{"ً":{"ٌ":37699,"ٍ":"شرح كتاب الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق لابن تيمية - محمد حسن عبد الغفار","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: شرح كتاب الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق لابن تيمية\nالمؤلف: محمد حسن عبد الغفار\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ٩ دروس]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2376,"ٕ":1,"ٖ":1770155900,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9"],"ٚ":[{"title":"مقدمة كتاب قاعدة عظيمة في الفرق","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة تعريفية بشيخ الإسلام ابن تيمية","level":2,"page":2},{"title":"مولده ونشأته","level":3,"page":3},{"title":"مكانته العلمية","level":3,"page":4},{"title":"شهادة العلماء له","level":3,"page":5},{"title":"محنته وكراماته ووفاته","level":3,"page":6},{"title":"مقدمة في قاعدة مهمة في العبادة","level":2,"page":7},{"title":"الفرق بين التوسل والاستغاثة بغير الله","level":3,"page":8},{"title":"الفرق بين الشرك في النذر والمعصية به","level":3,"page":9},{"title":"العبادة وأصناف الناس فيها","level":1,"page":10},{"title":"العبادة","level":2,"page":11},{"title":"الفرق بين العبادة والشرك","level":3,"page":12},{"title":"تعريف العبادة وأركانها","level":3,"page":13},{"title":"أقسام الناس تجاه العبادة","level":2,"page":14},{"title":"تعريف أهل التوحيد والإيمان","level":3,"page":15},{"title":"تعريف الإسلام","level":3,"page":16},{"title":"تعريف أهل الكفر","level":3,"page":17},{"title":"تعريف أهل النفاق","level":3,"page":18},{"title":"التوسل [١]","level":1,"page":19},{"title":"تعريف التوسل","level":2,"page":20},{"title":"أنواع التوسل","level":2,"page":21},{"title":"التوسل المشروع وأنواعه","level":2,"page":22},{"title":"التوسل بذات الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله","level":3,"page":23},{"title":"التوسل بالأعمال الصالحة","level":3,"page":24},{"title":"التوسل بدعاء الصالحين الأحياء","level":3,"page":25},{"title":"التوسل بحال المرء","level":3,"page":26},{"title":"التوسل [٢]","level":1,"page":27},{"title":"أقسام التوسل من حيث المشروعية","level":2,"page":28},{"title":"التوسل الشركي","level":2,"page":29},{"title":"التوسل الشركي","level":3,"page":30},{"title":"التوسل البدعي وأنواعه","level":2,"page":31},{"title":"التوسل بجاه الصالحين","level":3,"page":32},{"title":"التوسل بطلب الدعاء من الأموات","level":3,"page":33},{"title":"الغلو في الصالحين","level":1,"page":34},{"title":"التحذير من الغلو في الصالحين واتخاذ القبور مساجد","level":2,"page":35},{"title":"الغلو في الصالحين سبب للوقوع في الشرك","level":2,"page":36},{"title":"أول شرك وقع في الأرض سببه الغلو في الصالحين","level":3,"page":37},{"title":"أول شرك اليهود والنصارى سببه الغلو في الصالحين","level":3,"page":38},{"title":"نهي النبي ﷺ عن الغلو فيه","level":3,"page":39},{"title":"اقتداء الصحابة برسول الله في حماية جناب التوحيد","level":2,"page":40},{"title":"حكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر","level":2,"page":41},{"title":"ذرائع الشرك","level":1,"page":42},{"title":"صور من سد الصحابة منابع الشرك","level":2,"page":43},{"title":"قطع شجرة الرضوان وإخفاء قبر دانيال","level":3,"page":44},{"title":"قصة عروس النيل","level":3,"page":45},{"title":"تسوية القبور المشرفة وبيان أن الحجر الأسود لا يضر ولا ينفع","level":3,"page":46},{"title":"النهي عن استلام الركن الشامي من الكعبة","level":3,"page":47},{"title":"النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة","level":3,"page":48},{"title":"التحذير من التصوير","level":3,"page":49},{"title":"أقسام زيارة القبور وأحكامها","level":1,"page":50},{"title":"أقسام زيارة القبور","level":2,"page":51},{"title":"الزيارة الشرعية للقبور","level":2,"page":52},{"title":"حكم زيارة القبور للنساء، وأقوال العلماء في ذلك","level":3,"page":53},{"title":"القول الراجح في حكم زيارة النساء للمقابر","level":3,"page":54},{"title":"الرد على المخالفين","level":3,"page":55},{"title":"حكم صلاة المرأة على الجنازة","level":3,"page":56},{"title":"الزيارة البدعية للقبور وصورها","level":2,"page":57},{"title":"الزيارة الشركية وصورها","level":2,"page":58},{"title":"الشفاعة","level":1,"page":59},{"title":"تعريف الشفاعة لغة واصطلاحا","level":2,"page":60},{"title":"شفاعة النبي ﷺ في أهل الموقف","level":2,"page":61},{"title":"معنى كون الشفاعة كلها لله جل وعلا","level":2,"page":62},{"title":"أنواع الشفاعة","level":2,"page":63},{"title":"الشفاعة المنفية","level":3,"page":64},{"title":"الشفاعة العظمى","level":3,"page":65},{"title":"الشفاعة في فتح باب الجنة","level":3,"page":66},{"title":"الشفاعة لأبي طالب","level":3,"page":67},{"title":"الشفاعة في عدم دخول النار","level":3,"page":68},{"title":"الشفاعة في رفع الدرجات","level":3,"page":69},{"title":"الشفاعة في الخروج من النار","level":3,"page":70},{"title":"النذر والحلف بغير الله","level":1,"page":71},{"title":"حكم النذر","level":2,"page":72},{"title":"النذر عبادة","level":3,"page":73},{"title":"حكم نذر زيارة قبر النبي ﷺ أو غيره من القبور","level":3,"page":74},{"title":"كفارة نذر المعصية","level":3,"page":75},{"title":"الحلف بغير الله تعالى","level":2,"page":76},{"title":"لله تعالى أن يحلف بما شاء","level":3,"page":77},{"title":"تعريف القسم لغة وشرعا","level":3,"page":78},{"title":"حكم القسم بغير الله تعالى","level":3,"page":79},{"title":"الدلالة على أن القسم بغير الله شرك أصغر","level":3,"page":80}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"2,1":10,"2,2":11,"2,3":12,"2,4":13,"2,5":14,"2,6":15,"2,7":16,"2,8":17,"2,9":18,"3,1":19,"3,2":20,"3,3":21,"3,4":22,"3,5":23,"3,6":24,"3,7":25,"3,8":26,"4,1":27,"4,2":28,"4,3":29,"4,4":30,"4,5":31,"4,6":32,"4,7":33,"5,1":34,"5,2":35,"5,3":36,"5,4":37,"5,5":38,"5,6":39,"5,7":40,"5,8":41,"6,1":42,"6,2":43,"6,3":44,"6,4":45,"6,5":46,"6,6":47,"6,7":48,"6,8":49,"7,1":50,"7,2":51,"7,3":52,"7,4":53,"7,5":54,"7,6":55,"7,7":56,"7,8":57,"7,9":58,"8,1":59,"8,2":60,"8,3":61,"8,4":62,"8,5":63,"8,6":64,"8,7":65,"8,8":66,"8,9":67,"8,10":68,"8,11":69,"8,12":70,"9,1":71,"9,2":72,"9,3":73,"9,4":74,"9,5":75,"9,6":76,"9,7":77,"9,8":78,"9,9":79,"9,10":80},"ٜ":{"1":[1,9],"2":[1,9],"3":[1,8],"4":[1,7],"5":[1,8],"6":[1,8],"7":[1,9],"8":[1,12],"9":[1,10]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق -<span data-type=\"title\" id=toc-1> مقدمة كتاب قاعدة عظيمة في الفرق</span>\nشيخ الإسلام ابن تيمية من الأئمة الأفذاذ الذين منّ الله تعالى لهم على هذه الأمة، وقد ولد في عصر كان العالم أحوج ما يكون إلى فقهه وعلمه، وذلك لما جاء به من حمل راية التجديد ومحاربة ما يخالف الدين، وأعانه على ذلك قوة علمه وحصافة فهمه كما شهد له بذلك علماء عصره، ومن كتبه الجديرة بالعناية كتاب: قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة تعريفية بشيخ الإسلام ابن تيمية</span>","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>مولده ونشأته</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا:-﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: الإخوة الكرام: نحن على موعد مع كتاب منهجي مهم جدًا، يتكلم فيه مؤلفه على التوسل المشروع والتوسل الممنوع، ويتكلم فيه عن زيارة القبور، ولكن لا بد لنا من مقدمة بين يدي هذا الكتاب.\nواسم الكتاب: قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق، وهذا الكتاب هو من تأليف شيخ الإسلام أحمد ابن عبد الحليم بن تيمية ﵀، وشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية توفي سنة سبعمائة وثمانية وعشرين.\nإن ولادة الإمام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية تظهر حكمة الله جل في علاه، وتظهر أن الله جل في علاه ما شرع هذا الدين إلا ليحفظه مصداقًا لقوله جل في علاه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].\nفيوم مولد شيخ الإسلام هو يوم موت سلطان العلماء العز بن عبد السلام ففي سنة وفاته جعل الله تعالى شمس شيخ الإسلام تشرق على الدنيا.\nأيضًا الإمام أبو حنيفة كان موته ينبئ بولادة الإمام الشافعي، فـ الشافعي ولد بعد موت الإمام أبي حنيفة، وهذا يدل على أن الله جل في علاه يحفظ دينه، فـ العز بن عبد السلام كان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، وسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية كانت كسيرة سلطان العلماء العز بن عبد السلام حذو القذة بالقذة.\nوكان شيخ الإسلام ابن تيمية يجهر بالخير آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، سواء كان باللسان أوبالسنان، وولد بحران.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>مكانته العلمية</span>\nكان ابن تيمية عالمًا نحريرًا، ولو قلتُ: إنه العلم الأوحد الفرد والبحر الذي لا ساحل له ما أبعدتُ، فهو نحرير في اللغة، نحرير في البلاغة، نحرير في الحديث، نحرير في الفقه، نحرير في الفلسفة، نحرير في العقيدة، وما من علم إلا وغاص فيه شيخ الإسلام ابن تيمية، كما قال عنه ابن القيم: إنه بحر لا ساحل له.\nلقد كان الإمام ابن تيمية ينافح عن دين الله باللسان وبالسنان، وكان العلماء قاطبة يمدحون شيخ الإسلام، العدو منهم والحبيب.\nإن الإمام ابن تيمية حفظ كتاب الله جل في علاه من الصغر، ثم بعد ذلك حفظ الصحيحين، ثم تعلم فقه الإمام أحمد بن حنبل، ثم قرأ فقه الإمام الشافعي، ويقال: إنه أخذ هذا العلم على الإمام النووي لكن يُرجع للتاريخ في هذا؛ لأن في هذه النسبة نظرًا.\nوأخذ أيضًا فقه المالكية وفقه الأحناف، ولذلك قالوا: كان إذا ناظر شافعيًا تراه أعلم من هذا الشافعي بفقه الشافعي، وإذا ناظر المالكي كان أعلم بمذهب المالكية من المالكي، وكان شيخ الإسلام محررًا لمواطن النزاع، مرجحًا لأبواب الفقه والحديث.\nوكان شيخ الإسلام ابن تيمية محدثًا حافظًا.\nلقد كان العلماء يختلفون في علومهم فمنهم من يكون مشتغلًا بالفقه، ومنهم من يشتغل بالنحو، ومنهم من يشتغل بالحديث، أما شيخ الإسلام فاشتغل بكل هذه العلوم، وفاق العلماء في كل هذه العلوم.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>شهادة العلماء له</span>\nدخل على شيخ الإسلام ابن تيمية علم من أعلام الأمة وكان هذا العلم مفخرة للمصريين في العصر المتأخر، وهو ابن دقيق العيد وكان ابن دقيق العيد عالمًا نحريرًا، وكان من العلماء في علم الحديث وعلم الفقه، كان مالكيًا، ثم بعد ذلك انتقل إلى الفقه الشافعي، فأتقن علم المالكية وعلم الشافعية، وكان هو القاضي في مصر، وكان أحمد بن طولون على مذهب الإمام مالك، وكان الإمام ابن دقيق العيد هو المستشار الوحيد له، وهو قاضي القضاة في مصر.\nفسمع ابن دقيق العيد عن شيخ الإسلام ابن تيمية فرحل إليه إلى الشام، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية شابًا يافعًا، فدخل ابن دقيق العيد على شيخ الإسلام ابن تيمية فسلم عليه وتكلم معه في مسألة علمية، فسكت ابن دقيق العيد وأخذ شيخ الإسلام يشرق ويغرب شمالًا وجنوبًا في الكلام على ما يخص هذه المسألة بكل الأدلة من الكتاب ومن السنة ومن النظر ومن الأثر، فلما سمع ابن دقيق العيد ذلك منه لم يرد عليه بشيء وبعد أن سلم عليه خرج من مجلسه، فقام الناس صفوفًا يسألون ابن دقيق العيد: هل رأيته؟ قال: رأيته.\nقالوا: كلمته؟ قال: كلمته.\nقالوا: ماذا تقول فيه؟ قال: أقول: لم ير مثل نفسه.\nوهذه شهادة من ابن دقيق العيد لشيخ الإسلام ابن تيمية.\nوكفى فخرًا لـ شيخ الإسلام أن كل الطوائف من أهل البدع يستدلون به.\nوكان الرجل كما يقول المؤرخون: لا يعرف الفرق بين الدرهم والدينار.\nوكان كما قال ابن القيم: إذا نزلت بنا الملمات نزلنا على مجلس شيخ الإسلام فاطمأنت قلوبنا.\nقالوا: وكنا ننظر إلى شيخ الإسلام فتطمئن قلوبنا.\nفهذا الرجل كأن الله لم يخلقه لهذه الدنيا، إذ لا يعرف شيئًا عن هذه الدنيا، ولذلك ابتلي ابتلاء شديدًا ونزلت عليه النكبات تترا؛ لأنه كان ينافح عن دين الله جل في علاه.\nوالإمام الذهبي ترجم لشيخ الإسلام ابن تيمية قريبًا من ثلاثة أسطر، وذلك لأنه يقول: شيخ الإسلام ابن تيمية يغني عنه ترجمته.\nوقد كان الذهبي يقول: إن الحديث الذي لا يعرفه شيخ الإسلام ليس بحديث، وهذا يدل على سعة علم الرجل واطلاعه، ولذلك قالوا: إنه في عصر ابن تيمية لم يحفظ أحد مسند أحمد إلا ابن تيمية.\nوالإمام ابن كثير يقول: رأيت في الدنيا ثلاثة: ابن تيمية وابن دقيق العيد والثالث المزي صاحب تحفة الأشراف، وكان المزي عالمًا نحريرًا في علم الرجال، قال ابن كثير: فدخلت عليهم، فرأيت أحفظهم لمتن رسول الله في الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية، ورأيت أعلمهم بالرجال المزي، ورأيت أفقههم في المتون ابن دقيق العيد.\nوكان هذا في صغر سن شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن لما كبر سن شيخ الإسلام ابن تيمية واتسعت العلوم والفهوم عنده أصبح لا نظير له ولا ند له.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>محنته وكراماته ووفاته</span>\nابتلي شيخ الإسلام ابتلاء شديدًا، فأولًا: سجن، ثم بعد ذلك نفي، ثم بعد ذلك مات في سجنه، وكان يقول: ماذا يريد أعدائي مني؟ إن سجنوني فسجني خلوة بربي، وإن قتلوني فقتلي شهادة، وإن نفوني فنفيي سياحة، لذلك حاروا فيه فاجتمعوا جميعًا وقال بعضهم: اقتلوه، وقال الثاني: لا، اقطعوا لسانه، وقال الثالث: عزروه.\nفانظروا إلى كرامات شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه ما لبث بعدما قالوا ذلك كثيرًا إلا والذي قال: اقتلوه قد قتل، والذي قال: اقطعوا لسانه قد قطع لسانه، والذي قال عزروه قد عزر!! وهذه كرامة لشيخ الإسلام ابن تيمية.\nوالكرامة الأعظم له حدثت عند موته، وذلك أنه نزل مصر -وهذه الرسالة تهتم بما قاله في مصر- ليبين لهم التوسل المشروع والتوسل الممنوع، والكلام على الأموات، والكلام على الحلف بغير الله، وشد الرحال للقبور، فأبطل هذه الأصول، فحسدوه، ثم سجنوه، ثم بعد ذلك عندما خرج من سجنه سجنوه في الشام حتى مات، وصدق فيه كلام الإمام أحمد حين قال: بيننا وبينهم الجنائز.\nفقال ابن القيم وابن كثير: وأما جنازة ابن تيمية فكانت أعظم ما تكون، اجتمع فيها الرجال والشيوخ والأطفال والنساء والنصارى واليهود، أو قال: والنصارى.