{"ً":{"ٌ":37702,"ٍ":"شرح مختصر الصارم المسلول - محمد حسن عبد الغفار","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: شرح مختصر البعلي لكتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية\nالمؤلف: محمد حسن عبد الغفار\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ٨ دروس]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2376,"ٕ":1,"ٖ":1770155900,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8"],"ٚ":[{"title":"ترجمة عن شيخ الإسلام ابن تيمية","level":1,"page":1},{"title":"ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية","level":2,"page":2},{"title":"مولد شيخ الإسلام ونشأته","level":3,"page":3},{"title":"أخلاق شيخ الإسلام","level":3,"page":4},{"title":"عبادة شيخ الإسلام وورعه وتقواه وصبره على الأذى","level":3,"page":5},{"title":"جهاد شيخ الإسلام باللسان وبالسنان في سبيل الله","level":3,"page":6},{"title":"علم شيخ الإسلام وفقهه وسعة حفظه","level":3,"page":7},{"title":"المسائل التي انفرد بها شيخ الإسلام خلافا للجمهور","level":3,"page":8},{"title":"مسألة التورق","level":3,"page":9},{"title":"مسألة الطلاق في الحيض","level":3,"page":10},{"title":"مسألة شد الرحال لزيارة قبر النبي ﵊","level":3,"page":11},{"title":"المقدمة","level":1,"page":12},{"title":"مكانة النبي ﷺ عند الله تعالى","level":2,"page":13},{"title":"حق النبي ﷺ على أمته","level":2,"page":14},{"title":"صور من حب النبي ﷺ","level":2,"page":15},{"title":"أبو بكر الصديق","level":3,"page":16},{"title":"طلحة بن عبيد الله","level":3,"page":17},{"title":"سعد بن أبي وقاص","level":3,"page":18},{"title":"الأدب مع رسول الله","level":2,"page":19},{"title":"وجوب التحاكم إلى رسول الله في حياته وإلى سنته بعد وفاته","level":2,"page":20},{"title":"صور من تحاكم الصحابة لرسول الله","level":2,"page":21},{"title":"أبو بكر الصديق","level":3,"page":22},{"title":"عمر بن الخطاب","level":3,"page":23},{"title":"عثمان ﵁","level":3,"page":24},{"title":"علي بن أبي طالب يتبع السنة ويخالف عثمان","level":3,"page":25},{"title":"ابن عمر يسب ولده لمخالفته الحديث","level":3,"page":26},{"title":"عبد الله بن مغفل يهجر ابن عمه لمخالفته الحديث","level":3,"page":27},{"title":"ابن عباس يغلظ على من يأخذ بقول أبي بكر وعمر في متعة الحج ويدع قول الرسول","level":3,"page":28},{"title":"سالم يخالف أباه ويتبع السنة","level":3,"page":29},{"title":"ابن مسعود يشتد على أبي موسى لمخالفته السنة","level":3,"page":30},{"title":"أربعة مواقف لبعض العلماء في المحافظة على السنة","level":2,"page":31},{"title":"موقف مالك ﵀","level":3,"page":32},{"title":"موقف أحمد بن حنبل ﵀","level":3,"page":33},{"title":"موقف أبي حنيفة ﵀","level":3,"page":34},{"title":"موقف الشافعي ﵀","level":3,"page":35},{"title":"بيان ما يتضمنه الكتاب مع بيان حكم من سب النبي","level":1,"page":36},{"title":"نبذة عن كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول","level":2,"page":37},{"title":"حكم من سب رسول الله ﷺ","level":2,"page":38},{"title":"عقيدة الجهمية والمرجئة فيمن سب الرسول وفي الإيمان","level":2,"page":39},{"title":"الرد على الجهمية والمرجئة في مسألة الإيمان وحكم سب الرسول","level":2,"page":40},{"title":"معنى الإيمان عند أهل السنة والجماعة","level":2,"page":41},{"title":"قول القلب وقول اللسان","level":2,"page":42},{"title":"عمل القلب والجوارح","level":3,"page":43},{"title":"بيان حكم المسلم الذي يسب رسول الله","level":1,"page":44},{"title":"الأدلة الواردة من القرآن في ثبوت ردة من سب رسول الله","level":2,"page":45},{"title":"قوله تعالى: (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم)","level":3,"page":46},{"title":"مفهوم قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)","level":3,"page":47},{"title":"قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة)","level":3,"page":48},{"title":"قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)","level":3,"page":49},{"title":"قوله تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن)","level":3,"page":50},{"title":"قوله: (ومنهم من يلمزك في الصدقات)","level":3,"page":51},{"title":"الأدلة الواردة من السنة في ثبوت ردة من سب رسول الله ﷺ","level":2,"page":52},{"title":"حديث: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء)","level":3,"page":53},{"title":"قصة ابن أبي السرح وإهدار رسول الله لدمه","level":3,"page":54},{"title":"قصة ابن خطل وإهدار النبي ﷺ لدمه","level":3,"page":55},{"title":"حكم المعاهد والذمي والمستأمن الذي يسب رسول الله","level":1,"page":56},{"title":"حكم المسلم الساب للنبي ﷺ","level":2,"page":57},{"title":"حكم المعاهد والمستأمن إذا سبوا النبي ﷺ","level":2,"page":58},{"title":"الأدلة الواردة من القرآن على نقض عهد الذمي والمستأمن إذا سب النبي ﷺ","level":2,"page":59},{"title":"قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر)","level":3,"page":60},{"title":"قوله تعالى: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم)","level":3,"page":61},{"title":"قوله تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن)","level":3,"page":62},{"title":"الأدلة الواردة من السنة على نقض عهد الذمي والمستأمن إذا سب رسول الله","level":2,"page":63},{"title":"حديث الأعمى الذي قتل الجارية لسبها النبي ﷺ","level":3,"page":64},{"title":"قول ابن عمر: (ما على هذا أعطيناهم العهد)","level":3,"page":65},{"title":"حكم من سب الله ﷿","level":1,"page":66},{"title":"تنزيه الله ﷿ لنفسه ورسوله وعباده المؤمنين عن كل نقص وعيب","level":2,"page":67},{"title":"الأدلة الصريحة على كفر من سب الله","level":3,"page":68},{"title":"الأدلة على أن التلميح بسب الله كفر","level":3,"page":69},{"title":"الأدلة من السنة على كفر من سب الله جل وعلا","level":3,"page":70},{"title":"الإجماع على كفر من سب الله تعالى","level":3,"page":71},{"title":"من صور سب الله ﷾","level":3,"page":72},{"title":"أقوال العلماء في حد من سب الله تعالى وأدلتهم","level":2,"page":73},{"title":"أقوال العلماء في حكم من سب الله ورسوله","level":3,"page":74},{"title":"الأحكام المترتبة على من سب الله وكفر بذلك","level":2,"page":75},{"title":"حكم سب الأسباب كالدهر والريح","level":2,"page":76},{"title":"حكم الذمي الذي سب الله ﷿","level":1,"page":77},{"title":"حكم الذمي الذي سب الله جل في علاه","level":2,"page":78},{"title":"ضابط أهل الذمة وحكم سب الذمي لله ﷿","level":3,"page":79},{"title":"الفرق بين الذمة والعهد عند الشافعية والحنابلة","level":3,"page":80},{"title":"أحوال الذمي في سب الله جل في علاه وحكم كل حالة","level":3,"page":81},{"title":"حكم من سب نبيا من الأنبياء","level":2,"page":82},{"title":"حكم الخوض في عرضه ﷺ","level":2,"page":83},{"title":"فضل الصحابة وأثرهم في حماية الملة","level":2,"page":84},{"title":"حكم من سب الصحابة ﵃","level":1,"page":85},{"title":"مكانة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين","level":2,"page":86},{"title":"الواجب على المسلمين تجاه الصحابة","level":2,"page":87},{"title":"حكم سب صحابة رسول الله وذكر أقسامه","level":2,"page":88},{"title":"حكم من سب الصحابة برميهم بالكفر","level":3,"page":89},{"title":"حكم من سب الصحابة باللعن والتقبيح","level":3,"page":90},{"title":"حكم من سب الصحابة بالتنقص لهم","level":3,"page":91}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"2,1":12,"2,2":13,"2,3":14,"2,4":15,"2,5":16,"2,6":17,"2,7":18,"2,8":19,"2,9":20,"2,10":21,"2,11":22,"2,12":23,"2,13":24,"2,14":25,"2,15":26,"2,16":27,"2,17":28,"2,18":29,"2,19":30,"2,20":31,"2,21":32,"2,22":33,"2,23":34,"2,24":35,"3,1":36,"3,2":37,"3,3":38,"3,4":39,"3,5":40,"3,6":41,"3,7":42,"3,8":43,"4,1":44,"4,2":45,"4,3":46,"4,4":47,"4,5":48,"4,6":49,"4,7":50,"4,8":51,"4,9":52,"4,10":53,"4,11":54,"4,12":55,"5,1":56,"5,2":57,"5,3":58,"5,4":59,"5,5":60,"5,6":61,"5,7":62,"5,8":63,"5,9":64,"5,10":65,"6,1":66,"6,2":67,"6,3":68,"6,4":69,"6,5":70,"6,6":71,"6,7":72,"6,8":73,"6,9":74,"6,10":75,"6,11":76,"7,1":77,"7,2":78,"7,3":79,"7,4":80,"7,5":81,"7,6":82,"7,7":83,"7,8":84,"8,1":85,"8,2":86,"8,3":87,"8,4":88,"8,5":89,"8,6":90,"8,7":91},"ٜ":{"1":[1,11],"2":[1,24],"3":[1,8],"4":[1,12],"5":[1,10],"6":[1,11],"7":[1,8],"8":[1,7]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80],"81":[81],"82":[82],"83":[83],"84":[84],"85":[85],"86":[86],"87":[87],"88":[88],"89":[89],"90":[90],"91":[91]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول -<span data-type=\"title\" id=toc-1> ترجمة عن شيخ الإسلام ابن تيمية</span>\nلقد كان شيخ الإسلام نادرة من النوادر، فقد شابه الصحابة رضوان الله عليهم في جمعه بين العلم والعمل، وجهاده باللسان وبالسنان، وقد فاق أقرانه في شتى المجالات، فما من فن من الفنون إلا وله فيه الحظ الأوفر، فهو فارس الميدان في مجال الجهاد في سبيل الله، وفي مجال مناظرة أهل البدع، وفي مجال الفقه والحديث والتفسير واللغة وغير ذلك، فرحمه الله رحمة واسعة.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: فقبل أن نبدأ الكلام على هذا الكتاب الجليل العظيم: (الصارم المسلول)، وهذا الكتاب من أنفع ما كتب في هذه المسألة، كتاب: (الصارم المسلول) لشيخ الإسلام ابن تيمية، وأيضًا هذا الاختصار الجيد للإمام البعلي فلا بد أن نمر على الشيخين ونتكلم عنهما بترجمة وجيزة.\nفشيخ الإسلام ابن تيمية هو علم الأعلام، والإمام الهمام، وفارس الميدان، وإن صح التعبير فهو كما يقولون: فريد عصره، ووحيد دهره، وهو البحر الذي لا ساحل له، كما سئل عنه ابن القيم فقال: هذا البحر الذي لا ساحل له.\nولا بد أن نتكلم عن ابن تيمية في كل شيء، نتكلم عنه خلقًا ودينًا ونسكًا وعبادةً وعلمًا وشجاعةً وكرمًا وسخاءً وجهادًا في سبيل الله.","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>مولد شيخ الإسلام ونشأته</span>\nولد شيخ الإسلام ابن تيمية سنة (٦٦١هـ) ونشأ في أسرة عريقة امتلأت بالفقه والحكمة والعلم، وامتلأت بالكرم والسخاء والشجاعة، فلذلك نبتت لنا هذه النبتة، هي نبتة شيخ الإسلام ابن تيمية، قد ولد في حران وجلس فيها حتى سن السابعة من عمره، ثم بعد ذلك لما هجم التتار عليهم فرقوهم أوزاعًا فرحلوا إلى الشام، وكان أبوه عبد الحليم من علماء الحنابلة، وكان من علماء الحديث، وكان مدرسًا لعلم الحديث في الشام، وهو الذي أجلسه مجلسه بعدما أصبح شابًا يافعًا حافظًا لعلم الحديث، فانتقل والده بسبب التتار إلى الشام.\nوهذا الطفل الصغير كان كريمًا شجاعًا ناسكًا عابدًا لله جل في علاه.\nفقد ظهرت نجابته أولًا في المناظرة بينه وبين أبيه عندما عاتبه على الرحيل من حران، فقال لوالده: لم تترك حران؟ فقال: التتار لا يتركون أخضر ولا يابسًا إلا أتوا عليه وأكلوه وأنهوا أمره وقتلوا من في البلدة، فناظره بكلمات واستدل بآيات يستدل بها كثيرًا في هذا الكتاب، فقال لأبيه: ألم يقل الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة:١٤]، فلا بد من الجهاد، والله ينصر المجاهدين في سبيله.\nلكن قدر الله الرحلة إلى دمشق، فلما رحل إلى دمشق كانت فاتحة الخير عليه.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>أخلاق شيخ الإسلام</span>\nقبل أن نتكلم على أهم ما في حياة شيخ الإسلام ابن تيمية وهي حياته العلمية، نتكلم عن صفات اعتلى بها، وهي صفاته الخُلقية، هو شيخ الإسلام الخلوق الذي حباه الله، فقد كان ذا أخلاق سامقة يرتفع بها، فكان كريمًا سخيًا على ضيق يد، فلم يكن يعرف الفرق بين الدرهم والدينار كما وصفه كثير من المؤرخين، أي: لم يكن ينشغل بالدرهم والدينار، كما قال الذهبي: كان زاهدًا ورعًا كريمًا مع زهده ومع فقره وضيق حاله، ولقد أتى بكرم الأخلاق أولًا، كما قال النبي ﷺ: (فاتقوا النار ولو بشق تمرة) فلا يمكن أن تحتووا الناس بأموالكم، لكن لا بد أن تحتووا الناس بأخلاقكم الكريمة، فكان كريمًا بأخلاقه مع الناس.\nولما طلع نجمه، وبزغت شمسه في الأوطان جميعًا، كانت الجوائز تنهال عليه، فإن جاءته جائزة من السلطان بمال فرقها عن بكرة أبيها على إخوته وأصدقائه وعلى إخوانه وطلبة العلم ومشايخه، فكان كريمًا سخيًا.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>عبادة شيخ الإسلام وورعه وتقواه وصبره على الأذى</span>\nوقد كان عابدًا ناسكًا، وعبادة شيخ الإسلام ابن تيمية إذا محضت النظر فيها قلت: هذا الرجل قبر من قبور الصحابة انشق وخرج منه هذا الصحابي.\nفقد كان عابدًا لله جل في علاه بالعبادة الظاهرة، والعبادة الباطنة، عبادة الجوارح: بالجهاد في سبيل الله باللسان وبالسنان، وكان عابدًا بالجوارح قوامًا لليل صوامًا للنهار، وعبادته في الباطن هي أجل العبادات التي قدمها ابن تيمية لنا نبراسًا نأتسي به.\nويدل على ذلك كلام ابن القيم حين قال: كان إذا ادلهم بنا الخطب واشتد بنا الكرب ذهبنا إلى ابن تيمية فنظرنا إلى وجهه فذهب عنا كل شيء.\nسبحان الله! جعل الله رؤيته ذكرًا لله، وجعل الله في رؤيته الأمان لعباد الله جل في علاه، قال: إذا ادلهم بنا الخطب واشتد بنا الكرب، واشتد الخوف في قلوبنا ذهبنا إلى ابن تيمية، فنظرنا إلى وجهه فازددنا طمأنينة.\nسبحان الله! وهذا من شدة ورع هذا الشيخ الكريم، ومن شدة عبادته وقربه من الله جل في علاه، ولك فيما قاله بيان جليٌ لشدة ورع وتقوى هذا الرجل وعبادته لله جل في علاه، فمن المعلوم أنه عندما يبزغ نجم عالم، أو طالب علم، أو رجل جعله الله نبراسًا لأناس يأتسون به، لا بد من الحسد والحقد أن يغلي في الأوساط، ولا بد من بتره وقتله وطمس هويته، فكان ذلك الحظ الأوفر والنصيب الأعظم لشيخ الإسلام لـ ابن تيمية؛ لأن الحساد كثر ل شيخ الإسلام؛ لأنه كان وحيد عصره بحق كما قال ابن دقيق العيد كما سنبين.\nفكانت الوشاية كثيرة على شيخ الإسلام ابن تيمية، فكانوا يسجنونه ويجلدونه ويعزرونه ويعذبونه، حتى مات مظلومًا في سجن القلعة، فشيخ الإسلام ابن تيمية لما سجنوه قال كلمات تحفر في الصدور بماء الذهب، وهي تدل على عبادة هذا الرجل وقربه من الله جل في علاه ويقينه في أن ربه جل في علاه هو الرب القادر الكريم المليك لهذا الكون كله، الذي يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فقال: ماذا يريد أعدائي بي لو سجنوني فسجني خلوة بربي، أي: المراقبة والإحسان والتفكر والتدبر وذكر القلب؛ لأن ذكر القلب هو الذي يرتقي بالعبد، قال ﷿: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥].\nوفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله).\nفـ شيخ الإسلام اعتنى بذكر قلبه، فكان يقول: لو سجنوني فسجني خلوة بربي، ونعم الأنيس جل في علاه.\nثم قال: ولو قتلوني فقتلي شهادة.\nفهو يعلم أنه في وظيفة عظيمة في هذه الدنيا، وهي العبادة لله جل في علاه، ونشر دين الله جل في علاه، وتعبيد العباد لرب العباد.\nثم يقول: ولو نفوني فنفيي سياحة.\nأي: أنظر في هذا الكون الشاسع، وأنظر إلى ربوبية الله جل في علاه، وعظمة خلق الله جل في علاه.\nوكان ابن تيمية يتقرب من الله جل في علاه بالذكر الخفي حتى في أبواب العلم، قال: كنت إذا استغلقت علي مسألة ذهبت إلى مسجد مهجور أخلو فيه بربي، كما قال ابن القيم: إنه كان مسجدًا مهجورًا وكان يمرغ نفسه بالتراب، فهو بذلك يبين أن بوابة الدخول إلى الله هو الذل لله، ورسول الله ﷺ كان يتذلل لربه ويخضع، فهو لما كان في غزوة بدر واشتد الأمر عليهم، وكاد المسلمون أن يفتنوا رفع يديه متذللًا خاضعًا متمسكنًا لربه جل في علاه حتى سقط الرداء وهو يقول: (اللهم أنجز لي ما وعدت).\nفـ ابن تيمية كان يفقه ذلك ويعلم أن بداية الطريق الصحيح هو الذل التام والخضوع التام لله جل في علاه، وكيف لا؟ وهو الذي بين لنا أن ركني العبادة هما: غاية الحب، مع غاية الذل، فكان يمرغ نفسه في التراب ذلًا وخضوعًا لله جل في علاه، ثم يدعو مبينًا أن النعمة بأسرها بيد الله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] فقال: اللهم يا معلم إبراهيم، ولذلك كان دائمًا ما يقول: ليس مني شيء ليس بي شيء، الكل من الله جل في علاه، وكان يقول: يا معلم آدم وإبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني.\nوهذه الدعوة تدل على دقة نظر ابن تيمية وشدة تقربه من الله جل في علاه، فهو يخضع ثم ينسب النعمة لباريها، حتى ينال ما يريد من ربه جل في علاه.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>جهاد شيخ الإسلام باللسان وبالسنان في سبيل الله</span>\nكان شجاعًا يجاهد في سبيل الله باللسان وبالسنان، ولك أن تعلم أن في عصر شيخ الإسلام ابن تيمية انتشر مذهب الأشاعرة على أنه مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا النووي وغير النووي وقبل النووي وبعد النووي فكلهم كانوا في دمشق يعلمون أن المذهب الحق هو مذهب الأشاعرة، ويحسبون أنه مذهب أهل السنة والجماعة، ناهيك عن انتشار النصارى واليهود، وناهيك أيضًا عن وجود الرافضة والشيعة والصوفية، وغير هؤلاء.\nفناضل شيخ الإسلام ابن تيمية وناظر كل مبتدع ضال في بدعته، فكان يناظرهم جميعًا، ومن شدة تحريه لسنة النبي ﷺ ونشر الدين الصحيح، والتأصيل العقدي السديد الصحيح كما كان عليه السلف الصالح، فإن رسائله كلها التي سجن من أجلها تبين لك كيف انبرى لهؤلاء الفرق المتعددة المبتدعة؛ ليبين لهم العقيدة السديدة عقيدة السلف.\nومن هذه الرسائل: الرسالة الحموية، والرسالة الواسطية، فكل هذه الرسائل التي صنفها ابن تيمية كانت ردًا على هؤلاء المبتدعة، وكان يبين فيها العقيدة الناصعة البيضاء عقيدة السلف الصالح.\nفكان يناظر باللسان، وكان يجاهد في ساحة الوغى، فلم يكن عالمًا متقاعسًا بل كان يجاهد باللسان وبالسنان.\nأما جهاده بالسنان: فهو لما وقف قازان على أبواب دمشق وكاد يدمر كل دمشق، قام شيخ الإسلام ووقف في وجهه معلنًا أنه عبد لله جل في علاه لا يخاف إلا من الله، فقال لصاحب القلعة أو لأمير البلدة الذي كان يتحصن في القلعة: لا تسلم القلعة، وإن لم تجد من السيوف والرماح، وحتى لو قاتلت بالأظافر وبالأحجار فلا تسلم القلعة، ثم ذهب إلى قازان وكان قد أسر من المسلمين وأسر أيضًا من الذميين، فكلمه كلامًا شديدًا بلهجة شديدة، لا سيما وأن قازان كان قد أعلن وأشهر إسلامه بين الناس، فاشتدت عليه الوطأة من شيخ الإسلام ابن تيمية حتى ارتجف ورعب قلب قازان، فسلم له الذميين قبل المسلمين ثم سلم له المسلمين ورحل عن الشام، فلما عاودته وساوسه مرة ثانية أن يأتي ويقتحم الشام واجتمعت التتار لهلاك المسلمين، ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية يستنفر الناس، ومنهم: قلاوون؛ لأنه كان أميرًا للمؤمنين في تلك العصور، وكان في مصر فذهب إليه وقال له: والله إن لم تكن حاكمًا للشام ومصر، واستنفروك في الدين فعليك النصر لزومًا ووجوبًا، من قول الله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال:٧٢] فاستنفر السلطان قلاوون الناس وحثهم على القتال وكانت المعركة في رمضان، وكان شيخ الإسلام يقول: كان رسول الله ﷺ يأمر أصحابه بالفطر في ساحة الوغى؛ ليتقوى المسلمون على أعدائهم، وكان يقول لكل أمير يستنهضه أو يستحثه على القتال: قاتلوا والنصر لكم، فقال له رجل: لمَ لم تقل: إن شاء الله، فقال له شيخ الإسلام ابن تيمية بقلب ثابت راسخ مستيقن بربه جل في علاه: أقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا.\nهذا يقين بالله جل في علاه، ولا تبعد إذا قلت: إنه قسم على الله، وكم من امرئ أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره، وقد كان النصر للمسلمين بسبب هذا الشيخ الذي كان شجاعًا في ساحة الوغى.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>علم شيخ الإسلام وفقهه وسعة حفظه</span>\nندخل في أهم ساحات شيخ الإسلام ابن تيمية ألا وهي ساحة العلم، حق لنا أن نقول: إن ابن تيمية عالم فريد وحيد لم يأت مثله بعده؛ لأنه كان بحرًا في العلوم وكان حبرًا لهذه الأمة، ما من علم نجم في الساحة إلا وتعلمه ابن تيمية، وما جلس أصحاب كل علم مع ابن تيمية إلا قالوا: ما أتقن ابن تيمية إلا هذا العلم، في الفلسفة في المنطق في اللغة حتى إنه عودي؛ لأنه أخذ مآخذ على سيبويه، وسيبويه فحل اللغة فـ ابن تيمية استدرك عليه، ولذلك كانوا يأتونه من كل حدب وصوب، يتعلمون منه اللغة، وكان يعلم العقائد المختلفة عقائد اليهودية والنصرانية، وألف في ذلك التصانيف النافعة التي ترد على هذه العقائد، فألف كتابًا رد فيه على النصارى واسمه: (الجواب الصحيح في الرد على من بدل دين المسيح)، وألف كتابًا في الرد على الإثني عشرية وعلى القدرية واسمه: (منهاج السنة).\nوأيضًا ألف الرسائل الكثيرة التي ترد على الأشاعرة، والفتاوى كلها موجودة تبين لنا كيف رد شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه العقائد، فـ ابن تيمية كان بحرًا للعلوم ظهرت نجابته من صغره، فما قرأ شيئًا إلا حفظه، كما قيل عن الشافعي: إنه كان إذا فتح المصحف يضع يده على الصفحة التي لا يقرؤها حتى لا يحفظها فتختلط عليه بالصفحة التي يحفظها.\nكذلك كان ابن تيمية إذا أخذ الورقة فقرأها يضعها، ويأت بها عن بكرة أبيها حفظًا، فسمع بنجابة ابن تيمية الطفل الصغير شيخ محدث حلبي، فذهب إلى دمشق وقال لبعض المعلمين: أين هذا الطفل الذي تسمونه ابن تيمية؟ فقال: عندما يمر مع الصبيان سأعرفك به، فجلس الرجل ساعة حتى مر ابن تيمية، فقال المعلم: أرأيت هذا الطفل الذي معه اللوح الكبير؟ هذا ابن تيمية، فذهب الحلبي إليه فقال: يا بني! تعال، فجاءه، فقال الحلبي: ما هذا؟ قال: هذا اللوح أكتب فيه قال: امسح ما فيه، فمسح ما فيه، فقال الحلبي: سأملي عليك بعض الأحاديث فهل تكتبها؟ قال: أكتبها، فأملى عليه متون أكثر من عشرة أحاديث وهو يكتب، فبعدما كتبها ابن تيمية قال: تردد علي هذه الأحاديث؟ فرددها عليه كأحسن ما يكون، فلما سمع هذه الأحاديث من هذا الطفل البارع النجيب وهو يسردها حفظًا بعدما كتبها في اللوح ونظر إليها مرة واحدة اندهش اندهاشًا عجيبًا، ثم قال: امسح يا بني ما كتبت، فمسح الأحاديث، فقال: أملي عليك الأسانيد وهذه أعظم من الأولى؛ لأن متون الأحاديث لها نور، ومن السهل جدًا أن تحفظ المتون، ولذلك أسهل كتاب على وجه الأرض يحفظ هو كتاب الله؛ لأن الله تعالى يسره لكل مدكر متذكر، فالقرآن سهل جدًا أن تحفظه، وكذلك الأحاديث؛ لأن لها نورًا يدخل في القلوب.\nفهذا الحلبي انتقى بعض الأسانيد المشكلة وأملى عليه هذه الأسانيد وهو يكتب الأسانيد، فبعدما كتب الأسانيد شيخ الإسلام ابن تيمية، قال الحلبي: تقرؤها علي؟ فوضع اللوح وسرد عليه هذه الأسانيد حفظًا، فقال: اعتنوا بهذا الطفل.\nوانظروا إلى الإنصاف، فهو رجل عالم محدث يمكن أن يغار ويقول في نفسه: هذا الرجل قد يأخذ مني الأضواء فلا بد أن يطمس وأن يشوه وتدفن نجابته، ولكن كان من الذين يعملون للدين، فالعمل للدين له رونق آخر، فقال الشيخ المحدث: اعتنوا بهذا الطفل فلم أر مثله، فسيكون له شأن عظيم.\nوقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية علم الأعلام والفارس الهمام، فشيخ الإسلام ابن تيمية حافظته القوية وسرعة الحفظ جعلت ابن كثير يقول: الدنيا ما فيها إلا ثلاثة لا رابع لهم، فقال: أولهم وأبرعهم شيخ الإسلام ابن تيمية، والثاني: ابن دقيق العيد، مع أن ابن دقيق العيد يعتبر من طبقات شيوخه، ثم ثلث بـ السبكي.\nوالسبكي كان بارعًا حافظًا فقيهًا أصوليًا.\nوقال ابن كثير أيضًا: ثلاثة من الناس ما رأيت مثلهم: ابن تيمية والمزي وابن دقيق العيد، وأحفظهم للمتون هو ابن تيمية، ولذلك قال ابن عبد الهادي: -الإحاطة لله فقط- حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث، وهذا الذي قاله الذهبي في ذيل طبقات الحنابلة، فقد قال: حديث قال فيه ابن تيمية: لا أعرفه فليس بحديث؛ لسعة اطلاع الرجل، فـ ابن دقيق العيد يبين لنا أن ابن تيمية كأن الكتب الستة والمسند أمام عينيه، يأخذ ما شاء وينتزع ما شاء من الأدلة.\nوكان ينتزع الآيات ويستدل بها على المسائل كأبرع ما يكون، فهو يستحضر الدليل في وقته، بينما الواحد منا لو سئل يظل يفكر ويذكر ويقول: ذكروني بالآية، والثاني يقول: ما هو متن الحديث؟! أما شيخ الإسلام فقد كانت الأسئلة تنهال عليه ويستحضر الدليل وينتزعه من كتاب الله جل في علاه ومن سنة النبي ﷺ، مع استحضار أصل الدليل.\nوالمزي قليل من يعرفه، قال ابن كثير: وأفقههم في المتون ابن دقيق العيد يعني: كان أفقه ما يكون، فله كتاب إحكام الأحكام، أملاه ابن دقيق العيد إملاء، وإذا نظرت في كتاب ابن دقيق العيد رأيت الدرر.\nإذًا: فـ ابن تيمية برع في ساحة العلم في كل شيء، ففي الحديث كان أوسع الناس حفظًا، كما قال الذهبي وغيره: الحديث الذي لا يعرفه ابن تيمية ليس بحديث، وكان ينتزع الحديث من المسند أو من الكتب الستة ويستحضره في أوانه.\nوكان عالمًا بالرجال وبالأسانيد، فترى في الفتاوى كثيرًا ما يضعف ويصحح، لكن ما تخصص في علم الحديث استقلالًا، فهذا الرجل جمع الله له العلوم كلها، علم الحديث وعلم الفقه، أما إذا دخلت على علم الأصول فهو فارس الميدان يقعد ويؤصل، وقواعد ابن رجب ترى فيها دررًا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية واختيارات ابن تيمية.