{"ً":{"ٌ":37719,"ٍ":"شرح كتاب فضل الإسلام لمحمد بن عبد الوهاب - ناصر العقل","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: شرح كتاب فضل الإسلام\nالمؤلف: ناصر بن عبد الكريم العلي العقل\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ١١ درسا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":344,"ٕ":1,"ٖ":1770154540,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11"],"ٚ":[{"title":"[١]","level":1,"page":1},{"title":"باب فضل الإسلام","level":2,"page":2},{"title":"فوائد ومعان من آيات في فضل الإسلام","level":3,"page":3},{"title":"أحاديث في فضل الإسلام","level":3,"page":4},{"title":"آثار في فضل الإسلام","level":3,"page":5},{"title":"[٢]","level":1,"page":6},{"title":"باب وجوب الإسلام","level":2,"page":7},{"title":"بيان أن الإسلام الذي أوجبه الله تعالى هو السنة وأدلة ذلك","level":3,"page":8},{"title":"[٣]","level":1,"page":9},{"title":"باب تفسير الإسلام","level":2,"page":10},{"title":"باب قول الله: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه)","level":2,"page":11},{"title":"[٤]","level":1,"page":12},{"title":"باب وجوب الاستغناء بمتابعة الكتاب عن كل ما سواه وما جاء في الخروج عن دعوى الإسلام","level":2,"page":13},{"title":"كمال الإسلام ووجوب الاستغناء به عما سواه","level":3,"page":14},{"title":"حرمة الانتساب إلى غير الإسلام تدينا واعتقادا","level":3,"page":15},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":16},{"title":"حقيقة الفكر الإسلامي","level":3,"page":17},{"title":"وصف بعض أهل السنة أنفسهم بأهل الحديث","level":3,"page":18},{"title":"الوطنية في الإسلام","level":3,"page":19},{"title":"الاستغناء بالكتاب والسنة عما سواهما","level":3,"page":20},{"title":"مفهوم مقالة (سقط من عين الله)","level":3,"page":21},{"title":"[٥]","level":1,"page":22},{"title":"باب وجوب الدخول في الإسلام كله وترك ما سواه","level":2,"page":23},{"title":"وجوب الإقرار والتسليم بكل ما جاء في الدين والعمل بما يستطاع منه","level":3,"page":24},{"title":"وجوب التحاكم إلى الإسلام وتحريم التحاكم إلى الطاغوت","level":3,"page":25},{"title":"لزوم جماعة المسلمين وبيان أن التفرق خروج عن مقتضى الدين","level":3,"page":26},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":27},{"title":"التمسك بقول كبار العلماء في جزئيات الدين","level":3,"page":28},{"title":"حكم اعتزال الجماعة بسبب روائح الجوارب","level":3,"page":29},{"title":"[٦]","level":1,"page":30},{"title":"باب ما جاء أن البدعة أشد من الكبائر","level":2,"page":31},{"title":"أقسام البدع","level":3,"page":32},{"title":"قتل الخوارج","level":3,"page":33},{"title":"السنة الحسنة والبدعة الحسنة","level":3,"page":34},{"title":"احتجاز التوبة على صاحب البدعة","level":2,"page":35},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":36},{"title":"جنس البدع أعظم من جنس الكبائر","level":3,"page":37},{"title":"تكفير الخوارج","level":3,"page":38},{"title":"الفرق بين الشرك والكفر","level":3,"page":39},{"title":"[٧]","level":1,"page":40},{"title":"المحاجة في إبراهيم والرغوب عن ملته ودينه","level":2,"page":41},{"title":"الإسلام دين السنة والفطرة","level":2,"page":42},{"title":"الشمولية في تطبيق الدين وأحكامه","level":2,"page":43},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":44},{"title":"الاقتصار على جانب واحد مما ينفع الإسلام","level":3,"page":45},{"title":"التخصص في العلوم الشرعية","level":3,"page":46},{"title":"[٨]","level":1,"page":47},{"title":"أدلة الفطرة من الكتاب والسنة","level":2,"page":48},{"title":"معاني الإسلام","level":3,"page":49},{"title":"أولى الناس بإبراهيم ﵇","level":3,"page":50},{"title":"الفطرة هي موافقة العمل الصالح","level":3,"page":51},{"title":"مآل من خرج عن فطرة الإسلام","level":3,"page":52},{"title":"[٩]","level":1,"page":53},{"title":"معاني الفطرة والحنيفية","level":2,"page":54},{"title":"تأملات في حديث حذيفة: (كان الناس يسألون رسول الله عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني)","level":2,"page":55},{"title":"لزوم جماعة المسلمين عند ظهور الفتن","level":3,"page":56},{"title":"العزلة زمن الفتن","level":3,"page":57},{"title":"الصراط المستقيم هو الإسلام","level":2,"page":58},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":59},{"title":"حكم الانتخابات التي تجري في البلدان الإسلامية اليوم","level":3,"page":60},{"title":"الكلام عن منهج ابن عثيمين ﵀ في الدعوة إلى الله","level":3,"page":61},{"title":"مفاهيم حول الطائفة المنصورة","level":3,"page":62},{"title":"حكم مبايعة المرأة بعد انتخابها","level":3,"page":63},{"title":"حجة تعطيل الصفات","level":3,"page":64},{"title":"[١٠]","level":1,"page":65},{"title":"باب ما جاء في غربة الإسلام وفضل الغرباء","level":2,"page":66},{"title":"ضوابط في معرفة الغربة","level":3,"page":67},{"title":"أجر الغرباء","level":3,"page":68},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":69},{"title":"من هم النزاع من القبائل","level":3,"page":70},{"title":"غرباء السنة","level":3,"page":71},{"title":"[١١]","level":1,"page":72},{"title":"باب التحذير من البدع","level":2,"page":73},{"title":"وقفات وفوائد من حديث العرباض بن سارية","level":2,"page":74},{"title":"التخول بالموعظة","level":3,"page":75},{"title":"السمع والطاعة لولاة الأمور","level":3,"page":76},{"title":"التفرق والاختلاف والمخرج من ذلك","level":3,"page":77},{"title":"العبادة توقيفية لا اجتهاد فيها برأي أو هوى","level":2,"page":78},{"title":"موقف الصحابة من الإحداث في الدين","level":2,"page":79}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"2,1":6,"2,2":7,"2,3":8,"3,1":9,"3,2":10,"3,3":11,"4,1":12,"4,2":13,"4,3":14,"4,4":15,"4,5":16,"4,6":17,"4,7":18,"4,8":19,"4,9":20,"4,10":21,"5,1":22,"5,2":23,"5,3":24,"5,4":25,"5,5":26,"5,6":27,"5,7":28,"5,8":29,"6,1":30,"6,2":31,"6,3":32,"6,4":33,"6,5":34,"6,6":35,"6,7":36,"6,8":37,"6,9":38,"6,10":39,"7,1":40,"7,2":41,"7,3":42,"7,4":43,"7,5":44,"7,6":45,"7,7":46,"8,1":47,"8,2":48,"8,3":49,"8,4":50,"8,5":51,"8,6":52,"9,1":53,"9,2":54,"9,3":55,"9,4":56,"9,5":57,"9,6":58,"9,7":59,"9,8":60,"9,9":61,"9,10":62,"9,11":63,"9,12":64,"10,1":65,"10,2":66,"10,3":67,"10,4":68,"10,5":69,"10,6":70,"10,7":71,"11,1":72,"11,2":73,"11,3":74,"11,4":75,"11,5":76,"11,6":77,"11,7":78,"11,8":79},"ٜ":{"1":[1,5],"2":[1,3],"3":[1,3],"4":[1,10],"5":[1,8],"6":[1,10],"7":[1,7],"8":[1,6],"9":[1,12],"10":[1,7],"11":[1,8]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","2,1","2,2","2,3","3,1","3,2","3,3","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","11,7","11,8"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح كتاب فضل الإسلام <span data-type=\"title\" id=toc-1>[١]</span>\nلقد امتن الله تعالى علينا أمة الإسلام بهذا الدين العظيم دين الإسلام الذي رضيه لنا دينًا، وفضله على سائر الأديان، وجعله خاتمًا لها ومهيمنًا عليها، واختصه بفضائل عظيمة عما سواه، فقد جعله دينًا كاملًا، وأتم به النعمة على هذه الأمة، وجعله سببًا لمغفرة الذنوب وحصول التقوى والخشية لله، ولن يقبل الله تعالى من أحد دينًا سواه.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>باب فضل الإسلام</span>\nقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين.\nباب فضل الإسلام، وقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [يونس:١٠٤] الآية، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨]].\nقبل أن ننتقل إلى الأحاديث نتأمل المعاني التي أشار إليها وإن لم يذكرها شيخ الإسلام في هذه الآيات، وتندرج تحت فضل الإسلام، وعندما تأملت هذه الآيات تذكرت ما اتسم به هذا الشيخ الإمام الجليل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب من دقة في الفقه واستنباط المعاني الشرعية من النصوص، سواء ما يتعلق بالعقيدة أو ما يتعلق بالأحكام، ولا يظن الناس أن مؤلفات الشيخ فيها شيء من العموم وعدم العمق، أو قد يقول قائل عن جهل بحقيقة هذا الإمام: إن الشيخ تميّزت مؤلفاته بشيء من السطحية! أقول: لا، إن إيراده للنصوص على هذا النحو يدل على فقه عظيم، ويذكرني فقهه واستنباطه وإشارته إلى المعاني بمنهج البخاري ﵀، فإنه يتميز بالعمق والمنهجية في استنباط المعاني الشرعية والقواعد العظمى من النصوص بأيسر أسلوب، والشيخ هنا لم يذكر الأمور التي استنبطها في فضل الإسلام من هذه النصوص بل تركها للقارئ، ولكن مجرد أن بوّب وجاء بها تحت باب فضل الإسلام فكأنه بذلك وجّه القارئ إلى استنباط فضل الإسلام من هذه النصوص، ولو تأملنا هذه الثلاث الآيات لوجدنا أكثر من ثنتي عشرة مسألة في فضل الإسلام:","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>فوائد ومعانٍ من آيات في فضل الإسلام</span>\nالآية الأولى: استنبط الشيخ معاني كثيرة نأخذ منها ثلاث فوائد في فضل الإسلام: الفائدة الأولى: كمال هذا الدين، بحيث لا يحتاج الناس إلى مصادر أخرى ولا إلى ابتداع أمور ليثبتوها من عند أنفسهم؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، وهذا من أبرز خصائص الدين وفضل هذا الدين، والذي هو الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص إلى قيام الساعة، بخلاف الأديان السابقة فقد اعتراها النقص بتقصير أهلها، وبأن الله لم يتكفل بحفظها، فوقع فيها التغيير والتبديل ثم النسخ.\nالفائدة الثانية: يستنبط من قوله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣]، أن الله ﷿ أتم بهذا الدين النعمة على العباد، وهذا من أبرز فضائل الدين، وهو أن الله أنعم على هذه الأمة، وأتم به النعمة، فتحقق بالإسلام تمام النعمة من الله ﷿ على هذه الأمة.\nالفائدة الثالثة: أن من فضل الإسلام أنه يحقق رضا الله ﷿، فالله رضيه لعباده، وأي شيء أعظم من دين رضيه الله لعباده؟ قال الله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].\nهذه ثلاث فوائد في فضل الإسلام في آية واحدة، مع عدم التعمّق والتطويل، ولو طوّلنا لأخذنا فوائد كثيرة، لا شك أن الشيخ يشير إليها؛ لأن كونه أدرج هذه الآية في فضل الإسلام دليل ظاهر على أنه أدرك بفقهه وبعمق فهمه ﵀ هذه المعاني.\nوفي الآية الثانية استنبط فوائد في فضل الإسلام: الأولى: أن هذا الدين هو الذي لا يقبل الله من الناس سواه، قال ﷿: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [يونس:١٠٤] فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ [يونس:١٠٤] دل على أن هذا الدين هو الذي يقبله الله، وأنه الذي لا شك فيه، ولا يمكن أن يتطرق الشك إلى شيء من هذا الدين.\nالثانية: أن من فضل الإسلام أنه يحقق التوحيد الخالص، قال الله تعالى: ﴿فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس:١٠٤] فهو يحقق التوحيد الخالص، وينفي الشرك، ويحقق العبادة الحقة والتوحيد والدين الذي رضيه الله للعباد، وهذا كله من فضائل هذا الدين.\nوفي الآية الثالثة ذكر عدة فوائد: الأولى: أن من فضل هذا الإسلام أنه يتحقق به التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحديد:٢٨]، ويتحقق به الإيمان بالرسول ﷺ، وهذه من غايات الدين ومن أسباب السعادة في الدنيا والفلاح في الآخرة، فهي فضائل لهذا الدين.\nالثانية: أن الله ﷿ وعد هذه الأمة بمضاعفة الأجر: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد:٢٨].\nالثالثة: أن الله ينوّر به للعبد الطريق المستقيم، فينوّر به القلوب وينوّر به أحوال العبد في الدنيا والآخرة، حتى يمشي على مثل البيضاء في الوضوح والبيان لما تكفّل الله به من حفظه لهذا الدين وبيانه، وإقامة الحجة فيه، فلذلك فُضل هذا الدين بكونه نورًا يمشي به العباد ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد:٢٨]، وهو هذا الدين.\nالرابعة: أن الله ﷿ يحقق لمن أسلم وحقق إسلامه المغفرة لذنوبه ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨].\nهذه معان عظيمة مما يُستنبط من هذه الآيات في فضل الإسلام، ومسألة فضل الإسلام لها عدة اعتبارات، فضل الإسلام من حيث ذاته فالإسلام بذاته فاضل؛ لأن الله ﷿ جعله خيار الأديان وخاتم الأديان وأفضل الأديان، وناسخًا للأديان ومهيمنًا عليها، ثم فضل الإسلام بفضائل هذه الأمة بما منحه الله ﷿ لهذه الأمة من الفضائل، ثم فضل الإسلام على الأفراد أيضًا، فالإسلام هو طريق النجاة، وهو طريق السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة، وليس المقصود بفضل الإسلام خصائصه فقط، بل المقصود الخصائص والسمات والميزات التي تميزه عن غيره، ثم الفضائل والأجور والخصائص التي يتميز بها أتباعه، ثم النتائج التي وعدها الله للمستمسكين بالإسلام في الدنيا والآخرة، ففضله في نفسه، وفضله على غيره، والفضل الذي يحصل به للعباد كل ذلك يدخل في معنى فضل الإسلام.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>أحاديث في فضل الإسلام</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وفي الصحيح عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل من صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: ما لنا أكثر عملًا وأقل أجرًا؟ قال: هل نقصتكم من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء).\nوفيه أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة)، وفيه تعليقًا عن النبي ﷺ أنه قال: (أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة) انتهى].\nفي هذه الأحاديث أشار الشيخ إلى بعض ما ورد في الآيات، وإلى زيادة وردت في الأحاديث.\nففي الحديث الأول: إشارة إلى أن من فضائل الإسلام مضاعفة الأجور، وهذا خاص لهذه الأمة في جميع أعمالها الصالحة، وهذا لم يكن موجودًا في الأمم الأخرى، ولذلك فإن اليهود والنصارى اعترضت، فبيّن الله ﷿ أن ذلك من فضله، وفضل الله يؤتيه من يشاء.\nوفي الحديث الثاني: أشار إلى فضل الأجور وإلى أمر آخر وهو تقدم هذه الأمة على الأمم الأخرى، سبقًا في الفضل والهبات من الله ﷿، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.\nكما أن الإسلام تميز بفضائل أخرى ذكرها في الحديث الآخر المعلّق، وهي سماحة الإسلام ويسر الدين، فالإسلام أسمح الأديان في دفع المشقة عن العباد، وفي مضاعفة الأجور لهم، ومغفرة الذنوب، وفي جلب التيسير لجميع أحكام الدين، حتى عند غير الضرورات والحاجات، وحتى عند وجود مجرد المشقة، فإن الدين يسر، وهذا من فضل الإسلام كما أشار إليه الشيخ.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>آثار في فضل الإسلام</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وعن أبي بن كعب ﵁ قال: عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ليس من عبد على سبيل وسنة ذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله فتمسه النار، وليس من عبد على سبيل وسنة ذكر الرحمن فاقشعر جلده من خشية الله إلا كان كمثل شجرة يبس ورقها، فبينما هي كذلك إذ أصابتها الريح فتحات عنها ورقها، إلا تحاتت عنه ذنوبه كما تحات عن هذه الشجرة ورقها، وإن اقتصادًا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة، وعن أبي الدرداء ﵁ قال: يا حبذا نوم الأكياس وإفطارهم، كيف يغبنون سهر الحمقى وصومهم، مثقال ذرة من بر مع تقوى ويقين أعظم وأفضل وأرجح من عبادة المغترين].