: (توضأ كما أمرك الله)، وأمر الله هو قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦].\nفذكر أربعة فروض ولم يذكر غيرها، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فالنبي ﷺ لم يعلم هذا الرجل الذي قال له: (توضأ كما أمرك الله) أن الاستنشاق واجب، بل أحاله على الآية، ولو كان واجبًا لذكره له؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلما لم يفعل ذلك دل على أنه مستحب.\nوأيضًا: قول النبي ﷺ في الصحيحين: (صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب)، والأمر يدل على الوجوب إلا أن تأتي قرينة تصرفه إلى الاستحباب، والصارف هنا قوله في آخر الحديث: (لمن شاء) فـ (لمن شاء) هنا للتخيير، وطالما خيره فهو مستحب.\nوأيضًا: قول الله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣]، فالعبد هو الذي أخذ في جهاد المسلمين مع الكفار، فأخذوه أسيرًا فصار عبدًا، فإذا أسلم فإن الله جل وعلا حث وأمر أن تكاتب هذا العبد، والمكاتَب هو يكتب على نفسه بالنجوم، فمثلًا يعتق إذا دفع ألف دولار، فيعطى ألف دولار منجمة، أي: في كل شهر قسطًا، فيسقط عليه المبلغ.\nفهذا الأمر على الأصل هو للوجوب، وهو مصروف بالقرينة إلى الاستحباب، والقرينة في ذلك: كل مالك أنت حر التصرف فيه بالضوابط الشرعية، والشارع متشوف للعتق؛ ولذلك حث عليه وندب إليه.\nوأيضًا: قول الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] فالأكل هنا ليس على الوجوب بالاتفاق، لكنه مستحب أن يأكل من ثمره، وهذا له حكم بليغة، فهو عندما يأكل من هذا الطعام فإنه يحمد الله جل وعلا، ويرى نعمة الله عليه، وينفق منه على القريب.","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>أسماء المندوب ومراتبه</span>\nالمندوب في لسان الفقهاء يسمى مندوبًا ويسمى مستحبًا، والسنن بينها تفاوت، فأعلاها منزلةً السنن الرواتب، وهي: التي واظب عليها رسول الله ﷺ، وأعلاها منزلةً الوتر وسنة الفجر.\nوقد اختلف العلماء كما بين ذلك ابن رشد في (بداية المجتهد) أيهما أفضل الوتر أم سنة الفجر؟ على قولين، والراجح الصحيح أن كلا العبادتين يستحب المواظبة عليهما، فـ عائشة ﵂ وأرضاها قالت: (ما ترك النبي النبي ﷺ الوتر وركعتي الفجر لا سفرًا ولا حضرًا)، والسنن الرواتب جاء فيها حديث أم سلمة أن النبي صلى قال: (من صلى لله ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة بنى الله له قصرًا في الجنة: ركعتان قبل الغداة، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء)، والصحيح أن الأجر المذكور في الحديث لا يكون إلا بالمداومة عليها؛ فلو صلاها الرجل مرة ثم تركها مرة ثم صلاها مرة أخرى فليس له هذا الثواب، فالثواب على الديمومة عليها.","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>حكم المواظبة على ترك المندوب</span>\nالذي يواظب على ترك المندوب في لغة الفقهاء يفسق، قال أحمد: من واظب على ترك الوتر ترد شهادته، وتسقط عدالته.\nفالذي يواظب على ترك السنن قد يصل إلى الفسق، ويعلل الفقهاء ذلك أنه ذريعة إلى ترك الواجبات والفرائض، وهذا الرجل الذي قال: (لا أزيد على ذلك ولا أنقص) جاء الوحي من السماء فقال النبي ﷺ: (أفلح إن صدق).\nوأيضًا: إذا اجتمع جماعة فتركوا شعيرة أو سنة عمدًا فإنهم يقاتلون عليها، مثل: الأذان سنة على قول الجمهور، وإلا فإن الراجح فقهيًا أنه واجب؛ لكن على قول الجمهور أنه سنة، فلو اجتمع جماعة فلم يؤذنوا وجب قتالهم على ذلك؛ لأنهم تركوا شعيرة من شعائر الإسلام، وكان النبي ﷺ إذا مر على قوم لا يغير عليهم كي يسمع الأذان، فإذا سمع الأذان كف عنهم وإلا أغار عليهم.","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>الكلام على المحرم</span>","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>تعريف المحرم</span>\nننتقل إلى حكم ثالث من الأحكام التكليفية، وهو المحرم، والمحرم عكس الواجب.\nوالمحرم في لغة الحبشة كما قال ابن عباس معناه: الواجب، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥] أي: وجب على قرية أهلكها الله أنها لا ترجع إلى الدنيا مرة ثانية.\nوفي اصطلاح الفقهاء: هو طلب الكف على وجه اللزوم.\nوالواجب هو: طلب الفعل، والمحرم هو: طلب الكف، أي: لا تعمل، فإذا قال الله جل وعلا: لا تأكل من الشجرة، فيحرم عليك الأكل من الشجرة، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] فهنا طلب الكف على الفعل على جهة اللزوم على وجه الاستعلاء.","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>حكم المحرم</span>\nحكمه: يثاب تاركه ويعاقب فاعله، فالله حرم أكل الميتة، فمن أكل الميتة فهو يستحق العقاب، ومن ترك أكل الميتة فإنه يثاب.\nوحرم الله أكل الخنزير، فمن أكل الخنزير فإنه يستحق العقاب، ومن تركه فإنه يثاب على تركه.\nقال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة:٣] إلى آخر الآية، وقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة:١٧٣]، وقال جل وعلا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣].\nوقد يأتي المحرم بصورة الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠]، وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج:٣٠]، فهذه الصيغ تدل على التحريم.","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>أقسام المحرم</span>\nتنقسم المحرمات إلى قسمين: كبائر، وصغائر.\nقال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، فيستدل بهذه الآية على أن المحرمات كبائر وصغائر.\nوقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢]، فـ (اللمم) هنا مستثناة، إذًا ليست من الكبائر، فتكون من الصغائر.","vol":"4","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>من علامات الكبائر</span>\nوقد ذكر العلماء للكبائر علامات منها: أولًا: ذكر العقوبة الشديدة في الآخرة، كقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠] إذًا: فذكر العقوبة الشديدة في الآخرة تدل على أن أكل أموال اليتامى ظلمًا من الكبائر.\nثانيًا: أن يستحق فاعلها العقوبة في الدنيا، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، فقطع اليد عقوبة في الدنيا تدل على أن هذا الفعل محرم وهو من الكبائر.\nثالثًا: لعن فاعلها، مثل: (لعن النبي ﷺ في الخمر عشرة وذكر منهم: شاربها) إذًا: فشارب الخمر ملعون.\nوأيضًا قول النبي ﷺ: (اتقوا اللعانين: الذي يتبول في طريق الناس وظلهم) فكثير من الناس يأتي إلى شجرة فيتبول أمام الناس، ويفعل محرمات جمة.\nفالمحرم الأول: أنه قد تبول في طريق الناس.\nالثاني: أنه لم يستتر.\nالثالث: أنه لم يستنزه من بوله.","vol":"4","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>أقسام المحرم من حيث الحرمة</span>\nوالمحرم أيضًا ينقسم إلى قسمين: محرم لذاته، ومحرم لغيره.\nالأول: المحرم لذاته، وهو: ما كان نجسًا أو ضارًا، كتحريم أكل الخنزير، فإنه نجس وضار، وأيضًا تحريم أكل الميتة، وتحريم شرب الخمر: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩].\nفالنبي ﷺ نهى عن بيع الدم، فبيع الدم حرام لذاته، إذًا فالعقد فاسد، ولا يمكن أن يترتب عليه آثاره.\nفلو ذهب رجل إلى المستشفى كي تستأجر دمه، فتأخذ منه مثلًا نصف كيلو أو تأخذ منه نصف لتر وتعطيه أجرة على ذلك، فهذا تعاقد بين المستأجر (المستشفى) والأجير، وهذا العقد باطل لا تترتب عليه آثاره، أي: لا ينعقد هذا العقد، فالإنسان يتبرع بالدم إن كان مستطيعًا ولا يجوز له بيعه.\nإذًا: فالمحرم لذاته إذا عقد عليه فالعقد باطل، وإذا أخذه أو عمل به الذي حرم عليه فإنه يأثم على ذلك.\nالثاني: المحرم لغيره لا لذاته، فالمحرم لغيره الأصل فيه الحل والمشروعية، لكن حرم لغيره.\nمثال ذلك: بيع العنب لمن يعتصره خمرًا، ولا يجوز لك أن تبيع العنب لرجل تعلم أنه سيجعله خمرًا.\nفأصل بيع العنب حلال، والأصل في المعاملات الحل؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، فالأصل في البيع الحل، فبيع العنب أصله حلال، لكن حرم لأنه وسيلة إلى المحرم، فالرجل سيأخذه ويعتصره خمرًا.\nوكذلك الأصل في بيع الذهب أنه حلال، لكن لو باعه لرجل يلبسه فهو حرام؛ (لأن النبي ﷺ حرم لبس الذهب والحرير على الرجال).\nإذًا: فهذا لم يحرم لذاته وإنما حرم لغيره، فالمحرم لغيره هو حلال في أصله، لكنه حرم لأنه وسيلة للمحرم.\nوهذا المذهب سأزيده تفصيلًا في مبحث النهي، وهل مطلق النهي يقتضي الفساد إذا كان محرمًا لذاته أو محرمًا لغيره؟","vol":"4","page":14},{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-53> المكروه والمباح</span>\nمن أقسام الأحكام التكليفية: المكروه، وهو ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، والأولى تركه، وقد تأتي صيغه بالتحريم فتصرف إلى الكراهة.\nوأما المباح فيتساوى فيه طرفاه، فلا ثواب ولا عقاب إلا بالنية.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>تعريف المكروه وصيغه</span>\nإن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: المكروه لغة: المبغوض.\nوشرعًا: طلب الكف لا على وجهة اللزوم لكن على جهة الإحسان.\nقوله: (طلب الكف) مثل: لا تشرب قائمًا.\nوقوله: (لا على جهة اللزوم) أي: أنه لا يمنعك من الشرب.\nحكمه: يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله.\nفمن شرب جالسًا له الثواب من الله تعالى، وإن شرب قائمًا فلا يعاقب.\nوصيغه: له صيغتان: الأولى: صيغة مستقلة بذاتها بتصريح (الكراهة).\nالثانية: (صيغة) التحريم المقرونة بقرينة تصرفها إلى الكراهة.\nفمثال الصيغة الأولى: قول النبي في الصحيح: (إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال).\nومثال الصيغة الثانية: النهي عن الشرب قائمًا.","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>أمثلة الكراهة</span>\nالمثال الأول: مر النبي ﷺ برجل يشرب قائمًا، فقال له: (أتريد أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: يشرب معك من هو شر منه: الشيطان)، فهذه الصيغة ليس فيها التصريح بالتحريم، وإنما فيها النهي من النبي ﷺ عن الشرب قائمًا.\nوأوضح من ذلك: (أنه أمر من شرب قائمًا أن يستقيء) ويصرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة: (أن النبي ﷺ شرب من ماء زمزم قائمًا)، فالذين قالوا بالتحريم أولوه بتأويلين: التأويل الأول: أن هذه حالة خاصة بماء زمزم لشرفه، وهذا تأويل ضعيف.\nالتأويل الثاني -وهو وجيه-: أن النبي ﷺ ازدحم عليه الناس، وقال للعباس: (لولا أن تتكالب عليكم الناس لنزحت معكم)، فشرب قائمًا، فهذا التأويل قوي، لكن نقول: عندنا قرينة أقوى من هذه القرينة وهي: (أن النبي ﷺ شرب قائماص من شنٍ معلقة) أي: قربة ماء، فشرب منها النبي ﷺ قائمًا، وهذه قرينة قوية؛ لأن النبي ﷺ يستطيع أن يأخذ القربة ثم يجلس ويشرب بلا عناء، لكن إذا شرب قائمًا فإنه يبين أن هذا النهي الذي صدر منه ليس على التحريم لكنه على الكراهة.\nوفائدته: أن يبين للناس أنه لا إثم على من شرب قائمًا، فلذا النبي ﷺ قد يفعل مكروهًا لا محرمًا ليشرع للناس، ولينقل شرع الله لهم.\nويتفرع على هذا: أن الذي يفعل المكروه لا إنكار عليه، لكن لابد أن يبين له أنه فعل مكروهًا واستهان به، وهو بهذا لا محالة سيقع في الحرام.\nالمثال الثاني: البول قائمًا، قالت عائشة: (ما كان النبي ﷺ يبول إلا كما تبول النساء)، أو قالت: (من قال أن النبي ﷺ بال قائمًا فقد كذب)، وفيه دلالة على أن النبي ﷺ كان لا يبول إلا جالسًا، وقد نهى عن البول قائمًا، وقد جاءتنا القرينة تصرف التحريم إلى الكراهة عند جمهور أهل العلم، وهي كما في الصحيحين: (أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائمًا)، ففعل النبي ﷺ صرف النهي من التحريم إلى الكراهة.\nلكن التحقيق في المسألة فقهيًا: أن من يبول قائمًا يحرم عليه ذلك إلا إذا أمن الرذاذ، فإذا لم يأمن فهو عليه حرام.\nودليل ذلك: أن النبي ﷺ قال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: وأما الآخر فكان لا يستنزه من بوله)، أي: لا يستتر ويأمن من الرذاذ الذي يعود عليه، وهذا تأويل لبعض أهل العلم، وهو تأويل راجح ووجيه.\nفالذي يبول قائمًا ولا يحمي نفسه منه يحرم عليه أن يبول قائمًا، وهذا هو الحاصل في كثير من المراحيض الموجودة في كثير من المساجد؛ فيحرم عليه البول قائمًا في تحقيق هذه المسألة.\nويدل على ذلك: أن النبي ﷺ بال على الكناسة وهي رخوة لا يرتد منها رذاذ.\nالمثال الثالث: قضاء الحاجة مستدبر القبلة أو مستقبلها في المراحيض، أما في الخلاء فقولًا واحدًا أنه يحرم ذلك؛ لحديث: (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن سددوا وقاربوا)، فذهب أبو أيوب ﵁ وأرضاه إلى الشام فوجد مراحيض مستقبلةً القبلة، قال: فكنا نستدير ونستغفر الله.\nالمقصود: أنهم في البنيان اختلفوا؛ فذهب إلى التحريم بعض الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم، لكن التحقيق في المسألة: أن ذلك يجوز إذا وجد في الصحراء ساتر، لحديث ابن عمر: أنه اتخذ من مؤخرة الرحل ساترًا له، ولما سئل عن ذلك قال: إنما ذلك في الصحراء.\nوالراوي أعلم بما روى.\nالمثال الرابع: الأكل من جميع نواحي الطبق؛ لأن النبي قال: (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك)، والأصل أن هذا الأمر ظاهره التحريم، لكن جاء في الحديث عن أنس: (أن النبي ﷺ كان يتتبع الدباء).","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>أقسام الكراهة</span>\nالكراهة كراهتان: كراهة تحريمية، وكراهة تنزيهية.\nفالتحريمية هي: التي ثبتت بدليل ظني، أي: حديث آحاد، مثل: قول رسول الله ﷺ: (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه، ولا يبع أحدكم على بيع أخيه)، فهنا الكراهة كراهة تحريمية، ولا مشاحة في الاصطلاح.\nأقول: من الورع أن يترك الإنسان المكروه، فإذا عرف الإنسان المكروه، وتعلم كيف ينبت أن هذا مكروهًا، فيجب عليه أن يجتنبه؛ لأن من توسع في المباح وقع في المكروه لا محالة، ومن توسع في المكروه وقع في الحرام لا محالة، والنبي ﷺ يقول: (فاتقوا الشبهات).","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>تعريف المباح وأمثلته</span>\nالمباح لغة: المعلن والمأذون فيه.\nواصطلاحًا: ما استوى فعله وتركه.\nحكمه: لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.\nصيغه: رفع الجناح أو الملامة، كقول الله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة:٢٣٥]، وقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١]، فمباح للأعرج أو المريض أو الذي به عاهة أن يتخلف عن الغزو، وأيضًا قال: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة:٢٣٥]، أي: إذا طلق الرجل امرأته الطلقة الأولى، فإنها زوجته كما قال الله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:١]؟ وله أن يراجعها متى شاء، أما التي طلقت طلاقًا بائنًا، وأصبحت بائنة بينونة كبرى وما زالت في العدة، فله أن يعرض، وتكون بالنسبة إليه بمثابة المتوفى عنها زوجها.\nأيضًا: يلحق بها المختلعة؛ فهي لها عدة استبراء الرحم فقط على الراجح من أقوال أهل العلم؛ لأن في الخلع خلاف هل هو طلاق أم ليس بطلاق؟ والراجح أنه ليس بطلاق بل فسخ، والعدة حيضة واحدة، ولذا فله أن يعرض.","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>المباحات تنقلب بالنيات إلى عبادات</span>\nمن فعل المباح بنية يثاب عليه، ولذلك قعد علماء الفقه قاعدة فقهية فقالوا: العادات تنقلب بالنيات إلى عبادات.\nوأصل ذلك قول النبي ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات)، فوجه الشاهد: (إنما الأعمال)، ووجه الدلالة: (الأعمال) جمع، والجمع المعرف بالألف واللام يفيد العموم.\nمثال ذلك: قول الصحابي: إن لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، أي: أنه ينام حتى يقيم الليل.\nأيضًا: الثوري كان يأكل كثيرًا، فلما عاتبوه على ذلك، قال: إني أستعين بذلك على الجهاد.\nفإن كنت تأكل كثيرًا فاحتسب أنك تقوي جسدك للجهاد في سيبل الله؛ فمن يأكل كثيرًا له أن يحتسب ذلك؛ فيتلذذ بالطعام ويحتسب أن ذلك تقوية له على الطاعة.\nوممكن لمن يلعب الكرة أن يحتسب أنها تقوية للبدن، فعندما تحتسب ذلك فلك الأجر، لكن كلها لا ترتقي لأن تكون كذكر الله وتسبيحه وتحميده.","vol":"5","page":6},{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-59> السبب والشرط والمانع والصحة والبطلان</span>\nلكل حكم شرعي سبب لا بد من وجوده ليوجد الحكم، وشرط بعدمه يعدم الحكم، وإذا وجد مانع للحكم امتنع، وكل هذا يسمى صحة إن سلم من المعارض ووافق الشرع، ويبطل إن وجد المعارض، سواء كان ذلك في العبادات أو المعاملات.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>تعريف السبب</span>\nإن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: الوضع هو: أن تجعل شيئًا علامة وأمارة لشيء.\nالسبب من الأحكام الوضعية.\nالسبب لغة هو: ما يتوصل به المرء إلى مقصود ما، قال الله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥].\nوفي الاصطلاح: ما يجعله الشارع علامة لحكم شرعي وجودًا وعدمًا.\nفيوجد الحكم الشرعي بوجود هذه الأمارة، وينتفي الحكم الشرعي بانتقاء هذه الأمارة، فمثلًا: الحكم الشرعي لمن زنا بعدما أحصن أنه يرجم، فجعل الشارع الزنا مع الإحصان علامة على حكم شرعي، وهو: الرجم حتى الموت؛ فمن زنا بعد أن أحصن فقد أتى بسبب حكم شرعي، وهو: أن يرجم حتى الموت.\n(وجودًا): أي: إذا وجد الزنا وجد الحكم، وهو: الرجم حتى الموت.\n(وعدمًا): أي: إذا لم يزن المحصن لم يرجم حتى الموت.\nمثال ذلك أيضًا: زوال الشمس عن كبد السماء علامة على صلاة الظهر، ووجود مثلي الظل علامة على صلاة العصر، وهكذا.\nأيضًا: حلول شهر رمضان علامة على حكم شرعي، وهو: صيام هذا الشهر.","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>علاقة السبب بالعلة</span>\nمن المباحث التي تتعلق بالسبب: العلة، فدائمًا يقولون هذا الحكم علته كذا.\nوالسبب والعلة بينهما عموم وخصوص، فالسبب أعم من العلة، وهما يتفقان عند معرفة المناسبة للحكم الشرعي، فيطلق على السبب العلة، كرجل شرب الخمر، يقام عليه الحد أربعون جلدة، وهناك مناسبة للحكم وهي: زوال العقل، فالإسكار سبب لتحريم الخمر، أو أن الإسكار علة لتحريم الخمر؛ لأن الشرع جاء بحفظ العقل الذي يحفظ المال والعرض، فإذا وجد ما يفسد ما جاء الشرع بحفظه فهو محرم.\nإذًا: الحكمة من تحريم الخمر هي حفظ العقل، والمناسبة في تحريم الخمر: أنه يذهب العقل، والحكمة من التحريم يسمى: علة أو سببًا.\nإذًا: هما يتفقان في معرفة المناسبة للحكم.\nمثاله: رجل بكر زنى بامرأة ثيب؛ فالحكم أن الرجل عليه مائة جلدة وتغريب عام، والمرأة ترجم حتى الموت، والحكمة من ذلك: أن الشرع جاء ليحفظ العرض؛ لأن المحصن عندما يرى أن الزاني المحصن يرجم حتى الموت سيرتدع.\nوينفرد السبب عندما لا نعلم الحكمة من الحكم الشرعي، مثال ذلك: «(أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء:٧٨]، ما الحكمة من أن الظهر يكون في هذا الوقت أو ذاك؟ فهذا يسمى: سببًا.\nكذلك القصر في السفر؛ فالسفر سبب ليس له علة، وكذلك أباح الله للمسافر أن يفطر، والعلة قول الله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥].","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>تعريف الشرط وأمثلته</span>\nالشرط في اللغة: العلامة اللازمة، أي: لا تنفك عن الإنسان.\nواصطلاحًا: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود.\nوالشرط خارج عن الشيء وليس في ماهية الشيء.\nمثاله: الوضوء شرط من شروط الصلاة؛ فمن لم يتوضأ فصلاته باطلة، ويقال له: ارجع فصل؛ فإنك لم تصل، وعدم الوضوء يدل على عدم صحة الصلاة.\nأو: رجل توضأ ثم قال: سمعت ربي يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فهل أقول له: قم فصل؟ لا؛ لأنه لا يلزم من وجوده الوجود.\nأو: الشاهدان شرط لصحة عقد النكاح: رجل أخذ ابنته وذهب يزوجها بلا شاهدان؛ فهنا اختل شرط من الشروط وهو: شاهدا عدل، فيلزم من عدم وجود الشهود عدم صحة العقد.\nأيضًا: رجل يبيع الذهب؛ فجاءته امرأة تبيع خاتمها؛ فأخذه منها وأعطاها نصف القيمة.\nفهنا وجد شرط التقابض واختل شرط التماثل؛ فلما عدم التماثل عدم صحة العقد.","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>الفرق بين الشرط والركن</span>\nالفرق بين الشرط والركن من عدة أمور: الأول: أن الركن في ماهية الشيء، والشرط خارج الماهية.\nالثاني: أن الركن يلزم من وجوده الوجود، والشرط لا يلزم من وجوده الوجود.\nمثال ذلك: الرضا في عقد النكاح: فلو أن الأب عقد لبكر عن رضا منها صح العقد، أما الثيب لو عقد لها وليها عن غير رضًا منها فإن العقد مفسوخ؛ فعدم الرضا يلزم منه عدم صحة العقد، ولا يلزم من وجوده وجود العقد، هذا في الثيب، أما في البكر ففي المسألة خلاف فقهي عريض، والجمهور يرون أن للولي أن يجبر موليته على النكاح إذا كانت المصلحة في ذلك، وخالف في ذلك الأحناف.","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>تعريف المانع وأمثلته</span>\nالمانع: هو ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم.\nمثاله: من كان ذاهبًا إلى المسجد فوجد الباب مغلقًا.\nفهذا مانع من أداء العبادة في المسجد.\nأيضًا: القتل والرق والكفر موانع الإرث، وكذلك وجود من هو مقدم في الدرجة على الترتيب المعروف: بنوة ثم أبوة ثم أخوة ثم عمومة؛ فيحجب الأول الثاني ويمنعه من الإرث، ومن قتل أباه يمنع من الإرث، لأنه تعجل الشيء قبل أوانه فعوقب بحرمانه.\nكذلك: التوحيد مانع من الخلود في النار؛ فمن سرق ونهب وغش وقتل؛ ثم مات فتوزن حسناته وسيئاته ثم يجازى بحسب ذلك في النار، ثم يخرج من النار بعد ذلك مادام قد قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فهي مانع من الخلود في النار، وعلى هذا يحمل قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]؛ فحتى يستحق الخلود في النار لابد من توافر الأسباب والشروط وانتفاء الموانع.\nمثال ذلك أيضًا: الزواج من البنت مانع من العقد على خالتها أو عمتها أو أختها؛ فالإيجاب والقبول والشهود شرط، لكن الزواج من أختها مانع من موانع العقد عليها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:٢٣]؛ فمع أن الأصل الحل إلا أن المانع لما وجد وجد الحكم بالمنع.\nكذلك: عدم إرسال الرسل مانع من العذاب، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>تعريف الصحة وأمثلته</span>\nالصحة في اللغة: السلامة من المرض.\nواصطلاحا: موافقة أمر الشرع في العبادات أو المعاملات.\nفالعبادة إذا كانت صحيحة فإنه يترتب عليها آثارها الشرعية، أي: أن العبادات التي تتوافر فيها الشروط والأسباب والأركان وتنتفي فيها الموانع فهي عبادة صحيحة، تبرأ بها الذمة.\nمثاله: من صلى في المسجد إلى القبلة وقرأ الفاتحة في كل ركعة وبركوع وسجود واطمئنان فصلاته صحيحة.\nكذلك: من وفى ماله النصاب وحال عليه الحول فأخرج زكاته كاملة عن طيب نفس منه صحت زكاته، ولم نطالبه بإخراجها مرة أخرى.\nكذلك: من نوى صيام رمضان وامتنع عن الأكل والشرب والجماع في نهار رمضان صح صيامه، ولم نطلب منه أن يعيده مرة أخرى، وبرئت ذمته منه.\nوهذا معنى الصحة في العبادات.\nكذلك في المعاملات: إن كانت الشروط صحيحة واستوفت الأركان، قلنا: هذا العقد صحيح، وإذا صح العقد ترتبت عليه آثاره.\nمثاله: رجل اشترى من آخر سيارة معلومة واطلع على عيوبها، وسلم البيع من الغرر، وقال الأول: اشتريت، وقال الآخر: بعت، ووجد الإيجاب والقبول والتقابض، واكتملت أركان العقد صح البيع، وبرئت الذمة، وتمت الملكية، وترتبت على الملكية آثارها.","vol":"6","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>تعريف البطلان وأمثلته</span>\nالبطلان لغة: الفساد.\nواصطلاحًا: عكس الصحة.\nأي: عدم موافقة الشرع.\nحكمه: عدم ترتب الآثار الشرعية عليه.\nمثاله: رجل صلى وأطال الصلاة، ولكنه لم يقرأ بالفاتحة؛ فصلاته باطلة، ويلزمه أن يعيد الصلاة.\nأيضًا: رجل أعطى للآخر سيارة على أن يجربها لمدة أسبوع؛ فإذا أعجب بها اتصل به وأعطاه سعرها؛ فهذا عقد باطل؛ لأن الثمن مجهول، والعقد باطل؛ ولذلك المشتري لا يمتلك السيارة، والبائع لا يمتلك المال.\nهذا هو معنى البطلان.\nكذلك: من رأى خلخال امرأته في نهار رمضان؛ فداعبها فأنزل؛ فصيامه صحيح؛ لأن البطلان لا يكون إلا بالجماع، ولا دليل على البطلان من الإنزال، ولا يترتب عليه كفارة.\nاختلف الأحناف مع الجمهور في الفساد والبطلان، فالبطلان والفساد عند الجمهور واحد، وعند الأحناف مختلفان؛ فهما يستويان في العبادات فقط، أما في المعاملات فهناك عقد باطل، يعني: لا يترتب عليه آثاره، وعقد فاسد، وهو: يلزم صاحبه ويترتب عليه آثاره؛ فلو وجد عقد فيه شرط باطل؛ فالعقد فاسد ويترتب عليه آثاره.\nوالله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"6","page":8},{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-67> أدلة الأحكام - الدليل الأول: الكتاب</span>\nيعتبر الكتاب العزيز أصل الأصول، فهو المرجع الذي ترجع إليه أدلة الأحكام كلها، وقد بحثه العلماء في مؤلفاتهم، وخاصة في علم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة، وذكروا مسائل كثيرة تتعلق به، ومنها: تعريفه، وحكم القراءة الشاذة، والنسخ فيه، وغير ذلك المسائل الأخرى.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>أصل الأصول (الكتاب)</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: فكما بينا الأحكام الخمسة ضمن الأحكام الوضعية، فنتكلم -بمشيئة الله تعالى- عن الأدلة لهذه الأحكام، فأصل الأصول والمرجع الذي ترجع له أدلة هذه الأحكام هو: الكتاب، والسنة، والكتاب هو أصل الأصول.","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>تعريف القرآن الكريم</span>\nالقرآن: هو: كلام الله المعجز، المتعبد بتلاوته، المنزل على محمد ﷺ، المنقول إلينا بالتواتر.\nقوله: (كلام الله) الله جل وعلا تكلم به بصوت وحرف وسمعه جبريل الرسول الملكي من الله جل وعلا، ثم نزل به إلى النبي ﷺ، فكان جبريل إذا تلا القرآن على رسول الله أسرع رسول الله ﷺ فيردد ما قاله جبريل، خشية النسيان، فنهاه الله عن ذلك فقال: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٨]، فكان جبريل يسمعه من الله ﷿، وينزل به على محمد ﷺ، فهو كلام الله، وهذا فيه رد رد على المعتزلة، وفي الظاهر أيضًا رد على الأشاعرة، وإن كان الأشاعرة يقولون: هو كلام الله، لكن الأشاعرة قولهم في القرآن أخبث من قول المعتزلة، فالمعتزلة يقولون: كلام الله مخلوق، ونحن نقول: لا، كلام الله صفة من صفاته، تكلم الله بالقرآن بصوت مسموع وحرف.\nقوله: (المعجز) أي: الذي أعجز البشر أن يأتوا بمثله، أي: نزل هذا القرآن على البلغاء منهم، فقد كانوا أفصح الناس وأبلغهم، حتى إن شاعرهم جلس من طلوع الشمس ينثر شعرًا إلى غروب الشمس، وكان عنده ضعف في نطقه بالراء، فإذا تكلم ونطق بحرف الراء فالناس سيستنكرون منه هذا الحرف، فأتى بأكثر من مائة وعشرين بيتًا من الشعر ليس فيه حرف الراء من الفصاحة والبلاغة، كانوا بلغاء وفصحاء، ومع ذلك لم يأتوا بمثل هذا القرآن.\nقال الله تعالى معجزًا إياهم: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨].\nوأيضًا الله جل وعلا أعجزهم أيما إعجاز فقال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور:٣٤] ثم أعجزهم بعشر سور من مثله، ثم أعجزهم بسورة فقال: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، ولم يستطيعوا أن يأتوا بحرف واحد، مع أن الله أعجزهم أكثر بالحروف المقطعة، وكأنه يقول لهم: هذا القرآن من هذه الحروف التي تتكلمون بها، فالمعجز: هو الذي أعجز البشر على أن يأتوا بمثله، ولذلك كان هذا ردًا على طه حسين وأمثاله من الزنادقة الذين يلمحون بأن القرآن من كلام محمد أو من الشعر الجاهلي والعياذ بالله! وهذا كفر مبين.\nفالله جل وعلا يبين أن هذا الكلام هو كلامه، وقد أعجز البشر على أن يأتوا بمثله، فهو كلام الله المعجز.\nقوله: (المتعبد بتلاوته) هذا قيد ليخرج به الحديث القدسي؛ لأنه أقرب إلى القرآن، فالقرآن لفظًا ومعنىً من الله جل وعلا، والحديث القدسي معناه من الله ولفظه من النبي ﷺ.\nويمكن أن نقول: الحديث القدسي عام في اللفظ والمعنى، لكن أكثر المعنى موكول إلى رسول الله ﷺ، فيخرج بالمتعبد بتلاوته: الحديث القدسي، ومعنى: المتعبد بتلاوته: أن الإنسان لابد أن يأتي بنفس الألفاظ، فمثلًا: الفاتحة لا يمكن لأحد أن يصلي بالفاتحة بمعناها دون لفظها، لابد من نفس اللفظ، لأنه لفظ توقيفي، كما يوجد خلاف بين المحدثين: هل الحديث يمكن أن ترويه بالمعنى أو لا؟ والراجح أنه ممكن أن تروي الحديث القدسي بالمعنى ولك الأجر، لكنك غير متعبد بتلاوته.\nقوله: (المنزل على محمد ﷺ) هذا فيه دلالة على أن محمدًا هو الذي اختص بهذه الخصيصة، وفيه بيان أن القرآن هو أكبر المعجزات التي أوتيها رسول الله ﷺ.\nقوله: (المنقول إلينا بالتواتر) يخرج لنا الآحاد من الأحاديث القدسية التي نقلت لنا عن طريق التواتر.","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>حكم القراءة الشاذة</span>\nوهنا مسائل تختص بأول أصل من الأصول في الأدلة، ومنها: المسألة الأولى: حكم القراءة الشاذة، هذه المسألة تتعلق بأصل الأصول وهو القرآن، والقراءة الشاذة: هي القراءة التي نقلت إلينا بغير التواتر، فتسمى عند العلماء قراءة شاذة.\nومثال هذا القراءات: الزيادة في مصحف ابن مسعود ﵁ وأرضاه، فهذه قراءة شاذة؛ لأنها لم تنقل إلينا بالتواتر.\nوقد اختلف العلماء في حكم القراءة الشاذة بعدما اتفقوا أنها ليست من القرآن، وعلى هذا فلا تأخذ هذه القراءات حكم القرآن، أي: لا يتعبد بتلاوتها.\nجمهور أهل العلم يرون أن القراءة الشاذة ليست بحجة.\nوذهب بعض الحنابلة وبعض الشافعية والجمهور من الأحناف إلى أنها حجة ويعمل بها في الأحكام، وهذا له أثره في الخلاف الفقهي.\nمن الأدلة التي استدل بها الجمهور: أولًا: أنها افتقدت شرطًا من شروط القرآن.\nوهو: التواتر، فلا تأخذ حكم القرآن، والقرآن هو الحجة وغيره ليس بحجة.\nثانيًا: أنها لم تضف لا للمشرع، ولا لنقل الشرع على الراجح أصوليًا، ومعنى: (لم تضف إلى المشرع) أي: الله، ومعنى: (لم تضف إلى ناقل الشرع) على الراجح من أقوال أهل العلم هو الرسول ﷺ، ودليل ذلك: أن الذي أقرأها لا يقول: إنها من القرآن، وكذلك لا يقول: قال الله تعالى، ولا يقول: إنها من قول النبي ﷺ.\nوأما حجة جمهور الحنابلة والأحناف وبعض الشافعية فقالوا: تنزل القراءة الشاذة منزلة الحديث الحسن، فحكمها حكم الحديث المرفوع، والحديث المرفوع حجة في الأحكام.\nوالصحيح الراجح من أقوال أهل العلم هو: قول الجمهور: بأن القراءة الشاذة ليست بحجة؛ لأنها فقدت شرط القرآن، والقرآن هو الحجة، فهو يأتينا بالتواتر، فإذا فقد شرط التواتر فليس من القرآن، وكذلك الذي يقرأ بها لا يقول: قال رسول الله كذا، فكيف ننزلها منزلة الحديث الحسن؟! فالصحيح الراجح: أن القراءة الشاذة ليست بحجة في الأحكام، ويظهر هذا الخلاف بالمثال، قال الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة:٨٩]، ثم قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:٨٩]، ثم قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩] قرأها ابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) فانظر إلى المثال هنا، ابن مسعود يقرؤها: (متتابعات) والقراءات العشر لم يأت فيها هذا اللفظ، فالقراءة هنا قراءة شاذة، إذًا: الذي فقد الإطعام أو الكسوة أو تحرير رقبة مآله في الكفارة إلى صيام ثلاثة أيام ولا يلزمه فيها التتابع، فممكن أن يصوم الثلاثة الأيام متفرقات، فهذا قول الجمهور؛ لأن عندهم أن قراءة ابن مسعود: (ثلاثة أيام متتابعات) هذه قراءة شاذة.\nوطالما هي قراءة شاذة إذًا: لا حجة فيها، فنقول: يجوز له أن يصوم ثلاثة أيام متفرقات، أو يصوم متتابعات وهذا أولى له، لكن إن فرق الأيام لا نلزمه بالتتابع.\nأما الحنابلة والأحناف فيلزمون من يكفر عن يمينه بالتتابع؛ لأن عندهم أن قراءة ابن مسعود وإن كانت شاذة فهي حجة، وكيف تكون حجة؟ قالوا: تنزل منزلة الحديث الحسن، والحديث الحسن ولو كان آحادًا فهو حجة فيلزم العمل به، ونحن لا نوافقهم على هذا الإنزال، ونقول: طالما فقد شرط التواتر فلا حجة فيه.\nوقراءة ابن مسعود تكون من اجتهاده وهو قول له، فإن كانت القراءة قولًا لـ ابن مسعود فلا نلزم به؛ لأن الحجة في القرآن وفي السنة، وقول الصحابي فيه اختلاف إذا لم يخالفه أحد، فإذا خالفه أحد فمن باب أولى ألا يؤخذ ولا يكون حجة؛ لأن كلًا يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب القبر رسول الله ﷺ.\nوهنا: يشكل علينا حديث عائشة ﵂ وأرضاها أنها كانت تقول: (كان مما نزل من القرآن عشر رضعات مشبعات يحرمن، فنسخن إلى خمس رضعات مشبعات، ومات رسول الله ﷺ وهي مما يتلى من القرآن).\nابن حزم وأهل الظاهر وجمهور المالكية يقولون: إن الذي يحرم في الرضاع مصة أو مصتان أو ثلاث مصات، وحديث عائشة لا يؤخذ به؛ لأنه ليس بقرآن، ونحن نأخذ به فنقول: لا، خمس رضعات مشبعات يحرمن، أما يشكل علينا هذا؟ نقول: هذا ليس بقرآن فكيف يكون حجة؟ ونحن قعدنا قاعدة وقلنا: إما أن يكون قرآنًا بالتواتر فهو حجة، وإما أن يكون حديثًا، وهذا ليس بقرآن ولا حديث، فكيف نحتج به؟ وعلماء جمهور الشافعية الذين يقولون: بأن القراءة الشاذة ليست بحجة يحتجون بحديث عائشة على أن خمس رضعات مشبعات يحرمن فكيف يجاب عن هذا الإشكال؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نقول: الحجة ليس في قول عائشة، وإنما الحجة في إقرار النبي ﷺ، ويلمح قول عائشة على أنه مات الرسول ﷺ وهي مما يتلى، أي: أن النبي ﷺ أقر بذلك، فهو يعتبر في حكم الحديث المرفوع؛ لأن إقرار النبي ﷺ حجة، والسنة تنقسم إلى سنة قولية، وسنة فعلية، وسنة إقرارية، وهذا من باب السنة الإقرارية، فهي إذا فقدت الشرط الأول الذي هو التواتر، فإن الشرط الثاني موجود، وهو: الإضافة إلى ناقل الشرع، وهو الإضافة إلى الله أو إلى الرسول ﷺ، فلا يشكل علينا حكم حديث عائشة رضي الله عها وأرضاها.","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>النسخ في القرآن</span>\nالمسألة الثانية التي تتعلق بالقرآن: مسألة النسخ، وهذه مسألة من أصعب ما تكون، وقد اخترنا منها بعض المسائل.","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>تعريف النسخ لغة واصطلاحًا</span>\nالنسخ لغة: الإزالة، تقول: الليل نسخ النهار، أي: أزاله ومحاه.\nواصطلاحًا: رفع حكم شرعي سابق بحكم شرعي لاحق بدليل شرعي من الكتاب أو السنة لفظًا أو حكمًا.\nقوله: (رفع حكم شرعي) أي: إزالته أو تغييره، والأحكام الشرعية خمسة وهي: الوجوب والندب والإباحة والتحريم والكراهة، فنقول: رفع حكم شرعي، أي: نرفع الحكم من الوجوب إلى الاستحباب، أو من التحريم إلى الإباحة، أو من الإباحة إلى التحريم، كما أن الله جل وعلا أباح نكاح المتعة ثم نسخه بالتحريم، وأباح أكل لحوم الحمر الأهلية ثم نسخه بالتحريم، فهو إما رفع الحكم نفسه والإتيان بغيره، أو تبديله من الوجوب إلى الإباحة، أو من الوجوب إلى الندب، أو من التحريم إلى الكراهة، أو من التحريم إلى الإباحة، أو من الإباحة إلى التحريم.\nوقوله: (السابق) يرفع باللاحق، وإذا قلت: لاحق وسابق فمعناه: أنه لابد من التاريخ لهذا المتأخر الذي رفع الحكم المتقدم، فهذا هو الصحيح، أن الحكم الرافع يكون متأخرًا، والحكم الذي رفع يكون متقدمًا بدليل شرعي، أي: من الكتاب أو السنة، فالناسخ إما من الكتاب أو السنة أو الإجماع، وأما القياس فإنه لا ينسخ الأحكام الشرعية.","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الأدلة على جواز النسخ</span>\nوالنسخ جائز بالأثر والنظر: أما بالأثر: فبتصريح قول الله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، فجاء النسخ بالكتاب تنصيصًا.\nوكذلك السنة فإنها قررت ذلك: قال ﷺ: (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها) فنسخ.\nوأما من النظر: فالعقل يجوز النسخ، فمن لوازم ربوبية الله جل وعلا أنه يحكم في عباده، قال الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فالله جل وعلا هو الذي يحكم، وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، وقوله ﷺ: (إنما الله هو السيد) أي: الله جل وعلا له السيادة المطلقة في التشريع، فالله جل وعلا له أن يحرم وله أن يحلل؛ لأنه هو الذي يعلم الغيب، فالله جل وعلا له الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، فله أن يحل ويحرم كيف ما شاء، يمحو ما يشاء من الأحكام، ويثبت ما يشاء من الأحكام، فالعقل يجوز ذلك.\nإذًا: استدللنا من الأثر والنظر على أن النسخ جائز، وفيه رد على اليهود الذين لا يقولون بالنسخ.","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>أمثلة على النسخ في القرآن</span>\nمن أمثلة النسخ في الكتاب: المثال الأول: كان الله جل وعلا يأمر المؤمن أن يقف أمام عشرة من المشركين ولا يحل له أن يفر منهم، ولو فر فقد وقع تحت الوعيد الشديد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا﴾ [الأنفال:١٦]، ثم قال: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال:١٦]، فهذا وعيد شديد من الله لمن يفر من العشرة، قال: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥]، ثم نسخ الله هذا الحكم، فكان للمرء أن يفر من ثلاثة، فنسخه من العشرة إلى الاثنين، قال تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٦]، فإذا كانوا اثنين فليس له أن يولي دبره، ويكون من الذين قال فيهم النبي ﷺ: (والتولي يوم الزحف)، أي: أنه من الموبقات، فلو كان هناك جنديان من اليهود مع جندي مثلًا من الفلسطينيين فليس له أن يفر، لكن لو كانوا ثلاثة له أن يفر منهم، فإن الله جل وعلا خفف من عشرة إلى اثنين، فهذا نسخ للحكم السابق.\nالمثال الثاني: قال الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، ثم قال: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، كان الحكم أن الذي يصوم إذا نام قبل سقوط الشمس حتى خرج وقت المغرب لا يأكل ولا يشرب ولا يجامع النساء، حتى ولو جاء عليه المغرب، أي: أنه لو جاء إلى وقت سقوط حاجب الشمس فنام قبل أن يأكل، فإذا استيقظ لا يجوز له أن يأكل ولا يمس النساء، فيبقى صائمًا إلى اليوم الثاني، هذا كان حكمًا شاقًا على الصحابة، ولذا جاء أحد الصحابة إلى امرأته بعدما تعب تعبًا شديدًا في عمله، فقاربت الشمس على المغيب؛ فجهزت له الطعام وجهزت نفسها له، فلما ذهبت لتأتي بالطعام وقد سقط حاجب الشمس وجدته نائمًا، فكلمته كلمة شديدة معاتبة له؛ لأنه إذا استيقظ ليس له أن يأكل أو يأتي امرأته؛ فخفف الله ونسخ هذا الحكم على المؤمنين، وذلك بأنه إذا سقط حاجب الشمس نام أم لم ينم، له أن يأكل ويشرب، وله أن يأتي النساء قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، وقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧].\nالمثال الثالث: قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] أي: أي شيء من الخواطر القلبية ستحاسبون عليها، فشق ذلك على الصحابة؛ فأنزل الله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فقال الله: (قد فعلت قد فعلت)، فنسخ الحكم الأول بالحكم الثاني، وهذا من سنة التدريج، وكذلك فيه نسخ.