\nفاجتمع هؤلاء جميعًا في جنازة ابن تيمية تكريمًا من الله له كما كرم الله قبله صحابة رسوله والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.\nوكانت وفاته في سنة (٧٢٨هـ) فرحمه الله رحمة واسعة.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>مقدمة في قاعدة مهمة في العبادة</span>","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الفرق بين التوسل والاستغاثة بغير الله</span>\nإن هذا الكتاب العظيم يختص بتوحيد العبادات.\nقبل أن أدخل على الكتاب أذكر قاعدةً مهمةً جدًا ألا وهي: إن كل عبادة ثبت بالشرع أنها عبادة فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك.\nوهذا قوام كل ما سنأتي عليه بالتفصيل، ومعنى (ثبت بالشرع) أي: بالكتاب أو السنة، وبالمثال يتضح المقال: قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] فقوله: (ادعوني) فيه دلالة على أن الدعاء عبادة صرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك.\nأولًا: نثبت أن الدعاء عبادة بالدليل، قال الله تعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ»، وقال النبي ﷺ: (الدعاء هو العبادة)، أو قال: (الدعاء مخ العبادة).\nإذًا: لدينا حديثان وآية، الآية قوله تعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ»، والحديث: (الدعاء مخ العبادة) وهو حديث ضعيف، والحديث الصحيح هو: (الدعاء هو العبادة).\nونريد تطبيق القاعدة السابقة على عبادة الدعاء، والمثال: لو أن رجل نزلت به البلايا فاعتكف في المنبر ودعا ربه ﷿ فقد أتى بالتوحيد عملًا بقول الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢].\nلكن هناك رجل ذهب إلى البدوي يدعوه مخاطبًا: فقال يا بدوي، أنت عند ربك الآن، وأنت ولي من أولياء الله الصالحين، وإن الكربة قد نزلت بي فأرجو أن تدعوَ الله لي أن يكشف عني هذه الكربة، وهذه كرامة لك؛ لأنك من أولياء الله الصالحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فهل هذا الرجل الآن صرف العبادة لغير الله، أم لم يصرفها لغير الله؟ قبل الجواب نتذكر القاعدة وهي: أن كل عبادة ثبت بالشرع أنها عبادة فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك.\nنذكر مثالًا آخر ليتضح المقال أكثر: جاء رجل آخر إلى البدوي وقال له: يا بدوي! نزلت بي الكربة فاكشف عني هذه الكربة وأعطني.\nفما هو الفرق بين المثال الأول والمثال الثاني؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إننا قلنا: إن العبادة إذا ثبت بالشرع أنها عبادة فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك، فالأول عندما قال للبدوي: يا بدوي! أنت قريب من ربك، ادع الله أن يكشف عني الكربة، فهو لم يدع البدوي، وهذه هي مسألة التوسل، وهي مسألة أخرى سنتكلم عنها، وواجب على طلبة العلم وغيرهم أن يعرفوا التفريق بين الشرك الأصغر والشرك الأكبر، وبين التوسل والاستغاثة والطلب، فالأول لما ذهب إليه وقال: ادع الله لي ففعله هذا توسل وليس بدعاء، فهو ما طلب منه أنه يجلب له الخير، أو يدفع عنه الضر، بل طلب من الله أن يدفع عنه الضر ويجلب له الخير، ولكن عن طريق دعاء هذا الولي، فيعتبر هذا توسلًا وليس من الاستغاثة وإن كان بينهما عموم وخصوص.\nوفي الصورة الثانية: عندما قال الرجل: يا بدوي! اكشف عني الكربة، فقد صرف عبادة لغير الله، وهذه العبادة هي الدعاء.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الفرق بين الشرك في النذر والمعصية به</span>\nالمثال الثاني: النذر عبادة، ومعروف مشهور بين العامة أنهم يقولون: نذرت للسيدة زينب شمعًا لنجاح ابنتي، فهل هذا يجوز أو لا؟ نرجع للقاعدة قبل أن نقول: يجوز أو لا يجوز، ونضبط المسألة أولًا ونقول: هل النذر عبادة أو لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  النذر عبادة، الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان:٧] ووجه الدلالة سنعرفه من خلال بيان تعريف العبادة، والعبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.\nوبعد هذا التعريف نقول: إن الله تعالى إذا مدح شيئًا فقد أحبه، وسياق آية النذر سياق مدح؛ لأن الله إذا مدح عباده بفعل شيء فقد دل ذلك على أن هذا الشيء عبادة؛ لأن الله يحبه وقد مدحه، فالله لا يمدح إلا ما يحب، وهذا هو وجه الدلالة استنباطًا.\nأما التأصيل الصريح فهو في قول الله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦]، ووجه الدلالة في ذلك هو إقرار الله لها على النذر، فدل ذلك على أنه عبادة.\nوأيضًا في الآية الأخرى قال تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران:٣٥]، وهي نذرت هنا للمسجد، وهذا فيه دلالة على أن النذر عبادة، فإذًا: النذر عبادة فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك.\nمثال آخر: رجل قال: إن ابني مريض فإن شفي الله ابني فسأتصدق بألف درهم.\nوالثاني قال: إن ابني إن نجح لأذبحن عند البدوي ذبيحة وأفرقها على الفقراء.\nوالثالث قال: إن أتى أبي ورأيته بعيني، فامرأتي طالق.\nفالصحيح في ذلك أن نقول: إن النذر الأول توحيد؛ لأنه عبادة صرفه لله جل في علاه.\nوالنذر الثاني فيه توحيد وفيه شرك، والنبي ﷺ بين أن الذبح في مكان يعبد فيه غير الله جل في علاه منهي عنه، ولما رأى رجلًا يذبح إبلًا ببوانة نهاه ﷺ عن ذلك؛ لأنه قد كان فيها صنم يعبد، وإنما نهاه لأنه ذريعة للشرك ولا يقال له: شرك؛ لأنه لم يصرف عبادة لغير الله جل في علاه، بل هو نذر أن يذبح لله، فإذا نذر أن يذبح لله فهو توحيد لله وليس شركًا، لكنه وقع في منهي عنه وهو أنه ذبح في مكان يعبد فيه غير الله جل في علاه.\nوأما الثالث فهو نذر ينزل منزلة اليمين المعلقة، على قول الجمهور، وأما على قول شيخ الإسلام ابن تيمية فينظر في نيته: إن كانت نيته تهديدًا فلا تطلق زوجته، وإن كانت نيته الطلاق فتطلق امرأته.\nختامًا لهذه المسألة نقول: إن العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.\nقال ابن القيم: وتدور رحى العبادة على خمسة عشر أمرًا، وذلك أن المكلف يتكون من لسان وقلب وجوارح، وأحكام الشرع التكليفية خمسة: واجب، ومستحب، ومباح، ومكروه، ومحرم.\nفيتعلق بكل عضو من الأعضاء سواء القلب أو اللسان أو الجوارح خمسة أحكام.\nفالحاصل من ضرب ثلاثة أعضاء في خمسة أحكام يساوي خمسة عشر أمرًا.\nفيجب على القلب التصديق، وهو قول القلب، ويجب عليه التوكل والإنابة والخوف والرجاء فكل ذلك من واجبات القلب، أما واجب اللسان فهو قول لا إله إلا الله، فلن يدخل أحد الإسلام إلا بقوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله.\nوأما واجبات الجوارح فالصلاة والجهاد وغيرها، فالثلاثة الأعضاء لكل عضو منها خمسة أحكام، فتكون الجملة خمسة عشر أمرًا كما قال الإمام ابن القيم.\nوللعبادة ركنان: غاية الذل مع غاية المحبة.\nوشروط العبادة: الإخلاص ومتابعة النبي ﷺ.\nوالعبادة عبادتان: عبادة عامة وعبادة خاصة.\nأو: عبادة القهر: وهي عبادة الربوبية.\nوعبادة الاختيار: وهي عبادة الإلهية، إذًا العبادة عبادتان: عبادة عامة ويدخل فيها المؤمن والكافر والمشرك، وعبادة خاصة وهي لا تكون إلا من المؤمن وهي العبادة الاختيارية.\nفعبادة القهر هي عبادة الربوبية التي قال الله عنها: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣] فسواء كنت طويلًا أو قصيرًا، أو أبيض أو أسمر، إذا أراد الله أن يقدر عليك المرض فلا تستطيع أن ترد هذا القدر، بل أنت فيه عبد لله رغم أنفك، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران:٨٣]، فهذه هي عبادة القهر.\nوالعبادة الثانية خاصة بالمؤمنين: وهي عبادة الإلهية التي قال الله فيها: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣]، فهل كل الناس عبدوا الله جل في علاه؟ لا، بل منهم من عبد ومنهم من لم يعبد الله جل في علاه، فهذه هي العبادة الاختيارية.","vol":"1","page":9},{"text":"عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق -<span data-type=\"title\" id=toc-10> العبادة وأصناف الناس فيها</span>\nإن العبادة لا تكون إلا لله جل وعلا، فما ثبت في الشرع أنه عبادة فصرفه لله توحيد وصرفه لغير الله شرك، وذلك كالنذر والدعاء، لكن ينبغي التفريق بين دعاء غير الله والتوسل في الدعاء.\nوأصناف الناس تجاه العبادة ثلاثة: المؤمنون والكافرون والمنافقون، فالمؤمنون: هم الذين حققوا عبوديتهم لله تعالى مع غاية الذل والمحبة، والكافرون: هم الذين عبدوا غير الله تعالى وأشركوا معه بعض مخلوقاته، والمنافقون: هم أهل الأهواء والضلال، عبدوا الله تعالى بغير التوحيد، واتبعوا أهواءهم، وقدموا العقل على النقل.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>العبادة</span>","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الفرق بين العبادة والشرك</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: القاعدة العظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان، وعبادات أهل الشرك والنفاق هي: كل عبادة ثبت بالشرع أنها عبادة فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك، مثال ذلك الطواف.","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>تعريف العبادة وأركانها</span>\nالعبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.\nولها ركنان، وهما: غاية الذل مع غاية الحب.\nولابد من اقتران الحب مع الذل؛ لأنه لو اختل ركن من الركنين لم تكن عبادة، فالذي يتعبد الله بالذل أو بالقهر دون المحبة، فإنه سيكون حروريًا يقنط من رحمة الله.\nمثال ذلك: الخوارج فقد قنطوا عباد الله من رحمة الله، فقالوا: فاعل الكبيرة كافر يخرج من الملة، فمن شرب الخمر فإنه خالد مخلد في نار جهنم والعياذ بالله! فهؤلاء الخوارج تعبدوا لله بالذل فقط.\nوالطرف الآخر: وهم المرجئة تعبدوا لله بالمحبة فقط، فصار عندهم غلو في الرجاء فلا يهتمون بأوامر الله، ولا يرجون لله وقارًا ولا تعظيمًا، فمن تعبد لله بالذل فإنه لا يكون محبًا لله، ومن تعبد لله بالحب دون الذل فإنه لا يكون معظمًا لله جل في علاه.\nوفي بني البشر يمكن للإنسان أن يذل للإنسان وهو لا يحبه، كأن يكون مقهورًا له، أو يكون عليه دين له، فيكون المذل أبغض الناس إليه، فهذا الذل لغير الله.\nويمكن للإنسان أن يحب إنسانًا، ولا يكون له ذليلًا، بل يكون فوقه ومتكبرًا عليه، فغاية الذل مع غاية المحبة لا تكون مجتمعة إلا لله.","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>أقسام الناس تجاه العبادة</span>\nوالناس على أقسام ثلاثة: مؤمنون خلص، وكافرون خلص، وبين بين وهم منافقون خلص.\nوقد بينها شيخ الإسلام فقال: أهل التوحيد والإيمان.\nوأهل الشرك والإلحاد.\nوأهل البدعة والضلالة.","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>تعريف أهل التوحيد والإيمان</span>\nفأهل التوحيد والإيمان هم الذين عبدوا الله بالتوحيد الكامل، فلم يشركوا معه غيره، وعبدوه بما شرع، كما بين الله جل في علاه أنه ما خلق الخلق إلا لعبادته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].\nوما أرسل رسولًا إلا وبين أن الحكمة العظيمة والجسيمة لإرسالهم هي التوحيد، قال الله تعالى مبينًا لنا قول كل رسول بعثه إلى قومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩].\nوقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].\n﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦].\nوقد قال الله تعالى على لسان عيسى بن مريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران:٥١].\nوعلى لسان نوح ﵇: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:١ - ٣] فيعبدون الله أي: يوحدونه بما شرع على ألسنة رسله صلوات الله وسلامه عليهم، فكل رسول كان على الإسلام.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>تعريف الإسلام</span>\nوالإسلام معناه: التوحيد الخالص.\nأي: أن توحد الله جل في علاه ولا تشرك به شيئًا، كما قال الله تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ﴾ [البقرة:١٣١] أي: استسلمت ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١].\nوقال تعالى حاكيًا عن يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١].\nوعن نوح ﵇: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧٢].\nوقال إسماعيل وإبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً﴾ [البقرة:١٢٨].\nوقال سحرة فرعون: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف:١٢٦].\nوقال جل وعلا: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة:٤٤].\nوقال جل في علاه عن بلقيس عندما أسلمت مع سليمان: ﴿رب إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤].\nوقال عن أتباع المسيح ﵇: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة:١١١].\nوقال جل في علاه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٨ - ١٩].\nفما من نبي إلا وهو على الإسلام، ولكن اختلفت الشرائع، فكل الأديان دين واحد، وليست أديانًا متعددة، بل كلها دين سماوي واحد وهو الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] فموسى ويوسف وعيسى ونوح وإبراهيم وشعيب وصالح وآدم كانوا على الإسلام.\nفالإسلام معناه: توحيد الله جل في علاه، والاختلاف بين الأديان كان في الشرائع، قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] وصح عن نبينا ﷺ أنه قال: (الأنبياء إخوة لعلات) أي: إخوة من أب واحد، والأمهات شتى، مثال ذلك: الرجل الذي تزوج بأربع نساء فخلف من كل واحدة منهن أولادًا، فالأولاد يسمون إخوة لعلات، لأن أمهاتهم شتى، وأباهم واحد، قال النبي ﷺ: (الأنبياء إخوة لعلات دينهم واحد وشرائعهم شتى).\nوهذا ظاهر جلي لمن تفحص في شرائع الذين سبقونا، فمثلًا: في شريعة التوراة أو الشريعة اليهودية إذا وقعت النجاسة على ثوب واحد منهم فتطهيرها بأن يقص ذلك الجزء من الثوب الذي وقعت فيه النجاسة.\nأما في ديننا وشريعتنا: إذا وقعت النجاسة فإنه يطهرها بالماء.\nوأيضًا: في شريعتنا أن الزاني المحصن حده الرجم حتى الموت، لكن في التوراة المحرفة حده الجلد والتحميم.\nوكذلك في شريعتنا: حل الغنائم للمجاهدين الذين يذبون عن الإسلام، وعن أهل الإسلام، فعندما يغنمون الغنائم فإنهم يأكلونها هنيئًا مريئًا، لقول النبي ﷺ: (وأحلت لي الغنائم ولم تحل لنبي قبلي) وكان في شريعتهم أن الغنيمة تؤخذ كلها فتوضع قربانًا فتنزل نار من السماء فتأخذها، ولذلك فإن بعضهم سرق شيئًا من الذهب فلم تقبل، فقال نبيهم: فيكم الغلول، فصافح مقدم كل قبيلة حتى لصقت يد واحد منهم فأخرجه من قومه، فجاءت نار من السماء فأكلتها.\nفالغنيمة في الشرائع التي سبقت لم تكن حلالًا، وفي شريعتنا حلت، فهذا مصداق لقول الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨].\nإذًا: دين الأنبياء واحد وهو الإسلام، لكن الشرائع مختلفة، فهؤلاء هم الموحدون الخلص أو المؤمنون الخلص.","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>تعريف أهل الكفر</span>\nالصنف الثاني: الكافرون الخلص: وهم عباد الأصنام الذين يشركون مع الله غيره في العبادة.