\nأما في الفقه فساحته، فلا يستطيع أحد أن ينازع ابن تيمية في الفقه، فقد كان العلماء يقولون: صعب علينا الفقه وسهل على ابن تيمية، نعم والله فقد كان يأتي بالفقه من القلب، كان يأتي بالمسائل الفقهية ويقربها للناس بعدما يبين المذاهب، وكان كثير من أهل المذاهب يناظرونه فيعيد كل صاحب مذهب لمذهبه، ويقول: أنت ما أتقنت هذه المسألة في المذهب، بل وهو طفل صغير يذكر بعض أهل السير: أنه جلس في مجلس كان فيه قاض من الشافعية وكان يتكلم في مسألة الاستعانة بالمشركين، فقال: إن الشافعي يرى جواز الاستعانة بالمشركين، وبعد ما سكت قام له شيخ الإسلام وقال: تجاوزت كلام الشافعي دون أن تأتي بشروطه وقيوده، فانزعج، كيف تتكلم معي في مذهب أنا مؤصله وأنا أتعلم على مذهب الشافعي؟ فقال: إن الشافعي ما أطلق الاستعانة بالمشركين، لكن قيد قيودًا واشترط شروطًا منها: أن يكون في المسلمين حاجة لأمثال هؤلاء الكفار، واشترط أن تنطوي راية الكفر تحت راية المسلمين وتحت لواء المسلمين، فلما ذكر له القيود رجع إلى كلام ابن تيمية، فالفقه ساحته وهو الذي برع فيه، وانظر في الفتاوى.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المسائل التي انفرد بها شيخ الإسلام خلافًا للجمهور</span>\nوسنبين بفضل الله ختامًا لهذا المجلس المسائل التي انفرد بها شيخ الإسلام خلافًا للجمهور، وأكثر وأعظم هذه المسائل كان الحق مع ابن تيمية ولم يكن مع الجمهور.\nومن هذه المسائل: الطلاق ثلاثًا: فقد خالف شيخ الإسلام الجمهور فقال: الطلاق ثلاثًا لا يقع إلا واحدة.\nومن المسائل الطلاق في الحيض: أيضًا خالف شيخ الإسلام فيها، فقال: لا يقع ولا يحسب.\nأيضًا من المسائل: في التورق، فـ شيخ الإسلام خالف جماهير أهل العلم وقال: بتحريم التورق.\nوأيضًا: في المعاملات قال: الذهب بالذهب ربا إن كان فيه زيادة إلا إذا كانت أجرة الصنعة، يعني: لو أعطيت الذهب القديم وأخذت بدله الذهب الجديد فلك أن تعطي الفرق أجرة الصنعة، هذا كلام ابن تيمية، وانتصر له ابن القيم، وهذه المسألة الوحيدة التي لا نوافقه عليها بحال من الأحوال.\nأيضًا وهذه مسألة من مسائل العقيدة: ألا وهي مسألة الزيارة وشد الرحال لزيارة قبر النبي ﷺ وغيره، وهذه المسألة من أصعب المسائل التي سجن من أجلها ابن تيمية ومات مظلومًا محبوسًا، ففي مسألة شد الرحال من أجل زيارة القبور دلس المتصوفة على ابن تيمية وقالوا: هو ينتقص من رسول الله ﷺ، ويقول: يحرم زيارة قبر النبي ﷺ، فألبوا عليه السلاطين حتى سجن ومات في السجن، بسبب هذه المسألة.\nأيضًا: هناك مسألة أخرى أنكرت على ابن تيمية وهي: مسألة الأسماء والصفات فهو يقول: يجب أن تثبت في الصفة كما هي بدون تأويل ولا تشبيه.\nوأيضًا: بعض أهل السنة أخذوا على ابن تيمية أنه صحح حديث جلوس النبي ﷺ إلى جنب العرش.\nفهذه المسائل التي انفرد بها ابن تيمية عن الجمهور، وهذا يدلك على سعة علم الرجل في هذه المسائل.\nووفاءً لـ شيخ الإسلام نتفرغ لهذه المسائل لنبين الحق من الباطل فيها:","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>مسألة التورق</span>\nأولًا: مسألة التورق، هذه المسألة الحق فيها مع ابن تيمية خلافًا لجماهير أهل العلم من الشافعية والأحناف والمالكية وكثير من الحنابلة، فهم قالوا: يصح التورق، ومعنى التورق: أن يشتري المرء سلعة لا ينوي استعمالها وإنما أخذها لسيولة المال، فأخذها بألف نسيئة فباعها بخمسمائة نقدًا أو بمائة نقدًا أو بثلاثمائة نقدًا لغيره، أما إن باعها من نفس البائع فهذه العينة، لكن المسألة التي خالف فيها شيخ الإسلام هي: التورق، والتي فيها أنه باع السلعة لغير البائع، فجمهور الفقهاء أن هذه المسألة تصح، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة، منها: قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، وهذا يسمى بيعًا.\nوأيضًا: قالوا: إن النبي ﷺ قال: (إنما البيع عن تراض) وهنا حدث التراضي في البيع والشراء.\nواستدلوا أيضًا بحديث فقالوا: عندنا حديث فصل في النزاع وهو: قول النبي ﷺ عندما جاءه رجل بالتمر الجنيب، فقال النبي ﷺ: (أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله! إنا نشتري الصاع بصاعين.\nفتأوه النبي ﷺ وقال: أوه! عين الربا لا تفعل) ثم فتح له الباب وقال: (بع الجمع بالدراهم واشتر بالدراهم جنيبًا).\nفهم يقولون: هذا الحديث فصل في النزاع.\nأقول: نحن مع ابن تيمية فنذكر كلامه: إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده، وفقه متنه.\nونقول لهم: ما وجه الدلالة من الحديث؟ قالوا: خرج من الربا، وهو ما كان المقصود منه الانتفاع بالتمر هذا ولا بالدراهم بحال من الأحوال، وهو إنما يريد التمر بالتمر فأدخل بينهما دراهم، وهذا ما يريد إلا الدراهم فأدخل بينهما ثلاجة أو سيارة، فهذا نص في محل النزاع كما قالوا.\nوقالوا: عندنا أيضًا دليل من النظر وهو: أن الذي اشترى السلعة ما اشتراها إلا لينتفع بها، ووسائل الانتفاع كثيرة منها: الاستعمال.\nومنها: البيع والشراء.\nومنها: أخذ ثمنها، فقالوا: هذا اشتراها لينتفع بالثمن لا لينتفع بالاستعمال.\nهذا من النظر.\nإذًا: فعندهم أثر ونظر.\nفجاء شيخ الإسلام فخالفهم وقال بعدم جواز التورق، ويقول ابن القيم: وروجع شيخنا في هذه المسألة كثيرًا حتى يرجع عن قوله وما رجع، يعني: ابن تيمية، فقد أقاموا عليه الدنيا وما أقعدوها من أجل هذه الفتوى وما رجع؛ لأنه كان يدين لله جل في علاه.\nالعلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ثم ننظر إلى أدلة شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه المسألة؛ لنعرف دقة فهم ابن تيمية، قال: إن العبادات والمعاملات والعقود كلها تدور على النيات، واستدل على ذلك بقول النبي ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات) وهذا الرجل يتورق، وينتوي الورق والمال والدراهم، وما ينتوي السلعة، فصورته صورة رجل جلس في مجلس فأعطى عشرة دراهم بخمسة دراهم.\nانظر هنا الآن ابن تيمية يبين لنا (إنما الأعمال بالنيات)، قلنا: ما وجه الدلالة من هذا الحديث؟ قال: وجه الدلالة أن الرجل لا ينتوي السلعة ولا الانتفاع بالسلعة، بل ينتوي المال، فصورة التعامل وصورة الصرف: ذهب بذهب دون المساواة، فاختل شرط، كأنه باع عشرة دراهم بخمسة دراهم، أو أعطى الألف مقابل الخمسمائة، فاعتبرت الصورة أنه أعطى دراهم بدراهم دون المساواة، والنبي ﷺ يقول: (الذهب بالذهب ربا إلا مثلًا بمثل سواءً بسواء يدًا بيد) فقال: (يدًا بيد) فلا بد من التقابض في المجلس، وهنا حدث التقابض في المجلس لكن صورته أنه لم تتوافر المثلية، فهو أعطى الألف بالخمسمائة قال: والنبي ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات) ثم إنه أوضح هذا الفهم وضوحًا جليًا بنقله عن ابن عباس ﵁ وأرضاه، لما صوروا له الصورة فقالوا: يشتري الرجل السلع بنقد بكذا، ويبيعها على غيره بنسيئة بكذا أقل، فهل يصح أن يشتري نسيئة ويبيع بنقد أقل؟ فقال له ابن عباس: والله ما هي إلا دراهم بدراهم بينهما حريرة.\nيعني: التقابض في المجلس موجود لكن جعل بينها تحايلًا حريرة.\nثم قال ابن تيمية: وقد أبطل الله الحيل تأصيلًا عامًا في القواعد الشرعية، حيث قال النبي ﷺ: (قاتل الله اليهود؛ حرم الله عليهم شحوم الميتة فأذابوه فجملوه فباعوه فأكلوا ثمنه) يقول: ابن تيمية: وهذا الحديث سيهدم لنا كل ما بناه الجمهور من قواعد.\nيعني: هذا الحديث نص في النزاع بين ابن تيمية وبين الجمهور، فمسألة التورق خالف ابن تيمية جماهير أهل العلم فيها، وأتى بحديث فاصل في النزاع: وهو قول النبي ﷺ: (قاتل الله اليهود حرم الله عليهم الشحوم فأذابوه فجملوه فباعوه فأكلوا ثمنه) ووجه الدلالة أن الله حرم عليهم أكل الشحوم، والأكل بالفم، فلو أكلوا الشحوم لوقعوا في الحرام، فهم أذابوه فباعوه، فيعتبر هذا أكلًا، فالنبي ﷺ سماه أكلًا، كما قال النبي ﷺ: (يأتي زمان على أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها) وهذا نفس الأمر، فهو حرم عليهم أكل الشحوم فقالوا: ما أكلنا ولا استطعمناه ولا اشتممنا رائحته، لكن النبي ﷺ سماه أكلًا؛ لأنهم أكلوا ثمنه، فأبطل هذه الحيلة.\nنعود إلى قول الجمهور لنطبق هذا الحديث عليهم، ونقول لهم: أنتم تقولون بحل التورق، وهذه هي الحيلة هنا وهي الصرف بزيادة وذلك حرام؛ لأن هذا ربا الفضل، قال النبي ﷺ: (الذهب بالذهب ربا إلا يدًا بيد مثلًا بمثل) فقال الجمهور: لو أخذنا الألف من زيد ورددناه عليه بألف وخمسمائة مثلًا فهذا يعتبر ربًا وسيقوم الناس علينا، لكن لو أدخلنا حريرًا وسمي بيعًا بدلًا من أن يسمى ربًا، نقول: ولو سموه بيعًا فهو ربًا، فهم احتالوا وقالوا: نشتري السلعة ما نريدها وإنما نريد الدراهم، فهو اشتراها بألف نسيئة فيعتبر كأنه دخل في الصرف دراهم بدراهم وليس ثمت مساواة.\nوهذا الذي قاله ابن عباس، ووافقه عمر بن العزيز وقال: التورق أصل الربا؛ لأن فيه الحيلة على الله جل في علاه، وهذا الذي جعل إبراهيم بن أدهم يقول: ويحكم كيف تتعاملون مع الله؟ تتعاملون مع الله كأنه طفل صغير تتحايلون عليه، والعملة الزائفة لا تروج على الله جل في علاه.\nإذًا: فالصحيح الراجح هو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وأن هذه كما قالها البحر الحبر ابن عباس: هذه دراهم بدراهم بينهما حريرًا، فالراجح هو: حرمة التورق.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>مسألة الطلاق في الحيض</span>\nنأتي إلى مسألة: الطلاق في الحيض، فشيخ الإسلام ابن تيمية خالف فيها الجمهور، وقال: الطلاق في الحيض لا يقع ولا يعتد به، فمن طلق امرأته حائضًا فإن هذه التطليقة لا تحسب وامرأته كما هي في ذمته، واستدل على ذلك بأدلة منها: أولًا: رواية ابن عمر وهذه في السنن: (لما طلق ابن عمر امرأته وهي حائض ذهب عمر للنبي ﷺ فأخبره بما صنع ابنه عبد الله، فقال ﷺ: مره فليراجعها، فقال ابن عمر: لم يرها شيئًا) أي: أن النبي ﷺ لم ير هذه التطليقة شيئًا، يعني: لا تحسب، قالوا: فهذا دليل أثري، ومن الدليل الأثري أيضًا: قول النبي ﷺ في الصحيحين: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني: باطل، قالوا: القاعدة عند العلماء: مطلق النهي يقتضي الفساد أو البطلان، وقالوا: قد نهى النبي ﷺ عن الطلاق في الحيض والنهي واضح، فمن ارتكب هذا النهي وطلق طلاقًا منهيًا عنه، فلا يقع ولا يصح؛ لقول النبي ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني: فهو باطل مردود.\nأما الجمهور فلهم الأدلة الأثرية والنظرية: أما الأدلة الأثرية: فالحديث الذي في الصحيحين عن ابن عمر ﵁ وأرضاه (لما طلق امرأته في الحيض وأخبر عمر النبي ﷺ بذلك فقال: مره فليراجعها)، قالوا: المراجعة لا تكون إلا بعد الطلاق.\nقالوا: والدليل الثاني أيضًا: قول نافع عن ابن عمر في نفس الحديث المتفق عليه أنه قال: (أمر النبي ﷺ عمر أن يأمر ابن عمر أن يراجع امرأته وقال: فحسبها عليّ تطليقة)، قال ابن عمر: (فحسبها) وهذا نص في النزاع.\nفحسبها يعني: رسول الله علي تطليقة.\nالدليل الثالث: قاعدة الراوي أعلم بما روى: فـ ابن عمر جاءه رجل فقال: (أرأيت يا ابن عمر! إن كانت امرأتي حائضًا فطلقتها؟ قال: أرأيت إن ركبت الحموقة؟ هي طالق) فأفتى ابن عمر بطلاق المرأة في الحيض.\nإذًا: فهذه الأدلة واضحة على: أن الطلاق في الحيض يقع.\nلكن شيخ الإسلام ابن تيمية انبرى وخالف الجمهور وقال: الطلاق في الحيض لا يقع، وأصل هذه المسألة نابعة من المجد الذي هو جد ابن تيمية فقد كان يفتي بهذه الفتوى سرًا؛ لأنه يخشى أن تطير رقبته؛ لأن المذاهب الأربعة كانت على خلافه، فكان يخشى على نفسه إذا أفتى أن يقتلوه، فكان يفتي بها سرًا، فشيخ الإسلام ابن تيمية أعلنها جراءة وراجعوه فيها كثيرًا.\nفقال: والله إن هذا الذي أدين الله به.\nوأقول: الحق هنا ليس مع ابن تيمية وإنما الحق مع الجمهور؛ لأن الحديث متفق عليه عند البخاري ومسلم قال: (فحسبها علي تطليقة).\nوأما الرد على ما استدل به شيخ الإسلام ابن تيمية فهو من وجوه كثيرة منها: أولًا: قوله في الحديث (فلم يرها شيئًا) الصحيح أن هذه الرواية شاذة عند المحدثين، وإن صححها الشيخ أحمد شاكر لأنها خالفت ما في الصحيحين، فهذه اللفظة شاذة، والشاذ ضعيف، فلا حجة لهم فيها.\nوالوجه الثاني: أن قوله: (لم يرها شيئًا) تحتمل أمورًا كثيرة منها: أولًا: لم يرها من العدة شيئًا، يعني: العدة إما الأطهار وإما الحيض، والراجح الصحيح: أن العدة: الحيض؛ لأن النبي ﷺ بين ذلك وقال: (تترك الصلاة أيام أقرائها) يعني: أيام حيضها، فهي تترك الصلاة أيام الحيض، فهنا نرجح أن العدة هي أيام الحيض.\nفمعنى قوله: لم ير شيئًا من العدة يعني: هذا الدم الذي نزل لا يحسب من أيام العدة ولا يحسب من الحيضات الثلاث المطلوبة حتى تمر عدتها.\nالثاني: لم يرها من السنة شيئًا، وهذا صحيح فهي مخالفة للسنة؛ لأن النبي ﷺ أنكر على ابن عمر أنه طلق امرأته في الحيض فلم يرها من السنة شيئًا، وهذا راجح صحيح.\nفإذًا: الرد على هذه اللفظة إن لم تكن شاذة أنه لم يرها من السنة ولم يرها من العدة شيئًا.\nوالقاعدة عند العلماء: ما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدال -الاحتمال المعتبر لا الاحتمال المتوهم-.\nأما الدليل الذي استدل به شيخ الإسلام على عدم وقوع الطلاق في زمن الحيض فهو: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا) نقول: قد طلق طلاقًا عليه أمرنا في زمن ليس عليه أمرنا، فطلاقه صحيح؛ لأنه طابق الشرع، وفي زمن لم يطابق فيه الشرع فأثم بذلك، فهذا الرد الأول.\nالأمر الثاني: أن النبي ﷺ لم يجعل الزمن ركنًا ولا شرطًا لا في طلاق ولا في نكاح، ولذلك نحن نقول: المرأة الحائض يصح أن يعقد عليها، ويصح أن يدخل بها زوجها، لكن لا يجامعها في فرجها.\nفنقول: هذا الجماع أو الحيض ليس شرطًا ولا ركنًا لا في العقد ولا في الطلاق فإذًا: لا تأثير له في الحكم على العقد.\nفهذا الرد على الدليل الثاني وبهذا تسلم أدلة الجمهور ويصح أن نقول: إن الحق مع الجمهور في هذه المسألة، وأن الطلاق في الحيض يقع ويأثم المطلق في الحيض.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>مسألة شد الرحال لزيارة قبر النبي ﵊</span>\nمسألة الزيارة: هذه المسألة خالف فيها ابن تيمية جمهور أهل العلم وقال: وإن كان في الحج فشد الرحل من مكة قاصدًا المدينة لزيارة قبر النبي ﷺ فهذه بدعة ضلالة.\nولذلك وشوا به، وهم حرفوها وقالوا عنه: إنه يقول: تحرم زيارة قبر النبي ﷺ، وهذا لا يصح، وإنما كان يقول: يحرم إنشاء سفر لقبر النبي ﷺ، واستدلاله في هذه المسألة بالأحاديث المتفق عليها في البخاري ومسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد).\nوهناك حديث آخر نص في النزاع، وهو حجة لـ ابن تيمية، وهو: (أن بصرة الغفاري لقي أبا هريرة وهو عائد من الطور فقال: من أين أقبلت؟ قال: من الطور صليت فيه، قال: أما لو أدركتك قبل أن ترحل إليه ما رحلت)، -والراوي أعلم بما روى- سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) وجمهور الشافعية وهذه هي الطامة الكبرى وجمهور الحنابلة وجمهور الأحناف وجمهور المالكية يقولون: إنه يجوز للمرء أن ينشئ سفرًا ليزور قبر النبي ﷺ، ويستدلون بعمومات قول النبي ﷺ: (ألا فزوروها فإنها تذكر بالآخرة) فقالوا: هذه عمومات لا مخصص لها.\nفنقول: الصحيح الراجح هو: قول شيخ الإسلام ابن تيمية من أنه لا يجوز إنشاء سفر جديد من أجل زيارة القبر، وهذا الحديث الذي تقدم بين أيدينا حديث النبي ﷺ في باب شد الرحال، وفعل أبي هريرة مخصصان لعموم قول النبي ﷺ: (فزوروها) فنحن نقول: يزور المرء القبر إذا كان في نفس المكان، لكن كونك تشد الرحل لزيارة القبر فهذا هو الذي يحرم.\nسبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.","vol":"1","page":11},{"text":"شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول -<span data-type=\"title\" id=toc-12> المقدمة</span>\nإن الناظر في اختلاف الصحابة والأئمة في بعض المسائل يجد أن مصدر هذا الخلاف هو اختلاف الناظر نفسه في آية من كتاب الله أو حديث من سنة النبي ﷺ، وقد كان السلف يردون كل الأقول التي تعارض حديث النبي ﷺ، بل كان يشنع بعضهم على بعض في أخذه لأقوال الصحابة دون قول رسول الله، حتى وصل الحال في هذا إلى السب والهجر ونحو ذلك، فمن حق رسول الله علينا: الدفاع عنه، والذود عن سنته، والحفاظ عليها بكل استطاعتنا وجهدنا.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>مكانة النبي ﷺ عند الله تعالى</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: نستهل اليوم بإذن الله شرح هذا الكتاب العظيم الجليل: الصارم المسلول على شاتم الرسول لشيخ الإسلام ابن تيمية، ونشرح مختصر الكتاب لا أصله للعلامة الشيخ محمد بن مهدي بن محمد البعلي الحنبلي.\nوقبل أن نبدأ فهناك مقدمتان لابد لنا أن نقدمها بين يدي هذا الكتاب، أولًا: هناك أمر عظيم يخص أعظم البشرية وأكرم رسول، وهو أن رسول الله ﷺ سيد الناس، وأعظمهم مكانة عند الله جل في علاه، وكفى فخرًا لهذه الأمة أن رسولها هو أعظم الرسل على الإطلاق.\nففي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، والنبي ﷺ أقسم الله بعمره، ولم يقسم بعمر ولا بحياة أحد على الإطلاق إلا بحياة النبي ﷺ لعظم حياة النبي ﷺ، ولعظم مكانة النبي ﷺ، قال الله تعالى: «لَعَمْرُكَ» يا محمد! ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢]؛ إظهارًا لمكانة وعظم حياة النبي ﷺ، ولمكانة النبي ﷺ في الدنيا فقد أمره الله على الأنبياء بأسرهم، فإنه حينما أسري به صلى إمامًا بالرسل، وحين عرج به فرض عليه أفضل الفرائض ألا وهي: الصلاة، وقد أوحى إليه وحيًا فيه أعظم ما يكون وهو كتاب الله، ويوم القيامة يبين الله جل وعلا ويظهر كرامته ومكانته فيجعل الناس تستشفع به يوم القيامة.\nإذًا: الناس سيذهبون إليه إظهارًا من الله جل في علاه لكرامة النبي ﷺ، ولا يمكن أن يبلغها أحد إلا رسول الله ﷺ، وذلك عندما يقول: أنا لها، أنا لها، ثم يأتي يسجد تحت العرش، فالله جل وعلا يوحي إليه بمحامد لم يكن يعلمها قبل ذلك، فيحمد الله بها ثم يقول له: (يا محمد! -بأبي هو وأمي- ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع)، إظهارًا لكرامة النبي ﷺ، ولا غرو ولا عجب، فما من نبي أرسله الله لقومه فمنحه فضلًا أو شرفًا أو فضيلة يتفضل بها على قومه إلا ومنحها رسول الله ﷺ.\nفهذا موسى ﵇ أفضل ما فضل الله به موسى على البشر أجمعين أنه اصطفاه بكلامه وبرسالاته، كما قال آدم ﵇: (أنت موسى الذي خط الله لك التوراة بيده، واصطفاك بكلامه)، وقال الله تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، فهذه من أفضل الفضائل لموسى ﵇، وللنبي ﷺ حظ منها لمكانته عند الله جل في علاه، فإن الله كلم موسى بحجاب دون واسطة، وكلم محمدًا ﷺ بحجاب دون واسطة أيضًا؛ لأنه لما عرج به تكلم مع الله دون واسطة ودون وحي، وفرض الله عليه خمسين صلاة، ثم تكلم مع موسى فقال موسى: أمتك لا تستطيع أن تصبر على ذلك، فرجع يعاود الكلام مع الله ويكلمه الله جل في علاه.\nويوسف ﵇: من أفضل ما منح الجسد فكان من أجمل الناس، حتى إن النساء قطعن أيديهن عندما رأينه، والنبي ﷺ أوتي من الجمال مثل ما أوتي يوسف ﵇، فعندما رأى البراء النبي ﷺ قال: (نظرت إلى رسول الله -بأبي هو وأمي- ونظرت إلى القمر ليلة البدر، فلرسول الله ﷺ أجمل من القمر ليلة البدر).\nولما منح الله جل في علاه إبراهيم أبو الأنبياء الخلة، وهو أعظم الرسل على الإطلاق دون النبي ﷺهذا عند أهل التحقيق- أيضًا منح الله جل في علاه نبينا ﷺ الخلة، فقد قال النبي ﷺ: (لو كنت متخذًا من البشر خليلًا لاتخذت أبا بكر، ولكن صاحبكم خليل الرحمن)، وأما الحديث الذي رواه ابن عباس ﵁ وأرضاه: (الخلة لإبراهيم والرؤيا لمحمد)، فلا يصح عن ابن عباس، بل الخلة لإبراهيم ولمحمد ﷺ.\nأيضًا: منح عيسى ﵇ أنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله، وهذه حدثت لنبينا ﷺ كما حدثت مع عيسى ﵇.\nوإظهارًا لشرف النبي وعظم مكانة النبي ﷺ عند الله جل في علاه، فإن رسول الله ﷺ أخذ خشبة وهزها -هذه لموسى وعيسى- فتحولت سيفًا معجزة من الله جل في علاه لنبينا ﷺ فأخذها، أما موسى فلم يأخذ العصا حين تحولت إلى حية، فتحولت الخشبة سيفًا في يد النبي ﷺ، وقال: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام الزبير فقال: أنا يا رسول الله ﷺ، فسكته النبي ﷺ ولم يعطه إياه، ثم هز السيف مرة ثانية، وقال: من يأخذ هذا السيف بحقه، حتى قام أبو دجانة ﵁ وأرضاه، فأعطاه النبي ﷺ السيف)، وكان نظر النبي ﷺ دقيق جدًا، فهو يعلم أنه سيأخذه بحقه.\nوأيضًا عيسى ﵇ كان يبرئ الأكمه والأبرص والأعمى، ورسول الله ﷺ في معركة سقطت عين صاحب من صحابة رسول الله ﷺ على خده، فأخذها النبي ﷺ فوضعها مكانها، فكان يرى بها أفضل من العين الأخرى، وأيضًا في قصة قتل سلام بن أبي الحقيق اليهودي لما كسرت ركبة عبد الله بن أنيس، أخذها النبي ﷺ ومسح عليها فبرئت، وهذه أيضًا لعيسى ﵇ وحباها الله لنبينا ﷺ، فكل خصال الخير كانت لرسول الله لعظم مكانته عند ربه جل في علاه.\nفالأمة لها أن تفخر -ولا غرو لها- بأن رسول الله ﷺ هو سيد هذه البشرية، وأن رسول الله ﷺ هو رسول هذه الأمة، فله حق عظيم على هذه الأمة.","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>حق النبي ﷺ على أمته</span>\nحق النبي ﷺ على هذه الأمة عظيم، لكن بدون إفراط فيه أو تفريط، ومن هذه الحقوق: أولًا: الاعتقاد الجازم والإيمان الراسخ بأنه مرسل من ربه جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، فـ: (رسله) عموم يدخل فيها رسول الله ﷺ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦]، وقال: ﴿وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد:٢٨]، فهذا أمر من الله جل في علاه، أن تعتقد اعتقادًا جازمًا أن محمدًا ﷺ رسول من الرسل الذين أوحى الله إليهم وحيًا عظيمًا جاء به إلى البشرية.\nثانيًا: من حق النبي ﷺ على هذه الأمة بعد الإيمان برسالة محمد ﷺ، وأنه أوحي إليه من قبل ربه: أن رسالته عامة للثقلين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وأيضًا قال الله تعالى: ﴿كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ:٢٨]، وقال الله تعالى على لسان النبي ﷺ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨].\nوفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (فضلت على الأنبياء بست -وذكر من هذه الست- وكان كل نبي يبعث في قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة)، بل لم يكتف بذلك، فلم يرسل النبي ﷺ إلى الناس فقط، بل أرسله إلى الجن أيضًا، فهو مرسل إلى الثقلين، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩].\nوفي الحديث عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه أنه قال: (اختفى رسول الله ﷺ ذات ليلة عنهم، فبين له مكان نيران الجن وأخبره بأنه ذهب إلى الجن يتلو عليهم آيات الله جل في علاه)، فرسالته عامة، فهذا حق للنبي ﷺ، وهذا الرد القوي على اليهود والنصارى الذين يقولون: هو نبي، لكن للأميين، فأنت لابد أن تعتقد اعتقادًا جازمًا بأن الرسول أرسل إلى الجن وإلى الإنس.\nثالثًا: من حق النبي ﷺ على هذه الأمة: تصديقه فيما أخبر ﷺبأبي هو وأمي- ولِم لا وهو الصادق المصدوق؟ فقد أخبر من قبل ربه جل في علاه، وجبريل لم يكذبه وهو لم يكذب، قال ابن مسعود: أوصاني الصادق المصدوق، فهو صادق في قوله، وهو مصدوق فيما يأتيه، قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، يعني: لا يتكلم من هوى نفسه، ولا من تلقاء نفسه، بل هو وحي من قبل الله جل في علاه.\nفوجب عليك تصديق كل خبر أسند إلى النبي ﷺ إسنادًا صحيحًا، ومن تبعات ذلك أن تعمل به.\nإن النبي ﷺ كان إذا تكلم بكلمة وفي مجلسه عبد الله بن عمرو بن العاص كتب كل شيء يتكلم به النبي ﷺ فلامه أهل قريش وأكابر المهاجرين فقالوا: كيف تكتب كل كلمة عن النبي ﷺ وهو بشر يصيب ويخطئ ويغضب ويضحك ويفرح ويحزن؟ فذهب إلى رسول الله ﷺ يخبره بهذا الخبر، فقال له النبي ﷺ: (اكتب، والله ما يخرج من هنا إلا الحق، أو قال: إلا الصدق)، ما يخرج منه إلا الوحي من الله جل في علاه، حتى ولو قلنا: بأن له الاجتهاد فإن الله لا يقر رسوله ﷺ على خطأ أخطأه، وليس ببعيد عنا قول الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢]، ولما اجتهد في دعوة أكابر قريش وترك ابن أم مكتوم، فأنزل الله كلامًا يعاتبه على ذلك، ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:١ - ٣]، فله أن يجتهد لكنه لا يقرر على خطأ، فلذلك قال له: (اكتب، والله ما يخرج من هنا إلا الصدق، أو ما يخرج إلا الحق).\nولذلك لما جاء هذا القميء البئيس وقال لرسول الله ﷺ: اعدل، فهذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فقال النبي ﷺ: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟!)، كيف لا تأمنوني وقد استأمنني الله جل في علاه على الوحي وأنا أبلغ عن ربي جل في علاه.\nولنعم ما فعل خزيمة بن ثابت عندما جاء أعرابي فباع للنبي ﷺ فرسًا، ثم أعطوه فيه ثمنًا أغلى من ذلك، فقال النبي ﷺ: (قد بعت لي؟ قال: لا ما بعت لك، عليّ بشاهدين -يعني: ائت بشهود يشهدون أنني قد بعت لك هذا الفرس- فقام خزيمة بن ثابت فقال: أنا أشهد أن رسول الله ﷺ قد اشترى منك)، فتعجب رسول الله ﷺ منه، فما كان هناك ثمة أحد يجلس بين رسول الله ﷺ وبين الأعرابي في البيع والشراء؟ فقال له: (يا خزيمة! كيف تشهد على شيء لم تره أو تشهده، فقال له: يا رسول الله! أصدقك في خبر السماء ألا أصدقك في خبر البيع والشراء، فقال له النبي ﷺ: شهادة خزيمة بشهادة رجلين)، وكانت منقبة عظيمة لـ خزيمة؛ لأنه أدرك أن رسول الله ﷺ لا ينطق عن الهوى بحال من الأحوال.\nرابعًا: من حق النبي ﷺ على هذه الأمة: تعظيم النبي ﷺ في وقتنا هذا، وتعظيم سنته وحملتها، إذا رأيت رجلًا يحمل سنة النبي ﷺ رأيت نورًا في وجهه لقوله: (نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها)، فيحترم ويعظم ويوقر يحترمه ويعظمه ويوقره توقيرًا لرسول الله ﷺ.