\nكذلك تحريم الخمر تدرج الله ﷿ في تحريمه، فكان أول ما نزلت فيه آية تبين أن الخمر فيه منافع ومساوئ، والمساوئ أكثر.\nثم حرم الله شرب الخمر والاقتراب منها وقت الصلاة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣] ثم بعد ذلك قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١].","vol":"7","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>أمثلة على النسخ في السنة</span>\nمن أمثلة النسخ في السنة: المثال الأول: المتعة، وفيه خلاف فقهي عريض، والصحيح الراجح عند المحققين أن النبي ﷺ أباحها أولًا؛ لأن العرب كانوا لا يستطيعون البعد عن النساء، فكانوا إذا ذهبوا يقاتلون ليس معهم النساء، فأباح لهم النبي ﷺ أن يتزوجوا، كما قال أبي وغيره: (كان الواحد منا ينكح المرأة على ثوبه أو على دينار أو على درهم) فينكحها ويتمتع بها ثلاثة أيام بالشرط، وينفسخ العقد، فأحلها ثم حرمها يوم خيبر، ثم في سبايا أوطاس حرمها تحريمًا نهائيًا، فهي أحلت، ثم حرمت، ثم أحلت، ثم حرمت تحريمًا نهائيًا، فقال النبي ﷺ: (إن الله حرم المتعة إلى يوم القيامة) فكان هذا تحريمًا نهائيًا من السنة.\nكذلك: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها)، فهذا مثال النسخ من السنة.\nوقد قلنا: إن الناسخ الذي ينسخ الكتاب: إما دليل من الكتاب أو من السنة أو الإجماع، فلا ينسخ القياس ولا المصالح المرسلة ولا قول الصحابي، وأما الإجماع فلا ينسخ الإجماع؛ لأنه ليس بناسخ، ولكنه دليل على النسخ كما دل عليه المحققون من أهل الأصول، أي: لو جاء في مسألة يقول لك: الذهب المحلق ليس بحرام؛ لأن الإجماع قام على جوازه، بمعنى أن الشيخ الألباني يقول: إن الذهب المحلق كالسلسلة أو الخلخال وأي شيء له طوق فهو حرام على النساء، وله أدلة قوية، كحديث النبي ﷺ أنه قال: (من أراد أن يطوق حبيبه بطوق من نار فليطوقه بسوار)، وأيضًا قال لـ فاطمة: (أيعجبك أن يقول الناس: إن فاطمة بنت محمد سورت بسوار من نار)، فباعتها واشترت بها عبدًا وأعتقته، فهو يقول: إن الذهب المحلق حرام، فمن رد من أهل العلم عليه في ذلك قال: هذا خلاف الإجماع، فقد دل الإجماع على جواز لبس الذهب المحلق، فإما أن نقول: هذا الحديث مؤول أو نقول بالنسخ، وأنا أميل إلى أنه مؤول كما سنبين، والغرض المقصود من هذا: أن الإجماع يدل على النسخ، ويوجد دليل آخر يبيح الذهب المحلق للنساء، لكن الإجماع نفسه ليس بناسخ.","vol":"7","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>أحوال النسخ في الكتاب والسنة</span>\nإذا قلنا: إن الكتاب ناسخ، فالآية تنسخ الآية، أي: أن الكتاب ينسخ بالكتاب، وهذا بالاتفاق عند أهل العلم كما بينا في أمثلة القرآن، وهذه هي الحالة الأولى.\nالحالة الثانية: نسخ الكتاب بالسنة، وهذا على خلاف عريض بين أهل العلم، فالجمهور: يرون أن الكتاب ينسخ بالسنة، وتصدى الشافعي للجمهور فخالف وقال: الكتاب لا ينسخ بالسنة.\nأما الجمهور فقالوا: الأصل في النسخ تبديل الأحكام، والقرآن والسنة وحي من الله، قال ﷺ: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، فبالاتفاق أن الآيات هي: القرآن، والحكمة هي: السنة، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].\nإذًا: فالكتاب والسنة وحي من الله جل وعلا فيمكن أن ينسخ، واستدلوا على ذلك بحديث النبي ﷺ أنه قال: (لا وصية لوارث).\nإذًا: الوارث لا يوصى له، فلا توصي وتقول: إن الربع هذا لأبي أو لأمي؛ لأن الأب يرث والأم ترث، فهل لي أن أقول: أوصيت ببيتي هذا لابنتي الوحيدة؟ لا يصح؛ لأنها فرع وارث.\nفلو أن رجلًا له: بنت وأخت، فأوصى لأخته بسيارته وقال: أختي هذه تذهب إلى المساجد تتعلم، فأوصي بسيارتي لها، هل الوصية باطلة؟ نقول: الآن لنا حالتان: الحالة الأولى: إن كانت الأخت ترث فلا وصية لها.\nالحالة الثانية: إن كانت الأخت حجبت بالفرع الوارث، كأن يكون عنده ولد مثلًا فحجبها، فلها الوصية.\nفهي لها حالتان: حالة ترث، وحالة لا ترث، فالتفصيل هو الصحيح، فإذا كانت وارثة فلا وصية لها، وإن لم ترث فلها الوصية.\nفالجمهور يقولون: قول النبي ﷺ: (لا وصية لوارث) نسخ لنا آية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٨٠]، إذًا: الأم والأب لابد أنك تكتب له وصية بالميراث، فجاء النبي ﷺ فقال: (لا وصية لوارث)، فنسخ هذا الحكم؛ لأن الأم سترث والأب سيرث، فإذًا: لا وصية لهما بهذا الحديث، فجاء الحديث فنسخ هذه الآية.\nأما الشافعي فيقول: لا تنسخ السنة الكتاب، وله أدلة أوضح من شمس النهار، يقول: أولًا: قال الله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، وهل السنة خير من القرآن؟ لا، القرآن فيه آيات يفضل بعضها على بعض، لكن السنة ليست بخير من القرآن.\nثانيًا: أجاب على أدلة الجمهور، فقال: أما الدليل الذي استدللتم به: (لا وصية لوارث)، فهذا ليس بناسخ وإنما هو مبين للناسخ، قلنا: كيف؟ قال: الناسخ لهذه الآية هو قول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ﴾ [النساء:١١] ففرض الفروض: فجعل للأب كذا وللأم كذا وهنا بهذه الآية نسخ الوصية، فجاء الحديث مبينًا لهذا الناسخ وليس بناسخ بذاته، فهذه الآية التي بينت الفرائض في الكتاب هي الناسخة لهذه الآية.\nوصراحة كان كلامه أقوى مما يكون، وهذا الدليل قوي جدًا، ولذلك الجمهور ما عرفوا كيف يردون على الشافعي أولًا، وما عرفوا أن يأتوا بدليل أو بمثال آخر يكون فيه سنة نسخت القرآن.\nولذلك إن قلنا: نحن مع الجمهور أصبحنا من المقلدة، وما عندنا دليل، وإن قلنا: نحن مع الشافعي فالمسألة حقًا صعبة؛ لكن الجمهور عادة يكون الحق مائلًا لهم، إلا أن يظهر دليل واضح للفرد فيكون الحق معه، والمقصود أن هذا خلاف معتبر، والراجح قول الجمهور على مضض.","vol":"7","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>أحوال النسخ في السنة</span>\nوالسنة كذلك لها حالتان: الحالة الأولى: أن السنة تنسخ السنة، فالمتواتر منها ينسخ المتواتر، والآحاد ينسخ الآحاد، وهذا بالاتفاق.\nفمثلًا: أحاديث تحريم نكاح المتعة نسخت الأحاديث التي أحلت نكاح المتعة.\nكذلك في بعض أقوال أهل العلم: أن النبي ﷺ في أول الأمر أجاز ربا الفضل: الدينار بالدينارين، والدرهم بالثلاثة، وبعض العلماء أول حديث: (لا ربا إلا في النسيئة) بأنه منسوخ، وهذا تأويل، والجمع أولى منه، والخلاف الواقع هو في نسخ السنة بالكتاب وهذا سهل؛ لأن الكتاب أعلى، وهو خير من السنة فيكون أسهل، وهنا تصدى الشافعي لهذا، بل الجمهور مع الشافعي وقال: الكتاب لا ينسخ بالسنة، ودليله نظر بالعقل، أي: شبهة طرحها علينا فقال: لو قلنا بأن الكتاب ينسخ السنة فلن يسلم لنا حكم من السنة بحال من الأحوال، واستدل على ذلك بالبيوع، فقال: النبي ﷺ نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، ونهى عن بيع الغرر، ونهى عن بيع التمر بالتمر إلا أن يكون مثلًا بمثل، ونهى عن بيع المجهول والمعدوم، فكل هذا نهى عنه النبي ﷺ، فـ الشافعي قال: لو قلنا: بأن الكتاب ينسخ السنة فسيأتينا متنطع ويقول: كل هذه البيوع منسوخة، ما الذي نسخها يا رجل؟ يقول: الكتاب قال الله تعالى: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥]، و(البيع) هنا اسم جنس معرف بالألف واللام، فيفيد كل البيوع، فيكون الكتاب هنا نسخ كل البيوع المحرمة التي حرمها رسول الله بالسنة.\nهذه هي الشبهة التي قالها الشافعي في الاعتراض على أن الكتاب ينسخ السنة.\nأما الجمهور فقالوا: الكتاب ينسخ السنة، وقالوا: عندنا دلائل منها: استقبل رسول الله ﷺ بيت المقدس بالسنة، فهل الله أمره أن يصلي إلى بيت المقدس؟ لا، ثم نسخ بالكتاب، قال الله جل وعلا: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٥٠]، أي: شطر المسجد الحرام، ولذلك ذهب الذاهب -كما في الصحيحين- في صلاة العصر فوجدهم يصلون إلى بيت المقدس، فقال: أنزل على رسول الله ﷺ قرآنًا، وقد أمر أن يتحول إلى بيت المقدس، قال: فاستداروا من التوجه إلى بيت المقدس إلى الكعبة.\nإذًا: فيه دلالة على أن الكتاب ينسخ السنة، وهذا هو الراجح؛ لأن الكتاب خير من السنة، والله جل وعلا يقول: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦].\nأما اعتراضات الشافعي في المسألة الأولى: في قول الله تعالى: ﴿بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، والسنة ليست خيرًا من الكتاب، نقول: الخيرية هنا خيرية في الأحكام لا خيرية في الشرف والمكانة.\nأي: التخفيف من الثقيل إلى الأخف، لا خيرية في الثواب، أي: يعمل عملًا قليلًا وله الثواب الجزيل، وذلك كما بين النبي ﷺ: أننا نحن نعمل من العصر إلى المغرب وثوابنا أضعاف من عمل من الفجر إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، فيعمل عملًا قليلًا ويأخذ ثوابًا جزيلًا، فهذا معنى ﴿بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة:١٠٦] أي: التخفيف في الأحكام.\nوأما الاعتراض الثاني: أن الكتاب ينسخ السنة، فيأتي رجل فيقول: كل البيوع هذه محرمة، نقول: لا، ليست هذه بشبهة؛ لأن النبي ﷺ مبين عن الله، والله جل وعلا يقول: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، وقد بين لنا الرسول ﷺ ما معنى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] أي: أحل كل البيع إلا هذه البيوع التي حرمتها عليكم، فهذا هو الجواب على اعتراض الشافعي، فالصحيح الراجح: أن الكتاب ينسخ الكتاب، والسنة تنسخ الكتاب، والكتاب ينسخ السنة.","vol":"7","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>ما يمتنع من النسخ</span>\nمسألة: ما الذي يمتنع من النسخ؟ نقول: الذي يمتنع من النسخ هو الأخبار، ومعنى ذلك: أن يأتي خبر من الله يخبرنا عن شيء حدث ومضى، كأكل آدم من الشجرة، فلا يمكن أن يأتينا حكم ينسخ هذا، فلا تأتينا آية تقول: ما أكل آدم من الشجرة، أو أن الله جل وعلا أمر إبليس أن يسجد لآدم فأبى، ثم تأتينا آية أخرى فتقول: قد سجد إبليس لآدم.\nكذلك النبي ﷺ قال في قيام الساعة: (لن تقوم الساعة حتى يوسد الأمر إلى غير أهله، وينطق الرويبضة)، فيأتينا خبر آخر من النبي ﷺ يقول: إن الساعة تقوم على خلاف هذا الخبر، أو يقول: إن الساعة لا تقوم حتى يخرج الدجال أو ينزل عيسى بن مريم ﵇، فيأتينا خبر آخر من النبي ﷺ يقول: لن ينزل عيسى، مع أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى) فيأتينا خبر آخر يقول: لن ينزل عيسى، هذا لا يمكن أن يكون في كتاب الله أو سنة النبي ﷺ بحال من الأحوال، فالأخبار لا تنسخ؛ لأن الأخبار محلها الصدق والكذب، فإذا قلت: بأن خبرًا لاحقًا جاء فنسخ الخبر السابق، فستقول مؤكدًا: الخبر السابق كان كذبًا، ولذلك أنت عندما تعيش في هذه الحياة فترى خبرًا يأتيك، ثم يأتيك خبر آخر مخالف، فيقال: هذا الخبر الثاني قد كذب الخبر الأول، فهل في شرع الله جل وعلا في الكتاب أو في السنة أخبار كاذبة؟! حاشا لله! قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، والنبي ﷺ صادق مصدوق، كما قال ابن مسعود: (أخبرني الصادق المصدوق) فلا كذب في هذه الأخبار.\nإذًا: يمتنع النسخ في الأخبار، وفي أحكام التوحيد، وكذلك في الأحكام التي فيها تشريع عام من أول الخليقة إلى آخرها، كالفواحش وغيرها، فلا نسخ فيها، والشيء الذي الفطر مجبولة على أنها تنفر منه لا يمكن أن ينسخ؛ لأنها قوام لمعيشة الناس.","vol":"7","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>شروط النسخ</span>\nأما شروط النسخ: فأولها: تعذر الجمع بين الدليلين، أي: إذا جاءت أدلة ظاهرها التعارض، والأصل أنه ليس هناك تعارض؛ لأنه كله يخرج من مشكاة واحدة، قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] فلا يوجد تعارض، لكن في نظر المجتهد يكون ظاهره التعارض، فإن أمكن الجمع فلا نذهب إلى النسخ؛ لأن العلماء قالوا: الجمع أولًا، ثم النسخ، ثم الترجيح، فلا يذهب المجتهد للنسخ في الأدلة إلا إذا تعذر الجمع بين الدليلين؛ للقاعدة الفقهية التي تقول: (إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما) أو (إعمال الكلام أولى من إهماله)؛ لأنه كله خرج من النبي ﷺ، فلو وجدت له طريقًا في أنك تعمل به فاعمل، وكما قلنا: الذين قالوا لنا: قول النبي ﷺ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب) في الصلاة الجهرية منسوخة بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤]، نقول: لا نسخ؛ لأنه يمكن الجمع بينهما، وكيف يكون الجمع؟ نقول: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] هذا في غير الفاتحة، أما الفاتحة فيقرؤها، فإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.\nثانيها: العلم بالناسخ، والعلم بالناسخ يعرف بأمور ثلاثة: الأمر الأول: بالنص، كأن يأتيني نص يقول لي: هذا نسخ هذا، فهذا أوضح وأجلى ما يكون، مثال ذلك: قال الله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾ [الأنفال:٦٦] أي: نسخ الوقوف والمجابهة أمام العشرين بالمجابهة أمام الاثنين، فهذا النسخ صريح.\nكذلك في النص الصريح: قول النبي ﷺ: (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها) فنسخ.\nوأيضًا أن النبي ﷺ قال: (كنت قد أبحت لكم نكاح المتعة إن الله حرمها إلى يوم القيامة)، هذا نص صريح أيضًا في النسخ.\nالأمر الثاني: بقول الصحابي، كأن يقول: هذا الحكم نسخ، أوضح مثال لذلك هو: جابر بن عبد الله كما في الصحيحين، حيث بين أن آخر الأمرين من النبي ﷺ ترك الوضوء مما مست النار، وكان قبل ذلك يتوضأ مما مست النار، فأي شيء طبخ فلابد أن تتوضأ إذا أردت الصلاة، فـ جابر بن عبد الله أخبر أن هذا قد نسخ، وكان آخر أمره ﷺ ترك الوضوء مما مست النار.\nكذلك لحوم الأضاحي: (نهى النبي ﷺ أن تدخر لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام)، فبين علي بن أبي طالب أن هذا كان لعلة، هي علة: الدافة؛ لأن الفقراء كثر، فنهى النبي ﷺ أن يدخروا منها شيئًا، فلا بد أن يوزعوا على الفقراء، فلما انتهت الدافة والفقر أباح لهم أن يدخروا من لحوم الأضاحي.\nوكذلك حديث عائشة: نسخ الرضعات من عشر إلى خمس، وهذا أصرح ما يكون.\nثالثها: العلم بالتاريخ، كأن يكون الراوي متأخرًا في الإسلام، كـ أبي هريرة مثلًا، حيث يكون قد روى الحديث شخص متقدم في الإسلام، فيروي أبو هريرة حديثًا ينسخه؛ لأن أبا هريرة متأخر في الإسلام.","vol":"7","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>أقسام النسخ</span>\nالقسم الأول: نسخ الحكم واللفظ، أي: ينسخ حكمه وتلاوته، كقول عائشة: (كان مما نزل من القرآن عشر رضعات مشبعات يحرمن، ثم نسخن إلى خمس رضعات) فهل ممكن أحد يأتينا بهذه الآية من القرآن؟ لا، فقد نسخت حكمًا وتلاوة.\nالقسم الثاني: نسخ الحكم دون التلاوة، مثاله: قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥]، الحكم هذا نسخ وبقيت تلاوته.\nكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] نسخت حكمًا دون التلاوة.\nكذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠] معنى الآية: أن المرأة المتوفى عنها زوجها لا تخرج من البيت أبدًا مدة عام كامل، فهذه نسخت إلى أربعة أشهر وعشرًا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، فهذا من المنسوخ حكمًا دون التلاوة؛ لأن الآية موجودة، لكن الحكم نسخ من سنة إلى أربعة أشهر وعشرًا.\nما الحكمة في ذلك؟ الحكمة: أولًا: أن يؤجر المرء بتلاوة القرآن؛ لأن الآية عندما يتلوها الشخص يأخذ أجرًا عليها، الثاني: إثبات للنسخ، الذي هو: نسخ الحكم دون التلاوة.\nالثالث: أن الله جل وعلا يبين للأمة أنه يخفف عنهم، فيعلموا أن الله يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، فيشكرون الله على ذلك، وهذا فيه دلالة أيضًا على أن الدين هو دين السماحة واليسر بحق إن لم يخالف الشرع، كما كان النبي ﷺ إذا خير بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا أو مخالفًا للشرع.\nالقسم الثالث: نسخ التلاوة دون الحكم، ومثاله هذه الآية: (والشيخ والشيخة إذا زنيا) كما في الصحيح عن ابن عباس قال: (قام عمر بن الخطاب خطيبًا في الناس فقال: إني أخشى أن يطول بالناس زمان فيتركوا فرضًا فرضه الله عليهم، ألا وإنه كانت آية كنا نقرؤها مع رسول الله: (والشيخ والشيخة إذا زنيا» -ويقصد بالشيخ: المتزوج- (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة) قال: فرجم رسول الله، ورجم أبو بكر) فبين للناس هذا الحكم مع أنه قد نسخ تلاوة، ولكن بقي حكمًا، فكل سيد أحصن بنكاح صحيح زنى فإنه يرجم، والنكاح الصحيح كما قال جمهور أهل العلم هو: الوطء بعقد صحيح ولو مرة واحدة، مالك استثنى وقال: إلا في حيض، وهذا خلافه أيضًا يرجع إلى الفقه.\nالغرض المقصود: أن المحصن هو: من وطأ امرأته ولو مرة واحدة، ولو غاب عنها مائة سنة، المهم أنه يكون وطأها مرة واحدة بعقد صحيح، فهذا محصن يرجم حتى الموت: (ارجموهما ألبتة) أي: حتى الموت.","vol":"7","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>الحكمة من النسخ</span>\nالحكمة من النسخ: أولًا: مراعاة مصلحة العباد في سنة التدرج؛ لأنه كما قالت عائشة: لو جاء فقال: الخمر حرام ما سمع الناس ولا أطاعوا، لكن الله جل وعلا درج العباد بسنة التدريج حتى يتهيئوا للأحكام، ولذلك قلنا: من الفقه أن الإنسان لو أراد أن يقيم سنة أنه يعلم الناس مرة ومرتين وثلاث حتى يعرفوها، مثل السنة التي هجرت في هذه البلاد وهي: أنه كان ﷺ إذا خطب بالناس اتكأ على الرمح، ولذلك هذا الشيء لا تجده في خطيب بحال من الأحوال، وهذه سنة قد هجرت، ولابد لأحد أن يقيمها، ولكن حتى تقوم أنت بها علم الناس مرة ومرتين وثلاث، ثم ائت بها حتى لا تنكر.\nكذلك: سنة الإسرار بالبسملة، آية من آيات القرآن، فكان النبي ﷺ يجهر بها أحيانًا ويسر كثيرًا، وما رأيت إمامًا واحدًا يفعل ذلك، فيسر بالبسملة إلا أهل التصوف الذين هم ليسوا طلبة علم، ولكن يقولون: نحن شوافع هذا هو الذي عندهم، ونحن نقول: السنة أنه يجهر أحيانًا بالبسملة؛ لأن النبي ﷺ كان يجهر أحيانًا.\nكذلك: من السنة التي هجرت وأصبحت المسألة إذا بدلت صارت كأنها بدعة: التزام الدعاء بعد الخطبة، الخطيب لا يدعو إلا في آخر الخطبة، فهو يدعو والناس يرفعون أيديهم ويؤمنون آخر الخطبة، وهذا أيضًا ليس من السنن، بل السنن التي هجرت كما في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ كان يدعو أول الخطبة، ووسط الخطبة، وآخر الخطبة)، أما التزام الدعاء آخر الخطبة فهذه ليست من السنة.\nثانيًا: اختبار المكلفين بالسمع والطاعة، فينزل عليهم الأحكام اختبارًا لهم، ليرى الانقياد الذي هو عمل القلب والاستسلام لله، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧]، ولو شاء الله لانتصر المسلمون، ولكن الله يبتلي بعضهم ببعض: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧]، فتن تنزل على المساجد وأئمة المساجد، فهذه الفتن تغربل البشر حتى يميز الله جل وعلا من الذي يصدق مع الله ويعمل لله من الذي لا يصدق مع الله أو يعمل لله.\nوإذا وقف المرء أمام الله في عرصات يوم القيامة فحاسبه على ما في قلبه كانت له الحجة، فيقول: يا رب! ابعث لي آية ابعث لي رسولًا، وأمرني، وأنا سأقول: سمعت وأطعت، مع أن الله يعلم أنه كاذب، فالله يخرج ما في قلبه ويبتليه في الدنيا، اللهم استر علينا يا رب العالمين وثبتنا عند كل بلاء.\nفالغرض المقصود هو: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧] يختبر العباد بالنسخ، ولذلك ترى اليهود لما اختبر الله العباد بتحويل القبلة تذمروا، فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة:١٤٢].\nرابعها: أن يبتلى العبد بالنسخ ليشكر ربه؛ لأنه ينسخ الأحكام الثقيلة إلى الأحكام الخفيفة، فيحمد العبد ربه على ما يسر عليه من أمور الدين والشريعة، ولو كان المرء يعمل بما أمر الله أولًا ما استطاع، فقد فرض الله علينا خمسين صلاة، وكان موسى يراجعه فيقول: ارجع إلى ربك، فإني قد خبرت الناس قبلك ولا يستطيع قومك، فيرجع النبي ﷺ ليراجع ربه، فنسخها الله من خمسين إلى خمس.","vol":"7","page":15},{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-82> الدليل الثاني: السنة</span>\nتعد السنة النبوية الدليل الثاني من الأدلة الشرعية، ومصدر ثان من مصادر التشريع الإسلامي، وهي حجة على الخلق أجمعين، وعلاقتها بالقرآن: إما أن تكون مفسرة له، أو مبينة لمجمله، أو مقيدة لمطلقه، أو ناسخة له، والسنة على أنواع عدة، فمنها: القولي، والفعلي، والتقريري.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>تعريف السنة عند العلماء</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nالسنة في اللغة: الطريقة المتكررة، قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢].\nوأما السنة في الاصطلاح فتختلف معانيها باختلاف الذين عرفوها، فعند الفقهاء تعريف السنة غير تعريف السنة عند الأصوليين، غير تعريف السنة عند المحدثين، وعند أهل العقيدة أيضًا.\nففي اصطلاح أهل العقيدة السنة هي: خلاف البدعة ونقيضها.\nوأما السنة عند الفقهاء فهي بمعنى: النافلة، أي: غير الواجب، مثل السنن الراتبة التي نصليها أو غيرها.\nوأما السنة عند المحدثين فهي: كل ما أسند أو أُضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلقية أو خُلقية.\nوأما السنة عند الأصوليين -وهذا هو مبحثنا-: فهي كل ما أضيف أو كل ما أسند إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير.\nإذًا: الفرق بين تعريف الأصوليين وتعريف المحدثين هو: الزيادة في قول المحدثين: كل صفة خَلقية أو خُلقية؛ لأن السنة عند الأصوليين هو: كل ما أسند أو أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير فقط.\nومعنى: (ما أسند إلى النبي ﷺ) أي: أضيف إلى النبي ﷺ، والعلماء قد بينوا أن الإضافة إلى النبي ﷺ إضافات، فممكن أن يقول: -مثلًا- مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ، فهذا إسناد للنبي ﷺ، أو يقول: مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه عن النبي ﷺ، فهذه إضافة للنبي ﷺ أيضًا، وإن كان الصحابي يعنعن.\nأو يقال مثلًا: حديث عن أبي هريرة يبلغ به، أي: يبلغ به للنبي ﷺ، أو ينميه، أو يرفعه، وكل ذلك إسناد للنبي ﷺ، وأيضًا من الإسناد والإضافة -وهو الأكثر انتشارًا عند المحدثين- إذا قال الصحابي: أُمرنا بكذا أو نُهينا عن كذا وقد بين العلماء ذلك، والراجح: أن قول الصحابي: أمرنا أو نهينا لا يكون إلا من النبي ﷺ، ولا يكون من غيره.\nوبعض العلماء قال: ممكن أن يكون من أبي بكر أو من عمر، والصحيح الراجح: أن قول الصحابي: أُمرنا أو نُهينا إسنادًا للنبي ﷺ كما في مقدمة صحيح مسلم عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: (أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦])، فأُمرنا أو نُهينا من الصحابي تدل على أنه يبلغ به للنبي ﷺ.\nفكل ما أسند أو أضيف إلى النبي ﷺ من قول، أي: كل ما يتكلم به الرسول ﷺ كما في الصحيحين مثلًا عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله كره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال).\nأي: إتلاف المال، فهذا من قول النبي ﷺ.\nمن قول النبي ﷺ أيضًا أنه قال: (ولا تبع ما ليس عندك) كما في حديث حكيم بن حزام في السنن بسند صحيح، فهذا من القول أيضًا.\nومعنى: (أو فعل) الفعل ما قام به النبي ﷺ فرآه الصحابة فنقلوه عنه، ومثال ذلك: حديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين قال: (دخلت على رسول الله ﷺ فرأيته يتسوك بسواك، فكان يدخل السواك إلى فمه، فكان يتهوع فيقول: أع أع) من كثرة ما يدخل السواك في فمه، وهذا من فعل النبي ﷺ.\nوأيضًا: من فعل النبي ﷺ من حديث ابن عمر: (كان النبي ﷺ إذا كبر رفع يديه حذو منكبيه) فهذا أيضًا من فعل النبي ﷺ.\nمعنى: (أو تقرير) أن النبي ﷺ يرى صحابيًا يفعل شيئًا، ويكون الفعل هذا من باب الأحكام الشرعية فلا ينكر عليه، فهذا من باب التقرير أو من باب الإقرار.\nكأن يرى صحابيًا من الصحابة يفعل شيئًا، أو يخبر النبي ﷺ به ويقره على ذلك، كما في الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله: (كنا نعزل والقرآن ينزل) أي: والوحي ينزل، والعزل: هو أن يجامع الرجل امرأته ولكن لا يقذف في الداخل، قال: (كان نعزل والقرآن ينزل) أي: أنه إقرار من النبي ﷺ فلم ينكر عليهم العزل، فهذه سنة تقريرية، أو يخبر النبي ﷺ بفعل صحابي، ويكون هذا الفعل متعلق بحكم شرعي، فإذا أقره النبي ﷺ فهذا إقرار، ويشترط أن يخبر سماعًا أو يرى فيقر ذلك، وهذه هي السنة التقريرية.","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>حجية السنة وشروط ذلك</span>\nوالسنة حجة شرعية، ومعنى حجة شرعية: إذا أتاك الحديث وجب عليك العمل به، وذلك بشرطين اثنين: الشرط الأول: أن يكون صحيح السند، أي: أن تعلم يقينًا أنه صحيح إلى رسول الله ﷺ، أو تعلم ظنًا، أو غالب ظن، أنه خرج من فم النبي ﷺ.\nالشرط الثاني: أن تفقه معناه، أي: لا تفعل شيئًا تجهله، بل تسأل أهل العلم لتفقه معناه، أما الذي لا يحتاج إلى سؤال ولا إلى فقه فيجب عليك العمل به دون أن ترجع إلى أهل العلم كما بين وألمح إلى ذلك ابن القيم.","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>الأدلة على حجية السنة</span>\nالسنة حجة شرعية، وهذا ثابت بالكتاب والسنة والعقل.\nأما من الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧]، فهذا على العموم، فيأمرنا الله جل وعلا أن نأخذ بما آتانا النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، وأن نترك ما نهانا عنه النبي ﷺ.\nوقال جل وعلا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، فجعل طاعة الرسول من طاعة الله جل وعلا.\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فأفرد طاعة للرسول ولم يفرد لأولي الأمر؛ لأن طاعة ولي الأمر تكون في طاعة النبي أو طاعة الله جل وعلا.\nوأيضًا قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] فنفى الإيمان عمن لا يسمع ويطيع لما سمع.\nوقال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فهذه دلالة على أن الإيمان مرتبط بالسمع والطاعة لرسول الله ﷺ.\nوأيضًا قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، قال الشافعي أو وبالاتفاق أن معنى: (آيات الله): القرآن، (والحكمة): السنة.\nوأما من السنة: ففي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)، فطاعة النبي ﷺ واجبة بنص الحديث؛ لأن الذي يأبى يدخل النار، ولا يدخل النار إلا في محرم، فيجب على المرء أن يتبع النبي ﷺ.\nوفي سنن أبي داود بسند صحيح عن النبي ﷺ قال: (ألا وإني قد أوتيت هذا الكتاب ومثله معه) أي: في الحجية، والمثلية بمعنى: أن السنة ترتقي إلى أن تكون مثل القرآن في الحجة، أي: يلزمنا العمل بها، فهي ثابتة بالكتاب والسنة وبالعقل أيضًا، والنبي ﷺ ما عليه إلا البلاغ، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤]، فهو يبلغ، وهذا البلاغ محل إلزام الناس، والاستسلام بالعمل بهذا الذي يبلغه الرسول كما قال الشافعي: آمنت بالله -أي: استسلمت- وبما جاء عن الله، وعلى مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، وعلى مراد رسول الله ﷺ.\nإذًا: حجية السنة ثابتة بالكتاب وبالسنة وبالعقل.","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>علاقة السنة بالقرآن</span>\nعلاقة السنة بالقرآن: أنها مفسرة له، ومقيده لمطلقه، ومبينة لمجمله، وعلى الراجح من أقوال أهل العلم أنها ناسخة للقرآن.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>السنة مفسرة للقرآن</span>\nالسنة مفسرة للقرآن، فهي تبين وتفسر مراد الرب جل وعلا في كتابه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤].\nوالقاعدة التي قعدها المحققون من أهل التفسير: أن أفضل التفاسير: تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسير القرآن بالسنة، ثم تفسير القرآن بقول الصحابي، ثم تفسير القرآن باللغة، ولكن بضوابط كما قعدها شيخ الإسلام.\nفالسنة مفسرة للقرآن وتبين مراد الله جل وعلا، ومثال ذلك: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، فالصحابة شق عليهم الأمر، وقالوا للنبي ﷺكما في الصحيح-: (وأينا لم يظلم نفسه؟) ففهموا من هذه الآية أن الظلم المذكور: الظلم الأصغر والأكبر، فقالوا: (أينا لم يظلم نفسه؟) أي: من منا لم يتعد شرع الله جل وعلا، أو يعصِ الله جل وعلا؟ فقال النبي ﷺ: (ليس ذلك، ثم بين لهم وتلا الآية: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]) ففسر النبي ﷺ الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] أي: لم يلبسوا إيمانهم بشرك، وهذا تفسير من النبي ﷺ، وهو الصحيح الذي يفسر القرآن به، وهذا لا يمنع أن المرء الذي ظلم نفسه بالمعاصي لا يكون له الأمن التام، لكن الغرض المقصود أن السنة قد فسرت هذه الآية.\nأيضًا قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فقد صح عن النبي ﷺ أنه فسر الزيادة: برؤية الله جل وعلا في الجنة.\nمثال آخر: لما قال النبي ﷺ: (من نوقش الحساب عذب، فقالت عائشة: يا رسول الله! ألم يقل الله جل وعلا: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨]، فقال لها النبي ﷺمفسرًا لهذه الآية أن هذا ليس نقاش حساب-: هذا عرض، ومن نوقش الحساب عذب) ففي هذا دلالة على أن السنة تفسر القرآن، وهذه هي العلاقة الأولى بين السنة والقرآن.","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>السنة مبينة لمجمل القرآن</span>\nالسنة مبينة لمجمل القرآن، مثال ذلك قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فهذا مجمل، فالصلاة لها أركان وشروط وسنن وهيئات لا نعرفها، فبينها النبي ﷺ، وبين أوقاتها، وإن كانت الأوقات مشار إليها بالتلميح في القرآن؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨].\nفقوله: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ): إشارة لوقت الظهر ووقت العصر.\nوقوله: (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ): وقت المغرب ووقت العشاء.\nوقوله: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ): يقصد به صلاة الفجر، فهذا تلميح، لكن النبي ﷺ بيَّن الأوقات الخمس كما في الصحيح: أن جبريل أتاه عندما صار ظل كل شيء مثله ومثليه إلى آخر الحديث المشهور.\nوأيضًا بين النبي ﷺ أن من أركان الصلاة الفاتحة فقال: (من لم يقرأ بأم الكتاب فلا صلاة له)، وبين لنا الهيئات كما في الصحيحين عن ابن عباس ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ونهيت عن الكف) والأعظم السبعة هي: الجبهة والأنف الوجه واليدين والركبتين وأطراف القدمين، فهذا كله بيان لكيفية الصلاة.\nوأيضًا قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فهذا مجمل بينه النبي ﷺ بأن الزكاة تخرج بشرطين اثنين: حولان الحول، وبلوغ النصاب.\nوقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، فقد بين النبي ﷺ كيفية حج البيت.\nإذًا: السنة النبوية مبينه لمجمل القرآن.","vol":"8","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>السنة مقيدة لمطلق القرآن</span>\nالسنة مقيدة لمطلق القرآن، فهناك مطلقات في القرآن تعمل على إطلاقها، مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨]، فاليد في اللغة: تطلق على كل اليد، فهل نقطع من الكتف، أم من العضد، أم من المرفق، أم من الكوع، أم من البوع؟ اختلف الناس هل يقطع من الكوع، أو من المرفق، أو من العضد؟ فجاء النبي ﷺ وقطع بفعله من الكوع، فهذه قيدت مطلق القرآن.","vol":"8","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>السنة ناسخة للقرآن</span>\nالراجح من أقوال أهل العلم: أن السنة تنسخ القرآن، وضربوا لذلك مثلًا.\nوهو: قول النبي: (لا وصيه لوارث) وقلنا: إن هذا لا يستقيم، لكن الجمهور يقولون: بأن السنة تنسخ القرآن.","vol":"8","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>أنواع السنة</span>\nالسنة النبوية على أنواع: سنة قوليه، وسنة فعلية، وسنة تقريرية.","vol":"8","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>السنن القولية</span>\nأما السنن القولية: فقول النبي ﷺ: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).\nوقول النبي ﷺ: (إن أحبكم إلي وأقربكم مني منزلة يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني منزلة يوم القيامة مساوئكم أخلاقًا) فهذه سنة قولية، وهي أقوى حجة من التي تليها، فالسنة القولية أقوى في الدلالة من الفعلية والتقريرية، ومعرفة الأقوى يفيدنا علميًا إذا تعارض القول والفعل، فإن القول يكون أقوى من الفعل، فنقدم القول على الفعل، وهذا بشرط: عدم إمكانية الجمع، وذلك كما بينا بقول النبي ﷺ: (تريد أن يشرب معك الهر) وقوله: (يشرب معك من هو شر منه الشيطان) وأمر أحدهم عندما شرب قائمًا أن يجلس، ومع ذلك شرب قائمًا، فتعارض القول والفعل، فأمكن الجمع بينهما فنقول: إن فعل النبي ﷺ صارف للتحريم إلى الكراهة، فأمكن الجمع هنا: فيكره الشرب قائمًا ولا يحرم، لكن إذا لم نستطع أن نجمع نقدم القول على الفعل.\nلكن الشوكاني -هو من المتأخرين- يقعد قاعدة غريبة وهي: أنه إذا عارض قول النبي ﷺ فعله فيقول: فعل النبي خاص به، ونقدم دائمًا القول.\nوالمقصود أن السنة القولية أشد حجة وأقوى في الدلالة من الفعلية والتقريرية.","vol":"8","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>السنة الفعلية</span>\nالسنة الفعلية هي: التي تنقل لنا من فعل النبي ﷺ، مثال ذلك: أنه كان إذا صلى سنة الفجر اضطجع على يمينه كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، وفي سنن أبي داود أيضًا أنه كان إذا قام من الليل فانتهى، أي: صلى الوتر، تكلم وتسامر مع عائشة إذا كانت مستيقظة، وإلا اضطجع على يمينه، وهذا من فعل النبي ﷺ.\nوتتعلق بأفعاله ﷺ أمور منها: أولًا: أن الأصل في الفعل الاستحباب لا الوجوب، أي: أنه لا يمكن لأحد أن يلزم الناس بفعل النبي ﷺ، ودليل ذلك: الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قام من الليل كما في حديث عائشة في اليوم الأول وقام خلفه أناس، ثم قام آخرون إلى اليوم الثالث، فالنبي ﷺ لم يخرج إليهم في اليوم الرابع، فاجتمع الناس في المسجد وضج بالناس، فلما سألوه عن ذلك قال: (خشيت أن تفرض عليكم).\nوالدلالة من هذا الحديث هي: أنه قال: (خشيت أن تفرض عليكم)، ولو كان الأصل في الفعل الوجوب لكان من أول ليلة واجبًا، والأمر الثاني: أنه قال: (خشيت أن تفرض) أي: أنها ليست بفرض، وهذه دلالة على أن فعله المجرد ليس بواجب.\nإذًا: الأصل في أفعال الرسول أنها ليست واجبة، وهذا يفيدك علميًا، فمثلًا: لو احتج عليك أحد بفعل النبي ﷺ، كالوصال مثلًا أو غيره، فأنت تقول له: الفعل ليس بواجب، والأصل في الفعل الاستحباب لا الوجوب.\nثانيًا: أن أفعال النبي ﷺ على أنواع: النوع الأول: أفعال خاصة برسول الله، والأصل عدم الخصوصية، أي: أن النبي ﷺ لو فعل شيئًا يتعبد به لله، فالأمة بأسرها إما يجب أو يستحب أن تفعل هذا الفعل، أي: أن فعل النبي عام لكل الأمة وليس خاصًا به؛ لأن الأصل عدم الخصوصية، لكن هناك بعض الأفعال خاصة برسول الله بقرينة، فالقاعدة التي يقعدها العلماء: الأصل في أفعال الرسول عدم الخصوصية إلا أن تأتي قرينة تدل على الخصوصية.\nمثال ذلك: نكاح النبي ﷺ لأكثر من أربع نسوة، والله جل وعلا ما أباح للأمة أكثر من أربع نسوة، فالنبي ﷺ تزوج ثلاث عشرة امرأة، وتوفي عن تسع ﷺ: الأولى: ابنة الجون، وهي التي لم يدخل بها النبي ﷺ؛ لأن عائشة قالت لها: إذا أردت أن يحبك النبي ﷺ، ويكون شديد الحب لك، فإذا رأيتيه فقولي: أعوذ بالله منك، فانجرت المرأة لذلك؛ لأنه لم يكتب لها أن تكون زوج النبي ﷺ، وكانت جميلة جدًا، فغارت منها عائشة ولقنتها الاستعاذة، فقالت: (أعوذ بالله منك.\nفقال النبي ﷺ: استعذت بمعاذ)؛ ولذلك استنبط العلماء فقالوا: إن التقي النقي إذا قيل له: اتق الله، أو قيل له: أعوذ بالله منك، لا بد أن ينسحب، ولذلك جبريل ﵇ لما قالت مريم: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨]، فالتقي إذا قيل له: اتق الله، أو قيل له: أعوذ بالله منك، لا بد أن يتراجع، فلو أراد أن يبطش أو يظلم لا بد أن يتراجع، فقالت: أعوذ بالله منك إن كنت تقيًا، ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم:١٩]، فهي قالت للرسول: (أعوذ بالله منك، فقال: استعذتي بمعاذ الحقي بأهلك).\nوالغرض المقصود: أن النبي ﷺ له خاصة أن يتزوج أكثر من أربع نسوة.\nالثانية: المرأة الواهبة نفسها، فهذه خصوصية للنبي ﷺ أن تأتي امرأة تعرض نفسها للنبي ﷺ، فينظر فيها فإن أعجبته تزوجها بلا مهر، وهذا خاص بالنبي ﷺ، قال: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، فقال الله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، فهذه دلالة على الخصوصية.\nأما ما يحدث الآن في عصرنا فلابد من التعزير أو الجلد أو الرجم لمن يفعل ذلك، فلو أن امرأة أتت لرجل وقالت له: وهبت نفسي لك.\nوهو يقول لها: وهبت لك نفسي، فيتزوجها على ذلك طالما بلغت المحيض، أو بلغت سن الرشد -كما يقولون- وهو من بعد ٢١ سنة، فهنا لا يجوز شرعًا، فالصحيح أن الواهبة نفسها خاصة للنبي ﷺ.\nومن مثال الخصوصية للنبي ﷺ: الوصال: وهو صوم اليومين أو الثلاثة دون إفطار، فالنبي ﷺ كان يواصل الصوم، أي: كان يصوم يومًا بعد يوم، وهذه كانت خاصة للنبي ﷺ على الراجح من أقوال أهل العلم، لأنهم أرادوا الوصال فنهاهم عن ذلك وزجرهم، وأنا أقول على الراجح لأن المسألة فيها خلاف.\nفبعضهم قال: إنها خصوصية للنبي ﷺ؛ لأنه قال: (إني لست كهيئتكم) وهذه دلالة على الخصوصية.\nوأيضًا قال ﷺ: (أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني) وهذه أيضًا خاصة برسول الله ﷺ.\nالنوع الثاني: أفعال مبينة، فهذه حكمها حكم المبين، إن كانت تبين الواجب فهي واجبة، وإن كانت تبين المستحب فهي مستحبة.\nمثال ذلك: الركوع والسجود في هيئات الصلاة، فهذه الهيئات هيئات تبين أمورًا واجبة؛ لأن النبي ﷺ قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فإذًا: أي هيئة من هيئات الصلاة سترجع إلى أمر النبي ﷺ: (صلوا) فيكون بيان الواجب واجب.\nوأيضًا: قول النبي ﷺمثلًا-: (خذوا عني مناسككم) فمنها المستحب ومنها الواجب، كالرمل مستحب، والرمل: هو تقارب الخطى أثناء الطواف، وذلك في الثلاثة الأشواط الأولى كما في الصحيحين عن عائشة وابن عمر وهو يصف النبي ﷺ أنه كان يرمل ثلاثة أشواط، وحكمه مستحب، فلماذا يكون مستحبًا والنبي ﷺ يقول: (خذوا عني مناسككم)؟ والأصل هو الأمر: (خذوا عني)، لأنه معلل، والتعليل صارف؛ ولذلك يرى الشنقيطي في (أضواء البيان) أن الرمل ليس بسنة، وذلك على أساس أنه معلل؛ ولأن النبي ﷺ كان يرمل؛ لأن المشركين كانوا على الجبل ينظرون إليهم ويقولون: جاءكم قوم أصابتهم حمى يثرب لا يستطيعون السير، قد أنهكوا من شدة الحمى، فكان النبي ﷺ يبين لهم أن يغيضوا الكفار تبيينًا بالجلد، فيرملون حتى يغيضوا الكفار، وهذه سنة، وهذا تعريجًا على أن السنة أنك تغيض الكافر، وهناك أشياء تعملها هي في الأصل محرمة، ولكن إذا كانت تغيظ الكفار فتباح، كالمشية بالتكبر، فالنبي ﷺ يقول: (من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر لا يدخل الجنة) كما في الصحيحين عن أبي هريرة، ومع ذلك أبو دجانة لما أخذ السيف، مشى بين الصفين يتبختر، فقال النبي ﷺ: (هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا الموقف) فالغيظ للكفار تعبد لله جل وعلا، ولذلك استنبط ابن القيم بفقه عالٍ: أن الإنسان إذا عصى الله فتاب وأناب وخلا بربه فبكى، له أن يخرج لسانه للشيطان، حتى يغيظه، وهذا فقه عز أن يوجد في هذا الزمان.