\nفمنهم من عبد البقر، ومنهم من عبد البشر، ومنهم من عبد الأصنام، فهؤلاء عبدوا الله لا على التوحيد، ولا بما شرع الله جل في علاه، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١].\nوأيضًا: قال الله فيهم على لسانهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] وكذبهم الله في ذلك وبين أنها لا تملك شيئًا مع الله.","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>تعريف أهل النفاق</span>\nأما الصنف الثالث: فهم بين بين، وهم أهل الأهواء والضلال، أو أهل النفاق.\nوهم الذين يعبدون الله بغير التوحيد، لأنهم أدخلوا هواهم في التوحيد، فكلما هووا شيئًا عملوه، قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣].\nوأيضًا: قدموا العقل على النقل، فما عبدوا الله بالتوحيد الخالص، وما اتبعوا رسول الله الاتباع الخالص فلو خالف العقل النقل قدموا العقل على النقل.\nوقد ذمهم الله جل في علاه، وذمهم رسوله ﷺ، وصدق فيهم قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦].\nأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.","vol":"2","page":9},{"text":"عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق -<span data-type=\"title\" id=toc-19> التوسل [١]</span>\nالدعاء عبادة لله تعالى فلا يجوز صرفها لغيره، ويشرع للداعي أن يقدم بين يدي دعائه وسيلة تكون سببًا لإجابة دعائه، ولكن يجب أن تكون هذه الوسيلة مشروعة، ومن الوسائل المشروعة التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، والتوسل بالأعمال الصالحة، وبدعاء الأحياء أو حال الداعي.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>تعريف التوسل</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: التوسل في اللغة هو: الشيء الموصل للغرض المقصود.\nوالتوسل عمومًا في الشرع هو: الوسيلة أو الطريقة المتخذة للوصول إلى رضا الله وجناته.\nوأما خصوصًا فهو: اتخاذ الوسيلة بين يدي الدعاء للاستجابة.\nوالتوسل عبادة، قال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥].\nقوله: (ابتغوا) أمر من الله بابتغاء الوسيلة، والله ﷿ لا يأمر إلا بما يحب، إذًا: فالوسيلة يحبها الله ﷿، فإذا كان الله ﷿ يحبها فهي داخلة تحت مسمى (العبادة)، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه.\nوقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠] فسمى الدعاء عبادة، ولازم الدعاء اتخاذ الوسيلة بين يدي هذا الدعاء، ولازم الشيء يأخذ اسمه وحكمه.\nإذًا: إن كانت الوسيلة عبادة، فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك، ومن هذا المنطلق فالتوسل على نوعين: توسل مشروع، وتوسل ممنوع.","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>أنواع التوسل</span>","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>التوسل المشروع وأنواعه</span>","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>التوسل بذات الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله</span>\nوالتوسل المشروع على أربعة أنواع: الأول: التوسل بذات الله تعالى وبأسمائه وصفاته وأفعاله.\nفأما التوسل بأسماء الله تعالى، فقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠]، أي: اتخذوها وسيلة.\nوقال جل في علاه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠].\nوفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه كان يتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى، وكان ﵊ يقول: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك؛ سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فكان يتوسل بأسماء الله تعالى.\nومنه: (وأعوذ بعزتك أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون).\nو(مر النبي ﷺ على رجل يدعو في المسجد ويقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، فقال النبي ﷺ: قد سأل باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب) فهذا توسل بأسماء الله تعالى وهذا لا يصل إليه إلا الفقيه المتدبر الذي اعتقد اعتقادًا صحيحًا في ربه.\nوالمسلم إذا أراد أن يسأل الله ويتوسل بأسمائه فليأت بالاسم المناسب في المقام الذي يريده، فمثلًا: إذا أرا أن يطلب من الله الرحمة، فلا يقل: يا عزيز! يا جبار! يا منتقم! ارحمني، لأن هذا سوء أدب مع الله، لأن الجبار يناسبه أن ينتقم، لا أن يرحم، فهو قد وضع اسم الله في غير موضعه، لذا فمن الآداب التي لا بد أن يراعيها العبد وهو يتعبد لله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى توسلًا: أن يأتي بالاسم الذي يوافق المقام.\nوكذلك إن أراد الرزق فلا يقل: يا مانع ارزقني، وإنما ليقل: يا رزاق ارزقني.\nوإن أراد النصر فيكون أنسب ما يقول: إنك نِعم المولى ونعم النصير.\nوإن أراد الموت قال: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١].\nوقد علم النبي ﷺ أبا بكر ﵁ أن يتوسل باسم من أسماء الله في مقام مناسب، وذلك في آخر الصلاة بقوله: (قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم).\nإذًا: عند التوسل بأسماء الله جل في علاه تأتي بالاسم المناسب للمقام الذي تدعو له وتتوسل به.\nوأما التوسل بصفات الله جل في علاه، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يتوسل بصفات الله جل وعلا فيقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) فهنا النبي ﷺ توسل بصفة من صفات الله الفعلية، وهي: الكلام.\nوأما التوسل بصفات الله تعالى الذاتية، فكأن يتوسل العبد بالرحمة فهي صفة ذاتية، لكن أصرح من ذلك قول النبي ﷺ: (أعوذ بعزة الله وقدرته وسلطانه من شر ما أجد وأحاذر) فالصفة الذاتية هنا: العزة والقدرة والسلطان، وكلها صفات ذاتية لا تنفك عن الله جل في علاه.\nوأما التوسل بأفعال الله تعالى، فمعناها: أن ينظر النبي ﷺ، أو ينظر الصحابي، أو ينظر المؤمن التقي في فعل من أفعال الله في أمة من الأمم فيقول: يا رب كما فعلت كذا فافعل بي، أو كما هديت فلانًا فاهدني أو كما أنعمت على فلان فأنعم علي، أو كما رزقت فلان فارزقني.\nوأصرح من ذلك قول النبي ﷺ: (اللهم عليك بهم اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) أي: اللهم ابتلى قريشًا بسنين كسني يوسف، لأنهم جحدوا وكفروا، فكان كل واحد منهم ينظر إلى الميتة فيطعمها من البلاء والجوع.\nومنه قوله ﷺ: (اللهم انصرنا كما نصرتنا على الأحزاب).\nوأفعال الله تعالى لا تنتهي بحال من الأحوال.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>التوسل بالأعمال الصالحة</span>\nالثاني: التوسل بالأعمال الصالحة: وقد ثبت ذلك بالكتاب والسنة؛ فقال الله تعالى حاكيًا لنا عن الحواريين عندما توسلوا لربهم بالأعمال الصالحة، فقالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٥٣].\nوقوم محمد ﷺ قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران:١٩٣] فهم سألوا الله بأعمالهم الصالحة، وهي: الإيمان بالله، والإيمان برسول الله ﷺ، ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران:١٩٣] وهل يصح سؤاله ﷿ بحبه وحب رسوله ﷺ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، يصح للمرء أن يقول: اللهم إني أسألك بحبي لك ولدينك، وحبي لنبيك أن تحببني فيك وتحبب عبادك في، أو: أن تحببني إلى الصالحين وتحبب الصالحين إليّ، فتدعو الله جل وعلا بالعمل الصالح، وهو حبك لله وحبك لرسول الله ﷺ.\nوأصرح من ذلك فعليًا قصة الثلاثة الذين أغلق عليهم الغار، وكيف أنهم توسلوا لله بالأعمال الصالحة.\nفأما الأول: فتوسل بأنه أخذ اللبن الذي أتى به لأمه وأبيه أولًا وأولاده حوله يبكون يريدون اللبن فما أعطاهم؛ فبقي هكذا حتى بزغ الفجر، فسقى أباه وأمه برًا بهما، وترك أولاده وفلذات كبده.\nفهذا عمل صالح، فذكره ثم قال: (اللهم إن كان هذا العمل إخلاصًا لوجهك الكريم فافرج عنا فانفرجت فرجة ينظرون منها ولا يستطيعون الخروج.\nفجاء الثاني فقال: اللهم إنك كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم، وكنت أحبها حبًا جمًا، فطلبت مني مالًا فراودتها عن نفسها، فلما تمكنت منها وكنت منها بمكان الزوج من زوجه، قالت: اتق الله لا تفض الخاتم إلا بحقه) فارتدع الرجل، وهنا انظر الدين والإخلاص، فإن الرجل جاءه الرادع فارتدع، قال: (فأعطيتها المال، وهي أحب إلي خوفًا منك، اللهم إن كان هذا إخلاصًا لوجهك الكريم فافرج عنا ففرج الله عنهم.\nوجاء فقال: اللهم إنه كان لي أجراء فكان من هؤلاء أجير لم يأخذ أجره فأخذت أجره فنميته له، فلما جاء الرجل قال: أجري؟ قلت: انظر إلى هذا الوادي من الغنم والبقر، قال: لا تستهزئ بي واتق الله، قلت: والله إن هذا أجرك، ثم قال: اللهم إن كنت فعلت ذلك إخلاصًا لوجهك فافرج عنا، ففرج الله عنهم).\nفهذا توسل بالأعمال الصالحة.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>التوسل بدعاء الصالحين الأحياء</span>\nالثالث: التوسل بدعاء الصالحين الأحياء: والتوسل بالصالحين على نوعين: إما توسل بالذات، وإما توسل بالدعاء، وسنبين أن التوسل الممنوع هو: التوسل بالذات، وأما التوسل بدعاء الصالحين فهو ثابت بالكتاب والسنة: أما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [يوسف:٩٧].\nوقوله تعالى على لسان إبراهيم ﵊: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤١] فهو قد دعا لهم.\nوأيضًا قول الله تعالى عن التابعين: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠].\nوأما من السنة: ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه جلس بين أصحابه فقال: (يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب ولا عذاب، فبات الناس يدوكون: مَنْ هؤلاء؟ لعلهم الذين أسلموا ولم يعبدوا صنمًا، فقال النبي ﷺ: هؤلاء الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون).\nوفي رواية: (لا يرقون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون) وقوله: (ولا يرقون) هذه الرواية عند مسلم، وهي شاذة؛ لأن الحديث المتفق عليه في البخاري ومسلم قال: (لا يسترقون)، وإلا لو قلنا: (لا يرقون) فقد رقى النبي ﷺ، وأمر بالرقية فقال: (أرقوها)، ورقى جبريل ﵇، فكيف نقول: (لا يرقون) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن هذه الرواية شاذة، أما القول بأنهم لا يرقون الرقية الشرعية فهذا كلام خطأ، وهو كلام المتأخرين.\nوالشاهد: أن عكاشة بن محصن قال: يا رسول الله! ادع الله أن أكون منهم، فقال: (أنت منهم) فوجه الدلالة: أنه طلب الدعاء من النبي ﷺ.\nوأيضًا: الاستسقاء، فيدخل الرجل فيقول: يا رسول الله! هلكت الأموال والزروع فاستسق لنا.\nوهناك حديث يحتج به شيخ الإسلام يقول: عندما ذهب عمر بن الخطاب إلى العمرة فقال له رسول الله ﷺ: (يا أخانا لا تنسنا من صالح دعائك)، وهذا حديث ضعيف، ويكفينا الأحاديث الصحيحة التي تكلمنا بها.","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>التوسل بحال المرء</span>\nالرابع: التوسل بحال المرء، وهذا تذلل يوافق كرم الله، فالله جل وعلا يرفع الكربة به، كأن يقول العبد: اللهم أنت تعلم ما نزل بي من البلاء، اللهم ارفع عني هذا البلاء.\nوأصل التوسل به ثابت في الكتاب والسنة: أما من الكتاب فقد قال الله تعالى حاكيًا عن سيدنا أيوب أنه قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣].\nوعن موسى ﵊: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤]، أي: فقير إلى رحمتك، فقير إلى عطائك، فقير إلى كرمك.\nوأما من السنة: حالة الاستسقاء؛ لأنهم يخرجون على هيئة رثة يستعطفون ربهم جل في علاه.\nولذلك نرى أن من السنة في صلاة الاستسقاء أن الحاكم، أو ولي الأمر، أو المهذب، أو المعلم، أو الإمام يعلم من يذهبون إلى الاستسقاء فيقول لهم: صوموا يومًا أو يومين وتصدقوا، ثم لا بد أن تذهبوا إلى ربكم بثياب بالية، وذلك هو فعل النبي ﷺ، ثم خالف بين ردائه، وفي ذلك إشارة إلى التحويل، وقد قال ذلك العباس عندما قال: (أيدينا مرفوعة إليك بالذنوب- أي: حالنا أننا من أهل الذنوب- لكنا نرجو رحمتك)، فكانوا إذا استسقوا بـ العباس سقاهم الله فضلًا منه ورحمة ونعمة.","vol":"3","page":8},{"text":"عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق -<span data-type=\"title\" id=toc-27> التوسل [٢]</span>\nالتوسل إلى الله بغير ما شرعه الله تعالى ممنوع عند أهل السنة، وهذا التوسل إما توسل شركي مخرج من الملة أو توسل بدعي، والبدعي منه ما هو مكفر ومنه ما هو مفسق كما بينه العلماء، وردوا على شبهات من يجوّز ذلك.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>أقسام التوسل من حيث المشروعية</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: والوسيلة والوصيلة تتشابهان وتتلازمان إذ السين قريبة من الصاد فتأخذ حكمها تحل محلها.\nوقد تقدم التوسل توسلان: توسل مشروع، وتوسل ممنوع، وقد تكلمنا عن التوسل المشروع، وسنتكلم هنا إن شاء الله عن التوسل الممنوع.\nوقد ذكرنا أن التوسل عبادة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] فقوله: «وَابْتَغُوا» أمر، وظاهر الأمر الوجوب، وإن الله لا يأمر إلا بما يحب، وما يحبه الله يدخل تحت مسمى العبادة؛ لأن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.\nقلنا بأن الدعاء التوسل عبادة، صرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك، فالتوسل المشروع كالتوسل بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وبالإيمان به جل في علاه كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران:١٦].\nوكالتوسل بدعاء رسول الله ﷺ ودعاء الصالحين عمومًا، وكالتوسل بالعمل الصالح كما صنع أصحاب الغار.\nوكالتوسل بحال المرء كما قال الله تعالى عن أيوب ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣].\nوكذا موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤] أي: فأنا أدعو بفقري ولا غنى لي عن بركتك.\nوالتوسل الممنوع منبثق عن القاعدة المذكورة آنفًا عن الوسيلة: أن صرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك، فهو من صرف الوسيلة لغير الله جل وعلا.\nوالتوسل الممنوع نوعان أو قسمان: قسم شركي، وهذا شرك محض.\nوقسم بدعي.\nوليس الفرق بينهما كما يزعم البعض أن التوسل الشركي يخرج صاحبه من الملة، والتوسل البدعي لا يخرج صاحبه من الملة، بل بينهما عموم وخصوص، إذ إن كل بدعة شرك وليس كل شرك بدعة.\nوالحاصل: أن التوسل الشركي يخرج صاحبه من الملة، أما التوسل البدعي فهو قسمان؛ لأن البدعة بدعة مكفرة وبدعة مفسقة، فالبدعة المكفرة ستدخل مع التوسل الشركي.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>التوسل الشركي</span>","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>التوسل الشركي</span>\nأما التوسل الشركي: فهو صرف التوسل لغير الله: إذ إن كل عبادة ثبتت بالشرع فصرفها لله عبادة، وصرفها لغير الله شرك، وقد ثبت في الشرع أن التوسل عبادة فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك.\nونرى اليوم من صرف التوسل الذي هو عبادة لغير الله فأشرك في ذلك، كمن يذهب إلى البدوي فقول: يا بدوي! أنقذني من المهالك، أو المرأة تذهب إلى قبره فتقول: يا بدوي! ابنتي لا تنجب فاجعلها تنجب، أو كمن يذهب إلى ضريح عبد القادر الجيلاني فيقول: يا جيلاني! يا ولي الله! اجعل السماء تمطر، فهذا دعاء لغير الله، وصرف الوسيلة لغير الله شرك، فقد وقع من يفعل ذلك في الشرك والعياذ بالله.\nعلى أن هذا هو فعل الذين أشركوا في الجاهلية قبل بعثة رسول الله ﷺ، فقد كانوا يتعبدون لغير الله فيدعون ويستغيثون بغير الله، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] فكذبهم الله.\nومن يذهب إلى البدوي أو إلى الجيلاني فيصرف التوسل لغير الله كأن يدعوه ويستغيث به، فقد كفر من وجهين اثنين: الوجه الأول: أنه صرف التوسل وهو عبادة لغير الله، فكفر من جهة الإلهية؛ لأن القاعدة في الإلهية: كل عبادة ثبت بالشرع أنها عبادة فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك.\nالوجه الثاني: وهو وجه الربوبية؛ لأنه اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله.\nقال ابن تيمية وتابعه ابن القيم: من اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله فقد كفر.\nفمن يذهب إلى قبر البدوي فقد اعتقد في البدوي ما لا يعتقد إلا في الله، فاعتقد فيه أنه سينقذه من المهالك، واعتقد فيه أنه سيحيي له ابنته، أو يصلح له زوجه أن تنجب، وهذا لا يكون إلا لله.\nوالقاعدة عند العلماء: من اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله فقد كفر.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>التوسل البدعي وأنواعه</span>\nإن إطلاق لفظ (بدعة) يفيد أن العمل لا يرتكز على دليل، إذ الأصل في العبادات التوقيف.\nونعني بقولنا: الأصل في العبادة التوقيف، أنه لا يمكن أن ينشئ المرء عبادة إلا بدليل من كتاب الله أو سنة رسوله.\nفأي عبادة يريد المرء أن يتعبد الله بها فلا بد أن تكون خاضعة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فإذا قلت: التوسل عبادة، فلا بد لي من دليل حتى أتوسل به.\nالتوسل البدعي: هو توسل جاء به صاحبه من غير دليل من الشرع، وهو أقسام: القسم الأول: توسل بذات الصالحين، أو بجاه الصالحين.\nالقسم الثاني: التوسل بدعاء الأولياء الأموات.\nوإنما قيد بالأموات لأنه يجوز التوسل بدعاء الصالحين الأحياء.","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>التوسل بجاه الصالحين</span>\nالتوسل بجاه النبي ﷺ مما انتشر بين العامة، فتجد أحدهم يقول: اللهم بحق جاه نبيك افعل كذا وكذا.\nوهذا التوسل عند أهل التحقيق من أهل السنة والجماعة بدعة من البدع المنكرات، يحرم على الإنسان أن يفعله، فإن فعله جاهلًا فعلم فأصر على ما هو فيه، فهو آثم عند ربه، وهذه ذريعة للشرك والعياذ بالله.\nوهذا التوسل توسل بدعي لأمرين اثنين: الأمر الأول: أنه لم يأت عليه دليل من الكتاب، ولا من السنة، ولا من فعل الصحابة، والله قد أمرنا باتباع كتابه وسنة نبيه، ثم اتباع أصحاب نبيه من بعده.\nوإنما عطفت السنة على الكتاب بالواو لأنه لا بد من اقتران كتاب الله مع سنة النبي ﷺ، فهما صنوان.\nأما الكتاب: فلم يرد في كتاب الله دليل يثبت التوسل بجاه النبي ﷺ.\nوأما السنة: فلم يرد في سنة النبي ﷺ، لا من قوله ولا من فعله ولا من تقريره.\nوأما ما ورد عن أبي بكر وعمر أنهما استسقيا بجاه النبي ﷺ فإنه من الكذب المفترى على الصحابة رضوان الله عليهم.\nوبما أنها لم ترد في كتاب ولا سنة ولا فعل النبي ﷺ، فهي بدعة وإن قال بها بعض الفضلاء من أهل السنة والجماعة، وإن كانوا من العلم بمكان مثل: العز بن عبد السلام وغيره، فإن قولهم ليس بصحيح بحال من الأحوال، بل هو بدعة مميتة لأمرين اثنين: الأمر الأول: أنه لم يرد دليل.\nالأمر الثاني: أنه توسل بشيء أجنبي وهو جاه النبي ﷺ، وجاه النبي ينفع النبي لأنه صاحب الجاه ولا ينفع غيره، فمن يتوسل بجاه النبي يتوسل بشيء أجنبي، ولا يتوسل بشيء شرعه الله جل في علاه، وإنما ينفعك النبي بشفاعته لا بجاهه.\nولو كان الجاه والتوسل بالجاه مشروعًا لبينه لنا رسول الله ﷺ وإلا لم يتم لنا البيان، ولم يتم لنا البلاغ.\nوالرسول هو أحرص الأمة على أن يدل الأمة على كل خير، ولو كان في التوسل بجاه النبي خير، لكان لزامًا على رسول الله أن يبين لنا أن التوسل المشروع هو التوسل بجاهه ﷺ، فلما لم يبين النبي ﷺ أن جاهه يمكن التوسل به، قلنا: هذه بدعة، ولا يصح لأحد أن يتوسل بجاه النبي ﷺ.","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>التوسل بطلب الدعاء من الأموات</span>\nمما انتشر بين المسلمين اليوم التوسل بدعاء الأموات، فتجد المرء يذهب إلى قبر الولي من أولياء الله الصالحين، فيقول: أنت الآن بين يدي ربك، وأنت لك المكانة عند الله، فادع الله أن يغفر لي.\nوهذا تعلق به الصوفية عندما قالوا: قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤].\nفقالوا: إن لك أن تذهب إلى قبر النبي فتقول: يا رسول الله! أنت بين يدي الله جل في علاه وأنت في الجنات الآن، فاستغفر لي عند ربي، وادع الله أن يدخلني الجنة، وادع الله أن يجعلني في الفردوس الأعلى، ويحتجون بقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء:٦٤] فقالوا: هذه الآية فيها دلالة واضحة على التوسل وطلب الدعاء من الأموات.\nوهذا الكلام لا يصح بحال من الأحوال، وخطؤه بيّن، إذ إنه: أولًا: لم يرد دليل على ذلك من الكتاب ولا من السنة، ولا من فعل الصحابة رضوان الله عليهم.\nالأمر الثاني: أن الله قد نفى سماع الأموات، ونفى رسول الله أن ينتفع أحد بالأموات، بل الأموات هم الذين ينتفعون بالأحياء.\nقال الله تعالى ينفي سماع الأموات: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠].\nوقال أيضًا: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢] فأثبت عدم السماع لهم.\nومما يؤيده قول النبي ﷺ الثابت في الصحيح: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، وولد يدعو له، وصدقة جارية) وليس فيها الدعاء للغير، بل هو الذي يحتاج للدعاء من غيره، فإن الميت إذا مات انقطع عمله، فلا يستطيع أن يتكلم مع ربه، ولا أن يطلب من ربه شيئًا، فهذه دلالة واضحة على أن هذه بدعة مميتة.\nوالتوسل بطلب الدعاء من الأموات ذريعة للشرك؛ لأنهم اتخذوا سببًا لم يشرعه الله جل في علاه، والقاعدة عند العلماء: أن من اتخذ سببًا لم يسببه الله في الكتاب أو في السنة فقد أشرك.\nوالدليل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] فهذه قاعدة جليلة جدًا تبين لنا أن ما يصنعونه ذريعة إلى الشرك؛ لأن الإنسان إذا شرّع لنفسه فقد تأتيه الهواجس، فيضع نفسه في مقام الربوبية، ولذلك قال العلماء: التوسل بطلب الدعاء من الأموات شرك أصغر.","vol":"4","page":7},{"text":"عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق -<span data-type=\"title\" id=toc-34> الغلو في الصالحين</span>\nلقد حذر رسول الله ﷺ من الغلو في الصالحين أشد التحذير، وحسم كل مادة تخدش جناب التوحيد، وسد كل ذريعة تؤدي إلى ذلك، وقد اقتدى به أصحابه رضوان الله عليهم.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>التحذير من الغلو في الصالحين واتخاذ القبور مساجد</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: فإن صحابة رسول الله ﷺ هم الأسوة وهم القدوة، وقد قال فيهم ابن مسعود: إن الله نظر في قلوب الناس فوجد أفضل القلوب وأنقى القلوب هو قلب رسول الله ﷺ فاصطفاه نبيًا ورسولًا، ونظر بعد ذلك في قلوب العباد فوجد أبر القلوب وأنقى القلوب قلوب الصحابة فاصطفاهم لصحبة نبيه، ونصرة دينه، ونشر دعوته، فهم أبر الناس قلبًا، وأحسن الناس خلقًا، وأصدق الناس إيمانًا، وأعمقهم علمًا.\nعلموا من رسول الله ﷺ كيف يأمر وبم يأمر؟ فتأسوا به الله ﷺ وأتمروا بأمره، وعرفوا ما ينهى عنه النبي ﷺ، على مراد النبي ﷺ في النهي، فحرموا على أنفسهم وعلى غيرهم ما حرمه رسول الله ﷺ.\nفقد ائتسوا برسول الله وهو يحفظ جناب التوحيد الخالص لله جل في علاه، فإن رسول الله ﷺ نهاهم عن الغلو في الصالحين، وعن بناء المساجد على القبور، حيث قال النبي ﷺ: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله).\nولما ذهب إلى بعضهم فقالوا: أنت خيرنا وابن خيرنا قال: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان) أي: لا تغلوا في أحد.\nوأيضًا: نهى سدًا للذريعة وحسمًا للمادة عن اتخاذ القبور مساجد كما سنبين.","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الغلو في الصالحين سبب للوقوع في الشرك</span>","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>أول شرك وقع في الأرض سببه الغلو في الصالحين</span>\nوالصحابة رضوان الله عليهم عبدوا الله بالتوحيد الخالص كما أمرهم النبي ﷺ، وسنرى كيف سدوا منابع الشرك، وكيف حسموا مادة الشرك ائتمارًا بأمر النبي ﷺ.\nإن أول الشرك في البشرية بأجمعها كان بسبب الغلو في الصالحين، وكما قال ابن عباس ومحمد بن كعب كما في تفسير ابن أبي حاتم وهو عند البخاري وابن جرير الطبري وابن كثير أن ابن عباس قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون على التوحيد الخالص.\nأي: لم يشرك أحد بالله جل في علاه، ثم جاء قوم نوح وكان هناك بعض الناس يعني: من الفضلاء الكبراء الذين يتعبدون لله في ذلك الزمان فكانوا يعظمونهم، فلما ماتوا زين لهم الشيطان أن يصوروا لهم التصاوير، يعني: التماثيل من أجل أن يذهبوا إلى هذه التماثيل فيتذكروا شدة اجتهادهم في عبادتهم فيعبدون الله كما كان يعبده أولئك فكأنها تشد الهمم.\nوانظروا إلى فقه الشيطان، فإنه لا يفتح للإنسان باب الشر على مصراعيه، بل يستدرج الإنسان ويفتح له باب الخير ليفتح بعده مائة باب من الشر، ولذلك كان الصحابة يسألون عن الشر حتى يغلقوا أبوابه، قال حذيفة: كان الناس يسألون النبي ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه: عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لم يعرف الشر من الخير يقع فيه فمن لا يميز بين الخير والشر سيقع في الشر حتمًا، ولهذا كان فضل العلم وفضل الفقه عظيمًا، فإن الشيطان استدرج هؤلاء الأغرار الأغمار الجهلة حتى يجتهدوا في العبادة كما اجتهد أولئك، فلما اندرس العلم ومات الذين كانوا يفعلون ذلك جاء أقوام بعدهم فقالوا: إنهم اتخذوا وسائل بينهم وبين الله شفعاء كما قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] فعبدوهم من دون الله جل في علاه.\nوهذا أول الشرك وأصله، وهو الغلو في الصالحين وبناء المساجد على قبور الصالحين.","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>أول شرك اليهود والنصارى سببه الغلو في الصالحين</span>\nوإذا نظرت إلى اليهود والنصارى وجدت أن أول الشرك فيهم كان بسبب الغلو، فترى أن اليهود والنصارى عندما غلو في الأنبياء وفي الصالحين صوروا لهم الصور، ثم بنوا عليهم القبور، فلما بنوا عليهم القبور بلغوا بهم إلى درجة الربوبية ودرجة الإلهية، ففي الصحيح عن أم حبيبة أنها لما ذكرت للنبي ﷺ الكنيسة التي رأتها في الحبشة وفيها تلك التصاوير قال النبي ﷺ: (أولئك شرار الخلق عند الله) لم يا رسول الله؟ قال: (لأنهم إذا مات فيهم الرجل الصالح صوروا له تلك التصاوير وبنوا على قبره).\nفكان أول الشرك هو الغلو في الصالحين والبناء على القبور، وقد بين لنا شيخ الإسلام كيف حسم النبي ﷺ المادة وكيف دافع عن التوحيد الخالص حتى لا تقع الأمة في الشرك، فرسول الله ﷺ أولًا حث الأمة على عدم بناء المساجد على القبور، وذم كل من فعل ذلك وهو في مرض الموت، كما في الصحيح عن عائشة أنه كانت هناك خميصة أو قطيفة في يد النبي، فطفق النبي ﷺ يجعلها في رأسه ثم إذا أفاق قال: (ألا لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك).\nثم إنه حث الأمة على البعد عن ذلك بقوله: (لتتبعن) يعني: ينكر على الأمة، والأمة اليوم والله إنها قد تاهت وضاعت وفعلت كما فعل السابقون إلا من رحم الله قال: (لتتبعن سنن الذين من قبلكم حذو القذة بالقذة).\nوفي رواية أخرى قال: (شبرًا بشر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه).\nوفي رواية قال: (ولو نكح فيهم الرجل أمه لوجد في أمته من يفعل ذلك) وقد وقع فقد وجد في هذه الأمة من زنى بأمه والعياذ بالله.\nفالنبي ﷺ يذم الفعل ويحذر ما صنعوا.\nوأيضًا: عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: قال رسول الله ﷺ: (قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك).","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>نهي النبي ﷺ عن الغلو فيه</span>\nوفي الموطأ عن النبي ﷺ قال: (لا تتخذوا قبري عيدًا) يعني: من العود، فلا تعتادوا وتنتابوا قبري ليل نهار، وهذا الذي نبينه للحجاج والمعتمرين لأن بعضهم إذا صلى الفجر قال: أنا سأسلم على النبي، السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا عمر، ثم يأتي في الظهر يسلم وفي المغرب يسلم وفي العصر يسلم، وفي العشاء يسلم، فهو يقع في البدعة ولا يدري، وقد قال النبي ﷺ: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد).\nوعلاقة الحديث بموضوعنا أن النبي ﷺ أراد حسم المادة؛ لأنهم لو عاودوا الذهاب والإياب إلى قبر النبي ﷺ سيقعون في الغلو في رسول الله، وقد حدث الغلو في رسول الله ﷺ، كما قال البوصيري: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم قال ابن رجب: هذا السفيه لم يترك لله شيئًا، أي: من جودك أنت الدنيا والآخرة، ومن علومك علم اللوح والقلم أي: علم اللوح المحفوظ من علمك يا رسول الله، وهذا من الغلو في رسول الله ﷺ.\nوبعضهم غلوا في النبي ﷺ حتى قالوا: إن النبي خلق من نور.\nوالأشد من هذا قولهم: صعد جبريل ليأخذ القرآن من أجل أن ينزل به إلى محمد فكشف الحجاب فقال محمد: منك وإليك.\nلقد جعلوا رسول الله الخالق وهو المخلوق.\nفالعود على قبر النبي ﷺ سيصل بالإنسان إلى الغلو في النبي ﷺ، والغلو في النبي ﷺ يصل به إلى الشرك بالله جل في علاه، فلذلك قال النبي ﷺ حسمًا للمادة: (لا تجعلوا قبري عيدًا).\nوكان يقول: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) والحمد لله قد كان.\nوقالت عائشة ﵂ وأرضاها: قال رسول الله ﷺ: (اشتد غضب الله على أقوام يتخذون القبور مساجد).\nوقال النبي ﷺ: (شرار الخلق عند الله من تقوم عليهم الساعة، والذين يتخذون القبور مساجد) كل هذه النواهي كانت حسمًا للمادة وسدًا للذريعة وخوفًا من وقوع الأمة في الغلو في الصالحين ببناء المساجد على قبورهم.","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>اقتداء الصحابة برسول الله في حماية جناب التوحيد</span>\nوصحابة رسول الله ﷺ حسموا المادة وسدوا الذريعة أسوة برسول الله ﷺ، فهذا علي بن أبي طالب كما في صحيح البخاري يقول لـ أبي الهياج الأسدي: (ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله ﷺ؟ ألا تجد تمثالًا إلا كسرته، أو قال: ألا تجد صنمًا إلا كسرته، ولا تجد قبرًا مشرفًا إلا سويته) فلا بد من تسوية القبور.\nوالبدع الموجودة في المقابر التي نراها من تعلية القبور وتجصيصها، وكتابة الكلمات التي لا تصح، كلها بدع تصل بالإنسان إلى الغلو في الصالحين ثم الشرك، وعلي بن أبي طالب ينتصر للتوحيد ويأتسي برسول الله ﷺ ويقول: إذا رأيت قبرًا مشرفًا لا بد أن تسويه بالأرض.\nوعمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه عندما فتح الله بلاد العراق على يده بعث إليه أبا موسى الأشعري بقوله: وجدنا قبر دانيال.\nوهو نبي من أهل الإسلام لأن الأنبياء كلهم كانوا على الإسلام، والدليل قول النبي ﷺ: (الأنبياء إخوة لعلات) أي: لأب واحد والأمهات شتى يعني: دينهم واحد وشرائعهم مختلفة، ويصدق ذلك قول الله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] هذا هو الدليل الصريح الصحيح في أن الأنبياء كلهم كانوا على دين واحد وهو دين الإسلام.\nفعندما رأوا قبر دانيال ﵇ في العراق بعثوا إلى عمر ماذا نفعل؟ انظروا إلى حسم المادة وسد الذريعة فقال عمر بن الخطاب: احفروا ثلاثة عشر قبرًا ليعمي على الناس، ثم ادفنوه ليلًا في واحد منها؛ لأنه علم أن الناس كانوا يستسقون به، والاستسقاء بالأموات ممنوع.\nفإن قيل: هل هو شرك مخرج من الملة أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الصحيح الراجح أنهم إذا استسقوا بدانيال بأن يقولوا: أنزل علينا المطر، فقد كفروا، وإذا قالوا: اللهم بجاه دانيال أنزل علينا المطر فقد ابتدعوا في دين الله بدعة مميتة، وهي وسيلة إلى الشرك.\nلكن في الأول من أي وجه أشركوا عندما قالوا لدانيال: أنزل علينا المطر؟ لاشك أن فعلهم فعل كفري، ولا يتجرأ على مسألة التكفير إلا جاهل جريء عميق الجهل؛ لكن نقول: القول قول كفري والفعل فعل كفري، والقائل والفاعل ليسا بكافرين حتى تقام عليهما الحجة وتزال الشبهة.\nوالذي يقول لدانيال: أنزل علينا المطر، أغثنا يا دانيال قد قال قولًا كفريًا صريحًا من عدة وجوه: الوجه الأول: أنه صرف العبادة لغير الله؛ لأن الدعاء عبادة لله وقد صرفها لغير الله، والقاعدة: أنه إذا ثبت في الشرع أنها عبادة لله فصرفها لغير الله شرك.\nالوجه الثاني وهو المهم: أنه أشرك في الربوبية؛ لأنه اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، فإذا اعتقد في دانيال أو اعتقد في محمد أو في إبراهيم أو في موسى أنه هو الذي ينزل المطر، فقد اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، وهذا شرك في الربوبية.\nفـ عمر بن الخطاب حسمًا للمادة وحفاظًا على جناب التوحيد عمى على الناس خبره وحفر ثلاثة عشر قبرًا، ثم دفنه ليلًا حتى لا يستسقي به الناس وحتى لا يصلوا إلى الشرك بهذا الغلو.","vol":"5","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>حكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر</span>\nمسألة: لقد منع النبي ﷺ من بناء المساجد على القبور، فهل إذا صلى فيها المرء تصح صلاته أو لا تصح، وإن كان هذا الجانب جانبًا فقهيًا أكثر منه عقديًا؛ لكن لزامًا علينا أن نبين هذه المسألة.\nفهذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين: القول الأول: أن من صلى في مسجد فيه قبر فصلاته باطلة ويجب عليه إعادة الصلاة، وهذا قول الحنابلة.\nواستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني: فهو باطل ولا يمكن أن يكون صحيحًا.\nوقول النبي ﷺ: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد) أي: باطل.\nوقالوا: مطلق النهي يقتضي الفساد، فلما نهى النبي ﷺ عن الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، فهذا النهي يدل على أن هذا العمل ليس على سنة النبي، وكل عمل ليس على سنة النبي فهو باطل مردود، وهذا القول الأول.\nأما القول الثاني فهو قول جماهير أهل العلم من الشافعية والمالكية والأحناف؛ وهو أن الصلاة صحيحة ويأثم المصلي، والإثم يكون مع العلم، فلو دخل رجل مسجدًا فيه قبر فصلى فيه وهو لا يعلم أن هذا المسجد فيه قبر لا يأثم؛ لقول النبي ﷺ: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).\nوقوله ﷿: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].\nفمن دخل مسجدًا فيه قبر وهو يعلم أن هذا المسجد فيه قبر فلا يصل فيه، فإن صلى فهو آثم؛ لأنه ارتكب نهيًا؛ ولأنه تعدى حدود الله، والنبي ﷺ نهى عن الصلاة في المساجد التي فيها قبور، فقال: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها).\nوقال النبي ﷺ كما في الصحيح: (صلوا في بيوتكم ولا تجعلوها قبورًا).\nووجه الدلالة من هذا الحديث هو: الأصل أن القبور لا يمكن أن يصلى فيها ولا يجوز أن يصلى فيها، فأنت إن لم تصل في بيتك شبهت بيتك بالقبر، ولذلك كان النبي ﷺ يصلي النوافل في البيت.\nوفي مسند أحمد بسند صحيح: أن السنة في البيت تساوي الفرض في المسجد، يعني: النافلة في البيت تضاعف على النافلة في المسجد بسبع وعشرين درجة، فكم ضيعنا من درجات، وكم فرطنا في صلاة النافلة في المسجد، وهذا تصريح من النبي ﷺ أن الصلاة في البيت كصلاة الفرض في المسجد.\nفقال الجمهور: يأثم لأنه تعدى حدود الله، وصلاته صحيحة، لأن الجهة منفكة يعني: النهي منفك عن ذات الصلاة، فإن الصلاة لها أركان وشروط، فمن أتى بالأركان وأتى بالشروط تامة فقد صحت صلاته.\nيعني: من توضأ، واستقبل القبلة، وستر العورة، وقرأ الفاتحة في كل ركعة وركع، ورفع، وسجد، ورفع من السجود، فقد أتى بالأركان وبالشروط تامة فتصح صلاته بذلك.\nإذًا: فصلاته صحيحة لأنه أتم الأركان والشروط قالوا: ويأثم لأنه تعدى النهي وبعض الحنابلة يرون أن الجهة ليست منفكة.\nومعنى قولهم (الجهة منفكة) يتبين من قول النبي ﷺ عندما أخذ الذهب والحرير: (هذان حلال لنساء أمتي حرام على ذكورها).\nفلو أن رجلًا لبس قميصًا من حرير ثم قام فصلى الظهر وقع في النهي فهل تبطل صلاته أم لا؟ قال أبو يعلى تبطل؛ لأن النهي عندهم يقتضي الفساد مطلقًا.\nوالصحيح الراجح أنها لا تبطل لأن لبس الحرير في غير الصلاة لا يجوز، وفي الصلاة لا يجوز أيضًا، فليس له علاقة بذات الصلاة، الصلاة علاقتها أن يكون فيها أركان وشروط متوفرة من استقبال القبلة وغيرها، فمن أتى بالشروط والأركان وأتمها في الصلاة صحت صلاته، وهذا الراجح الصحيح.\nوأما الرد على من استدل بقول النبي ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني: فهو باطل فنقول: قد عمل عملًا عليه أمرنا وهي الصلاة بالأركان والشروط التامة، فصحت صلاته، ثم اتخذ مكانًا ليس عليه أمرنا، وهو المسجد الذي فيه القبر، فأثم في التعدي وصحت صلاته التي تمت فيها الأركان والشروط، وهذا هو الراجح الصحيح، فتصح الصلاة حتى ولو علم أن فيه قبرًا.\nهذه آخر مسألة، والمسائل القادمة إن شاء الله ستكون في العقيدة.","vol":"5","page":8},{"text":"عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق -<span data-type=\"title\" id=toc-42> ذرائع الشرك</span>\nلقد دب الشرك في الناس بسبب غلوهم في صالحيهم وعدم أخذهم بما قاله رسول الله وبما فعله الصحابة الكرام، ولقد بلغ بهم تعظيم الصالحين مبلغًا عظيمًا حتى إنهم صوروا لهم تماثيل لأجل أن يذكروهم، فلما مات هؤلاء عبدت تلك التماثيل من دون الله ﷿، ولذلك منع رسول الله ﷺ التماثيل والتصاوير خشية أن يقع الناس فيما وقع فيه من كان قبلهم.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>صور من سد الصحابة منابع الشرك</span>","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>قطع شجرة الرضوان وإخفاء قبر دانيال</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: انتهينا إلى أن الله جل في علاه علم نبيه حفاظًا على التوحيد، وحسمًا لمادة الشرك، وسدًا لذريعة الشرك عدة أمور، كما بينا أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة إلى القبور، ونهى عن بناء المساجد على القبور، ولعن من فعل ذلك وهو في مرض موته بقوله: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك).\nوبينا أن الصحابة اقتفوا أثر النبي ﷺ، وتعبدوا لله بالتوحيد الخالص، وابتعدوا كل البعد عن الشرك، وعن وسائل الشرك، كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.\nالصورة الأولى: أن عمر بن الخطاب أخفى قبر النبي دانيال عندما وجدوه في العراق، وحفر ثلاثة عشر قبرًا تعمية عليهم؛ لأنهم كانوا يستسقون بهذا النبي.\nوحفاظًا على التوحيد أيضًا نظر عمر بن الخطاب في أناس كانوا يقتفون الأماكن التي كان يصلي فيها النبي ﷺ فضربهم عليها، وقال: أتتبعون آثار الأنبياء؟ ولما علم أن الناس يقصدون الشجرة التي حدث عندها البيعة على الموت اجتثها عن بكرة أبيها وقطعها حسمًا للمادة.","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>قصة عروس النيل</span>\nوهناك قصة لطيفة ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية، وهي أن المصريين كانوا يعتقدون اعتقاد الفراعنة، وهو أن النيل لا يجري حتى يلقوا إليه بأجمل فتاة، وكانوا يسمونها عروس النيل، فدخل عمرو بن العاص وهم يعتادون ذلك ويفعلونه فمنعهم من ذلك، فتوقف النيل عن الجريان، فبعث إلى عمر بن الخطاب فقال: السلام على أمير المؤمنين، الأمر كيت وكيت، فبعث عمر بن الخطاب بورقة مكتوب فيها: من أمير المؤمنين إلى نيل مصر -انظروا إلى التوحيد الخالص وحسم مادة الشرك- إن كنت تجري بنفسك فلا تجر، وإن كنت تجري بأمر الله فعليك أن تجري.\nلقد صنع عمرو هذا حسمًا لمادة الشرك، وسدًا لذريعة الاعتقاد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله.\nفإن كل من اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله فقد أشرك.\nفهم اعتقدوا في النيل ما لا يعتقد إلا في الله، فالذي يوقف الماء هو الله جل وعلا فهو الذي أمر موسى أن يضرب البحر فكان كالطود العظيم، فهم حين اعتقدوا في النيل ما لا يعتقد إلا في الله وقعوا في الشرك، فحسمًا لمادة الشرك وسدًا للذريعة بعث إليهم عمر بهذه الكلمات، ليعلموا أن النيل لا يجري بنفسه حتى لا يعتقدوا فيه اعتقادًا باطلًا، فإن الاعتقاد الصحيح أن النيل لا يجريه إلا رب النيل جل في علاه.\nوأيضًا: عمر بن الخطاب كان دائمًا يضرب من لا يعتقد في الله الاعتقاد الصحيح، كالذي اعتقد في القدر فإن عمر أخذه وضربه ضربًا مبرحًا حتى قال له: انتهيت انتهيت أي: رجعت إلى صوابي.","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>تسوية القبور المشرفة وبيان أن الحجر الأسود لا يضر ولا ينفع</span>\nوبعث علي بن أبي طالب أبا الهياج الأسدي وقال له: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ قال: (ألا تجد قبرًا مشرفًا إلا سويته) أي: تسويه بالأرض حتى لا يعتقد في الولي ما يعتقد في الله جل في علاه.\nوسد الذريعة من الأبواب الصحيحة التي اتخذها صحابة رسول الله ﷺ، ولذلك ترى كلًا منهم كان يقتفي أثر النبي ﷺ فيما هو شرع وعبادة، فكان عمر يطوف في البيت ويأخذ الحجر ويقبله ويقول: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك).\nلأن البقاع لا تعظم إلا بتعظيم الله جل في علاه، فهو لم يقبل الحجر تعظيمًا له، بل تعظيمًا لله جل في علاه.","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>النهي عن استلام الركن الشامي من الكعبة</span>\nلا يوجد أحد من الصحابة طاف حول مقام إبراهيم أو قبل مقام إبراهيم أو تمسح بمقام إبراهيم، بل من يفعل ذلك يضرب ويعلَّم أن هذا من أبواب الشرك.\nولذلك لما دخل معاوية وهو أمير المؤمنين ﵁ البيت وابن عباس جالس، فنظر ابن عباس فوجد معاوية يطوف ويمسح الأركان كلها، فقال له ابن عباس: ألا يكفيك أن تمسح بالركنين اليمانيين: الحجر الأسود، والركن اليماني؟ فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا، وهذا في مسند أحمد بسند صحيح، فقال له ابن عباس: إن لكم في رسول الله أسوة حسنة، فاستلم ما استلم النبي ﷺ، فقال له: صدقت! إن لكم في رسول الله أسوة حسنة.\nفـ ابن عباس يحرج على معاوية أن يمسح حجرًا لم يمسحه النبي ﷺ؛ وحتى لا يستدعيه ذلك إلى التعظيم، والتعظيم يصل بالإنسان إلى الغلو، والغلو يصل بالإنسان إلى الشرك.\nوقد اختلف العلماء هل يقبل الركن اليماني أو لا يقبل؟ والصحيح الراجح أنه لا يقبل إلا الحجر الأسود؛ لأن النبي ﷺ ما قبل إلا الحجر الأسود، ونحن ما قبلناه لتعظيمه وإنما قبلناه لتقبيل النبي ﷺ له.","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة</span>\nنهي النبي ﷺ أن تشد الرحال إلى أي مكان في الأرض إلا إلى ثلاثة أماكن، قال النبي ﷺ: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) وهذا من باب تعظيم البقاع وأنه لا تستحق بقعة في الأرض التعظيم، لا قبر ولي، ولا قبر غيره إلا المساجد الثلاثة: المسجد الأقصى، والمسجد النبوي، والمسجد الحرام، ولذلك قال النبي ﷺ كما في الصحيح: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا).\nولذلك كان ابن عمر يشد الرحال إلى بيت المقدس، فيدخل فيصلي ولا يشرب شربة من ماء، ثم يخرج قاصدًا المدينة عملًا بحديث النبي ﷺ: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد).\nوأيضًا: قال النبي ﷺ: (من خرج من بيته لا يخرجه إلا الصلاة في بيت المقدس رجع كيوم ولدته أمه).","vol":"6","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>التحذير من التصوير</span>\nفإن النبي ﷺ منع التصوير حسمًا للمادة؛ لأن النبي ﷺ بين أن المصور سيعظم، وأن الذي سيعظم سيغالى فيه، وإن غالى فيه القوم فإنهم سيعبدونه من دون الله جل في علاه.\nقال النبي ﷺ: (لعن الله المصورين) وقد ذكرت أن أصل الشرك في الأمم السابقة هو الغلو في الصالحين، وسبيله إلى ذلك هو التصوير، فقد صنعوا تماثيل للصالحين صوروهم بها كود وسواع ويغوث وغيرهم.\nفكانت التصاوير سبيلًا للغلو فيهم، ثم بعد ذلك وصلوا إلى أن أشركوا بهم مع الله جل في علاه، وسواء الصور الفوتغرافية أو غير الفوتغيرافية، والخوف منها لأسباب كثيرة منها: شرك الغلو والتعظيم، فأنت عندما تصور رجلًا تعلق هذه الصورة في بيتك فإنك ستصل بالتعليق إلى التعظيم، وإن وصلت إلى التعظيم وصلت إلى الغلو وكانت ذريعة إلى الشرك.\nوحسمًا لهذه المادة منع الله من التصوير على لسان نبيه ﷺ حيث قال النبي ﷺ: (لعن الله المصورين) وهذه اللعنة معناها الطرد من رحمة الله جل في علاه.\nوأيضًا: قال النبي ﷺ: (يؤتى بالمصور يوم القيامة فيؤمر بالنفخ في الصور بالروح وليس بنافخ)، لأنه يضاهي خلق الله بما فعل، فحسم النبي ﷺ هذه المادة، وحسم الصحابة ذلك بأنهم منعوا التصاوير والتماثيل.\nومن حسم المادة وسد الذريعة أن كل صحابي منع أن يعلو قبره في وصيته، كما أوصى علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه.\nوقد اختلف العلماء في زيارة القبور هل هي مكروهة أم مستحبة أم هي مباحة؟ وهذا الذي سنعرفه لاحقًا إن شاء الله تعالى.\nثم الكلام على القسم بالأنبياء على الله، هل يصح أو لا؟ وأنها أيضًا: وسيلة للشرك بالله جل في علاه.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.","vol":"6","page":8},{"text":"عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق -<span data-type=\"title\" id=toc-50> أقسام زيارة القبور وأحكامها</span>\nزيارة القبور مشروعة للرجال، أما النساء فقد اختلف العلماء في ذلك اختلافًا كبيرًا، ولكل فريق دليله، والراجح التحريم، وهناك زيارات بدعية للقبور وزيارات شركية يجب تجنبها.