\nفمن حق رسول الله على هذه الأمة: تعظيم النبي وتوقيره والأدب الجم معه ﷺ، قال الله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح:٩]، (تسبحوه) خاصة بالله جل في علاه، (تعزروه وتوقروه)، هذه تدل على نصرة النبي ﷺ، وتعظيمه ومحبته، وأن تجعل محبة النبي ﷺ فوق محبتك لنفسك ولغيرك.","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>صور من حب النبي ﷺ</span>\nقال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما).\nوفي الصحيح أيضًا عن النبي ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ونفسه والناس أجمعين، فقام عمر فقال: يا رسول الله! أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي! قال: لا يا عمر -يعني: لم تستكمل الإيمان الواجب في قلبك حتى الآن- قال: الآن يا رسول الله! قال: الآن يا عمر -أي: استكملت الإيمان الواجب-).\nفقال النبي ﷺ: (لا يؤمن)، وهذا نفي قاطع: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ونفسه والناس أجمعين) وصور المحبة وتقديم النبي ﷺ على النفس صور عظيمة جدًا، وقد ضرب أروع الأمثلة لذلك صحابة رسول الله ﷺ، وهم بهذا يبينون لنا التطبيق العملي لقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة:١٢٠].","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>أبو بكر الصديق</span>\nفهذا أبو بكر ﵁ وأرضاه -إن صحت القصة، وفي السير يتسامح في الأسانيد- عندما دخل الغار أخر رسول الله؛ لأنه يعلم أن رسول الله ﷺ هو الشمس التي تنير الدنيا؛ فدخل الغار أولًا فسد كل فوهة أو فتحة في الغار فلم يجد شيئًا غير ثيابه فسد بها، ثم وجد فتحة واحدة لا تسدها ثيابه فسدها برجله، فجاءت حية فقرصته قرصة كاد يموت منها، ودموعه تنزل على خد رسول الله ﷺ، كل هذا حفاظًا على رسول الله ﷺ، يقدم نفس رسول الله ﷺ على نفسه.\nوأروع من ذلك عندما رحل معه براحلته وهو يتقدم أمام رسول الله ثم يكون خلفه، ثم عن يمنيه ثم عن يساره ﷺ، فمن رآه قال: هذا رجل مجنون! كيف يتقدم ثم يتأخر، ثم يأتي يسارًا ثم يمينًا؟ لِم يفعل ذلك؟!! وكأنه لن يجد جوابًا لفعل أبي بكر إلا قولًا واحدًا هو: نفس رسول الله تقدم على نفسي، فبه الإسلام وأنا ليس بي شيء، فيقدم نفس رسول الله ﷺ على نفسه.","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>طلحة بن عبيد الله</span>\nوهذا طلحة ﵁ وأرضاه طلحة الخير، ففي غزوة أحد عندما تخلف الرماة عن أمر رسول الله ﷺ، وكاد المشركون أن يظفروا برسول الله، وأن يقتلوه قام النبي ﷺ وقال: (من يصد القوم عنا وهو رفيقي في الجنة)، فقام طلحة الخير، فقال: لا، فأجلسه رسول الله ﷺ، ثم قام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله! فقاتل حتى قتل، وهو ينافح عن رسول الله، ويقدم نفس رسول الله على نفسه.\nفهذه هي المحبة الصادقة، وهذا هو التعظيم والتوقير الصادق.\nثم بعد ذلك يقول النبي ﷺ: (من يصد القوم ويكون رفيقي في الجنة)، فيقوم طلحة والنبي ﷺ يقول له: (اجلس، ليس الآن) حتى مات الأنصار عن بكرة أبيهم، فقال النبي ﷺ: (ما أنصفنا إخواننا)، وفي رواية أخرى: (ثم قام طلحة ينافح عن رسول الله ﷺ ويحميه ﷺ ويحتضنه، ويقول: لا ترفع رأسك يا رسول الله لئلا يأتيك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك يا رسول الله! ثم قاتل حتى كسر سيفه فألقاه، وأخذ ينافح عن رسول الله، ويدفع عن رسول الله السيوف التي تنهال عليه حتى شلت يده، فقال لـ أبي بكر وعمر عندما أتيا: (دونكم صاحبكم فقد أوجب) أي: أوجب الجنة بما فعل، لما قدم نفس رسول الله على نفسه.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>سعد بن أبي وقاص</span>\nولما قال النبي ﷺ: (من يحمي رسول الله؟! قام سعد مدججًا بسلاحه، وقال: أنا يا رسول الله! حتى أنزل الله جل في علاه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧])، فهو حق عظيم لرسول الله ﷺ على هذه الأمة، فإن لم نجد جسد النبي ﷺ بيننًا فسنة النبي ﷺ تعظم وتوقر وتفدى بالأنفس، كما أن النبي ﷺ لو كان حيًا بين أظهرنا لوجب علينا أن نفديه بأنفسنا فكذلك سنته لها نفس المكانة، وحملة سنة النبي ﷺ لهم مكانة، فهم ورثة رسول الله ﷺ.","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>الأدب مع رسول الله</span>\nومن أروع الأمثلة في الأدب تلك التي ضربها الصحابة أدبًا مع رسول الله، حتى تتأدب أنت مع رسول الله، وإذا قيل لك: قال رسول الله! فما عليك إلا أن تطأطئ رأسك متأدبًا مع سنة النبي ﷺ، ولا تعارض بعقلك بحال من الأحوال، بل تقول: سمعت وأطعت، وتتبنى قول الشافعي: آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله ﷺ.\nوقد ضرب لنا الصحابة أروع الأمثلة في الأدب مع رسول الله، فقبل غزوة الحديبية عندما ذهب النبي ﷺ، قبل أن يأتي عروة بن مسعود الثقفي، لما بعث النبي ﷺ عثمان ليحاور القوم أشيع بينهم أنه قد قتل، فقام النبي ﷺ تحت الشجرة فبايع على الموت، فأخذ يبايع على الموت والتف الصحابة حول رسول الله ﷺ، فقام معقل بن يسار -انظروا إلى الأدب- وأخذ غصن الشجرة فجعلها فوق النبي ﷺ ليستظل به رسول الله ﷺ، ولا يكل ولا يمل أدبًا مع رسول الله.\nوهذا الذي فعله أبو بكر حتى يعلم الناس أن هذا هو رسول الله، وأن هذا هو صاحب رسول الله ﷺ، فكانوا يتأدبون مع رسول الله أعظم الأدب، فعندما كان في صلح الحديبية قام عروة ينظر في الناس، وينظر في رسول الله، فيجلس رسول الله ﷺ ويأخذ عروة بلحية النبي ﷺ فيلعب بها، وهو يريد أن يترفق ويتلطف مع رسول الله، لعله يستجيب لقوله، ويقول: يا محمد! أرأيت أحدًا قبلك عصف بقومه، أرأيت أحدًا قتل أباه، أو قتل أخاه، أو قتل ابنه مثلما تفعل أنت، أرأيت إن كانت الأخرى، والله إني ما أرى حولك إلا أوباشًا من الناس يفرون عنك عند اللقاء، فقام المغيرة -وكان ابن أخته- فأخذ غمد السيف، وضرب بها على يديه أدبًا مع رسول الله، وهو يقول له: انزع يدك عن لحية رسول الله ﷺ، وأبو بكر لما سمع عروة وهو يقول: (أوباشًا من الناس) يعني: أخلاطًا سيفرون عنك، قال الكلمة الفظيعة التي لم ترد على لسان أبي بكر بحال من الأحوال إلا في هذا المحل أدبًا وتعظيمًا لمكانة رسول الله ﷺ من الصحابة، قال: نحن نفر عن رسول الله! امصص بظر اللات! وأقر النبي ﷺ ذلك، قال تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨]، وهذه مظلمة عظيمة جدًا لأصحاب رسول الله، قال: نحن نفر عن رسول الله! امصص بظر اللات! فـ عروة يقول من القائل بهذا القول؟! قالوا: أبو بكر، فقال: لولا يد لك عندي -يعني: نعمة وكرامة لك عندي- لأجبتك.\nفالشاهد: قال عروة بعدما رجع إلى قريش، قال: أذعنوا لهذا الرجل، والله إني قد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي وما رأيت أحدًا يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله -هنا الشاهد- ما تنخم نخامة فوقعت في يد أحدهم إلا دلك بها جسده ووجهه، ووالله ما توضأ إلا ورأيتهم يتقاتلون على وضوئه؛ تعظيما وأدبًا وتوقيرًا لرسول الله ﷺ وجنابه، ووالله ما رأيته يأمر بالأمر إلا وهم يبتدرون لا يتقاعسون.\nيبتدرون لامتثال أمر رسول الله ﷺ توقيرًا وتعظيمًا وأدبًا لمكانة النبي ﷺ، وهذا عظم حق رسول الله ﷺ على هذه الأمة.\nفكل واحد منا يسأل نفسه، من عظم رسول الله حق تعظيمه؟ هل تأدب مع رسول الله حق الأدب؟ هل وقر رسول الله حق توقيره؟ والتوقير كما قلت في زماننا يكون مع سنة النبي ﷺ.\nفما نرى الآن إلا أوباشًا من الناس يقدمون قول الفقيه وقول الشيخ على قول رسول الله ﷺ، يربطون الناس بالأشياخ الأحياء ولا يربطونهم بالشريعة الغراء التي تحيا إلى أبد الدهر، حتى يأذن الله جل وعلا بخراب الدنيا.\nهل وقرنا سنة النبي ﷺ؟ هل قدمنا قول النبي ﷺ على قول أي أحد؟ هل عملنا بما قاله ابن القيم وما أروع ما قاله: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه فإذا قلت لأي إنسان منهم: قال رسول الله! يقول لك قال الشيخ الفلاني كذا! وكأنه يعظم الشيخ ولا يعظم سنة النبي ﷺ، ويوقر الشيخ ولا يوقر شريعة النبي ﷺ، فما هذا التيه والتخبط الذي عشناه؟ ما هذا إلا سوء أدب مع سنة النبي ﷺ.","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>وجوب التحاكم إلى رسول الله في حياته وإلى سنته بعد وفاته</span>\nومن حق النبي ﷺ على هذه الأمة: اتباع النبي ﷺ وتعظيم السنة والتمسك بها، والعمل بها، والتحاكم إلى رسول الله ﷺ، واعلم أنك كلما تنازعت في شيء فلا يحل لك هذا الشيء إلا رسول الله ﷺ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، ولم يجعل طاعة أولي الأمر مستقلة بل تابعة لطاعة رسول الله وطاعة رب رسول الله ﷺ.\nقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٢]، وانظر ودقق النظر وتدبر في كتاب الله جل في علاه، قال: (لعلكم ترحمون) قال ابن عباس: (لعل) في القرآن قاطعة، يعني: لا بد أن تتحقق، فهي ليست للرجاء، بل هي متحققة، والله جل وعلا يبين لكم أن تحقق الرحمات يكون باتباع رسول الله، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» [آل عمران:١٣٢] يعني: إذا أطعتم الرسول ﷺ سترحمون.\nوأيضًا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، يعني: ستبطلون أعمالكم إن لم تتبعوا رسول الله ﷺ، فأناط التسديد والتوفيق والرحمات بطاعة رسول الله ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] يعني: بعدم اتباع النبي ﷺ، وبمخالفة رسول الله ﷺ.\nوقال الله تعالى مبينًا أن طاعة الرسول هي طاعة الله ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠].\nوأيضًا يقول الله جل في علاه مبينًا عظم مكانة اتباع النبي ﷺ من هذا الدين، وقد زعم قوم أنهم أحبوا الله فاختبرهم الله بآية المحنة، كما قال الحسن: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١].\nفعلامة محبة الله جل في علاه: اتباع السنة، فإذا رأيت الرجل يذكرك بربك، ويزعم أنه يعمل لله، ولم يتبع النبي ﷺ، فاعلم أنه كاذب -ليس مطلقًا- في بعض أقواله، كيف والله جل في علاه قد أناط علامة المحبة باتباع رسول الله؟ (قل إن كنتم) شرطية قاطعة ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، وهذه بالمفهوم: إن لم تتبع رسول الله ﷺ فلست محبًا لله جل في علاه، وهذه الآية قاطعة للظهور، قاصمة لكل رجل يدعي محبة الله أو يدعي التدين وهو لا يتبع رسول الله، بل يعانده صلى الله ﷺ ويحادده ﷺ، وكثير من أهل التصوف الآن يزعمون محبة آل البيت، ويتغنون بمحبة رسول الله ﷺ، وهم يخالفون النبي ﷺ في أصل الأصول وهو أهم ما يكون في هذه الدنيا وفي هذه الشريعة ألا وهو صحة العقيدة في الله جل في علاه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].\nبل أناط الله جل في علاه الإيمان بالتحاكم لرسول الله ﷺ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فنفى الإيمان، فلا يمكن أن يكون مؤمنًا من لم يعمل بهذه الآية ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فإذا قيل لك: قال رسول الله في المسألة فاضرب قول أي أحد عرض الحائط، وخذ بقول النبي ﷺ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].\nقال تعالى: «فَلا وَرَبِّكَ»، وهذه الآية من أقوى ما يكون، وهي زاجر ورادع شديد لكل من لا يتحاكم إلى رسول الله ﷺ أو يتحاكم إلى كتاب الله جل في علاه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، هذه الآية من أقوى الآيات في الحث على الاتباع والتحاكم لله ولرسوله، وفيها أمور ثلاثة: قال الله تعالى: «فَلا وَرَبِّكَ»، وهو قسم فيه مؤكدات ثلاثة «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ» حتى: جعلها للغاية، فالتحكيم ليس فقط هو الذي يدل على الإيمان، بل لابد من أمور أخرى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لقد أقسم الله بربوبيته على نفي الإيمان عمن لم يتحاكم إلى شرعه فهل لا يؤمن حتى يحكم الشرع لله أم لا يؤمن حتى تتوفر أمور أخرى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هناك قاعدة قعدها شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الحكم إذا أنيط بعلل أو بشروط لا يكون متحققًا إلا بتوفر الشروط، ولو غاب شرط واحد لا يتحقق الحكم، إذًا: قول الله تعالى: (لا يؤمنون) نفى الإيمان، «حَتَّى يُحَكِّمُوكَ» هذا أول شرط حتى يكون الإيمان متواجدًا في القلب: (يحكموك) فلا بد أن تتحاكم لله ولرسوله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] يعني: إلى كتابه وإذا قال (إلى الله) يتضمن ذلك إلى الرسول لأنه مبلغ عن الله، وإذا قلنا: (إلى الله) يعني: إلى كتاب الله، وكتاب الله قد أمرنا باتباع النبي ﷺ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].\nقال: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]، صغير أو كبير، دقيق أو جليل، وحتى في البيوت نحن نقول للمرأة مع زوجها: إن أردت الخير فاجعلي الشرع حاكمًا بينك وبين زوجك، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠].\nفلنعم البيت الذي يقام على الشرع! ولنعم البيت الذي يتحاكم فيه الزوج مع الزوجة بشرع الله جل في علاه، ولنعم التربية إن كانت على سنة النبي ﷺ، وإن كان الخلل موجودًا، لكن رأس الأمر عند الرجل والمرأة والأولاد والأصدقاء والإخوان هو: أن مردنا إلى الله ورسوله فهو أهم شيء، أما الآن فالمرد إلى الأهواء أو الخبراء، والصحيح: أن المرد لابد أن يكون لله وللرسول.\nقال تعالى: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥].\nهذا الشرط الثاني.\nقال: (ثم لا يجدوا في أنفسهم) فلو وجد امرؤ وهو يتحاكم لله ولرسوله الحرج، نقول له: الإيمان قد انتفى من صدرك.\nفالشرط الثالث هو: التسليم العام، فلابد بعد أن تحركم بشرع الله ألا لا تجد في صدرك حرجًا، وأن تسلم تسليمًا كاملًا.\nوما أروع هذا المثل وإن كان الحديث ضعيف لكن نستأنس به: فقد اختصم رجل يهودي مع منافق، فقال له اليهودي: تعال معي يفصل بيننا رسول الله، فذهبا إلى رسول الله، فحكم لليهودي؛ لأن الحق كان مع اليهودي، فلم يرضَ المنافق بحكم رسول الله ﷺ، وقال: لا أرضى! قال اليهودي: ما ترتضي بحكم رسول الله؟ قال المنافق: لا، إلا أن أذهب إلى أبي بكر، فذهبا إلى أبي بكر فحكم فوافق حكمه حكم النبي ﷺ، فحكم لليهودي فقال: والله لا أرضى، قال: ولا ترضى بـ أبي بكر؟ قال: ولا أرضى إلا أن نذهب إلى عمر بن الخطاب، فذهبا إلى عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه فقصا عليه القصة، فقال: عمر أو ترضى بحكمي؟ قال: أرضى بحكمك؟ فدخل فاستل سيفه ففصل عنقه من جسده قال: هذا حكم الله! قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، ولو صح هذا الحديث لقلت: قد اجتهد عمر، وعلم أن من لم يرضَ بحكم رسول الله فهو كافر، لكن لابد أن تقام الحجة وترفع الشبهة، ويبدو أن عمر كان يرى أن هذا الأمر معلوم من الدين بالضرورة، قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء:٦٥].","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>صور من تحاكم الصحابة لرسول الله</span>\nوما أروع تمسك صحابة رسول الله بسنة النبي ﷺ، وتقديم قول رسول الله على كل شيء، وتقديم فعل رسول الله وإقراره على كل رأي وهوى! إن الله أوحى إلى نبيه أن يبلغ الأمة بأسرها أن تعض على سنته بالنواجذ، فقال كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟! -أي اندهشوا من هذا الذي يأبى أن يدخل الجنة- قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى).\nوقال ﷺ: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله)، بل ارتقى إلى قول أكثر من ذلك، قال: (من أطاع أميري فقد أطاعني)، ومن أطاع رسول الله فقد أطاع الله جل في علاه، (ومن عصى أميري فقد عصاني)، ومن عصى رسول الله فقد عصى الله جل في علاه.\nفهو يؤسس أصلًا لا بد من العمل به.\nوأيضًا صح عنه ﷺ في مسند أحمد ورواية في سنن أبي داود: قوله (لا ألفين أحدكم على أريكته شبعان، يأتيه الأمر من أمري فيقول: ننظر في كتاب الله!)، فلا يحق له أن يفعل ذلك، فما علمنا كيفية الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر إلا من سنة النبي ﷺ، وفي رواية الحاكم قال: (لا ألفين أحدكم شبعان على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: ننظر في كتاب الله، فما وجدناه حلالًا أحللناه، فقال النبي ﷺ: ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله، وما أحل رسول الله كما أحل الله).\nوفي المسند من حديث العرباض بن سارية قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال النبي ﷺ: إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)، وفي رواية للنسائي قال: (وكل بدعة في النار).\nلذلك وعى الصحابة الدرس عن رسول الله، وتمسكوا بسنة النبي ﷺ فقادوا وسادوا، وكانت لهم الريادة المطلقة؛ لأنهم حكَّموا رسول الله، وقول رسول الله، وسنة رسول الله ﷺ في كل دقيق وجليل، في كل صغير وكبير.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>أبو بكر الصديق</span>\nهذا أبو بكر ﵁ وأرضاه عندما أراد أن يقاتل مانعي الزكاة عقد مجلس الشورى، فقام عمر بن الخطاب، والذي لا بد أن يناصره قام مخالفًا له، وأعلن المخالفة الصريحة لـ أبي بكر، فقال: كيف تقاتل قومًا قالوا: لا إله إلا الله، ورسول الله ﷺ يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله -وقد قالوها-)؟ وهنا أبو بكر ﵁ وأرضاه يعلن السنة النبوية، قال: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فقد سوى الله بينهما، ولذلك أيد قول أبي بكر أبو هريرة ﵁ برواية عن النبي ﷺ، فقد قال رسول الله ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإن فعلوا ذلك -من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة- عصموا مني دماءهم وأموالهم)، ومفهوم المخالفة: أنهم إن لم يفعلوا كل ما ذكر فإنهم لن يكونوا معصومي الدم ولا المال؛ ولذلك قاتلهم أبو بكر، وقال عمر بن الخطاب: (والله لقد وجدت أن الله جل في علاه شرح صدر أبي بكر للقتال فوافقت على ذلك).\nأيضًا: فرسول الله ﷺ جيَّش الجيوش وجعل عليها أسامة ليرد على الروم، بل وجعل أسامة -انتصارًا لأبيه زيد ﵁ وأرضاه- أميرًا على هذا الجيش وهو لم يبلغ العشرين من عمره، فقام عمر بن الخطاب وقام المهاجرون والأنصار يقولون لـ عمر: كيف يؤمر هذا الصبي على هذا الجيش العرمرم، فقال عمر نكلم أبا بكر ألا ينفذ جيش أسامة، فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قد رفع لواء الجيش، فوالله! لو جرت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين لأنفذت جيش أسامة؛ وهذا لأنه يرى الخير كل الخير فيما رفعه رسول الله ﷺ، ويرى الخير كل الخير في العض بالنواجذ على سنة النبي ﷺ.\nوجاءت الجدة تسأل أبا بكر ﵁ وأرضاه عن ميراثها، فقال: (لا أعرف لك في كتاب الله شيئًا، ولا أعرف في سنة النبي ﷺ شيئًا، لكن أسأل أصحاب رسول الله، فإن كان قد أعطاك رسول الله ﷺ شيئًا أعطيناك إياه).\nوهذا قمه الاتباع والتحري لسنة النبي ﷺ، فقد جهل هذه السنة، لكنه أراد أن يتعلمها من أصحاب رسول الله ﷺ، فعقد مجلس الشورى، فشهد المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أن رسول الله أعطى الجدة السدس، فأعطاها أبو بكر السدس، تحريًا لسنة النبي ﷺ.","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>عمر بن الخطاب</span>\nوعمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، فقد كان يتحرى دائمًا سنة النبي ﷺ ولا يحكم إلا بها، أرأيت في مرض موته عندما قالوا له: (استخلف! قال: إن استخلفت فقد استخلف من هو أفضل مني يريد أبا بكر، وإن لم أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني يريد رسول الله ﷺ.\nفكانت سنة النبي أوفق له من سنة أبي بكر، مع أن سنة أبي بكر سنة متبعة، لكن سنة النبي ﷺ كانت أريح لقلب عمر بن الخطاب فقال: هو في هؤلاء الستة ولم يستخلف صراحة.\nوأيضًا عمر بن الخطاب لما سئل عن الجنين في بطن أمه يقتل خطأ فما فيه من دية؟ فما كان عمر يعلم، فعقد مجلس الشورى حتى قالوا له: إن رسول الله حكم في الجنين بغرة، فأخذ به وحكم بسنة النبي ﷺ.\nفهؤلاء قوم تحروا سنة النبي ﷺ، فلا يسيرون يمينًا ولا يسارًا، ولا يتقدمون ولا يتأخرون إلا بسنة، عملًا بقول الثوري، ولنعم ما قال الثوري ولنكتب في صدورنا هذا القول بماء الذهب: لا تحك رأسك إلا بأثر.","vol":"2","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>عثمان ﵁</span>\nوهذا عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، عندما عز عليه معرفة سنة النبي ﷺ في المرأة التي مات عنها زوجها أين تعتد؟ قال: أتحرى، ولا أتحرى إلا سنة النبي ﷺ، ولا أتكلم برأيي في هذه المسألة، فكانت السنة في المسألة حديث فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري: أنه مات عنها زوجها، فأمرها -هنا وجه الشاهد- رسول الله أن تعتد في بيتها، فأبلغ محمد بن مسلمة عثمان بن عفان، فقال: أحكم بسنة النبي ﷺ.\nفلا غرو ولا عجب، فإن هؤلاء القوم يعلمون أن النجاة في سنة النبي ﷺ، كما قال السيوطي: علمنا أن النجاة في التمسك بسنة النبي ﷺ.\nإذًا: فالهلاك كل الهلاك في التمسك بأقوال الفقهاء والضرب بسنة النبي ﷺ عرض الحائط.","vol":"2","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>علي بن أبي طالب يتبع السنة ويخالف عثمان</span>\nوهذا علي بن أبي طالب يخالف عثمان من أجل سنة النبي ﷺ، وقد كان عثمان يتم الصلاة في منى، وكان عثمان في المدينة، فعليه إذا سافر إلى الحج أن يقصر الصلاة، وكان النبي ﷺ يقصر في منى، فيصلي الظهر في وقته والعصر في وقته قصرًا دون الجمع، فتأول عثمان بأن له بيتًا في مكة فكأنه من المقيمين، فقال: أتم، فقام ابن مسعود يصلي خلفه، وقال: الخلاف شر كله، ثم قال: وسنة النبي أن يقصر، وأعلنها أمام الناس.\nأما موقف علي بن أبي طالب فهو عندما قال عثمان: لا متعة في الحج، يعني: لا تعتمر ثم تحل ثم تحرم بعد ذلك بالحج، فقال علي بن أبي طالب أمام البشر أجمعين، وهذه الحالة لها تأويل؛ لأن المفروض أن تنصح ولاة الأمور إذا أردت أن تنصحهم سرًا أو بالكتابة لا علنًا، لكن عليًا بن أبي طالب له الوجاهة أمام الناس، وهو يعظم سنة النبي ﷺ والناس يعظمونها كما يعظمون عثمان بن عفان، فقام في منى أمام الناس جميعًا، وقال: لا والله لا أترك سنة رسول الله لقول أحد كائنًا من كان، ولو كان أمير المؤمنين، ولو كان عثمان ذا النورين.\nفقال: لبيك اللهم بعمرة متمتعًا بها إلى الحج، عملًا بسنة النبي ﷺ.\nوقد سب علي بن أبي طالب ابن عباس، وأغلظ له في القول، فإن ابن عباس كان يقول بالمتعة للمضطر، ويفتي بها للمضطرين، فقام علي بن أبي طالب فقال لـ ابن عباس: إنك رجل تائه، أمام البشر، يقول ذلك في ابن عباس حبر الأمة، وبحر العلوم والتفسير، لكن عليًا بن أبي طالب جعل الفاصل بينه وبين ابن عباس ليست الخلافة، ولا لأنه أمير المؤمنين، لكنه يلقمه الحجر بسنة النبي ﷺ.\nقال علي بن أبي طالب: يا ابن عباس! إنك رجل تائه، إن رسول الله قد حرم زواج المتعة.\nوهذا الذي فعله عبد الله بن الزبير أمام الملأ لما كان أميرًا على مكة في خلافته لما بويع، فقد قال: وانظروا إلى الشدة من أجل الحفاظ على السنة، لتعلموا عظم حق سنة النبي ﷺ عليكم، قام خطيبًا في الناس، فقال: ما لي أرى أقوامًا قد أعمى الله بصيرتهم كما أعمى أبصارهم، وكان ابن عباس قد عمي في آخر حياته، فقال له ابن عباس: ما لي أراك جلفًا أعرابيًا غليظًا، فقال له ابن الزبير: افعلها إن شئت وسترى كيف أرجمك أمام الناس؛ لأن النبي ﷺ قد حرم المتعة، فكيف تفتي أنت فتوى خلاف سنة النبي ﷺ؟ انظروا كيف تكون الشدة والغلظة من أجل الحفاظ على سنة النبي ﷺ.\nوهذا الذي اعتبر به الذهبي وكثير من المحققين في شدة مسلم على البخاري في مسألة المعاصرة؛ لأن مسألة المعاصرة ومسألة اللقيا حصل بينهما تفريق عند بعض العلماء، فاشتد مسلم جدًا في مقدمة صحيحه على البخاري وعلى علي بن المديني لِم يقولون باللقيا ويتركون المعاصرة؟ فالعلماء قالوا: اشتد مسلم على البخاري مع أن البخاري شيخه بل هو أجل شيوخه.\nقال الذهبي: وكان في مسلم حدة، فاحتد على البخاري، حتى إنه لم يروِ له رواية واحدة في صحيحه.\nقالوا: ويعتذر لـ مسلم أنه أراد الحفاظ على سنة رسول الله ﷺ، ولو كان البخاري جبل الحفظ، وأمير المؤمنين في الحديث، وله المنة عليه بأن علمه علل الحديث، مع ذلك حفاظًا على السنة يقول صراحة كما قال ابن القيم: شيخ الإسلام حبيب إلينا والحق أحب إلينا منه.","vol":"2","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>ابن عمر يسب ولده لمخالفته الحديث</span>\nوانظروا إلى ابن عمر ﵁ وأرضاه، وما أروع ما قاله وفعله ابن عمر عندما سرد حديث النبي ﷺ: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، فقام ابنه فقال له: والله لمنعهن، إذًا يتخذنه دغلًا، فقال له حفاظًا على السنة: لعنة الله عليك.\nهذه كلمة ليست بالهينة، هذه الكلمة معناها: أنه يدعو عليه أن يطرد من رحمة الله جل في علاه، وانظروا إلى الحفاظ على سنة النبي ﷺ ماذا فعل بأصحاب رسول الله؟ هذه الشدة لفلذة كبده، يقول لابنه: لعنة الله عليك.\nوفي بعض الروايات: أن ابن عمر لم يكلم ابنه هذا إلى أن مات، حفاظًا على سنة النبي ﷺ، قال ابن عمر: لعنة الله عليك، أقول لك: قال رسول الله، وتقول: نمنعهن.","vol":"2","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>عبد الله بن مغفل يهجر ابن عمه لمخالفته الحديث</span>\nوهذا أيضًا عبد الله بن المغفل المزني ﵁ وأرضاه، فقد كان يروي حديث النبي ﷺ: (نهى النبي ﷺ عن الخذف، فقال: إنه لا يصيد صيدًا ولا ينكأ عدوًا، وإنما يكسر السن، ويفقأ العين)، فلما قال ذلك لابن عمه وجده في اليوم التالي يفعل ما كان يفعله، قال: أقول لك نهى رسول الله ﷺ عن الحذف وتحذف، والله الذي لا إله إلا هو لا ساكنتك مرة أخرى، أو قال: لا كلمتك حياتي، حفاظًا على سنة النبي ﷺ.\nوهذا أبو هريرة ﵁ وأرضاه، فقد كان يروي حديث النبي ﷺ: (أنه كان يتوضأ مما مست منه النار)، فقام ابن عباس فزعًا فقال: أنتوضأ من الحميم.