\nوالغرض المقصود: أن الرمل كان لسبب ولعلة، والعلة هذه تبين أن الأصل الاستحباب وليس الوجوب.\nفهذه الأفعال تكون أفعالًا مبينة إما لواجب فتكون واجبة، وإما لمستحب فتكون مستحبة.\nالنوع الثالث: أفعال جبلية، وهذه ليست بسنة متبعة، ومثالها: عندما تأتي وتأكل الطعام باليد وتقول هذه سنة، فهذا خط؛ لأن هذه جبلة أصلًا، وهذه من عادات العرب، فقد كانوا يأكلون بأيديهم، وأنت لو أكلت بالملعقة لا يقال لك: إنك خالفت السنة، وإنما هذه أفعال جبلية، أو أكلت بالشوكة ليس فيها شيء، فهي أفعال جبلية، وكان يلعق أصابعه؛ لأن العلة هي: أنك لا تدري أين هي البركة؟ إذًا: العق الملعقة، فلعل البركة تكون فيها، لأن العلة موجودة، فهي أصلًا أفعال جبلية.\nوأيضًا: كاضطجاع النبي ﷺ إذا نام نفخ، كما في الصحيحين عن ابن عباس قال: (وكان النبي ﷺ إذا نام نفخ) فالنفخ في النوم ليس بسنة.\nوكذلك مشية النبي ﷺ ليست بسنة.\nوتكون سنة إذا نوى المرء بالعادة عبادة، فمثلًا: إذا نوى المرء أنه يأكل بيده امتثالًا لفعل النبي ﷺ، أي: يفعل كما فعل النبي ﷺ، ويبتسم كما ابتسم النبي ﷺ، وينام كما ينام النبي ﷺ، يريد أن يفعل كل شيء صح عن النبي ﷺ بقدر الإمكان، ويسدد ويقارب حتى يفعل ذلك، يقول: أحببت رسول الله، وأحب كل فعل ورد عن رسول الله، فهذه يثاب عليها للقاعدة التي قعدناها وهي: أن العادات بالنيات تنقلب إلى عبادات، فهو إذا نوى ذلك واحتسب أجر أنه يتمثل لفعل النبي ﷺ فله بذلك الأجر.\nإذًا: الأفعال الجبلية ليست بسنة أصالة، لكن تنقلب عبادة للمرء إذا نوى فيها.\nومن الأفعال الجبلية أيضًا: أن النبي ﷺ كان يحب الدباء، فكان يتتبعه في الصحفة، وأنس قال: ما رأيت ﷺ يفعل شيئًا إلا وفعلته، وكان يتتبع الدباء، فأكل الدباء مع أنه لم يكن يحبه، لكن عندما وجد النبي ﷺ يحب الدباء فعل ذلك، أيضًا أعرف من يحب الذراع من الشاة؛ لأن النبي ﷺ كان يحبها، وأيضًا كان يحب العسل والحلوى، فهو يحب ذلك لحب النبي ﷺ لها؛ فهو يحتسب الأجر بذلك، فتنقلب له بذلك إلى عبادة يؤجر عليها.\nوالاكتحال","vol":"8","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>السنة التقريرية</span>\nالسنة التقريرية حجة أيضًا، لكنها أضعف من السنة الفعلية، فعند تعارض الفعل مع الإقرار يقدم الفعل على الإقرار، وذلك إذا لم نستطع الجمع بينهما.\nوالسنة التقريرية هي: أن يرى النبي ﷺ فعل صحابي يتعلق به حكم شرعي، فيقره عليه، أو يرى فعلًا له حكم يتعلق بحكم شرعي، فيقره على ذلك.\nمثاله: الحديث الذي في سنن أبي داود أو في المسند أن عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه كان في غزوة ذات السلاسل عندما بعث له النبي ﷺ بـ أبي بكر وعمر وأمر عليهم أبا عبيدة، وقال: (تطاوعا ولا تختلفا) وأبو عبيدة أفضل من عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه، ولكنه لا يداني أبا بكر وعمر في المكانة، فلما ذهب إليه فقال أبو عبيدة: أنا الأمير، أمرني على أفاضل الناس، وأراد أن يصلي بالناس، فقال عمرو بن العاص: لا، أنا الأمير، ولا يؤم المرء في سلطانه، قال أبو عبيدة: أمرني الرسول ﷺ: (تطاوعا ولا تختلفا، سأنزل على رأيك)، فكان هو الأمير، فوضعوا أنفسهم خلف أظهرهم، وانتصروا على أنفسهم قبل أن ينتصروا على الشيطان، ولذلك يقول بعض العلماء: لن ينتصر على الشيطان إلا من انتصر على نفسه وهواه، ولن ينتصر في الجهاد أحد حتى يجاهد نفسه وهواه، وبعض العلماء قالوا: إن خالدًا وانتصاراته التي انتصر بها على الكفار لا تداني انتصاره على نفسه عندما عزله عمر، فعندما عزله عمر أصبح جنديًا كأي جندي في الجيش، ولذلك قال النبي ﷺ: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة) لأنه لا يريد إلا رضا الله جل وعلا، فلذلك نزل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة تحت إمرة عمرو بن العاص، وفي ليلة شاتية شديدة البرودة، قام عمرو بن العاص فوجد نفسه جنبًا، فقال: كيف أصلي بالناس؟! لا بد أن أغتسل، فذهب فوجد الماء باردًا، فقال: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، فتيمم مع وجود الماء فصلى بهم وهو جنب، مع أنه علميًا لا يصح التيمم مع وجود الماء، ونحن الآن نترك الضرورة لأننا لا نعرفها، فلما ذهب عمرو بن العاص قص على النبي ﷺ القصة، فقال النبي ﷺ: (أصليت بالناس وأنت جنب؟ فقال عمرو ﵁ وأرضاه: تذكرت قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، وكان البرد شديدًا)، فبين له أنه لو اغتسل في شدة البرد لكان من الممكن أن يموت من شدة البرد، فتبسم النبي ﷺ مقرًا لفعل عمرو بن العاص، فهذا إقرار من النبي ﷺ، وهذا يكون حكمًا عامًا للأمة، أي: لو قام الرجل جنبًا ووجد الماء باردًا جدًا، وليس عنده غاز وليس عنده سخان وليس عنده أي شيء، ولا يستطيع أن يغتسل بهذا الماء البارد، فله أن يتيمم، فيأخذ التراب، أو على قول المالكية: فيما صعد على الأرض، ويضرب ضربة ويتيمم ويصلي، فيكون حكمًا عامًا بإقرار النبي ﷺ لفعل عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه.\nوفي سنن أبي داود أيضًا مثال: عباد بن بشر وعمار بن ياسر عندما كانا مرابطين، فنام عمار وقام عباد فصلى، فافتتح القراءة فجاء أحد الكفار فضربه بسهم أو برمح فنزف دمًا، وما ترك الصلاة حتى استيقظ عمار فقال: لم لم توقظني؟ قال: ما أردت أن أقطع الصلاة أو القراءة، فبلغ النبي ﷺ ذلك، فأقرهما على ذلك، فنحن نحتج بهذا الحديث، مع أن بعض مشايخنا يرى أن الدم نجس، وهذا هو قول جمهور أهل العلم، لكن الشيخ يقول: المسألة بإجماع الفقهاء أن الدم نجس، وهذا الإجماع فيه نظر كبير، بل الحسن البصري وغيره من السلف، يقولون: بأن الدم طاهر، والصحيح الراجح أن الدم طاهر، فالنبي ﷺ أقر رجل صلى ودمه ينزف، وعمر بن الخطاب لما طعنه هذا الملعون البئيس أبو لؤلؤة وكان جرحه ينزف دمًا، فصلى بهذا الدم، وكان ابن مسعود بسند صحيح يذبح الجزور ويلطخ بدمها وما فيها، ويقوم يصلي ولا يغير ثيابه، فهذه دلالة على أن الدم طاهر.\nوالدليل الآخر على أن الدم طاهر: أن الأصل عدم النجاسة حتى يأتينا الدليل بالنجاسة، ولا دليل إلا في دم الحيض، ونحن نتفق على أن دم الحيض نجس؛ لأن التصريح جاء به، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة:٢٢٢]، وحديث أسماء أو غيرها عندما قال لها النبي ﷺ: (أقرصيه ثم انضحيه بالماء) قالت: دم الحيض يصيب الثوب، فأمرها -كما في صحيح مسلم - النبي ﷺ أمرها أن تحكه وتقرصه وتنضحه بالماء، فهذه دلالة على أنه نجس، ونحن نتفق أن دم الحيض نجس.\nلكن حديث عباد بن بشر وعمار بن ياسر يدل دلالة قوية على أن النبي ﷺ أقر الصلاة بالدماء، وأن الدم ليس بنجس، وممكن يستشكل علينا من يقول بأن الطهارة في الثوب ليست شرطًا في صحة الصلاة، لكن رأي الجمهور على أنها شرط لصحة الصلاة، والصحيح الراجح كما قلت أن الخلاف فيها قوي، لكن القول: بأن في المسألة إجماع، وأن القول بطهارة الدم بدعة، فهذا كلام مستعجب، وكلام يتعجب منه المرء؛ لأنه ورد عن السلف بأسانيد صحيحة أن الدم طاهر وليس بنجس، فكيف يقال أنه بالإجماع، والخلاف فيه قوي جدًا، وإن كنت تريد ردًا على المعترض، فأنا أريد الدليل الذي يعترض به المعترض.\nفإن قال قائل: الدليل قوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:١٤٥].\nقلنا: نحن نقول معك: إن الدم المسفوح رجس، ولكن الرجس لا تدل على أنه نجس، فالخمر طاهر وقال فيها إنها رجس، وهناك بحث عالٍ جدًا يبين أن الكحول والخمر طاهرة، والشوكاني رد على من اعترض بهذه الآية وقال: اللغة لا تبين أن الرجس نجاسة، بل يشترك النجس وغيره، فهي ليست فصلًا للنزاع بل هي محتملة، والمحتمل لا يقصد به فض النزاع، ولا بد أن تأتي بدليل قاطع عليه، والدليل القاطع إنما هو في دم الحيض، ونحن نتفق على أن دم الحيض نجس، وكذلك الشهيد، ففي الحديث: (أن يبعث يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك) والأصل الطهارة وعدم النجاسة، فلا تحلني ولا تنقلني عن الأصل إلا بدليل أوضح من شمس النهار، ونحن قلنا: إن استصحاب الأصل من أقوى الأدلة إلا أن يكون هناك دليل تنقلني عنه من الأصل إلى ما تقول به أنت.\nوالغرض المقصود: أن الحديث فيه إقرار من النبي ﷺ على فعل عباد بن بشر.","vol":"8","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>أنواع الأخبار</span>\nيبقى لنا مسألة واحدة تتعلق بالسنة وهي: أنواع الأخبار، والأخبار تنقسم إلى قسمين: متواتر، وآحاد.\nفالمتواتر هو: ما نقل عن النبي ﷺ من جمع عن جمع يستحيل تواطئهم على الكذب، كألف عن ألف عن ألف، فهؤلاء يستحيل أن يتواطئوا على الكذب، وبعض العلماء اشترط فيهم شروطًا بجانب أن يكونوا ثقات، منها: أن يكون نقلهم عن طريق الحس، كالسمع أو المشاهدة، والمتواتر حجة قاطعة؛ لأنه دليل قطعي وليس دليلًا ضمنيًا، فيجب العمل به، ويجب الاعتقاد به أيضًا.\nوالمتواتر ينقسم إلى قسمين: متواتر معنوي، ومتواتر لفظي.\nفاللفظي مثل: قول رسول الله ﷺ: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار).\nوالمعنوي مثل: حديث (المسح على الخفين) فالمعنوي: أن يأتي الحديث من أكثر من طريق بنفس شروط التواتر، لكن يأتي بالمعنى لا بنفس اللفظ.\nوأما الآحاد فهو: ما نقل عن النبي ﷺ بما لم يبلغ حد التواتر؛ لأن الآحاد منه الغريب ومنه العزيز ومنه المشهور، وهو حجة أيضًا؛ لكنه ظني وليس قطعيًا، وهو يفيد العلم والعمل على الراجح من أقوال أهل العلم.","vol":"8","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>حجية خبر الآحاد</span>\nالدليل على حجية خبر الآحاد: الكتاب والسنة والعقل أيضًا، أي: الأثر والنظر.\nأما الكتاب: فعموم قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، فهذا عام، أي: ما أتاكم عن الرسول من متواتر وآحاد فعليكم أن تأخذوه.\nوأما من السنة فمثالان أوضح من شمس النهار: الأول: ما تواتر عن النبي ﷺ أنه كان يبعث الآحاد للأمم أو للكفرة أو للملوك يدعوهم إلى الإسلام، كما في صحيح البخاري ومسلم أن النبي ﷺ بعث إلى كسرى وقيصر فقال: (باسم الله، من محمد رسول الله إلى قيصر ملك الروم: السلام على من اتبع الهدى، أسلم تسلم، وإلا فعليك إثم الأريسيين)، فالذي ذهب بها إلى ملك الروم واحد، وأيضًا الذي ذهب بها إلى كسرى واحد.\nوأيضًا بعث النبي ﷺ معاذًا إلى اليمن فقال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه لا إله إلا اله) أي: أن يعبدوا الله ويوحدوه، فإن هم أطاعوك فأعلمهم بكذا وأعلمهم بكذا، والمقصود أنه بعث واحدًا.\nوأيضًا بعث معه أبا موسى الأشعري وبعث علي قاضيًا، فبعثهم يعلمون الناس التوحيد والعقيدة والأحكام، بل تواتر أن النبي ﷺ كان يبعث بالآحاد لإقامة الدين ولتعليم الناس العقيدة والأحكام الشرعية، فهذه دلالة على أن الآحاد حجة في العقيدة والأصول والفروع إن صح التقسيم.\nالثاني: ما تواتر عن الصحابة أنهم كانوا يعملون بالآحاد ولا يطرحونها، وهناك حديث مختلف في صحته وهو يبين أن أبا بكر هو أعلم الصحابة على الإطلاق؛ لأن العلوم التي عزت عنهم كانت عند أبي بكر، وذلك أنه لما دخل وقبل النبي ﷺ وقال: (طبت حيًا ميتًا)، فاختلفوا فيما بينهم، كيف يغسل النبي ﷺ؟! وأين يدفن؟! وكيف يصلى عليه؟! فكان هذا العلم عند أبي بكر؛ لأنه قال: يغسل بثيابه، وهناك حديث عن عائشة أنه أخذهم النعاس وأوحي إليهم بذلك، والمقصود أنه ورد عن أبي بكر أنه كان عنده الدليل، وقال: (كل نبي يدفن في المكان الذي مات فيه)، هذا إن صح الحديث، فالحديث مختلف في صحته، لكن المقصود أنه حديث آحاد وأخذوه من أبي بكر وعملوا به، وهذه دلالة على أن الآحاد يعمل به ولا يطرح، وهو متواتر عن الصحابة.\nوأما من ناحية النظر والعقل: فإن الرسول قد بلغ وقد ورد تبليغه عن الثقات، وهذا شرط في الآحاد حتى يصح.\nفالحديث الصحيح هو: ما اتصل سنده عن العدل الضابط أو العدل تمام الضبط -ونقول: تمام الضبط حتى نفرق بين الصحيح والحسن، فالحسن خفيف الضبط- عن مثله إلى منتهاه، ونقول عن مثله، حتى يكون الحديث صحيحًا لا بد أن تكون طبقات السند كلها عن ثقة ثبت أو ثقة ثقة، فلو وجد واحد قيل فيه: صدوق، أو صدوق يهم، لقلنا: إن الحديث نزل من درجة الصحة إلى درجة الحسن، لا عن درجة الاحتجاج، بل درجة الحسن، والمقصود أن الآحاد إذا علمت بالنظر أنها بنقل الثقة الثبت عن الثقة الثبت، عن مثله، عن الصحابي الذي عدلهم الله من فوق سبع سماوات، عن النبي ﷺ، وجب العمل به، بقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧]؛ لأن هذه هي حجية خبر الآحاد.\nواشترط بعض الفقهاء كالمالكية للعمل بالآحاد شروطًا، أما الشافعية والحنابلة -وكلامهم هو الأقوى والأرجح- فبالإطلاق يؤخذ بخبر الآحاد ويعمل به.\nفأما شروط المالكية فيه: أولًا: أن يكون خبر الآحاد لا يخالف عمل أهل المدينة، وهذه من أصول مالك أن عمل أهل المدينة يقدم على خبر الآحاد؛ لأنه يقول: إن أهل المدينة إذا اتفقوا على عمل معين فمؤكد أنهم أخذوه عن النبي ﷺ، ولو عمل أهل المدينة بحكم التواتر فيكون أقوى من الآحاد فيقدم، وهذا كلام ليس بصحيح، بل إن خبر الآحاد لا يرد في أي حال من الأحوال، وعمل أهل المدينة ليس بحجة، بل إن الصحابة الذي كانوا في المدينة قد تفرقوا في البلاد، فـ ابن عباس في مكة، وابن مسعود في العراق، ومعاذ وغيره من الصحابة تفرقوا في البلاد، فعمل أهل المدينة يمكن أن يكون من أهل المدينة، فقول النبي ﷺ: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) فهذا الحديث ورد في الصحيحين، وقد رده مالك؛ لأن عمل أهل المدينة يخالفه، وقلنا: حتى عمل أهل المدينة يوافقه، فـ سعيد بن المسيب وغيره يقول به، والزهري وغيره يخالفونه ويعملون به، والمقصود أن حديث النبي ﷺ لا يرد.\nثانيًا: ألا يخالف الأصول العامة، واتفقوا مع الأحناف في هذا الشرط، فمثلًا: النبي ﷺ قعد قاعدة وهي الخراج بالضمان، ومعناه: محمد له مال على أحمد، فأحمد قال له: نحن لنا أجل كذا وهذا رهن القرض، وأعطاه شاة رهنًا للقرض هذا، فالرجل المرتهن أخذ الرهن ويعلفه ويطعمه، فخلافًا للشافعي أنه كل يوم يحلب الشاة ويشرب لبنها، وهو ضامن لو ماتت، فالنبي ﷺ قال: (الخراج بالضمان)؛ لأنه ضمن أي شيء يأتيه منها من اللبن وغيره، فهذا يكون ملكًا له، ولا يطالبه به الراهن في أي حال من الأحوال.\nوأيضًا ردوا حديث المصراة، وهي التي يبقى الحليب فيها حتى تظهر أنها سمينة، وأنها تدر لبنًا كثيرًا فيغرر بالمشتري، والنبي ﷺ بين أن بيع المصراة لا يجوز؛ لأن فيه تغرير بالمشتري، والنبي ﷺ قد نهى عن بيع المصراة، لكن قال: (إذا رضيها المشتري فهي له، وإذا لم يرضها فله أن يردها ومعها صاعًا من تمر مقابل اللبن) فهم اعترضوا وقالوا: بعدم الأخذ بهذا الحديث؛ لأنه يخالف الأصول، فالنبي ﷺ قال: (الخراج بالضمان) فهو خرج اللبن، فلماذا يرد الصاع من التمر؟! وهي كانت بضمانه لو ماتت عنده، ولا يطالب البائع بمال، فالخراج بالضمان.\nلكن نقول لهم: أولًا: الحديث أصل بذاته، والأصول إن كانت نابعة من الحديث فهي أصل بذاتها، فالسنة أصل بذاتها، والحديث أصل بذاته، وأما الشبهة التي ألقيتموها علينا بأن الخراج بالضمان، نقول: إن قول النبي ﷺ: (الخراج بالضمان) هذا عام مخصوص بالرهن.\nثانيًا: هو لا ينزل تحت الحديث: (الخراج بالضمان) لأن اللبن اختلط، بين لبن كان محبوسًا ولبن أخذ عند الرجل فاختلط هذا بذاك، فإذا اختلط حصل النزاع، والنبي ﷺ يقول: (لا تتدابروا) وحتى لا يحصل التدابر ولا التشاحن حسم المادة وفصل النزاع وقال: (ردها وصاعًا من تمر)، حتى لم يقل: رد اللبن؛ لأنه لا بد أنك ترد اللبن نفسه أو ترد مثله.\nواشترط الأحناف بانفراد عن المالكية شرطًا وهو: ألا يخالف الحديث القياس، وهذا كلام باطل، فالقياس إذا خالف النص قلنا: إنه فاسد، لكن لهم شروط في القياس، كأن يكون جليًا، وغيرها.\nوالشرط الأخير الذي اشترطه الأحناف: أن الراوي إذا خالف ما روى رد الحديث، أي: لو أن راويًا روى رواية، وخالفها فيرد الحديث بذلك؛ لأن القاعدة عندهم: أن الحجة فيما رأى لا فيما روى، وهذا كلام متهالك؛ لأنه يحتمل أن الراوي الذي روى هذا الحديث اجتهد اجتهادًا، أو نسي الرواية فلم يتذكرها عند العمل.\nفقد ورد عن عائشة ﵂ وأرضاها في بعض الروايات أنها عملت بغيرها، وورد ذلك عن ابن عمر أيضًا وعن غيرهما، فنحن نقول: الحجة فيما روى لا فيما رأى؛ ولأنه كما قعد ابن عبد البر: لا حجة لأحد مع قول رسول الله ﷺ، وكما قال مالك وأحمد والشافعي وغيره: إذا خالف قولي قول رسول الله فاضربوا بقولي عرض الحائط وخذوا بقول رسول الله ﷺ.\nوابن عباس كما في الصحيح جلس يتكلم عن متعة الحج، فقال التابعون له: إن أبا بكر يقول بغير ذلك وعمر يقول بغير ذلك، فقال ابن عباس: أوشكت السماء أن تمطر عليكم حجارة، أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر، فإذا خالف قول الصحابي قول النبي ﷺ فلا يقدم إلا قول النبي ﷺ؛ لأنه لا حجة إلا في قول رسول الله ﷺ، وما تعبدنا الله إلا باتباع نبيه ﷺ، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠].\nوهذه هي الشروط التي اشترطها الفقهاء، وهي شروط ليست بصحيحة، وكلام الشافعية والحنابلة هو أصح الأقوال بأن: خبر الآحاد حجة بالإطلاق.\nأما قولنا: الحجة فيما روى لا فيما رأى، أي: إذا ابن عمر مثلًا قال: إن النبي ﷺ كان يرفع يديه، وهو لم يكن يرفع يديه، أو روى أن النبي ﷺ كان يصلي الضحى وابن عمر ينكر الضحى، وهناك تفصيل فقهي في هذه المسألة، وهل ابن عمر ينكر الضحى أو ينكر صلاتها جماعة؟ ورد في الصحيحين أن عروة بن الزبير لما أراد أن يخرج من عند ابن عمر وجد الناس يصلون، فسأله عن ذلك، فلما أنكرها قال: بدعة، فقال عروة: يا أم المؤمنين! -يقصد عائشة - أتسمعين ما يقول؟ فوهمت عائشة، فنحن نقول: إنه روى أن النبي ﷺ كان يصلي الضحى كل يوم سبت يذهب إلى مسجد قباء، ومن صلى فيه صلاة فهي بأجر عمرة.\nوأيضًا كان النبي صلى الل","vol":"8","page":15},{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-97> الدليل الثالث: الإجماع</span>\nالإجماع حجة معتبرة شرعًا، ومخالفه على خطر عظيم، وهو مظهر من مظاهر متانة الدين الإسلامي، وقدسية أحكامه وتعاليمه؛ لأنه لا يكون عبثًا، بل لا بد له من مستند أوجب حصول الإجماع، وقد تناوله العلماء بالتعريف وبيان أنواعه باعتبارات متعددة، وذكر مسائل كثيرة تتعلق به، وذلك لما له من أهمية في معرفة الأحكام الشرعية.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>مجمل الكلام في الدليل الثاني من أدلة التشريع: السنة</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nتقدم الكلام عن الدليل الثاني من أدلة التشريع: هو السنة، والسنة أنواع: سنة فعلية وسنة قولية وسنة تقريرية.\nمثال السنة التقريرية: إقرار الرسول للصحابي الذي صلى بالناس جنبًا متيممًا، بعد أن قال: (أصليت بالناس جنبًا؟)، فهو أقره بأنه تيمم وصلى بهم جنبًا؛ وذلك بسبب شدة البرودة، فاحتج الصحابي بالآية وهي قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩].\nوأما عن علاقة السنة بالقرآن فهي: مفسرة للقرآن، مبينة لمجمله، وناسخة له على الراجح من أقول أهل العلم، ومخصصة لعامه، ومقيدة لمطلقه.\nفمثلًا: لفظة السارق في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، فالسنة بينت أن القطع يكون من الرسغ.\nوالسنة دلالتها على الأحكام ثابتة بالأثر وبالنظر: فمن الأثر: قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ [الأحزاب:٣٦].\nوأيضًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء:١٠٥].\nووجه الشاهد هو قوله: «بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ» و(ما) هنا اسم مبهم يدل على العموم، أي: كل ما أراك الله فاحكم بينهم به، أي: أن الله أراك في القرآن حكمًا، وأراك في السنة حكمًا، فاحكم بينهم بهذه الأحكام التي أراك الله إياها.\nوالسنة حفظت كما حفظ القرآن؛ وذلك بأن قيض الله رجالًا قاموا بتمييز الصحيح من الضعيف من الموضوع فيها.\nوأما العمل بالسنة فواجب، وما صح من السنة فهو حجة ولا يجوز رده؛ لقول الرسول ﷺ: (يوشك أن يأتي أحدكم شبعان على أريكته، يقول: هذا كتاب الله بيننا، فما وجدنا فيه من حلال أحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإني قد أوتيت هذا الكتاب ومثله معه) رواه أبو داود في سننه.","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>من أدلة التشريع: الإجماع</span>\nالدليل الثالث من أدلة التشريع: الإجماع.\nهناك ثلاثة أدلة متفق عليها، وهي: الكتاب، والسنة: والإجماع، والرابع: القياس وهو مختلف فيه؛ فأهل الظاهر ينكرون القياس.","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>تعريف الإجماع</span>\nالإجماع لغة هو: العهد والاتفاق، قال الله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس:٧١]، يقال: أجمع المرء على أمر ما، أي: عزم على فعله.\nوفي الاصطلاح هو: اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد وفاة النبي ﷺ على حكم شرعي.\nفإذا نزلت نازلة من النوازل، فنظر فيها فقهاء الصحابة أو فقهاء التابعين، فاجتمع رأيهم على حكم شرعي لهذه النازلة، وقالوا: إنها تحرم، أو أنها واجبة، أو أنها مستحبة، فهذا يسمى إجماعًاً.\nوالمجتهد هو: الذي بلغ درجة الاجتهاد في العلم بالكتاب والسنة علوم الآلة.\nقوله: (اتفاق مجتهدي هذه الأمة)، يخرج بالمجتهد: المقلد، فلو اتفق المقلدة بأسرهم على مسألة ما فلا عبرة بإجماعهم، ويخرج بالمجتهد أيضًا: طالب العلم؛ لأن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: مقلد، وعالم مجتهد، ووسط، وهو طالب العلم المتبع، الذي يعلم المسألة عن قول إمام بدليله.\nأيضًا: اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ يخرج به: اتفاق الأمم السابقة، فلو اجتمعت كل الأمم السابقة فلا يؤخذ بإجماعهم.\nقوله: (بعد وفاته)، أي: أنه لا إجماع في عصر النبي ﷺ؛ لأن النبي ﷺ حال حياته هو الحاكم، وسنته هي الحاكمة، فقول بعض الصحابة: (كنا نبيع أمهات الأولاد، أو كنا نتسرى بأمهات الأولاد) ليس فيه إجماع، بل الدليل فيه هو: السنة المرفوعة عن النبي ﷺ.\nقوله: (على حكم شرعي) خرج بذلك: الحكم الوضعي، فالحكم الشرعي يدور على خمسة أحكام: واجب، مستحب، مباح، مكروه، محرم.","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>حجية الإجماع</span>\nالإجماع حجة بالأثر والنظر: أما حجيته بالكتاب: فقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] فهذا دليل على الإجماع، ووجه الشاهد هنا: مفهوم المخالفة، أي: أنكم إذا تنازعتم ولستم على الحق، فردوا الأمر إلى الله وإلى الرسول يظهر لكم الحق، فإن لم تتنازعوا فأنتم على حق، فمفهوم المخالفة في دليل الخطاب يدل على أنهم على حق مع عدم التنازع.\nوكذلك: قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] فقوله: «أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ» فهذا هو وجه الشاهد، أي: أن الله جل وعلا جعل هذه الأمة وسطًا، وجعلها شهداء على الناس، والشاهد الذي يرضاه الله جل وعلا لا يجتمع إلا على حق.\nوكذلك: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥].\nوجه الدلالة في الآية: أن سبيل المؤمنين -الذي هو الاجتماع- هو الحق؛ لأن الله توعد من خالف سبيل المؤمنين، فدل هذا على الإجماع وحجيته.\nوأما حجيته بالسنة: فهو الحديث الضعيف: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) رواه الترمذي بسند ضعيف، لكن له طرق يقوي بعضها بعضًا، فيرتقي لدرجة الحسن لغيره.\nووجه الدلالة من هذا الحديث: أن الأمة إذا اجتمعت، فإنها لا تجتمع إلا على حق.\nلكن يغنينا عن هذا الحديث: حديث متواتر وهو في الصحيحين: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم) فهذا الحديث فيه دلالة على أن هناك طائفة ستوفق للحق، وحتى لو خالفها من خالفها، فهم على الحق.\nإذًا: فاجتماعهم يكون حق وحجة، والطائفة التي تجتمع على الحق هم صفوة الأمة؛ لأننا قلنا: مجتهدي هذه الأمة، فإن لم تكن طائفة المجتهدين هم الطائفة التي تظهر على الحق فمن سيكون غيرهم؟! وأما دليل حجية الإجماع من النظر: فإن الله جل وعلا جعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وجعل أفضل صحبة صاحبت النبي ﷺ هي هذه الصحبة، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] فمن لوازم خيرية هذه الأمة أنها إذا اجتمعت لا تجتمع إلا على الحق، وهذا من تمام الخيرية ولوازمها.","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>أنواع الإجماع باعتبار الدلالة</span>\nالإجماع نوعان: إجماع قطعي، وإجماع ظني.\nالأول: الإجماع القطعي: وهو الذي أجمعت عليه الأمة بالضرورة، كالإجماع على وجوب الصلاة، والإجماع على تحريم الزنا، والإجماع على تحريم السرقة، فهذا إجماع قطعي؛ لأنه لا يحتاج إلى استنباط ولا استقراء ولا دقة نظر في الأدلة.\nوقد تواترت أقوال أهل العلم والمحققين من أهل الأصول على تكفير من أنكره، فهذا قول الآمدي والرازي والقرافي وقبلهم الخطيب البغدادي في كتابه (الفقيه والمتفقه) قال: إن من أنكر الإجماع القطعي فهو كافر، وقال القرافي: يكفر من أنكر أو من جحد الإجماع، بشرط أن يكون قطعيًا، فمن أنكر الإجماع القطعي فهو كافر.\nالثاني: الإجماع الظني: وهو الذي يحتاج إلى استقراء وتتبع واجتهاد ودقة نظر في الأدلة، وهذا لا يعرفه كثير من الناس.\nومثاله: إجماع الأمة على أن الجد له في الميراث السدس.\nومن أنكر الإجماع الظني فإنه لا يكفر بل لا يفسق، وقد نقل الآمدي الخلاف بين أهل العلم على ثبوت الإجماع الظني، وهناك قاعدة عند العلماء: أن الخلاف المعتبر لا إنكار فيه، ولكن فيه المناصحة.\nفالراجح: أنه لا يفسق ولا يبدع الذي يخالف الإجماع الظني؛ لأن ثبوته صعب.\nفهذا الإجماع القطعي والإجماع الظني من حيث الدلالة.","vol":"9","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>أنواع الإجماع باعتبار التصريح وغيره</span>\nأما الإجماع من حيث التصريح وغيره فهو نوعان: إجماع صريح، وإجماع سكوتي.\nالأول: الإجماع الصريح: وهو الذي صرح فيه كل إمام عالم مفت مجتهد من هذه الأمة بالحكم الشرعي.\nمثال ذلك: وقع في عصر الصحابة: أن امرأةً جاعت فأرادت أن تأكل فزنت بدرهمين، فجاء عمر بن الخطاب ليجلدها، ولما تكلم معها علم أنها لم تكن تعلم أن الزنا حرام، فقال عمر بن الخطاب: هي جاهلة بالحكم فلا تجلد، فوافقه الصحابة وقالوا: لا تجلد، فهذا إجماع صريح.\nوكذلك مثل: قضية التأمين، والتأمين تأمينان: تأمين تجاري، وتأمين تعاوني.\nفالتأمين التعاوني كصندوق الزمالة وغيره، وهذا لا حرج فيه، لكن التأمين التجاري يعتبر نازلة من النوازل، أي: أنه لا يوجد أحد تكلم عنه، غير ابن عابدين تكلم في التأمين البحري، فيوجد تأمين على الحياة، وتأمين على العين وغير ذلك، وهناك ممثلات يؤمنَّ على أنفسهن، ومنهن من تؤمن على عينها، أو لاعب الكرة يؤمن على رجله، فهذا التأمين يعتبر نازلة، فالشيخ ابن باز ينظر في التأمين ويقول: حرام، لكن الشيخ مصطفى الزرقا يقول: إنه جائز، والشيخ ابن عثيمين والشيخ الألباني يقولان: إنه حرام، ويأتي المجمع الفقهي في الكويت فيقول: حرام، وتأتي دار الإفتاء في الأزهر وتجتمع مع إدارة البحوث فيقولون: حرام، فيسمى هذا إجماعًا صريحًا، وقد اتفق أهل العلم على أن الإجماع الصريح حجة.\nكذلك مثلًا: البنوك الإسلامية، إن لم تكن كلها حرام فجل معاملاتها تخالف الشرع، يقول الشيخ الألباني: هؤلاء يتعاملون بتعامل أخس من تعامل اليهود، الذين قال فيهم النبي ﷺ: (قاتل الله اليهود لما حرم الله عليهم شحوم الميتة أذابوه، ثم جملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه) فهؤلاء فحول أهل العلم وأساطين أهل العلم الذين لا مخالف لهم يقولون: بأن هذه البنوك تتعامل تعاملًا فيه تحايل على الربا، فإذا قال العلماء المجتهدون: إن هذا تحايل على الربا، وأجمعوا على أنه لا يجوز، فهذا الإجماع صريح وهو حجة، لكن لو أن العلماء سكتوا عن هذه الفتوى فيسمى إجماعًا سكوتيًاً، ولا يسمى إجماعًا صريحًا.\nالثاني: الإجماع السكوتي: وهو أن يسكت علماء العصر على فتوى لمجتهد من المجتهدين دون إنكار، كأن يصل إلى العلماء أن العالم المجتهد الفلاني قال: بتحريم نقل الأعضاء، كبيع الكلى، فسكتوا، فالسكوت هنا معناه الرضا، وهذا يسمى إجماعًا سكوتيًاً.\nوهذا الإجماع اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه إجماع وهو حجة.\nالقول الثاني: أنه ليس بإجماع وليس بحجة وهذا قول الشافعية والمالكية.\nوأدلتهم في ذلك: القاعدة التي قعدها الإمام الشافعي من النظر: أنه لا ينسب لساكت قول -فأول من تكلم في القواعد الفقهية هو الشافعي، كما أنه أول من كتب في الأصول، وأول قاعدة تكلم بها الشافعي: لا ينسب لساكت قول- فإذا انتقلت الفتوى إلى إمام وسكت عنها فلا يكون حجة؛ لأن هناك احتمالات: الاحتمال الأول: أن يكون ذهل عن المسألة، لشغله بشيء آخر، ولم يفت فيها.\nالاحتمال الثاني: أن يكون خائفًا من جَوْر السلطان، كمن عايش العصر العباسي، فيصعب عليه أن يفتي بفتوى مخالفة، كما جلد الإمام مالك على فتوى أفتاها في تحريم نكاح المتعة؛ لأنهم ينقلون عن ابن عباس أنه يقول: بإباحة نكاح المتعة، فلم يكن يستطيع أحد من العلماء أن يقولها جهارًا، فقالها الإمام مالك فجلدوه.\nالاحتمال الثالث: أنه سكت؛ لأنه لم يترجح له شيء في المسألة فتوقف، فهذه احتمالات تبين أن الساكت لم يقر على هذه الفتوى.\nالقول الثالث: أنه ليس بإجماع لكنه حجة.\nالقول الأول: قول الأحناف والحنابلة: أنه إجماع وهو حجة، فقالوا: إنه إذا مرت الفتوى على عالم فلم ينكرها دل ذلك على أنه رضي بها، كما قال النبي ﷺ: (فإذنها صماتها) أي: سكوت المرأة إذن منها؛ ولذلك قالوا: السكوت علامة الرضا، وقالوا: الأصل عدم الاحتمالات.\nالقول الثالث: قول بعض الشافعية من المحققين وبعض الأحناف: أنه ليس بإجماع، لكنه حجة ظنية لا يلزم العمل به.\nومعنى هذا: أن الحجة الظنية يسوغ الاختلاف فيها، أما الإجماع القطعي فلا يجوز الاختلاف عليه، وهذا هو الفارق، فهذا القول قول وسط بين القولين، وهو الصحيح والراجح، ولو قال قائل: بأنهم إذا سكتوا على فتوى وعلمنا يقينًا أن هذه الفتوى بلغت العلماء، وانقرض عصر هؤلاء العلماء، فإنه يكون إجماعًا.\nلما أبعد.\nولكن القول الثالث: هو الراجح والصحيح.","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>الأقوال في مسألة إنشاء قول ثالث بعد الإجماع</span>\nهذه مسألة أخرى تتعلق بمسألة الإجماع، وهي: إذا اختلف العلماء في مسألة على قولين، فهل يسوغ إنشاء قول ثالث بعد القولين أم لا؟ فمثلًا: التيمم، اختلف العلماء فيه على قولين بعد الاتفاق على الجواز، أي: ما هو الذي يتمم به المرء؟ فالحنابلة والشافعية قالوا: التيمم لا يكون إلا بالتراب، بينما المالكية والأحناف قالوا: كل ما صعد على الأرض يتمم به.\nفهل يمكن لمن أتى بعدهم أن ينشئوا قولًا ثالثًا، كأن يقولوا: يجوز التيمم بورق الشجر أو بالزجاج.\nفهذا فيه خلاف بين العلماء، والخلاف هنا منشؤه: أنه حصل الإجماع على القولين فلا يسوغ الاختلاف عليه، وهذه مسألة خلافية اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال: القول الأول: الجواز مطلقًا.\nالقول الثاني: المنع مطلقًا.\nالقول الثالث: التفصيل.\nالقول الأول: قالوا: هذا ليس بإجماع، بل اسمه: خلاف، فيسوغ أن يَختلف الناس فيه أيضًا.\nالقول الثاني: قالوا: أي مسألة اختلفوا فيها على قولين ليس فيها ثمة قول ثالث.\nالقول الثالث: الذين قالوا بالتفصيل، وهو الراجح الصحيح، قالوا: لا يجوز أن ينشئوا قولًا ثالثًا في القدر المشترك بينهما؛ لأن أي مسألة فيها قولان يوجد فيها اشتراك في جزئية ما، فهذا يسمى إجماعًا، فلا نأتي بقول ثالث في هذه الجزئية، وأما في الخلاف فيجوز أن نأتي بقول ثالث.\nوبالمثال يتضح المقال: الله جل وعلا جعل عدة المتوفى عنها زوجها حولًا كاملًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠] لكن قوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤] نسخت آية: ﴿إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠]، فيسمى هذا النسخ: نسخ الحكم مع بقاء التلاوة، وهو من باب نسخ القرآن بالقرآن، وأنواع النسخ ثلاثة: الأول: نسخ الحكم والتلاوة.\nالثاني: نسخ الحكم مع بقاء التلاوة.\nالثالث: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم.\nفإذًا: عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا، لكن إذا كانت امرأة حاملة ومتوفى عنها زوجها، فبأي عدة تعتد؟ قال تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] إذًا: عدة الحامل سواء متوفى عنها زوجها أو غير متوفي عنها زوجها، كأن طلقها: أن تضع حملها.\nاختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: قول علي بن أبي طالب وابن عباس قالا: تمكث أبعد الأجلين، أي: لو كانت حاملةً في الشهر الثامن، وبقي عليها شهر واحد حتى تضع، فأبعد الأجلين هنا أربعة أشهر، أما لو كان هناك امرأة حامل في الشهر الثاني وتوفي عنها زوجها، فأبعد الأجلين هنا حتى تضع حملها.\nالقول الثاني: قول الجمهور، قالوا: المتوفى عنها زوجها إن كانت حاملة فإن عدتها وضع الحمل، واستدلوا على ذلك بحديث سبيعة الأسلمية كما في الصحيحين: (أنها كانت تحت سعد بن خولة وهو ممن شهد بدرًا، فتوفي عنها في حجة الوداع، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما انتهت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك فقال لها: مالي أراك متجملة، لعلك ترجين النكاح؟ إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرًا، قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالزواج إن بدا لي).\nفبين لها أنها تحل للرجال بعد أن تضع حملها، فهذا دليل قوي على أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها هي وضع الحمل، وهذا هو الراجح، فإذا طبقنا على هذه المسألة القول التفصيلي هنا: فهل يجوز لنا أن نأتي بقول ثالث أو لا؟ أولًا ما هو القدر المشترك بين القولين؟ القدر المشترك: أنها إذا كانت حاملة فهي في العدة، سواء مر عليها أربعة أشهر وعشرًا، أو لم تمر؛ وهذا هو القدر المشترك الذي لا يجوز إحداث قول ثالث يخالفه.\nفلو أتى شخص بقول ثالث: لا بد أن تمكث أربعة أشهر وعشرًا قولًا واحدًا، سواء كانت حاملة أو غير حامل، فهذا قول لا يصح؛ لأنهم اجمعوا على أنتهاء عدتها: إما أبعد الأجلين، وإما وضع الحمل، والقدر المشترك هو وضع الحمل.","vol":"9","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>مستند الإجماع</span>\nوهنا مسألة أخيرة وهي: مستند الإجماع: اتفق العلماء على أن الإجماع لا بد أن يكون له دليل، فإن كان مستند الإجماع الكتاب صح ذلك، ومثاله: تحريم الأم، فهذا مستنده الكتاب.\nوقد يكون الإجماع مستنده السنة، كإعطاء الجد السدس، وإعطاء الجدة السدس.\nأما إن كان مستند الإجماع الاجتهاد، فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: عدم الصحة، وأنه ليس بحجة.\nالقول الثاني: وهو القول الراجح والصحيح: أنه حجة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] وأولي الأمر هنا: العلماء.\nفدل ذلك أنه حجة، وأنه لو رد إلى أولي الأمر، واستنبطوه فاتفقوا فهو إجماع، فهذه الآية فيها دلالة على أن الإجماع الذي استند إلى الاجتهاد أنه حجة.","vol":"9","page":9},{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-106> الدليل الرابع: القياس</span>\nيعتبر القياس دليلًا شرعيًا على الراجح من أقوال أهل العلم، وقد تناوله العلماء ضمن مواضيع أصول الفقه، فأوضحوا معناه، وبينوا حجيته بالكتاب والسنة والنظر، وتناولوا أيضًاَ أركانه وشروطه بشيء من الإسهاب، وذلك لما له من أهمية في أخذ الأحكام الشرعية منه.","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>تعريف القياس</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: فالدليل الرابع من أدلة الأحكام هو: القياس، وفيه خلاف خفيف.\nالقياس لغة: التقدير والمساواة.\nيقال: قست الأرض بالمتر، أي: قدرتها به.\nومن معاني القياس: التسوية بين شيئين، ويأتي أيضًا في بمعنى: الميزان، أي: الذي توزن به الأمور، كما قال الله تعالى: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:٧] أي: الذي توزن به الأمور.\nوالقياس في الاصطلاح: إلحاق فرع بأصل في حكم بجامع بينهما، أو لاشتراك علة بينهما.\nقوله: (إلحاق) أي: سأسوي الفرع بالأصل.\n(إلحاق فرع بأصل في حكم) بمعنى: إذا كان الأصل حكمه الوجوب فسيكون الفرع حكمه الوجوب، وإذا كان الأصل مستحبًا فالفرع سيكون مستحبًا، وإذا كان الأصل محرمًا فالفرع يكون محرمًا.\nفمثلًا: أقول: إن الذهب ربوي، يعني: أن الذهب بالذهب يحرم إلا بشرطين اثنين: الأول: التقابض في المجلس.\nالثاني: المساواة.\nفأقول: بالنسبة للدولار أو الجنيه، أو بالنسبة للدرهم أو الدينار يلحق بالذهب، فالدرهم والدينار فرع، والذهب والفضة أصل، لكن كيف أعرف أن هذا أصل؟ أعرف ذلك أن الأصل هو: الذي ثبت بالكتاب والسنة أو الإجماع، أما الذي يثبت بالقياس فليس بأصل، فثبت في السنة أن الذهب بالذهب ربا إلا بالشرطين السابقين، وأما الدرهم والدينار والورق أو الدولار أو الجنيه فلم يذكر أي واحد من هؤلاء في النص، فنقول: إن الدولار بالدولار أو الجنيه بالجنيه هذا فرع، فهل نلحقه بالأصل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، فنقول: يلحق الدولار بالدولار على الذهب بالذهب الذي هو الأصل، وهذا يعني أنه ربوي، ولا بد أن يتوفر فيه شرطان: الشرط الأول: المساواة، فيكون الدولار بدولار، وألف بألف، ولو كان ألف دولار بألف وواحد دولار فهذا ربا؛ لأنه لا بد المساواة.\nالشرط الثاني: التقابض في المجلس.\nإذًا: الفرع الذي هو العملة الورقية فرع ألحقته بالأصل، وهو الذهب بالذهب الذي ثبت في السنة.\nقال: (إلحاق فرع بأصل في الحكم) فحكم الذهب بالذهب حرام إلا بالمساواة والتقابض في المجلس.\nإذًا: يبقى حكم الدولار بالدولار حرام إلا بالمساواة والتقابض في المجلس، لكن لماذا يلحق الفرع بالأصل؟ الجواب: يلحق لاشتراكهما في العلة.\nوقد اختلف الفقهاء في علة الربا بالنسبة للذهب: فجمهور أهل العلم يرون أن العلة الثمنية أو غالب الثمنية؛ لأن هناك خلافًا طفيفًا بين أهل العلم؛ فالشافعية والحنابلة أو الشافعية والمالكية يرون أن هذه العلة قاصرة لا تتعدى إلى غيرها.\nبينما قال الأحناف والحنابلة: العلة في الذهب الوزن.\nوالرأي الصحيح هو رأي الجمهور: أن العلة في الذهب أنها الثمنية أو غالب الثمنية.\nفلو قلنا بقول الأحناف والحنابلة فمعنى ذلك: أن الحديد بالحديد لا يجوز، إلا وزنًا بوزن مثلًا بمثل، لأن الأحناف يرون أن الوزن هو العلة، فأي شيء موزون عندهم يكون ربويًا، ولا يجوز إلا مثلًا بمثل مع التقابض في المجلس.\nوالصحيح الراجح: أن العلة هي الثمنية، فالعلة التي في الذهب الثمنية، والعلة في الجنيه والدولار الثمنية؛ لأنه ثمن للأشياء؛ إذ لا تشتري إلا بها، فالعلة اتفقت هنا، فالجامع بينهما علة الثمنية، فألحقنا حكم الدولار بالدولار بحكم الذهب بالذهب، ويشترط فيه شرطان حتى يصح: التقابض في المجلس، وأيضًا التساوي في العدد.","vol":"10","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>أركان القياس</span>\nالقياس له أركان أربعة: الركن الأول: الأصل.\nالركن الثاني: الفرع.\nالركن الثالث: الحكم.\nالركن الرابع: العلة.\nفالركن الأول: الأصل، وهو المقيس عليه، ويشترط في الأصل: أن يثبت بالنص، والنص: كتاب أو سنة أو إجماع.\nالركن الثاني: الفرع، وهو المقيس الذي نقيسه على الأصل.