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>أقسام زيارة القبور</span>\nالحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: فإن أهل الإيمان يغلقون كل باب يصل بهم إلى الشرك والعياذ بالله، وأما أهل الأوثان فإنهم يفتحون كل باب يصل بهم إلى الشرك والعياذ بالله.\nومن أعظم الأبواب الموصلة إلى الشرك في هذه الأمة الغلو في أصحاب القبور، ثم الغلو في القبور، ولذلك كان النبي ﷺ يقول وهو في سكرات الموت: (ألا لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن هذا).\nوكان النبي ﷺ يقول: (أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة).\nومنع زيارة القبور ثم أباحها بعد ذلك عندما وجد أن الله قد أتم التوحيد للناس، فإذا عادت الذرائع فنحن نمنع من الزيارة، فزيارة القبور على ثلاثة أنواع: زيارة شرعية.\nوزيارة بدعية.\nوزيارة شركية.","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>الزيارة الشرعية للقبور</span>\nأما الزيارة الشرعية فهي التي كان قد منعها النبي ﷺ خوفًا من الاعتقاد في المقبور، كما كان أهل الجاهلية يعتقدون في بعض الأموات، كالذي كان يلت السويق للحجيج، وكما قال ابن عباس ﵁ وأرضاه، واتخذوا صنمه إلهًا يعبدونه من دون الله، فكان النبي ﷺ يحسم هذا الأمر في أول الإسلام، ثم بعد ذلك أباح لهم زيارة القبور وبين العلة فقال: (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها تذكر الآخرة أو تذكر بالموت).\nفيرق القلب وتدمع العين عند زيارة القبور، ولذلك أفسح النبي ﷺ المجال لمن يزور القبور وهو معتقد الاعتقاد السديد بأن المقبور لا ينفع ولا يضر.\nومن العلل أيضًا انتفاع الرجل المؤمن بالله جل في علاه وانتفاع الميت، أما انتفاع الموحد وذلك بأنه سيدخل إلى المقبرة فيؤدي حق الله وحق المقبور، أما تأدية حق الله فإنه عندما يذهب إلى المقبرة يعلم أن الموت بيد الله، وأن الله هو الآخر ﷾، وأن الله هو مكون الكون، ثم يرفع يديه ويدعو الله جل في علاه بالإحسان إلى أخيه، فيفوز بالتوحيد ويفوز بالإحسان إلى أخيه، ويرجع ذلك إليه لقول الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] فينتفع المقبور بدعاء هذا الحي، والحي أيضًا يتذكر ويتدبر بأنه نازل إلى هذا القبر كما نزل صاحبه.","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>حكم زيارة القبور للنساء، وأقوال العلماء في ذلك</span>\nهل الزيارة الشرعية عامة للنساء والرجال، أم خاصة بالرجال فقط؟ وهذا معترك قوي جدًا بين العلماء، فقد اختلف العلماء في ذلك اختلافًا شديدًا: فالقول الأول: هو أن زيارة القبور خاصة للرجال محرمة على النساء، وهذا القول تبناه بعض الشافعية وبعض الحنابلة، وهو ترجيح لشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.\nوأدلتهم في ذلك كثيرة منها: حديث الترمذي قال النبي ﷺ: (لعن الله زائرات القبور) وهذا الحديث فيه ضعف، فـ أبو صالح مولى أم هانئ راوي هذا الحديث عن ابن عباس رجل ضعيف اتفقوا على ضعفه، فالحديث ضعيف لكن يستدلون به.\nووجه الدلالة من التحريم اللعن، فإنه لا يطرد أحد من رحمة الله إلا وقد فعل محرمًا بل كبيرة، ومن العلماء من ضبط الكبائر بأنها ما رتب على فعلها لعن.\nالدليل الثاني: قول النبي ﷺ: (لعن الله زوارات القبور) وهذا الحديث صحيح وليس فيه ضعف، فقد اتفق المخالف والموافق على صحة هذا الحديث.\nلكن هذا الحديث وجه الدلالة منه ضعيفة؛ لأن النبي ﷺ يقول: (لعن الله زوارات القبور) وهذه صيغة مبالغة وصيغة المبالغة فيها دلالة على التكرار، يعني: أن المرأة لو ذهبت مرة أو مرتين فليس في ذلك شيء، لكن إذا استمرت على زيارة القبور فهي ملعونة لحديث النبي ﷺ: (لعن الله زوارات القبور).\nلكن بعض الشافعية ضبطه لغة فقال: زوارات القبور بالضم بمعنى زائرات، وبهذا يعضد الحديث الأول.\nالدليل الثالث: حديث أم عطية قالت: (نهينا عن اتباع الجنائز)، وجه الدلالة في هذا الحديث أن الأصل في النهي التحريم، وبما أن النبي ﷺ نهى عن اتباع الجنائز فمن باب أولى أن يمنع زيارة القبور، فهذه فيها دلالة من باب القياس الجلي أو من باب أولى.\nالقول الثاني: قالوا بالكراهة: والفرق بين القول الأول والقول الثاني هو أن أصحاب القول الأول يؤثمون من زار، وأصحاب القول الثاني لا يؤثمون من زار، وعلى هذا عامة الشافعية والحنابلة.\nواستدلوا على ذلك بأدلة منها: قول أم عطية: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) فقالوا: إن قولها: (لم يعزم علينا) صرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة.\nالقول الثالث: يقولون بجواز زيارة القبور للنساء: واستدلوا بأدلة من السنة والكتاب أيضًا، فمنها أولًا: أن النبي ﷺ كما في الصحيح مر بامرأة على قبر وهي تبكي ولدها، فقال لها النبي ﷺ: (اتقي الله واصبري.\nفقالت: إليك عني إنك لم تصب مصيبتي.\nفتركها النبي ﷺ فقال أحدهم: أما علمتِ أنه رسول الله ﷺ؟ فذهبت إليه تعتذر فلم يقبل عذرها وقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى).\nووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي ﷺ ما نهاها عن زيارة القبور، فلما لم ينهها عن ذلك دل على الجواز.\nواستدلوا أيضًا بحديث عائشة ﵂ وأرضاها، والحديث في الصحيح والسنن: (أن النبي ﷺ كان في ليلتها فانسل فذهب إلى البقيع فارتدت ثيابها وخرجت خلف النبي ﷺ مسرعة، فوجدت رسول الله ﷺ عند أهل البقيع يرفع يديه ويدعو الله جل في علاه، فاستدار النبي ﷺ، فاستدارت، فأسرعت وأسرع النبي ﷺ خلفها، حتى دخل خلفها ﷺ فقال: أنتِ السواد الذي كان أمامي؟ قالت: نعم يا رسول الله قال: أخفت أن يحيف عليك الله ورسوله؟ ثم قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! إني خشيت أن تذهب إلى زوجة من زوجاتك، فقال: إنه جاءني جبريل فقال: يأمرك ربك أن تذهب إلى أهل البقيع فتدعو لهم.\nفقالت: يا رسول الله ماذا أقول إذا أتيت القبور؟ قال: قولي: السلام عليكم دار قوم مؤمنين أتاكم ما توعدون وإنا بكم إن شاء الله للاحقون) إلى آخر الروايات.\nالأمر الثاني: أن عائشة ﵂ وأرضاها زارت قبر أخيها، وهذا فعل صحابي.\nوالثالث: أن فاطمة كانت تزور قبر حمزة كل جمعة.\nالقول الرابع: استحباب زيارة القبور للنساء: وهذا دليله من الأثر ومن النظر، أما الأثر فقالوا: قال النبي ﷺ: (إني كنت قد منعتكم من زيارة القبور ألا فزوروها) وهذا أمر، وهذا الأمر أقل أحواله أن يكون على الاستحباب، فالأمر أصلًا للوجوب إلا أن يصرفه صارف وقد ورد الصارف.\nالثاني من النظر: أن النبي ﷺ بين العلة، فقال: (فإنها تذكركم الآخرة) وهذا عام للرجال والنساء، وعليه فيستحب للمرأة أيضًا أن تذهب إلى القبر حتى تتذكر الموت وتتذكر الآخرة، فتكون من اللائي يسارعن في طاعة الله جل في علاه.","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>القول الراجح في حكم زيارة النساء للمقابر</span>\nوالصحيح الراجح في ذلك تحريم زيارة القبور للنساء للأدلة الظاهرة جدًا في التحريم: أولها: حديث النبي ﷺ: (لعن الله زوارات القبور).\nفأنا أقول: وإن كانت الصيغة صيغة مبالغة وأن التكرار هو الذي يدخلها في اللعن فإن ابتداء الذهاب ذريعة للتكرار والوسائل لها أحكام المقاصد، فلا بد أن تمنع من الأول.\nوالدليل الأوضح من ذلك والأصرح هو حديث أم عطية قالت: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) وظاهر النهي التحريم، ولا يحتاج تحريم النبي إلى تأكيد، فإذا قال لك النبي: لا تفعل، فعليك أن تقول: سمعت وأطعت وهذا حرام لا أفعله، فهذا ظاهر قول النبي ﷺ: (نهينا) يعني: لا تفعلن ولا تذهبن، فهذه دلالة واضحة من أم عطية على أن النبي ﷺ نهى عن زيارة القبور.\nالدليل الثالث: من النظر، وهو أن هناك مفاسد عظيمة عند ذهاب المرأة إلى القبور، فإن ذهاب المرأة إلى القبور يؤدي إلى فتنة الرجال، فينظرون إلى عينها، ووجهها، ويدها، أو ينظرون لبكاء المرأة، فيفتنون بها، وفي هذا مصادمة لمقاصد الشريعة.\nالأمر الثاني: أنها لو ذهبت فلن تتذكر الآخرة، بل لن تصبر على أقدار الله، وستتسخط على أقدار الله.\nوهذا الغالب في النساء، فالضعف فيهن معروف، ويظهر ذلك جليًا في قصة المرأة التي قالت للنبي: (إليك عني)، فهي وإن كانت لا تعرفه لكنها لم تقبل النصيحة، فهو يقول لها: (اتقي الله واصبري) وهي ترد على رسول الله ﷺ أمره.\nفالنساء الأصل فيهن الضعف، فيغلب على عقولهن التسخط على أقدار الله جل في علاه وينطقن بكلمات الكفر إذا ذهبن، وفي هذا أيضًا مصادمة لمقاصد الشريعة.\nالثالث: أنه لا فائدة من ذهابها، فإذا كان النبي ﷺ نهاها عن الاتباع، فالنهي عن الزيارة أشد وأقوى.\nفهذه كلها أدلة تثبت أن الأقرب إلى الصواب هو تحريم زيارة المرأة للقبور.","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الرد على المخالفين</span>\nأما الرد على المخالفين في ذلك فنقول: أولًا: الذين قالوا بالكراهة قالوا بحديث: (نهينا ولم يعزم علينا) فنقول: نهي النبي لا يحتاج إلى تأكيد، فإذا قال النبي ﷺ: لا تذهبي أو لا تتبعي فلا يحتاج أن يؤكد ذلك، ولا صارف هنا عن النهي إلى الكراهة، بل يبقى على أصله وهو التحريم.\nوأما الرد على الذين يقولون بالجواز، فإنهم استدلوا بأن النبي ﷺ مر على امرأة وهي تبكي فلم ينهها.\nفنقول: الإجابة على هذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: أن النبي ﷺ قال لها: (اتقي الله) وتقوى الله فعل المأمور وترك المحظور، وقد نهاها النبي ﷺ عن اتباع الجنائز ولعن من زارت القبور، فتقوى الله لا تكمل إلا بالانتهاء عن زيارة القبور التي نهى عنها النبي ﷺ، فيكون إجمالًا قد نهى النبي ﷺ المرأة عن زيارة القبور بقوله: (اتقي الله).\nالوجه الثاني: أن هناك مفسدتين: مفسدة الزيارة، ومفسدة خروج المرأة عن شعورها بشق الجيوب ولطم الخدود والتسخط على أقدار الله، فإذا تزاحما قدم أشدهما نكارة.\nفالنبي وجد المرأة عند القبر فعلت أمرين محظورين الأول: أنها زارت القبر، والثاني: أنها تبكي وتتسخط على أقدار الله جل في علاه، فقدم النبي ﷺ الأهم على المهم وقال: (اتقي الله واصبري) يعني: لا تتسخطي، (إنما الصبر عند الصدمة الأولى).\nوإن قلنا بأنه لم ينه فهذه واقعة عين، ووقائع الأعيان لا تعمم، فلعله تركها لأنه لو نهاها عن زيارة القبور بعد أن قال لها: (اتقي الله واصبري) أن تسب أو تخرج عن شعورها فتتكلم مع النبي ﷺ بما لا يليق.\nواستشهدوا بحديث عائشة وأنها قالت: (ماذا أقول لهم؟) ففيه دلالة أنه لما علمها الدعاء أنها تزور، وهذه دلالة ليست أيضًا بقوية؛ إذ إننا نقول: يحتمل أن النبي ﷺ علمها إذا مرت بالقبور أن تقول هذا الدعاء، وليس بلازم أن نقول إنها تزور فتقول هذا الدعاء.\nوهناك دليل على أن الإنسان لو مر على المقابر ولم يدخل إليها أن يقول هذا الدعاء، وهو قول النبي ﷺ: (إذا مررتم بقبور المشركين فقولوا: أبشروا بما يسوءكم، ستجرون على وجوهكم وبطونكم إلى نار جهنم) فهذا فيه دلالة على أنك إذا تكلمت بهذا الكلام وأنت مار فسوف يسمع أصحاب القبور ما تكلمت به، إذًا هذا الحديث يحتمل أنه للمرور ويحتمل أنه للزيارة، وقد جاءت الأدلة تمنع الاحتمال الثاني، فيبقى الاحتمال الأول وهو المرور.\nأما دليلهم الثالث وهو زيارة عائشة لقبر أخيها، فالرد عليه: أن عائشة ﵂ وأرضاها ما سافرت قاصدة قبر أخيها، وقد جاء في بعض الروايات -وإن كان فيها ضعف- أنها قالت: لو شهدته ما زرته، يعني: لو شهدت موته وصليت عليه مثلًا ودعوت له ما ذهبت إلى قبره.\nفيحتمل أنها ذهبت من لوعة الأسى الذي في قلبها من أجله لأجل أن تصلي عليه أو ذهبت تدعو له.\nوإن لم يرض المخالفون بهذا الرد فنقول: فعلت عائشة هذا، وفعل عائشة يصادم قول النبي، والحجة كل الحجة في قول رسول الله ﷺ.\nأما حديث فاطمة وأنها كانت تذهب كل جمعة فهو حديث ضعيف لا حجة فيه.\nفإذًا: لا يبقى لهم حجة يحتجون بها.\nوالذين قالوا بالاستحباب قالوا بقول النبي ﷺ: (نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها).\nفنقول: قول رسول الله ﷺ: (فزوروها) هذا اللفظ نقل النووي قال: هذا اللفظ خاص بالرجال ولا يدخل فيه النساء بالاتفاق.\nلكن لمعترض أن يقول: هذا تغليب للرجال ويمكن أن يدخل تحته النساء لحديث النبي ﷺ: (النساء شقائق الرجال في الأحكام) فهذا ظاهر جدًا في أنهن يدخلن في قول النبي ﷺ: (ألا فزوروها).\nفنقول: نعم، يدخلن في قول النبي ﷺ: (ألا فزوروها)، لكن جاء المانع الذي يمنع دخولهن وهو قول النبي ﷺ: (لعن الله زوارات القبور)، وأيضًا قول أم عطية: (نهينا عن اتباع الجنائز).","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>حكم صلاة المرأة على الجنازة</span>\nفإذا قلنا بأن هذا هو الراجح وأن الأدلة الأخرى كلها أدلة محتملة، فإننا نقول: هل للمرأة أن تصلي على الجنازة إن منعت من الإتباع ومنعت من الزيارة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، لها أن تصلي وقد ورد عن الصحابة الكرام وعن نساء الصحابة أنهن كن يصلين على الأموات.\nفللمرأة أن تدخل المسجد قبل أن يصلي الرجال فتصلي على الميت، أو تكون المرأة في آخر المسجد أو في مكان مستور فتصلي بصلاة الإمام على الجنازة.\nفلهن الصلاة وليس لهن الزيارة واتباع الجنائز؛ لقول النبي ﷺ بالتصريح: (لعن الله زوارات القبور)، ولموافقة مقاصد الشريعة؛ لأن المرأة ضعيفة العقل والقلب، فإذا ذهبت وقعت في كل المحظورات من شق الجيوب، ولطم الخدود، والتسخط على أقدار الله جل في علاه.\nوهذا واقع نعيشه، وقد رأيت امرأة دخلت المقبرة وأبوها سيدفن فنظرت إلى السماء ففعلت فعلة كفرت بها في لحظتها ولو ماتت لدخلت النار خالدة مخلدة، فليس فيها حجة ولا شيء -والعياذ بالله- وهذه المرأة مسلمة، فانظروا كيف تفعل، فالمرأة لا يمكن أن تتمالك نفسها خاصة إذا وجدت الرعاع والجاهلات اللاتي يثرن الشغب في القبور، فهذه مصادمة صريحة لمقاصد الشريعة، وفيها إظهار بأن زيارة القبور للمرأة لا تصح ولا تجوز.","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>الزيارة البدعية للقبور وصورها</span>\nالنوع الثاني من الزيارة: الزيارة البدعية: والزيارة البدعية أصلها مشروع وهيئتها محدثة، فالأصل في زيارة القبور أن يرق فيها القلب، وتدمع بها العين، ويتذكر الموت والآخرة فهذه مشروعة، لكن يأتي أحدهم بهيئة مستحدثة مبتدعة كأن يشد الرحل إلى المقبور لزيارته، كالذين يذهبون إلى البدوي أو إلى أبي العباس، أو إلى أبي الدرداء، فهذا كله يعتبر من البدع المنكرات؛ لقول النبي ﷺ: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد).\nفلا يمكن أن تعظم بقعة من بقاع الأرض لأحد فيها ولا لشيء فيها إلا ثلاثة مساجد: المسجد الأقصى، والمسجد النبوي، ومسجد الكعبة.\nوأيضًا من المستحدثات: أن يدخل المرء إلى هذا القبر لبنائه وتعليته، ناهيك عن الكتابات التي تحدث كالمغفور والمرحوم المتصدق وغير ذلك من التفاخر المعلوم، فهذا أيضًا من البدع.\nوإيقاد السرج على القبور من المحدثات التي تجعل الزيارة بدعية.\nمن هذه أيضًا: أن يذهب المرء للمقبور ليستغفر لهذا الزائر الذي يدخل عليه، كما يدخل على النبي ﷺ فيقول: يا رسول الله! استغفر لي ربي، أو استغفر لي ربك.\nفهذه من الزيارة البدعية أو الشركية؛ لأنها مخالفة لفعل النبي والصحابة والسلف ولا دليل عليها.