\nالآن: لو جاء الماء الساخن على جسدي أو شربت ماءًا ساخنًا أتوضأ منه؟ أنتوضأ من الحميم؟ قال أبو هريرة: وهو أروى الناس عن رسول الله ﷺ، والذي حفظ حديث النبي ﷺ، ويعلم أن النجاة في سنة النبي، قال: يا ابن أخي! إذا رويت لك حديثًا عن النبي فلا تضرب له الأمثال.\nولا تدخل عقلك بحال من الأحوال، بل قل: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله.","vol":"2","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>ابن عباس يغلظ على من يأخذ بقول أبي بكر وعمر في متعة الحج ويدع قول الرسول</span>\nوهذا ابن عباس نفسه ﵁ وأرضاه كان يقول بوجوب متعة الحج، والصحيح الراجح: أنها سنة وليست بواجب، لكنه كان يقول بوجوب المتعة ويقول: هي سنة نبيكم، فقام رجل فقال: أبو بكر لا يقول بذلك، وعمر لا يقول بذلك، فاشتد غضب ابن عباس وقال: أوشكت السماء أن تمطر عليكم حجارة، أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون قال أبو بكر وعمر! إن سنة رسول الله ﷺ تقدم على قول أي أحد، وابن عمر حدث له نفس الأمر في مسألة المتعة، فقد راجعوه بعدما قال بها، وقالوا: إن عمر يخالفك ويقول بعدم المتعة، فقال: أمرنا باتباع النبي وما أمرنا باتباع عمر، يعني: عند المخالفة.","vol":"2","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>سالم يخالف أباه ويتبع السنة</span>\nوهذا سالم بن عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين قال: بأن من السنة أن يتطيب المرء قبل أن يحرم، وأن يتطيب بعد الإحلال، فقالوا له: إن ابن عمر ينهى عن التطيب عند الإحرام، ويقول: ليتني تطيبت بالزفت والقار خير لي من أن أتطيب وأصبح محرمًا ينضح مني ريح الطيب، فقال سالم بن عبد الله معلنها صراحة: أمرنا باتباع رسول الله، وما أمرنا باتباع ابن عمر ﵁ وأضاه، يعني: عند المخالفة، وكل ذلك حفاظًا على سنة النبي ﷺ.","vol":"2","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>ابن مسعود يشتد على أبي موسى لمخالفته السنة</span>\nوابن مسعود كان يشتد على أبي موسى الأشعري عندما خالف حكمه حكم رسول الله ﷺ لما سألوه في المرأة التي ماتت عن بنت وبنت ابن وأخت، فقالوا: ورث يا أبا موسى؟! فقال: البنت لها النصف والأخت لها الباقي تعصيبًا.\nفقالوا لـ ابن مسعود: يا أبا عبد الرحمن قد أفتى أبو موسى بكذا، قال أقول بقوله؟ قد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين.\nانظروا إلى شدة الإنكار على أبي موسى، قال ابن مسعود: بل أحكم فيها بما حكم رسول الله ﷺ: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، والباقي للأخت تعصيبًا.\nولذلك لما تعامل الصحابة مع سنة النبي ﷺ بهذا التعامل العظيم، وحافظوا على سنة النبي ﷺ اقتدى بهم من جاء وراءهم، فاقتدى بهم التابعون وفعلوا ذلك.","vol":"2","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>أربعة مواقف لبعض العلماء في المحافظة على السنة</span>\nوأسرد لكم أربعة مواقف لعلمائنا تبين كيف حافظوا على السنة، وكيف أسسوا هذا الأساس، وهذا الأصل الأصيل لهذه الأمة؛ لأن فلاحها ونجاحها وقيادتها وريادتها وسيادتها لن تكون إلا بالعض بالنواجذ على سنة النبي ﷺ.","vol":"2","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>موقف مالك ﵀</span>\nفهذا الإمام مالك جاءه رجل وقال يا إمام! كم حج النبي ﷺ؟ قال: حجة واحدة هي حجة الوداع وأحرم من ذي الحليفة.\nفقال رجل: أأحرم من بيتي أم من قبل ذي الحليفة؟ قال: لا تفعل.\nقال: لم لا أفعل؟ قال: ترى نفسك فعلت أمرًا قصر عنه رسول الله ﷺ؟ أخشى عليك الفتنة.\nقال: وما الفتنة؟ قال: قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، فلذلك نهاه أن يفعل فعلة يرى فيها أنه قد تقدم بين يدي رسول الله ﷺ.","vol":"2","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>موقف أحمد بن حنبل ﵀</span>\nوهذا أحمد بن حنبل قال: لا تأخذ عني ولا عن مالك ولا عن الشافعي، وخذ من حيث أخذوا، يعني: خذ الإسناد، خذ حديث النبي ﷺ.","vol":"2","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>موقف أبي حنيفة ﵀</span>\nوهذا أبو حنيفة يقول: لو خالف قولي قول رسول الله ﷺ، فخذوا قول رسول الله، واضربوا بقولي عرض الحائط.\nولذلك قال ابن عبد البر في مسألة الصرف التي خالف فيها ابن عباس وقال بجواز ربا الفضل، قال ابن عبد البر: لا حجة لـ ابن عباس، بل لا حجة لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ مع قول رسول الله ﷺ؛ فقول رسول الله يقدم على قول كل أحد.","vol":"2","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>موقف الشافعي ﵀</span>\nولذلك الشافعي ﵁ وأرضاه ناصر السنة دخل عليه إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل، وكان إسحاق بن راهويه قد قال لـ أحمد: نترك ابن عيينة يقول: حدثني فلان عن فلان، ونجلس إلى هذا الحدث، فقال أحمد بن حنبل: لو فاتك العلم من عند هذا الرجل لن تجده عند غيره، فلما جلسا في مجلس الشافعي تكلم الشافعي في مسألة ديار مكة، هل تسكن؟ هل تباع؟ هل تشترى؟ هل تمتلك؟ -وهذا خلاف فقهي عريض- قال الشافعي: تمتلك ديار مكة، واستدل بحديث النبي ﷺ عندما دخل مكة فاتحًا، فقيل له: (أتدخل في ديار عبد المطلب أو قيل: في ديار أبي طالب؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من دار).\nقول النبي ﷺ (وهل ترك لنا عقيل من دار)؛ لأن عقيلًا كان كافرًا آنذاك وورث أباه أبا طالب، وأخذ وامتلك هذه الدور ثم باعها، ولذلك قال النبي ﷺ مقرًا لبيع عقيل: وهل ترك عقيل من دار، أو من ديار؟ فقال له إسحاق بن راهويه: حدثني فلان عن فلان عن فلان عن عائشة: أنها ما كانت ترى ذلك، يعني: لا ترى سكن مكة، ولا ترى أن مكة تمتلك.\nولو قلنا بهذا القول الآن، لقلنا: إن كل هذه القصور التي تدور حول مكة لا يجوز أن يأخذوا عليها فلسًا، وعليه فإنك إذا ذهبت أكبر وأعظم قصر وجلست فيه فستقول: الأجرة حرام هنا؛ فقد حرمت دور مكة أن تمتلك، وهذا قول الحنابلة، وعلماء الحجاز حنابلة خالفوا جميعًا عن بكرة أبيهم؛ لأنهم قالوا: ديار مكة لا تمتلك.\nفقال إسحاق: رأيت عائشة تذهب إلى هذا، وحدثني فلان عن فلان عن فلان عن أبي الزبير أو قال عن ابن الزبير: أنه ما كان يرى ذلك، وحدثني فلان عن فلان عن فلان عن ابن عباس: أنه كان لا يرى ذلك، فقال له الشافعي مؤدبًا: من أنت؟ فقال: إسحاق بن راهويه، قال: أنت فقيه خراسان؟ قال: يزعمون ذلك -الكلام هذا في كتب التراجم- فقال له مؤدبًا: ليتني بك طفلًا صغيرًا أعرك أذنه، أقول لك: قال رسول الله! وتقول: قالت عائشة، وقال ابن الزبير، لا قول لأحد مع قول رسول الله ﷺ، وحق لهم أن يلقبوا الشافعي بناصر السنة، ولذلك لما كان جالسًا في مجلسه ودخل السائل يسأله، ويقول: يا إمام! هذه المسألة ما تقول فيها؟ فقال مجيبًا أحد طلبة الشافعي قال: قال فيها رسول الله كذا، فقال له: يا إمام! وانظروا فالجهلة في كل العصور متوافرون بفضل الله! تقول له: قال رسول الله! فيقول: لكن الشيخ قال كذا، فلا يمكن أن يترك قول الشيخ بحال من الأحوال؛ فقال: يا شافعي! تقول بهذا القول؟ فقال الشافعي: ولنعم ما قال، قال: أرأيتني خرجت من كنيسة، أرأيت في وجهي زنارًا، ما لي لا أقول بقول رسول الله! يقول لك قال رسول الله! فكيف لا أقول بما قال به رسول الله ﷺ.\nولنعم ما قال الشافعي، ولنعم ما نصر به سنة النبي ﷺ، فحق النبي ﷺ على هذه الأمة حق عظيم.\nولقد أردت أن أقدم هذه المقدمة بين يدي الصارم المسلول على شاتم الرسول لتعرفوا عظم حق النبي ﷺ وكيف أن حق النبي ﷺ هضم من بعد قرون الخيرية الثلاثة إلى يومنا هذا، فإن الناس الآن لا يعظمون رسول الله ولا يوقرونه؛ لأنهم لا يعظمون سنة النبي ﷺ، بل يحاربون من يتقدم بين يدي شيوخهم فلا تكاد تجد أحدًا يقول: لا آخذ إلا بقول الرسول ﷺ.\nأردت أن أقدم هذه المقدمة لأبين عظم حق شريعة الله جل في علاه، وعظم حق رسول الله ﷺ، وعظم حق سنة النبي ﷺ.\nوهذا الكتاب -كما قلت- له مختصران: فقد اختصره الدكتور صلاح الصاوي، واختصره أيضًا البعلي الحنبلي، لكن اختصار البعلي أوفر حظًا وأدق من اختصار الدكتور صلاح، وقد حظيت والحمد لله بهذه النسخة، وأصل الكتاب أكبر من ذلك، وشيخ الإسلام ابن تيمية سنقدم له مقدمة نبين فيها حقه علينا.\nفقد كان في المسألة الواحدة يأتي بحوالي خمسة عشر آية، أو بسبع آيات، وبكل الأحاديث التي تخص هذه المسألة، فجاء البعلي فهذب هذه المسائل، ويأتينا مثلًا في المسألة الواحدة بحجج ثلاث من الكتاب ومن السنة؛ حتى يختصر على طلبة العلم.","vol":"2","page":24},{"text":"شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول -<span data-type=\"title\" id=toc-36> بيان ما يتضمنه الكتاب مع بيان حكم من سب النبي</span>\nإن تعظيم الرسول ﷺ واحترامه وتوفيره يعتبر من أصول الإيمان، وبالعكس فإن الاستهزاء والسب له ﷺ أو لأزواجه يعتبر كفرًا مخرجًا من الملة؛ لأن سبه ﷺ والاستهزاء به يدل على عدم احترامه وإكرامه، وهذا يعني أن عمل القلب غير موجود، فمن زعم الإيمان بسب رسول الله ﷺ فهو منافق معلوم النفاق؛ لأن أركان الإيمان عند أهل السنة والجماعة هي: قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل الجوارح، فمن فقد أحد هذه الأركان فإن إيمانه غير صحيح.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>نبذة عن كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: فهذه نبذة قصيرة عن كتاب: (الصارم المسلول على شاتم الرسول) لشيخ الإسلام ابن تيمية، صاحب المصنفات الماتعة الذي ذب عن دين الله جل وعلا باللسان وبالسنان، لاسيما هذا المصنف الذي لم نجد له مثيلًا بحال من الأحوال، ولم نجد أحدًا تعرض لهذا الكتاب تفصيلًا بالشرح أو تعرض لمسائله بالتفصيل والرد على الذين خالفوا شيخ الإسلام ابن تيمية فيما تبناه في هذا الكتاب.\nومضمون الكتاب هو الكلام على سب الرسول ﷺ، وحكم من يسب الرسول ﷺ، سواء كان محاربًا أو ذميًا، وسواء كان مسلمًا أو ارتد ثم أسلم، فالكلام كله يدور على حكم سب الرسول ﷺ، هذا هو القسم الأول منه.\nالقسم الثاني: يتكلم في حد الذي يسب رسول الله ﷺ.\nوقد تكلمنا عن عظم حق الرسول ﷺ على هذه الأمة، وذكرت أن من أعظم حقوق الرسول ﷺ: حفظ جنابه، وحفظ عرضه ﷺ.","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>حكم من سب رسول الله ﷺ</span>\nقد نُقل الإجماع عن أهل العلم: أن من سب رسول الله ﷺ أو استخف به، أو استهزأ به، فهو كافر ظاهرًا وباطنًا.\nفمن تعدى على النبي ﷺ، أو تعدى على أمهات المؤمنين، كأن يتكلم في عائشة ﵂ وأرضاها ويغمزها كما يحدث من بعض الفسقة الفجرة الكفرة الذين يرمون عائشة ﵂ وأرضاها بالزنا، فهذا المقصود منه حقيقةً هو: الطعن في رسول الله ﷺ، أو كمن يسب النبي ﷺ صراحةً، أو يشير إلى ذلك ويلمح، فكل ذلك كفر يخرج من الملة، ولا يحتاج فيه إلى إقامة الحجة في هذا؛ لأنه أمر معلوم من الدين بالضرورة، وهذا الأمر ليس فيه ثمت تفريق بين النوع والعين، وإن كان الأصل الأصيل عند أهل السنة والجماعة هو التفريق بين النوع والعين، لكن السب والاستهزاء والاستخفاف بعرض النبي ﷺ ليس فيه إقامة حجة ولا إزالة شبهة، بل الحكم أنه كافر كفرًا يخرجه من الملة، ولو مات على ذلك فهو خالد مخلد في نار جهنم.\nوالدليل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥]، فهؤلاء ما استهزئوا بالنبي ﷺ صراحةً، وإنما قالوا: ما نرى أصحابنا إلا أرغب بطونًا وأجبن عند اللقاء.\nفقالوا هذه الكلمات اليسيرة في نظرهم، ثم جاءوا إلى النبي ﷺ يعتذرون ويقولون: إنهم ما قصدوا ذلك، فهذه الآية تبين أن من سب الدين أو سب الرسول ﷺ، أو سب عرض النبي ﷺ فهو كافر قطعًا بدون إقامة حجة أو إزالة شبهة؛ لأن الله جل وعلا بين لنا هذا الحكم بقوله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] فبعدما قالوا للنبي ﷺ (إنما هو حديث الركب، رد النبي ﷺ وهو يقرأ عليهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] «لا تَعْتَذِرُوا» [التوبة:٦٦]).\nفهذه المسألة ليس فيها إقامة حجة ولا إزالة شبهة، لأن النبي ﷺ لم يستفصل منهم ولم يقل لهم: هل فعلتم ذلك وأنتم غير متدبرين هذا القول؟ هل ذهبت منكم عقولكم؟ هل تكلمتم هذا الكلام عبثًا؟ لم يفعل النبي ﷺ شيئًا من هذا، بل تلا عليهم قوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] أي: كفرهم بعدما أثبت لهم الإيمان.\nوهذا نص قاطع من قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، وهذه آية واضحة جلية على: أنه لا يشترط في مثل هذا إقامة حجة ولا إزالة شبهة ولا تفريق بين نوع ولا عين في هذه المسألة.\nوسب الرسول ﷺ يعتبر قبل نقل الإجماع عين المحادة لله؛ لأن من سب الرسول فقد سب المرسل وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:٢٠]، ولا يكون أحد في الأذلين، أو في الدرك الأسفل من النار إلا الكفرة الفجرة، الذين لا سبيل لهم إلا الخلود في نار جهنم نعوذ بالله من الخذلان.\nوأيضًا إن الله جل في علاه يحارب من شاقه أو شاق رسوله ﷺ.\nوالحكم بكفر من سب الرسول ﷺ أمر قطعي لا شك فيه، فإن قال قائل: إن بعض الناس قد تعودوا على ذلك بسبب سوء التربية فلا يعمهم الحكم، قلنا: إن هذا هو الإرجاء المحض، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، فمن قال: بأن هذا يحتاج لاستحلال القلب فقد زل زلة منكرة، وهفا هفوة عظيمة جسيمة، فسب الرسول ﷺ لا يقال فيه: إنه سوء أدب، بل يقال فيه إنه كفر، لأنه كما قلنا يعتبر سبًا للذي بعث الرسول، وهو الله سبحانه جل في علاه.\nإذًا: فهذه زلة منكرة لمن يقول: بأن سب الرسول سوء أدب، أو سب الدين هذا سوء أدب، أو سب الله جل في علاه سوء أدب، لا والله بل هو كفر بنص كلام الله جل في علاه، وأيضًا هو كفر بالإجماع، والإجماع حجة، والدليل على أن الإجماع حجة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، فقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء:١١٥]، هذا وجه الدلالة على قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥]، وهذا وجه الشاهد، يعني: أن مشاققة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين تعتبر من المشاققة للرسول ﷺ.\nوهذه الآية احتج بها الشافعي عندما جاءه رجل وقال له: أتحتج بالإجماع؟ قال: نعم، قال: ائتني بآية من كتاب الله، فدخل داره ثلاثة أيام يقرأ كتاب الله، وعاود القراءة أكثر من مرة حتى أتى بهذه الآية.\nإذًا: أجمعت الأمة على كفر من يسب الرسول ﷺ، وقد نقل الإجماع: إسحاق بن راهويه والخطابي والقاضي عياض وغيرهم كثير، فقد نقلوا الإجماع على أن من سب رسول الله ﷺ فقد كفر وخرج من الملة ويستحق القتل.\nبل اختلف الفقهاء فيما بينهم؛ هل إذا تاب يسقط عنه حد القتل أم لا؟","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>عقيدة الجهمية والمرجئة فيمن سب الرسول وفي الإيمان</span>\nنقول: من سب الرسول ﷺ فقد كفر، ومن قال: إنه لا يكفر بل ينتظر ليعلم هل استحل ذلك بقلبه أم لا، أو كان من سوء الأدب أو كان قالها عبثًا مع اعتقاده بالحرمة؟ فقد قال بكلام المرجئة، بل هذا كلام غلاة الجهمية؛ لأن الشبهة التي عند الجهمية والمرجئة هي: أنهم يرون أن الإيمان هو مجرد التصديق، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧] يعني: بمصدق لنا، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء:٩٠] يعني: لن نصدقك حتى تأتينا بهذه المعجزات.\nقالوا: فالإيمان هو التصديق، والتصديق محله القلب، وقالوا: يصح لمن اعتقد إكرام شخص أن يهينه؛ لأنه يعتقد أنه يجب عليه أن يكرمه، فإن اعتقد هذا الاعتقاد فاعتقاده صحيح وفعله معصية، فإن كان اعتقاده قد استقر في القلب على تعظيم النبي ﷺ، ووجوب إكرام النبي ﷺ، وتقديم نفس النبي ﷺ على نفسه، واعتقد هذا الاعتقاد الجازم ووقعت منه المخالفة فهو عاص؛ لأن اعتقاده في القلب ما زال سديدًا سليمًا فلا يكفر بذلك.\nوهذا الكلام خبط عشوائي، بل هو كلام باطل من كل الوجوه، ومن قال به فهو مبتدع ضال مرجئ، ولابد أن ندعوه إلى دين الله جل في علاه، وإلى القول السديد وهو قول أهل السنة والجماعة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: وهذه الزلة المنكرة جاءت لبعض العلماء الذين نظروا في قول الفقهاء لاغترارهم بكلمات خرجت من بعض المتكلمين، فظنوا أن المسألة خلافية، وأنها يقع فيها الاجتهاد، فالمصيب له أجران والمخطئ له أجر، فإذا قلنا بأن المسألة خلافية فلا إجماع، ولو قلنا: إن المسألة خلافية فلا إنكار، وهذا من البطلان بمكان، فالصحيح الراجح: أن الكتاب والسنة مع الإجماع يجزمان بكفر الذي يسب الله جل في علاه، أو يسب رسوله ﷺ.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>الرد على الجهمية والمرجئة في مسألة الإيمان وحكم سب الرسول</span>\nوالرد على الجهمية والمرجئة هين سهل بفضل الله تعالى وهو: أن نأتي بالمقدمة التي قدموها ثم نهدمها، هذه المقدمة هي قولهم: الإيمان هو التصديق، واستدلوا بالآيات السابقة، فنقول: هذه المقدمة خاطئة لا نوافقكم عليها؛ لأن الإيمان قد يتعدى بنفسه، وقد يتعدى بالباء، وقد يتعدى باللام، وفي كل موضع من هذه المواضع التي يقع فيها الإيمان له معنى من المعاني، فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧]، نوافقكم على أن الإيمان هنا بمعنى: التصديق، ولكنه قد يتعدى بنفسه أو باللام: فإذا تعدى بنفسه فمعناه: التأمين الذي هو ضد التخويف؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣ - ٤].\nفقوله: «وَآمَنَهُمْ» هنا: ضد خوفهم، فهنا المقصود بالتأمين: ضد التخويف، ومن أسماء الله جل وعلا (المؤمن) أي: الذي أمّن عباده من الضلال وأمّن عباده من العذاب، أو أمّن عباده من أن يزيغ قلوبهم بعد أن ثبت الإيمان فيها، وبين لهم طريق الرشاد.\nوقد جاء في الحديث: (إن الله لا يجمع لعبد أمنين ولا خوفين)، أي: لا يجمع الله لعبد في الدنيا والآخرة أمنين، فمن أمِنَه في الدنيا خوَّفه في الآخرة، ومن خافه في الدنيا أَمّنَه في الآخرة.\nأما إذا تعدى الإيمان بالباء فيكون معناه: التصديق، وهذا هو الذي حصروا الإيمان كله فيه، قال الله تعالى: «قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة:١٣٦] فقوله: «قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ أي: صدقنا بالله؛ لأنه الخالق الرازق المحيي المميت؛ ولأن الله جل في علاه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وكأن تقول: آمنت بالله، يعني: صدقت بالله؛ وأن تقول: آمنت برسول الله يعني: صدقت برسالة النبي ﷺ.\nكما قال الشافعي ﵀: آمنت بالله يعني: صدقت بوجود الله، وصدقت بربوبية الله، وصدقت بإلهية الله، وأنه المستحق للإفراد بالعبادة له سبحانه جل في علاه، قال: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله يعني: صدقت برسالة رسول الله ﷺ، وصدقت أنه أرسل من قبل الله جل في علاه، أرسله بالحق، وأنه الصادق المصدوق.\nوإذا تعدّى الإيمان باللام فيكون معناه: الانقياد والاستسلام التام والخضوع، قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، فهذا لا يعني: أن لوطًا لم يكن مؤمنًا بإبراهيم وأنه مرسل من ربه ثم آمن بعد ذلك، لأن لوطًا كان مؤمنًا ومصدقًا أصالةً بأن إبراهيم نبي مثله، وإنما معنى الآية: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾، أي: اتبعه على ما يريد، واستسلم لذلك، وسياق الآيات يدل على ذلك؛ لأن إبراهيم كان يدعوا الناس بأن يتبعوه فرفضوا ذلك، وما اتبعه إلا لوط.\nوحتى يظهر المعنى جليًا ننظر في قول فرعون للسحرة عندما خروا سجدًا لله جل في علاه وقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه:٧٠] فقال لهم فرعون: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [طه:٧١] يعني: اتبعتموه وخضعتم وانقدتم له، فالآية الأولى: بينت أنهم قد صدقوا، والدلالة على ذلك: أنهم خروا سجدًا فقال لهم: صدقتم به، وفوق هذا تتبعونه على شريعته.\nفإذًا: إذا تعدى الإيمان باللام فهو: الانقياد والاستسلام التام لله جل في علاه، وكذلك نقول لهم عن معنى الإيمان في اللغة: نحن لا نوافقكم على أنه محصور في معنى التصديق، بل هو يتعدى بنفسه فيكون معناه: التأمين الذي هو ضد التخويف، ويتعدى بالباء فيكون معناه: التصديق كما قلتم، ويتعدى باللام فيكون معناه: الانقياد والاستسلام والخضوع التام لله جل في علاه.\nكذلك فإن الله لما مدح إبراهيم لم يمدحه على مجرد التصديق فقط، بل مدحه أشد المدح على الاستسلام، فقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١] أي: استسلمت وخضعت وانقدت كل الانقياد لك يا رب! فكان المدح والمنة الأكثر عليه أنه استسلم استسلامًا تامًا لله جل في علاه.\nفهؤلاء قد حصروا الإيمان في التصديق لغةً وشرعًا، ولذلك تراهم يأتون بالنقيض، يقولون: الإيمان هو التصديق، والكفر هو التكذيب فقط، وهم أيضًا حصروا الكفر كذلك في التكذيب فقط، ولهذا أخطأ من قال: إن الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين مرجئة الفقهاء الأحناف هو خلاف لفظي فقط، كما قال ذلك الطحاوي، فالخلاف هنا ليس خلافًا لفظيًا، بل هو خلاف حقيقي؛ لأنهم حصروا الكفر في التكذيب، وحصر الكفر في التكذيب من البطلان بمكان.\nبل إن أهل السنة والجماعة أجمعوا أن الكفر متعدد، وأنه ليس في التكذيب فقط، فإن من تجرأ على سب الله ﷾ أو سب رسول الله ﷺ فهذا دليل على أن قلبه قد استحل إهانة ربه ﷾، أو إهانة رسوله ﷺ.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>معنى الإيمان عند أهل السنة والجماعة</span>\nولقد نقل الإجماع ابن عبد البر والشافعي والكرابيسي وأبو ثور وغيرهم على أن السلف يقولون: الإيمان قول وعمل ونية.\nقال الشافعي: أدركت من أدركت من التابعين يقولون: أدركنا من أدركنا من التابعين والصحابة يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، ولا يجزئ واحد من غير هؤلاء الثلاثة.\nوقال ابن عبد البر: أجمع أهل السنة والجماعة على أن الإيمان هو القول باللسان والتصديق بالجنان والعمل بالأركان، هذه أركان ثلاثة للإيمان.\nفنحن شرعًا نخالف من قال: إن الإيمان هو التصديق فقط، بل الإيمان قول وعمل وتصديق بالجنان، ونحن معكم في أن الإيمان أيضًا هو: قول باللسان، فمن لم يتكلم بلسانه وهو قادر فهو كافر كما سنبين، وهو عمل بالجوارح وبالقلب كما سنبين.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>قول القلب وقول اللسان</span>\nوالإيمان قول وعمل ونية، والقول قولان: قول اللسان وقول القلب، والعمل عملان: عمل القلب وعمل الجوارح، أما قول اللسان فإنه لا يدخل أحد الإسلام وهو يستطيع أن يتكلم بكلمة الإيمان إلا أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولو اعتقد اعتقادًا جازمًا بأن الخالق الرازق المدبر هو الله، وأن المستحق للإفراد بالعبادة هو الله، ولو اعتقد اعتقادًا جازمًا بأن النبي ﷺ هو الرسول الحق وأنه الصادق المصدوق، ولم ينطق بلسانه، فإنه لا يدخل الإسلام، ولا يمكن أن يحكم له بإسلام قط، فقد قال الله تعالى: «(قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٣٦]، والقول يكون باللسان، والنبي ﷺكما في الصحيحين- يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا)، وفي الرواية الأخرى: (حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأني رسول الله).\nوفي الصحيح أيضًا: (لما دخل النبي ﷺ على عمه أبي طالب وعنده أبو جهل وعبد الله بن ربيعة قال له: يا عم! قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله).\nووجه الدلالة على أن القول ركن من أركان الإيمان: أن أبا طالب كان مصدقًا أن ابن أخيه كان على الحق، وأن دينه هو الدين الحق، ولكن سبب عدم إيمانه به هو مخافة المهانة بين الناس، وأن يقولوا: ترك دين عبد المطلب وأخذ بدين ابن أخيه.\nفهذا التصديق الذي كان عند أبي طالب لا ينفعه يوم القيامة بين يدي الله ﷾؛ لأنه امتنع عن التلفظ بالشهادة مع قدرته على ذلك، فليس له حجة عند الله ﷾، ولذلك قال له رسول الله ﷺ: (قل لا إله إلا الله قال كلمة أحاج لك بها عند الله)، يعني: ليس لك حجة عند الله إذا لم تتلفظ بهذه الكلمة.\nأما قول القلب فهو: التصديق، وغلاة الجهمية والمرجئة حصروا الإيمان في التصديق بالقلب، ونحن نقول: قول القلب هو التصديق، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] أي: لم يشكوا.\nوالنبي ﷺ يقول: (من قال لا إله إلا الله صادقًا بها قلبه دخل الجنة)، فقول القلب هو التصديق، وهذا هو أصل الإيمان.","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>عمل القلب والجوارح</span>\nأما عمل القلب فبالإجماع عند أهل السنة والجماعة أنه إذا تخلف عمل القلب -وإن وجد التصديق- فهو كافر لا يدخل الإسلام، فلو تكلم بلسانه كان منافقًا، وهذا النفاق نفاق اعتقادي يخرج به من الملة، ويكون مصيره الدرك الأسفل من النار، فمن لم ينقد لله جل في علاه ولا لأوامر الله جل في علاه فهو كافر؛ لأنه خالف تصديقه بفعله، إذا لم ينقد ولم يستسلم لله ﷾.\nوالاستسلام شرط وركن ركين من أركان الإيمان، وهذا بإجماع أهل السنة والجماعة، ولم يقل أحد بأن أعمال القلوب غير مرادة أو غير مأمور بها إلا المرجئة، فمن قال بذلك فقد وقع في زلات عجيبة جدًا: فسيقول بأن إبليس مؤمن؛ لأنه قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر٣٩]، فهو أقر بالربوبية وصدق بأن الله جل وعلا هو الخالق الرازق المدبر، لكن كفر إبليس كان كفر إباء واستكبار، وعدم انقياد واستسلام لله جل في علاه.\nإذًا: عمل القلب هو الركن الركين والأصل الأصيل في الدين، فلا يصح إيمان عبد بحال من الأحوال إلا بأعمال القلوب، من الإخلاص والإنابة والتوبة إلى الله جل في علاه، كما قال الله جل في علاه: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [الإسراء:٢٥]، يعني: في قلوبكم، ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥].\nوفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فمحل الإيمان هو القلب.