\nالركن الثالث: الحكم، والمراد به الأحكام الخمسة: واجب أو محرم، فالمراد الحكم الذي اقتضاه الدليل الشرعي، فإذا قال النبي ﷺ: (الذهب بالذهب ربا إلا مثلًا بمثل يدًا بيد) فهذا معناه: أن الذهب بالذهب مع التفاضل أو عدم التقابض ربا.\nفيكون حكمه هنا أنه حرام، فيكون الحكم هو: ما اقتضاه الدليل الشرعي من إباحة أو استحباب أو تحريم أو وجوب.\nالركن الرابع: العلة، وهي الوصف المناسب الذي من أجله وجد الحكم طردًا وعكسًا.\nكأن تقول مثلًا: حرمت الخمر للونها الأصفر، يعني: لو وجدت خمر لونها أحمر أو أبيض فهل تحل؟ لا تحل، بل هي محرمة، إذًا: هذه ليست علة؛ لأن العلة تكون وجودًا وعدمًا طردًا وعكسًا، والوصف المناسب هو الإسكار، فالإسكار هو العلة لتحريم الخمر.\nومعنى: (طردًا وعكسًا) أي: إذا وجد الإسكار وجد التحريم، وإذا انتفى الإسكار انتفى التحريم.\nفمثلًا: الخمر محرمة بالنص، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] إلى أن قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] إذًا: ثبت التحريم بالكتاب، والنبي ﷺ يقول: (سيأتي زمان على أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)، وقال ﷺ: (كل مسكر حرام وكل مسكر خمر).\nفالمقصود: أن الخمر أصل ثبت تحريمه بالكتاب والسنة.\nوالفرع: البيرة، إذ أنها ليست ثابتة لا بالكتاب ولا بالسنة، فهذا الفرع نريد أن نلحقه بالأصل، ونسويه به في الحكم، وهو الحرمة، فيكون حكم بيع البيرة أو شرب البيرة أو شراء البيرة حرام.\nفاستنتجنا هذا الحكم بجامع العلة، وهي الإسكار.\nفإن قيل: قد يشرب رجل زجاجة كبيرة فلا يسكر؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قال النبي ﷺ: (ما أسكر كثيرة فقليلة حرام) إذًا: قليله حرام؛ لأن كثيره مسكر؛ فهذا تطبيق عملي للأركان الأربعة، وكيفية إلحاق الفرع بحكم الأصل.\nفإذا قيل: الخمر أصل، وعصير الموز فرع، فهل يلحق به؟ فنقول: إن عصير الموز لا يسكر، فالعلة منتفية فلا يلحق به.\nوإذا قلنا: الخمر أصل، وماء الشعير فرع، فهل يمكن أن ألحق هذا الفرع بالأصل؟ فالجواب: لو تحققت علة الإسكار نلحقها بالخمر، فإن لم تحقق فإن الأصل في الأشياء الحل؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة:١٦٨] فـ (ما) صيغة من صيغ العموم، فكل ما في الأرض حلال طيب، إلا ما فصل لكم وحرم عليكم فإنه يكون حرامًا.","vol":"10","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>ذكر أدلة من قال بالقياس</span>\nالقياس حجة ودليل من أدلة الأحكام، وقد ثبتت حجية القياس بالكتاب والسنة والنظر.\nأما بالكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] فعندما ألحق الله العذاب ببني النضير قال لأهل الإسلام: اعتبروا يا أولي الأبصار! يعني: اعلموا أنكم لو فعلتم مثل فعلهم فسيكون العقاب نفس العقاب.\nفالأصل: بنو النضير، والفرع: المسلمون، والعلة: التعدي.\nوقال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج:٥] ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩]، فهنا قياس البعث في اليوم الآخر بإحياء الأرض بعد موتها، فالأصل: الأرض الميتة، نزل عليها الماء فاهتزت وربت؛ لأن الله أحياها بهذا الماء، والفرع: الإنسان، يموت فيبلى ويبقى عجب الذنب، فهذا الفرع نلحقه بالأصل، فيحيا كما أحيا الله الأرض، فإن السماء تمطر مطرًا كالمني، فيأتي على عجب الذنب، ثم يقوم حيًا مبعوثًا من قبل الله جل وعلا، فيبعثه الله ويحييه كما يحيى هذه الأرض.\nوأما الأدلة من السنة على إثبات القياس فهي كثير منها: ما ورد في الصحيحين عن ابن عباس: (أن امرأة أتت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: أرأيت إن كان على أمك دين أكنت قاضية إياه؟ فقالت: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى).\nفقوله: (أرأيت) فيه ضرب مثل، وضرب الأمثال قياس، فالأصل: دين الآدمي على الآدمي، والفرع: دين الله، والحكم: وجوب قضاء الدين، والعلة: وجود الدين، والدين للآدمي فيه مطالبة، فلا بد أنك تقضي الدين، وأيضًا حق الله لابد من قضائه، وهذا قياس اسمه: قياس الأولى؛ لأن النبي ﷺ قال: (فدين الله أحق أن يقضى) أي: من باب أولى، وهذا اسمه قياس جلي.\nوفي حديث آخر: (جاء رجل مغضبًا إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن امرأتي ولدت ولدًا أسود) هو أبيض وامرأته بيضاء، وأتت بولد أسود، فالأمر فيه ريبة، فجاء يعرض بامرأته، وفيه دلالة على أن التعريض لا يقام بموجبه الحد؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات.\nفقال له النبي ﷺ: (ألك بعير؟ قال: نعم، قال: ما لونها؟ قال: حمر، فقال: أفيها أورق؟ - يعني: لونه مختلف- قال: إن فيها أورقًا، فقال: من أين هذا؟) يعني: إن كان هؤلاء حمرًا، وهذا جاء: لون رصاصي، ولون مختلف عن اللون الأحمر، فمن أين جاء هذا اللون؟ (فقال: يا رسول الله! لعله نزعه عرق) يعني: جد البعير الكبير له نفس اللون، فنزع العرق منه، فقال النبي ﷺ: (وولدك لعله نزعه عرق) فهذا أيضًا قياس، فالأصل: الإبل المختلفة الألوان، والفرع: الآدمي، والحكم: أن الاختلاف في اللون لا يدل على الزنا، ولا يدل على أنه أصلًا أدخل عليه ما ليس منه.\nوعلة الإلحاق: العرق الموجود في الجلد أو في غيره.\nوالمقصود: أنه بين له وضرب له مثلًا يجعله يعرف أن هذا ليس بزنا، وهذا من باب القياس.\nوالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يقيسون الوقائع التي تنزل عليهم.\nمثال ذلك: ما ورد في الصحيحين عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: (من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه).\nفـ ابن عباس نظر فجعل العلة عدم القبض، فقال ابن عباس: (وأحسب كل شيء مثل الطعام، أو قال: أحسب كل شيء ينزل منزلة الطعام)، فقاس غير الطعام على الطعام.\nفلو أن رجلًا اشترى سيارة من معرض سيارات، فلما اشتراها تركها اتصل بوكالة، فباع لها السيارة، وصاحب الوكالة قال له: الشيكات عندي فابعث الوكيل أو الأجير الذي عندك ليأخذها، فبعثه فأخذ الشيكات والرجل في بيته، فذهب الرجل وأخذ السيارة، فهذا البيع لا يصح لعدم القبض.\nوالقبض في المنقول أن ينقله، وفي الذي لا ينقل يكون القبض بالتخلية.\nومعنى ذلك: أن المنقول -وهو الشيء الذي يحمل- يؤتي به إلى مجلس العقد، والسفن منقولة أيضًا لكن لأنها كبيرة جعلوها كغير المنقول، والعمارات والبنايات والشقق يكون القبض فيها بالتخلية، وذلك بأن تعطيه المفتاح.\nففي المثال السابق لم يقبض السيارة فلا يصح البيع، فأنا أعرج على كلام ابن عباس: (أحسب كل شيء كالطعام)، إذًا: كل شيء يشترى -سيارة، حديد، مكينة- لا يباع حتى يقبض وحتى ينقل، وهذا قياس من ابن عباس ﵁ وأرضاه.\nوكذلك كثير من الصحابة كانوا يقيسون، وبعث عمر بن الخطاب بكتاب تلقته الأمة بالقبول إلى أبي موسى الأشعري ينصحه ببعض النصائح، ثم بين له القياس، فقال: (وعليك بالفهم).\nوكان بعض علمائنا يقول: الفهم كل العلم، أو الفهم شطر العلم.\nوالفهم هو دقة النظر في الأدلة، وهذا هو الذي ينبغي على طالب العلم، ولذلك تجد في هذا العصر علماء يعلمون الحلال من الحرام لكنهم ليسوا بفقهاء، فهم علماء لكنهم ليسوا بفقهاء؛ لأنهم لا يدققون النظر، فالفهم عال جدًا، فيرتقي به العالم عن العلماء أجمعين بدرجات، أما رأيت أن الله قد قدم سليمان ﵇ على داود ﵇ بسبب الفهم مع أنه قال: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩].\nفقال عمر لـ أبي موسى: (الفهم الفهم فيما يأتيك، وعليك بالنظير والنظير، يعني: إذا أتتك المسألة ولا تعرف لها دليلًا، فانظر إلى نظيرها من الشرع ثم قف عليه.\nوالمزني تلميذ الشافعي صاحب (المختصر على الأم) قال: أجمع الفقهاء الذين رأيناهم على أن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل.\nفهذه أدلة من يقول بالقياس من الكتاب والسنة وآثار الصحابة ومن بعدهم.\nومن النظر نقول: إن الله جل وعلا خلق الخلق، وشرع الشرائع من أجل التسهيل عليهم، ومن أجل تكميل مصالحهم، فمقاصد الشريعة جاءت بإكمال المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، فهذا مقصد من مقاصد الشريعة، والقياس يحقق هذا المقصد.\nومن النظر أيضًا هناك مسائل كثيرة جدًا لم تذكر في الكتاب ولا في السنة، فألمح الله للمجتهدين أن يقيسوا فقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] فهذا الاستنباط هو من باب القياس.","vol":"10","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>ذكر أدلة من أنكر القياس</span>\nلكن الإمام ابن حزم الظاهري سل السيوف وسن الرماح ليقطع رقاب من يقولون بالقياس، ومنهجه هو مثل منهج داود الظاهري، لكن ابن حزم في كتابه (الإحكام) شد الحرب، وشنع على كل من يقول بالقياس، وهذا الرجل له حجة باهرة قوية جدًا، لكن عند تدقيق النظر يعلم بطلان هذا القول، والمقصود: أن الذين ينكرون القياس يشنعون على من يقول بالقياس.\nومن الأدلة التي استدلوا بها على رد القياس: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] فالله جل وعلا لم يقل في البيرة قولًا، والرسول لم يقل في البيرة قولًا، فإذا تكلمت في ذلك فأنت متقدم بين يدي الله ورسوله.\nالدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] فأي شيء ستتكلم فيه بدون علم - والعلم عندهم هو: العلم اليقيني، أي: الكتاب أو السنة- فقد تكلمت من غير كتاب وسنة، فأنت ستقفو ما ليس لك به علم.\nالدليل الثالث: أن الصحابة ذموا القياس، ومنهم عمر بن الخطاب فإنه قال: (إياكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فتكلموا بالرأي).\nفذموا الرأي، وأهل الرأي هم أهل قياس.\nوأيضًا عمر بن الخطاب ﵁ قال: (إياكم والمكايلة)! قيل: وما المكايلة؟ قال: المقايسة.\nفحذرهم من القياس.\nوورد بسند صحيح عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: (لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى بالمسح من ظاهره) لكننا نقف على الأثر، فهذا علي بن أبي طالب رفض القياس، مع أن الشافعي يرى مسح الأسفل والأعلى، ويقيس الأسفل على الأعلى.\nفالمقصود: أن علي بن أبي طالب أيضًا رفض القياس.\nثم قالوا: أنتم تدندنون حول القياس، وتقولون: إن الشريعة جاءت بعدم التسوية بين المختلفين، وبالتسوية بين المتماثلين، لكننا نجد الشرع جاءنا بمتماثلين وفرق بينهما، قلنا: كيف هذا؟ قالوا: المرأة تحيض فلا تصلي ولا تصوم، لكن بعد طهرها تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، وهما متماثلان في الوجوب، فلم فرقتم بين المتماثلين؟ إذًا: أنتم أصلكم باطل، فالشريعة جاءت تفرق بين المتماثلين.\nوذكروا أمثلة كثيرة منها: أن السارق تقطع يده، والغاصب لا تقطع يده.\nوهم أيضًا يحتجون بأن أول من قاس هو إبليس، فيقولون: إذًا: أنتم تتبعون إبليس، فإبليس هو قائدكم ومعلمكم؛ لأن إبليس هو أول من قاس، فإنه قال كما حكى الله عنه: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢].\nقالوا: فأنتم تتبعون خطوات إبليس، والله يحرم هذا، كما قال سبحانه: ﴿لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١].\nفنقول: الراجح الصحيح مع الجمهور، وأن القياس دليل من الأدلة الشرعية، وكفى بالأدلة التي سردتها من الكتاب والسنة والآثار عن الصحابة والنظر على أن القياس حجة ودليل شرعي.\nوالله جل وعلا بين لنا القياس بقوله: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف:١١] فهو بين أنه يثير السحاب في السماء، ثم ينزل من السماء ماءً فيحيي به الأرض بعد موتها، وأنه يحيي الموتى كما أحيا هذه الأرض البوار الميتة، فبين هذا بالقياس، والنبي ﷺ قاس، والصحابة فعلوا ذلك، فلا نعدو الكتاب ولا نعدو السنة ولا نعدو هؤلاء الذين قاسوا، وهم أفضل الأمة، وهم صحابة رسول الله ﷺ.\nوأما الرد على المخالف فنقول: إن استدلاله بقوله تعالى: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] وأن القائس متقدم بين يدي الله ورسوله، نقول: إن القياس ليس تقدمًا بين يدي الله ورسوله، فإن الله بين لنا القياس في كتابه، والرسول قد قاس، فهذا ليس تقدمًا بين يدي الله ورسوله.\nوأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] وأنك لو عملت بالقياس عملت بالظن، وظنك هذا قد يكون مخطئًا، إذًا: ستقفو ما ليس لك به علم.\nفنقول: إن الأدلة القطعية شرعت لنا الاجتهاد؛ ولذلك النبي ﷺ قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر) فهذا ليس بأنه يقفو ما ليس له علم، ولذلك اشترط العلماء أن الذي يقيس لا بد أن تتوفر فيه آلة الاجتهاد وأدواته، وهذا الكلام يقال لمن لا يملك آلة الاجتهاد، لكن المجتهد قد أحال الله العلم عليه، كما قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]؛ لأن أهل الذكر يتدبرون الأمر، ويتدبرون المسألة ويأتون بالنتيجة.\nوأما كلام عمر فيحمل على الرأي الذي يصادم النص؛ لأن عمر نفسه أصل القياس، وقال لـ أبي موسى: وعليك النظير بالنظير.\nثم إن في الأثر ما يؤيد هذا التأويل، وهو أنه قال: أعيتهم الأحاديث، فإذًا: هو يذم الذين يأخذون بالرأي مصادمين به النص.\nأو نقول: إنه يقصد أهل الأهواء الذين لا يريدون الحق في حال من الأحوال، لكن يضربون بالأحاديث عرض الحائط، وينظرون إلى رأيهم، ويقولون: نقدم العقل على النقل، وهؤلاء هم أهل الأهواء من المعتزلة والجهمية وغيرهم.\nأما قول علي بن أبي طالب: (لو كان الدين بالرأي لمسحنا الأسفل، لكني رأيت رسول الله ﷺ يمسح أعلى الخ)، فنقول: أنه أسند الفعل للرسول، وإذا جاء النص بطل الرأي وبطل القياس، فلا قياس مع النص بحال من الأحوال.\nوبهذا تسلم لنا أدلة حجية القياس، وتكون الأدلة المعارضة كلها أدلة ضعيفة لا تنتهض لنفيه.\nأما الإشكال الذي أوردوه على قضاء الصوم وعدم قضاء الصلاة فنقول: نحن أصلنا أصلًا وهو: كل قياس صادم النص فهو فاسد الاعتبار، فعندنا نص قال: (كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) فندور مع النص حيث دار، إذًا: قياس الصلاة على الصوم قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه مصادم النص.\nفهذا وجه.\nالوجه الثاني: المشقة؛ فالصوم شهر واحد في العام، فكان أيسر في القضاء، لكن الصلاة كل يوم، فيشق عليها القضاء، والله جل وعلا يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فكل ذلك يدل على أن المشقة تجلب التيسير؛ لأن من مقاصد الشريعة التيسير على البشر، فلما خالف القياس هنا مقاصد الشريعة طرح أرضًا ولم نأخذ به.\nأما قياس إبليس، فنقول: إنه قياس فاسد الاعتبار؛ لمصادمته النص.\nأيضًا لو تنزلنا معه فيكون قياسًا مع الفارق؛ لأن الماء أفضل من النار.\nومن النظر أيضًا هناك مستجدات كثيرة جاءت لو لم يكن فيها قياس لضاعت الأمة؛ ولذلك نحن نرى أن الله جل وعلا أراد أن يرفع ويبين لهذه الأمة قدر العلماء بالقياس وبالاجتهاد والنظر، فكل نازلة تنزل ترى العالم يأخذ بالكتاب والسنة ويجتهد حتى يستنبط الحكم من هذا الدليل، ولذلك قال الشافعي: وما من نازلة إلا في كتاب الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩] لكن علمها من علمها، وجهلها من جهلها، والعلم يتفاوت، فمنه علم مستنبط، ومنه علم صريح.","vol":"10","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>شروط القياس</span>\nوالقياس له شروط، ومن شروط القياس: أولًا: أن يكون الأصل قد ثبت بنص: كتاب، أو سنة، أو إجماع، إلا أن الإجماع ليس نصًا، لكنه دليل على النص، وهذا على قول الجمهور.\nومثاله: الإجماع على أن الإسورة والطوق حلال، وبناءً عليه نقول: إن الإسورة أصل؛ لأنها تحل بالإجماع، فيلحق بها الفرع وهو: الخلخال، فيكون حلالًا.\nومن الأمثلة أيضًا: (الورق بالورق ربا) والورق هو: الفضة، فالنبي ﷺ يقول: (الفضة بالفضة ربا إلا أن تكون يدًا بيد مثلًا بمثل) أي: يشترط التقابض في المجلس، والمساواة.\nفالفضة أصل؛ لأنها ثبتت بالنص، والدولار فرع، فيلحق بها.\nثانيًا: أن يكون الأصل له علة، والعلة لها صفات سيأتي الكلام عنها، ولما أقول: لا بد أن يكون الأصل معللًا، يخرج بذلك: الأمر التعبدي، مثل: وضع اليد اليمني على اليسرى في الصلاة، فلا نقول لمن كان خارج الصلاة: لا بد أنه يمشي وهو واضع يده اليمنى على اليسرى تحت الصدر كما في الصلاة؛ لأن الأمر هنا تعبدي، ولا توجد علة للإلحاق.\nفإن قيل: إذا أصاب لعاب الكلب الثوب فهل يقاس على ولوغه في الإناء؟ نقول: غسل الإناء عند جمهور أهل العلم أمر تعبدي، لكن الشيخ أحمد شاكر بين أن له علة، إذ أن لعاب الكلب يسبب الدودة الشريطية، ولا يميتها إلا الغسل بالتراب مع السبع الغسلات، فالثوب إذا وقع فيه لعاب الكلب يغسل سبعًا ويعفر الثامنة بالتراب.\nومن الأمور التعبدية: الركوع قبل السجود، وتقبيل الحجر الأسود، ولهذا قال عمر: (إني أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك).\nومن الأمور التعبدية: الغسل من خروج المني بشهوة، فلا يلحق به خروج المذي أو الودي، فلا نقول: عليه الغسل، إلحاقًا للفرع بالأصل الذي هو: نزول المني من مكان معلوم، ونزول المذي من مكان معلوم، والمني ينزل بشهوة والمذي ينزل بشهوة، فيلحق المذي بالمني؛ لجامع الشهوة؛ لأن هذا الحكم تعبدي غير معلل.\nوضرب بعض المشايخ أيضًا مثالًا آخر وهو: أن النبي ﷺ أمر بالوضوء من لحم الجزور، وهذا هو قول الحنابلة وهو الراجح، مع أن جمهور الفقهاء على أن الوضوء مما مست النار كان أول الأمر ثم نسخ.\nوالنووي رجح القول بالوضوء، والعلماء يقولون: إنه لا يخرج عن الشافعية قيد أنملة، لكن لا يجبره على الخروج إلا الدليل، وقد خالفهم أيضًا في مسألة سجود السهو، فقال: الحجة مع الشافعي والأقوى مع مالك، فأقوى الكلام على سجود السهو للمالكية ثم الشافعية.\nفبعض العلماء قال: يجب الوضوء من لحم الجزور؛ لأنها كما قال النبي ﷺ: (خلقت مما خلق منه الجان) فبعضهم علل الأمر بالوضوء بهذا، لكن الصحيح الراجح أن الأمر تعبدي وليس بمعلل، فمن قال مثلًا: إذا أكل الرجل لحم النعامة توضأ منه، قياسًا على لحم الجزور، نقول له: قياسك باطل؛ لأنه فقد شرط: العلة.\nثالثًا: أن تكون العلة مناسبة للحكم، أي: أن الحكم يوجد معها حيث وجدت، وينتفي حيث انتفت، فتكون العلة موجودة طردًا وعكسًا، ففي الدولار العلة الثمنية، إذًا: لابد فيه من المثلية والتقابض في المجلس، والعلة هي الثمنية، فإذا وجدت وجد الحكم الذي هو وجود التقابض في المجلس والمساواة، فالدولار بالجنيه يصح بشرط التقابض في المجلس؛ لأن العلة هي الثمنية فهي متفقة، فالدولار بالجنيه لابد أن يكون في المجلس ولا يصح أن يكون نسيئة، وجودًا وعدمًا.\nفدولار بدولار لا بد من شرطين: أن يكون هناك مساواة، ولا بد من التقابض في المجلس، ودولار بجنيه أو بألف جنيه يصح لكن بشرط التقابض في المجلس للعلة التي بيناها.\nأيضًا: إذا وجد الإسكار أصبح خمرًا وأصبح محرمًا، وإذا انتفى الإسكار انتفى التحريم، فشراب الموز حلال؛ لأن علة الإسكار منتفية فانتفى الحكم، وإذا وجد الإسكار في البيرة يوجد الحكم وهو التحريم؛ لأن العلة إذا وجدت وجد الحكم.\nإذًا: لا بد أن تكون العلة موجودة طردًا وعكسًا، أي: وصفًا مناسبًا.\nفمثلًا: لو قلت: العبد إن كان أسودًا فتخير امرأته الحرة إما أن تتركه وإما أن تبقي معه، فـ بريرة لما أعتقتها عائشة ﵂ وأرضاها سعى خلفها مغيث من شدة الوجد والغرام والعشق، فكان يبكي، فنظر النبي ﷺ إليه فتعجب، فقال: (يا عباس! ألا تعجب من حب مغيث لـ بريرة، وبغض بريرة لـ مغيث!) فلما أشفق النبي ﷺ على مغيث ذهب إلى بريرة فقال لها: (تزوجيه أو قال: اقبليه) يعني: لا تختاري العتق، فقالت: (يا رسول الله! تأمرني؟ قال: لا، إنما أنا شافع، فقالت: إذًا لا أريده) فهي لم ترده لأنه أسود؛ ولو كان أبيض لكانت تجبر عليه؛ بل السواد والبياض لا يؤثر في الحكم، فلابد أن العلة تكون وصفًا مناسبًا، وجودًا وعدمًا، لا أن تكون وصفًا غير مناسب، كالسواد مثلًا في العبودية.\nرابعًا: ألا يصادم القياس نصًا؛ لأنه إذا صادم النص يصبح قياسًا فاسد الاعتبار، فلا بد أنك إذا أردت الاجتهاد في المسألة أن تبحث عن النص في الكتاب أو في السنة، فإذا لم تجد فلك أن تقيس، أما أن تقيس والنص موجود فهذا فساد في العقل وفي الاعتبار، فلا قياس مع النص.\nوالأمثلة على ذلك كثيرة، نذكر منها مثالين: المثال الأول: قول الأحناف: إن للمرأة البالغة الرشيدة أن تزوج نفسها؛ لأن لها ذمة مستقلة قياسًا على البيع، فإن لها أن تشتري وتبيع بالاتفاق، فقد جعلتم لها تصرفًا وصححتم هذا التصرف ولها ذمة مالية، فلها أن تأخذ المهر وتزوج نفسها من رجل، والمهر كأنه هبة لما استحل من فرجها، فهي أشبهت البيع والشراء، فلها أن تزوج نفسها، وهذا قياس بديع وقياس قوي، لكن الرد عليهم أننا نقول: هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لمصادمته للنص، وهو حديث: (لا نكاح إلا بولي) أما زيادة: (وشاهدي عدل) فقد ضعفها كثير من أهل العلم وإن صححها بعضهم، وأيضًا قوله ﷺ: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل، وإذا اختلفوا أو تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له).\nالمثال الثاني: قال النبي ﷺ في بيع المصراة: (فليردها وصاعًا من تمر) فأنت أخذت لبنًا، فالقياس أنك إذا رددت ترد المثل، والدليل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦] وأيضًا قول النبي ﷺ: (طعام بطعام وإناء بإناء) فطعام بطعام أي: إما هو أو مثله؛ ولذلك ابن حزم تمسك وقال: لا بد أنه يرد اللبن أو يرد مثله، وإن لم يستطع فقيمة اللبن، فالنبي ﷺ قال: (وصاعًا من تمر).\nفمن قاسها على المثليات نقول له: هذا قياس فاسد مصادم للنص؛ لأن النبي ﷺ أمر بردها وصاعًا من تمر.\nخامسًا: أن يكون وجود العلة في الفرع كوجودها في الأصل، مثل أن تقول: قال الله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] فالعلة هنا: الإيذاء؛ ولذا حرم كل قول أو فعل تجاه الوالدين اشتمل على الإيذاء.","vol":"10","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>تمارين على القياس</span>\nقال النبي ﷺ: (لا يبع أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب أحدكم على خطبة أخيه) فالأصل هنا، البيع على بيع الأخ، وحكمه: حرام، للنهي الوارد، والعلة هي: التباغض والتحاسد، والفرع: أن يستأجر أحد على أحد، كأن يأتي رجل يستأجر شقة بمائة، فيأتي آخر حاسد مبغض فيستأجرها بمائة وعشرة، فيكون قد استأجر على استئجار أخيه، فهذا لا يصح؛ فهو فرع يلحق بالأصل؛ بعلة التدابر والتشاحن والتباغض والتحاسد.\nمثال آخر: النبي ﷺ يقول: (لا يرث القاتل) يعني: أن القاتل لا يرث، فالأصل هو: القتل، والحكم هو: تحريم التوريث، والعلة هي: الاستعجال لكي يأخذ الميراث.\nومن الأمثلة: ابن الابن يحجب الأخ حجب حرمان، فالأصل: أن ابن الابن يحجب الأخ، وحكمه: الحجب، والعلة: وجود الفرع الوارث، ويقاس على الفرع: الجد، أي: أب الأب، ولذلك قال ابن عباس: (ألا يتقي الله زيد؟! أما يقول: إن ابن الابن يحجب الأخ؟! فلم لا يقول: إن أب الأب يحجب الأخ؟!) يعني: لأن العصبة، وهو: الأصل مثل الفرع، وإن لم يكن أقوى منه فهو مثله.\nفإذًا: يقاس أب الأب على ابن الابن في حجب الأخ.","vol":"10","page":7},{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-113> الاستحسان</span>\nالاستحسان هو حكم خاص يخالف الأصل العام أو القاعدة الكلية، وللعلماء فيه قولان: الأول: أنه لا يعتبر دليلًا شرعيًا بحال من الأحوال.\nوالثاني: أنه يعتبر دليلًا شرعيًا، والتفصيل في القولين: أن ما كان مستنده الشرع فيصح العمل به، وما كان مستنده الهوى فلا يصح العمل به.","vol":"11","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>تعريف الاستحسان</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: الاستحسان في اللغة هو: ما يهواه المرء ويتلذذ به ويميل إليه، وإن كان مستقبحًا عند غيره.\nوفي الاصطلاح له تعريفات كثيرة جدًا، وأفضلها: العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص، وهذا لا يكون استحسانًا، فسيكون إما قياس أو نص.\nوهناك تعريف آخر أسهل جدًا، وهو: حكم خاص يخالف الأصل العام، أو هو: قضية جزئية أو مسألة جزئية تخالف القاعدة الكلية لدليل جاء بذلك.\nوبالمثال يتضح المقال: بيع المعدوم، الأصل فيه أو القاعدة الكلية فيه أنه لا يصح فهو حرام، فننظر إلى مسألة جزئية اختلفت عن نظائرها وهي: بيع السلم، فهي قضية جزئية اختلفت عن القضية الكلية، أي: عن الأصل العام، فإن بيع المعدوم لا يجوز والسلم يجوز، فمثلًا: أنت تريد التمر، فيأتي إليك صاحب التمر فيصف لك، ويقول: التمر الذي يخرج من أرضي تمر جنيب رطب، وطوله كذا، سيخرج ألفًا فقط خمسة أوسق وسيكون ثمنه في أوان الجذاذ أربعين ألفًا، لكن لأنه سيأخذ الثمن مقدمًا، فسيأخذ منه ثلاثين ألفًا فقط؛ لأن الشرط في السلم أن يقدم الثمن وتؤجل السلعة، ولما يأتي أوان الجذاذ يعطيه نفس الوصف، ولو خالف الوصف فإن البيع لا يتم.\nفهذا بيع معدوم، لكن استثناه النبي ﷺ من القاعدة الكلية، وبعض العلماء قالوا: هذا استحسان، وسنبين أنه استحسان بالدليل، وهو في قول النبي ﷺ: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم).\nإذًا: هذا معنى الاستحسان: فهو استثناء قضية جزئية من قضية كلية تخالفها في الحكم لدليل شرعي، وخرج بقولنا: الدليل الشرعي: الهوى.","vol":"11","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>اختلاف العلماء في العمل بالاستحسان</span>\nأما حجية الاستحسان فقد اختلف العلماء فيه على قولين، والراجح التفصيل: القول الأول: أنه ليس دليلًا شرعيًا بحال من الأحوال، وهذا قول جمهور الشافعية، ولذلك ورد في الرسالة عن الشافعي أنه قال: من استحسن فقد شرع فهو ينكر أشد الإنكار على الاستحسان، فالمسألة ليست بالهوى: العلم قال الله قال رسوله وقال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه وأصحاب هذا القول قالوا: وبالنظر نحن لم نؤمر أن نتبع في الأحكام إلا ما جاء الدليل به، وأقواه الكتاب، ثم السنة المتواترة، ثم الآحاد، ثم الإجماع، ثم القياس على الخلاف الذي بيناه، قالوا: وما أمرنا إلا بذلك، فكيف نجعل للهوى تحكم في أمور الشرع؟ فنحن لا نتبع الشرع.\nالقول الثاني: أنه حجة، وهذا قول الأحناف، وبعضهم يستدل لهم بقول النبي ﷺ: (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن)، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٥].\nوهذا القول ضعيف جدًا لما يأتي: أولًا: الحديث لا يصح مرفوعًا، فهو في مسند أحمد، لكنه موقوف على ابن مسعود بسند صحيح.\nوأنا أقول: (ما رآه المؤمنون حسنًا فهو حسن) ليس المقصود كل المؤمنين، وإنما المراد: المجتهدين، وبذلك قد يكون إجماعًا.\nوأما الآية فهي في: الهدايات والتوحيد.\nوبعض الشافعية أخذوا بالاستحسان، لكن ليس الاستحسان الذي هو حكم بالهوى، ولا مشاحة في الاصطلاح، فكثير من الأحكام التي قالها الأحناف استحسانًا كان لها دليل شرعي، فيكون استحسانًا؛ لأن مستنده الشرع، ونحن نوافق على هذا، وهذا الاستحسان يكون حجة، أما الاستحسان النابع عن غير دليل شرعي فليس بحجة شرعية.","vol":"11","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>مستند الاستحسان</span>\nأما حجية الاستحسان فقد اختلف العلماء فيه على قولين، والراجح التفصيل: القول الأول: أنه ليس دليلًا شرعيًا بحال من الأحوال، وهذا قول جمهور الشافعية، ولذلك ورد في الرسالة عن الشافعي أنه قال: من استحسن فقد شرع فهو ينكر أشد الإنكار على الاستحسان، فالمسألة ليست بالهوى: العلم قال الله قال رسوله وقال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه وأصحاب هذا القول قالوا: وبالنظر نحن لم نؤمر أن نتبع في الأحكام إلا ما جاء الدليل به، وأقواه الكتاب، ثم السنة المتواترة، ثم الآحاد، ثم الإجماع، ثم القياس على الخلاف الذي بيناه، قالوا: وما أمرنا إلا بذلك، فكيف نجعل للهوى تحكم في أمور الشرع؟ فنحن لا نتبع الشرع.\nالقول الثاني: أنه حجة، وهذا قول الأحناف، وبعضهم يستدل لهم بقول النبي ﷺ: (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن)، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٥].\nوهذا القول ضعيف جدًا لما يأتي: أولًا: الحديث لا يصح مرفوعًا، فهو في مسند أحمد، لكنه موقوف على ابن مسعود بسند صحيح.\nوأنا أقول: (ما رآه المؤمنون حسنًا فهو حسن) ليس المقصود كل المؤمنين، وإنما المراد: المجتهدين، وبذلك قد يكون إجماعًا.\nوأما الآية فهي في: الهدايات والتوحيد.\nوبعض الشافعية أخذوا بالاستحسان، لكن ليس الاستحسان الذي هو حكم بالهوى، ولا مشاحة في الاصطلاح، فكثير من الأحكام التي قالها الأحناف استحسانًا كان لها دليل شرعي، فيكون استحسانًا؛ لأن مستنده الشرع، ونحن نوافق على هذا، وهذا الاستحسان يكون حجة، أما الاستحسان النابع عن غير دليل شرعي فليس بحجة شرعية.","vol":"11","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>الاستحسان المستند إلى الشرع</span>\nمثال الاستحسان المستند إلى الشرع: بيع السلم؛ لأن القاعدة الكلية: أن بيع المعدوم يحرم، العلة في ذلك: الغرر، وكذلك بيع الجمل الشارد أو العبد الهارب؛ لوجود الغرر، فإن المشتري لا يستطيع أن يحوز الجمل الشارد أو العبد الهارب، فهذا لا يصح ولا يجوز، فالأصل من بيع المعدوم أنه لا يحل للغرر الذي فيه، ويستثنى منه السلم مع أنه بيع معدوم، لكن أباحه النبي ﷺ فقال: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم).","vol":"11","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>حكم بيع الاستصناع</span>\nوالأحناف قالوا في بيع الاستصناع: أنه يصح استحسانًا، ومستندهم الإجماع؛ وهو أن الأمم أجمعت على أن هذا البيع صحيح.\nفمثلًا: رجل ذهب إلى نجار موبيليا وقال له: اصنع لي غرفة نوم، فهذا كالسلم عند جمهور أهل العلم دون الأحناف، ولا يجوز عندهم التعامل بهذه المعاملة حتى يقول لك: غرفة النوم بألف جنيه -مثلًا- فتعطيه الألف جنيه مرة واحدة نقدًا، ولا يجوز لك أن تعطيه بالتقسيط.\nفالاستصناع سلم ناقص الشروط عند مالك، وأحمد والشافعي وجمهور أهل العلم، ولا يجوز لإنسان أن يقول للنجار: اصنع لي غرفة نوم، إلا أن يعطيه كل ثمنها نقدًا ولا يقسطه.\nأما الأحناف فقالوا به، وأيضًا المجمع الفقهي في الكويت أفتى بحل الاستصناع، والصحيح الراجح: أنه لا يصح ولا يحل.\nومثله أيضًا البنايات، فمثلًا: رجل بنى الدور الأول وباع إلى الدور التاسع؛ وهو ما عنده إلا الدور الأول، فهذا أيضًا بيع معدوم لا يصح؛ لأنه سلم ناقص الشروط، فإن أرادها فلابد أن يعطيه كل الثمن نقدًا، وهذا على خلاف بين العلماء، وهو خلاف معتبر.\nفالغرض المقصود أن الأحناف يقولون: بأن الاستصناع يصح استحسانًا، فلو قلنا: إن الاستحسان باطل شرعًا، فإننا سنبطل الاستصناع، ولو قلنا: إن الاستحسان مستند للإجماع، فليس بصحيح، فإن جمهور أهل العلم يرون أنه سلم ناقص الشروط.\nوالأحناف اشترطوا شروطًا في الاستصناع حتى يصح، فقالوا: إن البيع غير ملزم، فالرجل الذي أعطى للبائع الألف جنيه، أو أعطى له خمسمائة أو ثلاثمائة أو أربعمائة فصنع له غرفة النوم، فالبائع لما صنع غرفة النوم سيبيعها بعد الاتفاق بألف، فلو جاءه مشترٍ آخر فقال: الغرفة هذه جيدة جدًا أنا أشتريها منك بألفين، فللبائع أنه يبيعها؛ لأن الاستصناع غير ملزم، فما الذي سيحدث بعد هذا؟ فلو أخذنا بقول الأحناف فإنه سيحدث تشاحن بل تقاتل، فالذين أفتوا بحل الاستصناع لم يأخذوا بشرط الأحناف وقولهم، والذين قالوا بالحرمة لم يوافقوا شرط الأحناف، فالذين قالوا: بأن بيع الاستصناع صحيح فليعملوا بشروط أبي حنيفة وهي: الشرط الأول: أن البيع غير ملزم.\nالشرط الثاني: أنه غير مؤقت، فلا تستطيع أن تلزمه بإنجازه في مدة معينة، كشهر مثلًا.\nفالصحيح الراجح: أن الاستصناع لا يصح.","vol":"11","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>الاستحسان المستند إلى العرف</span>\nأيضًا: الاستصناع الذي مستنده العرف، والعرف دليل شرعي، فمثلًا: رجل أوقف كتبًا، وجمهور أهل العلم يرون أن الوقف لا يكون إلا في غير المنقول، أي: في العقارات، كالمباني والأراضي، أما فيما ما ينقل كالثلاجة فلا.\nوالقاعدة العامة أو الدليل العام أن المنقول أيضًا يوقف، وهذا هو الصحيح، فمثلًا: يصح وقف كتب العلم على طالب العلم؛ ويمكن أن يأخذه ويذهب به إلى بيته ويبحث فيه ثم يرجعه، وكذلك الشريط فيصح وقفه، فيأخذه ليستمعه ثم يرجعه، ومستند ذلك العرف، وإن قلنا بالدليل العام، فالشرع نص بأنه يستحسن؛ وما كان مستنده النص فليس استحسانًا.","vol":"11","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>الاستحسان المستند إلى المصلحة</span>\nيبقى لنا الاستحسان بالمصلحة ثم تضمين الصناع، فمثلًا: أعطيت رجلًا قميصًا ليصلحه أو ليكويه، وأعطيته أجرة على ذلك، فتلف عليه القميص أو احترق، فهل يضمنه أم لا؟ القاعدة العامة أنه لا يضمن؛ لأن الأجير يده يد أمانة، وكذلك المضارب، وعندما استأجرت هذا الرجل وأنت تعلم أنه متقن، وتعلم أنه أمين فيده يد أمانة ليس يد ضمان، لكن علي بن أبي طالب ﵁ وغيره لما وجد أن الذمم خربت، وأن الصناع تلاعبوا استحسن أن يضمن الصانع، فنحن نقول: هذا ليس استحسانًا، ولكنه من باب الشرط، والمسلمون عند شروطهم.\nفصانع الملابس أو الذي يصلحها يضمن إن تلف عنده الثوب، وذلك ما لم يفرط فيه بحال من الأحوال.\nفالعلماء قالوا: تضمين الصناع هذا من الاستحسان، ونحن نقول: هو ليس من الاستحسان، إنما هو من باب المسلمون عند شروطهم.\nفالرسول ﷺ عندما استعار من صفوان بن أمية قال له: (عارية مضمونة)، والأصل عند جمهور أهل العلم أن يد المستعير يد أمانة لا يد ضمان، لكن عندما قال له: (عارية مضمونة)، فإنه اشترط له ضمان العارية.\nفالاستحسان يكون دليلًا إن كان مستنده الشرع، أما إذا كان مستنده الهوى والميل، فلا يجوز في حال من الأحوال.\nبهذا انتهينا من باب العرف والاستحسان، ويبقى لنا سد الذرائع والمصالح المرسلة في الأدلة المختلف فيها، ثم ندخل على مسألة الاستنباط العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين، وبعدها يكون فصل التعارض والترجيح والاجتهاد، ثم التقليد، ونكون بإذن الله قد انتهينا من الأصول.","vol":"11","page":8},{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-121> المصالح المرسلة</span>\nالشريعة الإسلامية مبناها على مصالح العباد في المعاش والمعاد، فهي مصالح وحكم كلها، فكل مسألة خرجت إلى المفسدة والعبث فليست من الشريعة، وإن من المصالح ما شهدت لها أصول الدين العامة، وكانت المصلحة متحققة لا متوهمة، وقد اتفق الأئمة الأربعة على العمل بها، وإن اختلفوا في الاصطلاح على تسميتها.","vol":"12","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>أقسام المصالح في الشريعة</span>\nإن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: المصالح في الشريعة تنقسم إلى أقسام ثلاثة: مصالح معتبرة، ومصالح ملغاة، ومصالح مرسلة.\nفالمصالح المعتبرة هي: التي اعتبرها الشرع وجاء النص بها.\nوالمصالح الملغاة هي: التي ألغاها الشرع وجاء النص بإلغائها.\nوالمصالح المرسلة هي: التي لم يأت النص عليها لا بإلغاء ولا بإقرار.\nومن أمثلة المصالح التي جاء الشرع بإبطالها: الربا، ففيه مصلحة للمقرض، فهو يعطي الألف ويأخذها ألفًا ومائة، أو ألفًا ومائتين.\nفالمرابي له مصلحة شخصية، لكن هذه المصلحة الشخصية تضر بالآخرين، فلذلك ألغاها الشارع.\nأيضًا: نكاح المتعة، فيه مصلحة للذي يتمتع، لكنه يضر بالأعراض، فلذلك ألغاها الشرع وأبطلها.\nأيضًا: بيع الخمر، ففيه مصلحة لبائعه، لكن جاء الشرع بإلغائها أيضًا، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩].\nأيضًا: هناك مصلحة متوهمة، وهي: تسوية الذكر بالأنثى في الميراث، فهذه مصلحة متوهمة جاء الشرع بإلغائها، قال تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١].\nوقد تكلم في ذلك كثير من المتنطعين وأرادوا رد الآية، والصحيح: أن الله جل وعلا قد فرق بينهما لحكم عظيمة.\nأيضًا: فتوى الفقيه الذي أفتى الأمير الذي حنث في يمينه بأن يصوم، مع أن عتق الرقبة هو المطلوب؛ إذ الشرع متشوف للعتق، لكنه رأى أن العتق سيكون سهلًا على الأمير، وهو يريد أن يعزره ويشدد عليه في الكفارة، فأمره بالصيام.\nوالصحيح الراجح: أن عتق الرقبة هو الأولى، وكان عليه أن يأخذ به، وإن كان في الصيام مصلحة تعزير له، أو حتى يتحمل المشقة فلا يفعل مثل ذلك مرة ثانية، لكن عتق الرقبة مصلحة أكبر منها بكثير، فلذلك الشرع قال بعتق الرقبة، فهذه مصلحة تعتبر ملغاة بالنسبة لهذه المصلحة المتوهمة.\nإذًا: كل ما أمر به الشرع فهو مصلحة معتبرة، وقد جاء الشرع بإقرار المصالح وتكميلها.","vol":"12","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>تعريف المصلحة المرسلة</span>\nالمصلحة لغة: ضد المفسدة، والمصالح ضد المفاسد، ويقصد بها: جلب المنفعة ودفع المضرة.\nواصطلاحًا هي: المسألة النافعة للناس، الضرورية لهم، ولم يرد عن الشرع اعتبار لها أو إلغاء بعينها، ولكن شهدت لها أصول الدين العامة ومقاصد الشريعة.\nقولنا (مرسلة) أي: لم يأت عليها دليل بإلغاء ولا باعتبار، فالمرسل هو: المطلق الذي لم يأت دليل من الشرع بإلغائه ولا دليل من الشرع باعتباره.\nوقولنا: (النافعة للناس) أي: أن النافع للناس ضروري وغير ضروري، والضروري: ضروري ديني، وضروري دنيوي.","vol":"12","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>الضرورات الدينية</span>\nأما الضروري الديني فمثل: حفظ الدين، وهذه مصلحة كبرى، فالشرع أمر بقتال الكفار لحفظ الدين، ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [النساء:٩١]، وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) [الأنفال:٣٩] فهذا مصلحة معتبرة وهو حفظ الدين.\nأيضًا: المرتد إن لم يتب يقتل -على خلاف فقهي مشهور- كما قال النبي ﷺ في الصحيح: (من بدل دينه فاقتلوه)، فهذا كله لحفظ الدين، فلذلك نرى أن بعض الناس الذي يسب الدين ويتجرأ على دين الله عندما ينصح تجد آخر -كأنه لم يشتم رائحة علم- يقول لك: مصلحة الدعوة تقتضي أن تتركه، حتى لا تنفر الناس منك، ولماذا تنكر عليه سب الدين؟ فنقول: إن المصلحة أكبر من ذلك، فالمصلحة الأكبر هي حفظ الدين، والرجل قد ضيع دينه، ولو مات وهو يسب الدين لمات كافرًا، فأنت يجب عليك أمران تجاه هذا الرجل: الأول: أن ترده لدينه؛ لأنك لو تركته يسب الدين وسكت عنه، ثم مات كافرًا، فإنه يخلد في نار جهنم، فأنت رفقًا به رده إلى دينه.\nالثاني: حتى لا تجرأ أحدًا غيره على دين الله جل وعلا، فلا بد أن تذهب فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بالتواضع، فتقول له: اتق الله لا تسب الدين، قل: لا إله إلا الله، وهو يستمع لك، لكن أن تسمع سب الدين وتسكت، ولا يحترق قلبك مما تسمع، ولا تتحرك لتنهى عن هذا المنكر بدعوى أن هذه من أجل الدعوة فهذا خطأ، فحفظ الدين من المصالح الكبرى.\nأيضًا: حفظ النفس، ولذلك شرع الله القصاص، قال الله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩] وهذه من أكبر المصالح، فالله جل وعلا حرم قتل النفس إلا في حالة واحدة وهي: قتل الوالد لولده، لكن من الذي يقتل؟ النفس بالنفس، فالله جل وعلا ما أباح دم المسلم إلا في قتل النفس بالنفس.\nأيضًا: حفظ العقل، ولذلك حرم الله الخمر، والنبي ﷺ حرم كل مسكر، فقال: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام).\nفحرم كل المسكرات حفاظًا على العقل.