\nلكن أبى علينا الذين يفعلون ذلك وقالوا: عندنا أدلة من الكتاب ومن الأثر: أولًا: قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤] فهذه الآية فيها دلالة على ما نريد، ووجه الدلالة من هذه الآية أنها على العموم سواء كان حيًا أو ميتًا.\nويرد عليهم في هذا بأن نقول: هناك فارق في اللغة بين إذ وإذا، فإذا ظرف زمان للمستقبل، أما إذ فظرف زمان للماضي، فقول الله جل في علاه: «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ» يعني في الماضي، وقول الله تعالى: «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ» يعني: حال حياته؛ لأن إذ ظرف زمان للماضي، ويكون معنى الآية: لغفر الله لهم.\nواستدلوا من الأثر بأن الأعرابي الذي جاء للنبي في قبره وقال: يا رسول الله، إني أقرأ الآيات: «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ» ثم قال: يا رسول الله، استغفر لي الله.\nفكان هناك من ينام عند قبر النبي فرأى رسول الله ﷺ أتاه في المنام فقال: (اذهب إلى هذا الأعرابي فقل له: قد غفر الله لك)، واحتجوا بهذه القصة.\nفنقول لهم: أحكام الشرع لا تناط بحال من الأحوال بهذه الرؤيا المنامية، بل أحكام الشرع تناط بقال الله قال رسوله ﷺ، ناهيك عن أن الصحابة لم يفعلوا ذلك، والتابعون ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين لم يفعلوا ذلك.\nفثبت أن هذه التوسلات أو هذه الاستدلالات كلها باطلة، وأن هذه الزيارة بدعية، وأن الذي يذهب إلى رسول الله مدعيًا حياة النبي نقول له: حياة النبي حياة برزخية لا تقاس على الحياة الدنيوية، ورسول الله ﷺ لا يملك لنفسه شيئًا حتى يملك لك شيئًا فيستغفر لك الله جل في علاه.\nولذلك النبي ﷺ لم يبين لأمته أن يذهبوا إلى قبره بعد مماته فيطلبوا منه الاستغفار لهم، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، فلما لم يفعلوا دل ذلك على أنه ليس بمشروع.","vol":"7","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>الزيارة الشركية وصورها</span>\nوالزيارة الشركية هي أن يقصد بالرحلة إلى القبور الاستغاثة بالمقبور أو دعائه، فيصرف عبادة محضة لله لغير الله، بأن يسجد لهذا المقبور أو يستغيث به، أو يقول: اعف عني، اغفر لي، اشفني، ارزقني، أعطني، امنحني، أغثني.\nفكل هذه عبادات تصرف لله، فيصرفها لغير الله، فتكون هذه زيارة شركية.\nأو يحج لهذا المقبور؛ لأن الحج هو السفر قاصدًا تعظيم البقعة التي سيسافر إليها، فالذين يسافرون إلى البدوي فهذا يعتبر حجًا للبدوي وتعظيمًا لمكانه، فهذه زيارة شركية، ناهيك عن الطواف الذي يحدث.\nفالطواف بالقبر أيضًا من الشرك الأكبر، فلذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: الطواف بالقبر بدعة.\nوالدليل على أن الطواف بالقبر شرك أكبر هو أن الطواف بالكعبة عبادة، فإن كان هو عبادة فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك، وهذه الزيارة الشركية تخرج من الملة، ولا بد أن يحفظ الإنسان جناب التوحيد، ويبعد عن أي مسجد فيه قبر أو فيه معظم غير الله وغير رسوله ﷺ.","vol":"7","page":9},{"text":"عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق -<span data-type=\"title\" id=toc-59> الشفاعة</span>\nالشفاعة حق كامل لله ﷾، فلا أحد يشفع عنده إلا إذا وجد معه ركنا الشفاعة، فإن للشفاعة عند الله ركنين لا يمكن لأحد أن يشفع عنده إذا لم يتوافر هذان الركنان معه: الركن الأول: أن يرضى رب العالمين عن المشفوع له، فلا يمكن أن تكون الشفاعة في أهل الشرك والكافرين؛ لأن الله ﷾ لا يرضى عنهم.\nالركن الثاني: الإذن للشافع، فلا يشفع أحد عند الله ﷾ إلا بإذنه.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>تعريف الشفاعة لغةً واصطلاحًا</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nنتكلم في هذا الدرس عن الشفاعة، فنقول: الشفاعة لغةً: مأخوذة من الشفع، وهو جعل الواحد اثنين، وضد الشفع هو الوتر.\nوالشفاعة شرعًا أو اصطلاحًا: هي الواسطة أو التوسط للغير عند معظم؛ لجلب خير للمشفوع له، أو دفع ضر عنه.","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>شفاعة النبي ﷺ في أهل الموقف</span>\nقبل أن أتكلم على الشفاعة أقول: إن صاحب القرن قد التقم القرن، كما قال النبي ﷺ: (التقم صاحب القرن القرن، وأصغى ليؤذن له)، فإذا نفخ النفخة الأولى، صعق جميع الناس، وإذا نفخ في الصور النفخة الثانية فإذا الناس قيام ينظرون.\nوكلهم يحشرون على أرض غير هذه الأرض وسماء غير هذه السماء، ويحشر الناس حفاة عراة غرلًا، أي: غير مختونين، ويبلغ العطش منهم مبلغه، ويشتد عليهم الكرب.\nوعائشة ﵂ اندهشت عندما سمعت هذه الأوصاف من رسول الله ﷺ وقالت: (يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضنا إلى بعض، فقال: يا ابنة الصديق، الأمر أشد من ذلك).\nأي: أن الشمس تدنو من الرءوس قدر ميل، فيبدأ العرق يتصبب من الناس، فمنهم من يصل العرق إلى كعبيه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى حقويه، ومنهم من يصل إلى صدره، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا.\nفيشتد الأمر عليهم، كما وصف الله جل في علاه ذلك الموقف فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢].\nسكارى يتخبطون يقولون: ألا تدعون ربنا يكشف عنا هذه الكربة؟ ألا تشعرون بما نحن فيه من كرب شديد؟! فيجتمع رأيهم على أن يستشفعوا عند الله، ثم يقولون: من هو الذي يشفع لنا عند الله؟ فيذكرون آدم ﵇ ويقولون: آدم عبد خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، فيذهبون إلى آدم فيقولون: يا آدم، أنت خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما بلغ بنا من الكرب، فاشفع لنا عند ربك؛ ليخفف عنا ويفصل بيننا؟ فيقول آدم: أنا لست لها، لكن اذهبوا إلى نوح فإنه أول رسول أرسل إلى الأرض.\nفيذهبون إلى نوح ﵇، فيقول: لست لها، ويذكر خطيئته، لكن اذهبوا إلى إبراهيم أبي الأنبياء.\nفيذهبون إلى إبراهيم فيحيلهم على موسى، وموسى يحيلهم على عيسى، وكل نبي يقول: لست لها لست لها، اذهبوا إلى فلان، ثم يقول عيسى ﵇: اذهبوا إلى محمد ﷺ.\nفيقول ﵊: أنا لها، أنا لها، فيذهب ﷺ إلى تحت العرش فيسجد، وهذا هو المقام المحمود؛ تكرمة من الله لمحمد ﷺ على رءوس الخلائق، أن الله جل في علاه لا يقبل أحدًا يشفع لفصل القضاء بين الناس إلا محمدًا ﷺ.\nفيأتي ﷺ، فيخر ساجدًا فيعلمه الله محامد يثني عليه بها، فيقال له: يا محمد، ارفع رأسك وسل تعطه، واشفع تشفع، فعند ذلك يرفع رأسه ﷺ ويطلب من الله ﷾ أن يأتي لفصل القضاء بين العباد.\nويأتي الله جل في علاه فيفصل بين العباد، وأول من يفصل الله جل في علاه بينهم الأمة الإسلامية.\nثم يضرب الجسر على متن جهنم، كما قال النبي ﷺ، والجسر: هو الصراط الذي يعبرون عليه إلى الجنة فمنهم من يجتازه كطرفة عين، ومنهم من يهوي في جهنم والعياذ بالله.\nوهو أدق من الشعرة وأحد من السيف، فيه كلاليب -أي: خطاطيف- تخطف الناس، هذه الكلاليب وصفها النبي ﷺ بأنها كشوك السعدان، وهي إذا أخذت بيد أحد أو برجله، فلن يفلت منها، بل لا بد أن تنزل به إلى نار جهنم والعياذ بالله.\nوفي هذا الموقف العظيم لا أحد من الناس يتكلم إلا الرسل، يقولون: (اللهم سلم سلم)، هذه مقولة إبراهيم ونوح وموسى وعيسى وأولي العزم من الرسل.\nويصف النبي ﷺ عبور الناس على الصراط، فالمؤمنون الخلص الذين أطاعوا ربهم وأدوا الفرائض، وانتهوا عن المحرمات، فإنهم يمرون كطرفة عين، وكأجاويد الخيل، وكالريح المرسلة.\nوقد ذكر النبي ﷺ أن أول أمة يعبرون الصراط هي الأمة الإسلامية؛ ولذلك قال النبي ﷺ: (أنا وأمتي أول من يجيز الصراط) والحمد لله على أن جعلنا من أمة محمد ﷺ.\nفمنهم من يجتاز الصراط كطرفة عين، ومنهم من يجتازه كالريح المرسلة، ومنهم من يجتازه كأجاويد الخيل، وكالطير، ومنهم من يمشي، ومنهم من يزحف، وآخر هذه الأمة عبورًا على الصراط هو من يحبو على الصراط، ومنهم المكردس، ومنهم الذي تخطفه الكلاليب، ومنهم الذي يخدش لكن ينجو بفضل الله عليه.\nوقد فسر ابن مسعود ﵁ قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] حيث قال: هو المرور على الصراط.\nإذًا: يأتي محمد ﷺ فيشفع في الخلائق الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود الذي وعده ربه جل وعلا.","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>معنى كون الشفاعة كلها لله جل وعلا</span>\nهناك أصل مهم في موضوع الشفاعة يجب أن يعلم، وهو: أن الشفاعة كلها لله جل في علاه، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤].\nفالأصل أن الشفاعة كلها لله جل في علاه، فإذا كانت الشفاعة لله جل في علاه، فإنه لن يأذن الله ﷾ لأحد أن يشفع إلا بالشروط التي بينها الله جل في علاه، ولا يمكن لأحد أن يشفع دون إذن من الله جل في علاه؛ للفارق بين الخالق والمخلوق، فالمخلوق لك أن تشفع عنده دون أن تستأذنه لو كان لك الحظوة عنده ولك المكانة.","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>أنواع الشفاعة</span>\nوالشفاعة شفاعتان: شفاعة مثبتة، وشفاعة منفية.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>الشفاعة المنفية</span>\nالشفاعة المنفية: هي الشفاعة لأهل الشرك، لا يمكن أن يقبل الله الشفاعة لأهل الشرك، والأدلة على ذلك كثيرة وجلية من الكتاب والسنة.\nأما من الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤] فنفى جميع أنواع الشفاعة، سواء لأهل الشرك أو لغيرهم، ولكن المقصود هنا نفي الشفاعة للكافرين وأهل الشرك، لأن هذا مجمل سيفسر بعد ذلك بآيات أخر أنه لا شفاعة للكافرين، فلا يمكن أن تعمم الآية على الكافرين والمؤمنين.\nوأيضًا قول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:٤٧ - ٤٨]، فقوله تعالى: «وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ» دل على عدم قبول الشفاعة، وهذا أيضًا متعلق بالشفاعة للكافرين، ومن الأدلة على ذلك قول الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨].\nوأيضًا: قول الله على لسانهم وهم في النار: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١] أعوذ بالله من غضب الله.\nإذًا: الشفاعة المنفية هي الشفاعة لأهل الشرك، فلا يمكن أن يقبل الله جل في علاه شفاعة لأهل الشرك.\nوأما كون إبراهيم سيأتي يوم القيامة ليشفع في أبيه، فنقول: إنه سيتبرأ منه، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤]، فهذا ظاهر في أن إبراهيم ﵇ لا يمكن أن يشفع في أبيه.","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>الشفاعة العظمى</span>\nأما الشفاعة المثبتة، فإنها تنقسم إلى أقسام: القسم الأول: شفاعة خاصة بنبينا محمد ﷺ إكرامًا له من الله ﷾؛ لأنه أكرم الخلق على الله جل في علاه، وهذه الشفاعة على ثلاثة أنواع: النوع الأول: الشفاعة في أهل الموقف، وهذه خاصة بنبينا ﷺ؛ لأن الناس عندما يشتد عليهم الكرب فيذهبون إلى كل نبي يقول كل نبي لست لها لست لها، حتى يأتوا إلى النبي ﷺ فيقول: أنا لها أنا لها، ثم يسجد تحت العرش، فيقال له: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع.\nفهذا هو المقام المحمود وهي الشفاعة الخاصة بنبينا ﷺ تكرمة له من الله.","vol":"8","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>الشفاعة في فتح باب الجنة</span>\nالنوع الثاني: شفاعته ﷺ لأهل الجنة بأن يدخلوها، أي: في فتح باب الجنة.\nوهذه الشفاعة تبين لنا كيف أن الإنسان لا يمكن أن يرضي ربه، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يقبله الله إلا إذا أتى خلف النبي ﷺ مقتفيًا أثره، فحتى بعدما قضى الله بين العباد وبعدما قضى لأهل الجنة بالجنة، ولأهل النار بالنار، إلا أن أهل الجنة لا يمكن أن يدخلوها ويكمل التمتع فيها إلا بعد شفاعة النبي ﷺ، كما في الصحيح: (أن النبي ﷺ يأتي على باب الجنة فيشفع لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فيقول الملك: من؟ فيقول: محمد، فيقول: نعم، بك أمرت ألا أفتح إلا لك)، فلا يدخل أحد الجنة حتى يشفع النبي ﷺ لأهلها أن يدخلوها.\nنسأل الله أن يشفعه فينا.","vol":"8","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>الشفاعة لأبي طالب</span>\nالنوع الثالث من الشفاعة الخاصة برسول الله ﷺ: شفاعته لعمه الكافر أبي طالب: مع أن الله نفى الشفاعة عن الكفار، بل ونهى عن الشفاعة للكافرين إلا شفاعة النبي ﷺ في عمه أبي طالب، فإن النبي ﷺ في ذات مرة جاءه العباس فقال: (ماذا فعلت لعمك، كان ينافح عنك ويناصرك؟ فقال: لولا أنا -يعني: لولا شفاعتي- لكان في الدرك الأسفل من النار)، فإنه بشفاعة النبي ﷺ أصبح في ضحضاح من النار، أو كما قال رسول الله ﷺ: (يلبس نعلين من نار يغلي بهما دماغه).\nفهذه شفاعة خاصة بالنبي ﷺ، وحتى هذه الشفاعة لم يقبلها الله كاملة؛ لأنها في أهل الشرك، فهي مستثناة هنا، وتكون في التخفيف عنه من العذاب وليس في العفو بالكلية.\nإذًا: الشفاعة في الأنواع الثلاثة الأولى اتفق العلماء عليها، إلا بعض المتصوفة الذين أنكروا أصالة أن يكون أبو طالب في النار، لكن سبقت كلمة أهل السنة والجماعة على الأقسام الثلاثة في الشفاعة الخاصة بالنبي ﷺ.","vol":"8","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>الشفاعة في عدم دخول النار</span>\nأما الأقسام الثلاثة التي ستأتي فما أنكرها إلا المعتزلة والخوارج، وهي التي يشترك فيها النبي ﷺ وغيره، وهي كالآتي: الشفاعة الأولى: شفاعة النبي ﷺ في أهل الكبائر الذين استحقوا النار ألا يدخلوا النار: بمعنى: أن الذين فعلوا الكبائر وغلبت سيئاتهم حسناتهم، وقد قضى الله أنهم من أهل النار، يأتي النبي ﷺ فيشفع فيهم، ويأتي المؤمنون فيشفعون فيهم، ويأتي الأنبياء والمرسلون فيشفعون فيهم، فيقبل الله هذه الشفاعة فلا يدخلهم النار.\nهذه شفاعة عظيمة جدًا في أهل الكبائر، والدليل العام على هذه المسألة قول النبي ﷺ: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي).\nوقال ﷺ: (ما من نبي إلا وكانت له دعوة مستجابة، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي) فيدخل تحتها العصاة ويدخل تحتها الأبرار.\nأيضًا يستدل لها بحديث النبي ﷺ حيث قال: (ما من رجل يصلي عليه أربعون إلا شفعهم الله فيه).\nوجه الدلالة من هذا الحديث قوله: (إلا شفعهم الله فيه) أي: أنهم يشفعون لهذا الرجل ويقبل الله شفاعتهم له.","vol":"8","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الشفاعة في رفع الدرجات</span>\nالشفاعة الثانية: شفاعته ﷺ في أناس جعل الله لهم منزلة في الجنة، أن تكون لهم منزلة أرقى وأعلى من هذه المنزلة، كرجل منحه الله منزلة عليا، وأبوه في منزلة دنيا، فالنبي ﷺ يشفع ليصل هذا الأب إلى منزلة الابن.\nويمكن أن يستدل لهذه الشفاعة بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١] وهذه الشفاعة متفق عليها أيضًا.","vol":"8","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>الشفاعة في الخروج من النار</span>\nالشفاعة الأخيرة: الشفاعة في أناس من أهل الكبائر، غلبت سيئاتهم حسناتهم ودخلوا النار، مع أنهم موحدون لكن استحقوا دخول النار لذنوبهم، فصاروا فحمًا، فيأتي النبي ﷺ والملائكة، والمؤمنون فيشفعون في هؤلاء فيخرجون من النار ثم يدخلون الجنة.