\nتضمنت هذه الآثار المعاني السابقة التي منها مضاعفة الأجور وزيادة تكفير الخطايا والذنوب لهذه الأمة، وكذلك تضمنت هذه الآثار معانٍ أخرى وهي أن هذه الأمة يكثر فيها أهل الحزم ورجاحة العقل، كما قال: يا حبذا نوم الأكياس وإفطارهم كيف يغبنون سهر الحمقى وصومهم، بمعنى أن هذه الأمة فيها طوائف من العُبّاد الذين هم على السنة، وأهل السنة هم الظاهرون من العلماء والعُبّاد والقائمون بأمر الله ﷿ وهؤلاء تميّزوا بالحزم والعقل -وهو الكيس- في أخذ هذا الدين والتوجه إلى الله ﷿ بالعبادة والخشية والإنابة والزهد، فلذلك فُضّلت هذه الأمة بمضاعفة الأجور لوجود أمثال هؤلاء القدوة فيهم، وهذا من فضل الإسلام، ولذلك كان من وسائل حفظ هذا الدين الذي جعله الله ﷿ من أسباب فضله وتميزه على الأديان الأخرى بقاء هذه الطائفة أهل الكيس والعقل والدين والقدوة، كما أنهم معتزون بهذا الدين وهم ظاهرون لا يضرهم من خذلهم ولا من عاداهم إلى أن تقوم الساعة، كل هذا من وسائل حفظ الدين وهو آخر الأديان وأفضلها وأبقاها حتى ولم يبق على الأرض أحد من البشر.","vol":"1","page":5},{"text":"شرح كتاب فضل الإسلام <span data-type=\"title\" id=toc-6>[٢]</span>\nلقد أوجب الله تعالى على الإنس والجن جميعًا أن يدخلوا في دين الإسلام، وذكر أن من ابتغى غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، والإسلام هو مجموع الشرائع والأحكام التي ذكرها الله تعالى في كتابه ونبيه ﷺ في سنته، ولذلك فاتباع الكتاب والسنة هو الالتزام الصحيح بالإسلام الذي أراده الله تعالى وأوجبه على عباده، ومن عدل عن ذلك إلى البدع والشبهات فقد ترك من الإسلام بقدر ما أخذ من بدعة وشبهة.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>باب وجوب الإسلام</span>\nقال رحمه الله تعالى: [باب وجوب الإسلام.\nوقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] الآية.\nقال مجاهد: السبل: البدع والشبهات.\nوعن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أخرجاه، وفي لفظ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد).\nوللبخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى).\nوفي الصحيح عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغٍ في الإسلام سنة جاهلية، ومطّلب دم امرئ مسلم بغير حق ليهريق دمه) رواه البخاري.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قوله: (سنة جاهلية) يندرج فيها كل جاهلية مطلقة أو مقيدة، أي: في شخص دون شخص، كتابية أو وثنية أو غيرهما، من كل مخالفة لما جاء به المرسلون.\nوفي الصحيح عن حذيفة ﵁ قال: يا معشر القراء! استقيموا، فإن استقمتم فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، فإن أخذتم يمينًا وشمالًا فقد ضللتم ضلالًا بعيدًا.\nوعن محمد بن وضاح أنه كان يدخل المسجد، فيقف على الحلق فيقول: فذكره، وقال: أنبأنا سفيان بن عيينة عن مجالد عن الشعبي عن مسروق قال: قال عبد الله يعني ابن مسعود ﵁: ليس عام إلا والذي بعده شر منه، لا أقول: عام أمطر من عام، ولا عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير، لكن ذهاب علمائكم وخياركم، ثم يحدث أقوام يقيسون الأمور بآرائهم، فيُهدم الإسلام ويثلم].","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>بيان أن الإسلام الذي أوجبه الله تعالى هو السنة وأدلة ذلك</span>\nأراد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن يبيّن أن الإسلام الذي أوجبه الله ﷿ هو السنة كما سترون.\nفقوله: (باب وجوب الإسلام) أدرج تحته من النصوص والآثار ما يدل على أنه جعل الإسلام يتمثل بالسنة بعد ظهور البدع، وهذا حق، ولا يعني ذلك خروج المبتدعة والمبدّلين الذين لم يخرجوا من الملة، لا يعني خروجهم من الإسلام، لكن يعني بذلك أن الله ﷿ كما أوجب الإسلام بالعموم فقد أوجب الاستمساك بحقيقة الإسلام عند اختلاف الناس وعند ظهور الأهواء والبدع، ولذلك فسّر الإسلام في النصوص التالية بالسنة، وهذا من عظيم فقهه؛ لأنه في جميع مؤلفاته كان يترسّم مناهج السلف بدقّة ويزن بها الواقع الذي كان عليه الناس، ولذلك أورد في الآية الأولى قوله ﷿: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، وهنا قصد الإسلام العام والإسلام الخاص، والإسلام بمعناه العام هو الذي بعث الله به جميع المرسلين، فإن الآية لها عموم، ولها مفهوم خاص، أما الآية في عمومها فإنها تعني أن الله ﷿ لا يقبل من أمة من الأمم إلا الإسلام الذي جاء به النبيون والمرسلون؛ ثم الآية خاصة بهذا الدين؛ لأن الأديان السابقة غُيّرت وبُدّلت ونسخت، فكان بالضرورة أن الآية أصبحت تتوجه إلى هذا الدين الذي جاء به النبي ﷺ، فمنذ أن بُعث النبي ﷺ ومن بلغه الإسلام فإنه إن ابتغى غير الإسلام فلن يُقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين، والإسلام الذي هو هذا الدين الخاتم، وهذا ما قصد به الشيخ من وجوب الإسلام، وأن الإسلام واجب على جميع العباد، وأن الله لا يقبل غيره.\nثم في الآية التالية كذلك قوله ﷿: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] أي: أن الدين المقبول والدين الحق هو الإسلام، وهذه الآية لها عموم وخصوص، فهي عامة في جميع الديانات الشرعية التي أنزلها الله على رسله، فإن الله لا يقبل من جميع الأمم إلا الإسلام، وأنه لا يمكن أن يكون الدين بالمفهوم الشرعي المقبول عند الله ﷿ حق إلا ما جاءت به الرسل، ثم الآية خاصة بهذا الدين بعد أن نسخ الله الأديان السابقة وختم الله الديانات بهذا الدين وبمحمد ﷺ، فإن الدين عند الله هو الإسلام الذي هو السنة وما تستلزمه.\nثم ذكر قوله ﷿: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣] معناه: أن اتباع الإسلام واجب، وصراط الله المستقيم هو هذا الدين المتمثل بسنة النبي ﷺ، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] وهذا تأكيد في وجوب التزام الإسلام المتمثّل بالسنة.\nثم ذكر قول مجاهد بأن السبل: البدع والشبهات، وهذا هو ما فسّر به السلف معنى السبل، فالسبل ليست طرائق الناس في الحياة، ولا المناهج الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف، إنما السبل هي الاختلاف في الأصول، وهي البدع التي يخرج بها الناس عن السنة، جزئية كانت أو كلية فإنها سبل، وأغلب السبل هي أصول الفرق؛ لأنها بدأت من أمور صغيرة ثم انتهت إلى أصول ومناهج، فتمثّلت في سبل نعبّر عنها بالأصول والمناهج والطرائق.\nثم ذكر حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، ولو نظرنا علاقة هذا الحديث بباب وجوب الإسلام لوجدنا أنها واضحة، لأن الإسلام الذي أمرنا بوجوب التزامه هو التزام السنة؛ لأن النبي ﷺ لما بلّغ الأمانة وأدى الرسالة قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) إذًا: يجب أن نلتزم بما جاء به النبي ﷺ، ويجب أن نبتعد عما يخالفه، ولذلك فمن جاء بما يخالف الإسلام بأي أمر من الأمور وسواء كان صغيرًا أو كبيرًا فهو مردود على صاحبه، فيجب التزام الإسلام الذي هو نهج السنة.\nثم ذكر للبخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى)، ثم ذكر أن من عصاه فقد أبى، وأن من أطاعه فقد دخل الجنة وارتباط هذا بوجوب الإسلام هو أن هذا الحديث يحقق فيه التزام طاعة الرسول ﷺ، وأنه يتمثّل بها وجوب الإسلام، فالإسلام لا يتحقق إلا بطاعة النبي ﷺ، فمن تحقيق وجوب الإسلام طاعة الرسول ﷺ.\nثم ذكر الحديث الذي يليه: (أبغض الناس إلى الله ثلاثة)، وذكر منهم: (ومبتغٍ في الإسلام سنة جاهلية) فهنا يؤكد على أن الإسلام الذي يجب التزامه هو الأخذ بالسنة.\nوذكر تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك وهو قوله: (سنة جاهلية) أنه يندرج فيها كل جاهلية","vol":"2","page":3},{"text":"شرح كتاب فضل الإسلام <span data-type=\"title\" id=toc-9>[٣]</span>\nالإسلام هو الاستسلام والانقياد لله تعالى بالقلب والأعمال، وتسليم الظاهر والباطن بالتوحيد والطاعة، فهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، ويعني ذلك القيام بجميع فرائض وأركان الإسلام والإيمان العلمية والعملية، ومعاملة الناس بالأخلاق الحسنة التي أمر الله تعالى بها، هذا هو الدين الذي لن يقبل الله تعالى من أحد دينًا سواه.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>باب تفسير الإسلام</span>\nقال رحمه الله تعالى: [باب تفسير الإسلام.\nوقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران:٢٠] الآية.\nوفي الصحيح عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا).\nوفيه عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده).\nوعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: (أنه سأل رسول الله ﷺ عن الإسلام؟ فقال: أن تسلم قلبك لله، وأن تولي وجهك إلى الله، وأن تصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة) رواه أحمد.\nوعن أبي قلابة عن رجل من أهل الشام عن أبيه: (أنه سأل رسول الله ﷺ: ما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله، ويسلم المسلمون من لسانك ويدك، قال: أي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان، قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت)].\nتحت هذا العنوان بيّن الشيخ المعنى الشامل للإسلام والمعاني الأخرى المرادفة والتي تتفرع عنه، فمن خلال سياق الآية بيّن التفسير الشامل للإسلام الذي يُفهم من سياق الآية في قوله ﷿: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران:٢٠] فإنه في الآية أشار إلى المعنى الشامل وهو أن الإسلام هنا يعني التسليم لله ﷿ بالقلب والأعمال، وتسليم الظاهر والباطن بالتوحيد والطاعة، وهو التسليم المطلق فهذا المعنى الشامل للإسلام، وهو ما عرّفه بعض السلف: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك.\nوبعض الناس يظن أن هذا التعريف خاص بشيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا ليس بعيب، كما أن هذا التعريف قال به بعض السلف في القرون الفاضلة قبل شيخ الإسلام ابن تيمية، فهذا تعريف اصطلاحي أُخذ من معنى اللغة ومن المعنى الشرعي، الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلاص من الشرك كما أن هذا التعريف عرّف به شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيره من أئمة سلف الإسلام، لأن أول ما يُفسّر به هو هذا المعنى العام، وهو الذي تدل عليه الآية.\nثم جاء بالمعاني الأخرى التي دلّت عليها الأحاديث، ومنها حديث عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ فسّر الإسلام بأركان الإسلام الخمسة، وهذا يعني القيام بفرائض الدين فالإسلام بمعناه الظاهر هو القيام بفرائض الدين، وهذا هو الإسلام فيما يظهر للناس، ومع أننا نقول: إن من شرط صحة الإسلام إذعان القلب، لكنه خفي، إذًا: يبقى المعنى الآخر للإسلام وهو تفسير الإسلام بالأعمال الظاهرة، وهذا هو الجانب العملي في الإسلام.\nثم ذكر الشيخ ما هو أخص من ذلك في حديث أبي هريرة، وهو أن الإسلام لا بد أن يتمثل بثمرته في التعامل مع الناس، وأعظم ثمار الإسلام في سلوك المسلم بعد الفرائض هو منهج التعامل مع الآخرين، وقد رسم النبي ﷺ التعامل بمثال، وهو أن الإسلام لا يتحقق ولا يؤتي ثماره ولا يكون كاملًا صحيحًا مثمرًا ينفع في الدنيا والآخرة إلا عندما يتمثّل المسلم بأخلاق الإسلام، ولذلك قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، والنبي ﷺ كان خلقه القرآن، فمقتضى القرآن ومقتضى السنة سلامة منهج التعامل عند المسلم المتمثّل بالأخلاق.\nثم ذكر حديث بهز بن حكيم وهو أن الإسلام يعني تسليم القلب والجوارح وأداء الفرائض جميعًا، استسلام القلب والإذعان لله ﷿، والاستعداد لقبول شرع الله، وتولي الوجهة إلى الله ﷿ بالعبادة فلا تعبد إلا الله ولا تدعو إلا الله، وتخلص دينك وعبادتك لله، فهذا يعبّر عنه بتولية الوجه إلى الله، ثم يظهر ذلك بإقامة الفرائض وأن تصلي الصلاة، ثم يظهر ذلك بإقامة الفرائض التي فيها حقوق العباد، وهي: أن تؤدي الزكاة، وهذا رمز للتعامل، فإن من الحقوق المفروضة للمسلم على المسلم تأدية الزكاة من الغني للفقير، أو لمن يحتاج.\nثم ذكر ما أورده أبو قلابة عن رجل من أهل الشام عن أبيه: (أنه سأل رسول الله ﷺ: ما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله، ويسلم المسلمون من لسانك ويدك) وهذا يعني إذعان القلب وتسليم القلب وتوجه القلب إلى الله ﷿، كما يعني سلامة المنهج في التعامل وسلامة الأخلاق، وهذا هو ثمرة الإسلام؛ ولذلك نفى النبي ﷺ الإيمان ونفى الإسلام عن بعض من يعمل بعظائم الذنوب مثل الغش والزنا والسرقة ونحو ذلك.\n(ثم قال: أي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان، قا","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>باب قول الله: (ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه)</span>\nقال رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥].\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (تجيء الأعمال يوم القيامة، فتجيء الصلاة، فتقول: يا رب! أنا الصلاة، فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الصدقة، فتقول: يا رب! أنا الصدقة، فيقول: إنك على خير، ثم يجيء الصيام، فيقول: يا رب! أنا الصيام، فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الأعمال على ذلك، فيقول: إنك على خير، ثم يجيء الإسلام، فيقول: يا رب! أنت السلام، وأنا الإسلام، فيقول: إنك على خير، بك اليوم آخذ وبك أُعطي، قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]) رواه أحمد.\nوفي الصحيح عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) ورواه أحمد].\nهنا قرر الشيخ نتيجة أخرى وهي من لوازم ما سبق، وهذه النتيجة هي أنه لا يصح قبول أعمال العباد ولا رضا الله ﷿ عن أعمال العباد إلا بشرط صحة الإسلام، وليس دعوى الإسلام، وإنما بشرط أن يكون الإسلام صحيحًا، ولذلك جعل النبي ﷺ في الحديث السابق صحة الإسلام شرطًا لصحة جميع الأعمال، فلذلك حينما جاءت الصلاة تريد أن تكون هي المعوّل في القبول عند الله ﷿ والرضا، وكذلك جاء الصيام، وجاءت الصدقة، وجاءت أعمال البر، فجعل الله ﷿ قبول هذه الأعمال وكونها هي الرأس في أعمال الجوارح أو أعمال القلوب أن ذلك راجع كله إلى صحة الإسلام، فهذه الأعمال من أعمال الإسلام، فلا تصح إلا إذا صح أصلها.\nوأيضًا فإن المقصود بالإسلام هو المعنى الشرعي لا الإسلام العام بمعناه اللغوي، والمقصود به أيضًا الدين الذي أرسله الله لجميع الرسل، ثم بعد ختم الرسالات برسالة محمد ﷺ صار الدين الذي لا يبتغي الله من العباد غيره هو هذا الإسلام الخاص، فلذلك لا يصح عمل إنسان إلا بصحة إسلامه، ولا يصح دين من الأديان بعد ظهور الإسلام، فالإسلام هو المهيمن، وكذلك قوله ﷺ في الحديث المتواتر: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) يرجع إلى أن كل الأعمال مردها إلى أمر الله ﷿ الذي هو شرعه، فما لم تكن الأعمال مرتبطة بما شرعه الله وشرعه رسوله ﷺ فهي مردودة، وهذا يشمل الدين كله من باب الضرورة، فلا بد أن يكون الدين كله بناء على ما أمر الله به وأخبر وشرع، سواء أصول الإيمان أو أصول الإسلام، أو ما يتفرع عنهما من بقية فرائض الدين في العقيدة والأحكام كل ذلك الأصل فيه أن الله ﷿ لا يقبل من أعمال العباد ولا من أفعالهم القلبية ولا أعمال الجوارح إلا ما تدينوا به لله ﷿ على شرع الله الذي هو هذا الدين؛ ولذلك لا بد من استحضار عدة معانٍ في هذا المجال وهي: المعنى الأول: كمال الدين، وعلى هذا فلا يجوز لأحد أن يدّعي أن الناس بحاجة إلى أي أمر يقررونه في العقيدة أو الأحكام دون مصادر الدين الأصلية.\nالمعنى الثاني: أن هذا الدين باقٍ وظاهر إلى قيام الساعة، فلا يجوز لأحد أن يدّعي أن هناك من أمور الدين وأصوله ما اندثر أو يحتاج إلى أن يبدّل، وقد تخفى بعض السنن لكن لا تخفى على عموم الأمة؛ لأنه لا تزال طائفة من الأمة على الحق جملة وتفصيلًا.