\nومن المصالح الكبرى أيضًا: حفظ العرض والنسب، لذا حرم الشرع الزنا، ولذلك كان من المصالح سد الذرائع التي سدها عمر بن الخطاب مع نصر بن حجاج، فقد كان يسير ليلًا، فسمع نساء المدينة يقلن: من أصبح أهل المدينة؟ أي: من أوسم وأجمل شكلًا ومنظرًا؟ فقلن: نصر بن حجاج، فذهب إليه فرآه وقد وهبه الله جمالًا عاليًا، فقال: أنت مصبحهم، تعال ثم أمر بالحلاق فقال: احلق له شعره، فحلق شعره عن بكرة أبيه، فازداد الرجل جمالًا، ثم نظر إليه عمر وقال: ما ازدت إلا جمالًا، تعمم يعني: البس العمامة، فلما تعمم ازداد الرجل جمالًا، فقال: لا تمكث في هذه البلدة، ونفاه، ثم قال شعرًا يذكر فيه أنه ما ذنبي أني خلقني الله بهذه الصورة، لم تنفيني عن بلدي وتغربني عن أهلي ومالي؟ فغربه سيدنا عمر بن الخطاب للمصلحة الكبرى: حفظًا على الأنساب، لاحتمال أن امرأة تشتهيه فتراوده عن نفسه فيقع عليها، وهذا حفظًا للأعراض، لذلك شرع الشارع جلد القاذف وجلد الزاني حفظًا للأنساب وحفظًا للأعراض.\nأيضًا: حفظ الأموال من المصالح الكبرى، لذا شرع الشارع قطع يد السارق إذا بلغ النصاب وهو ربع دينار.","vol":"12","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>الضرورات الدنيوية</span>\nأما الضرورات الدنيوية فهي كثيرة، وهي تدخل تحت المعاملات، فلذلك أباح الله كل معاملة، فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥].\nوأيضًا: جعل الأصل في الشروط الإباحة، فالمسلمون على شروطهم، فهذه أيضًا من الضروريات الكبرى التي فيها مصالح دنيوية.\nأيضًا: قال النبي ﷺ: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، فجعل الأصل فيها الإباحة دون التحريم.","vol":"12","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>رأي الإمام الغزالي في اعتبار الأصل الذي تعود عليه المصلحة المرسلة بالحفظ</span>\nأما الغزالي فقد توسط فقال: يؤخذ من المصالح في الضروريات أو في مقاصد الشريعة.\nوهذا هو الصحيح الراجح: أن المصالح المرسلة تؤخذ في الضروريات.","vol":"12","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>شروط المصالح المرسلة</span>\nالشروط التي ذكرها العلماء على الأخذ بالمصالح قد ضيقوا بها، وهي: أولًا: أن تكون المصلحة متحققة غير متوهمة.\nمثال المصلحة المتوهمة: التساوي في الميراث بين الذكر والأنثى.\nمثال آخر: بيع الخمر، فهي مصلحة لكنها متوهمة؛ لأنها تعود على البائع فقط وتضر بكل المجتمع، والمفروض أن تكون المصلحة متحققة لجميع المجتمع.\nثانيًا: أن يقود على الضروريات الدينية أو الدنيوية بالحفظ والصيانة، أما الضروريات من أجل الدين فهي: حفظ الدين، أو النفس، أو العقل، أو العرض، أو المال.\nثالثًا: أن يكون المستند في المصلحة الأصول العامة ومقاصد الشريعة، أي: عموم كتاب أو سنة، أو إجماع أو قياس.\nرابعًا: أن تكون المصلحة للعموم لا للخصوص، ونحن نرى من المصالح: فرض الضرائب، وحتى لو فرضوها وعمومها فهي لا تؤخذ إلا من الفقير، أما الأغنياء فلا يدفعون ضرائب، بينما الأصل والمفروض أن الأغنياء هم الذين يدفعون الضرائب، فلا بد للمصلحة أن تكون عامة وليست خاصة.","vol":"12","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>حكم الاحتجاج بالمصلحة المرسلة</span>\nاختلف العلماء في حجية المصالح المرسلة، فقالت الشافعية والأحناف: إنها ليست بحجة، إذ أن كل المصالح قد ذكرها الله جل وعلا في كتابه، وذكرها رسوله في سنته.\nولو دققنا النظر لوجدنا أن الخلاف إنما هو في الاصطلاح فقط، بل الأئمة الأربعة يقولون ويعملون بالمصالح المرسلة كما سنبين، فلا داعي للدخول في مسألة الخلاف، لكن المالكية والأحناف أكثر الناس أخذًا بالمصالح المرسلة.\nفالمصلحة ليست دليلًا مستقلًا، لكنها تابعة لأصول الدين، وهذا بالاتفاق، لكنهم اختلفوا في الاصطلاح فقط، فالمالكية يقولون: هي دليل مستقل.\nوالأحناف والشافعية يقولون: ليست دليلًا مستقلًا، وعند النظر إلى بعض الصور نرى فيها المصالح المرسلة، وقد أفتى بها الشافعية والأحناف الذين ينكرون المصالح المرسلة، وأفتى بها المالكية الذين يعملون بالمصالح المرسلة.\nومن هذه النماذج: ما قاله الأحناف بجواز حرق ما يغنمه المسلمون من متاع ومال وغنيمة إذا عجزوا عن حملها إلى بلادهم، أي: إن كانوا في بلاد الكفر وغنموا منهم بقرًا وبعيرًا وغنمًا وأموالًا وذهبًا وأشياء كثيرة جدًا لا يستطيعون حملها، فقد أفتى الأحناف بحرقها، مع أن هذا يخالف النهي عن قتل الحيوان، كما أن إتلاف المال محرم، لقول النبي ﷺ: (كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال).\nفإتلاف المال لا يجوز، لكن نحن نقول: عندنا مصلحة أكبر من ذلك، وهي: إضعاف اقتصاد الكفار؛ لأن الكفار إذا تقووا بهذه الأموال والغنائم سيخرجون علينا مرة ثانية، ويهدمون لنا الدين، ونحن لا نقاتلهم إلا من أجل رفعة الدين.\nأكثر من ذلك: هم يقولون ذلك استحسانًا، وهذه هي المصالح المرسلة؛ لأن الشارع لم يأت عليها إلغاءً ولا اعتبارًا، وإنما جاء عليها إلغاءً في أموال المسلمين وليست في أموال الكفرة، ولكن لو علمنا يقينًا أن الكفرة سيعودون ثم يتحكمون في هذه الأموال فيقوى اقتصادهم فيميلون علينا ميلة واحدة فلنا تحريق هذه الأموال.\nكذلك أفتى الشافعية بنفس الفتوى، مع العلم أنه قد نهي في الشرع عن حرق الشجر وقتل النساء وغير ذلك، لكن للمصلحة الأكبر أفتى الشافعي بإحراق وإتلاف الأشجار والأرض إن كان أهل الكفر سيستفيدون بها دون أهل الإسلام.\nولهم أصول عامة تدل على ذلك، منها: أن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والأطفال، فجاءوا فقالوا: يا رسول الله! إنا ندخل القرية فنبيِّت القوم فيكون معهم الأطفال والنساء؟ فقال النبي ﷺ: (هم منهم) أي: لو قتلتموهم لا شيء عليكم، مع أنه ورد في الأحاديث النهي عن قتل النساء والأطفال، لكن لما كانت المصلحة الأعظم والأكبر في إهلاك أعداء الله جل وعلا، ولا يهلكون إلا بإهلاك الأطفال والنساء الذين معهم قال: (هم منهم) طالما هي المصلحة الأكبر.\nوهذه تبين لك الآن أن فتاوى كثيرة يمينًا ويسارًا ليس لها زمام، لكن نحن لا نتكلم عن حكم هذه المسائل الآن.\nالغرض المقصود: أن هذا الفعل تظهر فيه المصلحة.\nأيضًا أفتى المالكية: بجواز بيعة المفضول مع وجود الفاضل، وهذا أقرب ما يكون على علي ومعاوية، فـ علي أفضل بكثير من معاوية ﵁ وأرضاه، ومع ذلك بايع أهل الشام معاوية، ثم بايع الناس بعد ذلك معاوية وفيهم من هو أفضل منه وهو الحسن، كذلك ابن عمر ﵁ وأرضاه كان يضاهي علي بن أبي طالب في مكانته، وإن كان علي بن أبي طالب لا يضاهيه أحد في مكانته في تلك الآونات، لكن ابن عمر ليس بالهين ومكانته عالية جدًا؛ فـ ابن عمر أفضل من معاوية، ومع ذلك بايع الناس معاوية وتركوا ابن عمر ﵁ وأرضاه.\nأيضًا أجاز المالكية: فرض الضرائب رغم أن هناك نهي عام، قال النبي ﷺ: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)، لكنهم أفتوا بجواز أخذ الضرائب بشروط، وهذا من باب المصالح المرسلة؛ لأن الأصول العامة تؤكد هذه الفتوى، فلو أن خزانة بيت المال أصبحت ضعيفة، واحتاج الجند في الجهاد إلى التجهيز ولا مال في بيت المال، أو أن الأموال التي في الخزانة لا تكفي المئونة، فلولي الأمر أن يفرض الضرائب على الأغنياء أولًا، فإن لم يكتف بيت المال من الأغنياء فله أن يعود إلى الفقراء فيفرض عليهم، لكن الحال مقلوب الآن، ففرض الضرائب هو على الفقراء دون الأغنياء.\nوالصحيح أن نقول: إن فرض الضرائب من باب المصالح المرسلة عند خواء بيت مال المسلمين، ثم مع عدم الاكتفاء من الأغنياء، للوالي أن يأخذ من الفقراء ويفرض عليهم الضرائب.\nأيضًا الحنابلة يفتون: بأن الوالي له أن يجبر المحتكر أن يبيع السلعة بسعر المثل، وفي الشرع لا تسعير، لما قالوا للنبي ﷺ: (سعر لنا، قال: إن الله هو المسعر -ثم قال:- لا أحب أن يأتي أحدكم بمظلمة على يوم القيامة)، فالله هو المسعر والتسعير لا يجوز، لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: يجوز للمصلحة العامة أن يسعر ولي الأمر في السلع، حتى لا يضر بالمجتمع، فنظر إلى المصلحة الأكبر فقدمها، وهذه فتوى أحمد بن حنبل.\nوقد سبق الأئمة الأربعة بالفتاوى في المصالح المرسلة الصحابة: أبو بكر وعمر، فقد جمعوا القراءات في مصحف واحد، ثم جاء عثمان ﵃ أجمعين فجمع الناس على مصحف واحد، وهو المصحف العثماني.\nوأيضًا عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه أمضى الطلاق ثلاثًا، وجلد ثمانين في الخمر، وحلق لـ نصر بن حجاج.\nواتفق الأئمة الأربعة على تضمين الصناع بفتوى علي بن أبي طالب للمصلحة، ولذلك علي بن أبي طالب قال: لا يصلح الناس إلا مثل ذلك، أي: عند تضمين الصناع.\nفالخلاصة: أن المصالح المرسلة حجة إذا كانت تستند إلى الأصول العامة من الشريعة، وكانت مصلحة متحققة لا متوهمة، ولم يأت الشرع بإلغائها.","vol":"12","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>أمثلة للمصالح المرسلة المعاصرة</span>\nفي عصرنا نرى أن من المصالح المرسلة: ألا يدخل المرء بحذائه إلى المسجد، فلو دخل به إلى المسجد أفسد، مع أن الشرع أباح له أن يصلي بالنعل، لكن نقول: من باب المصلحة المرسلة أنه لا يصلي بالنعل، ولا بد أن نحافظ على المسجد، ولا يحافظ على المسجد إلا بخلع النعال، فمن المصلحة ألا تدنس المسجد، وقد جاءت قواعد عامة وأصول تشريع تدل على عدم تدنيس المسجد، ومنها: (النخامة في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها) وقال: (أهريقوا على بوله سجلًا من ماء).\nفهذه دلالة على أن من أصول الشرع أنك لا تدنس المسجد، أو تدخل بنعال متسخة أو قذرة فتنجس المسجد.\nأيضًا من المصالح المرسلة: الميكرفونات، فهي مصلحة لها مصلحة، ألا وهي: إبلاغ وإعلام الناس بالأذان، فهذا يؤدي الغرض بالإعلام، والأذان هو: إيذان الناس بالصلاة.\nأيضًا من المصالح المرسلة: فرش المسجد، فما كان المسجد على عهد رسول الله ﷺ مفروشًا إلا بالرمال والحصى، ولذلك كان ينهى عن مس الحصى.\nومنها أيضًا: الخط الذي يوضع لتسوية الصفوف، وإن رأى بعض أهل العلم أنه بدعة، لكن نحن نخالف في هذا على أن تمام الصلاة من إقامة الصفوف، واستواء الصفوف واجب من الواجبات إذا لم يكن شرطًا من شروط الصلاة.\nفالقاعدة العامة عندنا: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فهذه من باب المصالح المرسلة.\nأيضًا، المنارات، وإن كانت لم تعرف في القديم، فهي من باب المصالح المرسلة، لإعلام الناس بأن هناك مكانًا يصلى فيه وهو المسجد، والمنارة تثبت ذلك.\nفالحق الذي عليه الأئمة الأربعة -وإن كان قد اختلفوا في الاصطلاح على التسمية- الأخذ بالمصالح المرسلة والعمل بها.","vol":"12","page":9},{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-130> العرف</span>\nجاء الشرع الحنيف برفع الحرج والتخفيف عن الأمة المسلمة، فما كان من أمر الدنيا فهو راجع إلى ما تعارف عليه الناس، من أجل ذلك لا يجوز الحظر على شيء من أمور الدنيا إلا إذا خالف نصًا شرعيًا أو أفضى إلى مفسدة راجحة، والعرف منه ما هو عرف دنيوي ومنه ما هو عرف ديني.\nفالدنيوي: ما تعارف عليه الناس من أقوال أو أفعال، والديني: ما علق الشارع الحكم فيه على لفظ لم يجعل له حدًا شرعيًا ولا لغويًا.\nوالعرف لا يكون دليلًا مستقلًا إلا عند مجيء الحكم الشرعي معلقًا على لفظ لم يحده الشرع ولا اللغة.","vol":"13","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>تعريف العرف</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nنتكلم عن الأدلة التي يستدل بها أصحاب الأصول على الأحكام، وقد سبق وأن تكلمنا عن شرع من قبلنا، وعن قول الصحابي، وهذه الأدلة مختلف فيها، وسنتكلم بمشيئة الله تعالى عن العرف.\nالعرف لغة: المتعارف عليه بين الناس.\nواصطلاحًا: هو ما ألفه مجتمع -وليس فرد- من أمور الدنيا، من غير حظر من الشارع، سواء كان قولًا أو فعلًا أو تركًا.","vol":"13","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>الفرق بين العرف والعادة</span>\nوالعرف والعادة عند الفقهاء بمعنى واحد، ولذلك عندهم قاعدة فقهية تقول: العادة محكمة.\nوالفرق بين العرف والعادة: أن العادة هي: الشيء المألوف سواء كان عند فرد أو جماعة.\nوأما العرف فهو: الشيء المألوف الخاص بجماعة.\nوعليه فإن العادة أعم من العرف، فكل عرف عادة، وليس كل عادة عرفًا.\nوبينهما فارق في القاعدة الأصولية، وقد بينا أن هناك فوارق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية، كما سنبين أن العرف لا بد من ضبطه، وأنه دليل شرعي في وجه، ولا يؤخذ دليلًا شرعيًا في وجه آخر.","vol":"13","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>شروط اعتبار العرف في الأمور الدنيوية</span>\nهناك أعراف دنيوية وأعرف دينية، والفارق بينهما: أن الأعراف الدينية جاء النص بها، ولكنه أطلقها في بعض المواضع.\nالأعراف الدنيوية أقوال وأفعال، وحتى تعتبر هذه الأعراف لا بد لها من قيود: القيد الأول: ألا يخالف دليلًا شرعيًا؛ لأن هناك كثير من الناس يقعون في مسائل ولا يعرفون هل فيها سعة من الشرع أو تضييقًا من الشرع؟ فلا بد لكي يكون العرف معتبرًا في المجتمع -مجتمع الإسكندرية مثلًا- مأخوذًا به: ألا يخالف دليلًا شرعيًا.\nالقيد الثاني: ألا يؤدي إلى مفسدة.\nالقيد الثالث: أن يفضي إلى مصلحة راجحة.\nفقولنا: (ألا يخالف دليلًا شرعيًا) خرج به: أعراف الجاهلية، كالاستبضاع، وهو: أن تذهب المرأة لأكثر من واحد، فتذهب إلى عظيم القبيلة الفلانية فيطؤها، وتذهب إلى عظيم القبيلة الفلانية الآخر فيطؤها، وهذا ما يسمى بـ (تشريف النسب)، فجاء الشارع وألغى هذا، واعتبره سفاحًا لا يجوز.\nأيضًا: كانوا يتعاملون بنكاح المتعة، ثم جاء الشرع فألغاه.\nكذلك: كانوا يتعاملون بربا الفضل، وهو: أن يكون الدرهم بدرهمين، والدرهمين بثلاثة، وقد كان هذا في أول الإسلام مباحًا، ثم نسخ على الراجح، وهو الذي تمسك به ابن عباس، والمقصود: أن الشرع جاء فألغاه.\nفهذه بعض الأمور التي كانت أعرافًا في الجاهلية فألغاها الشرع، وهناك أعراف أخرى جاء الشارع فأقرها مثل: الدية على العاقلة، فقد كان معروفًا أن الدية على كل الأقرباء من عصبة أو ولاء، وكل هؤلاء يدفعون الدية، أي: أن الدية على العاقلة، فجاء الشرع فأقرها.\nوأيضًا: المضاربة، فقد كانت معروفة قبل الإسلام، وكان النبي ﷺ يضارب بمال خديجة ﵂ وأرضاها، فجاء الشرع فأقر هذا العرف.\nوأما بالنسبة للقيد الثاني وهو: ألا يؤدي إلى مفسدة، فلو قلنا -على سبيل المثال- بأن الراجح أن الفخذ ليس بعورة كما بينا فقهيًا، وكان في عرف المجتهد: أن كل الشباب يمشون في الساحة بالشورت، وهو: البنطلون القصير، فلا نقول: إن العرف هنا يحكم أو العادة محكمة؛ لأنه سيؤدي إلى مفسدة، وهي: فتنة النساء بهؤلاء الرجال، وكذا لا يعني العرف: أن كل إنسان حر ما لم يضر؛ لأنه سيضر وسيؤدي إلى مفسدة، فالعرف لو أدى إلى مفسدة لا بد أن يلغى.\nوأيضًا: لا بد أن يؤدي العرف إلى مصالح.\nومثال ذلك: بيع السلم والمضاربة كما سنبين.","vol":"13","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>العرف في الأمور الدنيوية</span>\nالأعراف الدنيوية قولية وفعلية.\nفأما القولية فمثلًا: المصطلحات عند أرباب الحرف، فهي تصح حتى ولو كانت كلمات مستقبحة عند بعض الناس، لكنها عند بعض المجتمعات أعراف معروفة، فليس فيها شيء.\nمثال ذلك: استخدام لفظ (الولد)، فكثير من المجتمعات إذا قيل: محمد رزقه الله ولدًا، وعقيقته الأسبوع القادم، يتبادر إلى الذهن أنه ذكر، مع أن (الولد) لفظ يطلق على الذكر والأنثى، ومع ذلك نحن نقول: الولد في عرف المجتمع يسمى ذكرًا، ويفيدنا هذا في الهبة، فلو جاء رجل من بعيد وقال: إني أحبك فخذ هذا وأعطه لولدك، فيعطى لمحمد أو أحمد، ولا يعطى للبنات؛ لأنه قال: أعطه لولدك، والولد في العرف هنا يطلق على الذكر، أيضًا العرف هنا محكم.\nومن الأقوال أيضًا: اللحم، يطلق في العرف على: لحم البقر والغنم والبعير، ولكن لا يطلق على السمك، مع أنه بلسان الشرع يطلق على السمك أيضًا: قال تعالى: ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل:١٤]، وهذا يفيدنا في القسم وفي الطلاق.\nفمثلًا: لو دخل رجل على امرأته ورأى وجهها فلم يعجبه، فقال لها: أنت طالق لو لم تأكلي هذا النهار لحمًا، فأتت بسمك وأكلت منه، فحكمها طالق في العرف، ولو واحد قال: والله لا آكلن اللحم أسبوعًا، وكل يوم يأكل سمكًا، فهذا لم يحنث في يمينه؛ لأن السمك في العرف لا يسمى لحمًا.\nومن الكلمات التي تنتشر بين العامة ولا يفقهونها، ولو طبق الشرع لجلدوا عليها مائة جلدة، وهذه الكلمة لا أستطيع أن أنطقها، لكن أتكلم بحروفها وهي: الخاء والواو واللام، وهذه الكلمة كثير من الساقطين والساقطات يلوكها بلسانه، ويتكلم بها، وهو لا يدري معناها، وفي اللغة العربية معناها: بوأته مكانة، فتقول: خولت محمدًا مكانة كذا، أي: بوأته مكانة، لكن إذا قالها واحد لآخر فالعرف الآن جارٍ على أنه يقصد بها: مسبة، وهي: فعل قوم لوط، وهذا الذي أخذ به الإمام مالك بأن القرائن المحتفة يمكن أن تقيم الحدود، ولا يبقى فيه شبهة تدرأ بها، وهذا هو الصحيح، فلو قال واحد لواحد: يا كذا! بهذه الكلمة، وهي في العرف غلبت على اللغة، وهي الآن مسبة فيجلد عليها مائة جلدة، فالعرف يحكم، ونقول: هذا قاذف، ولا بد أن يجلد مائة جلدة؛ ولذلك كثير من العامة يسقطون في مثل هذه الكلمة، ولا يلقون لها بالًا، فلابد أن يجلدوا مائة جلدة بسبب هذه الكلمة.\nوأما الأعراف الفعلية الدنيوية، فنمثل لها بمسألة تهم كل عاقد: ففي الخطوبة يأتي الخاطب بهدايا، ويشتري ذهبًا، وهو ليس من المهر في شيء، ويعطيها للمخطوبة مودة ومحبة، أسبوعًا، أو أسبوعين، أو ثلاثة، ثم تكشر له عن أنيابها، ويعرف حقيقتها، فيقول: أنا لم أدخل بك، ولم أعقد عليك، لكن أنت طالق إلى يوم الدين.\nفهذه الهدايا التي أتى بها لا تعتبر من المهر؛ لأنها في العرف تعتبر هدايا، فلا يجوز له أن يأخذ شيئًا منها، حتى لو عقد عليها، وكتب المهر وأتى لها بالشبكة، والشبكة متعارف عليها أنها من المهر، وإن كانت هدية، فتأخذ حكم الهدية، والمتعارف عليه أن كل الهدايا التي أتى بها لا يمكن أن ترد له؛ لأنها ليست من المهر، بل العرف يقول: إنها هدايا، وتسمى هدايا، وهذا عرف سائد بين المجتمعات المصرية على أن كل شيء يأتي للزوجة من الهدايا لا ترد، وإن حدث طلاق؛ لأنها هبة قال ﷺ: (الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) والصحيح: أن هذه من الأعراف المتعارف عليها.\nومسألة: تقسيم المهر: المعروف أنه يجب أن تعطي المهر كله، ولكن المأذون الشرعي عندنا يكتب المقدم ربع جنيه لكي لا يعطيها شيئًا، والمؤخر أربعين ألفًا، ولا يعلم المسكين أن المؤخر دين في ذمته، ولو مات سيحبس في قبره، فإذا كتب على نفسه مؤخرًا فهو دين في ذمته، إلا أنه يضحك عليها حتى تقول: أسقطت ما عليك.\nوالمهر في العرف ينقسم إلى: مقدم ومؤخر، وهذا كله يسمى مهرًا، وهو لم يعطها شيء، فلما يحدث التشاحن والتباغض والتدابر، ولا يستطيع هو أن يقيم دين الله معها، ولا تستطيع هي ذلك، ففي الطلاق يقول لها: ليس لك عندي إلا المؤخر، ويكون المقدم خمسة آلاف والمؤخر عشرين ألفًا، فليس لك عندي إلا العشرين ألفًا، والصحيح: أن لها الخمسة والعشرين ألفًا؛ لأن المقدم والمؤخر كله يسمى مهرًا، ولكن بالعرف قسم إلى مقدم ومؤخر، وهو شرعًا يسمى مهرًا.\nكذلك: البيع بالتعاطي: مثل رجل يريد أن يستأجر سباكًا فيقول: ائتوا بالسباك فيأتي السباك، ولا يتكلم، ويصلح الصنبور بدون كلام، ويأتي بالبضاعة وينتهي منها.\nفيسأله: كم تريد؟ ويأخذ عشرين جنيهًا، وهذه عامة في الأعراف أنه لن يقول له: أستأجرك لتصليح الصنبور بكذا، بل يأخذ الأجرة عرفًا، فأي سباك معروف أنه يأتي ويصلح الصنبور بعشرة جنيهات، فهو يصلحها، ويأتي بالجلدة، ويعمل كل ما عليه، فيعطيه عشر جنيهات دون أن يقول له: استأجرتك، ولا الآخر يقول: قبلت، وهذا فرع عن أصل، والأصل هو: بيع المعاطاة، وهو: أنه يأتي ويأخذ عشرين رغيفًا، ويترك للرجل المال من غير أن يقول له: أشتري منك، أو البائع يقول له: بعتك العشرين رغيفًا بعشر جنيهات، والآخر يقول: قبلت، فمتعارف عليه بين الناس أنه يضع العشر جنيهات ويأخذ العشرين رغيفًا ويذهب، فالعرف يتحكم في مثل هذه المسألة أيضًا.","vol":"13","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>العرف الديني</span>","vol":"13","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>تعريفه وترتيبه</span>\nالعرف الديني هو: أن يعلق الشارع الحكم على لفظ لم يجعل له حدًا شرعيًا ولا لغويًا.\nوالقاعدة عند العلماء: ما لم يحده الشرع تحده اللغة، وما لم تحده اللغة يحده العرف، وهذا هو الترتيب الصحيح.\nمثال ما حده الشرع: الصلاة: فالصلاة لها حد شرعي وحد لغوي، فهي أعم في اللغة، ولكن حدها في الشرع هو: حركات مخصوصة في أوقات مخصوصة، فإذا قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فقام رجل ورفع يديه ودعا، فقد أخطأ؛ لأن هذا هو الحد اللغوي، ونحن نقول: إن الحد الشرعي يقدم.\nكذلك: قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] هذه لها حد شرعي وهو: اثنين ونصف في المائة بعد بلوغ النصاب وحولان الحول.\nوأيضًا: قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] له حد شرعي.\nوالذي حد لغويًا: كالشمس، فالشمس لها حد معروف في اللغة، وكذلك القمر، والليل، والنهار.","vol":"13","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>الأحكام التي علقت على اللفظ ولم تحد شرعًا ولا لغةً</span>\nهناك أحكام علقها الشارع على ألفاظ، وهذه الألفاظ ليس لها حد شرعي ولا لغوي، وأمثلة ذلك: قال الله تعالى عن كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩] ولا يوجد تحرير رقبة الآن، فلو وجد رجل ميسور وأقسم يمينًا فوجد غيره هو أفضل منه، نقول له: ائت الذي هو خير، ثم كفر عن يمينك، كما قال النبي ﷺ، والتكفير بإطعام عشرة مساكين يكون كما قال تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة:٨٩]، وهذا حسب العرف.\nفمثلًا: الذي يسكن في مبنى بآلاف، وهو يطعم أهله كل يوم لحمًا أو سمكًا أو دجاجًا فلما يكفر نقول له: كفر من أوسط ما تطعم أهلك.\nومثلًا: رجل في كرموز ما عنده طعام إلا ما أعطاه الله جل وعلا لسد حاجته، فنقول له: أطعمهم البر أو الشعير، أطعمهم من أوسط ما تطعم منه أهلك، والكل يأكل قشر الفول وليس الفول، فإذا أطعمت فأطعم بقشر الفول، المهم أنك تطعم من أوسط ما تطعم به أهلك.\nومن الأمثلة أيضًا: الوصي الذي يكون وليًا على مال يتيم، فمحرم عليه في مال اليتيم أن يحرقه أو يأكله، ولكن يمكن له أن يتجر فيه، وأن يرعاه، وقد بين الله تعالى أن له حالتين: الحالة الأولى: أن يكون ولي اليتيم غنيًا.\nالحالة الثانية: أن يكون فقيرًا.\nفالله جل وعلا بين لنا الحكم في الحالتين، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء:٦] أي: لا يجوز له أن يأخذ شيئًا من مال اليتيم، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:٦]، أي: إباحة الأكل بشرط ما تعارف الناس عليه، وإن جاءه ضيف أعطاه حاجته فقط، دون أن يرتقي عن المعروف في طعامه كل يوم.\nومن الأمثلة كذلك: قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق:٢] والعدالة تفتقر إلى العرف، وضابطها: خلو المرء من الفسق وخوارم المرءوة، وهي: ملكة يكتسبها المرء تربأ بنفسه أن يقع في الكبائر، أو يصر على الصغائر.\nويفسق الإنسان إذا أتى الكبائر دون توبة، فإن تاب فليس بفاسق.\nفمثلًا: لو زنى شخص، ثم تاب توبة نصوحًا، سواء تاب بينه وبين ربه، أو أقيم عليه الحد، فإنه ترجع عدالته كما هي ولا تسقط، فمن فعل كبيرة ولم يتب فهو فاسق، أو فعل صغيرة واستمر عليها فهو كذلك، كالرجل الذي ما من امرأة تمشي أمامه إلا ونظر إليها، فتمر الأولى فيتبعها بصره، ثم تمر الثانية ويتبعها بصره، ويأتي اليوم الآخر ويقول له الرجل: اتق الله في نفسك، فتمر الأولى فيتبعها بصره، والثانية، وهكذا هو مصر على الصغائر، أو رجل قبل امرأة فيقول: هذا التقبيل ليس فيه شيء، وليس كبيرة، فيقبل الأولى، ويقبل الثانية، ويصر على التقبيل، فنقول له: أنت فاسق؛ لأنك أصريت على الصغائر، فالفسق علامته: فعل الكبائر دون توبة أو الإصرار على الصغائر، وخلو الرجل من الفسق نصف عدالة، والنصف الثاني: خلوه من خوارم المروءة، والمروءات هنا ترجع للعرف.\nومثال خوارم المروءة الأكل ماشيًا، وأذكر أن البخاري مر على رجل كان يريد منه حديثًا فنظر إليه فوجده يأكل تمرة على بابه فرجع وتركه، ورأى البخاري أيضًا محدثًا فذهب إليه ليأخذ منه الحديث فوجده يشير إلى الحمار: أن تعال أعطيك، ولا يوجد شيء، وقرب إليه القفة التي فيها الشعير ولم يكن فيها شعير فتلهف الحمار على القفة فما وجد شعيرًا، فـ البخاري قال: أما أطعمته؟ قال: أنا أسليه، قال: تكذب على الحمار! والله لا آخذ منك حديثًا للنبي ﷺ، وتركه، ورأى أن هذا خارم للمروءة، واليوم لو واحد يفعل ذلك مع الحمار فهو صادق مصدوق، والمهم ألا يكذب على البشر، ونحن نفعل ذلك مع الحمار، ومع الذين أتوا بالحمار، والصدق فينا أصبح عزيزًا، ويغفر الله لنا، وأقلنا كذبًا، أو أكثرنا صدقًا الذي يعرض، ويعيش على التعريض، هذا أفحلنا صدقًا ويغفر الله لنا.\nدخل راوٍ من الرواة على شخص فقال له: تحدثني وأنت تأكل، أما تخشى أن تسقط مروءتك؟ قال: تحدثني الآن عن المروءة، هذا كان في القرن الثالث، فالمروءات ذهبت مع أصحاب المروءات، والجلوس في الطرقات ليس من خوارم المروءة، وأنكر علي البعض أننا كنا نتحدث في بعض المسائل الشرعية، ونحن نجلس في الطريق -والجلوس في الطرقات ليست من خوارم المروءة شرعًا- والنبي ﷺ قد نهى عن الجلوس في الطرقات، فقالوا: (يا رسول الله! ما لنا من مجالسنا، بد قال: فأعطوا الطريق حقه) وحق الطريق: غض البصر، ورد السلام، وكف الأذى.\nوالجلوس في المقاهي من خوارم المروءة، فإذا رأيت رجلًا أمامك قاعد يشرب الشيشة، وأنت جالس بجانبه تنظر إليه، ولا تنكر عليه، فهذه من خوارم المروءة، حتى قال بعض العلماء: إن الجلوس في الأسواق من خوارم المروءة؛ لأن الأسواق فيها الساقطات وفيها الكذب، وفيها الحلف بالله كذبًا، وكل هذه من خوارم المروءة.\nفالمقصود أن قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]، أحالنا على العرف في مسائل العدالة، والعدالة تكون بالخلو من الفسق والخلو من خوارم المروءة.\nأيضًا: قول الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩] والتراضي عمل قلبي، فالأعراف تتحكم فيه وتدل عليه.\nومن أمثلة العرف المتراضي عنه: أن الضرب على القفا عندنا في مصر عيب كبير، وفي ليبيا يسلم بعضهم على بعض بالضرب على القفا، وفي لبنان يقال: احلق له، بمعنى: مشيه، فانظر إلى الأعراف في لبنان، احلق له: أي مشيه، وهذا غير مستصاغ هنا، لكن التسليم في ليبيا بالقفا، وأنت لو ضربت صعيديًا بالقفا يمكن أن يقتلك، فالأعراف تختلف، والمسألة تدور مع العرف، والعرف يتحكم في كل مجتمع من المجتمعات، ولذلك نحن نقول: إن من السنة إذا دخل واحد أو اثنين مصريين إلى ليبيا يسلمون على بعض بالقفا، لكي لا يستوحش الليبيون منهم، أو يدخل مثلًا إلى أي بلدة، وزيهم السروال إلى الركب، والإزار والرداء فيرتدي زيهم حتى لا يكون مستوحشًا بينهم، وهذا من السنة، حتى لا يرتدي لبسًا يكون من لبس الشهرة إن لم يكن الشرع نص عليه.\nوهناك أعراف من السنة علق الحكم فيها على لفظ لم يحد شرعًا ولا لغة: كالحديث في الصحيح: أن هند ﵂ وأرضاها جاءت للنبي ﷺ فقالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح) فطلبت أن تأخذ المال لها ولأولادها، فقال النبي ﷺ: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) أي: إذا كان المعروف في المدينة أو في مكة أن عشرة دنانير تكفيك وولدك، فإذا أخذت عشرة دنانير ونصف دينار، ظلمت وتعديت، فتأخذ بحد العرف، وهذا يستدل به للنساء المظلومات في بيوتهن، فالزوج الشحيح الذي لا يعطي امرأته شيئًا لا بد لنا أن نفتي بأنه يجوز للمرأة أن تأتي وهو نائم، أو في حين غفلة فتأخذ من جيبه ما يكفيها وولدها بالمعروف، ونصرح لكل النساء بهذا، فلها أن تأخذ من زوجها الذي يمسك دون أن يعرف، بشرط أن تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف، فإن كانت في حيٍّ مرفهٍ فلا تأتي وتقول: إنه يكفيني كل يوم مائة جنيه أنا وولدي بالمعروف، فإنها بهذا ستخرب بيته بسرعة، والمفروض أن تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف.\nأيضًا: قول النبي ﷺ في حديث ابن عمر في الصحيح: قال ابن عمر: (فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير) كان هذا بعرف البلد عندهم في المدينة، والعلماء عمموا المسألة، وقالوا: صاعًا من طعام أهل البلد، فلو كان غالب أهل البلد طعامهم الأرز، فيخرج الأرز.\nأيضًا: قول النبي ﷺ: (من أحيا مواتًا فهي له) إحياء الموات حده العرف، فيمكن أن يزرع شجرة ويكون قد أحيا مواتًا، أو يجعلها صالحة للزراعة، أو ينبت فيها ثمرًا، ويكون هذا إحياء موات، فالعرف هو المتحكم في ذلك.","vol":"13","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>شروط العمل بالعرف الديني</span>\nالشروط التي يجب أن تتوفر في هذا القسم لنعمل بالعرف، ونقول: إنه وصف في بابه مستقل: أولًا: أن يكون الحكم في المسألة هو حكم الشرع، أي: جاء من كتاب أو سنة أو إجماع.\nثانيًا: أن يكون الحكم معلقًا بلفظ غير محدود شرعًا ولا لغة كما بينا.\nالثالث: أن يكون اللفظ مطلقًا، وهو لا يبعد كثيرًا عن الثاني؛ ولذلك قعد الفقهاء قاعدة فقالوا: كل ما ورد به الشرع مطلقًا ولا ضابط فيه ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف.\nمثال ذلك: الحرز في السرقة، فإذا أردت أن تقيم الحد على سارق، وتقطع يده فلا بد من شروط، وهي: الأول: ثبوت هذا بوجود الشهود.\nالثاني: أن يكون بلغ النصاب، أي: فوق ربع دينار.\nالثالث: أن يكون في حرز، والحرز قد يكون في خزنة، وكذلك الجيب عند الناس حرز، فلو سرق مالًا بنصف دينار أو ربع دينار من جيب رجل فهذا سارق تقطع يده.\nإذًا: الحرز ما كان العرف يقول: بأنه حرز، وهو الذي به يقام عليه الحد.","vol":"13","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>العرف ليس دليلًا شرعيًا مستقلًا</span>\nالصحيح: أن العرف ليس دليلًا شرعيًا مستقلًا، ولكن عندما يأتينا حكم الشرع ويعلق على لفظ لم يحد لغة ولا شرعًا، فالعرف هنا دليل مستقل.\nفإذا قال النبي ﷺ كما في حديث عائشة في الصحيح: (لا تقطع اليد في أقل من ربع دينار) أو (قطع النبي ﷺ اليد في ثمن المجن) وكان ثمن المجن يقارب الربع الدينار، فنقول: قطع على أنه سرق من حرز مثله، والعرف هو الذي يحدد لنا الحرز؛ لأن الشرع لم يأت بتحديده، واللغة لم تأت بذلك أيضًا، فالعرف هنا هو الذي يحده لنا.","vol":"13","page":10},{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-140> شرع من قبلنا</span>\nاختلف العلماء في العمل بشرع من قبلنا من الأمم السابقة؛ فمنهم من رده مطلقًا، ومنهم من عمل به مطلقًا، والصواب التفصيل، فما وافق شرعنا أخذنا به، وما رده شرعنا رددناه، ويشبه هذا قول الصحابي، فما اختلفوا فيه لا حجة لواحد منهم على الآخر، وما أجمعوا عليه فهو حجة ملزمة لنا.","vol":"14","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>اختلاف العلماء في الأخذ بشرع من قبلنا</span>\nإن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: شرع من قبلنا هو: الأحكام الفرعية التي شرعها الله جل وعلا في ما مضى لمن قبلنا من الأمم، وهي لا تمس العقيدة.\nفالله جل وعلا أمر اليهود بالصلاة، وشرع لهم كيف يتوضأون أو يغتسلون أو يتطهرون، فهذه كلها أحكام شرعية فرعية.\nكذلك يقول الله جل وعلا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣]، كل هذه أحكام فرعية.\nأما العقائد فواحدة عند جميع الأمم، قال النبي ﷺ كما في الحديث: (الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد وشرائعهم شتى).\nوقد اختلف العلماء في شرع من قبلنا على أقوال ثلاثة: القول الأول: أنه شرع لنا مطلقًا.\nالقول الثاني: ليس بشرع لنا مطلقًا.\nالقول الثالث: التفصيل.","vol":"14","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>القول الأول: شرع لنا مطلقًا</span>\nالقول الأول: شرع من قبلنا من الأحكام التي أنزلها الله على الأمم السابقة هي شرع لنا مطلقًا.\nواستدلوا بأدلة من الأثر وهي: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، فهذا دليل واضح ناصع على أن الله تعالى أمر النبي ﵊ أن يقتدي بموسى وإبراهيم وعيسى.\nالدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ﴾ [المائدة:٤٥] الآية، ولما تحاكم أنس للنبي ﷺ قال له: (يا أنس! كتاب الله القصاص)، أي: أن السن بالسن؛ فدل ذلك على أنه حكم بشرع من قبلنا، وهو: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ [المائدة:٤٥]،أي: في التوراة: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) [المائدة:٤٥]، إلى أن قال: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة:٤٥]، أي: أن السن بالسن راجع إلى هذه الآية التي تبين لنا حكم السن في التوراة ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى:١٣] إلى آخر الآية.\nالدليل الثالث: قوله في الحديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها، ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤])، وهذه الآية خاصة بموسى ﵇؛ فقرروا أن كل رسول جاء من عند الله تعالى جاء بشرائع حقة، وعلى النبي أن يتبع ما جاء به هؤلاء من الشرائع.","vol":"14","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>القول الثاني: ليس بشرع لنا مطلقًا</span>\nالقول الثاني: أنه ليس بشرع لنا مطلقًا، واستدلوا على ذلك بأدلة: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]، اليهود لهم شرعة ومنهاجًا، والنصارى لهم شرعة ومنهاجًا، وشرعة محمد جاءت ناسخة لكل ما كان قبلها من الشرائع السماوية.\nالدليل الثاني: أن هذا يلزم منه أن جميع الأمة لابد أن تتعلم شرع من قبلنا، ويكون هذا العلم فرض كفاية علينا، فيتعلمه أحدنا حتى يعلمنا ونعمل به، ويكون شرع من قبلنا حجة علينا.\nالدليل الثالث: وهو من الأدلة القوية: أنه لو كانت شرائع من قبلنا حجة علينا ما انتظر النبي ﷺ نزول الوحي عليه في مسألة من المسائل النازلة؛ لأن في شرع من قبلنا الحكم؛ فيحكم ويعمل به، وهذا دليل قوي.","vol":"14","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>القول الثالث: التفصيل</span>\nالقول الثالث: التفصيل، وهو الراجح والصحيح، وهو: أن شرائع من قبلنا أنواع.\nالأول: ما قرره شرعنا، وهذا بالاتفاق شرع لنا.\nمثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ﴾ [المائدة:٤٥]، وأتى شرعنا يقره، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨]،فنقتل من قتل، ونكسر من كسر، ونشج من شج، وزيادة على هذا تخفيفًا على هذه الأمة: لنا أن نأخذ الدية، وولي الدم بخير النظرين في ذلك.\nأيضًا من الأحكام التي جاء الشرع بموافقتها: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤]، وشرعنا يقر ذلك.\nكذلك: جاء شرعنا يقر بوضوح ما عند اليهود والنصارى من أن السن بالسن، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]؛ فإذا كسر السن نكسر سنه، وهذا من شرعنا؛ فجاء الدليل من شرعنا يقر ما في التوراة، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤].\nوفي قصة عائشة لما غضبت وكسرت الإناء قال: (غارت أمكم غارت أمكم؛ طعام بطعام وإناء بإناء).\nالثاني: ما نسخه شرعنا، وهذا باتفاق ليس بشرعٍ لنا.\nمثال ذلك: السجود للمعظم تكريمًا له لا عبادةً، كسجود إخوة يوسف ﵇ له، ولما ذهب معاذ إلى قيصر وكسرى ورآهم يصنعون ذلك له، عاد وسجد للنبي ﵊ تكريمًا له وتعظيمًا، فقال النبي ﵊: (لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها)، وهذا ناسخ لما ورد عن يعقوب ﵇.\nكذلك: استقبال القبلة، فقد جاء شرعنا فأقر استقبال بيت المقدس، ثم جاء في شرعنا ما نسخه، فهذا أيضًاَ ليس شرعًا لنا.\nكذلك: في التوراة كان في شرعهم لإزالة النجاسة إذا وقعت على ثوب أحدهم أن يطهرها بالمقاريض، أما في شرعنا فيكفيه أن يغسله حتى تذهب عنه.\nفهذا ناسخ لشرع من قبلنا.\nكذلك: كان في شرعهم أن الغنيمة حتى تقبل تنزل نارًا من السماء فتحرقها، ولما غل أحد بني إسرائيل منها لم يقبلها الله تعالى حتى أعاد ما أخذه منها،، أما في شرعنا فإن الغنيمة توزع على أسهم بينها الله في كتابه، وقال النبي ﷺ: (وأحلت لنا الغنائم)، وهذا ناسخ لما قبله.\nالثالث: ما سكت عنه شرعنا، والقول الصحيح والراجح: أنه ليس بشرع لنا.","vol":"14","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>حكم قول الصحابي</span>\nلو احتج علي أحد بشرع من قبلنا فرددت عليه بسنة فإن السنة أقوى، ويليها قول الصحابي، وهذا أيضًا من الأدلة المختلف فيها.\nوالصحابي هو: كل من لقي الرسول ﵊ مؤمنًا به ومات على ذلك؛ ليدخل بذلك الأعمى.\nورؤية النبي ﵊ لا يدانيها شيء؛ لذلك قال العلماء: أنتم تتغنون بـ عمر بن عبد العزيز وتفضلونه على معاوية، ورؤية واحدة رأى فيها معاوية النبي ﵊ خير من عمر بن عبد العزيز وأهل بيته أجمعين.\nفإن كان راءه فهو صحابي؛ فإن لم يره فهو معاصره.\nقول الصحابي في مسألةٍ لم يأت بها الكتاب ولا السنة، لكن وجدنا كلامًا لـ ابن عمر أو لـ ابن مسعود أو لـ ابن عمرو بن العاص أو لـ معاوية، فهل هو حجة يلزمنا العمل به أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه حجة مطلقًا، وهو قول بعض الشافعية ورجحه ابن القيم.\nالقول الثاني: ليس بحجة مطلقًا، وهو قول الجمهور.\nالقول الثالث: التفصيل.\nواستدل أصحاب القول الأول بأدلة منها: أن الله تعالى قد عدل الصحابة فقال: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦]، فجاءت عدالتهم من السماء، والرسول ﵊ يقول: (النجوم أمنة للسماء أن تزول، وأنا أمنة لأصحابي؛ فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي؛ فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد)، وقال الرسول ﷺ أيضًا: (لا تسبوا أصحابي، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا لم يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، فهذا يدل على أنهم أعلم الناس بنصوص الكتاب والسنة، وبما تدل عليه الشريعة ومقاصدها، وهم أفصح العرب وأعلمهم بشريعة الله تعالى.\nوأما أصحاب القول الثاني فلهم أدلة من النظر: قالوا: إنما الحجة في كتاب الله وسنة نبيه، والله قال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]؛ فكانت الحجة في كتاب الله وسنة النبي ﵊، ولا حجة على كتاب الله وسنة النبي ﵊.\nقالوا: ولو قلتم بحجية قول الصحابي فأنتم تأخذون بقول غير معصوم، ونحن لا نلتزم بقول غير قول المعصوم ﵊، ولو أنه اجتهد فأخطأ فإن الله تعالى ينبهه على الخطأ، وهذا على عكس من الصحابي؛ لذا كان قوله ليس بحجة مطلقًا.\nوأما أصحاب القول الثالث القائلين بالتفصيل، فهو القول الراجح والصحيح، وهو: أن أقوال الصحابة تنقسم إلى أقسام: الأول: إخبار وقول الصحابي بأمور غيبية، مثل: (ما بين السماء الأولى والثانية خمسمائة عام- إلى أن قال- والله فوق العرش عالم ما أنتم عليه).\nوقد اختلف العلماء في مثل ذلك، والقول الصحيح الراجح: أنه مرفوع بضوابط أو بقيود أو بشهود: ألا يكون هذا الصحابي يأخذ من أهل الكتاب، مثل: عبد الله بن عمرو بن العاص، وذلك للصحيفة التي وجدها عن أهل الكتاب، فلا نأخذ منه ولا نقول هذا مرفوع؛ لأنه من المحتمل أن يكون أخذه من أهل الكتاب، وقد كان يأخذ عن بني إسرائيل.