\nحيث يأمر الله جل في علاه الملائكة أن تأخذهم فتلقي كل واحد منهم في نهر الحياة، فيحيا ثم يدخل الجنة بهذه الشفاعة.\nهذه الشفاعة اتفق أهل السنة والجماعة على أنها حاصلة للنبي ﷺ وللأنبياء والملائكة والمؤمنين، غير أن المعتزلة والخوارج أنكروا هذه الشفاعة.\nوالذي اشتهر في إنكار هذه الشفاعة هو مصطفى محمود، وهذا نتيجة لفكر الاعتزال، فإن المعتزلة يرون أن صاحب الكبيرة لا يمكن أن يخرج من النار، بل هو خالد مخلد في النار؛ لأن تأصيل الإيمان عند المعتزلة والخوارج تأصيل واحد، لكن يفترقان في الاسم، فالمعتزلة يقولون: صاحب الكبيرة هو في منزلة بين المنزلتين، لا نقول مؤمن ولا نقول كافر، أما الخوارج فقالوا: صاحب الكبيرة كافر خارج عن الملة، فلا يصلون عليه ولا يقبر في مقابر المسلمين، ولا يمكن أن يشفع له أحد؛ لأنه يعتبر خالدًا مخلدًا في نار جهنم، والعياذ بالله.\nوالمعتزلة أيضًا: نتيجتهم مثل هذه فإنهم يقولون: هو في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، أما في الآخرة فهو خالد مخلد في نار جهنم، والعياذ بالله.\nفهؤلاء أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر؛ لأنهم لو أقروا بها لهدمت الأصول التي بنوها على فاعل الكبيرة؛ لأن الشفاعة لا تكون إلا لأهل التوحيد وهم قد أخرجوهم من دائرة أهل التوحيد بضلال منهم.\nإذًا: هذه الشفاعة الأخيرة يشترك فيها الأنبياء والمرسلون والملائكة والمؤمنون، والدليل عليها قول النبي ﷺ في الحديث القدسي، يقول الله جل في علاه: (شفع النبيون وشفعت الملائكة وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط).\nنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهل الشفاعة، وأن يؤهلنا لشفاعة نبينا فينا.","vol":"8","page":12},{"text":"عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق -<span data-type=\"title\" id=toc-71> النذر والحلف بغير الله</span>\nلقد عظم الله ﷿ من شأن الأيمان، وجعل الحلف بغيره دليلًا على ضعف الإيمان وعدم توقير الله، وحذر النبي ﷺ من الحلف بغير الله وجعله شركًا، فلا يجوز للمسلم أن يحلف بغير الله تعالى.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>حكم النذر</span>","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>النذر عبادة</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nأيها الإخوة الكرام! نذكر مسألة تختص بالنذر، هل النذر عبادة أو ليس بعبادة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم النذر عبادة.\nوهنا لسنا بصدد الكلام على النذر، لكن أريد مسألة متعلقة بسد الذرائع التي بيناها قبل ذلك، بأن النبي ﷺ سد ذريعة الشرك، وكذلك عمر، وأبو بكر، وأصحاب رسول الله ﷺ سدوا تلك الذريعة.\nوعلى كلٍّ فالدليل على أن النذر عبادة قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ [آل عمران:٣٥].\nووجه الدلالة في الآية أنها لما نذرت طلبت من الله القبول، وقالت: «فَتَقَبَّلْ مِنِّي» فكان جوابها القبول، كما قال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران:٣٧]، وهذه الدلالة قوية جدًا على أن النذر عبادة؛ وذلك أن الله لما تقبل منها النذر دل على أن النذر مقبول عند الله فهو عبادة.\nوالدليل الآخر على أن النذر عبادة قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرا﴾ [الإنسان:٧].\nوجه الدلالة أن سياق الآية يدل على المدح لهؤلاء، والمدح دلالة على محبة الله لهذا الفعل، وما أحبه الله فهو من العبادة.","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>حكم نذر زيارة قبر النبي ﷺ أو غيره من القبور</span>\nأقول: من نذر أن يزور قبر النبي أو قبر إبراهيم، أو قبر موسى فهل يفي بنذره أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nوسيأتي بيان ذلك.\nوهذه مسألة متعلقة بسد الذرائع، وهي هل يجوز السفر أو النذر بزيارة قبر رسول الله أو لا؟ قبل الجواب أقول: لو أن امرأة نذرت وقالت: نذرت لله إن شفى مريضي لأزورن قبر، أو قالت: لأوزرن قبر إبراهيم، فهل هذا النذر يجب الوفاء به أم لا وقد قال الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان:٧] فيجب على الإنسان إذا نذر نذرًا أن يفي به؟ الجواب عما سبق: أنها إذا نذرت أن تذهب إلى المدينة، أو زيارة المدينة صح لها ذلك، أما إذا نذرت زيارة القبر فننظر إلى محل هذا النذر هل هو طاعة أم هو معصية؟ وعندي تأصيل علمي أصله لنا النبي ﷺ قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر الله أن يعصي الله فلا يعصه).\nوالجواب: أن ذلك النذر بشد الرحل لزيارة القبر معصية، والدليل قوله ﷺ: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، إذًا: لا تشد الرحال إلى قبر، ولا إلى مكان يعظم إلا ثلاثة مساجد.\nفنقول: لو نذر الزيارة للقبر فقط دون المسجد فهذا قد عصى الله ورسوله، وقد وقع في تحريم النبي ﷺ لشد الرحال إلى غير الثلاثة المساجد، فتكون معصية، فإن كانت معصية، فهو في الجانب الآخر: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه).\nفهذه لا يجوز لها السفر إلى زيارة قبر النبي ﷺ، سدًا لذريعة الشرك؛ لأن النذر بالذهاب إلى قبر النبي فيه غلو في النبي وتعظيم له ﷺ فوق قدره، وقد يصل به إلى الربوبية والألوهية كما بينا ذلك مرارًا.\nفهذه المسألة من أشهر المسائل، وجمهور الفقهاء يقولون: يجوز النذر بالسفر إلى المدينة، فهل يشمل هذا الأمر زيارة القبر أم لا؟ إذًا فجمهور الفقهاء قالوا: يجوز أن ينذروا ذلك وواجب عليهم الوفاء بهذا النذر، فنوجه قول الجمهور بتفصيل، وهو أن نقول: إن نذر أن يذهب إلى المدينة ليزور مسجد النبي ﷺ جاز له؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) وهو ذهب إلى المدينة لزيارة المسجد الحرام.\nأما إذا نذر أن يذهب إلى المدينة ليزور قباء، أو يزور البقيع، أو يزور شهداء أحد، أو يزور قبر النبي ﷺ فنقول له: لا تف بنذرك، بل يحرم عليك.","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>كفارة نذر المعصية</span>\nاختلف الفقهاء فيمن نذر المعصية هل عليه كفارة في هذا النذر أم لا؟ فجمهور العلماء يرون أنه لا كفارة عليه؛ لأن معصية الله جل في علاه لا يفي الإنسان بها ولا يطالب بالوفاء بها.\nوقال الحنابلة: إن عليه الكفارة، يعني: من نذر أن يعصي الله فلا يعصه وعليه كفارة يمين؛ لأنهم أنزلوا النذر منزلة اليمين، واستدلوا بحديث النبي ﷺ: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه، وكفارته كفارة يمين).\nولكن هذه مجملة، فهل كفارة اليمين هنا على النذر الذي هو طاعة ولم يستطع أن يفيَ به أم هي أيضًا في نذر المعصية؟ فقول الجمهور قوي جدًا، وإن كان ظاهر الحديث مع الحنابلة، لكن الجمهور عندهم وقائع أحوال ومنها: أن النبي ﷺ جاءته امرأة أو جاءه رجل فقال: إن أمي نذرت أن تمشي إلى الحج، فقال: (لتمش وتركب)، ولم يأمرها أن تكفر عن نذرها.\nوأيضًا الرجل الذي قام في الشمس وكان صائمًا ولا يتكلم فقال: (مروه فليتكلم وليستظل)، ولم يأمره بكفارة اليمين.\nفهذه فيها دلالة على أن الكفارة لا تصاحب النذر في المعصية؛ لأن الرجل وقف في الشمس وضر نفسه فهذه معصية، فأمره النبي ﷺ أن يستظل.\nوأيضًا: لما قام الرجل ساكتًا فهذه معصية؛ فأمره ألا يفعل ذلك، وهذا الفعل من النبي ﷺ فيه دلالة واضحة في وقت البيان أنه لا كفارة، فنقول: إن هذه الأحوال صرفت قول النبي ﷺ: (وكفارته كفارة يمين) من الوجوب إلى الاستحباب، فيستحب أن يكفر ولا يجب ذلك عليه.\nفالذي نذر زيارة قبر النبي ﷺ فقد نذر نذر معصية، فلا وفاء عليه، ويستحب له أن يكفر عن ذلك كفارة يمين تنزيلًا للنذر منزلة اليمين، وذلك بأن يطعم عشرة مساكين، فإن لم يكن من أصحاب المال فعليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعات وهو الأفضل أو يصومهن متفرقات، وهذه هي المسألة الأولى.","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>الحلف بغير الله تعالى</span>\nالمسألة الثانية التي تعرض لها شيخ الإسلام ابن تيمية: الحلف بغير الله، وهذه المسألة مسألة عظيمة، وينقسم الحلف إلى قسمين: قسم للخالق، وقسم للمخلوق.","vol":"9","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>لله تعالى أن يحلف بما شاء</span>\nأما قسم الخالق: فيجوز أن يقسم الله جل في علاه بما شاء من خلقه؛ لأن خلق الله دلالة على عظمة الخالق ﷾، فقد أقسم الله بالسماء وبالنجوم، وأقسم بالأنبياء وأقسم بعمر النبي ﷺ، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ [الطارق:١ - ٢].\nوقال الله جل في علاه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:١ - ٢].\nوأيضًا: أقسم الله جل وعلا بيوم القيامة: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:١].\nوأيضًا: أقسم بالشمس: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس:١ - ٤].\nوأقسم الله جل في علاه بالجبل فقال: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١ - ٣].\nوأقسم الله جل في علاه بعمر النبي ﷺ، ولم يقسم الله بعمر أحد من أنبيائه إلا بعمر رسول الله ﷺ، فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢].\nأقسم بعمر النبي ﷺ تعظيمًا لعمره؛ لأن الدنيا كلها أشرقت بشمس الإسلام الذي جاء به النبي ﷺ.\nفالله جل في علاه يقسم بما شاء: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].\nوأما القسم من المخلوق: فحرم الله عليه أن يقسم بأحد غير الله جل في علاه.","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>تعريف القسم لغة وشرعًا</span>\nالقسم معناه: التعظيم للمقسم به على شيء يؤكده صاحبه.\nوالقسم شرعًا: تأكيد الحكم بذكر المعظم على وجه مخصوص، أو توكيد الحكم بذكر معظم على وجه مخصوص.\nويكون القسم بالباء أو التاء أو الواو؛ لأن حروف القسم أن تقول: بالله وتالله ووالله.\nفالقسم إذا كان تعريفه توكيد الحكم بذكر معظم فلا معظم فوق عظمة الرب جل في علاه، فعلى المرء أن يعظم الله في يمينه.","vol":"9","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>حكم القسم بغير الله تعالى</span>\nالقسم بغير الله شرك، وهذا الشرك هل هو شرك أكبر أو شرك أصغر؟ هذا الذي سنبينه.\nإن النبي ﷺ بين أن القسم بغير الله شرك، فقال: (من حلف بغير الله فقد أشرك).\nوفي رواية: (من حلف بغير الله فقد كفر)، هذه رواية الحاكم أو غيره.\nوأيضًا: النبي ﷺ عندما سمع عمر وهو يحلف بأبيه فقال له: (من كان حالفًا فليحف بالله).\nأو قال: (لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله)؛ ولذلك عمر قال: والله ما ذكرت ذلك آثرًا ولا ذاكرًا.\nوكان عمر يحلف بأبيه، وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك تعظيمًا للآباء، فقال النبي ﷺ زاجرًا عمر: (لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله).\nوقول عمر (منذ أن قال لي رسول الله ﷺ ذلك ما حلفت بغير الله ذاكرًا ولا آثرًا) أي: لم يذكر أنه أقسم بغير الله جل في علاه.\nولا آثرًا: يعني لم يؤثر عن غيره القسم، يعني: ما حكى عن غيره أنه كان يقول: واللات والعزى، وذلك لتعظيم منزلة القسم.\nوفي الصحيح عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه أنه قال: لأن أحلف بالله كاذبًا خير لي من أن أحلف بغير الله صادقًا.\nلأن الحلف بالله كاذبًا يعتبر معصية كبيرة، ولكن الحلف بغير الله يعتبر شركًا، فهذا الشرك أكبر من الكبيرة، مع أن الحلف بالله كاذبًا معصية ليست بالهينة.\nوكان ابن عباس يفسر قول الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣] قال: يقول أحدهم: وحياتي وحياتك.\nوهذا فيه دلالة على أن القسم بغير الله من الشرك، والشرك أعظم من الكبائر، والقسم بغير الله هل هو شرك أكبر أم شرك أصغر؟ القاعدة عند العلماء: أنه إذا جاء الشرك أو الكفر تنكيرًا لا تعريفًا فهذه تدل على أنه شرك أصغر، وهذا في الأصل إلا أن يدل الدليل على أنه من الشرك الأكبر.\nوإذا جاء معرفًا وقع على الشرك الأكبر ما لم تدل القرينة على أنه من الشرك الأصغر، كقول النبي ﷺ: (بين المرء والكفر أو الشرك ترك الصلاة) فهنا الكفر أو الشرك جاء معرفًا، فيكون الأصل فيه هو الكفر الأكبر والشرك الأكبر.\nأما قول النبي ﷺ: (من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر)، فهو منكر، فالأصل فيه أنه كفر أصغر، وهذا هو الراجح الصحيح، أن القسم بغير الله شرك أصغر.","vol":"9","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الدلالة على أن القسم بغير الله شرك أصغر</span>\nهناك دلالات تبين أنالحلف بغير الله شرك أصغر؛ لأن النبي ﷺ جعل له كفارة، والشرك الأكبر ليس له كفارة إلا أن يتوب منه ويعود إلى الإسلام؛ ولذلك قال النبي ﷺ كما في سنن أبي داود وأصله في الصحيح: (من قال لأخيه: تعال أقامرك فليتصدق، ومن حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله)، كفارة ذلك أن يقول: لا إله إلا الله.\nكذلك القسم بغير الله ذريعة للشرك الأكبر؛ لأنه وسيلة إلى تعظيم المحلوف به، فيكون شركًا أكبر إذا اعتقد في المقسم به ما لا يعتقد إلا في الله، كغلاة الصوفية الذين يظهر فيهم التعظيم لغير الله جل في علاه، فإذا قلت لأحدهم: احلف بالله على مسألة كذا حلف بالله كأنه لا يخشى الله، وكأنه لا يعتقد بأن الله قادر على أن يصرف لسانه، أو أن يقطع دابره، أو أن يؤذيه في نفسه إن حلف بالله كاذبًا.\nثم إذا قيل له: احلف بـ البدوي على هذه المسألة ارتجفت وارتعدت فرائصه ولم يفعل ذلك، كأنه يعتقد بأن البدوي يقدر أن يضره بقسمه به كذبًا.\nفهذه فيها دلالة واضحة أنه اعتقد في البدوي ما لا يعتقد إلا في الله، فينتقل من الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر، ويكون الظاهر منه مرتبطًا بالباطن؛ لأنه إذا فعل ذلك دل بفعله الظاهر أنه لم يعظم الله في الباطن، فأخذناه بالظاهر وبالباطن.\nإذًا: الشرك أو القسم بغير الله شرك أكبر، وشرك أصغر، فالأصل فيه: أنه شرك أصغر لا يجوز بحال من الأحوال، والعارض: أن قد يكون شركًا أكبر، وهذا بالدلالة والقرائن.\nإذا قلنا بذلك: فهناك إشكال لا بد من حله، وهو قول النبي ﷺ عندما جاءه الأعرابي فقال: (يا محمد! آلله بعثك؟ قال: الله بعثني.\nقال: آلله افترض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة) إلى آخر هذا الحديث إلى أن قال: (والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص، فقال له النبي ﷺ: أفلح وأبيه إن صدق).\nوالواو هذه واو القسم، فما هو حل هذا الإشكال: (أفلح وأبيه)، مع قول النبي ﷺ: (من حلف بغير الله فقد أشرك)؟ الإشكال الثاني: أن النبي ﷺ عندما جاءه رجل بطعام من رقية شرعية قال: (كل فلعمري لمن أكل برقية باطل فلقد أكلت برقية حق)، الشاهد قوله: (فلعمري)، فالنبي ﷺ أقسم هنا بعمره، والقسم بالحياة حرام؛ لأننا قلنا: إن ابن عباس يقول في قوله: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣] هو الذي يقول: وحياتي وحياة أمي وحياة أبي، فهذا كله لا يجوز، فهنا النبي ﷺ يقول: (فلعمري) فأقسم بعمره فكيف الإجابة على هذه الإشكالات؟ نترك هذين الإشكالين إلى درس قادم.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.","vol":"9","page":10}]}