\nالمعنى الثالث: أنه لا يسوغ لأحد أن يدّعي أن الدين هو نصوص الكتاب والسنة؛ لأن النصوص لا تصح بدون تفسيرها، وتفسيرها هو عمل النبي ﷺ، وعمل الصحابة وعمل التابعين وأئمة الهدى وذلك سبيل المؤمنين الذي توعد الله من خالفه.","vol":"3","page":3},{"text":"شرح كتاب فضل الإسلام <span data-type=\"title\" id=toc-12>[٤]</span>\nدين الله تعالى كامل لا نقص فيه بوجه من الوجوه، ولذلك فإنه يجب الأخذ به كله، والاستغناء به عما سواه من دين أو مذهب أو فكر أو غير ذلك، ولا يجوز الخروج عن دعوى الإسلام والانتساب إليه إلى غيره، فمن انتسب إلى نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة تدينًا واعتقادًا فهو منتسب إلى الجاهلية، ومتعزٍّ بعزاء الجاهلية، فلا دين لنا إلا الإسلام، ولا انتساب لنا إلا إليه.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>باب وجوب الاستغناء بمتابعة الكتاب عن كل ما سواه وما جاء في الخروج عن دعوى الإسلام</span>\nقال رحمه الله تعالى: [باب وجوب الاستغناء بمتابعته الكتاب عن كل ما سواه.\nوقول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩] الآية.\nروى النسائي وغيره عن النبي ﷺ: (أنه رأى في يد عمر بن الخطاب ﵁ ورقة من التوراة، فقال: أمتهوكون يا ابن الخطاب؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيًا واتبعتموه وتركتموني ضللتم)، وفي رواية: (لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي، فقال عمر: رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا).\nباب ما جاء في الخروج عن دعوى الإسلام.\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج:٧٨].\nعن الحارث الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (آمركم بخمس الله أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم، فقال رجل: يا رسول الله وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين والمؤمنين عباد الله) رواه أحمد والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.\nوفي الصحيح: (من فارق الجماعة شبرًا فمات فميتته جاهلية)، وفيه: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟).\nقال أبو العباس: كل ما خرج عن دعوى الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة فهو من عزاء الجاهلية، بل (لما اختصم مهاجري وأنصاري، فقال المهاجري: يا للمهاجرين! وقال الأنصاري: يا للأنصار! قال ﷺ: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟) وغضب لذلك غضبًا شديدًا.\nانتهى كلامه رحمه الله تعالى].\nكلام الشيخ ﵀ واضح، لكن يحسن أن نقف بعض الوقفات لنعرف لماذا ساق هذه النصوص تحت هذه العناوين وتحت العنوان الأصل في فضل الإسلام.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>كمال الإسلام ووجوب الاستغناء به عما سواه</span>\nيشير الشيخ هنا إلى أن من فضل الإسلام الكمال، وأنه يغني عن أي حاجة أو مبدأ أو مذهب أو ما يتدين به الناس، فكأنه يشير بذلك إلى أن من فضل الإسلام أنه جاء كاملًا لا يمكن أن يحتاج الناس بعده لا إلى شرائع ولا مبادئ ولا مذاهب وانتماءات ولذلك استشهد بالآية وهي قوله ﷿: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩]، وهذا فيه إفادة العموم في أن الإسلام جاء كاملًا، ولا يمكن أن يحتاج الناس بعده إلى أي أمر من أمور الدين والتشريع في العقيدة ولا في الأحكام.\nثم أكد ذلك بقول النبي ﷺ حينما رأى مع عمر ورقة من التوراة، فقال ﷺ: (لقد جئتكم بها بيضاء نقية) يعني: الملة والديانة التي جاء بها النبي ﷺ بيضاء نقية لا يشوبها شائب، ولا تخفى على أحد، فهي بيّنة كاملة نقية من أي شائبة، وهذا وصف للدين وللإسلام إلى قيام الساعة؛ لأن هذا مقتضى ختم النبوة وكمال الدين وحفظه، والنبي ﷺ غضب حينما رأى مع عمر هذه القطعة، إنما أراد سد ذريعة الحاجة إلى غير هذا الدين حتى وإن كان من الأديان التي جاء بها النبيون من قبل؛ لأن الله ﷿ ختم هذه الأديان بهذا الدين وجعله ناسخًا لها، ولأن ما جاءت به الكتب السابقة التوراة والإنجيل قد حُرّف وبُدّل، وحتى لو لم يُحرّف ولم يُبدّل، فإن الله ﷿ ختمها ونسخها بهذا الإسلام، ولذلك بيّن النبي ﷺ أنه لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباع النبي ﷺ؛ لأن هذا هو مقتضى أمر الله، ويشهد لهذا أن عيسى ﵇ إذا نزل في آخر الزمان فإنه يحكم بشريعة محمد ﷺ.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>حرمة الانتساب إلى غير الإسلام تدينًا واعتقادًا</span>\nثم ذكر ما جاء في الخروج عن دعوى الإسلام ليبين أن الإسلام بكماله لا يحتاج الناس إلى أن ينتسبوا إلى غيره بأي نوع من الانتساب، ولا أن يستمدوا من غيرهم أي نوع من الاستمداد، ولا أن يحدثوا من أنفسهم شيئًا يزعمون أنه من الدين، فإن هذا كله خروج عن دعوى الإسلام، فذكر قول النبي ﷺ: (وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن) ثم ذكر: (السمع والطاعة) أي: لولاة الأمر، ولمن ولاه الله أمر المسلمين، والسمع والطاعة إنما هو في المعروف.\nثم الجهاد وهو ذروة سنام الإسلام، وهو من مباني هذا الدين والجهاد باقٍ وماضٍ إلى يوم القيامة وليس من الشعائر التي انتهت كما يزعم كثير من المفتونين والجاهلين والمنهزمين الذين زعموا أن الجهاد مرحلة لم يعد لها تشريع الآن ولا مبرر، وهذا خلاف مقتضى قطعيات النصوص، فإن النبي ﷺ أخبر بالإجمال والتفصيل أن الجهاد باقٍ إلى قيام الساعة، وأن المسلمين سيجاهدون حتى أثناء قيام أشراط الساعة الكبرى، فيجاهدون الدجال وشيعة الدجال، ويجاهدون أهل الباطل حتى مع قيام علامات الساعة الكبرى، والمؤمنون والمسلمون أهل السنة لا يضرهم ولا يثنيهم قيام علامات الساعة الكبرى عن إقامة شرع الله ودينه ولا الجهاد.\nوكذلك الهجرة إذا جاء مقتضاها، وقد اختلف العلماء في الهجرة هل هي باقية أو انتهت؟ والصحيح أن الهجرة باقية إذا وجد مقتضاها بشروطها التي يعرفها الراسخون في العلم.\nوالجماعة: هي اجتماع المسلمين على الحق والسنة، وهي من ضرورات الإسلام، فلا دين إلا بجماعة، ولا يتحقق الدين الأكمل كما رضيه الله ﷿ للأمة إلا بالجماعة، وهذا لعموم الأمة، ولا يستثنى من ذلك إلا حالات الضرورة للأفراد لا للمجموعة كما ورد في حديث الفتن.\nوقوله: (فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع) فهذا من نصوص الوعيد، بمعنى أنه يخرج من مقتضى كمال الإسلام ومتطلبات الإسلام، والخروج عن الجماعة قد يقتضي الردة إذا تضمن أمرًا من الأمور التي فيها ردة علمية أو عملية وأحيانًا لا يقتضي الردة وهو الغالب، فإن مفارقة الجماعة قد تكون بالعصيان، وقد تكون بالتمرد، وقد تكون بالخروج، وقد تكون بتبني آراء خارجة عن آراء الجماعة كالعقيدة ونحوها، أو بالبدع ونحو ذلك كل ذلك يعد خروجًا عن الجماعة، لكن لا يقتضي الخروج من الملة إلا في حالات قليلة.\nوقوله: (ومن دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم) يعني: من أهلها أو من حطبها (فقال رجل: يا رسول الله! وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين والمؤمنين عباد الله) فدعوى المسلم هو أن يدّعي الانتساب لهذا الإسلام ولدين الله ﷿، ويعتز بإيمانه بالله، ولا ينتسب إلا إلى جماعة المسلمين، إلى أهل السنة والجماعة.\nثم ذكر الحديث وهو في الصحيح: (من فارق الجماعة شبرًا فميتته جاهلية)، وهو عندي مختصر ويبدو أن عندي كلمات ساقطة، وفيه: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟).\nقال أبو العباس بن تيمية: (كل ما خرج عن دعوى الإسلام والقرآن) ويقصد بذلك دعوى السنة والجماعة (من نسب) يعني: من انتسب إلى نسبه أو قبيلته وذويه، وجعل ذلك شعارًا له يتدين به، فهذه دعوى جاهلية، أو انتسب إلى شخص وجعله هو معقد الولاء والبراء كمتعصبة المذاهب، وجعله معقد الولاء والبراء يوالي ويعادي على هذا الشخص، فهذا نوع من الانتساب، فهو من الجاهلية، أو بلد، وهو كذلك وهذا مما بدأ يظهر بين المسلمين، حيث بدأ كثير من المسلمين ينتسب إلى البلد ويعتز به، وإلى الوطن ويعتز به اعتزازًا دينيًا، وهذا خلط عند الناس، لأن هناك فرقًا بين الانتماء للبلد من حيث الانتساب له؛ لأنه من أهله وساكنيه، وبين خدمة البلد خدمة تؤدي إلى نصر دين الله ﷿ والتكافل بين المجتمع كما أمر الله، وبين العصبية التي تؤدي إلى المعاداة والموالاة على هذا البلد، أو التي تؤدي إلى تقديس الوطن فهذا من الجاهلية التي نهى عنها النبي ﷺ.\n(أو جنس) كذلك الجنس يرجع إلى جنس النسب أو إلى جنس الأفكار أو المذاهب أو الأقوال أو غير ذلك، لكن الغالب أن الجنس يقصد به القبيلة أو العجم أو العرب ونحو ذلك، أو مذاهب سواء كانت فقهية أو عقدية أو فكرية أو سياسية أو غيرها، أو طريقة كالطرق الصوفية، أو المناهج الخاصة للأفراد وللجماعات وللأشخاص، كل ذلك من عزاء الجاهلية، ويدخل في هذا ما يقع فيه كثير من المسلمين من الانتماءات والتحزبات والجماعات التي يكون لها ولاء وبراء وتفضل عليها غيرها من بقية المسلمين أو تحصر السنة بنفسها، أو تحصر الحق بنفسها وللمنتمين إليها، أو يكون للمنتمين إليها خصائص يختصون بها أو يتميزون عن غيرهم، كما هو حاصل في كثير من فئات المنتسبين للدعوات في عصرنا هذا، فإن هذا من عزاء الجاهلية، بل ويدخل في دعاوى الجاهلية والعزاء ا","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الأسئلة</span>","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>حقيقة الفكر الإسلامي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يعتبر ما يطلقه بعض الكتاب من أنهم مفكرون إسلاميون، أو ما يطلق على بعض الكتابات بأنها فكر إسلامي، هل يعتبر ذلك من دعوى الجاهلية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا انتمى أحد إلى فكر وتعصب له، أو إلى مفكر إسلامي يتعصب له، فهذا يعتبر من الممنوع شرعًا ومن الدعاوى الجاهلية، ولكن كلمة (فكر إسلامي)، من الكلمات المتميعة التي لم تحدد بعد، وأغلب الفكر يدخل في باب المعلومات الشرعية غير المؤصلة على مقتضى الكتاب والسنة، وإنما هي آراء أناس يسمون بالمفكرين في القضايا المطروحة، فهذه الكلمة من الكلمات التي تحتاج إلى إعادة نظر؛ لأنه ليس هناك شيء اسمه فكر إسلامي، وإن كان المسلمون لهم أفكار وآراء، لكن أن تنسب أفكارهم إلى الإسلام، فهذا من الأخطاء التي ينبغي علاجها، وإن كان فيها صواب وفيها خطأ.","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>وصف بعض أهل السنة أنفسهم بأهل الحديث</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هناك أناس يتميزون ويصفون أنفسهم بأهل الحديث، فهل في هذا محذور؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كانوا فعلًا من أهل الحديث فلا حرج، ما لم يكن شعارًا يتميزون به عن بقية أهل السنة والجماعة، أما إذا كانت شعارات مؤسسية وعناوين مؤسسية، مثلًا: جمعية أهل الحديث، إذا كان المقصود بذلك المجموعة من الناس يشتغلون بنظم إدارية وعلمية على مفهوم الجمعية عندنا، ويخدمون السنة على وجه معين وتراضوا بينهم ويديرون أنفسهم عبر هذه المؤسسة، فالعمل المؤسسي إذا لم يكن على مناهج ولم يكن فيه ولاء وبراء ولا تميز عن بقية أهل السنة فلا حرج فيه، لأن هذا عمل مؤسسي دعوي، وسواء كان علميًا مثل جماعة أهل الحديث، أو دعويًا مثل مؤسسة أهل السنة أو مؤسسة الحرمين أو نحو ذلك، لأن هذه المؤسسات ليس المقصود بها الاختصاص بمكان أو بزمان أو بفئة، إنما المقصود أنها تكون عنوانًا لنشاط معين يقوم به طائفة من أهل السنة والجماعة، فلا بأس أن يسموا أنفسهم جماعة أهل الحديث أو جمعية أهل الحديث.\nكذلك لا بأس أن يسموا أنفسهم جماعة الحديث إذا كانوا يتميزون بالاهتمام بالحديث، لكن لا يكون هذا شعارًا وانتماء يتميزون به عن بقية أهل السنة والجماعة بأي نوع من أنواع التميز.","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>الوطنية في الإسلام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما صحة مقولة: لا وطنية في الإسلام؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  مقولة لا وطنية في الإسلام هذه كلمة مجملة؛ لأن هذا راجع إلى مفهوم الوطنية، فإن كان المقصود بالوطنية بلد المسلمين أو بلدك الإسلامي الذي أنت فيه فلا شك أن بلدك له حقوق شرعية، فالحقوق المشروعة سواء سميت وطنية أو ما سميت وطنية هي سائغة شرعًا، إنما يأتي اللبس في تسميتها وطنية أنها قد تقترن بالوطنية القومية العصبية، فإذا كان المقصود بها: أن المسلم لابد أن يكون لبلده حق عليه بالدفاع عنه وفي نفع البلد وأهل البلد فهذا لا حرج فيه، وإن كان المقصود بالجوانب الممنوعة من العصبية المقيتة، من تفضيل بلد على بلاد المسلمين الأخرى تفضيلًا يؤدي إلى العصبية إلى آخره، فهذا من العصبية الممقوتة ومن دعاوى الجاهلية.","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>الاستغناء بالكتاب والسنة عما سواهما</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في كتاب فضل الإسلام: باب وجوب الاستغناء بمتابعته عن كل من سواه، وفي بعض النسخ: بمتابعة الكتاب، فهل هناك فرق بينهما؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا فرق، النبي ﷺ جاء بالكتاب والسنة.","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>مفهوم مقالة (سقط من عين الله)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هذه عبارة: سقط من عين الله، عبارة استخدمها السلف أو وردت في أثر، أم أنها محدثة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ما أدري استعملها السلف أم لا، ما يحضرني الآن، وإن كان يترجح عندي أنها وردت في بعض الآثار، وعلى أي حال فهذه من العبارات التي لا حرج فيها إذا قصد بها معنى شرعيًا صحيحًا.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"4","page":10},{"text":"شرح كتاب فضل الإسلام <span data-type=\"title\" id=toc-22>[٥]</span>\nيجب على العبد المؤمن أن يدخل في دين الإسلام كله وأن يترك ما سواه، وذلك بالإقرار والتسليم بكل ما ورد فيه، والعمل بفرائضه وواجباته بما يستطاع من ذلك، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، كما يجب ترك كل ما هو خارج عن الإسلام، كالبدع والانحرافات العقدية أو العملية، وترك التحاكم إلى غيره من الطواغيت ونحوهم، وترك التفرق والاختلاف؛ فإن ذلك خروج عن مقتضى هذا الدين العظيم، الذي أمر بالجماعة ونهى عن الفرقة.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>باب وجوب الدخول في الإسلام كله وترك ما سواه</span>\nقال رحمه الله تعالى: [باب وجوب الدخول في الإسلام كله وترك ما سواه.\nوقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء:٦٠]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] قال ابن عباس ﵁: تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدع والاختلاف.\nعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية كان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل افترقت على اثنتين وسبعين ملة تمام الحديث قوله: وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) يا لها من موعظة لو وافقت من القلوب حياة! رواه الترمذي.\nورواه أيضًا من حديث معاوية عند أحمد وأبي داود وفيه: (إنه سيخرج من أمتي قوم تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله) وتقدم قوله: (ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية)].","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>وجوب الإقرار والتسليم بكل ما جاء في الدين والعمل بما يستطاع منه</span>\nهذا الباب في بيان عموم الدين وضرورة التزام الدين كله من قبل المسلم ومن قبل عموم المسلمين أيضًا.\nفقوله: (باب: وجوب الدخول في الإسلام كله وترك ما سواه)، يفيد أن على المسلم التسليم الكامل لله تعالى ولرسوله ﷺ، والإذعان المطلق، والإيمان بالدين كله دون الأخذ ببعض وترك بعض، وهذا من حيث الإقرار والتسليم، أما من حيث العمل فلا شك أنه لا يلزم المسلم إلا ما يستطيع: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وهذا أمر معلوم بالضرورة؛ وهو أن الأصل في المسلم أن يسلم لله ﷿، ويقر بالدين كله، وكل ما يرد إلى المسلم مما جاء في كتاب الله ﷿ وصح عن رسول الله ﷺ، فالمسلم مقر به سلفًا، ولا يتردد إذا ورد له الدليل، فهذا أمر لا يمكن أن يدفعه أحد، التسليم المطلق جملة وتفصيلًا لكل ما يرد ويصح من الدين، فمن ورده أي أمر من أمور الدين وجب أن يقر به، لكن يبقى الجانب الآخر وهو العمل يجب عليه بعد ما يقر ويعلم أن يعمل بما يستطيع.