\nإذًا: القول الأول: إن كان قول الصحابي من الغيبيات، وكان لا يأخذ من بني إسرائيل فهو حجة، وله حكم المرفوع.\nالقول الثاني: أن يكون جميع الصحابة قد اختلفوا على قول الصحابي، مثل: عمر بن الخطاب لما أمضى طلاق الثلاث ثلاثًا، فقد اختلف الصحابة في هذا؛ فيكون ليس بحجة ملزمة، ولا حجة لواحد على الآخر.\nالقول الثالث: أن تجتمع كلمة الصحابة على شيء من فعل الخلفاء الراشدين، فهو حجة؛ لقول النبي ﵊ (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ).","vol":"14","page":6},{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-146> الاستصحاب</span>\nالاستصحاب هو اعتماد الأصل عند انعدام الدليل الشرعي المثبت للحكم أو النافي له، وهو من أضعف الأدلة الشرعية، حيث لا يصار إليه إلا بعد البحث عن دليل من الكتاب أو السنة أو القياس أو الإجماع، وهو ليس مصدرًا مستقلًا بذاته.","vol":"15","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>معنى الاستصحاب</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًاَ عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: نتكلم عن دليل جديد، وإن اختلف العلماء فيه، هل هو دليل أم لا؟ وهو دليل الاستصحاب.\nالاستصحاب لغة: هو طلب المصاحبة مع الاستمرار فيها.\nوفي الاصطلاح: طلب استدامة إثبات ما كان ثابتًا أو نفي ما كان منفيًا.\nأو هو: بقاء ما كان على ما كان، بمعنى: الاستصحاب العدم الأصلي، أو البراءة الأصلية.\nفمثلًا: كل ماء نزل من السماء فهو طهور، أي: كل ما نزل من السماء من ماء فهو طهور لا يتغير، وذلك حتى يأتينا دليل على التغير من الطهورية إلى النجاسة، فهذا معنى: استدامة ما كان ثابتًا على ما هو عليه، أو ما كان منفيًا على ما هو عليه.\nكذلك الأصل عدم اتهام المرء بالسرقة، فكل إنسان بريء من الاتهام بالسرقة حتى تثبت الإدانة، وتثبت هذه السرقة، وهو معنى الاستصحاب.\nاختلف العلماء هل هو دليل أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الاتفاق المشترك بين الأئمة الأربعة على أنه دليل دفع، وقال الجمهور خلافًا للأحناف: إنه دليل دفع وإثبات، ومعنى: دليل دفع، أي: ندفع أي شيء يشوش علينا أمر اليقين الذي نحن فيه أو ما كان ثابتًا، فنحن ندفع كل شك يأتينا ليغير هذا اليقين، وذلك حتى يكون يقينًا مثله.\nمثال ذلك: توضأ رجل فتمضمض واستنشق واستنثر وغسل وجهه، وأتى بالأركان والواجبات والمستحبات، ثم قام يصلي، فنحن على يقين أنه متوضئ، إذًا كل شك أتاه لا يزيل اليقين، ولا يزيل الطهور بحال من الأحوال، فهو دليل للدفع، أي: يدفع كل شك يقطع لنا الطهورية التي فيها الرجل.","vol":"15","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>أنواع الاستصحاب</span>\nالاستصحاب على أنواع أربعه: النوع الأول: استصحاب الإباحة الأصلية في الأشياء.\nومعناه: كل شيء في هذه الدنيا حكمه مباح لنا، سواء من مطعم أو مشرب أو ملبس أو غيرها.\nوالدليل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩] فكل شيء خلقه الله جل وعلا لنا، وامتن علينا حيث قال: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة:١٦٨]، وقول الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] فكل هذه الآيات تدل على أن كل شيء من ملبس ومشرب ومأكل حلال مباح.\nفمثلًا: إذا حرم رجل التفاح على نفسه فنقول له: ائتنا بدليل الحرمة، فإن الأصل الإباحة، وإذا قال: ما هو الأصل الإباحة؟ فالإجابة: استصحاب الأصل بالدليل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٨].\nمثال آخر: رجل رأى رجلًا ارتدى ثيابًا فيها شيء من الحرير، فالأصل في الملبس الحل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢] ولكن هناك دليل على حرمته وهو: (نهى النبي ﷺ عن لبس الحرير للرجال).\nمثال آخر: أكل كل ذي ناب من السباع، الأصل أنه حلال حتى يأتينا الدليل على الحرمة، وقد جاء الدليل بالحرمة: (أن النبي صلى عليه وسلم حرم كل ذي ناب من السباع)، كذلك أكل الهرة فهي ذات ناب، ولا يجوز أكلها.\nالنوع الثاني: استصحاب العدم الأصلي، أي: أن الأصل عدم الإلزام حتى يأتي الدليل بالإلزام، والأصل عدم شغل الذمة بشيء حتى يأتي الدليل على شغل الذمة به، والعمدة في ذلك: قول النبي ﷺ: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) مثلًا صاحب متجر جاء إليه رجل، ولم يشتر منه شيء، فقال له: أنا أعطيتك ألف جنية لتعطيني -مثلًا- الخاتم الذي عندك، فقال البائع: ما أعطيتني شيء، فهنا القول قول البائع؛ لأن الأصل عدم الشراء، والأصل البراءة الأصلية، والأصل مع البائع إلا أن يأتي المشتري بزيد وعبيد، فيشهدا على البائع، ويكون القول قول المشتري؛ لأن الأصل براءة ذمة البائع حتى يأتي الدليل الذي ينقلنا عن هذا الأصل، فجاء الدليل وهي البينة، فنقلتنا عن الأصل إلى ما أثبته الدليل وهو البينة.\nمثال آخر: ذمة الإنسان غير مشغولة بحق إلا ما قام الدليل على شغل هذه الذمة، بمعنى: فاطمة جاءت لمحمد فقالت: أنت زوجي فصرخ في وسط الشارع وقال: هذه المرأة تدعي أني زوجها وأنا لست بزوجها، فالأصل براءة الذمة وهو عدم الزواج حتى تأتي بشهود تثبت أن هذا الرجل هو زوجها، أو تأتي بعقد الزواج.\nالنوع الثالث: استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي، حتى يثبت خلافه.\nمثاله: رجل يسكن في شقة منذ مدة طويلة، فجاء خمسة رجال يريدون إخراجه من هذه الشقة، وذلك بحجة أنها شقتهم، فوجوده في الشقة ثبتت بها الملكية له، والأصل أنه بوصف -أنه موجود فيها- قد ثبتت ملكيته على هذه الشقة، فلا يخرج منها حتى يأتون ببينة.\nمثال آخر: رجل تزوج امرأة فقال: لي فيك كل شيء، فأراد منها ما يريد الزوج من زوجه، فقالت: لا يصح أن تأتيني ولا تقربني، فالأصل في عقد النكاح حل المرأة كلية لزوجها ولا يمكن أن تحرم عليه شيء، إلا ما جاء الشرع بتحريم شيء معين، وقد جاء الشرع بتحريم: (اتق الحيضة والدبر)، فهذان محرمان أن يأتي الرجل زوجه فيهما.\nالنوع الرابع: استصحاب الدليل، وذلك يأتي دليل يحرم أو دليل يحل، فنستصحب هذا الدليل، ونعمل به حتى يأتي دليل يناقض هذا الدليل، وقد استنبط منها العلماء مسائل كثيرة جدًا منها: بقاء العام على عمومه حتى يأتي المخصص فنعمل به، وبقاء المطلق على إطلاقه حتى يأتي مقيد يقيده، وبقاء الواجب على وجوبه حتى يأتي صارف يصرفه إلى الاستحباب، وبقاء المحرم على تحريمه حتى يأتي صارف يصرفه إلى الكراهة، وكذلك استصحاب الدليل الشرعي، كأن نقول: الأصل في ذبائح أهل الكتاب أنها حرام، لأن الله قال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، فلا يجوز أن تأكل إلا ما سميت؛ ولذلك قال النبي ﷺ: (إذا أرسلت كلبك المعلم وسميت اسم الله -أو ذكرت اسم الله- فكل).\nإذًا: اشترط عليه شروط حتى يأكل، وطالما أن الأصل العام للذبائح الحرمة، فأستصحب الأصل حتى يأتيني دليل ينقلني من الحرمة إلى الحل.\nوقد جاء الدليل ونقلني عن الأصل في ذبائح أهل الكتاب، والدليل هو قول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُم﴾ [المائدة:٥]، مطلقًا، سواء كان مذبوحًا أو غير مذبوح، وقوله: (طعام) جمع مضاف معرف بالإضافة، فيعم كل أطعمة أهل الكتاب إلا ما دل الدليل على حرمته كالخنازير.\nإذًا: فكل اللحوم المستوردة حلال ما لم يثبت دليل على الحرمة، كالذبائح التي يذبحونها بالصعق أو بالسم أو بالكهرباء، فإذا ثبت لنا أنهم لم يذبحوا الذبيحة بالطريقة الإسلامية فهي محرمة.\nوهذا هو التأصيل العلمي الصحيح.\nومن الأمثلة: الأصل في لبس الحرير الحل، ثم انتقل بدليل من الحل إلى الحرمة بالنسبة للرجال، فأصبح الأصل في لبس الحرير للرجال الحرمة، والدليل: أن الزبير وعبد الرحمن بن عوف اشتكيا لرسول الله ﷺ الحكة، فأذن لهما في لبس الحرير، فهنا مستثنى.\nفالأصل الحرمة حتى يأتي دليل على النقل، والنقل جاءنا من الضرورة، وأباح النبي ﷺ حوالي ثلاثة أصابع خيوط حرير يلبسها الرجال، فهذا يكون نقلني عن استصحاب الأصل، أي: استصحاب الدليل الشرعي، سواء الحرمة أو الوجوب أو غيره.\nومن الأمثلة أيضًا: وجوب التسمية قبل الوضوء، ورجح هذا القول بعض الحنابلة والألباني، وسيقول أصحاب هذا القول: الأصل أنني ألزمك بالتسمية، وعندي الدليل على ذلك، وهو قوله ﷺ: (لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)، فأقول: هذا الدليل ضعيف ضعفه أساطين أهل العلم من المحدثين قديمًا، وإن قلنا بتصحيحه فإنه يئول؛ لأن الحديث المضعف أو المصحح الذي لم يسلم من المعارضة لا يصح أن ألزم به الناس؛ لأن الإلزام أمر لا بد له من دليل أوضح من شمس النهار، فهي مستحبة وليست لازمة، فنرجع للبراءة الأصلية من الكتاب، وهو أن الكتاب ألزمني بغسل الوجه فقط ولم يلزمني بالتسمية، فالأصل معي والناقل لم أوافق عليه، فأبقى على الأصل واستصحاب الأصل.\nمثال آخر: قراءة الحائض للقرآن، الأصل الحل ما لم يأت دليل يثبت النقل، والأدلة كثيرة جدًا تنص على حرمة قراءة القرآن للمرأة الحائض.\nوالغرض المقصود أن أقول: الأصل معي ولا أنتقل من الأصل حتى يأتيني الدليل الذي ينقلني عن الأصل.\nإذًا: هذا النوع الأول من الاستصحاب: استصحاب الإباحة الأصلية في الملبس أو المطعم أو المشرب أو في المعاملات أو في العقود، فكل عقد فهو حلال حتى يأتي الدليل على تحريمه، وكل شرط حلال ما دام يوافق كتاب الله وسنة النبي ﷺ، وكل مطعم ومشرب وملبس فهو حلال حتى يأتيني دليل الحرمة.","vol":"15","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>مسائل تتعلق بالاستصحاب</span>\nالاستصحاب في الحقيقة ليس حكمًا جديدًا، فهو في ذاته ليس بدليل، لكن كما ذكرت أنه هو دليل دفع.\nوقد يسأل سائل: متى يلجأ الفقيه أو الأصولي إلى الاستصحاب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  على الأصولي أولًا أن يبحث كثيرًا عن الأدلة، فإن لم يجد دليلًا للحرمة فيقول: أبقى مع الأصل وهو الحل، فإن وجد دليلًا فهو حرام؛ لأن الدليل قد نقلني عن الأصل فيصير الفقيه إلى الاستدلال باستصحاب الأصل عندما لا يجد دليلًا من الكتاب أو السنة على مسألته.\nمثال ذلك: رجل يبيع الكلاب فما حكم أمواله؟ نقول: الأصل الحل لقوله ﷿: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] لكن إن وجدت دليلًا ينقلني عن الأصل إلى الحرمة فالمال حرام، والدليل في البخاري أو في مسلم عن النبي ﷺ أنه نهى عن ثمن الكلب.\nإذًا: أنا ظفرت بالدليل فأذهب إليه وأقول: حرام عليك ثمن الكلب، لأني وجدت الدليل على الحرمة.","vol":"15","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>بعض القواعد الفقهية التي تتعلق بالاستصحاب</span>\nمنها: اليقين لا يزول بالشك، وهذه من القواعد الأصولية وليس الفقهية، ودليل ذلك: (عندما شكي له ﵊: أن الرجل يجد الشيء في بطنه فماذا يفعل؟ فقال النبي ﷺ: لا ينفتل من صلاته حتى يجد ريحًا أو يسمع صوتًا).\nفهذه دلالة على أن اليقين لا يزول بالشك.\nوأيضًا: القاعدة الفقهية: إبقاء ما كان على ما كان حتى يأتي الدليل بنقله.\nوأيضًا: الأصل البراءة الأصلية دون شغل الذمة إلا بدليل.","vol":"15","page":5},{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-151> العام</span>\nيعد العام من المباحث الأصولية التي تناولها الأصوليون، لما له من أهمية في أخذ واستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الكلية الإجمالية، وقد تناوله العلماء بالتعريف، والفرق بينه وبين المطلق، وحكم العمل به، وبيان صيغه الدالة عليه، ومسائل أخرى تتعلق به.","vol":"16","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>تعريف العام</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nثم أما بعد: العام لغة: ضد الخاص، وهو من عم الشيء، أي: شمله فهو شامل.\nوفي الاصطلاح: هو اللفظ -أو الاسم- المستغرق لجميع ما يصلح له، بحسب وضع واحد دفعة من غير حصر.","vol":"16","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>الفرق بينه وبين المطلق</span>\nما الفرق بين العام والمطلق؟ العام هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له دفعة واحدة، أي، يستغرق كل أفراده.\nأما المطلق فيستغرق واحد من الكل، فالعام: يشمل كل أفراده، أما المطلق: فيشمل واحد من الأفراد فقط.","vol":"16","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>حكم العام</span>\nاختلف العلماء في حكم العمل بالعام على قولين: القول الأول: جوب العمل به دون البحث عن المخصص، بمعنى: أن النبي ﷺ إذا قال: (كل مسكر حرام) فإنه يشمل عصير العنب والشعير والتمر، لأن لفظ (كل) نص في العموم، فلا يجوز لأحد أن يقول: لن أعمل به حتى أبحث عن المخصص، فلعل النبي ﷺ لم يقصد كل المسكرات، وإنما قصد نبيذ العنب فقط وإن قال ذلك فنقول له: أخطأت، فإن الصحيح الراجح: أن دلالة العام يجب العمل بها.\nالقول الثاني: من أهل العلم: لا يعمل بالعام حتى يبحث عن المخصص؛ ولذلك قالوا: ما من عام إلا وقد خصص بدليل الاستقراء، وأقول: هذا كلام ضعيف جدًا، والصحيح الراجح: العمل بالعام دون البحث عن المخصص، ويشهد لذلك أن الصحابة في قضايا كثيرة عملوا بالعام دون أن يبحثوا عن المخصص.","vol":"16","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>صيغ العموم</span>\nوصيغ العموم كثيرة، منها ما هو نص في العموم، ومنها ما هو الغالب في العموم.\nالأول: المعرف بالألف واللام؛ ويشترط في الألف واللام أن تكون استغراقية، أي: كاسم الجنس، فإذا عرف الاسم بالألف واللام التي تفيد الاستغراق فإنه يفيد العموم.\nمثال ذلك: الجمعة عيد، فإنه يفيد العموم، بمعنى: كل جمعة عيد؛ لأن (الجمعة) اسم جنس معرف بالألف واللام، ولكي تعرف اسم الجنس جرده من الألف واللام وضع قبلها كل، فإذا استقام الكلام علمت أنه اسم جنس، سواء كان مفردًا أو جمعًا، بل الجمع من باب أولى.\nفمثال المفرد: قول الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٨]، فـ (الإنسان) مفرد، وهو اسم جنس معرف بالألف واللام، فيفيد العموم، أي: أن كل إنسان ضعيف.\nوهنا\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الإنسان من المخلوقات القوية، فلماذا قال: «وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا»؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أن المراد بالآية: أنه حين خلق كان ضعيفًا.\nومثال الجمع: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور:٥٩]، و(أطفال): جمع طفل، وهو معرف بالألف واللام، فيفيد العموم، أي: كل طفل.\nوهنا سؤال: كيف نعرف أن المراد كل طفل حتى الأطفال الذين يعيشون في أسرة تقية نقية؟ الجواب: نعرف من كونه جمع معرف بالألف واللام، فيفيد كل طفل.\nومثال اسم الجمع: قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] فلفظ (الرجال) و(النساء)، عام، لأنه اسم جمع معرف بالألف واللام.\nوقال الله تعالى في قصة موسى لما أمرهم بذبح البقرة، قالوا: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:٧٠] فـ (البقر) اسم جنس جمعي معرف بالألف واللام، فيفيد العموم.\nالثاني: المعرف بالإضافة، سواء كان مفردًا أو جمعًا أو غيره.\nفمثال المفرد المعرف بالإضافة: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، فـ (نعمة) اسم مفرد مضاف يفيد العموم، فيكون المعنى: نعم الله لا يمكن أن تعد ولا تحصى.\nومثلها قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٢٣١].\nومثال الجمع المعرف بالإضافة: قول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ [الأعراف:٦٩]، فـ (آلاء) جمع مضاف لله جل وعلا، فتعم كل آلاء الله جل وعلا.\nأيضًا: قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب:٣٢]، فـ (نساء النبي) اسم جمع مضاف يعم كل نساء النبي.\nومثال اسم الجنس المعرف بالإضافة: قول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] فـ (أولاد) مضاف والكاف مضاف إليه، فيعم كل الأولاد الذكر والأنثى، ثم قال: «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ».\nومن أمثلة اسم الجنس المعرف بالإضافة: تمري لفلان، مثلًا.\nالثالث: الأسماء الموصولة، فكل الأسماء الموصولة تفيد العموم، فإذا رأيت الاسم الموصول فاعلم أنه يستغرق كل ما يكون تحته من أفراد.\nمثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ [الأحقاف:١٧] فـ (الذي) هنا معناه: شامل لكل من يتأفف.\nأيضًا: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] فهي شاملة لكل أحد يأتي بالصدق ويصدقه.\nوقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء:١٠] ليس فقط العثاة، بل لكل من يأكل أموال اليتامى ظلمًا، فإنما يأكل في بطنه نارًا.\nوقول الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] هل هو للمتبرجات دون المنتقبات؟ لا، بل هو لكل النساء؛ لأن الأسماء الموصولة كلها تفيد العموم.\nأيضًا: (من) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات:٢٦] فهي عامة لكل أحد يخشى.\nوأيضًا: (ما) قال الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] فـ (ما) هنا للعموم، لكنها لغير العاقل.\nالرابع: أسماء الشرط، فهي تدل على العموم، فإذا قلت: إن جاءك زيد فأكرمه، فإنها تدل على عموم الإكرام، بمعنى: أنه كلما أتاك زيد أكرمه، سواء أتاك في السبت أو الأحد أو الجمعة أكرمه، فهذا عموم وصف أو عموم إكرام.\nوأيضًا: قول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦] فـ (من) من أسماء الشرط.\nوكذلك: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل:٨٩] شرطية أيضًا، فيكون المعنى: لن يكون له خير منها إلا من جاء بالحسنة، أو نقول على الاسم الموصول: الذي جاء بالخير، أو بالعمل الصالح فله خير منه.\nوأيضًا: أينما ومهما وحيثما، قال الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨]، ومثله: حيثما العلم فأنا معه، وحيثما العلم فكن.\nالخامس: أسماء الاستفهام تفيد العموم، فمثال (من) قول الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة:٢٤٥]، وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك:٣٠] والاستفهام هنا إنكاري.\nوأيضًا (أين) الاستفهامية تفيد العموم ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء:٧٨].\nالسادس: النكرة في سياق النفي، أو في سياق الشرط، أو في سياق النهي تفيد العموم، وهي نص في العموم، مثلها مثل: (كل، وجميع، وقاطبة، وعامة) كما يأتي.\nفمثال النكرة في سياق النفي التي تفيد العموم: قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٦٢]، (ما) هنا نافية تنفي وجود أي إله مع الله تعالى.\nوقال الله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، فعموم الرفث حرام، وهذا نفي يراد به النهي، فهو خبر يراد به الإنشاء، فيكون معنى: (فلا رفث) أي: أنهاكم عن الرفث في الحج.\nومثال النكرة في سياق النهي التي تفيد العموم: قال الله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان:٢٤] (آثمًا أو كفورًا) نكرة في سياق النهي تفيد العموم، أي: كل الآثمين في العالم، وقال الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة:٨٤]، أي: لا تصل على أحد من المنافقين؛ لأنه نكرة في سياق النهي فأفادت العموم.\nومثال ة في سياق الشرط الت تفيد العموم: قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٤] فـ (شيئًا) نكرة في سياق الشرط تفيد العموم.\nوأيضًا: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فـ (أحد) نكرة في سياق الشرط يفيد العموم.\n﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٣٢] فـ (آية) نكرة في سياق الشرط تفيد العموم، أي: أي آية، سواء العصا أو بياض يدك أو إخبارك بشيء، فلن نؤمن لك.\nومثله قول النبي ﷺ: (إذا ابتعت شيئًا فلا تبعه حتى تقبضه) فـ (شيئًا) نكرة في سياق الشرط تفيد العموم.\nوأيضًا قول النبي ﷺ: (إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم) فـ (قومًا) نكرة في سياق الشرط تفيد العموم، أي: سواء كانوا عربًا أو غير عرب، قليلًا أو كثيرًا.\nومثال النكرة في سياق الاستفهام الإنكاري التي تفيد العموم: قال الله تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ [القصص:٧١].\nالسابع: ما كان بمادته نص في العموم، وهي: كل، وجميع، وكافة، وقاطبة.\nقال الله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١]، أي: كل إنسان بما كسب سيحاسب.\nوقول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، يعم كل نفس حية.\nوقول الله تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر:٦٧]، أي: كل الأرض.\nوقول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦] أي: كل المشركين.\nويجتمع نصان للعموم في جملة إذا جاء بـ (كل) و(جميع) قال الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر:٣٠].","vol":"16","page":5},{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-156> أقسام العام وتخصيص العام</span>\nمن المسائل التي يتكلم عنها الأصوليون ضمن مبحث العام: أقسام العام، إلى أربعة أقسام: العام الباقي على عمومه، والعام الوارد على سبب خاص، والعام المخصوص، والعام المراد به الخصوص.","vol":"17","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>مراجعة لما سبق</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: فما زلنا مع أبواب الأصول، ونحن على موعد مع الكلام على العام وأقسام العام وتخصيص العام.\nوسبق أن بينا أن العام في اللغة: ضد الخاص، وهو الشامل.\nواصطلاحًا: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له، بحسب وضع واحد دفعة من غير حصر.\nوقلنا: إن الحكم العام يجب العمل به قبل البحث عن المخصص.\nوذكرنا أن من صيغ العموم: اسم الجنس المعرف بالألف واللام، والجمع المعرف بالألف واللام، والمفرد المعرف بالإضافة، وكذلك الجمع واسم الجنس، مثل: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، ومثل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤].\nوقلنا: إن هناك ألفاظًا هي نص قاطع في العموم، مثل: (كل) و(جميع)، كقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر:٣٠] فهذه دلالة على العموم؛ لأن كل الملائكة سجدوا ثم أكد بـ «أَجْمَعُونَ».\nوأيضًا: كلمة (قاطبة) و(عامة) تدل على النص القاطع في العموم، وكذلك كلمة (كافة) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨].\nوكذلك مما هو نص في العموم: النكرة في سياق النفي، مثل: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [ص:٦٥].\nأو النكرة في سياق النهي مثل: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُرًا﴾ [الإنسان:٢٤].","vol":"17","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>أقسام العام</span>\nينقسم العام إلى أربعة أقسام:","vol":"17","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>العام الباقي على عمومه</span>\nالقسم الأول: العام الباقي على عمومه، أي: لم يدخله التخصيص.\nمثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣].\nقوله: (أمهاتكم) جمع معرف بالإضافة، كذلك يعطف عليه: (بناتكم) (أخواتكم)، فهذا جمع معرف بالإضافة فيفيد العموم، وهذا العموم لم يخصص، فلم يقل -مثلًا-: إن الجدة الثالثة لا تحرم على الرجل أن ينكحها.\nأيضًا قول الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود:٦].\nفـ (دابة) نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، يعني: أي دابة تدب على الأرض فإن الله يرزقها، فهذا عام باق على عمومه، فهل يقال: النمل ليس على الله رزقه وهذا تخصيص؟ لا، فهذا خطأ (ما من دابة) يعني: أي نملة أو دودة أو كائن في البحر أو في السماء رزقها على الله جل وعلا، فهذا عام لم يدخله الخصوص.\nأيضًا: قول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦]، فـ (من) اسم موصول للعاقل، يعني: أن أي أحد يعمل عملًا صالحًا فإن ذلك يكون لنفسه وثوابه له، فهل دخله تخصيص؟ لا، بل هو عام باق على عمومه لم يخصص.","vol":"17","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>العام المخصوص</span>\nالقسم الثاني: عام دخله التخصيص، أي: عام جاء فيه التخصيص.\nفمثلًا: قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، فـ (الناس) معرف بالألف واللام وهما للاستغراق، أي: أن كل الناس عليهم حج، لكنه في السياق نفسه خصص فقال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ [آل عمران:٩٧]، يعني: ليس كل الناس عليهم الحج، وإنما يكون الحج على المستطيع.\nوأيضًا: يمكن التخصص بالحالة، وذلك كما جاء في قصة الرجل الذي صام في غزوة الفتح فمر عليه النبي وقد ظلل عليه فقال: (ليس من البر الصيام في السفر)، فالنبي ﷺ قال ذلك على حالة هذا الرجل، فنقول: هذا تخصيص بحالته، يعني: كل رجل لا يستطيع الصوم في السفر أو سيهلك إذا صام في السفر فلا يجب عليه، بل ليس من البر أن يصوم، ولا يجوز له أن يصوم بل يأثم إن صام، وقد وقع الخلاف الفقهي بين الناس في كون صيامه مقبولًا أو أن عليه القضاء.\nومن العام المخصص قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:٦٨] فالعموم هنا: أن كل من يقتل ويزني ويدعو مع الله غيره، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه، ثم خصص بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [مريم:٦٠].\nإذًا: فليس كل عاص أو كل مشرك سيضاعف له العذاب؛ لأن من تاب تاب الله عليه.\nوهنا\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفائدة من قولنا: إن هناك عامًا باقيًا على عمومه، وعامًا مخصصًا؟ أقول: هذا التفصيل يهم أهل الفقه، إذ أن العام الذي يبقى على عمومه أقوى في الدلالة من العام الذي قد خصص، فإذا تعارضا في الظاهر -إذ لا تعارض بين الأدلة فكلها من مشكاة واحدة، لكن قد يظهر للمجتهد التعارض بين العام الذي بقي على عمومه وبين العام الذي خصص -فإن العام الذي بقي على عمومه يتقدم على العام الذي خصص ودخله التخصيص؛ لأنه أقوى في الدلالة.\nمثال ذلك: جاء في الصحيحين عن ابن عباس: أنه قال (شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر بن الخطاب، أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ونهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس)، وقال النبي ﷺ: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، فهذا عام في كل الدخول.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن حديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين)، عام لم يدخله تخصيص، أما حديث ابن عباس: (نهى النبي ﷺ عن الصلاة بعد العصر) فهذا عموم، أي: في كل صلاة، لكن خصص بقضاء الفائتة من السنن الرواتب، فقد ثبت أن النبي ﷺ قضي سنة الظهر بعد العصر، وأيضًا في الحديث الصحيح -رغم أن بعض العلماء ضعفه-: (أن النبي ﷺ مر على رجل يصلي بعدما صلى الفجر، فقال النبي ﷺ: آلفجر مرتين؟ فلما بين له الرجل أن هذه هي سنة الفجر أقره النبي ﷺ على ذلك ولم ينكر عليه).\nفهذا فيه دلالة على أن النهي عن الصلاة بعد الفجر مخصوص وليس عامًا، فإذا دخل الخصوص على العام أضعف دلالته، أما العام الباقي على عمومه فنقدمه لقوة دلالته، كحديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين)، وصيغة العموم فيه: (أحدكم) فهو نكرة في سياق الشرط، فـ (إذا) شرطية، و(حتى يصلي) غائية، والغاية تبين الخصوص (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي) فإذا قلت: (يجلس) من الجلوس فيمكن أن يكون مصدرًا، فنقول: نكرة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فقوله: (أن يشرك به) مصدر مؤول من الإشراك، والإشراك نكرة.\nقوله: (أحدكم) مفرد مضاف فيعم كل داخل، وأيضًا: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) ما نقول: نكرة في سياق الشرط، ولكن نقول: الشرط يفيد العموم، فنقول مثلًا: أعط زيدًا إذا جاءك درهمًا، فهذه جملة شرطية، يعني: كلما جاءك زيد فأعطه الدرهم، ونفس الأمر في قوله: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) فهذا العموم لم يدخل عليه ما يخصصه فيبقى على عمومه.\nأما العموم الثاني في قوله: (نهى النبي ﷺ عن صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ونهى عن صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس)، هنا: (صلاة) نكرة في سياق النهي فتفيد العموم، لكن هذا العموم قد دخله التخصيص، وهو الحديث الذي سبق ذكره: أن النبي ﷺ صلى بعد العصر سنة الظهر التي شغله عنها تفريق المال، وأيضًا حديث الصحابي الذي صلى بعد الفجر.\nفهذا العام الذي دخله المخصص أضعف دلالته، وأما الآخر فهو باق على عمومه لم تضعف دلالته فيقدم عليه.\nإذًا نقول: العام الذي دخله التخصيص وهو النهي عن الصلاة بعد العصر بعد الفجر ويقدم عليه العام في دخول المسجد وهو الذي لم يدخله التخصيص.\nونقول هنا: لكن إذا دخل المسجد بعد العصر فهنا يتعارض العام الأول مع العام الثاني، العموم الأول: نهي النبي ﷺ عن الصلاة بعد العصر، والعموم الثاني: أنه إذا دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي.\nفيعمل بالعموم الثاني؛ لأنه لم يدخله التخصيص فيضعف دلالته، لكن الأول لما دخله التخصيص أضعف دلالته، وبعض العلماء مثل له بمثال آخر وهو قول النبي ﷺ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب) (صلاة) نكرة في سياق النفي فتفيد العموم.\nوهنا مسألة تتعلق بقراءة الفاتحة للمأموم، فالذين يقولون بأن المأموم لا يقرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية قالوا: قراءة الفاتحة عامة دخلها الخصوص، وهو أن المأموم إذا أدرك الإمام راكعًا يركع وتحسب له ركعة، واستدلوا بحديث مختلف في صحته، حيث ضعفه البخاري وغيره، ولكن صححه كثير من أهل العلم قال: (من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة).\nويحتجون أيضًا بحديث أبي بكرة -وهو صحيح- أن النبي ﷺ قال له: (زادك الله حرصًا ولا تعد) فقالوا: باتفاق الفقهاء (من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة)، وهذا مخصص لقول النبي ﷺ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] عموم ليس له مخصص، فالآية تقدم على الحديث الأولى، لأنها عامة لم يدخلها التخصيص، وهذا قوي جدًا من وجهة النظر، لكن عند التأمل نقول: هذه الآية دخلها التخصيص وهو: (أن النبي ﷺ صلى الفجر، فقام رجل فقرأ مع النبي ﷺ فقال: من ينازعنيها؟ من يخالجنيها؟ -يعني: من يقرأ وأنا أقرأ- فقال رجل: أنا يا رسول الله! قرأت بسبح، فقال النبي ﷺ: لا تفعل إلا بأم الكتاب).\nإذًا هذه الآية دخلها التخصيص يبقى عموم هنا، ويبقى لنا أن ننظر أيهما أقوى، فيفصل في النزاع أنه قال: (إلا بأم الكتاب) فلابد وجوبًا أن تقرأ الفاتحة حتى ولو كان الإمام يقرأ الفاتحة.\nوهذا أيضًا من باب أنه إذا تعارض العام مع العام ننظر أيهما دخله التخصيص فتضعف دلالته، وأيهما لم يدخله التخصيص فلم تضعف دلالته.","vol":"17","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>العام المراد به الخصوص</span>\nالقسم الثالث: العام المراد به الخصوص.\nأي: ذكره الله بلفظ العموم، لكنه ما أريد به العموم وإنما أريد به الخصوص.\nمثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].\nالناس الأولى لفظ عام، وأريد به معين وهو نعيم بن مسعود والثانية أريد به أبو سفيان.\nفالكلام جاء بلفظ العموم بينما يراد به الخصوص.\nمثال آخر: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران:٣٩].\n(الملائكة) لفظ عام يشمل جميع الملائكة، لكن يراد به الخصوص وهو جبريل ﵇، والإجماع يدل عليه.\nمثال آخر أيضًا: قول الله تعالى عن النار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] قوله: (الناس) لفظ عام يراد به الخصوص، فليس كل الناس وقودًا للنار؛ لأن هناك من الناس من يدخل الجنة بغير حساب، والدليل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١].","vol":"17","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>العام الوارد على سبب خاص</span>\nالقسم الرابع: العام الذي جاء على سبب خاص، أي: أن لفظ العموم كان من أجل سبب خاص، وهذه المسألة مهمة جدًا، ولذلك قعد العلماء قاعدة مهمة جدًا ألا وهي: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nمثال ذلك: حديث أبي هريرة: (أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء، فإذا توضئنا عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال النبي ﷺ: هو الطهور ماؤه الحل ميتته) فهذا التعميم ليس للرجل وحده.\nمثال آخر: رجل جاء إلى النبي فقال: (يا رسول الله! قبلت امرأة لا تحل لي -أو قال: فعلت معها ما يفعل الزوج مع زوجه إلا أني لم أجامع- فالنبي ﷺ سكت، فلما قضى الصلاة قال: أين السائل؟ فقال: أنا يا رسول الله! فقال: صليت معنا؟ قال: نعم، قال: اذهب، ثم تلا عليه قول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] فقال للنبي ﷺ: إلى هذه وحدي يا رسول الله! فقال النبي ﷺ: بل لأمتي كلها) فهذا لفظ عام، وفيه إجابة على سؤال الرجل بأن كل الحسنات تذهب السيئات، وهذا ليس خاصًا بهذا الرجل، بل هو على العموم كما بين ذلك النبي ﷺ.\nوعلى هذا إذا جاء العام لسبب يكون العبرة فيه بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالحجة بعموم اللفظ؛ لأن الله جل وعلا لما شرع الشرائع ما شرعها على الأشخاص وإنما التشريع ينزل عامًا، ولذلك قلنا: أي خطاب للنبي ﷺ فهو لأمته، وإن كان الخطاب للأئمة فالنبي ﷺ يدخل أيضًا في خطاب الأمة.\nيقول الله جل وعلا: ﴿يا أيها النَّبِيُّ﴾ [الطلاق:١] ثم جمع فقال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١]، فالأصل أن الخطاب ينزل للعموم؛ لأن الأحكام لا ترد على الأشخاص بحال من الأحوال.\nمثال آخر أيضًا: أن هلال بن أمية جاء للنبي ﷺ يتهم زوجته بالفاحشة، فقال النبي ﷺ: (البينة أو حد في ظهرك) والنبي ﷺ يعلم أن الرجل صادق، ولما صدق الله صدقه وجعل له مخرجًا، والمخرج هو: آية اللعان: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ [النور:٦] فالنبي ﷺ أتى به وبزوجته وقال: تقسم بالله أنها فعلت الفاحشة أربع مرات، فأقسم أربع مرات، وفي الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وأتى بها ثم بين لها غلظ اليمين، وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فأقسمت القسم الخامس، وهي كاذبة، لكن المقصود أن هذا اللعان جاء بسبب هلال بن أمية، فهنا العبرة بعموم السبب، وليس خاصًا بـ هلال بن أمية، فأي رجل علم من امرأته أنها تفعل الفاحشة فله أن يلاعن ويقسم بالله أربع مرات، ينفي الولد الذي في بطنها.\nمثال آخر: قصة أوس بن الصامت مع زوجته خولة بنت ثعلة عندما جاءت إلى الرسول ﷺ تسأله عن الظهار، فقالت: يا رسول الله! إن زوجي قد ظاهر مني وقال لي: أنت علي كظهر أمي، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة:٣] إلى قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة:٣] فهل هي خاصة بـ أوس بن الصامت زوج خولة؟ لا، بل هي عامة؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nمثال آخر: حديث: (أن النبي ﷺ سأله رجل عن بئر بضاعة يلقى فيها النتن والحيض وغير ذلك أنتوضأ منها؟ فقال النبي ﷺ: الماء طهور لا ينجسه شيء).\nفقوله: (الماء طهور لا ينجسه شيء) عام جاء لسبب معين، فهل نقول: إن الماء طهور لا ينجسه شيء ببئر بضاعة فقط؛ لأن السؤال كان عن بئر بضاعة؟ لا، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nوهنا مسألة مهمة جدًا وهي: أن قولنا: جاء لسبب معين، إما أن يقصد به شخص أو بوصف، فما كان بسبب بسبب شخص فالشريعة لا تتعلق بأشخاص، فيكون دائمًا العبرة بعموم اللفظ، أما إن كان اللفظ العام هذا جاء بسبب حالة أو بسبب وصف معين فإنها لا تعمم، بل تبقى على هذه الحالة فقط، ويقاس عليها مثلها.\nمثال ذلك: (أن النبي ﷺ مر برجل يظلل عليه فقال: ما له؟ قالوا: صائم -فهنا الحالة: الصيام في السفر وهم يظللون عليه لما حصل له من مشقة شديدة- فقال النبي ﷺ: ليس من البر الصيام في السفر) فالعموم هنا: أن أي صيام في السفر ليس من البر، سواء كان نفلًا أو فرضًا، وسواء كان مستطيعًا أو غير مستطيع.\nفنحن هنا نقول: إن النبي ﷺ قال هذا اللفظ العام بسبب وصف حالة، ولا نقول: العبرة بعموم اللفظ، وذلك لوجود قرائن تثبت أنه مخصص بهذه الحالة، يعني: كأن التقدير: ليس من البر أن يصوم الرجل الذي يشق عليه الصيام في السفر.\nفإن قيل: ما الدليل الذي جعلنا نقدر مع أن الأصل عدم التقدير؟ فنقول: القرائن كثيرة: منها: أن النبي ﷺ صام في السفر كما في حديث أبي موسى وغيره، وذلك في وقت اشتداد الحر، فقال: (وما منا صائم إلا رسول الله وعبد الله بن رواحة)، فهذه دلالة على أن النبي ﷺ صام في السفر.\nكذلك: الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ وأخبره بأن له القدرة على الصيام وهو يسافر، فقال له النبي ﷺ: (إن شئت فصم وإن شئت ففطر)، فقوله: (إن شئت فصم) دلالة على أنه من البر أن يصوم.\nوعليه فيكون الصيام في السفر ليس من البر عندما يشق على الرجل أو يكاد يموت من هذا الصيام.\nمثال آخر أيضًا: أن النبي ﷺ قال: (إنما الرضاعة من المجاعة).\nوقال: (لا رضاع إلا في الحولين) أي: في السنتين، بمعنى: أن الرضاع المحرِّم هو ما يكون عند الصغر فقط.\nوكان سالمًا مولى أبي حذيفة كبيرًا في السن، فجاءت زوجة أبي حذيفة إلى النبي ﷺ تسأله في شأنه، فقال: (أرضعيه تحرمي عليه).\nفنحن نقول كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن هذه واقعة حال فلا تعمم، وليس كل كبير يأتي فترضعه المرأة فتحرم عليه، لكن يقاس عليها إذا وجد يتيم قارب أو ناهز الاحتلام ولم يكن له مأوى إلا هذا البيت، ويريد صاحب البيت كفالته حتى يبلغ سن الرشد، فله أن يجعل امرأته تعصر له اللبن في زجاجة -مثلًا- فيرضع خمس رضعات حتى تحرم عليه.","vol":"17","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>تعريف الخاص وأنواع المخصص</span>\nمعناه: إخراج جزء من الحكم يخالف حكم الكل.\nمثلًا: أكرم الطلبة إلا زيدًا.\nفقولنا: (أكرم الطلبة) عام، وقولنا: (إلا زيدًا)، نكون قد خصصنا زيدًا بعدم الإكرام، فهنا (زيد) جزء يخرج بحكم مخالف لحكم الكل، فحكم الكل (الإكرام)، و(زيد) لا يكرم، فأخرجناه من الإكرام.\nوالمخصص نوعان: إما متصل، وإما منفصل.\nفأما المخصص المتصل فهو: ما يرتبط بنفس الجملة، ولا يفصله عن سياق العبارة شيء، وهو أنواع:","vol":"17","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>التخصيص بالاستثناء</span>\nالأول: التخصيص بالاستثناء، وذلك كما قلنا: أكرم الطلبة إلا زيدًا.\nوأدوات الاستثناء هي: إلا، وسوى، وغير، وعدا، وما عدا، وخلا، وما خلا.\nفلو قلنا مثلًا: خذ عشرة إلا ثلاثة.\nفالثلاثة هنا مخصوصة من العشرة بعدم الأخذ، وكما لو قلت: معي عشرة جنيهات خذ عشرة إلا ثلاثة، يعني: خذ السبعة الجنيهات واترك ثلاثة جنيهات.\nإذًا: الثلاثة خالفت الحكم، وهذا مثال على التخصيص بمتصل.\nكذلك قول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].\nفهذا مثال أيضًا للاستثناء المتصل، فكل جنس الإنسان في خسر إلا من آمن منهم.\nأيضًا: قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء:٩٢] فالمستثنى منه: (قتل المؤمن)، والمستثنى (خطأ) كما نقول: خذ عشرة إلا ثلاثة.\nالمستثنى منه: (عشرة)، والمستثنى: (ثلاثة).