\nأما عمل الجوارح فهو يرتبط بعمل القلب، ولا يمكن أن ينفك عمل الجوارح عن عمل القلب، فإن ارتباط الظاهر بالباطن ارتباط وثيق.\nولذلك فإن الله جل في علاه بين لنا هذا الارتباط، بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٥]، فلا تجد آية ختمت بدخول الجنة إلا بعد أن اقترن الإيمان بالعمل الصالح.\nوتجد النبي ﷺ يبين ذلك جليًا؛ إما نصًا وإما تلميحًا، قال ﷺ في الصلاة: (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم).\nيعني: لا تختلفوا في الظاهر فتختلف قلوبكم، وهذه دلالة على أن الظاهر يؤثر في الباطن والعكس صحيح.\nهذا هو الرد على المرجئة حتى يتبين للإخوة بطلان قول من قال بأن الذي يسب الله جل في علاه أو يسب الرسول سيئ الأدب أو ليس بكافر أو ننتظر حتى نقيم عليه الحجة ونزيل عنه الشبهة.\nفهذا الكلام هو كلام المرجئة، ومن قال به فهو مرجئي، ولابد أن يُناصح ويناظر.\nفالصحيح الراجح كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من قال: إن سب الرسول يحتاج إلى استحلال القلب، فهذه زلة منكرة وهفوة جسيمة عظيمة، فهذا إرجاء محض لابد أن يرد على صاحبه.\nوصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"3","page":8},{"text":"شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول -<span data-type=\"title\" id=toc-44> بيان حكم المسلم الذي يسب رسول الله</span>\nلقد رفع الله من مكانة النبي ﷺ، وجعله سيد الأولين والآخرين، وجعل له حمى لا يجوز لأحد أن يقتربه أو يمس رسول الله بأذىً قولي أو فعلي تصريحًا أو تعريضًا، ولذا أجمع العلماء على: أن من سب الرسول ﷺ أو انتقص منه أو طعن في عرضه فإنه يكون مرتدًا بذلك، كافرًا كفرًا مخرجًا من الدين، وحكمه القتل ولا كرامة، والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن والسنة المطهرة.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>الأدلة الواردة من القرآن في ثبوت ردة من سب رسول الله</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: أيها الإخوة الكرام! ما زلنا مع الكلام على هذا الكتاب الماتع الجليل كتاب: مختصر الصارم المسلول، وأصل الكتاب لشيخ الإسلام ابن تيمية، والمختصر للفقيه البعلي.\nوقد تحدثنا في الأسبوع الماضي عن حكم من سب رسول الله ﷺ، وحد من سب رسول الله ﷺ، وتكلمنا عن الحكم وعن الحد وقلنا: إن الذي يسب رسول الله له حالتان: الحالة الأولى: أن يكون مستأمنًا أو ذميًا أو معاهدًا، وقد شرحناه في الأسبوع الماضي وبينا الأدلة على حده؛ لأنه أصلًا كافر في الأصل، وهل ينتقض عهده أو تنتقض الذمة أو ينتقض الأمان الذي أخذه بعد دخوله البلاد الإسلامية بسب الرسول ﷺ أم لا؟ بينا الأسبوع الماضي هذا الكلام، وبينا أن هناك خلافًا بين العلماء، وأتينا بالأدلة على الراجح منها.\nالحالة الثانية: أن يكون الساب مسلمًا، فإذا سب رسول الله ﷺبأبي هو وأمي- فحكمه الكفر، وأنه ارتد عن دين الله بذلك، وهذا بإجماع من يعتد بإجماعه، وقلنا: خالف في ذلك المرجئة فقط، حيث قالوا: لا بد أن ننظر في استحلال قلبه، فإن استحل بقلبه يكفر، وإن لم يستحل لا يكفر، ويكون فعله كبيرة من الكبائر، وهذا قول المرجئة نعوذ بالله من الخذلان! أما إجماع الصحابة وإجماع أهل السنة والجماعة فمفاده: أن الذي يسب رسول الله ﷺ يخرج من الملة ويكفر بذلك، وحده القتل، والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة، ومن إجماع الصحابة، بل ومن النظر، واليوم إن شاء الله سنتناول الكلام على الأدلة من الكتاب والسنة على أن من سب رسول الله ﷺ يخرج بذلك من الملة ويصير مرتدًا.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>قوله تعالى: (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم)</span>\nأولًا: الأدلة الواردة من كلام الله جل في علاه، وسنقسم الأدلة إلى صريح ومستنبط: فمن الأدلة الصريحة: قول الله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة:٦٤] ثم قال بعد ذلك: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، وهذا صريح؛ لأن الله جل وعلا أخبر أنهم كفروا بعدما آمنوا، وأقر أنهم على إيمان، فكفروا وخرجوا من الملة بذلك، ولذلك قالوا: (يا رسول الله! والله ما كنا إلا نلهو)، يعني: أنهم ما قصدوا الاستهزاء، ولا قصدوا السب والأذى، ومع ذلك قال شيخ الإسلام: فهذه الآية تدل دلالة واضحة على أن الذي يسب رسول الله ﷺ سواء هازلًا أو جادًا أو قاصدًا فإنه يكفر بذلك، ولذلك هم قالوا: ما قصدنا الاستهزاء؛ فقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ * ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] وهذا الكفر الذي وقعوا فيه هو حكمهم، وذلك أنهم ارتدوا عن دين الله جل في علاه، والحد في ذلك هو القتل، وأغلظ ما وقعوا فيه من الردة هو سب الرسول ﷺ، ولذلك يقول النبي ﷺ كما في الصحيحين: (من بدل دينه فاقتلوه) ومن سب رسول الله فقد بدل دينه لقول الله تعالى: «قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ» فمن بدل دينه حكمه القتل.\nوكذلك ورد في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، وذكر من الثلاث: التارك لدينه المفارق للجماعة) والذي يسب الرسول ﷺ قد ترك دينه بنص كلام الله جل وعلا، قال تعالى: «قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ»، وأيضًا هو مفارق للجماعة لأنه ليس من أهل الإسلام، فمن سب النبي ﷺ، أو استهزأ بالنبي ﷺ، أو آذى رسول الله ﷺ فحكمه الكفر بنص الآية، وحده القتل بنص حديث النبي ﷺ.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>مفهوم قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)</span>\nالصنف الثاني من الأدلة: صنف مستنبط ليس فيه دلالة صريحة، لكن الدلالة فيه بالمفهوم ومنه: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات:٢]، ثم قال معللًا لم لا يرفعوا أصواتهم على صوت النبي ﷺ: «أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ» [الحجرات:٢]، وحبوط العمل وجه الدلالة من الآية، فحبوط العمل يدل على الكفر؛ لأنه لا يحبط عمله إلا من كفر بالله جل في علاه، والدلالة على ذلك من كتاب الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، فجعل حبوط العمل لأنهم رفعوا أصواتهم فوق صوت النبي ﷺ، فحبوط العمل يدل على الكفر، والدلالة على ذلك آيات من كتاب الله وليست آية واحدة.\nقال الله تعالى مبينًا حبوط العمل: «أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ» يعني: لئلا تحبط أعمالكم، كأن الآية تفسر بأن الذي يرفع صوته على النبي يحبط عمله، ولذلك جاء في الآثار: (كاد الخيران أن يهلكا) وهما: أبو بكر وعمر، قال أحدهما: لـ الأقرع بن حابس والثاني يقول: ول فلانًا وعلت الأصوات عند النبي ﷺ؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات:٢] فلا يمكن أن يحبط عمل الإنسان بحال من الأحوال إلا بالكفر، ولذلك قلنا: إذا راءى المرء في عمل معين فإنه يحبط هذا العمل فقط، لكن الأعمال كلها لا يمكن أن تحبط إلا بالكفر، والدليل على ذلك من كتاب الله قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] إذًا: فالشرك ينبئ بحبوط العمل، وهناك آية أخرى تثبت أن حبوط العمل لا يكون إلا بالكفر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧] فدل ذلك أن الردة تحبط العمل.\nوفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهْ﴾ [المائدة:٥] ففيها الدلالة على أن حبوط العمل يستلزم الكفر؛ لأن العمل لا يمكن أن ينهار ويلغى جميعه إلا بالكفر، فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥]، وهذا في الذي يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ، أو يرفع صوته في حضرة النبي ﷺ، فهذا يعتبر من سوء الأدب فإن الله جل في علاه حذر الصحابة أن تحبط أعمالهم بهذا العمل، فإذا كان رفع الصوت يحبط العمل فمن باب أولى أن سب الرسول ﷺ يكون سببًا للردة وحبوط العمل، ويسمى هذا قياسًا جليًا.\nفمن سب رسول الله ﷺ ومات في لحظتها فهذا الذي كتب الله عليه الخلود في نار جهنم وقد حبطت أعماله كلها.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة)</span>\nكذلك من هذه الآيات: قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، وما من أحد إلا وهو يخالف أمر الله وأمر الرسول ﷺ بالمعصية، لكن لما كانت مخالفة أمر النبي ﷺ تؤدي -بالإصرار عليها- إلى الفتنة صارت بمعنى الكفر، والفتنة فسرها فحل السنة وإمامهم الإمام أحمد حيث قال: أتدرون ما الفتنة؟ الفتنة: الكفر، أو قال: بالإصرار على المخالفة: «أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ»، والفتنة كما قال أحمد: الشرك.\nفإذا كان هذا بمخالفة الأمر والإصرار عليه فكيف بالسب والإيذاء؟ وهذا أيضًا نوع من أنواع القياس الجلي، فإن كانت الفتنة ستصيب من خالف أمر رسول الله ﷺ وأصر على المخالفة لأمر رسول الله بعد العلم بأن هذا هو أمر الرسول -فإن الله جل وعلا حذر من الفتنة يعني: أن يقع في الشرك من خالف أمر رسول الله ﷺفمن باب أولى من سب رسول الله ﷺ ووقع في عرضه أن يقع في هذه الفتنة، وهي الشرك، ويصير مشركًا بذلك.","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)</span>\nكذلك من أصناف الآيات: قول الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]، ونحن نتكلم عن المسلم، كل هذه الآيات في المسلم، والآيات التي سبقت كانت في المعاهد أو الذمي؛ لأن هذا قد أسلم ودخل الإسلام وفي دائرة الإسلام له ما لنا وعليه ما علينا، يقول الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، فاشترط الله جل في علاه للإيمان في القلب وعدم انتفائه أولًا: أن يتحاكم إلى رسول الله ﷺ؛ لأن المنافق كما بين الله جل في علاه في سورة النور إذا دعي إلى الله ورسوله أعرض ولم يسلم لله ولرسوله، فيبين الله جل في علاه أن من أسباب ثبوت الإيمان في القلب أن يتحاكم في المتنازع فيه إلى الله والرسول أو إلى الرسول ﷺ، ثم بعد أن يتحاكم لا يجد في صدره حرجًا بحال من الأحوال، ثم يسلم تسليمًا، فإذا انتفى واحد من هذه الثلاثة فلا إيمان في القلب، فإن تحاكم ولم يرض ولم يسلم أو وجد في صدره حرجًا فلا إيمان في القلب، فإن لم يسلم ويرض فلا إيمان في القلب، ولذلك قال بعضهم في هذه الآيات الكريمات: إن سبب نزول هذه الآية أن رجلًا ذهب إلى رسول الله ﷺ وكان من المنافقين، وكان بينه وبين يهودي مخاصمة فقال اليهودي: نذهب إلى محمد يحكم بيننا، فذهبا إلى رسول الله فحكم النبي ﷺ بينهما؛ فلم يرض المنافق ورضي اليهودي، فقال المنافق: والله لا أرضى حتى نذهب إلى أبي بكر فذهبا إلى أبي بكر فحكم بما حكم رسول الله ﷺ؛ فلم يرض المنافق حتى ذهب إلى عمر فقص عليه القصة: أنه تحاكم إلى رسول الله وتحاكم إلى أبي بكر ولم يرض هذا المنافق؛ فقال: ترضى بحكمي؟! فقال: نعم.\nفدخل عمر بن الخطاب - وهذا الحديث فيه ابن لهيعة وفيه ضعف في إسناده لكن يستأنس به وهو شاهد للآية- دخل ﵁ وأرضاه فأخذ السيف فاستله فضرب عنق المنافق، ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن من لم يرض بحكم رسول الله يكفر، فإن صح الدليل فإن النبي ﷺ لم ينكر عليه، فهذه الآية مبينة لنا تبيينًا واضحًا على أن من سب رسول الله أو آذى رسول الله ﷺ فإنه يكفر بذلك وحده القتل، ما وجه الدلالة من هذه الآية؟ وجه الدلالة من الآية: أن من سب رسول الله فقد كفر، قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] فالقياس الجلي فيها أن الله نفى الإيمان عمن لم يتحاكم إلى رسول الله ﷺ، ونفى عنه الإيمان إذا تحاكم ولم يرض، ونفى عنه الإيمان إن لم يسلم، فما بالكم بمن سبه وهو ليس بمتحاكم ولاراض ولا بمسلم، بل هو متسخط متكبر على رسول الله ﷺ؟!","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>قوله تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن)</span>\nكذلك من الآيات التي تدل على كفر من سب رسول الله ﷺ.\nقول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة:٦١] وفي آخر الآيات قال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة:٦٣]، فهذه الآيات تدل على أن الإيذاء محادة لله ولرسوله، والمحادة لرسول الله ﷺ كفر بين، والدليل على ذلك قول الله تعالى: «وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ» وسنبين الإيذاء في آيات أخرى، فقد أخبر الله تعالى مبينًا أن إيذاء النبي محادة لله ولرسوله، ونحن بصدد الكلام عن عرض الرسول ﷺ بأبي هو وأمي، فالمحادة لرسول الله من الإيذاء وقد رتب الله عليها الوعيد الشديد بنار جهنم، وأن العذاب الأليم فيه الخلود، وهذا الخلود لا يكون إلا بالكفر.\nوهناك آية أيضًا صريحة جدًا في هذه المسألة وهي: قول الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢] ووجه الدلالة من الآية نفي الإيمان: «لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» يعني: فليس في قلوبهم إيمان الذين يوادون من حاد الله ورسوله، ففيها الدلالة على أن من حاد رسول الله كفر؛ لأنه نفى الله عنه الإيمان.\nوهناك آية أكثر وضوحًا من هذه في نفس السورة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:٢٠]، ولا يكون في الأذلين ولا في الدرك الأسفل إلا من كفر، فوجه الدلالة على أن المحادة لرسول الله ﷺ يستحق صاحبها، أن يكون في الأذلين لكفره بذلك، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا﴾ [التوبة:٥٨]، هذه أيضًا من الآيات التي تدل على كفر من حاد رسول الله ﷺ.","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>قوله: (ومنهم من يلمزك في الصدقات)</span>\nكذلك من الآيات أيضًا: أن الله بين أن من يؤذي رسول الله فهو من المنافقين، والنفاق دلالة على الكفر في القلب أو الكفر في الباطن، فالذي يؤذي رسول الله ﷺ كافر ظاهرًا وباطنًا، فمن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:٥٨]، فكان الكلام والحديث في السياق سباقًا ولحاقًا عن المنافقين وكأن الله يقول: سأجري لك من صفات المنافقين: أنهم يلمزونك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منهاإذا هم يسخطون، فيسخطون ويتكلمون عليك في غيبتك؛ لأنك لم تعطهم؛ ولأنهم من المنافقين، فالسياق في هذه الآيات في قول الله تعالى: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ» هو في المنافقين، واللمز معناه: الطعن، كأنهم يقولون: إنه يقبض يده، ويبخل علينا، فهم يطعنون في رسول الله، فيلمزك بالصدقات أي: يطعن فيك، فالطعن هذا من صفات المنافقين، والمنافق نفاقًا اعتقاديًا كافر كفرًا يخرج من الملة.\nكذلك التحاكم إلى غير رسول الله ﷺ من النفاق، ومن الممكن أن نستدل على هذا بالآية التي صدرنا بما الباب وهي: قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]، فهؤلاء الذين يتحاكمون إلى الطاغوت إذا قلت لهم: تعالوا إلى رسول الله أعرضوا، كما بين الله في السورة الأخرى، ففيها دلالة على: أن النفاق الذي في القلب يكون كفرًا مخرجًا من الملة.\nيقول الله تعالى في المنافقين: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٦١] فهذه آية صريحة جدًا في أن المنافق الذي يسب رسول الله ﷺ، أو يطعن في رسول الله ﷺ، أو يلمز أو يغمز رسول الله ﷺ أنه كافر؛ لأن الله بين أنهم في نار جهنم خالدين فيها، وحده القتل لقول الله تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ فحدهم القتل.\nفهذه أقسام ثلاثة من الآيات -بإيجاز- التي تثبت أن المسلم الذي يسب رسول الله ﷺ أو يؤذي رسول الله ﷺ يكفر بذلك، وتعتبر ردة، وحده القتل.","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>الأدلة الواردة من السنة في ثبوت ردة من سب رسول الله ﷺ</span>","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>حديث: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء)</span>\nأما من السنة فأحاديث كثيرة منها: أولًا: الأحاديث التي جاء فيها التصريح: الحديث الصحيح: (لما قسم النبي ﷺ الغنائم جاء رجل غائر العينين، فقال: يا محمد! اعدل.\nفقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق) فهذا حديث فيه دلالة على أن من سب رسول الله ﷺ أو آذى رسول الله ﷺ فإنه يكفر بذلك وحده القتل.\nووجه الدلالة: أن هذا كفر، فهو لمز لرسول الله ﷺ فقوله: (اعدل يا محمد) معناه: لست عادلًا، ولذلك النبي ﷺ قال: (ويحك).\nوفي رواية قال: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟!).\nوفي رواية قال: (ويحك ومن يعدل إن لم أعدل أنا؟).\nوأيضًا في رواية ثالثة ستأتي أنه قال: (إذًا: لم يعدل أحد) أي: فإن لم يعدل رسول الله فمن يعدل بعده؟ لن يعدل أحد، فهذا غمز لرسول الله ﷺ، وهذا الغمز يدل على كفره ونفاقه بدليل قول عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فأين وجه الدلالة؟ وجه الدلالة: أنه لما قال عمر: (يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال رسول الله ﷺ: لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه).\nوفي الرواية الأخرى: لما قام خالد وقال: (دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: لعله يصلي، قال: إنه يفعل ذلك رياءً؛ فقال: ما أمرنا أن نشق عن قلوب الناس) لكن الدلالة الواضحة عندنا في هذا الحديث: أن عمر لما قال: دعني أضرب عنق هذا المنافق أقره النبي ولم ينكر عليه، لكن النبي ﷺ لم يرض بقتله لعلة أخرى، وهذه العلة ستكون بإذن الله في شرح الكلام على أن من سب الرسول ﷺ بعد موته هل يمكن أن يعفى عنه بعد التوبة أم لا؟ وهل يقتل أم لا يقتل؟ فالنبي ﷺ عفا عنه وله أن يعفو عنه؛ لأن هذا حق للرسول فعفا عنه وأسقط حقه، وهذه لا تكون أبدًا إلا في حياة النبي، ائتونا بشخص يخلف النبي ويقول لنا: إن النبي ﷺ عفا عمن سبه ﷺ؟! لن تجده بحال من الأحوال، فالعفو في حال حياة النبي ﷺ يكون من النبي ﷺ.\nفقال: لا.\nلمصلحة أعظم من قتله، وهي عدم تنفير الناس من الدخول في الإسلام أفواجًا، ولذلك قال: (لا، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه).","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>قصة ابن أبي السرح وإهدار رسول الله لدمه</span>\nكذلك من السنة التي تدل على أن الذي يؤذي رسول الله ﷺ بالتنقص من قدره ومقامه يكفر: ما حدث في غزوة حنين -وهذا الحديث أيضًا فيه ضعف- ففي غزوة حنين أيضًا: (قام رجل إلى النبي ﷺ عندما أعطاه فقال له: لا أحسنت ولا أجملت)، وفي رواية قال: (ولا عدلت) يعني: لا عدلت في قسمة الغنائم.\n(فأهدر النبي ﷺ دمه)؛ لأنه وقع في رسول الله ﷺ، وهذه واضحة الدلالة وأنا لم أذكرها أولًا لضعفها، فجئنا بها استئناسًا.\nكذلك فمن الأدلة من السنة: قصة ابن أبي السرح، وهذا قصته عجيبة فـ ابن أبي السرح قريب لـ عثمان بن عفان كان قد أسلم، وكان يكتب لرسول الله ﷺ الوحي، وكان النبي ﷺ ينزل عليه القرآن على سبعة أحرف، فكان يقول له: اكتب: تبينوا، فيكتب في الآية: تثبتوا، وهي تقرأ تبينوا، وتقرأ تثبتوا، ويقول اكتب: سميعًا عليمًا، فيكتب: سميعًا بصيرًا، فكان يكتب ذلك ويكتم هذه الكتابة، ثم بعد ذلك ارتد عن دين الله جل في علاه -نعوذ بالله من الخذلان- وبعدما ارتد قال: والله لا يدري محمد ما أكتب، فأنا الذي أكتب له هذا، فأدخل على الآيات ما لا يعرفه محمد، فكان يأمره أن يكتب مثلًا: سميعًا عليمًا فيكتبها: سميعًا بصيرًا، ولذا زعم لقريش أن محمدًا لا يدري ما يقول، يقول: وكنت أدخل عليه بعض الكلام كأنه يلقن النبي ﷺ فيتلقن - حاشا لله! - وهذا انتقاص من قدر رسول الله، لكن كيف يكون هذا انتقاصًا من قدر رسول الله ﷺ؟! هذا فيه انتقاص للنبي ﷺ من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: فيه تكذيب لرسول الله ﷺ فهو عندما يقول: أنا الذي أكتب والنبي ﷺ يقول: (اكتب والله! ما يخرج منه -أي: فيه- إلا الحق والصدق).\nوقال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، وكان النبي ﷺ ينتظر الوحي في كل سكناته وحركاته وكلماته، فمعنى قوله: أنا أدخل عليه أو أكتب له فيتلو على الناس ما أدخلته عليه، دليل على أنه ليس بوحي، فكأنه يعرض بأن الرسول ﷺ كذاب، حاشا لله وحاشا لرسوله ﷺ بأبي هو وأمي.\nالوجه الثاني: التشكيك في حفظ النبي ﷺ، فكأنه إذا جاءه الوحي لم يضبطه وضبطه الثاني فأكمل.\nالثالث: يستلزم من ذلك نفي نبوة النبي ﷺ.\nفهذه ثلاثة وجوه فيها تنقيص لرسول الله ﷺ، فلذلك أهدر النبي دمه وأمر بقتله، فلما دخل رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي مكة وعلى رأسه المغفر أمر بقتل ابن أبي السرح، لكن ابن أبي السرح كان ذكيًا فذهب إلى عثمان ﵁ وأرضاه وكان قريبًا له، فجاء عثمان يستشفع، انظروا إلى هذه القصة الرائعة التي تبين لكم أن النبي ﷺ إذا أهدر دم أحد لا يرجع فيه، ومع ذلك وفاؤه يمنعه من أن يقتل، فقد دخل عثمان ليشفع لـ ابن أبي السرح ويقول: يا رسول الله بايع ابن أبي السرح والنبي ﷺ يعرض عنه، فهو لا يريد المبايعة، فيقف عثمان ملحًا على رسول الله والرسول ﷺ يعرض عن ابن أبي السرح ولا يريد أن يبايعه؛ لأنه فعل أمرًا فيه منقصة لرسول الله ﷺ وهدم لشرع الله جل في علاه، وهدم لدين الإسلام كلية، ولذا نحن نقول: طلبة العلم الذين يرفعون شعار الدين وينشرونه بين الناس الغيبة فيهم أشد بكثير من الغيبة في عوام الناس؛ لأن الغيبة في العلماء معناه أن تسقط قدر العلماء بين العامة فيسقط الشرع بذلك؛ لأنهم حملة الشرع، فما بالكم بالذي أتى بالشرع نفسه؟ فإن الانتقاص من قدره انتقاص من كلية الشرع، فلذلك ما أراد النبي ﷺ أن يبايع ابن أبي السرح حتى ألح عليه عثمان وجاءه ابن أبي السرح فبايعه النبي ﷺ، لكن بعدما بايعه عاتب صحابته الكرام فقال: (أما كان فيكم رجل رشيد؟ أما قام أحدكم ليقتله؟!) فانظروا النبي ﷺ الذي وصفه الله جل في علاه أنه بالمؤمنين رءوف رحيم ما أراد أن يرحم ابن أبي السرح، وأراد قتله، لأن هذا قد كتب في اللوح المحفوظ، لكن لم يفقه الصحابة ذلك، وقد قدر الله كونًا أن يعفى عن ابن أبي السرح، ولعل في قلبه من الإيمان شيء، فقبله الله جل في علاه وما استفاق أحد من الصحابة ليقتله؛ ولذلك عاتبهم الرسول ﷺ بلهجة شديدة قال: (أما كان فيكم من رجل رشيد يقوم فيقتله عندما رآني لا أبايعه؟ قالوا: يا رسول الله! لو أومأت لنا).\nيعني: غمزت بعينيك.\nفقال: (ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين) وهذه أمانة ليس بعدها أمانة لهؤلاء المغفلين الذين يقدحون في رسول الله ﷺ، فقال: (ما كان لرسول أن تكون له خائنة أعين).\nفكتب الله وقدر كونًا أن يحيا هذا الرجل على الإسلام، ويموت على الإسلام، فالحمد الله الذي أنجاه الله من نار جهنم.","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>قصة ابن خطل وإهدار النبي ﷺ لدمه</span>\n- كذلك من هذه الأحاديث: قصة ابن خطل، وهي قصة رائعة جدًا تثبت لك أنه لا هوادة بحال من الأحوال مع من سب رسول الله ﷺ، ابن خطل هذا كان مسلمًا، فمر ذات مرة في الصحراء مع صحابي من صحابة رسول الله ﷺ وعندهم إبل الصدقة، فقد بعثهم النبي ﷺ ليجمعوها، فأمر ابن خطل الصحابي -وكان من وجهاء مكة- أن يصنع له طعامًا فأبى، فليس عبدًا عنده ولا أسيرًا، فأبى أن يصنع له طعامًا فماذا كانت النتيجة؟ قام فقتل صاحب رسول الله ﷺ، ثم أخذ إبل الصدقة؛ فخشي على نفسه، وقال: محمد لن يتركني - بأبي هو وأمي ﷺفرجع إلى مكة وارتد، ثم بعد ذلك أخذ يهجو رسول الله وينتقص من قدره، واتخذ جاريتين تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ، وتغنيان بالسب في رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي، فدخل النبي ﷺ مكة وأمر بقتله.\nأولًا: حديث ابن أبي السرح هل فيه دلالة على الكلام على المسلم؛ لأننا الآن بصدد الكلام على المسلم؟ ثانيًا: هل يصح هذا الحديث أن يستدل به على مسألة المسلم؟ وهل القتل الذي أمر به النبي ﷺ للردة أم لا؟ يعني: أمر النبي ﷺ بقتل ابن أبي السرح هل هو لردته؟ فإن كان لردته فهل يكون دليلًا على أن الذي يسب النبي ﷺ يقتل أم شيء فوق ذلك؟.\nابن أبي السرح كان مسلمًا، فارتد وتكلم على رسول الله ﷺ، فهل أمر النبي ﷺ بقلته جزاء للردة أم لشيء فوق الردة؟ ابن خطل ارتد وكان أحرى بنا أن نأتي بالكلام على هذا الحديث في الكلام على المرتد، لكن هنا ابن خطل لما سب رسول الله ﷺ ذهب، ولما علم أنه ﷺ دخل مكة تعلق بأستار الكعبة، وهذا إشارة إلى الإسلام، فقالوا لرسول الله: إنه تعلق بأستار الكعبة؛ فقال النبي ﷺ: (إن وجدتموه قد تعلق بأستار الكعبة فاقتلوه) فقاموا فقتلوه، وجه الدلالة من هذا الحديث: أنه إذا كان مسلمًا وارتد فيمكن من مقاصد الشريعة أن النبي ﷺ يتسامح معه ويعرض عليه التوبة؛ لأن من مقاصد الشريعة تشوف الإسلام لإسلام الكافر، فإن كان الإسلام متشوفًا لإسلام الكافر فـ ابن خطل إن رجع عن دينه فالإسلام متشوف أيضًا لإسلامه، ومع ذلك النبي ﷺ لم يعطه هذه الفرصة، وقتله تغليظًا عليه؛ لأنه انتقص من قدر رسول الله ﷺ.\nفالسبب الرئيسي الذي جعل النبي ﷺ يأمر بقتل ابن خطل مع عدم التجرؤ من الصحابة على القتل في الحرم؛ لأن القتل في الحرم ممنوع، بل بين النبي ﷺ في فتح مكة أنها ما أحلت له إلا ساعة واحدة من نهار، ومع ذلك قال فيه النبي ﷺ: (لو تعلق بأستار الكعبة فاقتلوه).\nوهذا لعظم الجرم حيث أنه قد أساء إلى رسول الله ﷺ، وانتقص من رسول الله ﷺ.\nنكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.","vol":"4","page":12},{"text":"شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول -<span data-type=\"title\" id=toc-56> حكم المعاهد والذمي والمستأمن الذي يسب رسول الله</span>\nاختلف العلماء في المعاهد أو الذمي إذا سب رسول الله هل يقتل أم لا؟ وقد وردت أدلة كثيرة تبين أن المعاهد أو الذمي إذا سب الرسول ﷺ انتقض عهده وأمانه، وأن حكمه القتل إكرامًا للنبي ﷺ وحماية لجنابه.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>حكم المسلم الساب للنبي ﷺ</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: الإخوة الكرام! نستهل بداية الكلام على هذا الكتاب العظيم الذي لم يصنف مثله في بابه، وهو كتاب: الصارم المسلول على شاتم الرسول، لشيخ الإسلام ابن تيمية.