\nوأحكام الإسلام على نوعين: الفرائض والأركان، فهذه باستطاعة كل إنسان في الجملة، إلا من عرض له عارض، ولا دخل لهذه المدارك والقدرة العقلية أو القدرة العلمية، فأركان الإسلام يعملها العالم ويعملها أبسط الناس وأجهل الناس وكذلك سائر فرائض الدين، إلا من عرض له عارض كإنسان ما استطاع الصيام لمرض عارض فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، لكنه يجب أن يبقى إقراره بالصيام وأنه واجب وفرض، وأنه متى ما تمكن سيصوم على سبيل الوجوب.\nوأيضًا فما أشار إليه الشيخ أننا إذا قلنا: إنه يجب على المسلم الدخول في الإسلام كله، فمن هنا لا يسعه أن يخرج عن مقتضى الدين في أي أمر من الأمور معتقدًا أنه يسعه الخروج عن هذا الأمر، سواء كان في الأمور العامة كالتشريع عمومًا أو التقنين، أو كان في الأمور الجزئية، كمسائل الحلال القطعي أو الحرام القطعي، حتى الجزئيات منها، فمثلًا: لا يسع المسلم أن يقول: أنا أقر بالإسلام كله، لكن عندي شك في تحريم الربا، فهذه وإن كانت تسمى فرعية أو حكمًا من الأحكام من جملة الدين إلا أنه ما قال: إن لم يقر به فقد خرج من مقتضى الإسلام، ولم يدخل في الدين كله، ولذلك أورد الشيخ الآيات الدالة على هذا المعنى؛ مثل قوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، أي: ادخلوا في الدين جميعًا وأنتم جميعًا ادخلوا في الدين، فهذا خطاب من الله ﷿ للمؤمنين بأن يدخلوا في الإسلام كله ويتركوا ما سواه، فالسلم هنا بمعنى الإسلام.","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>وجوب التحاكم إلى الإسلام وتحريم التحاكم إلى الطاغوت</span>\nوكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء:٦٠] وتمام الآية وهي محل الشاهد: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء:٦٠]، يعني: يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، ومع ذلك يلجئون إلى التحاكم إلى الطاغوت اختيارًا من غير اضطرار وقد أمروا أن يكفروا به، فعد ذلك زعمًا، وأنهم بهذا ما دخلوا في الدين، وأنهم بسبب هذا المبدأ بقوا من الكافرين الذين لم يدخلوا في الإسلام، وأن دعواهم ليست دعوى سليمة ولا صحيحة ولا مقبولة عند الله ﷿ حينما ادعوا ادعاء ثم ناقضوه بتحاكمهم إلى الطاغوت، وهذا أمر خطير يجب التنبه له في هذا الأصل، وهو الذي يدور حوله النقاش الآن والكلام بين كثير من أهل العلم في مسألة التشريع والإيمان ونحو ذلك، وما حصل به من ميل بعض الناس إلى بعض المرجئة، وميل آخرين إلى بعض أقوال المكفرة، وأهل السنة أهل الحق بقوا على المنهج الحق الوسط.\nفهذه المسألة من المسائل الخطيرة، وهي مسألة التحاكم إلى الطاغوت، والتحاكم سواء كان جزئيًا أو كليًا لابد أن يدخل فيه التفصيل فيمن حكم بغير ما أنزل الله، أو حكَّم غير ما أنزل الله، ولا فرق بين الحكم والتحاكم من حيث التنظير العام، وقد نفرق في الصور الفردية، أما من حيث الأصل فكلها عدول عن شرع الله ﷿، وسواء كان في مسألة التشريع العام أو التقنين أو في مسائل جزئية كالربا أو الزنا أو نحو ذلك، فإن هذه الجزئية إن صح التعبير يحكمها ما يحكم الأمر الكلي في التحاكم، لكن كل هذه الأمور لابد من التفصيل فيها، ولا يلزم للخروج من الإسلام الاستحلال فقط، بل الإعراض الكلي وترك جنس العمل يعتبر عدم إذعان لدين الله ﷿، فكلمة (استحلال) من الكلمات المجملة التي لم يتفق عليها المتنازعون في هذه المسألة التي أثيرت في الآونة الأخيرة، والتي قال فيها علماؤنا حفظهم الله والتي يجب الاجتماع عليها.\nومن هنا أوصي إخواني طلاب العلم بقاعدة معلومة عند السلف وهي أنه إذا اختلف طلاب العلم في أمر من الأمور مهما كانت اجتهاداتهم، ثم وصل هذا الاختلاف إلى أهل الحل والعقد من العلماء الكبار مثل اللجنة الدائمة أو هيئة كبار العلماء أو غيرها من الهيئات المعتبرة أو العلماء المعتبرين ثم قالوا قولتهم، فيجب الاجتماع على هذه المقولة خوفًا من الفرقة والفتنة والشذوذ والتشرذم الذي وقع بين كثير ممن يدعون السلفية الآن، واستجابة لأمر الله ﷿، ولنفترض أن أحد طلاب العلم له رأي آخر يرى أنه الرأي الراجح، فيفترض أنه في مثل هذه المسألة التي حسمها العلماء أن يتراجع مادامت المسألة خلافية، ويجب على المسلم أن يتهم نفسه وقدرته واستطاعته، مادام أن الأمر قد تكلم فيه العلماء، لكن إذا كان الأمر من باب التجوز وأنه قد يكون لبعض طلاب العلم رأي يخالف رأي هيئة كبار العلماء أو اللجنة الدائمة؛ فإنه يجب عليه أن يسكت عندما يصل النزاع إلى افتراق الناس، وأن يكون هذا مؤيدًا وهذا معارضًا، فيجب على طالب العلم إذا تكلم العالم الكبير أن يسكت جمعًا للكلمة وخوفًا من الفرقة، والقاعدة التي اتفق عليها السلف في مثل هذه الأمور في مصالح الأمة العظمى أنه يجب الاجتماع على الرأي المرجوح وترك الرأي الراجح عند صاحبه، وإن كان يرى أنه هو الأحق وأن الدليل معه؛ لأن الآخرين معهم دليل كذلك، فالمسألة لم تكن قطعية، ولو كانت قطعية ما ورد فيها خلاف بين أهل العلم المعتبرين، وأشير بهذا إلى مسألة مثارة في الاستدلال وعدم الاستدلال، ومسألة الإيمان وما قيل في بعض مقولات الإرجاء ونحو ذلك، فالأدب الذي يجب أن يلتزمه طالب العلم؛ أنه إذا تكلم العلماء أن يسكت وإن كان يرى أنه محق أو مظلوم أو غير ذلك من العبارات التي قد يقتنع بها شخص أو أكثر، فلا يسعه أن يسكت ويثير الفتنة، ولا يرد على العلماء ولو بأدب؛ لأنه إذا وصل الأمر إلى أن رأس الأمة من العلماء الكبار يدخلون في الموضوع، فما دخلوا إلا لأن الأمر يجب أن تجتمع عليه الكلمة، وما دخلوا إلا لأنهم خافوا الفرقة.\nإذًا: يجب على طالب العلم أن يذعن ويتهم نفسه ويبدي رأيه في وقت آخر إذا كان له رأي عندما تهدأ الأمور، أما في مثل هذه الظروف فأرى أن مصادمة رأي أهل العلم أو الوقوف ضد رأيهم، أو الإصرار على رأي يخالف ما اتفقوا عليه وعلموه أنه نوع من عدم الصبر، ونوع مما قد يستغل في تفريق الأمة نسأل الله السلامة والعافية.","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>لزوم جماعة المسلمين وبيان أن التفرق خروج عن مقتضى الدين</span>\nثم ذكر في الآية الأخرى الدلالة على عدم جواز الافتراق، وهو خروج من مقتضى أن تكون في الدين، قوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩]، فالتفرق في الدين الذي عليه أهل الأهواء ينافي الدخول في الإسلام كله؛ لأن الإسلام مقتضاه لزوم الحق ولزوم الجماعة، والذين فرقوا دينهم لا شك أنهم حادوا عن الحق وخرجوا عن الجماعة، وكذلك قوله ﷿: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦]، فالذين اسودت وجوههم هم أهل الأهواء كما ذكر ابن عباس، وهو مقتضى ظاهر الآية.\nفهؤلاء ما دخلوا في الإسلام كله، بل لجئوا إلى البدع والأهواء فخرجوا من مقتضى هذا الأصل.\nثم ذكر حديث الافتراق وهو مثل هذه الآيات، لكن فيه بيان أن هناك من يخرج عن مقتضى كمال الإسلام، فيخل بالمنهج السليم، فإنه يكون خرج من مقتضى الإذعان الكامل وفارق السنة والجماعة، وإن لم يخرج من مسمى الإسلام.\nوعلى هذا فإن الذين خالفوا أصل الدخول في الإسلام كله هم على نوعين: منهم من خرج بمخالفته، وهم من ارتكب ما يوجب الردة.\nوالنوع الثاني: من خرج عن مقتضى السنة، لكنه ما دخل في الإسلام وهم أهل الأهواء والبدع الذين فارقوا السنة والجماعة مفارقة تقتضي خروجهم من السنة.","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>الأسئلة</span>","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>التمسك بقول كبار العلماء في جزئيات الدين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكرت أنه لابد من التمسك بقول كبار العلماء وعدم مخالفتهم، فهل هذا يكون في الكليات أم يدخل في ذلك الجزئيات؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المشايخ يفرقون في بياناتهم بين ما هو فتوى وبين ما هو رأي حاسم في العقيدة، حتى نحن ندرك ذلك الفرق، لكن مسألة الجزئيات إذا كان منها نزاع وشقاق -وليس في الدين جزئيات- فإذا تدخلت هيئة كبار العلماء أو اللجنة الدائمة فيما يسمى جزئية من الجزئيات، فيجب الوقوف على رأي العلماء لقطع النزاع، حتى ولو كانت في سنن الوضوء، فمثلًا: المشايخ وفقهم الله أصدروا بعض الفتاوى حول مسائل حلق اللحية، وصبغ الشعر بالسواد، وحول مسائل هي عند الناس جزئيات، ولكن لما رأوا أن بعض طلاب العلم قد يكون عنده جرأة، فيفرض رأيه وكأنه جاء بجديد على الأمة، ثم ينتصر لرأيه أناس، أو يخشى أن ينتصر لرأيه أناس، فعندما يخشى أن يحصل التفرق على المسألة الجزئية، أو يكون في مخالفة للفتوى العامة لأهل العلم، مما يوقع الناس في الفتنة، فمن هنا يصدر البيان، حتى وإن كان من عالم، فمثلًا: عندما صار عند بعض الناس لبس في فهم فتوى أحد المشايخ عن مسألة كشف العورة للمرأة، فاضطر المشايخ بعد مدة أن يوضحوا القضية بالتفصيل لا للرد على الشيخ، لكن لتصحيح فهم الناس.\nونظرًا لأن الفتوى لا يزال لها آثارها على سلوك كثير من النساء، فإنه يجب أن نفرق بين مسألة العورة وبين مسألة الحجاب، فالعورة ما كان بين السرة إلى الركبة، أما الحجاب فهو كما ورد في الشرع أنه يجب أن تحتجب المرأة عند الرجال وعند النساء، وإن كان عند الرجال بقدر وعند النساء بقدر، فعند الرجال الأجانب تحتجب كلها، وعند المحارم وعند النساء يجوز لها أن تخرج الوجه واليدين وما تحتاج ضرورة لإخراجه لعملها في البيت أو في العمل النسائي، أما اليوم فإن بعض النساء في المجتمعات النسائية تخرج شبه عارية، وتقول: هذه فتوى الشيخ، فتوى الشيخ في العورة لا في الحجاب، الحجاب واجب، وله قدر عند الرجال وله قدر عند محارم النساء.\nفينبغي أن ينبه طلاب العلم لهذه المسألة؛ لأنه صار بسببها فتنة نسأل الله العافية.","vol":"5","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>حكم اعتزال الجماعة بسبب روائح الجوارب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  مجموعة من الموظفين في دائرة عسكرية يتأذون كثيرًا من رائحة الجوارب، فرأوا أن يصلوا في مجموعة صغيرة في مكان آخر ليسلموا من الأذى، علمًا أنهم قد نصحوا إخوانهم كثيرًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الذي يظهر لي أن هذا ليس بمبرر لترك الجماعة، ولو أنهم يبحثون عن وسائل علمية لحجب أنوفهم عن الشم أولى من أن يتركوا الجماعة، يبحث عن وسيلة واقية تريحه من شم الرائحة الكريهة في المسجد، كما ينبغي أن تستمر المناصحة، وسوف يجدون من الحلول والبدائل ما يصرفهم عن عبث الشيطان بهم بأن ينفصلوا عن الجماعة.\nنسأل الله للجميع التوفيق والسداد.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"5","page":8},{"text":"شرح كتاب فضل الإسلام <span data-type=\"title\" id=toc-30>[٦]</span>\nالبدعة في الدين شأنها خطير؛ ولذلك فقد ورد أنها أشد من كبائر الذنوب، ومما يدل على شناعتها أن الله تعالى قد لا يوفق صاحبها للتوبة منها؛ لأنه يعتقد أنه على هدى ودين فكيف يتركه؟! والبدعة أقسام منها المكفرة، ومنها المغلظة، ومنها البدع الصغيرة التي تقع من الجهلة والعوام من أهل البدع، وقد يقع فيها بعض جهلة أهل السنة، والواجب هو الحذر من البدع جميعها، ووجوب التوبة لمن وقع في شيء منها.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>باب ما جاء أن البدعة أشد من الكبائر</span>\nقال رحمه الله تعالى: [باب ما جاء أن البدعة أشد من الكبائر.\nوقوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٤٤]، وقوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥].\nوفي الصحيح أنه ﷺ قال في الخوارج: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم، لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وفيه: (أنه ﷺ نهى عن قتل أمراء الجور ما صلوا)، عن جرير بن عبد الله ﵁: (أن رجلًا تصدق بصدقة، ثم تتابع الناس، فقال رسول الله ﷺ: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) رواه مسلم، وله مثله من حديث أبي هريرة ولفظه: (من دعا إلى هدى، ثم قال: ومن دعا إلى ضلالة).\nباب ما جاء أن الله احتجز التوبة على صاحب البدعة.\nهذا مروي من حديث أنس ومن مراسيل الحسن، وذكر ابن وضاح عن أيوب قال: كان عندنا رجل يرى رأيًا فتركه، فأتيت محمد بن سيرين فقلت: أشعرت أن فلانًا ترك رأيه؟ قال: انظر إلى ماذا يتحول؟ إن آخر الحديث أشد عليهم من أوله: (يمرقون من الإسلام ثم لا يعودون إليه).\nوسئل أحمد بن حنبل عن معنى ذلك فقال: لا يوفق للتوبة].\nبين الشيخ في هذا الباب أمورًا تخفى على كثير من الناس، وهي خطر البدعة وحكمها وأنها أشد من كبائر الذنوب، وأن صاحب البدعة غالبًا لا يوفق للتوبة، وهذا فيه إشارة صريحة إلى فضل التمسك بالسنة، وأن المستمسك بالسنة بإذن الله موفق ومعان ومهتدٍ، حتى وإن وقع منه شيء من التقصير فإن الله ﷿ سوف يوفقه للتوبة ويعينه عليها، بخلاف صاحب الكبيرة، فمن فضل السنة أن صاحبها يوفق للتوبة، وهذا داخل في عموم فضل الإسلام.\nثم ذكر الشيخ الأدلة على أن البدعة أشد من الكبائر، فاستدل بقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وهذا فيه إشارة إلى أن أعظم البدع الشرك بالله.","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>أقسام البدع</span>\nولهذا فإن أقسام البدع ثلاثة: القسم الأول: البدع المكفرة، وهي بدع الشرك، والبدع التي تخل بأصول الإسلام الناقضة للدين، أو إنكار المعلوم من الدين بالضرورة، أو الإعراض عن الدين بالكلية، حتى ولو لم يكن في ذلك شيء من الشرك الصريح، فإنه يعد من البدع الكفرية.\nوالقسم الثاني من البدع: البدع المغلظة التي هي من كبائر الذنوب بل من أعظم الكبائر، والبدع المغلظة هي الأكثر مما يقع فيه كثير من أهل البدع في العصور المتأخرة، والتي منها على سبيل المثال: الموالد البدعية والبناء على القبور، واتخاذ المزارات والمشاهد، والتبرك بما لم يرد الشرع ببركته ونحو ذلك، هذه بدع كبيرة ومغلظة.\nوالقسم الثالث: بدع صغيرة، يقع فيها أكثر جهلة المنتسبين للبدع إذا لم يقعوا في كبائر البدع، وقد يقع فيها بعض المنتسبين للسنة، مثل: التزام السبحة عند التسبيح، أو التزام شعار معين، أو تقليد الأشخاص، ومثل بعض التصرفات التي تكون عند المآكل وفي الجنائز، فهذه غالبًا من أنواع البدع الصغيرة.\nإذًا: الشرك هو أعظم أنواع البدع، ولذلك أدخله الشيخ هنا للاستدلال على أن البدع أشد من الكبائر، كذلك الكذب على الله ﷿ وارد في قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٤٤]، وهو باب واسع يدخل فيه التشريع بما لم يشرعه الله ﷿، والابتداع أي: إحداث البدع، ونسبة البدع إلى الشرع، والقول بأنها من شرع الله ودينه، كل هذا داخل في الافتراء والكذب على الله.\nثم استدل بقوله ﷿: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥]، فهذا أراد به أن صاحب البدعة مرتكب ذنبًا عظيمًا، ومما يتحمله صاحب البدعة أنه يتحمل أوزار الذين يقلدونه إلى يوم القيامة.","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>قتل الخوارج</span>\nثم ذكر قول النبي ﷺ في الخوارج: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم)، وهذا من أدلة دقة فقه الشيخ ﵀، والشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب فقهه قريب من فقه البخاري في عمق ودقة الاستنباط بعبارة وجيزة وإشارة وجيزة، فسياقه لهذا الحديث على هذا الوجه والاختصار يقصد به أن البدعة أغلظ من كبائر الذنوب، والدليل: أن النبي ﷺ أباح قتل الخوارج لبدعهم، ومع ذلك لم يجز قتل أمراء الجور؛ لأن عملهم من أنواع المعاصي وليس من أنواع البدع، فالجور عظيم والظلم عظيم، ومع ذلك أمرنا بألا نقاتل أمراء الجور والظالمين في حين أننا أمرنا أن نقاتل الخوارج؛ لأن الخوارج أصحاب بدعة، ولأن الظلمة وأئمة الجور أصحاب معاصٍ، وهذا دليل على أن البدعة أعظم من المعصية، ولذلك جاز قتل المبتدع ولم يجز قتل صاحب الكبيرة إلا لموجب شرعي.","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>السنة الحسنة والبدعة الحسنة</span>\nثم ذكر حديث جرير: (أن رجلًا تصدق بصدقة ثم تتابع الناس)، والحديث يمثل قاعدة عظيمة من قواعد الشرع: (أن من سن سنة حسنة)، أي: من عمل بسنة من سنن الإسلام؛ لأنه لا يمكن أن تكون سنة حسنة إلا والإسلام جاء بها؛ لأن الله ﷿ أكمل الدين، والعكس: (من سن سنة سيئة)، يعني: ابتدع بدعة، (فعليه وزرها ووزر من عمل بها)، وهذا الحديث يقلبه أهل الأهواء بالاستدلال على مشروعية البدع، وقالوا: إن البدع الحسنة مشروعة، بدلالة هذا الحديث، وأنها تدخل في السنة الحسنة، فمن ابتدع صلاة أو تسبيحًا أو صدقة أو نحو ذلك مما لم يشرع فكل ذلك داخل في الحسن، فيكون ابتداعه من السنة الحسنة، ولا شك أن هذا قلب للحقائق؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لما فرق النبي ﷺ بين النوعين.