\nوالاستثناء المنقطع أيضًا يكون فيه تخصيص، قال الله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة:٣٤] فإبليس ليس من جنس الملائكة، و(إلا) هنا معناها (لكن)، أي: فسجدوا لكن إبليس لم يسجد، فإبليس اشترك مع الملائكة في كونه مأمورًا مكلفًا بالسجود لآدم.\nكذلك: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء:٢٩] هذا أيضًا من التخصيص، فكل أموال الناس لا يجوز لك أن تأكلها إلا في حالة واحدة، وهي التجارة عن تراض وطيب نفس، (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه) وطيب النفس يكون بالبيوع.\nومن أمثلته أيضًا: قول الله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦].","vol":"17","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>الأحكام المتعلقة بالمستثنى</span>\nوهناك أحكام تتعلق بالتخصيص بالاستثناء، ومنها: أنه إذا جاءت عدة جمل متعاطفة على بعض، ثم جاء في آخر هذه الجمل المتعاطفة استثناء، فهل يرجع الاستثناء على كل الجمل المتعاطفة أم هو على آخر جملة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: قول الجمهور وهو: إنه يرجع إلى كل الجمل المتعاطفة.\nالقول الثاني: قول الأحناف وهو: أنه لا يرجع إلا على الجملة الأخيرة.\nمثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤] ثم قال: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور:٤] ثم: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤].\nفهنا ثلاثة أحكام: الأول: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤].\n﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور:٤].\nالثالث: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤].\nإذًا اتهامهم بالفسق معطوف على عدم قبول الشهادة، معطوف على الجلد ثمانين جلدة.\nثم بعد هذه الأحكام قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٥] فهل هذا يرجع على الثلاثة؟ على قول الجمهور: يرجع على الثلاثة، لكن هناك قرينة جاءت تبين أن التوبة لا تسقط الحد، وهي: أن الغامدية جاءت تائبة ومع ذلك أقام عليها النبي ﷺ الحد، وكذلك قال لـ هلال بن أمية: (البينة أو حد في ظهرك)، فلو كانت التوبة تنفعه وتزيل عنه الحد لقال له: البينة أو توبة أو حد في ظهرك، وبهذا نكون قد أخرجنا سقوط الحد من الاستثناء الذي قال به الجمهور، وهو أنه يرجع على الكل، فيسقط الحد ويقبل الشهادة ولا يكون فاسقًا، فأخرجنا سقوط الحد بهذه الأدلة الكثيرة، فيبقى لنا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٥] أي: ستقبل شهاداتهم ولن يكونوا فاسقين.\nلكن الأحناف قالوا: لا تقبل شهادتهم، وإنما يرفع عنهم الفسق فقط؛ لأن الاستثناء يرجع على آخر جملة.\nونحن نقول: إن قول الجمهور هو الراجح، ودليل ذلك: أن أبا بكرة بعدما قذف المغيرة جلده عمر، والجلد يسقط الحد، فقال له عمر بن الخطاب: تب فأقبل شهادتك، وهل هناك أحد رمى أبا بكرة بالفسق؟ حاشا لله، فهو صحابي كريم، لكن قال له عمر: تب أقبل شهادتك، وهذه دلالة على أنه لو تاب يرجع الاستثناء إلى قبول الشهادة، وأيضًا إلى عدم اتهامه بالفسق.","vol":"17","page":10},{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-166> أحكام المستثنى</span>\nالمخصص نوعان: مخصص متصل، ومخصص منفصل، فأما المخصص المتصل فهو أقسام: تخصيص بالاستثناء، وتخصيص بالشرط، وتخصيص بالغاية، وتخصيص بالصفة، والمخصص المنفصل أقسام أيضًا: تخصيص الكتاب بالكتاب، وتخصيص الكتاب بالسنة، والسنة بالسنة، وتخصيص الكتاب والسنة بالإجماع والقياس، وأخيرًا التخصيص بمفهوم المخالفة، ولكل نوع مثال يوضحه.","vol":"18","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>المخصص المتصل وأقسامه</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: فما زلنا مع دروس الأصول، وقد تكلمنا عن تخصيص العام، وقلنا: إن الخاص هو: قصر العام، على بعض أفراده، وقلنا أيضًا أن المخصص على نوعين: تخصيص متصل، وتخصيص منفصل، والتخصيص المتصل على أربعة أقسام: الاستثناء، والشرط، والغاية، والصفة.","vol":"18","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>التخصيص بالاستثناء</span>\nهل يشترط في الاستثناء أن يكون متصلًا بالكلام؟ بعض العلماء اشترط ذلك وهم الجمهور.\nوقال بعض العلماء: إذا فصل المستثنى عن المستثنى منه بكلام، فحكمه حكم غير المفصول، وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم.\nواستدلوا على ذلك: أن النبي ﷺ قال في فتح مكة: (إن هذا البلد حرمه الله، يوم خلق السماوات والأرض، لا يعضد شوكه، ولا يختلى خلاه، فقال العباس بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه: يا رسول الله! إلا الإذخر؛ فإنه لقينهم وبيوتهم) إلى آخر الحديث، فقال النبي ﷺ: (إلا الإذخر)، فهم يرون أن هذا الاستثناء قد فصل بكلام العباس ﵁.","vol":"18","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>التخصيص بالشرط</span>\nالتخصيص بالشرط كقول القائل مثلًا: أعط زيدًا درهمًا، ثم يقول: إن حضر، فقوله: (إن حضر) شرط لكن لو قال: كلما جاءك زيد فأعطه درهمًا، وإن لم يأتك فأعطه درهمًا.\nفهذا على العموم، لكن لما يقيد بالشرط ويقول: أعط زيدًا درهمًا إن جاءك، وإن لم يأتك فلا تعطه، فهذا تخصيص بالشرط.\nمثاله في الآيات والأحاديث: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] فتخلية السبيل ليست على العموم، بل يشترط فيها التوبة مع إقامة الصلاة مع إيتاء الزكاة، أي: إخلاء السبيل معلق بشرطين: الأول: التوبة، الثاني: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.\nأيضًا: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، يعني: أن صوم رمضان على كل الأحياء، لكن ليس على العموم، وإنما يخصص منه ﴿مَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، فالمريض أو المسافر مرخص له أن يفطر.\nوالأحكام المتعلقة بالشرط هي نفس الأحكام المتعلقة بالاستثناء، فحكم جواب الشرط بعد جملة متعاطفة أنه يرجع إلى الجميع، على الخلاف الذي سبق في الاستثناء، والراجح أنها ترجع إلى الجميع.","vol":"18","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>التخصيص بالصفة</span>\nالتخصيص بالصفة هو: أن يكون اللفظ يدل على العموم، وفي السياق صفة مقيدة أو مخصصة، كقول القائل: (أكرم العلماء) عموم، فيعم كل العلماء، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، فاسقًا أو فاجرًا، صالحًا أو قانتًا، ورعًا أو تقيًا، متقنًا أو غير متقن، لكن لما يقول: (أكرم العلماء الصادقين) فهنا وصف (العلماء) بصفة، وهذه الصفة تعتبر صفة مخصصة، فيكون قد خصصت طائفة من العلماء بأنهم يستحقون الإكرام، وهم العلماء الصادقون.\nأو يقول: أعط طلبة العلم المال، أي: أعط طلبة أي علم: علم الكمبيوتر، علم الهندسة، علم الطب، لكن لو قال: أعط طلبة العلم الشرعي المال، فإذًا: خصصت طلبة العلم الشرعي.\nومثل قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] ووجه الاستدلال أن الحج واجب على الناس المستطيع وغير المستطيع، ولكن الوصف جعله عامًا في الناس الموصوفين بالاستطاعة فقط.\nوقال تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء:٢٣] فهنا الربيبة: التي في حجر زوج الأم، فتحرم عليه، لكن هذه الزوجة التي تزوجها ولها ابنة هل لها وصف يقيدها أم لا؟ قالت الآية: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء:٢٣] يعني: كل امرأة سواء دخلت بها أو لم تدخل بها إذا كان لها ابنة ربيبة فتحرم عليك هذه الربيبة، ثم جاء الوصف الذي قيد هذا العموم وهو قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء:٢٣]، فهذا يفيد على أنها ليست على العموم، بل تخرج بذلك التي لم يدخل بها، فإذا لم تدخل بها فالربيبة تحل لك.\nمثاله: رجل عقد على هند، وهند لها ابنة تسمى: زينب، فحدثت بين الرجل وهند مشاجرة، فطلق هندًا، ونظر إلى زينب فأعجبته فأراد الزواج منها، نقول: يصح التزوج بزينب؛ لأن الربائب اللاتي في الحجور مخصصة بالدخول على الأمهات، وهنا لم يحصل الدخول بأم زينب.\nأيضًا: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥]، ملك اليمين هي: الإماء، والأمة قد تكون مؤمنة وغير مؤمنة، وممكن تكون من أهل الكتاب وممكن تكون مشركة، فيقول الله تعالى: إن لم يكن معك مال تستطيع أن تتزوج الحرة المحصنة ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، يعني: لك أن تتزوج أمة، لكن لا يكون ذلك إلا بثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يخشى على نفسه العنت.\nالشرط الثاني: ألا يجد طولًا في نكاح المحصنات المؤمنات.\nالشرط الثالث: أن تكون مؤمنة، وهذا الشرط ورد في قول الله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥]، إذًا: الوصف في الآية خصص المؤمنات من الفتيات دون غير المؤمنات.\nوهناك بعض الأحكام تتعلق بالصفة منها: إذا تقدمت الصفة على متعدد، فهي وصف للجميع كما قلنا في الاستثناء والشرط، أما إذا توسطت المتعدد، فهي وصف لما تقدمها فقط.","vol":"18","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>التخصيص بالغاية</span>\nالتخصيص بالغاية هو: نهاية الشيء المقتضية ثبوت الحكم لما قبلها وانتفائها عما بعدها، أي: أن الحكم بعد الغاية منتف وقبل الغاية ثابت.\nمثال ذلك قال الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]، أي: أن الوجوب إلى المرافق، فما تحت المرفق واجب، أما العضد فليس بواجب.\nإذًا: ما بعد الغاية ليس بواجب، وما قبل الغاية واجب، فثبت الحكم فيما قبل الغاية وينتفي فيما بعد الغاية.\nمثال آخر: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة:١٩٦] عام، ثم قال الله تعالى مبينًا لنا الغاية حتى نخصص بها: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦]، أي: لا تحلق رأسك أبدًا وأنت في الحج، وإلا فعليك الدم والفدية إن حلقت أو قصرت، وهذا على العموم والإطلاق، وقد خصصه الله في غاية معينة فقال: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦] أي: لك يوم النحر الأكبر أن تحلق رأسك.\nوأيضًا يقال في مسألة الذين أحصروا، هل يحلق المحصر قبل أن يصل إلى المحل أم لا؟ نقول: هذا مقيد ومخصص للغاية: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.\nمثال آخر أيضًا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٢٢] أي: لا يمكن لك أن تقرب الحائض، ثم خصص فقال: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢] أي: حتى ينقطع الدم، وهذا خلاف فقهي بين العلماء، فالجمهور يرون: أنه لا يجوز أن يجامعها بعد انقطاع الدم حتى تغتسل، وأما الأحناف وهو ترجيح الألباني فيرون: أنه يمكن أن يأتيها قبل أن تغتسل إذا انقطع الدم، وهذا الكلام ضعيف مرجوح.\nمثال آخر: قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ [البقرة:١٨٧]، أي: تتم الصيام إلى نصف النهار، إلى آخر النهار، إلى الليل، إلى اليوم الثاني، هذا معنى: «ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ»؛ لأن إتمام الصيام ليس له غاية، فقيده الله وخصصه بغاية فقال: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، ويعرف الليل بسقوط حاجب الشمس، قال النبي ﷺ: (إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم)، فهذا أيضًا تقييد بالغاية، يعني: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.","vol":"18","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>المخصص المنفصل وأقسامه</span>\nالمخصص المنفصل هو: الدليل الشرعي، المنفصل عن اللفظ العام، بمعنى: مجيء آية عامة وجاءت آية أخرى مخصصة لها، أو حديث عام وجاء حديث آخر مخصصًا له، ويمكن التخصيص بالإجماع أو القياس.\nوالمخصص المنفصل ستة أنواع: الكتاب والسنة، الإجماع، القياس، مفهوم المخالفة، مفهوم الموافقة.","vol":"18","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>تخصيص الكتاب بالكتاب</span>\nالقسم الأول: المخصص المنفصل من الكتاب، وهذا بالاتفاق، ودلالة العام قطعية عند الجمهور، أما الأحناف فيرون أن دلالة العام ظنية وليست قطعية، وإنما الخلاف هل الكتاب يخصص بالسنة أم لا؟ نقول: الراجح من أقوال أهل العلم: أن الكتاب يخصص بالسنة، وكذلك يخصص بالقياس وبالإجماع.\nمثال ذلك: قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨].\nالمطلقة التي طلقها زوجها على أنواع: مطلقة تحيض، ومطلقة لا تحيض وتسمى يائسة، وصغيرة لا تحيض، قال الله تعالى في النوع الثاني: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق:٤]، أما المرأة التي تحيض فعدتها ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ والقرء فيه خلاف فقهي شديد بين العلماء؛ لأن القرء من الأضداد، فيأتي بمعنى الطهر، ويأتي بمعنى الحيض، فالمالكية والشافعية يرون أنه الطهر، ولغة القوة معهم، وشرعًا القوة مع الأحناف والحنابلة بأن القرء معناه الحيض، وهذا ورد في حديث صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (فاعتدي أقرائك) فجعل اللفظ المبين للقرء هو الحيض.\nفقوله: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ يعني: ثلاث حيضات هي عدة المرأة، أما التي لا تحيض فعدتها ثلاثة أشهر بنص الآية.\nفقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ [البقرة:٢٢٨] هذا لفظ عام، وقد جاءت أدلة تخصص هذا اللفظ العام، فمثلًا: الحامل على الراجح من الأقوال أن عدتها تنقضي بوضع الحمل؛ لحديث سبيعة الأسلمية، ولقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤].\nإذًا: المرأة الحامل تعتبر حكمها خاص من الحكم العام في المطلقات، وحكمها أنها إذا وضعت الحمل ولو بعد يوم من الطلاق لها أن تتزوج؛ لأن عدتها قد انقضت.\nأيضًا: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩]، أي: أن حكم المطلقة المعقود عليها قبل أن يدخل بها زوجها مخصوص من حكم المطلقات العام، ويمكن أن يعقد عليها آخر بعد ساعة.\nإذًا: الحكم العام في المطلقات أن عدتهن ثلاثة قروء، لكن خصصنا من ذلك أولات الأحمال بأن يضعن حملهن، وأيضًا المعقود عليها قبل أن يدخل بها ليس لها عدة.\nمثال آخر: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤] ما الحكم هنا في الذي يقذف امرأة ويقول: هذه المرأة زانية؟ نقول: يجلد ثمانين جلدة، فهذا على العموم، لكن جاءنا دليل منفصل قد خصص الزوج من هذا العام، وهذا الدليل المنفصل هو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ﴾ [النور:٦] يعني: لا يجلد ثمانين جلدة، لكن يلاعن، فهذا أيضًا حكم مخصوص من قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٤] يعني: إلا الزوج إذا قذف زوجته.\nودليل التخصيص جاء متأخرًا؛ لأن النبي ﷺ قال لـ هلال بن أمية: (البينة أو حد في ظهرك) فنزل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:٦]، فخصص بذلك أزواجهم.\nمثال آخر أيضًا: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١].\nقوله: (المشركات) لفظ يعم المجوسية والهندوسية والروسية والنصرانية واليهودية، فكل هؤلاء مشركات، فالعموم يؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة:٢٢١]، يعني: كل مشركة لا يجوز لك أن تنكحها، وهذا عام، ثم جاءنا دليل آخر منفصل خصص عموم النهي، وهو قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة:٥]، فقوله: «أوتوا الكتاب» يعني: من اليهود والنصارى، فهنا خصص النصرانيات واليهوديات على أنهن من أهل الكتاب، والله جل وعلا بين لنا أن المحصنة من أهل الكتاب تحل لنا، فهذا أيضًا تخصيص لهذا العموم.","vol":"18","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>تخصيص الكتاب بالسنة</span>\nالقسم الثاني: المخصص المنفصل من السنة، لا خلاف بين العلماء أن القرآن يخصص بالقرآن، ويخصص بالسنة المتواترة، لكن الخلاف بين العلماء في تخصيص القرآن بسنة الآحاد، فأما الأحناف: فلا يرون التخصيص بالآحاد، ويقولون: إن حديث الآحاد لا يخصص القرآن، لكن استثنوا ما إذا خُصص هذا القرآن بدليل من القرآن؛ لأنه إذا خصص بدليل من القرآن سيضعف، فإذا ضعف نزل إلى مرتبة حديث الآحاد فيخصصه.\nأما المالكية: فلا يرون بحال من الأحوال أن القرآن يخصص بسنة الآحاد إلا إذا كان عمل أهل المدينة يوافق خبر الآحاد.\nوأروع الأمثلة التي أستحضرها الآن للمالكية: قول النبي ﷺ: (يحرم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير).\nيقول الإمام مالك: إن هذا الحديث لا يخصص عموم قول الله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٨] ويأتي إلى هذا الحديث ويقول: ما أدركنا أحدًا من أهل المدينة يعمل به، ثم يقول: هذا حديث آحاد لا يخصص العموم.\nإذًا: عنده أن كل موجود على الأرض حتى القطط وغيرها يحل أكلها.\nأما القول الراجح: فهو قول الشافعية وقول الحنابلة بأن القرآن تخصصه السنة؛ لأن السنة والقرآن وحي من الله جل وعلا، فهما خرجا من مشكاة واحدة، فيصح تخصيص هذا بذاك، ويصح تخصيص الآخر بالأول، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، يعني: كل ما يأتي به الرسول ﷺ من كتاب أو سنة يؤخذ، وقال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، والتبيين من الكتاب ومن السنة، وأيضًا من الحديث القدسي، فهذا كله يدل على أنه خرج من مشكاة واحدة فيخصص.\nمثال: قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١].\nقوله: (أولادكم) اسم جنس مضاف وهو يفيد العموم، أي: يعم المسلم والكافر، والرقيق وغير الرقيق.\nلكن هذا العموم خص بحديث النبي ﷺ: (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم) فهذا فيه تخصيص من عموم الآية بأن الكافر لا يرث.\nمثال آخر أيضًا: قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥].\nووجه الاستدلال أن جميع أنواع البيع حسب الآية حلال، ولكن هذا العموم خص من قبل السنة الآحادية بنحو: (نهى النبي ﷺ عن بيوع الغرر)، فبيوع الغرر مخصوصة من عموم حل البيع.\nوأيضًا: (نهى النبي ﷺ عن ثمن الدم)، فالذي يتبرع بالدم ويأخذ أجرة على ذلك حرام؛ لأن ثمن الدم مخصوص من قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾.\nكذلك: (نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب) فهذا مخصوص من عموم الآية.\nمثال آخر: قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة:٣] فهذا عام في كل ميتة، لكن جاءنا حديث فخصص الآية، وهو (أحلت لنا ميتتان ودمان) وإن كان الحديث فيه ضعف لكن عضد بشواهد فارتقى إلى الحسن، فقوله: (أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فهما السمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال)، فهذا الحديث روي بسند صحيح عن ابن عمر موقوفًا، وله شواهد يرتقي بها المرفوع.\nإذًا: هذا الحديث خصص عموم قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣] فيخص من الميتة الجراد والسمك، ومن الدم الكبد والطحال.\nمثال آخر أيضًا: قال تعالى عن النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء:٢٤] قوله: (ما) من الأسماء المبهمة، فهي تعم كل ما وراء ذلك، فتعم كل النساء اللاتي لم يذكرن في التحريم في الآيات السابقة، لكن جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها) فهذا التخصيص من عموم قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤].","vol":"18","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>تخصيص الكتاب والسنة بالإجماع</span>\nالقسم الثالث: الإجماع، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] هذه الآية عامة في كل الأولاد سواء كان رقيقًا أو غير رقيق، لكن الإجماع قد خص الرقيق؛ لأن أهل العلم: أجمعوا على أنه لا يرث العبد من الحر؛ لأن هذا المال لا يمتلكه، وإنما سيذهب لسيده، فكونه يرد على أخيه أولى.\nمثال آخر: قال النبي ﷺ: (الماء طهور لا ينجسه شيء) أجمع أهل العلم: أن الماء إذا لاقته نجاسة فغيرت طعمه أو لونه أو ريحه، فإنه ينجس بذلك.\nإذًا: فهذا تخصيص لقول النبي ﷺ: (الماء طهور لا ينجسه شيء).","vol":"18","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>تخصيص الكتاب بالقياس</span>\nالقسم الرابع: القياس والنظر، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا﴾ [النور:٢] فهذا لفظ عام يدخل فيه الإماء والرقيق والأحرار، وصيغة العموم التي تثبت هذا قوله: «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي» فهذا اسم جنس معرف بالألف واللام، فيعم كل زاني وكل زانية، سواء كان حرًا أم رقيقًا، أو كانت هي حرة أم كانت أمة، ثم جاءت آية أخرى خصصتها وهي قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥]، فالحرة إن كان عليها مائة جلدة فالأمة تجلد خمسين جلدة، وكذلك الرجل العبد يجلد خمسين جلدة؛ لأن الرجل الحر يجلد مائة جلدة، والعلة هي الرق، فيجتمع العبد في العلة مع الأمة، فنقول: العبد الرقيق هنا يقاس على الأمة بجامع العلة بينهما.","vol":"18","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>التخصيص بمفهوم المخالفة</span>\nالقسم الخامس: التخصيص بمفهوم المخالفة، ومفهوم المخالفة يعني: أن يكون حكم المفهوم مخالفًا لحكم المنطوق.\nقال النبي ﷺ: (في أربعين شاة شاة) يعني: سواء كانت سائمة أم كانت معلوفة، لكن لما يأتي النبي ﷺ ويقول: (وفي السائمة زكاة) فمفهوم المخالفة: أن غير السائمة ليس عليها زكاة، فهذا الحديث الثاني خصص العموم في الحديث الأول.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.","vol":"18","page":12},{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-178> مفهوم المخالفة</span>\nمن المباحث الأصولية: مبحث المفهوم، وهو المعنى المستفاد من اللفظ لا في محل النطق، وهو على قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة، فمفهوم المخالفة تكلم فيه العلماء بالتعريف، وبيان حجيته في استنباط الأحكام الشرعية، وذكروا المواضع التي لا يصح فيها اعتبار مفهوم المخالفة، وهو على أنواع كثيرة منها: مفهوم الوصف، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم العدد، ومفهوم اللقب، وكل هذه الأنواع حجة عند جمهور أهل العلم، ما عدا مفهوم اللقب.","vol":"19","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>تعريف مفهوم المخالفة</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فسنتكلم بمشيئة الله تعالى حول: مفهوم المخالفة.\nمفهوم المخالفة هو: المعنى المستفاد من اللفظ، والمخالف للمنطوق.\nفمثلًا: لوقلت: (نجا العالم الصادق) فإن مفهوم المخالفة من هذا اللفظ: أن العالم غير الصادق لا ينجو.\nودليل ذلك: حديث أبي هريرة الذي فيه: (ثلاثة تسعر بهم النار يوم القيامة، وذكر منهم العالم)، يعني: العالم غير الصادق.\nوقد روي في ذلك حديث موضوع، وروي أيضًا عن علي بن أبي طالب موقوفًا بسند صحيح؛ قال: (كل الناس هلكى إلا العالمين، والعالمون هلكى إلا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم).\nوعرفه بعضهم فقال: هو أن يكون حكم المسكوت عنه يخالف حكم المنطوق.\nمثال ذلك: قول النبي ﷺ: (من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة).\nفالمنطوق هنا: أن الموحد حكمه أنه يدخل الجنة، ومفهومه: أنه من مات مشركًا دخل النار، أو لم يدخل الجنة.\nفحكم المسكوت عنه يخالف حكم المنطوق.","vol":"19","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>حجية مفهوم المخالفة</span>\nهل مفهوم المخالفة حجة أو ليس بحجة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: أما جمهور أهل العلم فيقولون: إن مفهوم المخالفة حجة شرعية، والأحناف يرون: أن مفهوم المخالفة ليس بحجة شرعية، والصحيح والراجح: قول الجمهور.","vol":"19","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>الأدلة على الاحتجاج بمفهوم المخالفة</span>\nوالأدلة على ذلك كثيرة من الأثر ومن النظر.\nأما من الأثر: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠].\nفالله جل وعلا يقول للنبي ﷺ: (استغفر أو لا تستغفر)، ثم أتى بشرط فقال: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠] وهذا مفهومه: أنك لو استغفرت لهم أكثر من سبعين مرة فيحتمل أن يغفر لهم، فقام النبي ﷺ يستغفر للمنافق فقال له عمر: كيف تستغفر له وقد قال الله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة:٨٠]؟ فقال: (سأستغفر فوق السبعين).\nأو قال: (فوالله لأزيدن على السبعين).\nفالنبي ﷺ شرع لنا مفهوم المخالفة في هذا، وبين أنه يُحتمل أن أكثر من السبعين فإن الله يغفر له، لكن الله حسم هذا المبدأ، وبين أن هذا المفهوم غير مراد فقال: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤].\nالدليل الثاني: إقرار النبي ﷺ لـ عمر بن الخطاب عند أن قرأ الآية: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١].\nوهنا مفهوم شرط أيضًا.\nفالمنطوق: إن خفت من أهل الكفر فلك أن تقصر من الصلاة، ومفهوم المخالفة: إن لم تخف فلا تقصر من الصلاة.\nفقال: يا رسول الله! ما لنا اليوم في أمان ونقصر من الصلاة في السفر؟ فأقره النبي ﷺ ولم ينكر عليه فهمه؛ فكأنه قال له: نعم أنت على حق في فهمك.\nثم بين له أن قصر الصلاة لعلة أخرى فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم).\nالدليل الثالث: حديث أبي ذر ﵁ وأرضاه قال: إن النبي ﷺ قال: (يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة)، وفي رواية: (الكلب الأسود).\nفقال أبو ذر مستعملًا مفهوم المخالفة: يا رسول الله! ما بال الكلب الأسود؟ معنى هذا: أن أبا ذر فهم من هذا التقييد: أن الكلب الأسود هو الذي يقطع الصلاة، وأما بقية الكلاب فلا تقطع، فقال النبي ﷺ مقرًا لفهم أبي ذر (الكلب الأسود شيطان).\nيعني: أن مفهوم المخالفة: أن الكلب الأصفر لا يقطع الصلاة؛ لأنه ليس بشيطان.\nالدليل الرابع: حديث ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله: (من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة)، فقال ابن مسعود: وأنا أقول: من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار، أو قال: لم يدخل الجنة.\nفقول ابن مسعود هذا فيه دلالة على مفهوم المخالفة؛ فإنه فهم النص وفهم منه المخالفة.\nوقد جاء النص صريحًا عن النبي ﷺ مرفوعًا من غير رواية ابن مسعود بنفس التصريح، أو من رواية ابن مسعود بنفس التصريح: (من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار، أو لم يدخل الجنة).","vol":"19","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>أنواع مفهوم المخالفة</span>\nلمفهوم المخالفة أنواع كثيرة منها:","vol":"19","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>مفهوم الوصف</span>\nالنوع الأول: مفهوم الوصف، أو مفهوم الصفة، كأن تقول: (أكرم العالم الصادق) فتقييد العالم بالصادق يعني: أن مفهوم المخالفة: إذا جاءك العالم الفاجر فلا تكرمه.\nومثله قول الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] منطوق الآية: أنك لا تقبل خبر الفاسق إلا بعد التبين من صحة الخبر.\nوأما مفهوم المخالفة: إن جاء غير الفاسق بخبر، يجب قبول خبره دون تبيان، لو جاءك أخ كريم تقي نقي ورع فقال: الأمر جلل! امرأتك رأيتها تخرج بغير النقاب، أو رأيت امرأتك والنقاب واسع على وجهها، أو إلى فمها أو إلى أنفها؛ فإن جاءك الثقة وقال لك ذلك، هل ترد عليه وتقول: اذهب أيها الشيطان! لابد أن أتبين وتقرأ عليه قول الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦]؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا؛ بل صدقة ثم اذهب وانه امرأتك عن ذلك؛ لأنه عدل.\nوالدلالة أيضًا على هذا من الشرع: أن النبي ﷺ كان يقبل شهادة العدل الواحد، وابن عمر بين أن أعرابيًا شهد عند الرسول ﷺ برؤية هلال رمضان، فصام وأمر الناس بالصيام.\nومثاله أيضًا: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء:٢٥]-يعني: غنًا- ﴿أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥].\nفهنا أيضًا تقييد بالوصف، يعني: أن للعبد أن يتزوج الأمة بشرط أن تكون مؤمنة.\nوأما مفهوم المخالفة: إن كانت الأمة من أهل الكتاب فلا يحل الزواج بها.\nومثل ذلك أيضًا: قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] فابن الابن الذي ليس من الصلب حليلته لا تحل للجد، لأن هذا الابن يأخذ حكم الابن الصلبي، فلا يجوز للجد أن يتزوج حليلته.\nمثال آخر: حديث جابر في الصحيح أنه قال: (قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم) فرجل له شركة في شقة، وهذه الشقة لم تقسم فما حكمها؟ قال النبي ﷺ: (الجار أولى بالشفعة).\nيعني: لو أراد الذي يمتلك حجرة من الشقة أنه يبيعها فأولى الناس بها هو جاره.\nفالجار أولى بها حتى لو أجبره على ذلك، بل حتى لو باع بيعًا لغيره فإن له أن يفسخ البيع، ويعطيه سعر المثل، ويأخذ هذه الغرفة له.\nلكن النبي ﷺ قيدها فقال: (ما لم تقسم).\nفمفهوم المخالفة: أنها إذا قسمت -يعني: أخذ كل واحد منهم نصيبه- فليس له الشفعة.","vol":"19","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>مفهوم الشرط</span>\nالنوع الثاني: مفهوم الشرط، وهو: دلالة اللفظ المفيد لحكم معلق بشرط على ثبوت نقيضه عند انتفاء الشرط.\nمثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦].\nمنطوق الآية: وجوب النفقة على المطلقة الحامل، حتى تضع حملها.\nومفهوم المخالفة: إن كانت غير حامل، لا يجب الإنفاق عليها.\nومثال ذلك أيضًا: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٥].\nمنطوق الآية: مشروعية نكاح الأمة المؤمنة عند عدم القدرة على نكاح الحرة المؤمنة.\nومفهوم المخالفة: لا يجوز نكاح الأمة المؤمنة عند القدرة على نكاح الحرة المؤمنة.\nومثاله أيضًا: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤].\nمنطوق الآية: أنه لا يجوز للزوج أن يأكل مهر المرأة، ويبقى على كل رجل كتب على نفسه مهرًا لامرأته عاجلًا أو آجلًا دفعه إليه، لأن ذلك دين في ذمته، ويجب عليه أن يعطيها المهر كاملًا، إلا أن تسقطه هي.\nومفهوم المخالفة: إن أسقطت حقها عن طيب من نفسها فللزوج أكله، وله ألا يعطيها منه شيئًا، ولكن لو قالت: أريد مهري، ولا تطيب نفسي عن درهم واحد من مهري، فلا يجوز له أن يأكل منه درهمًا واحدًا، بل لابد أن يعطيها مهرها كاملًا مكملًا.\nومثاله أيضًا: قول النبي ﷺ: (الواهب أحق بهبته إذا لم يثب عليها).\nهذا الحديث فيه ضعف، وهو صحيح عن عمر.\nمنطوق الحديث: أن الرجل الذي أعطى هدية ليثاب عليها أحق أن يرجع بهبته.\nومفهوم المخالفة: إن أثيب عليها فليس له أن يرجع.","vol":"19","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>مفهوم الغاية</span>\nالنوع الثالث: مفهوم الغاية، وهو: دلالة اللفظ الذي قيد الحكم فيه بغاية على نفي ذلك الحكم بعد تلك الغاية.\nفإذا قلت: أطعم محمدًا إلى الظهر.\nأي: بعد الظهر لا تطعمه، فهنا الحكم للغاية وهي إلى الظهر، أما بعد الظهر فلا تطعمه.\nومثاله: قول الله تعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠].\nفإذا طلق الرجل امرأته وقال لها: أنت طالق، طالق، طالق.\nثلاثًا، فقد وقعت بينونة كبرى، ولا يحل له أن يردها حتى تنكح زوجًا غيره.\nفمنطوق الآية: أن المرأة المطلقة ثلاثًا لا يجوز للرجل أن يردها حتى تنكح زوجًا غيره.\nوأما مفهوم المخالفة: إن نكحت زوجًا غيره وطلقها أو مات عنها فله أن يردها.\nومثاله أيضًا: قول تعالى عن الصائمين: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧].\nالمنطوق: إباحة الأكل والشرب الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.\nومفهوم المخالفة: إذا تبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود فلا نأكل.\nوهذا هو الذي فهمه ابن عباس فقال: (كل إذا شككت حتى تستيقن) يعني: إذا قمت من الليل، وشككت هل أذن الفجر أم لا؟ فإن لك أن تأكل حتى تستيقن من الأذان؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] أي: حتى يستيقين.\nومثاله أيضًا: قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩].\nفـ معاوية وعلي ﵄ اقتتلا، فإذا قلنا: هذا القتال الحق فيه مع علي، وإن معاوية ﵁ وأرضاه كان متأولًا اجتهد فأخطأ، فله أجر، فنقول: نقاتل مع الفئة التي معها الحق، حتى ترجع الفئة الباغية إلى الحق، فإذا رجعت إلى الحق فلا قتال.\nوهذا هو الفقه الذي نادى به العلماء في قتال أهل العراق في حرب الكويت، لأن العراق ظلمت الكويت واعتدت عليها، فكانت فئة باغية، فلابد أن تُقاتل حتى ترجع إلى حدودها، ثم يُكف عن القتال.\nفإذا رجعت فلا تدك، ولا تقتل؛ لأن المقصود هو: قتال الفئة الباغية حتى تردها عن البغي، فإذا ردت عن البغي فلا يجوز لك أن تقاتلها، وهذا هو العمل بمفهوم المخالفة.\nإذًا: المنطوق: وجوب قتال الفئة الباغية.\nومفهوم المخالفة: عدم جواز قتالها إذا فاءت لأمر الله تعالى.\nومثاله أيضًا: قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢].\nفالمرأة الحائض لا يجوز للمرء أن يقترب منها، يعني: لا يجامعها، لكن له أن يتمتع بها كما قال النبي ﷺ: (افعلوا كل شيء إلا النكاح) يعني: إلا الوطء.\nوهنا قال: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢] إذًا: لا يقرب الرجل المرأة الحائض إلى غاية، والغاية هي الطهر.\nومفهوم المخالفة: إذا طهرت امرأتك فلك أن تقترب منها.","vol":"19","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>مفهوم العدد</span>\nالنوع الرابع: مفهوم العدد، وهو: دلالة اللفظ الذي قيد الحكم فيه بعدد بنقيض ذلك الحكم فيما عدا ذلك العدد.\nكقول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧].\nأشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأوائل من ذي الحجة، ورجب ليس من أشهر الحج؛ بدليل مفهوم المخالفة.\nومفهوم المخالفة: أن غير هذه الثلاثة لا يكون من أشهر الحج.\nومثاله أيضًا: قول الله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤] مفهوم العدد: أنك لا تزيد على الثمانين.\nومثاله أيضًا: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة:١٩٦].\nالمنطوق: أن كفارة اليمين قد حددها بثلاثة أيام.\nومفهوم العدد: أنه لا يجب عليه أن يصوم أكثر من ثلاثة أيام.","vol":"19","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>مفهوم اللقب</span>\nوكل هذه الأنواع التي مضت باتفاق جمهور أهل العلم أنها حجة.\nالنوع الخامس: مفهوم اللقب، وهو: دلالة اللفظ الذي علق الحكم فيه بالاسم العلم على نفي ذلك الحكم عن غيره.\nوهذا النوع اتفق العلماء على أنه ليس بحجة، وهو نوعان: اسم جنس، واسم علم.\nفأما اسم العلم: فبالاتفاق أنه ليس بحجة، كأن تقول: (محمد رسول الله) فمفهوم المخالفة: غير محمد ليس برسول الله، فأين إبراهيم وموسى وعيسى ويونس؟! وأما اسم الجنس: كقول النبي ﷺ: (في البر صدقة).","vol":"19","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>المواضع التي لا يصح فيها اعتبار مفهوم المخالفة</span>\nمتى يطرح مفهوم المخالفة عند الجمهور؟ ومتى لا يكون مفهوم المخالفة حجة شرعية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يكون حجة شرعية في ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: إذا كان القيد للغالب: نحو قول الله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء:٢٣] يعني: أن الرجل إذا تزوج امرأة ولها بنت، فإن الغالب أنه سيربيها، وتكون في حجره.\nفمنطوق الحكم: أنه لا يجوز له أن يتزوجها.\nفإن كانت هذه البنت الربيبة بعيدة عن الأم، وهو تزوج أمها، ثم طلق أمها، فرأى ابنتها فأعجبته، فهي الآن ليست بربيبة، وليست في حجره، فهل له أن يتزوجها؟ مفهوم المخالفة: له أن يتزوجها، لكن نقول: إن المفهوم هنا مطروح لا يعمل به؛ لأنه قيد أغلبي، لأنه في الغالب أن زوج الأم يربي البنت، لأن الكثير يتزوجون النساء اللاتي عندهن أولاد ويكفلون أولادهن، وخاصة إذا كانوا أيتامًا.\nالحالة الثانية: إذا كان القيد بيانًا للواقع، بمعنى: أن المفهوم ليس مرادًا، وإنما هو يبين الواقع، كقول الله تعالى عن ربا الجاهلية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠].\nفهنا مفهوم المخالفة لو عملنا به لكان المعنى: كلوا ضعفًا واحدًا وليس أضعافًا مضاعفة، وهذا المفهوم مطروح؛ لأن الله يبين هنا حال أهل الجاهلية أنهم كانوا يأكلون الربا أضعافًا مضاعفة.\nفقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] هذا بيان للواقع فلا مفهوم له.\nوأيضًا ممكن أن يقال ذلك في الخبر الذي جاء عن النبي ﷺ: (لتمرن الظعينة من حضرموت إلى صنعاء لا تخاف إلا الله، والذئب على الغنم).\nفهذا أيضًا ليس له مفهوم؛ لأن الذي يحتج به يحتج بالمفهوم، ونحن نقول: مفهومه مطروح؛ لأنه بيان للواقع.\nالحالة الثالثة: إذا خرج القيد مخرج الامتنان، يعني: أن الله يمن به على عباده، نحو قوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل:١٤] فلو أخرجت اللحم الطري من البحر لك أن تأكله.\nومفهوم المخالفة هنا: إن كان اللحم غير طري فليس لك أكله، وهذا ليس صحيحًا؛ فإن ميتة البحر كلها حل سواء كانت طرية أو غير طرية.","vol":"19","page":11},{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-189> الاجتهاد والتقليد</span>\nمن مباحث أصول الفقه: الاجتهاد والتقليد، والناس ثلاثة أصناف باعتبار الاجتهاد والتقليد: علماء مجتهدون، طلبة العلم، عوام، والتقليد جائز في الأصول والفروع على الراجح من أقوال أهل العلم، وللمجتهد شروط لابد أن تتوافر فيه حتى يكون مجتهدًا، ويجوز اجتهاد المفضول بوجود الفاضل، وللنبي أن يجتهد، لكن لا يقر على خطأ، ويحرم على المجتهد التقليد، إلا إذا ضاق عليه الوقت في مسألة فورية.","vol":"20","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>انقسام الناس باعتبار الاجتهاد والتقليد</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nالناس ينقسمون في مسألة الاجتهاد والتقليد إلى قسمين:","vol":"20","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>القسم الأول: علماء مجتهدون</span>\nالقسم الأول: علماء مجتهدون، وهؤلاء هم أفضل البشر على الإطلاق بعد منزلة الرسالة والنبوة والصديقية؛ لأن ورث النبي ﷺ لا يأخذه إلا العالم المجتهد، أما الشهداء فالعلماء يتقدمون عليهم بظاهرتين أو مرتبتين، قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، والنبي ﷺ يقول: (إنما العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)، فالوريث فرع عن الأصل، وفرع الأنبياء هم العلماء، فالعلماء هم أرقى الناس عند الله، ولذلك كان ابن عيينة يقول: أفضل الخلق على الإطلاق الواسطة بين الخالق وبين الخلق.\nوالعلماء المجتهدون ينقسمون إلى قسمين: مجتهد مطلق، ومجتهد مقيد.\nفأما المجتهد المطلق: فهو الذي لا يتقيد بمذهب من المذاهب، وإنما رأس ماله الكتاب والسنة واللغة والنظر والاجتهاد، وقد عز في كثير من الأزمنة أن تجد مجتهدًا مطلقًا، وإن كان يوجد كـ الشوكاني وشيخ الإسلام ابن تيمية والبخاري، مع أن الشافعية يقولون: إن البخاري شافعي، وكذلك الحنابلة يقولون: البخاري حنبلي، والصحيح: أن البخاري مجتهد مطلق، وأيضًا ابن جرير الطبري وإن نسبوه أيضًا إلى الشافعية فهو مجتهد مطلق، فالمجتهد المطلق: الذي لا يتقيد بمذهب.