\nوقد بينا في الأسبوع قبل الماضي مكانة النبي ﷺ من هذه الأمة، وأن حق النبي ﷺ على هذه الأمة التعظيم والتوقير، والنصرة والتبجيل بأبي هو وأمي، وبينا أن صحابة رسول الله ﷺ لما علموا عظم مكانة النبي ﷺ لم يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، فقدموه على كل شيء، وعظموه ووقروه ونصروه، ونصروا سنته ﷺ، فهذا طلحة بن عبيد الله ﵁ لما كان في غزوة أحد كان يقول للنبي ﷺ: يا رسول الله! لا ترفع رأسك، نحري دون نحرك يا رسول الله! لا يأتيك سهم من سهام القوم، وكان يدفع ويصد السهام عن رسول الله ﷺ بيده وما من صاحب إلا ويقول: فداك أبي وأمي يا رسول الله! كذلك بينا أن حق النبي ﷺ على هذه الأمة عظيم، ولا بد أن تؤدي الأمة حق رسول الله ﷺ.\nاليوم إن شاء الله حتى نبين أهمية هذا الكتاب، ونبين أهمية مكانة النبي ﷺ، وكيف لهذه الأمة أن تحفظ حق رسول الله ﷺ الذي قال عن نفسه: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) فسنتكلم عن حكم الذي ينتقص من قدر رسول الله ﷺ، وحكم الذي يتجرأ على جناب رسول الله ﷺ، وقد بينا سابقًا أن حكم من سب الرسول أو انتقص من قدر الرسول أو تعدى وتجرأ على جناب الرسول ﷺ أنه يكون كافرًا، وأنه يصير بما فعل مرتدًا، وأظهرنا الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة.\nوأقول: إن الذي يسب رسول الله ﷺ لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون مسلمًا، فإن كان مسلمًا وتعدى بالسب على رسول الله ﷺ فإنه يصير بالإجماع مرتدًا، وهذا خلافًا للمتأخرين في عصرنا أو الذين يستغرب المرء لكلامهم عندما يقولون: هذا من سوء الأدب، أو من التعدي، أو يعذر بجهله، فهذا إرجاء محض.\nفالصحيح بإجماع الصحابة وإجماع التابعين: أن المسلم إذا سب رسول الله ﷺ فإنه يكفر بذلك ويصير مرتدًا، فبالاتفاق وبالإجماع يكفر، وبالاتفاق وبالإجماع أن حده القتل، لا بد أن يقتله ولي الأمر بسبه لرسول الله ﷺ.\nثم اختلفوا فيما بينهم هل يستتاب أو لا يستتاب؟ لأن خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه لما سمع رجلًا يسب النبي ﷺ قتله وقطع عنقه وما استتابه، كذلك -كما سنبين- قول عمر بن الخطاب وخالد للنبي ﷺ: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فلم يفصل النبي ﷺ ولم يقل: لا بد أن نستتيبه وغير ذلك.\nثم اختلفوا بعد هذا الاختلاف أيضًا: هل إذا استتابوه ثلاثة أيام فعرض عليه أن يرجع إلى الإسلام مرة ثانية، وأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن يتوب من هذا السب لرسول الله فتاب، فهل يقتل أيضًا أم يسقط عنه الحد؟! فهذا أيضًا خلاف نجم عند العلماء بعد الاستتابة أو قبل القدرة عليه، فهذا خلاف آخر أيضًا، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله، ونحن اليوم بصدد الحالة الثانية.","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>حكم المعاهد والمستأمن إذا سبوا النبي ﷺ</span>\nالحالة الثانية: أن يكون معاهدًا أو ذميًا أو مستأمنًا ولم أذكر المحارب؛ لأن المحارب سواء سب أم لم يسب فقد أهدر الله دمه، المحارب مهدور الدم وليس له حرمة بحال من الأحوال، والحرمة تأتي: إما بطلب الأمان، وإما بالعهد: كمعاهدة دولة إسلامية مع دولة أخرى كافرة كصلح مثلًا، فهذا معنى المعاهدة، أو يكون بالجزية فينزل تحت إمرة المسلمين وتحت حكم أهل الإسلام.\nفنقول: هذه الحال الثانية -أن يكون مستأمنًا أو معاهدًا أو ذميًا- فلو سب رسول الله ﷺ فما حكمه؟ هذه هي المسألة المعضلة بحق، فنريد أن نعرف حكمه إن كان ذميًا أو إن كان معاهدًا، أو إن كان مستأمنًا: كأن دخل بلدنا بتأشيرة الأمان بإذن ولي الأمر، ثم تعدى على رسول الله بالسب فهل حكمه أن ينتقض أمانه؟ أنا لا أقول: إن حكمه الكفر؛ لأنه كافر أصلًا، ولكن حرمة دمه كانت بأمور أخرى بينها الشرع، فالأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد باتفاقهم: أنه يقتل، وأن أمانه ينتقض، وأن عهده ينخرم، وأن عقد الذمة يبطل بذلك أو ينتقض بذلك، فهذا كلام الأئمة الثلاثة الفحول أساطين أهل العلم مالك والشافعي وأحمد على تفصيل في مذاهبهم، لكن اتفقت كلمتهم على أن من سب رسول الله ﷺ وتجرأ على جنابه -بأبي هو وأمي- فإنه يقتل بذلك وينتقض أمانه وعهده، وخالف في ذلك أبو حنيفة رحمة الله عليه الإمام العظيم المبجل وقال: سب الرسول كفر، وهو كافر، فهذه لا تزيد على كفره كفرًا أو نقول: حتى لو زادت فإنها تزيد في عذابه في الآخرة، فقال: لا ينتقض عهده بسبه للرسول ﷺ، ولا يقتل بذلك فهذا قول الأحناف، والراجح الصحيح هو قول الأئمة الثلاثة العظام: مالك وأحمد والشافعي، بأنه يقتل ويصير أمانه منتقضًا؛ لسبه للرسول ﷺ وتعديه، وهذا واقع من ناحية الأثر والنظر.","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>الأدلة الواردة من القرآن على نقض عهد الذمي والمستأمن إذا سب النبي ﷺ</span>\nأما الدليل من الكتاب: فكل آيات سورة براءة تدل على أن من سب الرسول سواء كان مستأمنًا أو معاهدًا أو كان ذميًا فإنه ينتقض عهد الذمة.","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر)</span>\nأولًا: من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] أولًا: نأخذ مقدمة حتى أبين وجه الدلالة من هذه الآية: إن الله جل في علاه بعدما مكن لرسوله ﷺ بتأسيس الدولة الإسلامية في المدينة، وأمره بنشر دعوة الإسلام، وبعدما أمره أن يكف ويضع الجناح ويصدع بالحق باللسان فقط بعد ذلك أمره بالسيف وبالسلاح، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣].\nوكذلك قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله).\nوالكفار أصناف: فمنهم العتاة، ومنهم المتكبرون الذين يناهضون دين الله جل في علاه ويناصرون الكفر والباطل، ولا يرضون بدين الله جل في علاه، بل يرفعون السيف في وجه الإسلام وأهله، فهؤلاء لا كرامة لهم، وهؤلاء الذين قال فيهم النبي ﷺ بعد دعوتهم للإسلام: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم) إذًا: فلا عصمة للدم ولا للمال بعدم الدخول في الإسلام.\nكذلك: كان النبي ﷺكما في الصحيح- يبعث السرايا ويقول: (اغزوا باسم الله، قاتلوا من كفر بالله)، فكان يأمرهم بالقتال بعد تأسيس الدولة الإسلامية، وبعدما ظهرت كلمة الله جل في علاه، وظهرت القوة في الأمة الإسلامية، فيقاتلون كل الكفار للدخول في الإسلام، فإن أبى أهل الكفر إلا المذلة والمهانة، وأن يتذللوا ويخضعوا للشيطان لا للرحمن فإن الله جل في علاه جعل لهم حرية المعتقد، لكن بذلة وصغار، وبشروط وقيود، قال: «حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ»، فإن دعوتهم للإسلام فأبوا فعليك أن تدعوهم إلى أن يعطوا الجزية وهم صاغرون؛ لأنهم أبوا أن يكونوا أذلاء للرحمن، فأذلهم الله جل في علاه للشيطان، وأذلهم لعباد الرحمن، فهنا الله جل وعلا عصم دماءهم بشرطين وقيدين: أن يعطوا الجزية، ومع ذلك يكونوا في صغار وذلة، وبعض العلماء يرى أن إعطاء الجزية نفسه صغار، وهذا ليس بصحيح، وعند الجماهير: أنه لا بد من إعطاء الجزية مع القيود والشروط بالذلة والصغار، وهنا وجه الدلالة من هذه الآية العظيمة: «حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ»، فالصغار والذلة يناقضهما سب الرسول ﷺ، فلو تجرأ الذمي على سب الرسول فهذا دليل على أنه ليس ذليلًا، بل دليل تكبره وعتوه وتجبره، سبوا رسولنا، وسبوا قدوتنا، وسبوا من نتأسى به، بل سبوا أكرم الخلق على الله جل في علاه، فهذا يعتبر منافيًا لهذه الآية العظيمة، ولهذا الشرط والقيد الذي قيده الله جل في علاه في عصمة الدم، وكأن الله في هذه الآية يقول لرسول الله ﷺ: أنت تقاتلهم حتى يدخلوا في دين الله أفواجًا، فإن أبوا عليك فاعصم دماءهم بأن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون أي: في ذلة وصغار، فالصغار ينافيه ويناهضه ويناقضه سب الرسول ﷺ، فتكون هذه الآية فاصلة في النزاع، وظاهرة جدًا في أن من سب الرسول ليس بصاغر، ومن ليس بصاغر لا تقبل منه الجزية.\nإذًا: فلا بد ألا نرفع عن رقبته السيف؛ لقول النبي ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم).","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>قوله تعالى: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم)</span>\nالدليل الثاني من الكتاب: قل الله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٢]، وهذه الآية عظيمة جدًا، والاستدلال من الآية بوجوه عدة: الوجه الأول: أن تعريف إمام الكفر: هو الداعي لهذا الكفر، المناهض لدين الإسلام، ومن المناهضة: القتال، والسب والاستهزاء، ومنها الحط من قدر وجناب رسول الله ﷺ، فإمام الكفر ألحق به السيف؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٢]، ولم يتكلم على الأتباع، وإنما تكلم على الرءوس والأئمة بقطع الرءوس، قال: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٢] فاستحق القتل واستحق باللزوم أن يكون إمامًا للكفر من وجهين: الوجه الأول: نكث العهد.\nوالوجه الثاني: الطعن في الدين، وأوفر حظًا أن يكون طعنًا في الدين من يسب الذي أتى بهذا الدين، فسب الرسول ﷺ يعتبر طعنًا في الدين.\nوالوجه الثاني في الاستدلال بهذه الآية: قول الله تعالى: «وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ»، نكثوا الأيمان، وطعنوا في دينكم، فكأن الله جل في علاه عطف الطعن في الدين على النكوث في الأيمان، فهذا العطف كما يسميه علماؤنا من باب عطف الخاص على العام، وأهل البيان واللغة يسمونه: تأكيدًا، كما قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران:١٤] فكل هذه المعدودات متاع الحياة الدنيا، ولذا قال في آخر الآية: «ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» أيش المتاع الذي فصله؟ النساء، والبنين، والقناطير المقنطرة، والنساء، وكلها تعتبر فتنة من فتن الدنيا، وانظروا إلى كلام النبي ﷺ عندما قال: (الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعلمون، فاتقوا الدنيا) يعني: فتن الدنيا، فقال: (اتقوا الدنيا) عمومًا، ثم عطف الخاص على العام للتأكيد فقال: (واتقوا النساء) فكأنه قال: اتقوا النساء أولًا في عموم (اتقوا الدنيا)، ثم خصص، ولهذا قال العلماء: إن عطف الخاص على العام -لأن الخاص فرد من أفراد العموم- يدل على تأكيده، قال: (فاتقوا الدنيا) وكأن النبي ﷺ يقول: وأخص من فتن الدنيا النساء؛ لأنها آكد ما يكون من الفتن، ونفس هذا الأمر في الآية، فقد قال الله تعالى: «نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ»، ومن صور النكث: الزنا بالمسلمة، والتجسس على المسلمين، وإظهار عورات المسلمين للكفار، وإدخال الكفار في بلد المسلمين حتى يعبثوا بها، فكل ذلك نقض للعهد والأيمان، وأيضًا سب الرسول ﷺ، فكأن الله قال: «نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ» فهم يستحقون لقب أئمة الكفر، ويستحقون بهذا اللقب عقابًا وهو قطع الرءوس، فكأن الله يقول: «نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ» عمومًا ثم عطف الخاص المؤكد فقال: «وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ»، وأهم طعن في الدين وأوكد طعن في الدين هو: سب الرسول.\nفهذا الوجه الثاني.\nالوجه الثالث: قد يعترض معترض ويقول: لكن الحكم إذا تعلق بعلتين ذكرتا في الكتاب عطف أحدهما على الأخرى: «وإن نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم»، فإن العطف يقتضي المغايرة، فنرد عليهم ونقول: وإن قلنا بقولكم إن حكم القتل مترتب على الاثنين فنحن نقول: إن نكث الأيمان والطعن في الدين بمجمله يكون مستوجبًا القتل؛ فإن كل واحدة منهما علة مؤثرة، فنكث الأيمان علة مؤثرة؛ لأنها خيانة لله جل وعلا، قال: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال:٥٨]، فالخيانة علة مؤثرة، وأيضًا الطعن في الدين علة مؤثرة، ولو قلنا: إنه بالعلتين يستوجب القتل فإن الطعن في الدين أكبر محرض على القتل، ونبين هذا بالآية التالية أو الدليل الثالث الذي سنبينه بأنه دليل على قتل من سب الرسول ﷺ، وهو قول الله تعالى: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ﴾ [التوبة:١٣]، فهذه الآية العظيمة تبين أن الطعن في الدين أقوى تأثيرًا من نكث الأيمان، قال الله تعالى: «وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ»، فجعل الله المحرض على قتالهم: أنهم هموا بإخراج الرسول، وما أخرجوه، بل هموا بإخراج الرسول، فمن باب أولى ومن القياس الجلي: أن سب الرسول يكون محرضًا على قتل مرتكبه.\nفنحن نقول: إن كانت الآية تظهر لنا أن الهم بإخراج الرسول سبب في قتالهم وقتلهم فالطعن من باب أولى، ويكون هذا من باب القياس الجلي.","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>قوله تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن)</span>\nالدليل الرابع: قول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة:٦١]، ففي سياق الآيات قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة:٦٣]، فجعل إيذاء الرسول من المحادة لله ولرسوله، والمحادة عقابها القتل، فإذا قالوا لنا: أين دليلكم من الآية؟ قلنا: الدليل هنا منفصل، قالوا: ائتونا بالدليل المنقطع؟ قلنا: عندنا دليل أسطع من ضوء النهار، وذلك لما خاض المنافقون في عرض عائشة ﵂ وأرضاها قام النبي ﷺ مغضبًا على المنبر فخطب الناس وقال: (من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهلي أو بالغ في إيذاء أهلي؟) فقام سعد بن معاذ ولنعم الرجل سعد بن معاذ، فهذا الرجل له الحظ والمكانة عند رسول الله، وعند صحابة رسول الله بل له الحظ والمكانة عند الله جل في علاه، لقد اهتز عرش الرحمن فرحًا بقدوم سعد بن معاذ ﵁، فقال سعد بن معاذ: (أنا أعذرك منه يا رسول الله! والله لو كان من إخواني الأوس أو الخزرج لنضربن عنقه، فقام سعد بن عبادة وقال: والله لن تستطيع.\nفقام أسيد بن حضير) فقال له سعد بن عبادة كلمة شديدة -وسعد بن عبادة سيد من السادات، وبار كريم وصاحب جليل- قال أسيد: والله لا أراك إلا منافقًا تجادل عن المنافقين.\nالغرض المقصود من هذه القصة بأسرها أنه قام سعد بن معاذ فقال: (يا رسول الله! أنا أعذرك منه أضرب عنقه) للعلة التي ذكرها النبي ﷺ على المنبر، وهي: أنه بلغ أذاه في أهل النبي، وهذا يعتبر إيذاءً للنبي ﷺ، فلما كان إيذاء للنبي قام سعد بن معاذ فقال: أضرب عنقه، فأقره النبي، فكان الدليل هنا: إقرار النبي ﷺ بضرب عنق من آذى رسول الله ﷺ، وإن كان الدليل نص في مسألة المسلم لا المعاهد، لكنه يدخل في الآية بعمومها؛ لأن الله جل وعلا عمم وقال: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة:٦١] فبين أن إيذاء النبي فيه محادة لله ولرسوله، فالعقاب يكون بالقتل وضرب العنق لمن آذى رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي.","vol":"5","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>الأدلة الواردة من السنة على نقض عهد الذمي والمستأمن إذا سب رسول الله</span>\nأما الأدلة الواردة من السنة فهي كثيرة جدًا، سنقتصر على بعضها: الحديث الأول -هو فاصل في النزع وحجة على الأحناف- حديث كعب بن الأشرف، وكان يهوديًا عاتيًا جبارًا متكبرًا وكان معاهدًا للنبي ﷺ في وقت ما كانت المدينة من القوة بمكان حتى يأخذ عليهم الجزية، ولكن كان بينهما مهادنة وموادعة، فكان كعب بن الأشرف يهجو رسول الله ويسبه؛ فقال النبي -وهذا وهو وجه الشاهد الذي سيأتيﷺ: (من لـ كعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله؟) مع أنه ما سب الله وهذا الحديث يحتاج إلى تفسير، قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (من لـ كعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله؟) وكيف يؤذي الله وهو لم يسب الله جل في علاه؟ إنه آذى رسول الله، وإيذاء الرسول إيذاء لله جل في علاه؛ فقال النبي ﷺ: (من لـ كعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله؟ فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله! أنا له، لكن ائذن لي أن أتكلم فيك) يعني: أنه سيكلمني عليك وسأتكلم فيك فائذن لي، فقتله بعد أن جعل النبي ﷺ دمه هدرًا، فلما جاء اليهود قالوا: قتل غيلة، من الذي قتله غيلة؟ محمد بن مسلمة.\nجاء اليهود إلى رسول الله وقالوا: إن كعب بن الأشرف قتل غيلة، فطلبوا العهد منه، فقال النبي ﷺ: (إنه قد آذى الله ورسوله، ومن فعل ذلك منكم فليس له إلا السيف) أو كما قال النبي ﷺ، فهذا وجه شاهد آخر.\nإذًا: فالنبي ﷺ لما قال له محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أقره على ذلك وجعل دمه هدرًا، وما أعطاهم الدية، ولما جاءوا يشتكون لرسول الله لم يسمع لهم ﷺ أبدًا، بل قال لهم: (من فعل ذلك منكم فليس له إلا السيف) فهذه دلالة واضحة جدًا أن المعاهد ينتقض عهده، وأن المستأمن من باب أولى ينتقض أمانه، وأن الذمي ينتقض عهد ذمته إن سب رسول الله؛ والمسلمون في هذه الآونة كانوا في ضعف ومع ذلك نقضوا العهد، وقتل كعب بن الأشرف من أجل رسول الله بأبي هو وأمي.","vol":"5","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>حديث الأعمى الذي قتل الجارية لسبها النبي ﷺ</span>\nالدليل الثاني: رجل عجوز أعمى، وكان له أمة يحبها جدًا، وكان يطؤها، فكانت تكفيه شهوة وعملًا وخدمة، وكان له منها ولد وكانت تغنيه في كل شيء، لكن كانت تسب رسول الله -بأبي هو وأمي- وكان ينهاها عن ذلك، فاستطالت مرة في عرض رسول الله وكررت ما تقول وزادت في إيذائها لرسول الله ﷺ، فكان عنده معول فبقر به بطنها فقتلها، ولما قام النبي ﷺ يسأل عن قتل هذه المرأة قام الأعمى فقال: أنا يا رسول الله! لأنها كانت تفعل كذا وكذا، فأهدر النبي ﷺ دمها هدر.\nوجه الدلالة في الحديث: أنه أهدر دمها وأقر قتلها، فمن باب أولى نقض الأمان والعهد، فليس هناك أو أمان أو ذمة طالما سب رسول الله ﷺ.\nوقد يورد الأحناف إشكالًا فيقولون: يظهر من هذا الحديث أنها كانت مسلمة، فيرد عليهم: أنه كان ينهاها وكانت تزيد، ووجه الدلالة: أنها لو كانت مسلمة ما كان للنهي فائدة وقت السب، وإنما تقتل مباشرة لأنها أصبحت مرتدة.\nالمقصود: أنها لو كانت مسلمة لحظة السب لارتدت في وقتها، ولما جاز له أن يصبر عليها كل هذا الصبر، وينهاها مرة تلو المرة؛ لأنها لو كانت مسلمة لارتدت، والنبي ﷺ يقول: (من بدل دينه فاقتلوه) وإن كانت من النساء، خلافًا للأحناف، فلو كانت الأمة مسلمة لارتدت في الوقت ذاته، فدل ذلك على أنها كانت كافرة، فكان ينهاها مرة بعد مرة فلم تنته، فنقض عهد الأمان وقتلها.","vol":"5","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>قول ابن عمر: (ما على هذا أعطيناهم العهد)</span>\nالدليل الثالث: وفيه انقطاع: عن ابن عمر ﵁ وأرضاه أنه مر براهب فأخبره أحدهم: إني سمعت هذا الراهب يسب رسول الله، فقال ابن عمر ﵁ وأرضاه: لو سمعته لقتلته ما على هذا أعطيناهم العهد وهذا ظاهر جدًا.\nوجه الدلالة: أولًا: أنه كان راهبًا -هذا أول شيء- وليس مسلمًا.\nثانيًا: أنه كان معاهدًا فانتقض عهده بسب رسول الله؛ لذلك ابن عمر يقول: لو سمعته لقتلته، يعني: ولا أرجع إلى الولي، وفي هذا الزمان أصبحت هذه مسألة فقهية: فلابد أن يرجع لولي الأمر، وليس لأحد أن يتجرأ على هذه المسألة حتى لا يأتي بالمفاسد العظام التي لا يعلمها إلا الله جل في علاه؛ لأن مقاصد الشريعة تأبى هذا، وعليك دائمًا أن تنظر إلى المصالح والمفاسد، فنقول: يقول ابن عمر بقوة: لو سمعته لقتلته ما على هذا أعطيناهم العهد.\nيعني: أنهم نقضوا عهدهم بسب الرسول ﷺ.\nوأختم هذه الأدلة الأثرية بحديث أخير: وهو حديث أبي برزة ﵁ وأرضاه أنه قال: بعد موت الرسول ﷺ استخلف أبو بكر ﵁ وأرضاه فجاء رجل فسبه، فقام أبو برزة وأشهر سيفه فقال: دعني أضرب عنقه، كيف يسب الخليفة؟! فقال أبو بكر: مه! والله ما كانت إلا لرسول ﷺ.\nوهذا في وجود كثير من الصحابة، فأقروه على ذلك.\nوهذا كفر أيضًا، ولكن على التفصيل المعلوم، ومع هذا بين أبو بكر بأن سب الرسول ليس كسب أحد من الناس، فسب الرسول يستوجب القتل، أما سب غير الرسول فلن يستوجب القتل؛ لبيان التفرقة، ولذلك قال أبو بكر: مه! ما كانت إلا لرسول الله.\nوهذه يبين لك الإجماع في قوله: (ما كانت إلا لرسول الله) والصحابة يسمعون ذلك؛ فأجمعوا على كلام أبي بكر أن من سب الرسول يقتل، لكن الخلاف فيمن سب غيره.\nأما من النظر: فإن الكافر المعاهد لم يعطه ولي أمر المسلمين العهد والأمان والذمة إلا بشرط عدم إيذاء المسلمين؛ لأنهم سيطلبون منا الأمان لأنفسهم بشرط عدم إيذاء المسلمين، ولذا نبين لكم أنه لا يجوز أي مسلم دخل بلاد الكفر بعقد أمان أن يفجر أو يقتل؛ لأنه لو دخل بعقد الأمان فقد أعطاهم الأمان على أنفسهم، كما أعطوه الأمان على نفسه، فلا يجوز له ذلك.\nأما إذا دخل متخفيًا في بطاطس، في بصل، في سيارة، أو أي شيء فهذه مسألة ثانية يتكلم فيها الكبار من العلماء، وإنما نبين لكم أن من لوازم إعطاء عقد الأمان: أن تؤمنه على نفسه بشرط أن يؤمنك على نفسك، ويؤمنك على عرضك فلا يصل منه الإيذاء لك، وأعظم الإيذاء هو: أن يؤذيك فيمن تتأسى به، أن يؤذيك في دينك، وأن يؤذيك في رسول الله المعظم المكرم المبجل بأمر الله لديك، فإن آذاك في رسول الله فلا أمان ولا عهد له، فلا بد أن يبلغه ولي الأمر مأمنه، ثم بعد ذلك يبين له أنه أصبح من المحاربين وليس من المستأمنين.\nهذه آخر الأدلة بإيجاز على الحالة الأولى وهي: حالة الكافر الذمي الذي له عقد الأمان أو المعاهد أو المستأمن إذا سب الرسول ﷺ، فالراجح: أن حده القتل، ويبقى لنا الحالة الثانية وهي: المسلم إذا سب الرسول وفيها أمور ثلاثة، أولًا: حكمه.\nالثاني: حده، وإذا اتفقوا على أن حده القتل فهل يستتاب أم لا؟ الثالث: إذا تاب هل يسقط عنه حد القتل أم لا؟ هذا معترك واسع جدًا، ولعله يأخذ منا أسابيع إذا قدر الله.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيرًا.","vol":"5","page":10},{"text":"شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول -<span data-type=\"title\" id=toc-66> حكم من سب الله ﷿</span>\nإن عظمة الله في القلوب تجعل المسلم يخاف من التجرؤ على سبِّ الله تعالى، فإنَّ سبَّ الله ﷾، أو الانتقاص من قدره، أو الاستهزاء به، أو الشرك به شركًا أكبر هو كفرٌ صريح يخرج صاحبه من الملَّة؛ لأنَّ كل هذه الأمور سبٌ لله ﷾.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>تنزيه الله ﷿ لنفسه ورسوله وعباده المؤمنين عن كل نقص وعيب</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: لقد ذهب أهل العلم بشرف الدنيا والآخرة، وإن لم يكن العلماء هم أولياء الله فمن يكون وليًا لربه جل في علاه؟!.\nمر الحافظ ابن حجر على يهودي كان يعمل بقالًا وكان الحافظ قاضي القضاة في ذلك العهد، وكان يسير في كوكبة عظيمة في قيمة وعظمة ومكانة شريفة، فنظر اليهودي متعجبًا لمكانة الحافظ ابن حجر؛ فاستوقفه؛ فوقف، فقال له: بالله عليك أما يقول نبيكم: (إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)، فما بالي أراك في جنة وأرى نفسي في سجن؟ انظروا إلى نباهة المحدث الفقيه الدقيق، وانظروا إلى دقة نظر الحافظ ابن حجر حيث قال له: نعم.\nوالله إن الدنيا هي سجن المؤمن وجنة الكافر؛ لأن ما أنا فيه بالنسبة للنعيم الذي ينتظرني عند ربي جل في علاه سجن، وما أنت فيه بالنسبة للعذاب الذي ينتظرك عند ربك جل في علاه جنة.\nفالله ﷻ له الكمال المطلق، والعظمة المطلقة، والجلال المطلق، والجمال المطلق، تقدست أسماؤه، فهو سبحانه جل في علاه له الأسماء الحسنى والصفات العلى.\nعظيم كملت عظمته، قدير كملت قدرته، عزيز كملت عزته، رحيم كملت رحمته، هو السيد كمل سؤدده سبحانه جل في علاه، والله جل في علاه نزه نفسه سبحانه قبل أن ينزهه عباده عن كل نقص وعيب، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، أي: نفى الله عن نفسه التعب والإعياء، وكذلك نزه نفسه عن النعاس والنوم، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥].\nوفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام)، وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩١]، فهو سبحانه جل في علاه الواحد الأحد الفرد الصمد.\nوأيضًا في الصحيحين عن النبي ﷺ: (قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا)، فقد نزه الله نفسه عن الظلم، ونزهه رسوله ﷺ عندما كان مع أصحابه وعلت أصواتهم فقال: (أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، ولكنكم تدعون سميعًا بصيرًا)، سبحانه جل في علاه، وكثيرًا ما كان النبي ﷺ يسبح الله، ويعلم أصحابه إذا علو جبلًا أن يكبروا، وإذا نزلوا أن يسبحوا، حتى لا ينسب جل في علاه إلى نقص أو عيب.\nفدأب الصالحين والمؤمنين والمتقين أنهم يعملون بأوامر الله جل في علاه وينزهون ربهم جل في علاه عن النقائص، أما السفلة الرعاع الذين لا يعرفون حرمة لربهم سبحانه، ولا يقدرون الله حق قدره، فقد أنكر الله عليهم في كتابه أيما إنكار، فقال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، وقال الله جل في علاه: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣] أي: لا تعظمون الله حق عظمته.\nونحن بصدد تبيين حكم الذين يتجرءون على حرمة الله، وعلى تقديسه وكماله إن كان مسلمًا، أو حكم من فعل ذلك إن كان ذميًا، وسنتكلم عن حكم من كان مسلمًا وتجرأ على الله ﷿، فمن سب الله أو انتقص من قدره، أو استهزأ به سبحانه فحكمه أنه كافر، وهذا الحكم دلت عليه الأدلة الكثيرة المتوافرة المتظافرة من الكتاب والسنة، وإجماع الملل والنحل وإجماع الأمة بأسرها من أهل البدع وأهل السنة والجماعة، وهو معلوم من الدين بالضرورة.\nأما الأدلة فمنها ما هو صريح، ومنها ما هو أولوي، ومنها ما هو بالإشارة والتلميح.","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>الأدلة الصريحة على كفر من سب الله</span>\nمن الأدلة الصريحة على كفر من سب الله: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، فالشاهد قوله: «قَدْ كَفَرْتُمْ» فالله جل وعلا وصفهم بالكفر؛ لأنهم يستهزءون برسوله كما مر في الكلام عن النبي ﷺ.