\nوأيضًا: أن السنة الحسنة لا يمكن أن تكون حسنة إلا وقد أقرها الشرع، فإذا أقرها الشرع فالأصل أنها مشروعة، لكن الإنسان قد يبدع في الوسيلة، فمن سن سنة حسنة، أو وسيلة تؤدي إلى أمر مشروع، وعلى سبيل المثال: المؤسسات الخيرية كلها من السنة؛ لا بذاتها وإنما لأنها أدت إلى العمل بالسنة، والعمل بمقتضى الإسلام بتعاون المسلمين، ومن التعاون على البر والتقوى، ومن نشر المبرات والخيرات بين الناس، والعلم النافع والصدقات وتعاضد المسلمين بينهم.\nإذًا: الوسيلة المؤدية إلى تطبيق السنة تعتبر سنة حسنة، ولذلك فإن كل من أحدث مشروعًا خيريًا انتفع به المسلمون وصار فيه قدوة فقد سن سنة حسنة؛ لأنه جاء على مقتضى السنة.\nوأيضًا: قد يرد أن السنن تنسى أحيانًا ويغفل عنها، فمن أحياها فقد سن سنة حسنة، والدليل على هذا ما في الحديث نفسه: (أن رجلًا تصدق بصدقة)، والصدقة من السنن التي سنها الله وسنها رسوله ﷺ.\nإذًا: هذا الرجل إنما عمل عملًا أدى إلى دفع الناس إلى العمل بالمشروع، فعمله الذي هو سنة حسنة من أداء الصدقة، وفعل الصدقة، فهو قام بوسيلة إلى عمل الخير، ولم يحدث عملًا جديدًا، ولم يكن هو المشرع للصدقة، أو ابتدع حكمًا شرعيًا لا في العقيدة ولا في الشرع، إنما عمل بمقتضى ما أمر به الله وأمر به رسوله ﷺ على وسيلة أو بفعل كان فيه قدوة، وكذلك بقية النصوص: (من دعا إلى هدى)، ثم قال: (من دعا إلى ضلالة) والمعنى واحد.","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>احتجاز التوبة على صاحب البدعة</span>\nأما المقطع الثاني فيما يتعلق باحتجاز التوبة على صاحب البدعة، فقد فسره الإمام أحمد وفسره سائر السلف، فلا يقصد بذلك أن صاحب البدعة لو تاب أن الله لا يتوب عليه، بل العكس فالله ﷿ يتوب على المشرك وعلى من هو أعظم من صاحب البدعة ذنبًا، لكن القصد بقول السلف: (إن الله احتجز التوبة)، أي: لا يوفقه للتوبة، ولذلك أسباب، منها: أن صاحب البدعة يزين له سوء عمله، فيتوهم أن عمله حسن وليس بحسن، والإنسان إذا توهم أن عمله حسن لا يتطلع إلى أن يخرج من هذا العمل أو يتوب منه، بل يتمسك به، كما قال الله ﷿: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر:٨]، وهذا من عدم التوفيق من الله ﷿.\nإذًا: ليس المقصود كما يفهم بعض من أثار هذه الشبهة وقال: إنهم يزعمون أن صاحب البدعة لا تقبل له توبة، وهم ما قالوا: لا تقبل له توبة، وحتى لو قالوا هذه العبارة فلا يقصدون أنه لو تاب لا يتوب الله عليه، وإنما يقصدون أنه لا يوفق للتوبة، وهذا أمر مستفيض عند السلف، وليس من الأمور التي اخترعوها من عند أنفسهم، بل هذا هو مقتضى النصوص، ومقتضى استقراء الواقع، ويندر أن صاحب بدعة يتوب، خاصة دعاة البدع، أما الأتباع والهمج والرعاع فهؤلاء ليس لهم حكم؛ لأن قلوبهم ليست مؤصلة للبدعة، بل فطرهم وقلوبهم قابلة للحق، فمتى ما سمعوا بالحق رجعوا إلى الحق، وهذا لا يسمى أصالة صاحب بدعة، بل هذا تابع، لكن القصد هنا هم الزعماء والكبار والمنتفعون بالبدع أو رءوس البدع والدعاة إليها، فهؤلاء لا يوفقون، ولذلك لا نسمع في تاريخ الافتراق والأهواء والبدع بأن أحدًا رجع من هؤلاء الرءوس إلا ما لا يتجاوز العشرات إذا بالغنا في التمحيص، وإلا فلا نعرف من مشاهير أهل البدع والأهواء الدعاة القائمين على البدع ما يزيد على أصابع اليد الكبار، مثل الأشعري والجويني والرازي والغزالي ومن يشابههم، فهؤلاء من كبار أئمة أهل الكلام، ومن دعاة البدع والمؤصلين للبدع، فهؤلاء تابوا ورجعوا لكنهم ندرة، ولهم من الفضل والعلم والفقه ما جعل الأمر يكون سببًا لتوبتهم؛ لأنهم ليسوا من أهل الإصرار الكامل، كانوا رواد حق، والله أعلم أن نياتهم صالحة رغم ما وقعوا فيه من أخطاء، وكانوا يعظمون العلم الشرعي والدين، ولهم من الفضائل ما يتوقع أنهم يوفقون للتوبة، لكن هؤلاء ندرة وقلة.\nأما قول النبي ﷺ: (يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون إليه)، فهذا أحسن وصف لأهل الأهواء، وهو من الدلالات الظاهرة على ما قال به السلف من أن الله احتجز التوبة على صاحب البدعة.\nإذًا: ليس قولهم -أي: قول السلف بأن صاحب البدعة لا يتوب- جاء من فراغ، إنما جاء من الاستدلال بمثل هذا النص، ومن استقراء الواقع.","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الأسئلة</span>","vol":"6","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>جنس البدع أعظم من جنس الكبائر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قولك: إن البدعة أشد من الكبائر، هل تقصد جميع أنواع البدع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أقصد أن جنس البدع أعظم من جنس الكبائر، وإلا فقد يكون بعض مفردات البدع أهون من الكبائر، فالبدع الصغيرة صنف منها هي أهون من ارتكاب الفواحش والكذب ونحو ذلك، لكن القصد الجنس، وعموم البدع لا شك أنها أعظم من الكبائر؛ لأن من البدع ما هو شرك وكفر، والبدع المغلظة أيضًا أشد من الكبائر، حتى إن بدع أهل الافتراق الذين يدخلون في عموم الأمة وأهل القبلة بدعهم أشد من مخالفات أصحاب المعاصي والكبائر.","vol":"6","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>تكفير الخوارج</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  بوب الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن البدعة أشد من الكبائر، ثم ذكر الخوارج، فهل يرى الشيخ تكفيرهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، ما يلزم أنه يرى تكفيرهم، والذي أعرف أن الشيخ لا يرى تكفيرهم عمومًا، والخوارج ليسوا كفارًا، ولكنهم من أهل البدع، ولا يلزم من قتال المبتدع أن يكون كافرًا، ولذلك قاتلهم الصحابة وعلى رأس الصحابة علي بن أبي طالب ﵁، ولما سئل عنهم، قال: هم إخواننا بغوا علينا، ثم قيل له: أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا، فينبغي أن نفهم أنه لا يلزم من القتال الكفر، فقتال أهل البغي والخارجين عن الإمام وقد يكونون من الصالحين، لكنهم تأولوا ويقاتلون، ولذلك جاء عن النبي ﷺ كما في صحيح مسلم وغيره أن من خرج على إمام له بيعة وله عهد أو خرج عن الجماعة فإنه يقاتل كائنًا من كان، وإن كان ظاهره الصلاح، فأمره إلى الله ﷿، وأيضًا أهل الذنوب الذين تقتضي ذنوبهم قتلهم مثل المرجوم الزاني إذا استحق الرجم، فهذا لا يخرج من الملة وإن قتل في ظاهر الأمر قتلة فيها نوع من التعزير الشديد، لكن لله في ذلك حكمة بالغة.\nفهذا علي ﵁ والصحابة معه اجتهدوا في تنفيذ القتل متى يكون، وكأن الإمام عليًا والله أعلم وتخصيص علي بالإمام دون بقية الصحابة هذا من سمات الرافضة والشيعة، فهو خليفة من الخلفاء الراشدين، والمهم أن علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة الذين قاتلوا الخوارج كانوا يرون أن قتالهم محل خلاف، لكن علي الذي هو إمام المسلمين في ذلك الوقت، كان لا يرى قتالهم حتى يحدثوا ويقاتلوا، وهذا ظن غالب عندي، أنه يقصد أننا لا نتحقق من بدعتهم حتى يعملوا بمقتضاها، لأننا لا نستطيع أن نلزمهم بأنهم ارتكبوا بدع التكفير، لأنه قد يكون قول بعضهم، أو لهم في التكفير معاذير لجهل أو تأويل نحو ذلك، فلما قاتلوا عليها تبين إصرارهم على بدعة التكفير التي هي فعلهم للقتال واستباحهم للدم، ودليل على أن هذه البدعة تعمقت فيهم، وأنها ليست مجرد عوارض أو قول البعض، بل هي إجماعهم وقد اتفقوا عليها، فمن هنا استباح علي قتالهم؛ لأن بدعتهم ظهرت وتأكدت من خلال أفعالهم، أما الأحاديث فهي مطلقة، فبعضها رد في الخوارج القدامى، وبعضها في الخوارج المتأخرين الذين ذكرهم النبي ﷺ في حديث البخاري وغيره: (سيخرج في آخر الزمان أناس حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، -ثم سرد صفاتهم والقول فيهم إلى أن قال:- فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن لمن قتلهم الجنة)، فهذا الذي جاء في سياق الحديث هو في خوارج يخرجون في آخر الزمان، وهم على القول الراجح في كلام كثير من المحققين من أهل العلم أنهم غير الخوارج الأولين؛ لأن هؤلاء جاءت فيهم نصوص، وهؤلاء جاءت فيهم نصوص، وكلهم خوارج.\nإذًا: قتل الخوارج لا يدل على خروجهم من الملة، ولا أن بدعتهم بدعة مكفرة.","vol":"6","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>الفرق بين الشرك والكفر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين الشرك الأكبر وبين الكفر الأكبر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الشرك الأكبر هو صنف من أصناف الكفر الأكبر، والكفر الأكبر أشمل من الشرك؛ لأن الكفر قد يكون بغير شرك مباشر، فقد يكون بترك أعمال الإسلام، أو بالإعراض عن الدين، أو الاستهزاء بالله ﷿، أو الاستهزاء بالرسول ﷺ، أو إنكار معلوم من الدين بالضرورة، فهذا كفر، لكن ليس له صورة الشرك، فعلى هذا يكون الشرك نوعًا من أنواع الكفر الأكبر، والكفر الأكبر يشمل الشرك وغيره.\nوالله أعلم.\nأما الأمثلة على الشرك الأصغر، فمنها الرياء، والسمعة، وهذا من أوضح أمثلة الشرك الأصغر، والرياء هو الخلط في أمر يجب الإخلاص فيه للخالق ﷿، وسواء كان قلبيًا أو من أعمال الجوارح، فيجب أن يخلص لله ﷿، وهذا الرياء فيما إذا كان لم يصل إلى صرف العبادة لغير الله، فإذا صرفت العبادة لغير الله صار شركًا، أما إذا كان مجرد مراعاة الخلط في عمل يجب أن يكون فيه الإخلاص لله ﷿، فيكون من الرياء الأصغر، وصوره كثيرة، وأبرزها الرياء والسمعة، والله أعلم.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"6","page":10},{"text":"شرح كتاب فضل الإسلام <span data-type=\"title\" id=toc-40>[٧]</span>\nدين الإسلام هو الحنيفية السمحة دين إبراهيم ﵇ ووصيته، فمن رغب عن هذه الملة فقد سفه نفسه، وهو دين اليسر والسماحة، فلا إفراط فيه ولا تفريط، ولا غلو ولا تنطع، ومن يسره وسماحته أن شرع الله تعالى الرخص لأهل الأعذار، ولم يكلف نفسًا إلا ما تطيق وتستطيع، وهذا كله يدل على فضل الإسلام وهيمنته على سائر الأديان.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المحاجة في إبراهيم والرغوب عن ملته ودينه</span>\nقال رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران:٦٥]، إلى قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة:١٣٠]].\nقبل أن نتجاوز الآيتين أحب أن أقف بعض الوقفات؛ لأن الأحاديث والآثار التالية تحتاج إلى كلام مستقل.\nذكر الشيخ أن من خصائص الإسلام أنه المهيمن، وأنه الحنيفية ملة إبراهيم، وأنه وصية إبراهيم ﵇، وأن من رغب عن هذه الملة فإنه قد وقع في السفه، وأن محاجة أهل الكتاب ودعواهم على المسلمين في كثير من الأمور في نسبتهم إبراهيم إليهم، ودعواهم أنهم أتباعه وأنه حجة على العرب، وأن النبوة لا تكون إلا في ذرية إسحاق ونحو ذلك من الأمور التي ادعوها، فإن الله ﷿ قد أقام عليهم الحجة بأن ما يقولونه ليس عندهم فيه سند؛ لأن سندهم التوراة والإنجيل، والتوراة والإنجيل إنما أنزلت بعد إبراهيم ﵇، وليست ملغية للحنيفية؛ لأن التوراة والإنجيل كانت في بني إسرائيل، وملة إبراهيم كانت في قومه عامة، منهم أبناؤه هؤلاء وغيرهم، وكانت في بني إسرائيل وبني إسماعيل، وملة إبراهيم عامة وشاملة، وليس فيها حجة لبني إسرائيل -اليهود والنصارى- ولذلك فإن الله ﷿ جعل ملة إبراهيم هي ملة لجميع أهل التوحيد من بعده: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٢٧]، ومن ذلك ما جاء به النبي ﷺ؛ فإن محمدًا ﷺ من ذرية إبراهيم، وكتابه في ذرية إبراهيم القرآن، إنما هو في ذرية إبراهيم، فليس لهم حجة ولا أن يحتكروا ديانة إبراهيم أو يزعموا أنها لهم أو أنها فيهم، أو غير ذلك مما ادعوه، فمن فضل الإسلام أنه جمع بين خصائص ملة إبراهيم التي من ضمنها الديانات التي جاءت بعدهم، وأيضًا من خصائص الإسلام أنه جاء لجميع البشرية.","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>الإسلام دين السنة والفطرة</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وفيه حديث الخوارج وقد تقدم.\nوفي الصحيح أنه ﷺ قال: (إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما أوليائي المتقون)، وفيه أيضًا عن أنس: (أن رسول الله ﷺ ذُكر له أن بعض الصحابة قال: أما أنا فلا آكل اللحم، وقال الآخر: أما أنا فأقوم ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال الآخر: أما أنا فأصوم ولا أُفطر، فقال ﷺ: لكنني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني) فتأمل إذا كان بعض الصحابة لما أراد التبتل للعبادة قيل فيه هذا الكلام الغليظ، وسمي فعله رغوبًا عن السنة، فما ظنك بغير هذا من البدع، وما ظنك بغير الصحابة؟].\nفي هذه الأحاديث فوائد تتعلق بأصل الكتاب وما تفرع عنه من الأمور التي ذكرها في الأبواب السابقة، والتي سيعيدها فيما بعد أيضًا.\nويريد الشيخ بسياق هذه النصوص أن يبيّن أن من فضل الإسلام أنه دين السنة ودين الفطرة، وأن الإسلام يتميّز بأنه نقي صافٍ وأنه البيضاء التي أمر النبي ﷺ بسلوكها لا يزيغ عنها إلا هالك، وأن البدع والمحدثات ليست من الإسلام، وأن الذين وقعوا في البدع والمحدثات في الدين وخالفوا السنة فمخالفتهم طعن في أصل الدين وفي أصل تمام الدين، وأن الله ﷿ ميّز الإسلام بالحفظ وبالكمال بحيث لا يحتاج إلى تجديد أو ابتداء، كما أن الله ﷿ ميّز الإسلام بالشمول.\nوالشيخ ﵀ بدأ الأحاديث بقول النبي ﷺ: (إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما أوليائي المتقون) يشير بذلك إلى أن الإسلام يتضمن ولاية الله، وأن المسلم ولي لله، وأن شرط هذه الولاية هي التقوى، فلا تنال ولاية الله إلا بالتقوى والعمل الصالح، وهذا من خصائص الإسلام أنه لا تصح فيه دعوى التقوى إلا بأن يظهر ذلك على أمر المسلم وفي قلبه، وأن هذا يعني أن الإسلام من كماله أنه يشمل صلاح القلوب وصلاح الأعمال، وأنه ليس مجرد دعوى، فالإنسان لا ينال ولاية الله ﷿ بالدعوى.\nثم ذكر الحديث الذي فيه قصة بعض الصحابة الذين مالوا إلى التبتل تعبدًا لله، هؤلاء الذين أرادوا أن يحرموا أنفسهم أو يشددوا على أنفسهم في بعض الأمور ما ورد على أذهانهم مسألة الابتداع، إنما الذي كان يرد على أذهانهم صريحًا أنهم أرادوا أن يعبدوا الله ﷿ على أصول موجودة في الدين، لكن على غير ما أمر به الشرع تفصيلًا، أي: أنهم أخذوا بمجملات الدين لكن على غير ما شرعه الرسول ﷺ على جهة التفصيل؛ وهذا يدل على أن الدين لا بد أن يؤخذ جملة وتفصيلًا، فلا يقال: إن مبدأ الصيام مطلوب شرعًا، فأنا إذًا أصوم الدهر كله! نقول: إن جنس الصيام مطلوب شرعًا في الجملة، لكن لا يجوز أن تصوم أو تشرع صيامًا على جهة التفصيل إلا بأمر شرعي.\nحتى ولو كان يومًا واحدًا تتعبد به دون أن يكون لهذا اليوم أصل شرعي؛ لأن العبادات توقيفية لا يجوز للمسلم أن يزيد فيها ولا ينقص، ومنها ما هو مقيد ومنها ما هو مطلق، والمطلق له ضوابط أيضًا، فالنوافل بعضها مطلقة، لكن إطلاقها يكون وفق ضوابط شرعية لئلا يتعبد الإنسان بوقت دائم ويشرعه للناس، وأن لا يزيد في الصلاة بما يشغله عن واجبات أخرى، أو عن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك.\nفهؤلاء الصحابة الذين فعلوا ما فعلوا كان قصدهم الخير وكانوا ينهجون على أمور لها أصل في الإسلام، لكنهم شرّعوا تشريعًا تفصيليًا لم يرد به الإسلام بل يتنافى مع قواعد أخرى للشرع، فصيام الدهر لا شك أنه يؤدي إلى الإخلال بواجبات أوجبها الله ﷿ على المسلم، والتبتل وترك الزواج يؤدي إلى ترك أمر أوجبه الله على العباد وهو التناسل، والحقوق المتبادلة بين الناس والرحم وغير ذلك، والقيام دائمًا يحجب الإنسان عن أن يقوم بواجبات سائر النهار؛ لأنه إذا سهر الليل للقيام فلا بد أن يأخذ قسطه من النوم كسائر البشر، فهذا يؤدي إلى الإخلال بواجبات أوجبها الله عليه من طلب المعاش، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومعايشة أمور الناس ومخالطتهم على وجه شرعي.\nإذًا: هناك نتيجة نستفيدها عند تطبيقنا على مناهج الناس وهي: أنه تبين بالاستقراء أن الكمل من الرجال أولو العزائم ليسوا هم الذين يتفرغون للعبادة، ولا لنوع واحد من أنواع الطاعات والقربات، وليسوا هم الذين يقبلون على الدين ويهجرون الدنيا، أو يعتزلون الناس تعبدًا لله، مع أن هذه المناهج فردية قد يُمدح بعض الناس فيها، لكن ليست هي الأمثل للمنهج السليم في اقتفاء السنة، لأن اقتفاء السنة يقتضي أن المسلم يعبد الله ﷿ ويقوم بالفرائض والنوافل على الوجه الذي يناسب حاله وواجباته ووقته ثم يقوم بالأمور الأخرى، بمعنى أن يسد عملًا من أعمال المسلمين بحسب قدرته واستطاعته، وبمعنى أن يسد حاجة نفسه ومن حوله في أمور الدنيا فلا يبقى عالة على الآخرين، وأن يسهم في أعمال الخير ويسابق إليها جملة","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>الشمولية في تطبيق الدين وأحكامه</span>\nولذلك فإن الأفضل من صحابة رسول الله ﷺ الذين اكتمل فيهم معنى الدين بعد النبي ﷺ، واكتملت فيهم معاني القدوة، نجدهم ليسوا ممن ينزع إلى العبادة فحسب، أو إلى الجهاد فحسب، أو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فحسب، أو إلى الدنيا وإن صرفها في سبيل الله فحسب، بل تجد الكُمّل النماذج والطراز الأول والرعيل الأول والقدوة الذين هم الأئمة أولو العزم من الرجال، هم الذين تتكامل شخصياتهم في العبادة والعمل في الدين والدنيا، في العمل الفردي والعمل الجماعي الذي يشاركون فيه الأمة، الأنموذج هم الأئمة والخلفاء الأربعة الراشدون، كل منهم إذا نظرنا إلى حاله وجدناه قمة في العبادة، وإذا نظرنا إلى عمله وجدناه قمّة في أمور إدارة دنيا الناس، وكلهم تولوا الخلافة الراشدة وأداروا بالفتح الدين والإسلام والمسلمين على وجه نادر في التاريخ، وكلهم لهم في الدنيا نصيب، فمنهم من هم أصحاب تجارة كـ أبي بكر وعثمان، وما ألهتهم تجارتهم عن العبادة ولا عن القيام بالجهات الأخرى، وفي الجهاد نجدهم كلهم من المبرزين، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نجدهم كلهم من المبرزين، وفي أعمال الخيرات والمسابقة إليها نجدهم كلهم من المتسابقين والسابقين لغيرها على ما بينهم من تفاوت، ولا يستطيع مسلم أن يكون مثلهم، لكن يجب ألا نغتر بما يلجأ إليه بعض أصحاب الأهواء والبدع من النزوع إلى أخذ خصائص بعض الصحابة وجعلها هي المنهج فقط، فمثلًا: المتصوفة زعموا أن منهج أهل الصفّة هو المنهج الذي يجب الأخذ به، مع أنهم ما نهجوا منهج أهل الصفّة، فأهل الصفّة لهم ظروفهم وأحوالهم وهم فقراء من مساكين المسلمين، لكن مع ذلك كانوا يجاهدون، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إلا أنهم مع ذلك اشتهروا بأنهم أكثر الناس تفرغًا للعبادة؛ لأنه لا يشغلهم شاغل ولا يوجد عندهم وسائل للدنيا، فكذلك نجد من يسلك مسلك المراء والجدل والكلاميات يدّعي أن أمثال علي بن أبي طالب ﵁ وابن عباس أصحاب جدل ومناظرات، وليس الأمر كذلك، فما كانت هذه صفاتهم، بل كانت هذه أمورًا عارضة يحتاجونها عند الضرورة والحاجة وأيضًا فإن بعض الصحابة لهم خصائص أخرى لكن نجد أنهم في الأمور الأخرى التي ليست من خصائصهم ما نعرف أن لهم إسهامًا مثل إسهام الآخرين، فمثلًا: خالد بن الوليد ﵁ اشتهر بالشجاعة والبراعة في الجهاد والقتال، فهذا من خصائصه لكن لم يكن له في الفقه كبير موقف، ولا يعني أن هذا لا يقدر، لكن أشغله الجهاد، فإذًا: الكمال ندرة في الرجال، وهذا المنهج هو الذي نعتبره المنهج الأمثل، سواء استطاع كل واحد منا أن يصل إليه أو لم يستطع؛ لأن أغلب الناس لا يستطيعون أن يكونوا على هذا المستوى، لكن يجب أن نعلم نظريًا ومنهجيًا أن هذا هو المنهج الأمثل وأن نسعى إليه، وإلا فمن المعلوم أنه لا يستطيع كل واحد منا ولا أكثرنا، وربما أننا على وضعنا الحاضر لا نستطيع أن نكون مثل هؤلاء أو قريبين منهم، لكن يجب أن نسعى إلى الأمثل، بمعنى أن نعرف أن نهج الشخصية المسلمة التي تتمثل به القدوة هي الشخصية المتكاملة، وأن هذا هو النهج الذي يدعى إليه الناس، وهو نهج الأئمة الذين يقتدى بهم في الدين، وعلى هذا قيسوا على مدار التاريخ كبار التابعين، الأئمة الأربعة، الدعاة المشاهير في التاريخ، وفي المعاصرين على سبيل المثال الإمام الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ تجده في كل عمل يستطيعه له إسهام، في العلم ونشره لا يبارى، وفي الاجتهاد والفقه والأحكام لا يبارى، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يضاهيه أحد، وفي النصح للمسلمين عامتهم وخاصتهم لا يضاهيه أحد، وفي رعاية أحوال المسلمين من الأيتام والأرامل والمساكين لا يضاهيه أحد في عصره، وفي إغاثة المسلمين في الخارج والاهتمام بشئون المسلمين والأمة جميعًا والسبق إلى الأمور الإغاثية لا يضاهيه أحد، وفي الاهتمام بالأقليات في أقصى الدنيا لا يضاهيه أحد، وفي تفقد أحوال المسلمين حتى خارج هذه البلاد أفرادًا وجماعات، مثل المستضعفين والمساكين والعجائز والمرضى لا يكاد يضاهيه أحد، وفي نصرة المظلومين عندما يصل الظلم إلى أقصاه لا يضاهي منهج الشيخ أحد، وتعرفون أنه حينما حدث لبعض طلاب العلم وكادوا أن يُقتلوا في بعض البلاد الإسلامية وحُكم عليهم بالقتل، فالشيخ فزع واتصل بالمسئولين حتى أنقذهم الله على يده، ولم يكتفِ بذلك بل دعاهم بأن يأخذوا عمرة ثم يزوروه في بيته، لما أنقذهم الله على يديه، وغير ذلك من القصص العجيبة التي تدل على كمال الشخصية فيه، فلا تجد الشيخ يدرك بابًا للمعروف إلا ويسلكه وهذه من كرامات الله له.\nولو تأملنا كثرة أشغال الشيخ في أمور المسلمين الخاصة والعامة، وتأملنا عملًا واحدًا من أعماله لقلنا: هذا يكفي لإتعاب مئات الرجال بل لا أشك ولا أُبالغ حينما أقول: إن بعض أعمال الشيخ في جانب الإغاثة فقط تُعادل عمل مؤسسات","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>الأسئلة</span>","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>الاقتصار على جانب واحد مما ينفع الإسلام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما رأيك فيمن يقول: إن القيام بجانب واحد من أمور نفع الإسلام أجدى وأنفع من الجوانب المتنوعة؛ لأن في ذلك تركيزًا للجهود؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا صحيح لبعض الناس ومن بعض الوجوه، وهناك فرق بين المنهج وبين التطبيق، فحينما نتحدث عن المنهج الأمثل في الإسلام لا بد أن نعترف ونقر بأن المنهج الأمثل في الإسلام لمن يستطيعه هو الشمولية والعمومية، لكن عند التطبيق نجد أن بعض الناس لا يستطيع أن ينفع بأكثر من نفع واحد، فقد تعطيه مهمة واحدة يشتغلها، وإذا أعطي أكثر من مهمة يرتبك، فهذه قدرات ولكن ليس له دخل في المنهج، ولذلك حتى الصحابة ﵃ وهم الجيل الأول والكمّل قد لا يستطيع الفرد الواحد أن يعمل إلا عملًا واحدًا، ومنهم من برّز في شيء ولم يبرّز في أشياء، وليس معناه أنه مقصّر، بل هذه استطاعته، كذلك بالنسبة للتطبيق وبالنسبة للعمل في الدين والإسلام سواء العمل الواجب على كل فرد أو الأعمال التطوعية، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وينبغي أن نحمد هذا ونحمد هذا، والإنسان الذي يعمل بعمل واحد ويتمه ولا يستطيع أن يعمل أكثر منه، يُحمد على ذلك وربما لا يقل أجره عن أجر ذاك الذي يعمل أصنافًا من الأنشطة أو غيرها، فربما كان أجر هذا أكثر من أجر ذاك.\nإذًا: يجب أن نفرّق بين أمرين: بين مسألة المنهج عندما نرسم القدوة لأجيال المسلمين، نبيّن لهم أن القدوة كذا وكذا، ولا نجعل القدوة في أمر جزئي يصرف الناس عن الواجبات الأخرى، والذي جعل بعض الجماعات الإسلامية وبعض المراكز وبعض الهيئات وبعض الاتجاهات يعمل بعمل واحد ويخطئ الآخرين، مثل بعض الشباب الذين يدّعون السلفية لا يهمهم فقط إلا قراءة علم الحديث، وإذا قرأت في الفقه فأنت قد خرجت عن منهجهم، وإذا اعتنيت بالعقيدة فأنت قد خرجت عن منهجهم، وإذا عملت بنشاط عملي للناس في أنشطة مدرسية أو مؤسسية أو مراكز صيفية، فتكون عندهم قد خرجت عن المنهج، وهذا غلط بل المفروض أن يحمدوا لهذا عمله ويشجعونه، وقد يكون الواحد ليس عنده استيعاب للعلم الشرعي ولا يستطيع ذلك وحتى يقرأ الحديث قراءة متخصصة، لكنه يعمل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا نقل: إنه مقصّر! لا، نقول: جزاك الله خيرًا، وهذا عملك، إذًا: يجب أن نعرف أن الناس تختلف قدراتهم كأفراد، فالذي يقدر على الكمال ولا يسعى إليه مقصر، والذي يسعى إلى الكمال ولا يستطيعه هذا مفرط، فينبغي أن نبيّن له أنه كما قال الخليل بن أحمد للأصمعي حينما أراد أن يتعلم العروض، وهو إمام ترجع الأمة إليه إلى الآن قال له بيتًا: إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع فعرف وأدرك أنه يريده، فخرج، فهذا عالم ولا يضره هذا، ولا يضر ذلك في قدره ولا في أجره عند الله ﷿، فالأجور عند الله لا يعلمها إلا هو ﷾.\nويبدو لي من خلال السؤال أن هناك فرقًا بين أن نرسم المنهج الأمثل وبين واقع الناس، لأن الناس حسب مقدراتهم، وكل من عمل خيرًا وهذا ما يستطيعه نقول: جزاك الله خيرًا، ونشجعه ونؤيده، حتى لو ما عمل إلا أدنى المعروف الذي أوصى به من وصايا، فينبغي أن نفهم هذا وذاك لئلا نخلط.\nفمن الخطأ الفادح والخلل الذي أوقع شبابنا في ربكة وجعل كثيرًا منهم لهم جهود في الخير ولكن يكون عندهم نوع من الاضطراب الآن هو خطأ كثير ممن ينتسبون إلى الدعوة والعلم في تبصير الناس وقصرهم الخير على باب واحد، ويخطئون من يعمل بغير هذا الباب، ويجعلون ما يجيدونه هم هو الأنموذج بأمر قد لا يريده بعض الناس الآخرين، والناس يتفاوتون، فمنهم من لا يفهم إلا فهمًا بسيطًا، ومنهم من لا يعمل إلا عملًا بسيطًا، ومنهم من يستطيع أن يصدر عن عمله ويشغل الأمة، وفرق بين هذا وذاك، وبعض الناس ينفع نفسه ويكف شره عن الناس، فهذا على خير عظيم، وبعض الناس خير كله، تجده معطاء، فلا نجعل الناس كلهم على درجة واحدة، إنما المنهج ينبغي أن يكون هو المنهج الشامل وهو منهج السنة.","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>التخصص في العلوم الشرعية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما رأيكم فيمن يدعو إلى التخصص في العلم الشرعي وفي العمل الإسلامي عمومًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا نطلق ولا نحجر، فالتخصص في العلم الشرعي إذا كان لا يستطيع الإنسان أن يكون عنده شمولية فلا حرج فيه، ولكن ينبغي ألا يجهل البدهيات في العلوم الأخرى، فمثلًا: يركز على التخصص في الحديث ويجهل الفقه والعقيدة هذا أو في منهج الاستدلال هذا لا يصح، لكن ينبغي أن يؤسس شخصيته العلمية على أصول العلوم الشرعية، مثل القرآن وعلومه وتفسيره، والحديث وعلومه ورجاله، ثم العقيدة وما يتفرع عنها من الأصول الضرورية، ثم الفقه وأصوله، ثم اللغة العربية فهذه العلوم لا بد أن ترتكز عليها قاعدة طالب العلم، ولا بد أن توجد مثل الأسس للبيت، فأنت إذا أسست البيت لا بد أن تؤسس قواعده، فإذا انتهيت من القواعد تشكل البيت حسب حاجتك وهذا راجع لك، لكن لا بد أن تكون الأسس قوية ومتينة بحيث لو احتجتها تجدها على أصول شرعية.\nفلذلك لا حرج في هذا ولكن لا يحجر أحد على أحد خاصة في العلوم الشرعية التي ينفع الله بها، لكن من استطاع أن يكون شموليًا في العلم الشرعي فهذا هو المطلوب الإمامة في الدين لا تكون للأمة إلا من العلماء الراسخين وليس المتخصصين، والمتخصصون يكفل بعضهم بعضًا، ولذلك لو أردنا أن نناقش قضية من النوازل الحديثة المتشابكة، يكون فيها جانب طبي وجانب هندسي وجانب كذا وآخر، فأردنا أن نبحث فيها فلابد أن نأتي بالمتخصصين كلهم ويعطونا خلاصة عن التخصص، ولكن الذي يفتي فيها هو العالم، وكذلك القضايا الشرعية الأخرى لو افترضنا أننا الآن ليس عندنا عالم شمولي، وأتت قضية من القضايا العلمية التي تحتاج أن نرجع فيها للتفسير والحديث والفقه والعقيدة واللغة العربية، فهذا يتأتى في كثير من قضايا الشرع، لأن كثيرًا من القضايا الشرعية تحتاج إلى التخصصات فلو فرضنا أننا احتجنا قضية من القضايا الخطيرة التي لا بد فيها من تكامل هذه التخصصات، وليس عندنا عالم شمولي، فلا بد أن نأتي بأربعة أو خمسة كل في تخصصه، وهنا تدركون خطأ التركيز على التخصصات، فالتخصصات مفيدة لكن بشرط أن يوجد عندنا مرجعية وأن نركز على أنموذج من طلاب العلم ننمي فيهم العلم الشرعي الشامل، ولذلك ينبغي أن نستدرك أنفسنا، ونستدرك الحال مع طلاب العلم في أن نشجع الطلاب النابهين للحضور عند دروس المشايخ الشاملة، ولا يقتصر على فن واحد، فإن وجد عند شيخ من المشايخ الشمولين وإلا فينبغي أن ينوع، فيحضر عند هذا الشيخ درسًا وعند الآخر الدرس الثاني، حتى نخرج شخصيات متكاملة، ولذلك أقول: الأمة مقبلة على كارثة في هذا الجانب، فمسألة طلب العلم صارت تخصصات، فإذا ذهب هذا الجيل الذي بقي منه حبيبات الجيل التخصصي الشامل جيل الراسخين في العلم ماذا ستتصورون؟ وعندنا علماء لكنهم ليسوا علماء شمولية، هذه حقيقة خطيرة ينبغي أن نشجع طلاب العلم الذين يأخذون من عموم المشايخ ونركز على أن يطلبوا العلم الشمولي.\nكما نحثكم على قراءة كتاب الحداثة في ميزان الإسلام، وهو كتاب جيد وأثنى عليه سماحة الشيخ ابن باز ﵀.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"7","page":7},{"text":"شرح كتاب فضل الإسلام <span data-type=\"title\" id=toc-47>[٨]</span>\nالإسلام هو دين الفطرة التي هي دين إبراهيم ودين جميع الأنبياء ﵈، وهي تعني إخلاص العبادة لله تعالى دون من سواه، ومن خرج عن الفطرة وتنكب الصراط المستقيم فقد عرض نفسه للعذاب، وليأتين يوم يذاد فيه عن الحوض أقوام بدلوا وغيروا، وارتدوا على أدبارهم، فيقول لهم الرسول ﷺ: سحقًا سحقًا لمن غير وبدل.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>أدلة الفطرة من الكتاب والسنة</span>\nقال رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠].\nوقوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣].\nوعن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (إن لكل نبي ولاة من النبيين، وأنا وليي منهم أبي إبراهيم وخليل ربي، ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٨] رواه الترمذي).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).\nولهما عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إلي رجال من أمتي، حتى إذا أهويت لأناولهم احتجبوا دوني، فأقول: أي رب! أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).\nولهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعد، قالوا: فكيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك؟ قال: أرأيتم لو أن رجلًا له خيل غر محجلة بين ظهراني خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى، قال: فإنهم يأتون غرًا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال يوم القيامة عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم، فيقال: إنهم بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا).\nوللبخاري: (بينما أنا قائم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة فذكر مثله قال: فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم).\nولهما في حديث ابن عباس ﵄: (فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة:١١٧])].