\nوأما المجتهد المقيد فهو: المجتهد المقيد بمذهب معين، كـ النووي، فهو مجتهد مذهب، فيخرج على أصول شيخ مذهبه فروعًا ومسائل عدة، أي: لا يكون هذا قول الشافعي، لكن يخرج من قول الشافعي مسائل، بينما المجتهد المطلق ينظر في الأدلة، فيخرج ويستنبط المسائل، ولا يتقيد بمذهب معين.","vol":"20","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>القسم الثاني: طلبة العلم</span>\nالقسم الثاني: طلبة العلم، والتفاوت بين طلبة العلم كما بين السماء والأرض، فهناك درجات عالية جدًا متفاوتة بين طلبة العلم، وأعلى هذه الدرجات: طالب العلم المميز، الذي يكون وسطًا بين المجتهد وبين طالب العلم، أو بينه وبين المقلدة، يعني: طالب العلم المميز هو طالب العلم الذي يدقق النظر في الأدلة، ويرجح بين أقوال أهل العلم، فيكون له ارتقاء حتى يصل إلى الاجتهاد، والله تعالى أعلم.\nأما طالب العلم الذي يعرف المسألة بدليلها فقط، فهذا يسمى: طالب علم.\nوالمقلده أنواع وأيضًا يتفاوتون، فمنهم: المقلد الذي يعلم فقه مذهب، كمذهب الشافعي مثلًا، ويحفظ كل الفروع، لكن لا يعرف دليل هذه المسألة، ولا يعرف كيف استدل الإمام بهذا الدليل على هذه المسألة، وإن كان في بعض الفروع فهو مقلد، وأدناهم الذي لا يعلم شيئًا عن أمر الدين، غير أنه يستفتي فيأخذ بالفتوى ويعمل بها، وهذا أدنى الدرجات.\nقيل: إن علي بن أبي طالب قسم الناس ثلاثة أقسام فقال: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة -طالب العلم-، وهمج رعاع لم يستضيئوا من نور العلم.","vol":"20","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>الراجح أن التقليد في الأصول والفروع</span>\nوبعض العلماء اشترط عدم التقليد في الأصول، أي: لا يكون التقليد في العقائد، وإنما في الفروع.\nوالراجح: أن الأمر على العموم، سواء في الأصول أو في الفروع؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] أي: اسألوا عن كل شيء، سواء في الأصول أو في الفروع، وهذا هو الصحيح والراجح.","vol":"20","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>تعريف الاجتهاد</span>\nالاجتهاد لغة: من جهد، بفتح الجيم وضمها، وهو تحمل المشقة وبذل الجُهد أو الجَهد واستفراغ الوسع.\nواصطلاحًا: بذل الجهد أو استفراغ الوسع، للوصول إلى الحكم الشرعي بالنظر والاستدلال والاستنباط والاستقراء، فيبذل المجتهد كل ما يستطيع من جهد لإدراك الحكم الشرعي.\nوالمجتهد نوعان: مجتهد مصيب، ومجتهد مخطئ.\nفالمجتهد الذي يملك آلة الاجتهاد بالشروط التي وضعها العلماء، إذا أصاب الحق فله أجران أجر اجتهاده للوصول إلى الحق، وأجر إصابة الحق، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، والذي يجتهد ليصيب الحق فيخطئ فله أجر واحد: أجر اجتهاده لإصابة الحق، ولكنه لم يدرك، فكم من مريد للخير لم يصبه، والله له حكم في ذلك، وهذا مستقى من حديث النبي ﷺ: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر)، وتمثيل ذلك: ما حدث بين علي ومعاوية، فـ علي ﵁ وأرضاه أصاب الحق، أو كان هو أقرب الطائفتين إلى الحق فله أجران، ومعاوية اجتهد وكان له تأويل سائغ في الاعتبار فله أجر واحد، ورضي الله عنهم أجمعين.\nفالمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر، والمقلد المجتهد لو أصاب الحق فهو آثم؛ لأنه ليس له أن يجتهد، وليس عنده آلة الاجتهاد ليجتهد، وهذا الذي قال عنه النبي ﷺ: (من أفتى بغير علم فقد تقحم النار على بصيرة)، يتقحم النار على بصيرة ولو أصاب الحق، يعني: المقلد الذي لا يفقه في دين الله شيئًا، فيفتي وإن أصاب الحق فيما قاله الله وقال الرسول، فهو آثم عند الله وقد تقحم النار على بصيرة.","vol":"20","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>شروط الاجتهاد</span>\nأن يكون عالمًا بأدلة الأحكام، عالمًا بالكتاب والسنة، والسنة لابد أن يعلم متونها وأسانيدها، فيعرف الصحيح من الضعيف، والمقبول من المردود، والمحتج به من غير المحتج به.\nأن يكون عالمًا بمواطن الإجماع.\nأن يكون عالمًا بالاستنباطات والاستقراء والقياس، أي: آلات القياس.\nأن يكون عالمًا بالناسخ والمنسوخ.\nأن يكون عالمًا باللغة وإقامة لسانه.\nأن يكون عالمًا بأصول الفقه، وهذا أهم شيء؛ لأن الفتوى رأس مالها الارتباط بأصول الفقه، وأصول الفقه هي التي تجعل علو فهمه في فقه المتن.\nأن يكون عالمًا بأصول التفسير، ومواطن النزول، وأسباب النزول، وعلوم القرآن.\nأن يكون عنده صفاء ذهن، ونفاذ بصيرة، وحدة ذكاء، وقدرة فطرية على الاستدلال والنظر.\nوهذه الشروط ليست كلية بل على الأغلبية، يعني: إجمالًا لا تفصيلًا، إذ لم يحط أحد بهذه العلوم بحال من الأحوال، لم يحط أحد بهذه العلوم إلا الله جل وعلا، فهو الذي أحاط بكل شيء علمًا جل وعلا، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]، ولا أحد يمكن أن يحيط بكل شيء علمًا.\nلكن نقول إجمالًا: يكون عالمًا بمواطن الإجماع، وعالمًا بالناسخ والمنسوخ، وعنده قوة نظر من الاستقراء والاستنباط والقياس، وعنده العلم باللغة، وعنده علم بأصول الفقه، وأصول التفسير، وعنده علم بآلة التضعيف والتصحيح في الحديث، حتى يصل إلى مرتبة المجتهدين.","vol":"20","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>مسائل تتعلق بالاجتهاد</span>\nالاجتهاد في زمن النبي، أي: اجتهاد المفضول مع وجود الفاضل، وهذا فيه خلاف طفيف، لكن الصحيح الراجح: أنه يجوز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ، وقد اجتهد الصحابة في وجود النبي ﷺ، مع أن الوحي كان ينزل على النبي ﷺ، وسواء أصاب الصحابي أم أخطأ؛ لأن النبي ﷺ إما سيقره على الإصابة إذا أصاب، أو يخطئه إذا أخطأ.","vol":"20","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>الأدلة على جواز اجتهاد المفضول بوجود الفاضل</span>\nودلالات ذلك كثرة منها: اجتهاد سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه في قضائه في بني قريظة، فكان حكمه موافقًا لحكم الله ﷿، لقوله ﷺ: (قضيت فيهم بحكم الله من فوق سبع سبع سماوات) فأقره على هذا الاجتهاد الصحيح.\nأيضًا: اجتهاد عمرو بن العاص عندما صلى بالناس وهو جنب؛ خوفًا من الماء البارد، فتيمم مع وجود الماء، والله جل وعلا يقول: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:٦]، ومع ذلك تيمم عملًا بقول الله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، فأقره النبي ﷺ على ذلك.\nومن الاجتهاد الذي أخطأ فيه بعض الصحابة فرده النبي ﷺ ولم يقره: حديث عمار، وهو حديث ضعيف، وعلى القول بصحته، قال النبي ﷺ: (قتلوه قتلهم الله، وذلك حين قالوا: ما نرى لك شيئًا، فاغتسل فمات، فقال: قتلوه قتلهم الله، أما كان لهم أن يسألوا إذا جهلوا، إنما شفاء العي السؤال) أي: شفاء الجاهل أن يسأل فيتعلم، فهذا حديث ضعيف، لكن نقول بصحته، وإذا قلنا بصحته فهذا دلالة على أنه أنكر عليهم الاجتهاد الخاطئ.\nأيضًا: قصة عدي بن حاتم لما اعتقد أن قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧] معناه: أنه عمد إلى عقالين أبيض وأسود، ووضعه تحت الوسادة، ومكث يأكل ويشرب حتى يظهر له السواد من البياض، فقال له النبي ﷺ قال: (إن وسادك لعريض)، وأولها بعضهم: أن هذا توبيخ وتقريع له، وهذا لا يصح ولا يخرج من النبي ﷺ، لكن معنى الكلام: إن كانت الوسادة التي تنام عليها غطت الخيط الأبيض من الأسود الذي هو في السماء الذي يبين بياض الفجر من سواد النهار فهي وسادة عريضة، فكان هذا اجتهادًا منه ﵁، لكن لم يقره النبي ﷺ على ذلك.\nومنهم من أصاب في بعض وأخطأ في بعض: كقوله ﷺ لـ أبي بكر لما فسر رؤية لرجل في وجوده ﷺ: (أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا).\nوأيضًا في مسألة: عمار: (لما تمرغ في التراب كما تفعل الدابة، فقال: إنما كان يكفيك)، فأقره على أصل التيمم، لكنه أنكر عليه الطريقة، وقال: (إنما كان يكفيك أن تضرب بيدك هكذا) وعلمه التيمم الصحيح.","vol":"20","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>جواز الاجتهاد من النبي فيما لم ينزل به الوحي</span>\nهل للنبي أن يجتهد أم لا؟ أيضًا خلاف أصولي، والصحيح الراجح من أقوال أهل العلم: أن للنبي أن يجتهد، لكنه لا يقر على خطأ، يعني: إذا اجتهد فأخطأ، فإن الله لا يقره على هذا الخطأ، والأمثلة كثيرة منها: قول الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:١ - ٣] فالنبي ﷺ اجتهد في دعوة أكابر الناس وفضلاء أهل مكة، حيث كان يرى أنهم إذا آمنوا فالرعاع سينجرون خلفهم، فقال: أنا أنشغل بهؤلاء وأرجئ هذا الضعيف بعد، ثم أرى ما يريد، فعاتبه الله، وبين أن هذا خير من هؤلاء: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢].\nأيضًا: اجتهاده في أسرى بدر، وقبوله الفداء فعاتبه الله ﵎: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧]، وقال: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال:٦٨] إلى آخر الآيات، فبكى النبي ﷺ.\nكذلك: اجتهاده ﷺ في الصلاة على المنافقين، لما قال له عمر: ألم ينهك الله جل وعلا عن ذلك، قال: أستغفر لهم أكثر من سبعين مرة، ووافق عمر كتاب الله، فقال الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤].","vol":"20","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>تعريف التقليد</span>\nالتقليد في اللغة: من القلادة، التي يقلد الإنسان بها غيره، وتوضع في العنق، ومنه: تقليد الهدي.\nوفي الاصطلاح: هو العمل بقول الغير من غير حجة.\nوما عليه إلا أن يقول: يا شيخ! المسألة الفلانية ماذا فيها؟ فيقول له: هذه المسألة حلال أو هذه المسألة حرام، وامرأتك طالق أو غير طالق، ما عليه إلا أن يسأل فيأخذ الجواب فيعمل به، لكن الواجب على المقلد أن يجتهد في رأيه فيمن يسأله، ولابد أنه يتخير الأورع والأتقى والأعلم والأتقن، والمقلد جاهل، يعني: بعضهم شبه المقلد بالبعير أو بالبقر، ونحن لا نقول ذلك، فهم يشبهونه بذلك؛ لأنه لا ينظر في الأدلة، وهذا فرق ضعيف، وكفى بالجهل ذمًا أن الجاهل لا يرضى أن يقال له: أنت جاهل، فالجاهل ينافح على أن يقال له: جاهل، فلو أنك قلت لرجل أمي لا يقرأ ولا يكتب: أنت جاهل تستحق الضرب والصفع على وجهك، فلا يرتضي أبدًا الجاهل بأن يوسم بالجهل، والجهل ضد العلم، والعلم ليس إلا قول الله وقول الرسول وقول الصحابة، هذا هو العلم، كما قال ابن القيم: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه فالعلم ما قاله الرسول ﷺ، أو ما قاله الله ﷿ ﷾، وما قالته الصحابة عن فهم عن قول الله أو قول الرسول.\nوقال الشافعي ﵀: العلم ما كان فيه قال حدثنا وما سوى ذلك من وساويس الشياطين أي: أن العلم ما قال فيه الراوي: حدثنا، يعني: عن الرسول ﷺ، يقصد كتاب الله وسنة النبي ﷺ.\nوورد عنه أيضًا أنه قال: جهة العلم هي الخبر من الكتاب أو السنة أو الإجماع وأضعف ذلك القياس.\nوالفرق بين العالم والمقلد كما بين السماء والأرض، فالعالم: هو من عرف الأحكام بأدلتها الشرعية عن نظر واستقراء واستنباط واستدلال.\nوالمقلد هو: من عرف أقوال الأئمة أو المذاهب بدون دليل، فترى على حقب كثيرة من الزمن كثيرًا من الناس يحفظون الفروع، يحفظون أقوال الشافعي وأقوال مالك، وهم لا يعرفون الأدلة التي استدل بها مالك، أو استدل بها الشافعي، فهؤلاء أيضًا من المقلدة، والمقلد ليس من العلماء بحال من الأحوال.","vol":"20","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>أنواع التقليد</span>\nالتقليد نوعان: أحدهما محرم، والثاني: جائز.\nالتقليد المحرم هو: التقليد في أصول الشركيات، كتقليد الآباء والأجداد على أمر شركي أو أمر كفري، وهذا هو الذي ذمه الله تعالى في كتابه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة:١٧٠]، وفي آية أخرى: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان:٢١]، ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة:١٧٠ - ١٧١].\nفالجاهل جهلًا مذمومًا هو الذي يقلد آباءه في الأمور الشركية، أو يقلد آباءه في استباحة المحرم أو بفعل المحرم، فيقول: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢].\nالتقليد الجائز -بل يجب على الذي ليس عنده آلة النظر- هو: أن يقلد المفتي فيما أفتى له.\nويحرم على المجتهد التقليد، وهذه قاعدة صحيحة جدًا، قال الشيخ: أحمد شاكر في مقدمة رسالة قام بتحقيقها: لو أمرت مجتهدًا أن يقلد مجتهدًا لأمرت المجتهد أن يقلد الشافعي، فلا يصح للمجتهد أن يقلد في حال من الأحوال إلا في حالة واحدة، وذلك إذا ضاق الوقت في مسألة فورية، وما عنده الآلة للاجتهاد، ولا عنده الكتب التي تساعده، ولا عنده الوقت الذي يسعه أن ينظر ويستدل ويحقق ويرجح وينقح؛ فله أن يقلد غيره في ذلك، لكن عندما يجد سعة الوقت والعلم والنظر والاستدلال، فلابد وجوبًا أن يبحث وينظر ويستدل حتى لا يقلد؛ لأن الذي يقلد والله قد منحه النعمة لا يشكر هذه النعمة التي منحه الله إياها، فالعالم قد منحه الله النظر في كتابه وسنة نبيه، فعليه أن يشكر الله بالعمل لله جل وعلا، وأن ينظر في الأدلة ويستخرج الفروع من الأصول.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم على محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.","vol":"20","page":12},{"text":"تيسير أصول الفقه للمبتدئين -<span data-type=\"title\" id=toc-201> التعارض وأقسامه</span>\nكثيرًا ما يقف الناظر في أدلة الشرع على أحاديث ظاهرها بالنسبة إليه التعارض، وقد اتخذ العلماء أمام ذلك عدة طرق للتخلص من هذا، فهم إما أن يجمعوا بين الدليلين، أو أن يكون أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا، أو أن يرجح بينهما، وقد صنف العلماء التعارض بين الأدلة إلى أقسام أربعة: عام وعام، وعام وخاص، وخاص وخاص، وعام من وجه خاص من وجه آخر، وخاص من وجه عام من وجه آخر.","vol":"21","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>تعريف التعارض وأسبابه</span>\nإن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: التعارض لغة: التقابل والتمانع.\nواصطلاحًا: تقابل الدليلين بحيث يخالف حكم أحدهما حكم الآخر.\nمثاله: لا تشرب واقفًا؛ فإن الشرب واقفًا حرام، يعارضه دليل: شرب النبي ﷺ واقفًا، أو نقول: رأى النبي ﷺ رجلًا يشرب قائمًا فلم يزجره، فأصبح حكم الأول يخالف حكم الثاني، فنقول: هذا ظاهره التعارض.\nلكن بالنسبة لأدلة الشرع لا تعارض فيها على الحقيقة؛ لأن كل هذه الأدلة خرجت من مشكاة واحدةً، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] والوحي نزل من قبل الله جل وعلا، وكلام الله لا تعارض فيه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، هذا ظاهر لكل قارئ بأن غير كلام الله لا بد وأن يكون فيه تعارض.\nفهل يؤخذ مفهوم المخالفة من قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، أي: لو كان من عند الله لوجدوا فيه اختلافًا قليلًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  مفهوم المخالفة هنا مطروح، لأنه بيان للواقع، والواقع: أن أي كلام لأي واقع سنجد فيه اختلافًا كثيرًا، والاختلاف في كلام الله لا يكون بحال من الأحوال، فالكل خارج من مشكاة واحدة، فلا تعارض في الأدلة.\nوالتعارض سببه اختلاف الأئمة والمجتهدين في النظر إلى الأدلة، فتظهر الأدلة أمامه متعارضة، ولذلك كان الشافعي يقول: لا تعارض بين أي دليلين، وائتوني بأي دليلين وسأجمع لكم بينهما.\nالمقصود: أن الأدلة الشرعية لا اختلاف فيها في الأصل وفي الحقيقة، أما التعارض فهو في نظر المجتهد، فلذلك قال الحافظ ابن حجر: وهذه الأدلة ظاهرها- لا يقول متعارضة- التعارض.\nأدبًا مع الله جل وعلا.","vol":"21","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>الخطوات العامة لمعالجة إيهام التعارض</span>\nإن جاءت أدلة ظاهرها التعارض؛ فإن الأئمة لهم في حل هذا الإشكال خطوات ووسائل:","vol":"21","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>الجمع بين الأدلة</span>\nيعتبر الجمع بين الأدلة من أقوى ما يستعملها العلماء، والجمع إنما يكون من المجتهد.\nمثال ذلك: ورد في الأحاديث عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي ﷺ قال: (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط) يعني: لا يجوز أن يتبول المرء ولا أن يتغوط وهو مستقبل القبلة أو مستدبرها، قال أبو أيوب الأنصاري: (فذهبنا إلى الشام فوجدنا الكنف -المراحيض- مستقبله بين بيت المقدس مستديرة الكعبة، قال: فكنا ننحرف ونستغفر الله)، أي: نستدير حتى لا نستقبل ولا نستدبر.\nفهذا الحديث يدل على تحريم استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط، وهو على عمومه، سواء كان ذلك في الصحراء أو في غير الصحراء، في الكنف أو في غير الكنف.\nوجاء في حديث ابن عمر ﵁ وأرضاه قال: (صعدت على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبلًا بيت المقدس مستدبرًا القبلة).\nإذًا: فعل النبي ﷺ هنا ظاهره أنه يخالف قوله، فقد حرم على الناس أن يستقبلوا القبلة أو يستدبروها.\nفللعلماء في الجمع بين هذين الحديثين اللذين ظاهرهما التعارض مسالك كثيرة منها: الأول: ما تبناه الشوكاني في قواعده الأصولية: أنه إذا خالف فعل النبي ﷺ قوله، ففعل النبي خاصه به، والقول على العموم.\nأي: فعل النبي الذي رواه ابن عمر خاص بالنبي، وما من أحد من الأمة يستطيع أن يفعل ذلك، وقول النبي: (لا تستقبلوا ولا تستدبروا) عموم لكل الأمة.\nإذًا: أبقى النهي على ما هو عليه، وجعل فعل النبي الذي رواه ابن عمر خاص به، وهذا الجمع ضعيف جدًا.\nالثاني: من العلماء من قال: نرجح الحاظر على المبيح، وحديث أبي أيوب حاظر وحديث ابن عمر مبيح، وهذا أيضًا ضعيف.\nالثالث: ما ذهب إليه الشافعي: بالتفريق بين البنيان وغير البنيان، يعني: يفرق بين الكنف والفضاء.\nفمثلًا: لو سافر رجل للحج ثم نزل يقضي حاجته، ممكن أن يستقبل أو يستدبر، هذا الحكم هنا، أما إذا كان في البنيان فإن الحكم يختلف، هذا قول الشافعية وبعض الحنابلة، وهم قول قوي جدًا؛ وإن كان هناك قول بالتفريق بين البول والغائط، لكن نقول: الصحيح الراجح في ذلك: التفريق بين البنيان وغير البنيان، والدليل: فعل النبي ﷺ، فقد استقبل بيت المقدس واستدبر الكعبة، فإن قالوا: أليس يكون الفعل على الخصوص؟ قلنا: لا؛ لأن الأصل عدم ذلك إلا إذا وجدت قرينة، والأصل عدم الخصوص، ولا يوجد حكم يختص به إلا إذا دل الدليل.\nمثال ذلك: المرأة الواهبة نفسها للنبي ﷺ: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] فبين بالنص التخصيص له، فإن كان الأصل التخصيص احتيج إلى دليل يبين التخصيص.\nفالصحيح في ذلك: أن الأصل عدم الخصوص، فيكون فعل النبي يبين لنا جواز استقبال القبلة ببول وغائط، واستدبارها في الكنف والمراحيض التي في البنيان، أما في الصحراء فلا يجوز لقول أبي أيوب الأنصاري: (لا تستقبلوا ولا تستدبروا).\nما العلم إلا قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه.\nوابن عمر كان في الصحراء وأناخ راحلته، وقضى حاجته مستقبلًا بيت المقدس مستدبرًا الكعبة، ثم قال: ما تعلمون عن ذلك؟ ذاك في الصحراء، يعني: إن لم يكن هناك ساتر، وابن عمر هو الذي روى حديث حفصة، وهو عالم بحديث أبي أيوب الأنصاري، فهذا دلالة على فهم ابن عمر الأثري: أن المسألة فيها تفريق بين البنيان وغيره.\nمثال آخر: أن النبي ﷺ مر على رجل يشرب قائمًا فقال له: (أتريد أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: يشرب معك من هو أشر منه، الشيطان).\nثم نهى بالتصريح عن الشرب قائمًا، فقال: (من شرب قائمًا فليستقيء).\nفهذه دلالة على التحريم، لكن جاء دليل آخر بأن النبي ﷺ شرب قائمًا من شن معلقة، ومن لا يأخذ بالجمع -مثل الشيخ الألباني - أخذ بقاعدة: الحاظر يقدم على المبيح، والقاعدة هذه وجه من وجوه الترجيح.\nلكن نقول له: إن العلماء في الأدلة التي ظاهرها التعارض لهم خطوات ثلاث مرتبة، وهي أيضًا على التخيير: الأولى: الجمع.\nالثانية: النسخ.\nالثالثة: الترجيح.\nوهو قد أخذ بالتخيير فرجح دون أن يبدأ بالأولى والثانية.\nونقول له أيضًا: نحن معك في هذه القاعدة، ونتفق على أن الحاظر يقدم على المبيح، لكن عندنا أن الجمع أولى، وهو: أن فعل النبي ﷺ يصرف النهي من التحريم إلى الكراهة، وسنقول: بكراهة الشرب قائمًا؛ لأن النبي ﷺ لا يفعل محرمًا.\nلكن قد يقول آخر: قد يفعل مكروهًا، لكن لو قلنا: هذا الفعل مكروه، من الذي يكرهه؟ الله جل وعلا هو الذي يكرهه، فكيف تفعل فعلًا يكرهه الله جل وعلا، وكيف فعل النبي شيئًا يكرهه الله؟ نقول: هو في حق النبي ليس مكروهًا، بل هو مأمور شرعًا أن يبين ذلك، بل هو في حقه بيان للتشريع، وفي حقه فضل ونعمة؛ لأنه يبين للناس حتى لو ضاق الأمر بأحدكم فشرب قائمًا فلا يخشى على نفسه من الإثم، بل هو مكروه فقط، فينقل من التحريم إلى الكراهة، وهذا أيضًا ما قاله العلماء وفي الحديثين السابقين، قالوا: إن استقبال القبلة واستدبارها في الكنف على الكراهة، وهذا أيضًا من طرق الجمع، قالوا: في البنيان على الكراهة، وفي الصحراء على التحريم.\nإذًا: أول الطرق الجمع بين الدليلين.","vol":"21","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>النسخ</span>\nيعتبر النسخ من أصعب الطرق على المجتهد، لأن معرفة الناسخ من المنسوخ لا بد لها من معرفة التاريخ، ليعرف المتقدم من المتأخر، وصعب جدًا على العلماء القول بالنسخ إلا بالتصريح أو بقرائن ظاهرة جدًا محتفة بالناسخ والمنسوخ.\nمثال ذلك: أن النبي ﷺ أباح نكاح المتعة، ثم حرمت في خيبر كما في حديث علي: (إن الله حرم نكاح المتعة، ولحوم الحمر الأهلية) ثم أباحها النبي ﷺ مرةً ثانية، ثم حرمها إلى الأبد في يوم أوطاس، حيث قال النبي ﷺ: (حرم الله عليكم نكاح المتعة إلى يوم القيامة)، فهذا النسخ معروف فيه المتقدم والمتأخر، فلا نقول بالجمع هنا، فهو أباح ثم حرم، ثم أباح ثم حرم، فهل هناك جمع؟ لا، ولا يمكن أن نقول أن التحريم على الكراهة.","vol":"21","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>الترجيح</span>\nأما الترجيح فقد ذكر صاحب اللمع أن هناك أكثر من سبعين وجهًا للترجيح بين الأدلة، ونحن نعرف أن الأدلة لها ترتيب معين، فالنص يقدم على الظاهر، والظاهر يقدم على المؤول، والمحكم يقدم على المتشابه، والمتحقق يقدم على المتوهم، والقول يقدم على الفعل، والمثبت يقدم على النافي، والناقل عن الأصل يقدم على الأصل.\nفمثلًا: لو قال رجل: الأصل في البيع الإباحة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، وأنت تقول له: بيع الغرر حرام، سيقول لك: لا، الأصل معي، ماذا تقول له؟ نقول: الأصل: الحل عندك، وأنا عندي ناقل من الأصل، وهو نهى النبي ﷺ عن بيوع الغرر، فالذي ينقلنا عن الأصل أقوى من الأصل المبيح.","vol":"21","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>أمثلة للجمع والنسخ والترجيح بين الأدلة عند التعارض</span>\nنضرب بعض الأمثلة التي تبين الجمع والنسخ والترجيح إجمالًا ثم نفصل في التعارض.","vol":"21","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>الجمع بين نفي العدوى والفرار من المرض</span>\nمثال الجمع: صح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا عدوى ولا طيرة) فهنا نفى النبي ﷺ العدوى والتشاؤم.\nوجاءنا حديث آخر عن النبي ﷺ في البخاري أنه قال: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)، لماذا تفر من المجذوم؟ حتى لا يعديك.\nفالظاهر هو التعارض، فكيف نجمع؟ قال العلماء: ننظر إلى الجمع وهو أول الدرجات، وقد اختلفت مشاربهم في الجمع أيضًا، فالجمهور يقولون: (لا عدوى) أي: لا عدوى تمرض بذاتها، وعضدوا هذا الجمع بأن الواقع يشهد بذلك، فهناك أمراض غير معدية.\nوالجمع الثاني: وهذا الذي أميل إليه قلبًا، وهو ما جمعه الحافظ ابن حجر فقال: قول النبي ﷺ: (لا عدوى)، على العموم، فلا توجد عدوى بحال من الأحوال، فهو نفي عام.\nأما قول النبي ﷺ: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) فمؤول: (لا عدوى) هذا محكم، والثاني محتمل، والمحكم يقدم على المحتمل، فقوله: (لا عدوى) يعني: لا عدوى تمرض بذاتها ولا هي سبب، أما قول النبي ﷺ: (فر من المجذوم) فمن باب سد الذرائع.\nفالجمع بينهما نقول: فر من المجذوم سدًا للذريعة؛ لأن الرجل الصحيح إذا جلس مع المريض وجاءه مرض الجذام، فسيقول: هذا المريض أعداني، وأيضًا: قد يقع في قلبه ظن الجاهلية بأن العدوى تمرض بذاتها، فهو ذريعة إلى أن يظن بالله ظن السوء، أو يظن في غير الله ما لا يكون إلا لله جل وعلا، فسد الذريعة وحسم المادة، وقال: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)، وهذا القول قوي جدًا لأدلة: منها: ثبت بسند صحيح: أن سلمان الفارسي أخذ بيد مجذوم، فوضعها في الصحفة يأكل وقال: كل إيمانًا بالله وتوكلًا عليه.\nفرأى أن الأمر بقدر الله، وأنه لا عدوى تمرض ولا شيء يمرض، وإذا قدر الله المرض فإنه سيكون وإلا فلن يكون.\nومنها: ما جاء في الآثار الصحيحة أن رجلًا جاء للنبي ﷺ وسأله عن العدوى، فبين له أنه لا يعدي شيء شيئًا، فقال: يا رسول الله! ما بال الجمل الأجرب يدخل في الجمال فيجربها؟ فقال النبي ﷺ: (فمن أعدى الأول) إن قلت لكم بأنه أجرب الجمال، فمن الذي أعدى الأول؟ الله.\nفسكت الرجل، وعلم أن المسألة قدر من الله جل وعلا، وهذا الجمع هو الصحيح بأن العدوى لا تمرض بذاتها، لكنها سبب لذريعة اعتقاد ظن الجاهلية، فنغلق هذا الباب، وأذكر أن شخصًا كان يصلي فيعطس، ومن بجانبه يعطس، بل في الحرم حدث ذلك، فقام ورجل آخر فقال: يا أخي! لم لا تصلي في بيتك بدل ما تعدينا وتمرضنا بهذه الطريقة وتضيع علينا صلاتنا؟ فالأمر هكذا سيكون ذريعة لكل إنسان ينظر إلى المريض نظرة ازدراء، أما إذا قلنا: بأنه لا عدوى عامة، قوّى الإنسان إيمانه وتوكله على الله جل وعلا.","vol":"21","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>نسخ حديث (أفطر الحاجم والمحجوم)</span>\nمثال النسخ: إذا وجد لدينا دليلان، وعلم المتقدم منهما من المتأخر، فإن المتقدم منهما منسوخ.\nمثال ذلك: قول النبي ﷺ: (أفطر الحاجم والمحجوم)، يعني: رجل في نهار رمضان حجم له شخص آخر، فالحاجم والمحجوم له أفطرا، وهذا الحديث يقول به الحنابلة، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية يعني: أيُّ حجامة في الصوم تفطر، وهذا قول قوي عند الحنابلة، والجمهور على خلاف ذلك، والصحيح هو ما عليه الجمهور؛ أن هذا الحديث منسوخ، لأنه متقدم، قال أنس: مر النبي ﷺ على جعفر وعلى غيره وهو يحتجم، فقال: (أفطر الحاجم والمحجوم)، ثم قال: (ثم رخص النبي ﷺ في الحجامة)، وهذا رواه الدارقطني.\nوعن أبي سعيد الخدري أيضًا: (أن النبي ﷺ رخص في القبلة للصائم والحجامة) فـ (رخص) معناه: أنه كان قبل ذلك مفطرًا، ثم نسخ هذا الحكم، ففيه دلالة على النسخ بمعرفة المتأخر من المتقدم.","vol":"21","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>مثال الترجيح</span>\nمثال الترجيح: أن النبي ﷺ قال له بعض أصحابه: (يا رسول الله! إذا لقي أحدنا صاحبه أينحني له؟ قال: لا -وهذا يبين للإخوة الذين يسلمون بانحناء أن هذا لا يجوز، وترى ألعاب القوى مليئة بهذا البلاء- قال: فيلتزمه ويقبله؟ قال: لا، قال: فيصافحه؟ قال النبي ﷺ: نعم إن شاء).\nوورد عن النبي ﷺ أنه لما قدم جعفر قام فقبله.\nفبعض العلماء لم يستطع أن يجمع فقال: بالترجيح، وقال: إن حديث أنس أقوى من حديث جعفر، ووجه الدلالة: أولًا: حديث أنس قول، وحديث جعفر فعل، والقول أقوى من الفعل.\nثانيًا: حديث أنس حاظر، وحديث جعفر مبيح، ومن قواعد الترجيح: أن الحاظر يقدم على المبيح، فهذا المثال يذكره بعض العلماء على الترجيح.\nلكن نحن نقول: هذا الترجيح ضعيف؛ لأن الجمع أولى منه، وهو: أن الأخ يقبل أخاه في حالة القدوم من السفر، وقد قال بعض العلماء: إذا قدم من سفر يقبله ويعانقه للشوق.\nإذًا: الجمع أولى من الترجيح.","vol":"21","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>أقسام التعارض</span>","vol":"21","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>تعارض عام مع عام</span>\nأن يكون بين دليلين عامين، فإذا أمكن الجمع فهو الأولى، وإن لم يمكن أبحث عن المتقدم والمتأخر بالنص، وإذا لم يمكن وجب الترجيح.\nمثال لإمكانية الجمع: قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] هنا الله جل وعلا نفى عن النبي الهداية، وفي آية أخرى قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].\nالجمع: أن الهداية هدايتان: هداية عامة، وهداية خاصة.\nفالنبي ﷺ أقره الله على الهداية العامة، وهي: هداية البيان والدلالة والإرشاد ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت:١٧] أي: بينا لهم، ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧].\nوأما الهداية الخاصة: فهي لله، وهي هداية القلوب، وهذه هي المنفية عن رسوله صلى عليه وسلم.\nإذًا: نقول: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] هداية عامة، وهي: هداية البيان والدلالة والإرشاد، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي﴾ [القصص:٥٦] هداية القلوب؛ لأن هداية القلوب لله جل وعلا.\nالثاني: ما لا يمكن الجمع بينهما، يعني: دليل عام عارض دليل آخر عام، ولا يمكن الجمع بينهما، فنبحث عن المخصص، كما في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] إلى أن قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] ثم قال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤] إذًا: هو على التخيير: إما أن يطعم أو يصوم ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤] خير لكم الصيام، ثم الآية التي تلتها فيها تحديد للزمن، الآية الأولى متأخرة، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] فهذا الأمر نسخ التخيير، أي: لابد أنك تصوم، ونسخ التخيير بين أن يطعم أو يصوم، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] فنسخ التخيير، فلا الدليل العام الأول يعارض الدليل العام الثاني، ولم نعرف الجمع بينهما، فقلنا: المتأخر ينسخ المتقدم.\nالثالث: مثال الترجيح، يعني: ما عرفنا كيف نجمع، وما عرفنا الناسخ من المنسوخ، فنحن نرجح، هذا أيضًا في ما ظاهره التعارض بين عام وعام.\nمثلًا: قال النبي ﷺ: (من مس ذكره فليتوضأ) هذا عام.\nوقال النبي ﷺ لما سئل: أيمس أحدنا ذكره؟ فقال: (إنما هو بضعة منك).\nوهذا يمثل به البعض على الترجيح، وإن كان الصواب هو الجمع، فالجمع فقهيًا هو: قوله: (من مس ذكره فليتوضأ) إذا كان بإفضاء دون حائل، (وإنما هو بضعة منك) إن كان بوجود حائل.\nأما على الترجيح: قالوا: نقدم الحاظر على المبيح، فنقدم قوله: (من مس ذكره فليتوضأ)، على قوله: (إنما هو بضعة منك).\nوالمحدثون يقولون: إذا تعارض الحديثان حديثيًا نقول: ما كان متفقًا عليه يقدم على ما انفرد به أحدهما، وما انفرد به البخاري يقدم على ما انفرد به مسلم، وما انفرد به مسلم يقدم على ما كان على شرطهما، وما كان على شرط البخاري يقدم على ما كان على شرط مسلم، وما كان على شرط مسلم يقدم على السنن بعد ذلك، هذا هو الترتيب.","vol":"21","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>تعارض خاص مع خاص</span>\nمثال ذلك: حديث جابر ﵁ وأرضاه في حجة الوداع أنه قال: (صلى النبي ﷺ بمكة الظهر).\nوجاء عن ابن عمر أيضًا في الصحيح أنه قال: (ﷺ الظهر بمنى).\nفهذا دليل خاص ظاهره أنه تعارض مع دليل آخر خاص، كيف صلى الظهر بمنى، وكيف صلاها بمكة، والمسافة بين مكة ومنى بعيدة؟ فكيف نجمع؟ بعض العلماء يرى أنه لا جمع بينهما، فيقدمون حديث جابر على حديث ابن عمر؛ لأن جابرًا هو أعلم الناس بالمناسك، وأروى الناس عن النبي ﷺ.\nوبعض العلماء جمع بينهما، مثل الحافظ ابن حجر في الفتح، فقال: يجمع بينهما بأن النبي ﷺ صلى الظهر بمكة ثم رجع فصلى بأصحابه الظهر بمنى، فيكون قد صلى الظهر صلى الظهر مرتين، المرة الأولى تكون فرضًا والمرة الثانية تكون نافلة له، فهذا جمع جمعه بعض العلماء، وهو أيضًا جمع طيب، ونقله الحافظ ابن حجر.\nوإن لم يكن فيكون الناسخ والمنسوخ، وإن لم يكن فيكون الثالث وهو الترجيح.\nمثلًا: حديث في الصحيحين يحتج به الأحناف، وهم حديث فيه وهم، وهو حديث ميمونة ﵂ وأرضاها: (أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال) يعني: ليس بمحرم، وهو حديث عضده حديث أبي رافع قال: كنت السفير بينهما.\nوجاء في البخاري عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم)، والنبي ﷺ قد نهى المحرم أن يتزوج أو يزوج أو يخطب.\nفكيف ذلك وميمونة تقول: تزوجني حلالًا، وابن عباس يقول: تزوجها محرمًا، فكيف نجمع بينهما، ونحن لا نعرف المتقدم من المتأخر، وأيهما الراجح؟ حديث ميمونة يقدم على حديث ابن عباس لأكثر من وجه: الوجه الأول: الراوي أعلم بما روى، وهو أيضًا صاحب القصة، والقاعدة عند المحدثين: صاحب القصة يقدم على غير صاحب القصة، وصاحب القصة هي ميمونة، وأبو رافع هو السفير بينهما، فيقدم صاحب القصة على قول ابن عباس الذي ليس بصاحب القصة.\nالثاني: أن كلام ابن عباس مبيح؛ لأنه يبيح للمحرم أن يتزوج، وهذا يوقع في إشكالية الحديث الحاظر، وهو: نهى النبي ﷺ للمحرم أن ينكح، وحديث ميمونة لم يقع له إشكال مع أي أحاديث أخرى، فهو متفق مع النهي عن الزواج للمحرم.\nإذًا: نرجح أحاديث ميمونة على حديث ابن عباس.","vol":"21","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>التعارض بين عام وخاص</span>\nالتعارض بين العام والخاص ضعيف جدًا؛ لأنك ستقدم الخاص على العام، فلا تعارض بين عام وخاص؛ لأن الخاص أقوى في الدلالة من العام، فيتقدم الخاص على العام، والأمثلة كثيرة جدًا، وقد ذكرناها في البيوع والعقيدة.\nمثال ذلك: حديث النبي ﷺ: (في ما سقت السماء العشر) أي: كل شيء يخرج من الأرض قليلًا كان أو كثيرًا، ففيه الزكاة.\nلكن جاء حديث آخر يقول فيه النبي ﷺ: (ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة)، فهذا خاص، والحديث الأول عام، فكيف نجمع بينهما؟ نقدم الخاص على العام، فنقول: فيما سقت السماء العشر إن بلغ خمسة أوسق، وإن كان أقل من خمسة أوسق فلا زكاة فيه، فيقدم الخاص على العام.","vol":"21","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>التعارض بين نصين أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه</span>\nأي: هذا عام من وجه وأخص من وجه، والآخر: عام من وجه وخاص من وجه، ويمثل له العلماء بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، فالمرأة التي توفي عنها زوجها تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام.\nوقال الله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤].\nفالآية الأولى خاصة في الموت، عامة في كل الأزواج، الحامل والحائض.\nوالآية الأخرى خاصة بالحمل، عامة في الطلاق والموت.\nفنقول: خصوص وجه الحمل يحمل على على عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ﴾ [البقرة:٢٣٤]، فنقدم خاص وجود الحمل على عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٤]، يعني: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤] عام في كل النساء إلا الحامل، وعند ذلك سنخصص الحامل بأن تضع حملها.\nلماذا هذا التعسف؟ لماذا لا نقول: الخاص يحمل على العام، ونجعل الخاص هو الذي يحمل على العام الثاني؟ نقول: هذا أصعب وجوه الجمع، لأن القرينة المحتفة هي التي ترجح لنا، وقد جاءتنا قرينة تبين لنا حمل عموم آية: «وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ» على خصوص الحامل، وهي حديث سبيعة الأسلمية، فقد كانت حاملًا ومات عنها زوجها قبل أن تضع بليال قليلة، فالنبي ﷺ قال: (قد حل لك الزواج).\nأي: بعد أن وضعت.\nوحديث أبي السنابل قال: (كذب أبو السنابل)، أي: أخطأ؛ لأنه قال: (كلا حتى يبلغ الكتاب أجله) يعني: أربعة أشهر وعشرًا، فقال النبي ﷺ: (بل هي حلت للأزواج) وذلك بعدما وضعت حملها، فهذه قرينة ودليل تجعلنا نرجح حمل هذا العام على الخصوص.\nأيضًا: هناك دليل آخر ظاهره التعارض، وهو أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر، فهذا عام في كل الصلوات، خاص بالوقت بعد العصر وبعد الفجر.\nوحديث آخر: قال النبي ﷺ: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين) فهذا عام في كل وقت، فإذا دخل أحدكم عصرًا مغربًا عشاءً فجرًا، فليركع ركعتين إذا أراد الجلوس.\nإذًا: دخول المسجد وصلاة ركعتين فيه يكون عامًا في الوقت خاصًا في الصلاة، فأيهما يحمل عن الآخر؟ نبحث عن القرائن، وإن لم نجد نتوقف، لكن هنا إن لم يكن هناك قرائن فإن عندنا وجوه للترجيح في الحمل، وهي: أن العام الذي خصص قد يكون أضعف في الدلالة من العام الذي لم يخصص، فننظر في النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر، فنجد أنه قد خصص بقضاء الفائتة، يعني: رجل نام عن الظهر ولم يستيقظ إلا بعد العصر، فهل يصليها أو لا؟ يصليها لحديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك).\nأيضًا: سنة الفجر إذا نام عنها، فقضاء السنن الرواتب التي لم يفرط فيها المرء إما أن يقضيها بعد الفجر، أو بعد الشروق، لأن النبي وجد من يصليها بعد الفجر فقال له: (الفجر مرتين؟) فقال: إنما هي سنتها، فأقره، والنبي ﷺ قد قضى سنة الظهر بعد العصر.\nإذًا: هذا العام قد خصص فضعفت دلالته، فنقدم عليه العام الذي لم يخصص، وهو حديث النبي ﷺ: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين).","vol":"21","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>تتمة في طرق الترجيح</span>\nإذا لم يتمكن العلماء من إزالة التعارض بالجمع أو النسخ أو الترجيح، فإنهم يبحثون عن دليل مستقل، وإن لم يجدوا فلهم التوقف، فلا يعملون بهذا الدليل، ولا بذاك.\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لماذا نقدم الجمع على النسخ والترجيح؟ القاعدة التي قعدها العلماء: إعمال الدليلين أولى من إعمال أحدهما، ومن طرق الترجيح: المثبت يقدم على النافي، والأخذ بالزيادة، فالذي معه زيادة علم نأخذ منه، لكن لا بد أن تكون هذه الزيادة غير مخالفة.\nمثال ذلك: الشافعية يرون أن من السنة أن يشير المصلي في التشهد بأصبعه إلى القبلة دون تحريك، لكن حديث زائدة بن قدامة قال فيه: (يشير بها يحركها) ففيه زيادة علم وهو التحريك، فننظر في التحريك هل يخالف الإشارة؟ إذا قال الرجل: تعال هنا، قالوا: أشار بيده أن تعال، فهذه إشارة فيها تحريك، إذًا التحريك لا يخالف الإشارة، وهو زيادة علم فنأخذ بها، فنقول: يشير يحركها.\nأيضًا: يمثل بعض العلماء بحديث النبي ﷺ: (لا يمس القرآن إلا طاهر).\nقال أبو داود: حتى لو وجدت زيادة علم فنأخذ بالمعنى الأفضل، وهو يشمل كل المعاني، هنا: (لا يمس القرآن إلا الطاهر)، فيمكن أن يحتمل أنه طاهر بإسلامه، قال النبي ﷺ لـ أبي هريرة: (سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس) وهو في الصحيحين.\nأيضًا: ممكن أن يحتمل أن يكون طاهرًا من الجنابة، أو أن يكون طاهرًا بالوضوء، فأيهما أشمل في المعنى؟ بالوضوء.\nفنقول: نأخذ بالأشمل في المعنى؛ لأنه سيضم كل هذه المعاني، يعني: من باب أولى أنه غير جنب، ومن باب أولى أنه مسلم.\nإذًا: يشمل كل المعاني، فنقول: قطعًا لا يمس القرآن إلا طاهر، يعني: لا يجوز لأحد غير متوضئ أن يمس القرآن، وهذا هو الصحيح الراجح.\nوأخيرًا: أن تأخذ في الترجيحات بالحيطة، فتحتاط لدينك، فإذا جاءك حاظر ومبيح، فأنت تحتاط لدينك فتقدم الحاظر على المبيح؛ لقول النبي ﷺ: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، وقوله: (من ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه).","vol":"21","page":16}]}