\nومن الأدلة الصريحة: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب:٥٧]، الشاهد: «لَعَنَهُمُ اللَّهُ» واللعن: هو الطرد من رحمة الله جل في علاه، فمن طرده الله من رحمته فلا راحم له غيره سبحانه.\nفهذه آية صريحة على أن من يؤذي الله جل في علاه بأن ينتقص من قدره، ويستهزئ بالذات المقدسة، فهو ملعون مطرود من رحمة الله جل في علاه، لكن هل الإيذاء كالضر أم لا؟ قال الله جل في علاه في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري)، فالضر لا يصل إليه سبحانه، لكن الأذى يصل إليه سبحانه، والدليل على ذلك الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: (ما رأيت أحدًا أصبر على أذى من الله، يسبونه، يدعون له الولد وهو يرزقهم ويعافيهم).\nالآية الثالثة المصرحة بكفر من آذى الله أو استهزأ به أو انتقص من قدره: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:٢٠]، هذا هو الحكم، ولا يكون في الأذلين إلا من اشتد كفره وتعاظم، فهذه آية صريحة في الدلالة على كفر من يحاد الله جل في علاه بالاستهزاء أو بالانتقاص من قدره سبحانه.\nأيضًا من باب أولى قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، تفسرها الآية الأخرى وهي أعظم منها دلالة: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح:٦]، فهذه آية صريحة جدًا في أن الذي يظن في الله ظنًا سيئًا كالذي يقول: لماذا يا رب تظلمني؟! يعني: فهو يظن أن الله يظلمه.\nأيضًا من الأدلة التي تثبت كفر من يتجرأ على الله جل في علاه: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، في هذه الآية تصريح على أنَّ من جعل الله ثالث ثلاثة فقد كفر؛ لأنَّ في ذلك شتمًا لله ﷿؛ لأنهم يجعلون له ندًا، ويجعلون له ولدًا، ففي الحديث الصحيح قال النبي ﷺ: (قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، ثم قال: ويشتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، ثم قال: فأما شتمه إياي فإنه قال: لي ولد، وأنا الواحد الأحد).\nوهذه دلالة صريحة أنَّ من جعل الواحد ثلاثة فقد كفر؛ لأن في ذلك شتمًا لله وانتقاصًا لعظمته، واستهزاء بمكانته العليا سبحانه جل في علاه، وتعالى عن قول الظالمين علوًا كبيرًا.\nفهذه آيات صريحات في كفر من يسب الله جل في علاه.","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الأدلة على أن التلميح بسب الله كفر</span>\nإن الله ﷿ لعن قومًا وسخط عليهم، وأنزل عليهم العذاب الأليم في الدنيا قبل الآخرة؛ لانتقاصهم من عظمة الله جل في علاه تلميحًا لا تصريحًا، وذلك عندما نسبوا الفقر لله جل في علاه، فهؤلاء كفرهم الله، فما بالكم بمن يسب الله سبًا صريحًا؟! قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران:١٨١ - ١٨٢]، وعذاب الحريق والخلود لا يكون إلا لمن كفر بالله جل في علاه، فهذه كلها أدلة متوافرة متظافرة على كفر من سب الله جل في علاه.","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>الأدلة من السنة على كفر من سب الله جل وعلا</span>\nهناك أحاديث كثيرة تثبت أن سب الله كفر، فكل حديث فيه أن الشرك بالله كفر لك أن تستدل به على أن سب الله كفر، ومن ذلك: قول النبي ﷺ: (من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)، وقول النبي ﷺ: (من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد)، فأيُّ حديث صرَّح فيه النبي ﷺ بأنَّ الشرك كفر؛ فهو دليل على أنَّ سبَّ الله كفر، وبيان ذلك أنَّ النبي ﷺ بين أن الله جل في علاه وصف كثيرًا من الناس بالكفر؛ لأنهم لم ينسبوا النعمة لبارئها، فقال النبي ﷺ: (أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.\nقال: قال ربكم: أصبح من عبادي مؤمن بي كافر بالكوكب، وكافر بي مؤمن بالكوكب، أما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا كافر بي مؤمن بالكوكب)، وهذه دلالة صريحة على أن من نسب النعمة لغير بارئها سبحانه جل في علاه كفر، وهو كفر أكبر بالاعتقاد، وكفر أصغر إذا جعل النوء هو السبب.\nإذًا: فالذي ينسب النعمة لغير بارئها يكفر بذلك.\nكل هذه الأدلة دلالة على أن من سب الله فقد كفر، وكل حديث صرح فيه النبي ﷺ بالكفر سواء كان في العمل شرك أصغر أو شرك أكبر فهو دليل على أن السب كفر، والسب أغلظ وأعظم من الشرك، فإذا سمى الله على لسان نبيه ﷺ الشرك شركًا فالسب أغلظ، ويكون من باب أولى أن يسمى شركًا، والدليل على ذلك: أن الله نهى المؤمنين أن يسبوا آلهة المشركين؛ لأن المشركين سيقعون فيما هو أفحش وأغلظ وأقبح من الشرك الذي هم عليه، ألا وهو التجرؤ على الذات العالية.\nقال الله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨]، أي: أنهم سيقعون في أفحش ما يكون وأظلم ما يكون وأقبح ما يكون، ألا وهو سب الذات العالية.","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>الإجماع على كفر من سب الله تعالى</span>\nأجمعت الأمة بأسرها أن من سب الله جل في علاه يكفر بذلك ويخرج من الملة، ويعتبر ردة صريحة، وقد اختلف العلماء في مسألة الردة هذه، وهذه المسألة الثالثة التي سنتكلم عنها.","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>من صور سب الله ﷾</span>\nإنَّ صور سب الله جل في علاه كثيرة جدًا، ومن باب الأدب مع الله فلن نفصل فيها، بل نمر عليها إجمالًا.\nوسب الله قد يكون سبًا صريحًا، وهذا يحدث في كثير من البلاد العربية وخاصة في بلاد الشام، نسأل الله أن يردهم إليه ردًا جميلًا، وأن يحفظنا جميعًا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.\nفكثير من الناس يتجرءون على الله جل في علاه بالسب الصراح، وهذا كفر محض ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا، فتراه يسب الله ثم يذهب ليفجر نفسه في عملية والله المستعان! ومن صور انتقاص قدر الله تعالى تلميحًا أو تصريحًا تلك الرسومات المتحركة، حيث إنَّ بعض الرعاع السفلة يرسمون نارًا والناس فيها يصرخون ويتألمون، وهناك رجل تحتهم في الدرك الأسفل، وفيهم رجلٌ يمسك حمية يشربه واضعًا رجلًا على رجل، والذي ينظر الرسم يتعجب من أناس يصرخون من الألم، وهذا الرجل الذي يمسك حمية لا يشعر بألم، ويشرب حمية أيضًا، وينسبون ذلك إلى الله ﷿! فهؤلاء يحسبون أنهم ليسوا على خطر، مع أنهم ولجوا في الكفر من أوسع أبوابه، فنسأل الله جل وعلا أن يحفظنا ويحفظ ألسنتنا ويحفظ أقلامنا من هذه التراهات.","vol":"6","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>أقوال العلماء في حد من سب الله تعالى وأدلتهم</span>\nإن حكم من سب الله أنه يكفر وحده القتل بالاتفاق، وهناك أدلة كثيرة جدًا قد مرت في (الصارم) في الكلام على سب الرسول ﷺ، منها: قول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢].\nوهناك دليل آخر في الكتاب، وهو: قول الله تعالى عن المنافقين: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٦١].\nوأيضًا رأس الأدلة: ما رواه البخاري من حديث عكرمة قال النبي ﷺ: (من بدل دينه فاقتلوه)، فاتفق كل العلماء على أن حد من سب الله هو القتل، واختلفوا بعد ذلك، هل يطابق حكمه حكم الردة مطابقة كلية، أم هي حالة خاصة من الردة؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال ثلاثة: القول الأول: يقتل بكل حال ولا يستتاب، فإن تاب لم تقبل توبته.\nوهذا مذهب الحنابلة والمالكية.\nالقول الثاني: يستتاب ويعامل معاملة المرتد، فإن تاب قبلت توبته وسقط القتل سواء في سب الله أو سب رسوله، وهذا مذهب الشافعية والأحناف ورواية عن أحمد، وهو قول الجمهور.\nالقول الثالث: هو التفريق والتفصيل، فقالوا: نفرق بين الله وبين رسوله، فمن سب الله جل في علاه فتاب قبلت توبته وسقط القتل، ومن سب الرسول ﷺ فتاب لم تقبل توبته، ولم يسقط القتل، أو نستتيبه فيتوب حتى لا يقتل ردة فيقتل حدًا.\nفأقول: قال الشافعي ورواية عن أحمد والأحناف: إذا تاب قبلت توبته وسقط القتل، أما التفريق عند بعض الشافعية وبعض الحنابلة فقد رجَّحوه بالإسلام، قالوا: إذا تاب من سب الله جل في علاه قبلت توبته وسقط القتل، وإن تاب من سب رسول الله ﷺ قبلت توبته لكنه لا يسقط عنه القتل بحال، بل لا بد أن يقتل ردعًا وزجرًا حتى لا يتجرأ أحد على أن يسبَّ عرض النبي ﷺ.","vol":"6","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>أقوال العلماء في حكم من سب الله ورسوله</span>\nأدلة الأقوال الثلاثة: دليل القول الأول الذين قالوا بأن من سب الله وسب رسوله هو كافر ويجب قتله دون الاستتابة، وهؤلاء لهم حظ من الأثر والنظر.\nأما من الأثر: فقد قالوا: قال النبي ﷺ: (من بدل دينه فاقتلوه)، والفاء للتعقيب، وليس ثمة مهلة ولا تراخ، وهذا في الردة فما بالكم بأغلظها وهو التجرؤ على الذات الإلهية المقدسة فوجب القتل دون الاستتابة.\nدليل القول الثاني وهم الشافعية والأحناف ورواية عن أحمد الذين قالوا: تقبل التوبة ويعامل معاملة المرتد، قالوا: (من بدل دينه فاقتلوه)، الفاء للتعقيب، لكن الصحابة الذين هم أعلم الناس برواية النبي ﷺ وبمراده قد طبقوا الاستتابة في المرتدين، فإن عمر بن الخطاب عندما أرسلوا له في رجل قد ارتد فقتلوه دون استتابة قال: (اللهم إني لم أشهد ولم أرض).\nدليل القول الأول من النظر: قالوا: غِلَظُ هذه الردة في سب الذات الإلهية، أو سب عرض النبي ﷺ يجرئ السفلة الرعاع على الله وانتهاك حرمته وانتهاك حرمة النبي ﷺ، والواجب أن نمنع الألسنة من التجرؤ على الله أو على الرسول ﷺ، وهذا القول له قوة وحظ من النظر.\nودليل القول الثاني من النظر أنهم نظروا إلى مقاصد الشريعة وقالوا: الشرع ينظر إلى العتق وينظر إلى الحرية، ويأمر بعتق الرقبة، فهل هناك أعظم رقًّا من الكفر؟! والله جل في علاه أرحم بالعبد من أمه ومن نفسه، كما قال النبي ﷺ: (أرأيتم هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟ قالوا: لا، قال: لَلَّهُ أرحم بالعبد من هذه الأم بولدها)، فالله أرحم بالعباد من أنفسهم وأمهاتهم فهو القائل سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، (والله جل في علاه أفرح بتوبة العبد من فرح العبد عندما رجعت إليه دابته وعليها طعامه وشرابه)، كما في الحديث المشهور.\nإذًا: من مقاصد الشريعة، أن الشرع يفتح الأبواب لكل كافر أن يدخل في الإسلام، بل ما بعث النبي ﷺ إلا رحمة للعالمين، لدعوة الناس أجمعين؛ وليدخلوا في دين الله أفواجًا، فلا بد أن نفتح لهم الباب حتى يتوبوا ويسقط عنهم القتل، وهذا كلام قوي.\nدليل القول الثالث: التفصيل عند بعض الشافعية وبعض الحنابلة الذين قالوا: التفريق والتفصيل بين الله وبين رسوله، وهؤلاء لهم أدلة كلها من النظر قالوا: الأصل في حق الله المسامحة، كما جاء في الحديث: (من تاب تاب الله عليه)، وقوله: (وإن تقرب إلي عبدي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة).\nفهذا دليل على أن الأصل في حق الله: المسامحة.\nوأيضًا التجرؤ على الله لا يقلل من هيبة الله وعظمته في القلوب؛ لأن من يتجرأ على الله جل في علاه يعلم أن الله قد يصيبه بالعمى، أو بالموت، أو بتحقير الناس له.\nفإبليس لما أعلن سوء الأدب مع الله تعالى أوجب الله عليه اللعنة، والجميع يعلم أن الله قادر على كل شيء، إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن فيكون.\nأما إبليس فقد قص الله علينا سوء أدبه معه كما قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الإسراء:٦١ - ٦٢]، إلى آخر الآيات.\nفإبليس يقدح في حكمة الله جل في علاه، فلسان حاله: ليس من الحكمة ولا من العدل أن يسوي الله بين النار والطين، قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢].\nولم يتجرأ كثير من الكافرين على أن ينتقصوا من قدر الله، فهم يشركون بالله اعتقادًا منهم أنها ديانة وليست مسبَّةً ولا انتقاصًا، فالذين يعبدون الأصنام يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فهم يعظمون الله ولا يتجرءون على التنقيص من قدر الله ولا الاستهزاء بالذات المقدسة، فقالوا: حرمة الله في القلوب معظمة.\nأما بالنسبة للنبي ﷺ فالأصل في حقه أنه حق آدمي، وهذا الحق لا يسقط إلا إذا أسقطه النبي ﷺ، فإن لم نجد النبي ﷺ بين أظهرنا فإنه لا يسقط، والدلالة على ذلك ما جاء في الصحيح: (أن رجلًا غائر العينين دخل على النبي ﷺ فقال: يا محمد! اعدل فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فقام خالد بن الوليد وقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق)، فهذا الرجل قدح في عدالة النبي ﷺ، وارتدَّ بذلك، ولكن النبي ﷺ أسقط حقه؛ لأن له أن يسقط حقه وهو موجود، لكن لما كان النبي ﷺ غير موجود بين أظهرنا لم يسقط حقه، فاستحق منتقصه القتل.\nإذًا: الأصل في حق الله جل في علاه المسامحة، وأن من تاب تاب الله عليه، وأن من أتى بقراب الأرض خطايا ثم استغفره سبحانه غفر الله له.\nفهذا التفريق تفريق بديع، وأنا أميل إلى القول الثاني، لولا أن القول الثالث وقوته في حفظ جناب النبي ﷺ قد ألجأني إلى أن أقول: إن الراجح في هذه الأقوال هو القول الثالث الذي فيه التفريق بين من سب الله وسب رسول الله، فمن سب الله فتاب تاب الله عليه ويسقط عنه القتل، وأما من سب رسول الله فإننا نستتيبه وندعوه إلى التوبة، فإن تاب قتلناه حدًا لا ردة، حفظًا لجناب النبي ﷺ؛ ولأنه ليس بين أظهرنا حتى يسقط حقه، وأن الأصل في حق الله جل في علاه المسامحة، ولن تصيب الله معرة من سب أحد من الرعاع السفلة، والتجرؤ على ذاته المقدسة.","vol":"6","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>الأحكام المترتبة على من سب الله وكفر بذلك</span>\nإذا حكمنا بكفر من سب الله جل في علاه ترتب على ذلك عدة أحكام: أولًا: تبين منه زوجته ويفسخ العقد؛ لأن النكاح يصبح باطلًا، واختلف العلماء فيما إذا أسلم هل يردها بعقد أم بغير عقد؟ وهل لها عدة أم لا؟ على قولين: القول الأول: لا عدة، الثاني: وهو الصحيح الراجح ما رجحه الشافعية ومن نحا نحوهم بأن العدة قائمة، وأن بينه وبينها عدة، فلو أسلم وقد انقضت العدة، فعليه أن يتقدم للزواج منها بمهرٍ جديد وعقدٍ جديد، أما إذا أسلم في وقت العدة فله أن يردها بغير عقد.\nثانيًا: أنه لو مات لا يدفن في مقابر المسلمين ولا يصلى عليه.\nثالثًا: لا يرث من المسلم ولا يورث، ويكون ماله فيئًا لبيت مال المسلمين.","vol":"6","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>حكم سبِّ الأسباب كالدهر والريح</span>\nمن سب الدهر أو سب الريح فإنه لا يكفر بذلك؛ لأنه لم يسب الله صراحة؛ ولأنه لم يقصد السب لله جل في علاه، والنبي ﷺ لما نهى عن سبِّ الريح لم يقل: إنه كفر، ففي الحديث الصحيح: (لا تسبوا الريح)، وأما الحديث الذي قال النبي ﷺ فيه: (قال الله تعالى: لا تسبوا الدهر، فمن سب الدهر فقد كفر) فهو حديث موضوعٌ ومكذوبٌ على النبي ﷺ، والحديث الصحيح هو قول النبي ﷺ: (قال الله تعالى: لا تسبوا الدهر، فأنا الدهر أقلب الليل والنهار)، وقال: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار).\nولم يذكر الكفر فيه.\nفمن سب الدهر أو سب الريح أو سب الأسباب فإنه لا يكفر بذلك، لكنه على خطر عظيم وعلى شفا هلكة؛ لأنه يتخذ ذلك ذريعة ووسيلة إلى أن يتجرأ على الذات العليا، فالله هو الذي سبب الأسباب؛ وهو الذي خلق الريح؛ وهو الذي يقلب الليل والنهار، وهذه مسألة مهمة للتفريق بين من يسب الله، وبين الذي سب الأيام أو الليالي أو الريح.\nفالذي يسب الأيام والدهر والريح لا يكفر وهو على خطر عظيم، لكن إذا قلنا باللازم فإنه يصبح من الممكن أن الإنسان يكفر، وهذه قاعدة عند علمائنا يعملون بها بفضل الله ﷾ دائمًا، فيقولون: لازم القول ليس بقول إلا أن يحدث الإقرار من صاحب القول بذلك، فنقول له: لازم قولك أنك تسب الله، فإن التزم هذا القول نقول له: قد كفرت بذلك وإلا فلا.","vol":"6","page":11},{"text":"شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول -<span data-type=\"title\" id=toc-77> حكم الذمي الذي سب الله ﷿</span>\nمما لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان، أن من سب الله ﷿ أو رسوله ﷺ فهو كافر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، وقد اختلف في استتابته، أما الذمي الذي ينضوي تحت راية الإسلام فإنه يقتل صراحة إذا استهزأ بالله أو برسوله، أما إذا كان كلامه نابعًا مما يعتقده فهذا مختلف فيه، والراجح أنه لا يقتل.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>حكم الذمي الذي سب الله جل في علاه</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: اعلموا أيها الإخوة الكرام! أن الرزق رزقان: رزق أبدان، وزرق قلوب، ورزق القلوب هو أرقى الأرزاق، والله جل في علاه يصطفي من عباده من يشاء لرزق القلوب، وأرقى ما يكون من رزق القلوب: هو معرفة الله، ولا تكون معرفة الله جل في علاه إلا بطلب العلم، والنبي ﷺ بين لنا أن هذا الرزق العظيم (رزق القلوب) هو الذي يستجلب رزق الأبدان.\nفقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن أخي يأتي مجالسك، وأنا أكد وأعمل وأنفق عليه، فلم يقل له النبي ﷺكما في الحديث الموضوع الذي تتناوله الألسن عند العوام: اليد العاملة أفضل من اليد البطالة- بل قال النبي ﷺ: (دعه فلعلك ترزق به) يعني: فلعل الله جل وعلا يفتح لك أبواب الرزق بطلبه للعلم مع طلبة العلم.\nومع مشارف الانتهاء من هذا الكتاب العظيم وهو من أنفع ما كتب شيخ الإسلام ﵀ رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء: كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول.\nفأقول: سب الله كفر إن كان من المسلم، فما هي الأدلة على أن من سب الله جل في علاه كفر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قال الله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] ووجه الشاهد: هو تصريح الله ﷿ بكفر هؤلاء، والذي جعلهم يوصفون بهذا الوصف هو الاستهزاء كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] والاستهزاء من السب.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأحزاب:٥٧].\nإذًا! فمن سب الله تعالى فحكمه كافر مرتد عن الإسلام وهذا ملخص الإجابة.\nوقد اختلف العلماء في استتابته وقتله، وهذه المسائل فارقة في باب الولاء والبراء، وفارقة بين أهل الإيمان وأهل الكفران، والراجح: أنه يستتاب، فإن تاب قبلت توبته وسقط عنه القتل بخلاف من سب النبي ﷺ فإن توبته تقبل لكن القتل لا يسقط عنه.","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>ضابط أهل الذمة وحكم سب الذمي لله ﷿</span>\nوإكمالًا لهذه المسألة، فما حكم سب الذمي لله جل في علاه؟ ومفهوم الذمية: أنه عقد على مال مقابل مال بين الذمي وبين ولي أمر المسلمين، فنسأل الله أن يسدد ولاة أمور المسلمين للعمل بدينه ولنصرة كتابه وسنة نبيه ﷺ، فهو عقد بين ولي أمر المسلمين مع أهل الكفران الذين يحسنون القول في المسلمين ولا يحاربونهم، وأرادوا أن ينضووا وينزلوا تحت راية الإسلام وتحت أحكامه على جزية سنوية، وهو خاص عند الحنابلة والشافعية بأهل الكتاب فقط، وقد يلحقون المجوس بأهل الكتاب.\nفنعلم إذًا أن الشافعية والحنابلة يرون أن ولي الأمر هو الذي يعقد مع أهل الكتاب، وأهل الكتاب: هم اليهود والنصارى على جزية سنوية، وذلك لقول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]، فوصفهم الله جل وعلا في هذه الآية وصفًا مقيدًا حيث قال جل في علاه: «مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ»، فأهل الكتاب هم الذين نعقد معهم عقد الجزية فقط.\nفإن قيل: فكيف ألحقنا المجوس بأهل الكتاب، مع أن المجوس يعبدون النار، وأهل الكتاب يعبدون الله جل في علاه على دخن فيهم؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n بأن النبي ﷺ ألحق المجوس بهم، فعندما سألوه عن المجوس قال: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب)، ففيه دلالة واضحة على أن الذمة تكون خاصة في أهل الكتاب، أما المجوس فهي في حقهم عقد على مال سنوي بشرط أن يحفظ لهم الدم والعرض والمال.","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الفرق بين الذمة والعهد عند الشافعية والحنابلة</span>\nوالشافعية والحنابلة يفرقون بين العهد والذمة، فالعهد عام عندهم في كل أحد من أهل الكتاب أو غير أهل الكتاب، ويرجع لولي الأمر إن رأى المصلحة مثلًا في الصلح بينه وبين أهل الكفر للانتفاع بهم، فهذه المصالح ترجع إلى تقرير ولي الأمر.\nأيضًا: ففيها عقد على مقابل هو يقدره، كما كان يفعل عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه مع التجار، وقد فعل ذلك عمر بن الخطاب أيضًا عندما ضرب عليهم الجزية، وبين هذه الشروط المشهورة: بالشروط العمرية.\nإذًا: فالذمي: هو من نزل وانضوى تحت راية الإسلام وتحت حكمه بشروط الإسلام وشروط ولي الأمر مقابل الجزية السنوية.\nومن هذه الشروط: أنه يتعبد في مكانه بحيث لا يظهر هذا التعبد، ولا يؤذي المسلمين في دينهم، في شروط كثيرة جدًا.\nوأهم هذه الشروط: ألا يظهر كفرًا بين المسلمين، فإذا دخل وانضوى تحت راية المسلمين فتجرأ وسب الله جل في علاه فما هو حكمه؟ أقول: إننا لا نبحث في مسألة الذمي عن الكفر والإيمان، بل البحث فيها يقتصر على عصمة الدم والمال، فإذا تجرأ الذمي فسب الله جل في علاه فإنه يصبح بذلك حلال الدم والمال، أي: أن ماله يصبح فيئًا للمسلمين وهذا بالإجماع، ولا ترجع حلية الدم والمال لآحاد المسلمين، بل المسألة ترجع لولي الأمر فهو الذي يطبق الحكم حتى لا تنتشر المفسدة بين الناس.","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>أحوال الذمي في سب الله جل في علاه وحكم كل حالة</span>\nثم لا بد أن نبين أن هذه المسألة المهمة تتعلق بها حالتان: الحالة الأولى: أن يسب الله جل في علاه تدينًا لا قصد الاستهزاء أو التنقيص من عظمة الله جل في علاه، بل هو يتعبد بذلك كما يفعل اليهود والنصارى، وهم يقولون: بسم س، بسم ص، بسم ع، في ثلاثة أسماء يسمونها، وأيضًا: ينسبون عيسى لله، أو ينسبون عزيرًا لله، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣].\nوقال أيضًا: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] وهذه آيات باهرات تبين ذلك، لكنهم يتدينون بذلك، فهذه الحالة الأولى.\nأما الثانية: فهي التنقيص من قدر الله جل في علاه استهزاءً لا تدينًا والعياذ بالله، قصدًا وتجرؤًا كما فعلت اليهود عليهم سحائب اللعائن عندما قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤] وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] وزعموا: بأن الله عندما خلق الأرض وخلق آدم وخلق الخلق ونظر لفعلهم بكى، نعوذ بالله من غضبه وعقابه، وكأنه يجهل ما الذي سيحدثه خلقه فشبهوه بالمخلوق، فقالوا: إنه بكى حتى أرمد والعياذ بالله، وهذا يعتبر مسبة كبيرة وتنقيصًا من قدر الله جل في علاه وهذه الحالة الثانية.\nوقد اختلف العلماء في حكم الحالة الأولى على قولين: القول الأول: قول الشافعية والأحناف وجمهور الحنابلة، فقالوا: إن عقد الذمة باق على ما هو عليه، وأن قوله هذا لا يعد سبًا؛ لأنه لا ينتقص من قدر الله ولا يقصد ذلك، بل هو يعتقد تعظيم الله بما يفعل وإن كان هو في الحقيقة تنقيص من قدر الله جل في علاه، ولذلك فإن عقابه هو الخلود في النار أبدًا، لكن الذمة باقية على ما هي عليه، ولا ينتقض العهد بذلك ولا يعتبر ذلك سبًا، بل لا يزال معصوم الدم والمال في حالة التدين بذلك، وهذا هو الراجح الصحيح.\nأما الحالة الثانية: وهي تعمد الاستهزاء والتجرؤ والتنقيص من قدر الله جل في علاه، فقد اتفق العلماء على أن العهد أو الذمة تنتقض بذلك، وأنه يكون حلال الدم والمال، واختلفوا في استتابته على ثلاثة أقوال: القول الأول: إنه يعامل كمعاملة المسلم في ذلك فيستتاب فإن دخل في الإسلام أو رجع إلى مسألة الذمة.\nوالقول الثاني: إنه لا يستتاب، بل يقتل عند التمكن منه فقط، فإن أسلم قبل التمكن منه سقط القتل عنه، وهي تشبه مسألة سب المسلم لله جل في علاه، وهذا قول الشافعي وجمع من أهل العلم.\nوالقول الثالث: وهو قول المالكية، وظاهر قول أحمد: بأنه لا يستتاب، وحكمه القتل فورًا ولو أسلم بعد ذلك؛ لأن الله جل في علاه قد بين أن حكم المحارب له ولأوليائه القتل، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة:١٢٣] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣].\nوقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥] فلا بد أن يقتل عملًا بعموم هذه الآيات القارعات التي تأمر المسلمين بقتل أهل الكفر.\nقلنا: إذا كان هذا حكمه فقتله لولي الأمر وليس لآحاد المسلمين، وهذه المسألة لها تفصيل آخر، والله أعلم.","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>حكم من سب نبيًا من الأنبياء</span>\nوتبقى في هذا الباب مسألة واحدة: وهي أنه إذا قلنا بأن سب الله أو النبي ﷺ كفر، فهل سب الأنبياء مثل سب النبي ﷺ أم لا؟ يعني: هل إذا تجرأ أحدهم على النيل من عرض النبي ﷺ كان كمن يتجرأ على عرض عيسى ونوح وموسى ﵈ في الحكم أم لا؟ فقد يتجرأ بعض هؤلاء الأوباش على النبي ﷺ فيقوم بعض الجهلاء بسب عيسى ﵇ انتقامًا للنبي ﷺ بزعمهم، وهذا جهل عميق؛ فإن الله جل في علاه يأبى أن تنتهك أعراض أنبيائه بحال من الأحوال، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء:١٥٠ - ١٥١]، فأحاط بهم الكفر من جميع الجهات، وقال جل في علاه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥]، مع أنهم كذبوا لوطًا فقط، ومع ذلك عمم الله جل في علاه وقال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥]؛ لأن القدح في رسول واحد قدح في جميع الأنبياء والمرسلين، وأعراض الأنبياء كعرض نبينا ﷺ، فمن سب عيسى أو موسى أو غيرهما من الأنبياء فقد كفر وخرج من الملة.","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>حكم الخوض في عرضه ﷺ</span>\nيبقى لنا أن نتكلم على أزواج النبي ﷺ، فإذا قلنا بحرمة عرض النبي ﷺ فسنقول بحرمة الكلام على النبي ﷺ على نفس الخلاف.\nفنقول: عرض النبي ﷺ لا بد أن يكون محفوظًا، وهذا يتمثل في أزواج النبي ﷺ، فأزواج النبي ﷺ هن الفضليات الكريمات الصالحات العابدات القانتات أمهات المؤمنين والمؤمنات ﵅ أجمعين.\nوقد جعل الله جل في علاه مكانتهن بمكانة النبي ﷺ، فقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب:٣٢]؛ لأنكن تتفوقن على جميع النساء.\nوقال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦] حتى إن فاطمة تقول لـ عائشة أم المؤمنين: يا أمي! مع أنها تكبر عائشة بثمان سنوات؛ وما هذا إلا لأنها أم المؤمنين ﵂ وعن فاطمة.\nوالغرض المقصود: هو أن الله جل في علاه جعل لهن المكانة العالية، فمن تجرأ على عرض واحدة منهن وبالذات على عائشة فقد كفر؛ لأنها مبرأة من فوق سبع سموات، وقد خاض المنافقون في عرضها، فأنزل الله براءتها من فوق سبع سموات فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٢٣] إلى أن قال: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:٢٦] والمقصودة بهذه الآية وبالإجماع: عائشة ﵂ وأرضاها؛ (لأن النبي ﷺ دخل عليها وهي تبكي فتصبب عرقًا ونزل عليه الوحي فقرأ الآيات وقال لـ عائشة: أبشري فإن الله قد برأك من فوق سبع سموات، فقالت أم رومان: قومي فاحمدي رسول الله ﷺ، فقالت: والله لا أحمد إلا رب محمد ﷺ فذهبت وسجدت لله شكرًا).\nفمن تجرأ على عرض عائشة ﵂ وأرضاها فقذفها بالزنا، أو كما يفعل الرعاع مثلًا فيسمون البقرة بهذا الاسم فهو كافر كفرًا أكبر يخرج من الملة وكفره ظاهر جلي، وأقول زيادة على ذلك: إن من لم يكفره فهو كافر، فمن سمع أحدًا يقذف عائشة في عرضها ﵂ وأرضاها وسكت دون خوف أو إكراه واستطاع الرد فلم يرد فهو كافر خارج من الملة فضلًا عن الذي قذف عائشة ﵂ وأرضاها.\nوالدلالة على ذلك من وجهين: الوجه الأول: هو تكذيب الله جل في علاه، فمن قذف عائشة بفعل الفاحشة فقد كذب الله، والله جل في علاه يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢].\nويقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، فإن الله جل في علاه هو الذي برأها بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:٢٦].\nفالوجه الأول في تكفير من وقع في عرض عائشة: هو أنه كذب الله جل في علاه.\nوالوجه الثاني: أنه تجرأ على عرض رسول الله ﷺ فآذى رسول الله، وقد قام النبي ﷺ خطيبًا في الناس -عند ما سمع الكلام على عائشة من عبد الله بن أبي بن سلول - فتكلم عن رجل يسبه في عرضه وفي زوجه وما علم عن زوجه إلا الخير، فقام أسيد بن حضير فقال: يا رسول الله! إن كان منا ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا أشرت إلينا ماذا نفعل فيه، فقام سعد بن عبادة فقال: لا والله لا تستطيع قتله، فقام أسيد فقال له: والله إنك لمنافق تجادل عن المنافقين، فكاد الحيان أن يقتتلا من أجل هذه المسألة.\nوالشاهد فيها: أن النبي ﷺ قال: (بلغني الإيذاء في أهلي) فالإيذاء للنبي ﷺ كفر كما بينا من صريح قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [الأحزاب:٥٧] واللعن: هو الطرد من رحمة الله جل في علاه.\nأما سائر أمهات المؤمنين والباقيات الفضليات من أزواج النبي ﷺ فقد اختلف العلماء في حكم من تجرأ عليهن، وهذا الخلاف ضعيف، والحق أن يقال: إن الحكم هذا يجري على الباقي من نسائه ﷺ، وإنما خصصت عائشة بالذكر لأن المنافقين خاضوا فيها، فمن تكلم في أي امرأة تزوجها النبي ﷺ فهو كافر؛ لأنه أوصل الأذى للنبي ﷺ، فالفارق إذًا: بين سائر أزواج النبي ﷺ وبين عائشة: أن من وقع في عائشة فإنه يكفر من وجهين: الوجه الأول: تكذيب القرآن.\nوالوجه الثاني: إيذاء النبي ﷺ.\nأما سائر أزواج النبي ﷺ فإنه يكفر من وجه واحد: وهو إيذاء النبي ﷺ.\nوالغرض المقصود: أنه لا بد أن تعرف لنساء النبي ﷺ قدرهن، وتعلم أنهن من مكانة رسول الله ﷺ، وأن الوقوع في عرض واحدة من أزواج النبي ﷺ يستوجب الكفر لمن تجرأ على ذلك.\nبقي علينا أن نختم الباب والكتاب بالكلام على فضل الصحابة ﵃ وأرضاهم، ثم الكلام على من وقع فيهم، ثم الكلام بعد ذلك على حكم من طعن في أبي بكر وعمر بالذات.","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>فضل الصحابة وأثرهم في حماية الملة</span>\nإن صحابة رسول الله ﷺ هم الأخيار الأماجد الأكارم الأفاضل، أبر الناس قلوبًا، وأحسن الناس خلقًا، وأصدقهم لهجة، وأكثرهم علمًا، وأزهدهم في الدنيا، وأخلص الناس طلبًا للآخرة، وهم خير صحبة بعثها الله جل في علاه لنبي بعثه للناس أجمعين، وهم الذين حملوا هذا الدين فجاءنا غضًا طريًا على أكتافهم، وهم الذين باعوا الدنيا بأسرها من أجل رفعة هذا الدين ورفع راية لا إله إلا الله، فكل منهم باع نفسه وأهله وماله وكل ما يملك من أجل رسول الله ﷺ ومن أجل التمكين لهذا الدين، فاستحقوا التعديل من الله جل في علاه من فوق سبع سموات، وعلى لسان النبي ﷺ.\nقال الله تعالى ويا لها من آية في تعديل الصحابة: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦]، وكلمة (أحق) هي شهادة من الله جل في علاه على أنهم أحق صحبة برسول الله ﷺ، قال: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦].\nوقال الله تعالى مادحًا إياهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح:٢٩].\nوقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨].\nوقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:١١٧] والآيات كثيرة في مدح الصحابة عمومًا، ومن ذلك مدح الأمة، فإن أول من يدخل في هذا المدح هم الصحابة الكرام كقول الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وأولى الناس بهذه الآية هم الصحابة.\nوفي الصحيح كما في البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: (خير الناس قرني) أم لفظ: (خير القرون قرني) فلا يصح بحال.\nولكن الصحيح في البخاري هو قوله: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).\nوقد صح عن نبينا ﷺ قوله: (تغزون أو يغزوا فئام من الناس فيقال: أفيكم من صاحب رسول الله؟ فيقولون: اللهم نعم! فيفتح لهم) وقد فتح لهم بسبب وجود صحابة رسول الله كرامةً لهم.\nفالغرض المقصود: أن النبي ﷺ عدلهم وزكاهم، وقد حرج أشد الحرج على من طعن في صحابة رسول الله ﷺ فقال كما في الصحيح: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) حتى إنه قاله للمتأخرين من أصحاب رسول الله ﷺ، وقد جاء عنه ﷺ كما في البخاري عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: (حب الأنصار من الإيمان، وبغض الأنصار من النفاق) فجعل علامة الإيمان: حب صحابة رسول الله ﷺ، وجعل علامة النفاق: بغض أصحاب رسول الله ﷺ.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.","vol":"7","page":8},{"text":"شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول -<span data-type=\"title\" id=toc-85> حكم من سب الصحابة ﵃</span>\nصحابة الرسول ﷺ هم خير القرون، فقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وواجبنا تجاههم حبهم، والكف عن مساوئهم، وترك الخوض فيما جرى بينهم من فتن، وعدم سبهم أو لعنهم، فإن من سبهم أو لعنهم أو انتقص من قدرهم فقد وقع في خطر عظيم.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>مكانة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: فإن صحابة رسول الله ﷺ هم خير الناس، وهم خير من صحب نبيًا في هذه الدنيا، بل هم الذين فضلهم الله جل في علاه على الخلق أجمعين سوى الأنبياء والمرسلين، أنزل الله عدالتهم في القرآن، وزكاهم من فوق سبع سماوات، وزكاهم النبي ﷺ، حيث يقول الله جل في علاه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨].\nوزكاهم النبي ﷺ حيث يقول: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) ولقد بين النبي ﷺ شرف أصحابه عندما (جاءه جبريل يسأله فقال: يا رسول الله! كيف تعدون من شهد بدرًا فيكم؟ فقالوا: هم خيارنا، فقال جبريل: وكذلك هم عندنا خيار الملائكة) فخيار الملائكة هم: الذين شهدوا بدرًا، وكذلك أصحاب رسول الله ﷺ، فإن حاطبًا بن أبي بلتعة ﵁ وأرضاه، عندما أرسل بالمكتوب ليخبر أهل مكة بأن النبي ﷺ يجهز الجيش للسير والزحف إلى مكة، أوحى الله إلى نبيه ﷺ بذلك، فأرسل عليًا والزبير فأتياه بهذا المكتوب فجاء النبي ﷺ ومعه عمر فلما رأى عمر ﵁ وأرضاه هذا المكتوب قال وكأنه الأسد الزائر: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: (لا يا عمر! لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا -أو قال: اعملوا- ما شئتم، فقد غفرت لكم) إن النبي ﷺ قد أظهر للناس أجمعين حظ ومقدار وعظمة هؤلاء الأخيار الأماجد الأكارم، الذين وصل الدين إلينا طريًا على أكتافهم، وباعوا أنفسهم وأموالهم ونساءهم وأولادهم من أجل حماية الرسول ﷺ، فقد كانوا أشد الناس تعظيمًا وتبجيلًا وتوقيرًا لرسول الله ﷺ، حتى قال عروة ﵁ وأرضاه قبل أن يسلم: والله! لقد وفدت على النجاشي وكسرى وقيصر وما رأيت أحدًا يعظم أحدًا، أو ما رأيت أصحابًا يعظمون صاحبهم؛ كما رأيت أصحاب محمد يعظمون محمدًا ﷺ، والله! ما تفل فوقعت في يد أحدهم إلا دلك بها جسده، والله! ما تكلم إلا وكأن على رءوسهم الطير، ولا أشار إلا ائتمروا بأمره -بأبي هو وأمي ﷺ.\nوكان متهكمًا على أصحاب رسول الله ﷺ، ويأخذ بلحية النبي ﷺ، والمغيرة بن شعبة يضرب يده بالسيف، ويقول: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ، وهو ابن أخته، فقال عروة له: أيْ غدر! ما زلت في غدرتك حتى الآن أسعى فيها للتأليف بين القبائل.\nوأيضًا: قال للنبي ﷺ: ما أرى حولك إلا أوباشًا، أي: أخلاطًا من الناس لا يجتمعون على شيء، ويفرون إذا حمي الوطيس، فقال: أبو بكر كالأسد الغاضب ﵁: نحن نفر من رسول الله ﷺ، امصص بظر اللات، وهذه كلمة مشينة وشديدة، لكن النبي ﷺ أقره بذلك؛ لأنه اتهم أصحاب رسول الله ﷺ، فكان الجواب على عروة كالصاعقة.\nوهذا طلحة ﵁ وأرضاه يضرب لنا أروع الأمثلة في فدائه للنبي ﷺ بروحه وهو يرشق بنباله، وأخذ السيف ينافح به عن رسول الله ﷺ، وعندما قال النبي ﷺ في غزوة أحد لما تفرق الناس عنه (من يرد عنا القوم وله الجنة؟ فقام طلحة، فقال: اجلس، فقام بعض الأنصار فقاتلوا حتى قتلوا جميعًا عن بكرة أبيهم وكانوا تسعة، فقال النبي ﷺ: ما أنصفنا إخواننا).\nوفي رواية قال: (ما أنصفْنا إخواننا) وهذا له معنيان، والشاهد هو: قيام طلحة ينافح عن رسول الله، وكان رسول الله ﷺ إذا أظهر رأسه، قال طلحة: لا يا رسول الله! يأتيك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك يا رسول الله! وظل ينافح بسيفه حتى كُسِرَ في يده، وشلّت يده دفاعًا عن النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: (دونكم صاحبكم فقد أوجب) أي: وجبت له الجنة بما فعل.","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>الواجب على المسلمين تجاه الصحابة</span>\nهؤلاء هم الأخيار صحابة رسول الله ﷺ الذين نذروا أرواحهم للنبي ﷺ رخيصة وفداءً لهذا الدين، فإذا كانت هذه المكانة العظمى لهؤلاء الأخيار التي بينها النبي ﷺ وبينها الله جل في علاه، فإن واجبنا نحو هذه الطائفة المنصورة، التي نصرت رسول الله ﷺ ما يلي: أولًا: حبهم، فإن حبهم دين ندين الله به، قال الله تعالى حاكيًا عن الذين جاءوا من التابعين بعد الصحابة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].\nوقال النبي ﷺ كما في حديث أنس الصحيح: (حب الأنصار إيمان وبغض الأنصار نفاق) وإذا كان هذا في حق الأنصار فمن باب أولى أن يكون في حق المهاجرين، فالمهاجرون أفضل من الأنصار، والأنصار حافظوا على رسول الله، ودافعوا عنه بأموالهم وأنفسهم ونسائهم وأولادهم، وهم الذين نصروا رسول الله ﷺ بعدما جاءهم وحيدًا فريدًا.\nوالمهاجرون جمعوا بين الهجرة والنصرة، فقد نصروا الله ورسوله بنص الكتاب، وما هاجروا وتركوا الأموال والأنفس إلا نصرة لله، قال تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة:٢]، فهذا فضل المهاجرين على الأنصار.\nوإذا كان حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق فمن باب أولى أن يكون حب المهاجرين إيمان وبغضهم نفاق، وقد قال علي بن أبي طالب: (قد عهد إلي رسول الله ﷺ أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق) فحب صحابة رسول الله ﷺ دين ندين الله به.\nولذلك كان الرعيل الأول من السلف في القرون الخيرية كـ ابن المبارك ومالك وغيرهما يقولون: علموا أولادكم حب صحابة رسول الله ﷺ.\nوقد قال الإمام مالك وغيره: من الدين أن تعلم أولادك حب أبي بكر وحب عمر ﵄ وأرضاهما.\nفالواجب على هذه الأمة أن تحب صحابة رسول الله ﷺ من كل قلبها لأمور كثيرة.\nأولًا: لو لم يكن إلا لحفظ عرض النبي ﷺ لكفانا حبهم لأجل ذلك.\nثانيًا: لو لم يكن إلا أنهم قد بلغوا عن رسول الله ﷺ كل حركة وكل سكون، وكل قول وفعل، ووصل إلينا الدين عفنًا طريًا على أكتافهم، لكفى ذلك في حبهم، فالمؤمن الحق هو الذي يرى في قلبه امتلاء بحب هؤلاء الأخيار.\nومن واجب الأمة أيضًا نحو هؤلاء الأخيار: الترحم عليهم، والترضي عنهم، ولا يقال: علي بن أبي طالب ﷺ، أو اللهم صل على أبي بكر.\nوالصحيح: الترضي على صحابة رسول الله ﷺ، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] فلابد من الترضي على صحابة رسول الله ﷺ.\nوهنالك أمر عظيم بين الإخوة وهو أنه عندما يذكر النبي ﷺ، فلا يسمع منهم الصلاة والسلام عليه، وهذا بخل ليس بعده بخل، وقد قال النبي ﷺ: (أتدرون من البخيل؟ البخيل: من ذكرت عنده ولم يصل علي).\nوهذا العدم وجود الاحترام العالي لرسول الله ﷺ، ولصحابته الكرام فعندما يذكر أبو بكر أو عثمان لم تسمع عبارة ﵁ وأرضاه، فهذا من الأدب مع هؤلاء، وهو حق هؤلاء علينا، الترضي والترحم والاستغفار كثيرًا لهم.\nالثالثة -وهي المهمة جدًا-: الكف عن الكلام في الفتن والمساوئ التي وقعت بينهم، فهذا أدب جم لا بد أن يتحلى به كل مؤمن، فلا نتكلم في هذه الفتن كثيرًا؛ فإن المسلم يُعرف بأدبه الجم مع صحابة رسول الله، وبالكف عن الكلام على مساوئ هؤلاء الأخيار، كما قال ابن كثير: هذا القتال الذي حدث بينهم قتال عصم الله سيوفنا منه، فلنعصم أو نحفظ ألسنتنا من الكلام فيه.\nفلا بد أن نكف عن الكلام عن مساوئ هؤلاء الأخيار، وأن نمر عليها مرور الكرام، حتى نحق الحق ونبين أن الذي وقع بينهم وقع عن اجتهاد؛ وليس عن هوى، أو طلب دنيا، أو خلافة، أو رئاسة.\nفهذا الكلام نضعه في عين من يتكلم بهذا وفي قلبه عله يرجع إلى حب صحابة رسول الله ﷺ، فلا يقع بلسان بذيء في أعراض هؤلاء الأخيار.\nإن الفتنة حدثت ونجمت وظهرت بعد موت رسول الله ﷺ، وقد قال أنس: ما وارى جسد رسول الله ﷺ التراب فنفضنا التراب عن أيدينا إلا وتغيرت قلوبنا، وقد قال ﷺ: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده أشر منه).\nوقال أبو هريرة كما في الصحيح: مات رسول الله يوم مات وارتد من ارتد من العرب، وما بقي على الإيمان إلا بقايا من أهل الحجاز والمدينة ومكة، ونجمت فتنة الردة وادعاء النبوة، فأخمدها الله جل في علاه بـ أبي بكر ﵁ وأرضاه ونصر الله به الدين، ثم استقرت أركان الدولة، واستقر عرش الدولة على الدنيا بأسرها في عهد عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه.\nوقد قال عمر لأصحابه -وهو الملهم المحدث-: أيكم سمع حديث النبي ﷺ عن الفتن.\nفقال حذيفة: أنا يا أمير المؤمنين! فتنة الرجل في أهله وماله وولده تكفرها الصدقة والصوم والصلاة.\nقال: ليس عن هذا أسأل، قال: تسأل عن الفتن التي تموج كموج البحر؟ قال: نعم، قال: مالك ولها يا أمير المؤمنين! بينك وبينها باب، قال: أيفتح أم يكسر؟ قال: يكسر، قال: إذًا لا يقوم مرة ثانية، وكسر الباب هو: قتل عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، فادلهمت الخطوب، ونزلت البلايا والفتن على الأمة، فلم تنقطع إلى يومنا هذا.\nفـ عثمان ﵁ وأرضاه تكالب عليه بعض العلوج من أهل مصر، والأوغاد والأعراب من أهل العراق والكوفة، وهجموا عليه فقتلوه مظلومًا أبيًا خليفةً، وكان قد بين له النبي ﷺ نبوءة، كما في مسند أحمد: أنهم سيطلبون منه أن ينزل عن شيء ألبسه الله إياه، فلا ينزل عن هذا الأمر، وهو الخلافة، فطلبوا منه أن ينزع يده من الخلافة فأبى عليهم فقتلوه مظلومًا ﵁ وأرضاه.\nوبعد ذلك لم تقف الفتن في هذه الأمة، فجاء علي بن أبي طالب وهو يستحق الخلافة بالإجماع، وما من أحد يداني مكانة علي بن أبي طالب فكل الصحابة في عصره كـ عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام و&gt; عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان كل هؤلاء يقولون: أفضل الموجودين هو علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، فلما اتفقت كلمتهم على أفضلية علي على كل الموجودين، لم تستقر الخلافة لـ علي؛ لأن الفتنة نجمت بالاجتهاد، فكل قد اجتهد فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر.\nأما طلحة والزبير فبايعا عليًا بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، ثم استأذنا عليًا بالذهاب إلى مكة فلما ذهبا إلى مكة، وسمعت عائشة ﵂ وأرضاها بمقتل عثمان أرادت الثأر لدم عثمان، فلم تنظر للخلافة ولا للاستقرار ولا لمقاصد الشريعة في أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.\nفإعدام وقتل الذين قتلوا عثمان فيه مصلحة، والشر المستطير الذي سيحدث للأمة بعد قتل قتلة الخليفة مفسدة، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح، لكن عائشة ﵂ وأرضاها اجتهدت اجتهادًا وقد أخطأت فيه وهي زوجة نبينا في الدنيا وفي الآخرة، ورأت طلحة بن عبيد الله والزبير فقالت لهما: إن الثأر لـ عثمان لا بد أن يقدم.\nفخرجوا إلى البصرة وكان علي بن أبي طالب في المدينة، وبعث إلى عثمان بن حنيف في هذه المسألة، وبعث إليهما وسألهما: ما الذي أتى بكما؟ فقالوا: للثأر لـ عثمان فعلم علي بن أبي طالب بذلك، فجاء بجيشه إلى البصرة، وحدث الكلام بين جيش علي بن أبي طالب وبين جيش طلحة وعائشة والزبير، فقد بعث كل منهما أفرادًا من القوم، وتكلموا في هذه المسألة ثم اصطلحوا وباتوا على خير ليلة، وعلموا أن المصالح تقدم على المفاسد واتفقوا جميعًا، لكن الذين قتلوا عثمان كانوا في جيش علي وهو يعرف أنهم على خفاء في جيشه ولهم قبائل وقوة ومنعة وشوكة فقالوا: قد اتفق القوم علينا، وما من أحد قاتل إلا نحن، فقاموا بالليل فناوشوا جيش الزبير ﵁ وأرضاه فقتلوا منهم، فقام جيش الزبير وطلحة فحسبوا أن جيش علي قد غدر بالاتفاق، ثم هجم جيش الزبير على جيش علي، وحدثت المناوشة بينهما، فحسب جيش علي أن جيش الزبير قد غدر بهم، فحمي الوطيس واشتدت بساط الحرب، وقد قضى الله أمرًا كان مفعولًا، ولله في ذلك حكم.\nلكن بعد أن وقعت المقتلة العظيمة، وكان أشدها وأوجها حول ج","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>حكم سب صحابة رسول الله وذكر أقسامه</span>\nوختام هذا الكتاب النافع كتاب (الصارم المسلول)، ومع حكم من سب صحابة رسول الله ﷺ: إنَّ الله جل في علاه كرم صحابة رسول الله ﷺ، وجعل لهم عنده مكانة وعظمة، فلذلك حرَّج أيما تحريج، وأغلظ أيما إغلاظ في النهي عن انتهاك حرمة صحابة رسول الله ﷺ، وقد قال ﷺ كما في الصحيح: (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) وقد قال ذلك النبي ﷺ لأصحابه، فما بالكم بمن يأتي بعد أصحاب رسول الله ﷺ؟ وقال بعض العلماء: يوم من أيام معاوية كتب فيه الوحي أو رأى فيه وجه رسول الله ﷺ، خير من عمر بن عبد العزيز وأهل بيته أجمعين.\nوقال أبو زرعة كلامًا في حق صحابة رسول الله ﷺ يكتب بماء الذهب بل بماء العين، وفيه نبراس للفرق بين الصف المؤمن والصف المنافق.\nقال ﵀: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب النبي -وأحدًا نكرة في سياق الشرط تفيد العموم، أي أحد صغيرًا أو كبيرًا- فاعلم أنه زنديق؛ لأن علامة الزندقة الولوغ في أعراض صحابة رسول الله ﷺ.\nوذلك أن الرسول ﷺ حق، والقرآن حق وما جاء به حق، وإنما نقل إلينا ذلك كله صحابة رسول الله ﷺ، فقد نقلوا إلينا أحاديث النبي ﷺ والقرآن وأفعاله ﷺ، وهؤلاء يريدون أن يطعنوا في شهودنا ليبطلوا كتاب الله وسنة النبي ﷺ، وأن يجرحوا شهودنا، والجرح بهم أولى وهم زنادقة.\nإذًا: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من صحابة رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وأشهره بين الناس أنه على زندقة؛ لأنه تجرأ على عرض من أعراض أصحاب رسول الله ﷺ.\nلا يجوز سب صحابة الرسول ﷺ لما بيَّن الله ورسوله من عدالتهم، والسب ينقسم إلى أقسام:","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>حكم من سب الصحابة برميهم بالكفر</span>\nالقسم الأول: السب في الدين كمن كفر الصحابة جميعًا إلا بضعة عشر، أي: ثلاثة عشر أو أربعة عشر نفرًا هم الذين بقوا على الإسلام، وارتد الباقي، فمن قال بذلك أو لعنهم أو كفّر أبا بكر أو عمر أو لعنهما، فهذا كافر كفرًا أكبر يخرج من الملة، ومن لم يكفره فهو كافر؛ لأنه رضي بالكفر ومن رضي بالكفر كمرتكبه ومن شك في كفره فهو كافر، وهذه هي المراحل الثلاث، والدلالة على ذلك من الكتاب والسنة فيما يلي: أولًا: من سب صحابة رسول الله ﷺ في دينهم ولعنهم، أو كفرهم عن بكرة أبيهم آحادًا وأفرادًا فهذا كفره من وجهين: الوجه الأول: تكذيب لله ورسوله، ومن كذب الله ورسوله فقد كفر، فقد عدَّل الله الصحابة من فوق سبع سموات، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨].\nوقال أيضًا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠].\nوقال النبي ﷺ: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) وقال أيضًا: (لا يا عمر! لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).\nفهذه كلها أدلة على عدالة صحابة رسول الله من كلام الله وكلام النبي ﷺ.\nأما الوجه الثاني: أنه يدخل تحت عموم قول النبي ﷺ: (من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما) وهذا له تأويل عند الجماهير أي: فقد باء بوزره، أو باء بهذه الكبيرة، لكن في سب الصحابة ينطبق هذا الحديث على ظاهره، فمن قال لـ أبي بكر: يا كافر، فقد كفر، ومن قال لـ عمر: يا كافر، فقد كفر، ومن قال لـ عائشة: يا كافرة، فقد كفر، ومن قال لـ عثمان أو لـ علي: يا كافر، فقد كفر (ومن قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما)، وفي الرواية الأخرى قال: (إن كان كذلك وإلا حارت) أي: رجعت عليه.\nأما الأقوى من ذلك: فمن لم يكفر من كفر الصحابة فهو كافر؛ لأن الراضي بالمنكر كمرتكبه، وهذا الرضا الذي يظهر لنا عنده؛ لأن النبي ﷺ ذكر أنه لا بد من الإنكار بالقلب، والإنكار بالقلب: ألا تبقى بالمكان الذي يسب فيه صحابة رسول الله، أما أن تضحك، وتقر بذلك، ولا ترد عليهم، وتجالسهم فأنت ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠]، والمثلية هنا على حالاتها التي فندها العلماء.\nوأيضًا: من شك في كفره فقد كفر؛ لأنه يشك في كفر من كذب الله، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، فمن شك في كفر من يكذب الله جل في علاه فقد كفر؛ لأن هذا من باب المعلوم من الدين بالضرورة.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>حكم من سب الصحابة باللعن والتقبيح</span>\nأما القسم الثاني: وهو أن يسبهم ويلعنهم بالتقبيح لكن لا يتهمهم بالكفر، كأن يقول: لعنة الله على ذلك الصعلوك وهو يقصد بذلك -والعياذ بالله- قول النبي ﷺ (أما معاوية فصعلوك)، فمن لعن الصحابة أو سبهم فهل يكفر أم لا؟ قولان عند أهل العلم: القول الأول: أنه يكفر، فيخرج من الملة لعظم مكانة صحابة رسول الله من رسول الله ﷺ.\nوالقول الثاني وهو قول جماهير أهل العلم: إنه يستحق التفسيق والتأديب والتعزير والتبديع بذلك، لكنه لا يكفر، والتعزير يكون من قبل ولي الأمر.\nوتفصيل القولين فيما يلي: القول الأول: يكفر، فما هي وجهة الكفر هنا؟ فهم ما كفروهم بل سبوهم فقالوا: أبوه كذا وأمه كذا، وهو كذا، أو لعنة الله على فلان وفلان وأبيه وأمه، وهذا فيه تكذيب لله، الذي أنزل عدالتهم وهم لا يعدلونهم، فهؤلاء ما طعنوا فيهم، بل دعوا عليهم بالشر، ونحو: اللهم أهلكهم، اللهم اطردهم من رحمتك، وهذا هو الكفر باللازم، فالقاعدة عند أهل السنة والجماعة أن لازم القول ليس بقول، فلا يحكم على صاحبه بالكفر حتى يقر هو به.\nووجهة نظر الذين كفروهم هي: أن من سب صحابة رسول الله فقد آذى رسول الله، ومن آذى رسول الله فقد كفر، قال: (فبحبي أحبوهم وببغضي أبغضوهم).\nفالنبي ﷺ بين كثيرًا النهي عن عدم إيذاءه في أصحابه فقال: (لا تسبوا أصحابي) وعند ما قال لـ عمر: (هلا تركتم لي صاحبي، لا تؤذوني في أصحابي) فهذا إيذاء للنبي ﷺ بطريق لازم القول، وقد قيل: لا تسأل عن المرء، وسل عن خليله، فكيف يصاحب النبي ﷺ رجلًا ملعونًا؟ فلعن الصحابة أو سبهم إيذاء للنبي ﷺ بل انتقاص من قدره ﷺ من باب اللزوم.\nولازم القول ليس بقول حتى يقر به، فمن لعن أصحاب رسول الله ﷺ فقد آذى رسول الله وانتقص من قدره ﷺ، ولازم هذا القول يعتبر قولًا إن أقروا به، فإن لم يقصدوا إيذاء رسول الله، ولا الانتقاص من قدره، فيعتبر هذا فسقًا، وصاحبه على شفير هلكة.\nوهذا هو الراجح الصحيح.","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>حكم من سب الصحابة بالتنقص لهم</span>\nالقسم الثالث: هو أن يسبهم بالتقبيح فقط، كأن يقول: يأكلون كثيرًا ويشربون كثيرًا، أو يقول مثلًا: إنهم ينامون كثيرًا ويحبون النساء بمثل هذه الكلمات التي تحدث نقصًا في صحابة رسول الله ﷺ، وهذا بالإجماع لا يكفر، لكنه على شفير هلكه، بل هو فاسق؛ لأنه لم يعرف لأهل الفضل فضلهم، وقد قال النبي ﷺ: (يا أبا بكر! لا يعرف لأهل الفضل فضلهم إلا أهل الفضل).\nوبهذا نكون قد ختمنا شرح الكتاب بفضل الله ﷾، ونكون بذلك قد انتهينا بفضل الله من هذا الكتاب العظيم الجليل وهو من أنفع ما كتب شيخ الإسلام، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، وجزاه عن نبينا خير الجزاء، وجزاه خير الجزاء عن صحابة رسول الله ﷺ.","vol":"8","page":7}]}