\nبوب الشيخ لهذا الموضوع بالفطرة: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا» الذي هو دين الفطرة، وقد ذكر وبيّن ذلك من خلال الأحاديث فأراد في هذا الفصل أن يبيّن أن الإسلام هو الفطرة، وأنه هو الحنيفية ملة إبراهيم، وهو وصية إبراهيم ﵇، ثم بدأ الباب بالآية وهي قوله ﷿: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠].\nوالدين القيّم هو الدين المستقيم، دين الله ﷿، وهو ما جاء به جميع الأنبياء بمقتضى هذه الفطرة، سواء في جانب الاعتقاد أو في أصول التشريع، إنما الاختلاف في فروع الشريعة وفي الأحكام التفصيلية، أما في مجملات الدين الذي يتمثل في العقيدة وفي أصول الأحكام وتحقيق الغاية الكبرى من الخلق وهو عبادة الله ﷿، ثم أيضًا تحقيق الأصول الكبرى مثل العدل والفضيلة والصدق والوفاء والأمانة ونحو ذلك هذا كله مقتضى الفطرة وكله جاء به جميع الأنبياء، وهو ملة إبراهيم ومن قبله ومن بعده.","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>معاني الإسلام</span>\nثم ذكر أن ذلك وصية إبراهيم وهو الإسلام في كل زمان بحسبه؛ لأن الإسلام مسمى لهذا الدين الذي أنزله الله ﷿ في كل أمة حسب وقتها وما أرسل الله إليها، ووصية إبراهيم ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢] وهذه الوصية تعني التزام الإسلام كما هو آخر الآية «فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» والإسلام هو دين الله الذي أرسل به جميع الرسل، ثم إن الإسلام يعني جميع ما جاءت به الرسل في أوقاتهم، ومن هنا فإن الإسلام بعد مبعث النبي ﷺ ينطبق على معنيين: المعنى الأول: الإسلام العام الذي هو العقيدة والأصول التي جاء بها جميع النبيين، وهذا أمر لا يختلف فيما جاء به النبي ﷺ عما جاء به غيره من لدن نوح إلى خاتم النبيين كله واحد.\nوالمعنى الثاني: الإسلام بالمعنى الخاص وهو ما يضاف إلى ذلك من الشريعة التي جاء بها النبي ﷺ، والتي هي مهيمنة وناسخة للشرائع السابقة.\nإذًا: فالإسلام بعد مبعث النبي ﷺ إنما يعني هذا المعنى وهو: الإسلام الخاص، ولا يعني ذلك أن نخرج الأمم من مسمى الإسلام، فآدم وذريته مسلمون إلا من انحرف فيما بعد عن الإسلام، ونوح وأتباعه مسلمون، وإبراهيم وأتباعه مسلمون، وبنوه الذين بعثهم الله وجعل النبوة في ذريته ذرية يعقوب وذرية إسحاق وذرية إسماعيل، وأغلب أنبياء بني إسرائيل من ذرية إسحاق، لكن النبي محمدًا ﷺ من ذرية إسماعيل، فهم فيهم النبوة، وكلهم جاءوا بالإسلام، وكلهم وأتباعهم مسلمون، لكن بعدما اندثرت الشرائع وطالها التحريف ووقع أتباعها في الجهل والفرقة والتحريف والتبديل نسخ الله ذلك كله وأبدله بهذا الدين وبهذا الإسلام، فصار الإسلام يعني هذا الإسلام الخاص الذي جاء به محمد ﷺ، ولذلك لا يسع أحد من الناس بأن يدّعي أنه مسلم بمجرد أن ينتسب إلى نبي كما هي الدعوى الحاصلة الآن من رافعي لواء التقريب بين الديانات الكتابية أو ما يسمى بالديانات الإبراهيمية، فإنهم زعموا أن هؤلاء كلهم على الإسلام؛ لأنهم أتباع الأنبياء، وهذا خطأ، بل ضلال مبين، ومن أعظم الضلال والتلبيس، فإنا كما نؤمن بموسى وعيسى ومحمد ﷺ فإنهم كلهم أوصوا باتباع محمد ﷺ إذا بعث، فلا يجوز أن نتبع غيره ولا أن نعترف بالإسلام أو بأن من حاد عن هذا الدين على الحق، لا نعترف لأحد بالإسلام إلا من كان على هذا الدين، ولا أنه على الحق إلا من كان على هذا الدين، وقد أقسم النبي ﷺ بذلك، فقال: (والله لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار).\nثم ذكر قوله ﷿: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣] وهذا في جانب الاعتقاد، أما في الشريعة فإن الله ﷿ جعل لهذه الأمة شريعة خاصة.","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>أولى الناس بإبراهيم ﵇</span>\nثم ذكر حديث ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: (إن لكل نبي ولاة من النبيين، وأنا وليي منهم أبي إبراهيم خليلي وخليل ربي، ثم قرأ قوله ﷿: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٨]).\nويعني هذا أن دعوى بني إسرائيل بأنهم هم أولياء إبراهيم هذه دعوى باطلة، وكذلك دعوى أصحاب القوميات والنزعات القومية العرقية الذين يدعون أن اجتماع العرب واجتماع الأمم ينبغي أن يكون على مثل هذه السلالة، وأن الأخوة بين البشر ينبغي أن تنبني على مثل ذلك، حتى ادعوا أن بني إسرائيل المعاصرين من اليهود إخوة للمسلمين؛ لأنهم كلهم يرجعون إلى إبراهيم ﵇، وهذا خطأ، لأن الله ﷿ إنما أشار إلى أن الولاية للذين اتبعوه ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران:٦٨] لا الذين انتسبوا إليه بالنسب، ومع أننا نلتقي مع بني إسرائيل الذين هم اليهود نسبًا بإبراهيم ﵇، لكن لا يعني ذلك أن هذا هو طريق الولاية، فالولاية لا تكون إلا بالإيمان والتقوى، ولا تكون إلا باتباع ملة إبراهيم التي جاء بها محمد ﷺ «وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» جميعًا، أي: الذين اتبعوا إبراهيم على هذا النهج، وكذلك اتبعوا هذا النبي الذي هو محمد ﷺ، وهذه الآية من الآيات المحكمة في تقرير الولاية وتقرير الولاء للمسلم، فلا يجوز للمسلم أن يوالي إلا على الدين، ولا يوالي على دين إلا على دين الإسلام، وأن الذين ينحرفون عن هذا الدين الذي هو الإسلام ليسوا أولياء لا لإبراهيم ولا لغيره من النبيين، بل النبيون براء منهم، والمؤمنون يجب أن يتبرءوا منهم، ويجب أن يكون هذا الحد من الأمور الواضحة عند كل مسلم، فلا يوالي إلا على الدين، ولا يوالي إلا على النهج السليم الذي هو مقتضى السنة، ولذلك لا تحصل للمسلم ولا لغيره الولاية لله ﷿ إلا بالإيمان، ولا يمكن لأحد أن يدّعي دعوى صحيحة أنه من أتباع إبراهيم ولا من أتباع محمد ﷺ إلا إذا التزم هذا الدين، وهذا يقتضي بالضرورة البراءة من عكس ذلك والبراءة ممن لم ينتسب لهذا الدين الحق.","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>الفطرة هي موافقة العمل الصالح</span>\nثم ذكر حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).\nوهذا يفيد أن المعوّل في الحكم بالصلاح والاستقامة وتحقيق رضا الله ﷿ وتقواه هو التقوى والعمل الصالح، وليس المظاهر ولا الأموال، فالأموال والأجسام والصور يعطيها الله ﷿ جميع العباد المسلم والكافر، إذًا: المعوّل على ما في القلوب والأعمال من الإيمان بالله ﷿ والتقوى والإحسان والاستقامة وسائر الأعمال القلبية التي يتحقق بها الإيمان الحقيقي الذي أراده الله ﷿، وأيضًا الأعمال لا تصح إلا على مقتضى دين الله ﷿.\nفإذًا: الولاية لله لا تكون إلا بذلك؛ لأن معنى قول الرسول ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم) بمعنى أن الله ﷿ لا يبالي بغير ذلك، ولا تنال ولاية الله إلا بالتقوى والعمل.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>مآل من خرج عن فطرة الإسلام</span>\nثم ذكر عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: (أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إلي رجال من أمتي، حتى إذا أهويت لأناولهم احتجبوا دوني، فأقول: أي رب! أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).\nفهذا الحديث ونحوه من الأحاديث المشابهة تعتبر من النصوص التي تشتبه معانيها، ولا بد من ردها إلى نصوص أخرى، والاشتباه آتٍ من أن أهل الأهواء استدلوا بمثل هذا الحديث على أن الصحابة ارتدوا، وهذا استدلال خاطئ ومبني على أن أهل الأهواء لا يردون النصوص إلى النصوص الأخرى، ولا يفسّرون النص بنص آخر، أو يردون النصوص إلى القواعد الشرعية التي تفسرها وتبينها، فإن هذا الحديث وأمثاله جاء على عدة ألفاظ وعلى عدة معانٍ تقتضي أن نفسّر هذا الحديث بغيره، وهذا الحديث لا بد أن يخصص هذه الفئة الذين يرتدون، والمخصص هو الأحاديث الأخرى التي فيها تزكية الصحابة ﵃ وأن الله رضي عنهم، وأن النبي ﷺ توفي عنهم وقد زكاهم وأمر بعدم سبهم، وعلى ذلك فإنا لا بد أن نفسّر الحديث بمقتضى نصوص أخرى كما سيأتي.\nإذًا: الحديث من يعني من فئة أصحاب النبي ﷺ؟ بعض أهل العلم قال: إن هذا فيه إشارة إلى المنافقين ممن كانوا في عهد النبي ﷺ الذين يتظاهرون بأنهم أصحابه، وهؤلاء لا يعلمهم إلا الله ﷿، وبعضهم قال: إن هذا لا يعني الردة، وهو الراجح، وإن وردت في بعض ألفاظه: (ارتدوا) وارتدوا بمعنى تراجعوا أو تركوا بعض الحق لا ارتدوا عن الإسلام، فيحمل الحديث على معنى آخر، وهو أن المقصود به الذين وقعوا في أخطاء عن اجتهاد بعد النبي ﷺ ممن كانوا في وقته لكنهم يذادون عن الحوض فقط، ولا يعني ذلك عدم دخولهم الجنة، فهم يعاقبون بذنوب كسائر الذنوب التي يقع فيها المؤمنون، فهم قد يكونون ممن كانوا في عهد النبي ﷺ وهذا احتمال بعيد، لكن ليسوا من أصحاب الردة أو البدع أو الأهواء والافتراء، إنما ممن وقعوا في معاصٍ أو مخالفات للسنة، فيذادون عن الحوض ولا يشربون لكنهم يدخلون الجنة، وهذا يؤيده القول الراجح في أن الحوض بعد الصراط، ونحن نعلم أن من تجاوز الصراط لا بد أن يدخل الجنة، لكن قد يحصل له قبل دخول الجنة أمور، منها: أن توصد أبواب الجنة أمام الكثيرين من المؤمنين، وأيضًا بعض المؤمنين قد لا يشربون من الحوض عقوبة لهم على ذنوب عملوها، لكنهم نجوا بغيرها فعوقبوا عقوبة جزئية لا تحرمهم من الجنة، لكن تحرمهم من بعض النعيم قبل دخول الجنة، وهذا على احتمال أن المقصود به أناس من أصحاب النبي ﷺ، لكن الاحتمال الراجح والذي يفسره النصوص أن المقصود بـ (أصحاب) هنا الأتباع وليس المقصود بالأصحاب الصحابة، لأن أمة النبي ﷺ كلهم أصحابه وإن كان فسّر ذلك في حديث آخر حينما قال: (أنتم أصحابي) فنقول: إن المقصود هنا بالأصحاب المعنى الخاص، والأصحاب هناك يقصد المعنى العام، ولا شك أن الصحبة لها معنى خاص ومعنى عام، فالأصحاب قد تطلق على الأتباع حتى على مقتضى اللغة العربية، وجاءت بعض الألفاظ الشرعية تدل على أن الأصحاب هم الأتباع الذين هم الأمة، فأصحاب النبي ﷺ هم جملة أمته، وصحابته الذين عاشوا في عصره لهم صحبة أخص؛ فإذًا: المقصود بالأصحاب هنا المعنى اللغوي العام، وهو أنهم من أمته.\nولذلك عندما يأتي مثل حديث أبي هريرة التالي قوله ﷺ: (وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي) فالأصحاب هنا بمعنى الصحبة الخاصة، لكن الإخوان لا يخرجون من المعنى العام للأصحاب، وهذا هو الظاهر على مقتضى القواعد الشرعية واللغة العربية (الذين لم يأتوا بعد، قالوا: فكيف تعرف من لم يأت بعد) إلى آخره، ثم ذكر وصف أمة محمد ﷺ، وأنهم غر محجلون، تظهر آثار الوضوء على جباههم وأيديهم وأرجلهم، وهذه من فضائل هذه الأمة وتدخل في فضائل الإسلام التي أشار إليها الشيخ في العنوان.\nوفي الحديث الآخر الذي رواه البخاري: (بينما أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: أين؟ فقال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة) إلى آخره، فقوله: (ثم زمرة) يدل على أن هذا يحصل في أجيال بعد الصحابة ﵃؛ لأن الحديث لا يدل على الردة عن الإسلام، وإن كان يحتمل هذا المعنى، لكن ظاهره أن المقصود به الارتداد عن الحق بمعنى التفريط وبمعنى الإخلال لا بمعنى أن ينهدم الإسلام في نفوسهم، هذا هو الظاهر؛ لأن هذه من نصوص الوعيد.\nثم قال: (فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم)، هذا يدل على أنه ليس المقصود بهم الصحابة؛ لأن الصحابة جملتهم ناجون بخبر الرسول ﷺ","vol":"8","page":6},{"text":"شرح كتاب فضل الإسلام <span data-type=\"title\" id=toc-53>[٩]</span>\nما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، هذه الفطرة هي التوحيد والإسلام بمعناه العام، فإذا نشأ العبد على الإسلام تحقق له الإسلام الخاص بتفاصيله المعروفة.\nولابد أن تأتي الفتن وتظهر خاصة في آخر الزمان، فإذا ظهرت فعلى المؤمن ان يلزم جماعة المسلمين وإمامهم، فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام فليعتزل تلك الفرق كلها ولو أن يعض على أصل شجرة حتى يأتيه الموت.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>معاني الفطرة والحنيفية</span>\nقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [(ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها)، ثم قرأ أبو هريرة ﵁: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠]، متفق عليه.\nوعن حذيفة ﵁ قال: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وأنا أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم.\nفقلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن.\nقلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر.\nقلت: فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم.\nفتنة عمياء ودعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله! صفهم لنا.\nقال: قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا.\nقلت: يا رسول الله! ما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم.\nقلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك) أخرجاه.\nوزاد مسلم: (ثم ماذا؟ قال: ثم يخرج الدجال معه نهر ونار، فمن وقع في ناره وجب أجره وحط عنه وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره وحط أجره.\nقلت: ثم ماذا؟ قال: هي قيام الساعة).\nوقال أبو العالية: تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام، ولا تحرفوا عن الصراط يمينًا ولا شمالًا، وعليكم بسنة نبيكم ﷺ وإياكم وهذه الأهواء.\nانتهى.\nتأمل كلام أبي العالية رحمه الله تعالى هذا ما أجله واعرف زمانه الذي يحذر فيه من الأهواء التي من اتبعها فقد رغب عن الإسلام، وتفسير الإسلام بالسنة والإسلام، وخوفه على أعلام التابعين وعلمائهم من الخروج عن السنة والكتاب، يتبين لك معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١]، وقوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠].\nوأشباه هذه الأصول الكبار التي هي أصل الأصول والناس عنها في غفلة، وبمعرفته يتبين معاني الأحاديث في هذا الباب وأمثالها، وأما الإنسان الذي يقرؤها وأشباهها وهو آمن مطمئن أنها لا تناله، فيظنها في قوم كانوا فبانوا، ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩].\nوعن ابن مسعود ﵁ قال: (خط لنا رسول الله ﷺ خطًا، ثم قال: هذه سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]) رواه أحمد والنسائي].\nهذا الكلام والنصوص متمم لما سبق تحت الباب الأصل وهو، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم:٣٠]، وهنا ساق الشيخ عدة نصوص وأقوال وآثار للعلماء هي امتداد لتفسير معنى الحنيفية والدين، وأيضًا ما أمر الله به من الاستقامة على الفطرة والإسلام، وللشيخ وقفات عجيبة ولمحات تدل على قوة فقهه في السنة والنصوص، فهو أورد الحديث ليبين أن الإسلام هو دين الفطرة (ما من مولود يولد إلا على الفطرة).\nثم أشار إلى أن الأصل في الناس كلهم أنهم على الفطرة، وعلى الإسلام بمعناه العام، فإذا وفق الإنسان لأن ينشأ في بيئة مسلمة ويتربى على يد أبوين مسلمين فإنه يتحقق له الإسلام بمعناه الخاص وهذه درجة ثانية، ودرجة ثالثة وهي إذا وفق العبد للاستقامة على السنة وربي عليها وبقي له معنى الإسلام الصحيح الكامل وإن لم يوفق فقد ينحرف عن السنة ولو لم يخرج من مسمى الإسلام بمفهومه العام الشامل، ولذلك لما تكلم الشيخ بعد ذلك عن هذه الأمور فصل فيها على هذا النحو.","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>تأملات في حديث حذيفة: (كان الناس يسألون رسول الله عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني)</span>\nثم ذكر حديث حذيفة ﵁ في مسألة موقف المسلم من الفتن إذا كثرت، ومن غربة الإسلام إذا صارت، وقد كثر كلام أهل العلم حول هذا الحديث وما الذي قصده النبي ﷺ بمثل هذا الحديث، والنبي ﷺ حينما أخبر وأوصى حذيفة ووصى بعض الصحابة بمثل هذه الأمور أوصاهم على أمر سيكون، لكن إذا تأملنا الوصاية التي أوصى النبي ﷺ في هذا الحديث وجدناها تخصص بأحوال؛ لأن هناك نصوصًا أخرى تفسر معاني هذه الوصاية، فلو تأملنا قوله ﷺ حينما سئل عن الشر الذي كان قبل الجاهلية وهل سيحدث مثله أو سيعود مرة أخرى: (فهل بعد هذا الخير) أي: هذا الإسلام الذي جاء في عهد النبي ﷺ حينما سئل (هل بعده من شر؟ قال: نعم) وبهذا نفهم أنه ليس المقصود بالشر عودة الجاهلية بكاملها لكنه شر نسبي، وهذا التفسير يشمل نصوصًا وأخبارًا كثيرة عن النبي ﷺ، مثل: نفي الإسلام عن بعض الأحوال، ونفي الإسلام عن بعض الأشخاص، ونفي الإسلام عن بعض الفئات، لابد أن يخصص لما جاء له، كذلك سيكون شر لكنه نسبي فتنة أو فتن تقع لكنها لا تزيل جذور الإسلام ولا تستبيح بيضة الإسلام والمسلمين، إنما هو أمر جزئي يقع لفتنة عارضة أو لأمور تحدث في بعض فئات المسلمين دون البقية، ودليل ذلك: الأخبار المؤكدة بأن الله ﷿ سيحفظ هذا الدين، والأخبار المؤكدة بأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين، حتى مع وجود الشر النسبي الذي سيكون على طوائف من الأمة أو يكون في أحوال تكون الفتنة هي السائدة، ولكن هذه ومضات وإلا فالخير باقٍ إلى قيام الساعة وإلى أن يقاتل المسلمون الدجال كما في آخر الحديث.\nإذًا: لابد من تخصيص مثل هذه النصوص التي تحكي وجود الشر، وهيمنة الفتنة والغربة لابد من تخصيصها بالنصوص الأخرى وتفسيرها بالنصوص الأخرى.\nولذلك لما قال: (وهل بعد الشر من خير؟) معناه أنه يمر على الأمة مراحل تسود فيها الفتن ويسود فيها بعض الشرور، لكن تبقى جذوة السنة وتبقى الطائفة المنصورة ويبقى الحق ظاهرًا بينًا كما ذكر النبي ﷺ في حديث آخر: (تركتكم على المحجة أو على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك)، فهذه البيضاء معناها أنها كالشمس الطالع لا تغيب فالشمس الظاهرة لا يمكن أن تخفى على الناس، (فقال: نعم، وفيه دخن)، فلو أخذنا أنموذجًا لتطبيق هذا الحديث لوجدنا أنه بعد هذا الحديث حدثت فتنة في عهد عثمان ﵁ وهذه الفتنة صار فيها شيء من الأمور التي جعلت بعض الصحابة لا يستطيع أن يجزم بالحق في أمر ما حدث بين الأمة فوقفوا؛ فمنهم من أخذ بهذه الوصية واعتزل؛ لأنه لم يستبصر الأمر فاعتزل لكن هذا الاعتزال لم يحكم الأمة كلها، فمن الصحابة من استبصر الأمر وصار الأمر عنده واضحًا كما حدث من علي ﵁ ومن كانوا معه، ومنهم من تأول كـ معاوية ﵁ ومن كان معه، ومنهم من قال: لا أدري؛ لأن هؤلاء صحابة وهؤلاء صحابة وليس عندنا ما نجزم به، وهؤلاء يريدون الحق ولا نستطيع أن نتهم دين أحد، فهؤلاء عملوا بمقتضى الحديث في ذلك الوقت المبكر.\nلكن أثناء تطبيقهم لمقتضى الحديث: هل زال الإسلام وزالت السنة؟ لا، الإسلام كان قويًا والسنة كانت ظاهرة، لكن بعد هذه الفتنة وبعد انجلائها تبين الأمر أكثر من قبل، وأعقبها خير، والخير الذي فيه الدخن هو ظهور الفرق.\nفالخير يكون فيه دخن ولبس وخلط، أي: يعرفون فيه نوعًا من المخالفات والبدع، ويكون الناس يرجعون للإسلام ولكن يبقى مخالفات البدع في طوائف من الأمة وليس في كل الأمة، ولذلك ينبغي أن نحذر من تفسير بعض المعاصرين لهذا الحديث حين قال: يجب أن نقبل من المسلمين ما هم عليه، فصاحب البدعة نقبل بدعته، وصاحب الفساد والفسق والفجور نقبل منه ذلك؛ لأن النبي ﷺ أخبرنا أنه سيعود الخير وفيه دخن، فلابد أن نقبل ما عند الناس ولا داعي أن نقول: السنة هكذا أو الحق هكذا أو النهج الذي كان عليه السلف هو الذي ينبغي أن يلتزم؛ لأن النبي ﷺ أخبر بأن الحق أو الخير يعود وفيه دخن! نقول له: لا، هذا فقه قاصر، فليس كل الحق يكون فيه دخن، إنما معنى ذلك أنه بعد الفتن وبعد ما يحدث على الأمة أحيانًا في بعض الظروف تخرج طوائف من الأمة عن السنة، فهذا الدخن في مجموع الأمة لا في كلها، فبعد الفتنة على عثمان ﵁ وبعدما حدث الشجار بين الصحابة ظهرت فرق، وهذه الفرق هي الدخن، لكن بقية المسلمين على السنة وليس في عقائدهم لبس، ولا عندهم دخن في الدين، بل كانوا على السنة الظاهرة.\nثم فسر الدخن، (قال: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر) وهم أهل البدع والظلم والفسق والفجور وهذا يدل على أن","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>لزوم جماعة المسلمين عند ظهور الفتن</span>\nأيضًا: في قوله ﷺ: (تلزم جماعة المسلمين)، لما قال: (قلت: يا رسول الله! ما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)، وهذه وصية عامة لكل مسلم يحدث له مثل ذلك في أي زمان وفي أي مكان إذا رأى الأمر يوجد فيه شيء مما يخفى فيه الحق، فإذا حدثت فتنة بين المسلمين أيًا كان نوع هذه الفتنة، فعليه أن يلزم ما عليه جماعة المسلمين؛ لأن كلًا يدعي أنه الجماعة، وفي الأزمنة الأخيرة خصوصًا ضاعت مسألة المفاهيم الشرعية في أذهان الناس، فقد يقول قائل: ما الجماعة؟ وهذا حق وكل يدعي اليوم مفهوم الجماعة فظهرت نابتة تدعي أن المسلمين كلهم هم جماعة مسلمة، وأن الفرق المفارقة هي أولى بأن تكون جماعة المسلمين ممن يسمون السلف، وهذه دعوى من أكبر الدعاوى العريضة الفاتنة للناس، ولكن هناك ضابط شرعي للجماعة، فالجماعة لها مفاهيم كلها ينطبق عليها هذا الوصف، ومن هذه المفاهيم أولًا: أن جماعة المسلمين هم الذين اجتمعوا على إمام له بيعة، والمسلم يجمع على البيعة، فهذه من الأوصاف التي تعرف بها الجماعة، حتى وإن كانوا على رأي مرجوح، وإن كان فيهم شيء من الخلل والتقصير ما دامت كلمتهم مجتمعة على إمام مسلم، فلابد أن تتمثل بهم الجماعة في مثل هذه الوصية التي ذكرها النبي ﷺ وأوصى بها.\nثانيًا: أن جماعة المسلمين يتمثلون بأهل الحق، وأهل الحق أيضًا دعوى ولكن نعرفها بما كان عليه العلماء أصحاب الثقة والرسوخ العلماء، والعلماء أيضًا وصف اعتباري له شروطه وضوابطه، يهبه الله ﷿ لمن يشاء ممن يوفق بأن يكون له من العلم والفضل والاعتبار في قلوب المسلمين، فالعالم القدوة الذي يكون له الرأي هذا معنى من معاني جماعة المسلمين ولا ينفك عن الأول، فالمسلمون الذين تحت إمام أو حاكم مسلم لابد أن يمثلهم علماؤهم، فيجتمع المعنيان على هذا المعنى، جماعة المسلمين الذين لهم بيعة بإمام مسلم ومن فيهم من العلماء هم داخلون على رأس الجماعة، ثم يدخل في مفهوم الجماعة من يصدرون عن العلماء وعن الحاكم المسلم من أهل الحل والعقد أهل الرأي والمشورة من أمراء وولاة وقواد ورؤساء عشائر ومطاعون في الأمة، هؤلاء يتمثل بمجموعهم جماعة المسلمين أو في بعضهم إذا فقد البعض الآخر، فقد تجتمع هذه المعاني جميعًا أو بعضها.\nإذًا: المسلم إذا أشكل عليه أمر وظهرت الأقوال المتضاربة وظهرت الفتنة، عليه أن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم على حالهم التي كانوا عليها بعيدًا عن النظرة المثالية كما يحدث من بعض الناس الذين يجهلون أحكام الشرع، وبعيدًا عن العواطف وبعيدًا عن الاعتداد بالرأي.\nومما ينبغي التنبه له: أن الجماعة في بعض الأزمان والأمكنة التي يجب الاعتصام بها قد لا تكون على الحال الأمثل وقد لا تكون في خلافة راشدة، قد تكون في ملك عضوض وقد لا يكون العلماء فيها بالصورة التي نسمع بها في القرون الثلاثة الفاضلة، وقد لا يكون الناس في جملتهم على الاستقامة، وقد يكون عندهم شيء من الانحرافات في الجملة لكن لا يضيع الحق بينهم.","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>العزلة زمن الفتن</span>\nثم ذكر الشيخ بعد ذلك توجيهًا آخر فيما إذا لم يجد المسلم في بيئة من البيئات أو مكان من الأمكنة جماعة ولا إمامًا، وهذا قد ينطبق على عصرنا أكثر من غيره، فقد مر على المسلمين فترات في السابق ويحدث في بعض الأزمان والأمكنة مثل هذا الحال لا يكون للمسلمين في بلد ما أو في مكان ما، لا جماعة ولا إمام ولكنه في زماننا أكثر، وقد يوجد في بعض بيئات المسلمين وفي بعض الأمكنة وفي بعض الظروف أن المسلم عندما يتأمل يجد أنه لا يتحقق في البيئة التي هو فيها معنى الجماعة الشرعي ولا الإمام، ولكن هذا لا يكون في الأمة كلها لوجود طائفة على الحق ظاهرين، والأمة كما ثبت عن النبي ﷺ لا تجتمع على ضلالة، وأنه لا يضيع الحق، وأن الحق يبقى كالبيضاء ليلها كنهارها إلى آخره من النصوص التي نجزم قطعًا بأن الحق لا يضيع في مجموع الأمة بكل مكان وفي زمان واحد لا يمكن إلى أن تقوم الساعة، لكن الحديث يحكم حالات محدودة لأفراد محدودين وفي بيئات محدودة وفي زمن محدود، فإذا حدث مثل ذلك فعلى المسلم أن يعتزل هذه الفرق؛ لأنه لا يجد واحدة على السنة ولو وجد واحدة على السنة لما وسعه أن يعتزل، ويجوز له أن يعتزل، لكن ما وجد أحدًا على السنة، ولا وجد إمامًا يسمع له ويطيع ويخضع، فمن هنا عليه أن يعمل بهذه الوصية، وهذه حالات نادرة تحدث في الأمة.\nقال ﵊: (فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك) ولذلك لما تأول بعض الصحابة ﵃ ما شجر بين الأمة في ذلك الوقت ونظروا في فقه هذا الحديث أبعدوا عن الحاضرة وذهب بعضهم إلى البادية والأرياف بعيدين عن المدن، واعتزلوا الفتنة أخذًا بمثل هذه الوصية، لكن ليس لجميع أفراد الأمة وإنما لمن لم يستبن له الأمر.\nثم ذكر بعد ذلك قال: (ثم يخرج الدجال معه نهر) وهذا فيه إشارة والله أعلم إلى أن الحال الأخيرة تحدث قبيل ظهور الدجال أكثر من غيرها، وإلا فإنها تحدث على فترات التاريخ، ثم قبل خروج الدجال.","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>الصراط المستقيم هو الإسلام</span>\nأما قول أبي العالية: (تعلموا الإسلام فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام) كلمة الإسلام يقصد بها في الأولى السنة وقصد بالثانية الإسلام بمفهومه العام.\nولا يعني ذلك أنه حصر الإسلام بمفهومه العام بالسنة، لكنه حصر الحق النقي من البدع والشوائب بالسنة؛ لأنه في سياق هذه النصوص أراد أن يشير إلى أنه عند الاختلاف والفتن وعند الأهواء والبدع ودعاة الضلالة فإن الإسلام الحقيقي الذي أمر الله به يتمثل بالسنة؛ لأن من لم يكونوا على السنة أدخلوا في الإسلام ما ليس منه، وزعموا أنه من الإسلام، فليس هذا هو الإسلام المطلوب وإن كان المخالف بما أحدثه لا يخرج به من الإسلام بالجملة إلى الردة، لكنه يخرج به من المفهوم الصحيح النقي للإسلام الذي هو الصراط المستقيم.\nثم قال: (ولا تنحرفوا عن الصراط يمينًا ولا شمالًا وعليكم بسنة نبيكم وإياكم وهذه الأهواء) انتهى.\nثم ذكر استنتاجًا من كلام أبي العالية قال: (وتأمل كلام أبي العالية هذا وما أجله واعرف زمانه الذي يحذر فيه من الأهواء)، فإنه يلفت نظرنا إلى المقارنة فكأنه يقول: إذا كان أبو العالية ذكر هذا في وقت مبكر وأبو العالية من كبار التابعين في وقت مبكر في القرن الأول، فكيف بعصرنا هذا المليء بالأهواء والتي من اتبعها فقد رغب عن الإسلام.\nوتفسير الإسلام هنا هو السنة.\nوالشيخ يقول: إنه لما بدأت تظهر الأهواء في عهد أبي العالية فسر الإسلام المطلوب شرعًا بالسنة؛ لأن الأهواء حدثت وكل يدعي الإسلام، فلابد من حصر المفهوم الحقيقي الشرعي للإسلام النقي المطلوب من العباد بالسنة، أما ما حدث من أهل الأهواء والبدع فليس هو الإسلام بمفهومه النقي الصحيح وخوفه على أعلام التابعين وعلمائهم من الخروج عن السنة والكتاب، يتبين لك معنى قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ [البقرة:١٣١] أي: لإبراهيم.\nثم ذكر وصية ابن مسعود (أن النبي ﷺ خط خطًا، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]) وفي هذا بيان لمعنى السنة، وأن السنة لا تتعدد، وفيه رد على أهل الأهواء قديمًا وحديثًا والمفتونين الذين لم يميزوا بين الحق والباطل ولا بين المحق من المبطل، رد عليهم بأنه ليس كل من انتسب للإسلام يكون على سبيل الله، وأن أهل الأهواء والبدع خرجوا عن السبيل التي هي سبيل الله، وأنهم اتبعوا السبل ذات اليمين وذات الشمال، وهذا إشارة إلى الإفراط والتفريط، فالذين غلوا والذين تساهلوا، كغلو الخوارج وتساهل المرجئة هؤلاء سلكوا ذات اليمين، وهؤلاء سلكوا ذات الشمال عن صراط الله المستقيم.\nإذًا: فسبيل الله الذي هو دين الحق الصافي هو سبيل واحدة، والفرق التي خرجت عن السنة من فرق المسلمين ليست على سبيل الله إنما هي على سبل الأهواء والبدع وعلى سبل الشيطان حتى وإن لم تخرج بذلك من الملة، وهذا الفهم لابد من بثه بين أذهان الناس اليوم؛ لأن بعض شبابنا فتن في هذه المسألة بدعوى أن أهل الأهواء ما داموا ما خرجوا؛ فهم على الإسلام، وهذا كلام مجمل، نعم هم على الإسلام لكن هل هم على ما يرضي الله ﷿؟ هل هم على سبيل الله؟ هل هم على السنة؟ لأنه لما أخبر النبي ﷺ عن الافتراق ذكر أن أهل الافتراق متوعدون بالنار، وحذر من هذه السبل، وبين أنها ليست على السنة، وأن السبيل الحق واحدة كما ذكر في حديث ابن مسعود في الخط واحدة، فمن هنا نجزم أنه لا يبقى على الحق والاستقامة إلا أهل السنة والجماعة الذين هم على سبيل الله، أما البقية فهم على غير السنة، وعلى غير استقامة، وفي سبل الشيطان، نسأل الله السلامة والعافية، وهم معرضون للوعيد وإن خرجوا من الملة، فهم من أهل الردة نسأل الله العافية.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"9","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>الأسئلة</span>","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>حكم الانتخابات التي تجري في البلدان الإسلامية اليوم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يعد ترشيح رئيس معين عن طريق الانتخابات بيعة يلزم المسلمين اعتمادها وعدم الخروج عليها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الولاية والإمارة في الإسلام والخلافة والسلطة تحدث بعدة وجوه، وبعضها حدث في الإسلام وبعضها ربما لم يحدث لكن يبقى من الوجوه المفترضة، فهناك بيعة الطائفة من المسلمين وهم أهل الحل والعقد كأن يجتمع العلماء وقواد الأمة وأهل الرأي فيها فيبايعون الإمام، فهذه تكون طريقًا من طرق البيعة أحيانًا، وقد تكون البيعة عن طريق الترشيح العام، كأن يطرح الاسم أو الأسماء على جميع الأمة أو على جميع المجتمع أو الدولة فيخرج بالأصوات وهذا إذا كان الإمام مسلمًا ثم تمكن بهذه الطريقة فله حق الولاية، وإن كانت هذه الطريقة عليها مآخذ شرعية؛ لأن دخول الدهماء والغوغاء هم أكثر الناس في كل بيئة، في كل مكان وفي كل زمان، فإذا فتح باب الترشيح من الغوغاء وهم الأكثرية فالغالب أنهم يرشحون بأهوائهم ويغرر بهم.\nولذلك لما اتخذت بعض الدول الإسلامية هذا المسلك رشحت فسقة ونساء، فالدول التي ترشح النساء كان عن طريق هذه الطريقة المعيبة، وهذه الطريقة وإن كان يتشدق بها المثقفون فيجوز للأمة أن يتاح لهم فرصة أن يرشحوا أهل الحل والعقد والرأي والمشورة، أما البقية فلهم عقول مشتراة، اشتراها الشيطان والهوى وأصحاب الأحزاب والشعارات، لكن إن حدث وتوافرت شروط الإمامة في هذا الإنسان على ما ذكر السائل وتمكن بهذه الطريقة فقد وجب له السمع والطاعة وصحت بيعته بأي وجه من وجوه الولاية، سواء من وال إلى والٍ آخر، أيًا كان صورة العهد مثل عهد أبي بكر لـ عمر أو عهد معاوية ﵁ لـ يزيد فذاك عهد خلافة، وهذا عهد ملك، وكلها صحت في الأمة، وكلها اندرجت تحت أحاديث النبي ﷺ وفي وصيته بالسمع والطاعة، فعلى أي حال ما يتسع الوقت لسرد الصور التي تكون فيها، بل علماء السنة اتفقوا على أنه لو بغى إنسان على الإمام -رغم أن هذا خروج عن السنة- وقاتل وتمكن على الأمة بقوة السيف ولا يستطيع الناس إزالته وهو مسلم صارت له البيعة، وإن كان ارتكب أمرًا لا يجوز، ولا يجوز للأمة أن تسلك هذا المسلك.\nإذًا: الصور الكثيرة تنتهي إلى أنه إذا تمكن إمام مسلم من أن يكون واليًا على بلاد المسلمين في أي صورة من صور التمكن، سواء كانت مشروعة برضا الأمة أو بغير رضاها، فإذا تمكن وصارت له الغلبة وجب له السمع والطاعة والبيعة.","vol":"9","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>الكلام عن منهج ابن عثيمين ﵀ في الدعوة إلى الله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لو كان هناك تخصيص لبعض الدروس يستخلص منها ما تميز به الشيخ ابن عثيمين ﵀ في مناهجه في الدعوة في الوقت المعاصر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الكلام عن مناهج العلماء والأئمة في الدعوة طيب ومخيف؛ لأنهم هم القدوة لاسيما في هذا العصر ونحتاج إلى أن نستجلي مناهج علمائنا ومشايخنا، الأموات منهم ﵏ والأحياء وفقهم الله على حياة طيبة وعلى مصالح نحن وإياهم، لكن أرى أن هذا إذا كان بعد موت الإمام أو العالم مباشرة أن فيه نوعًا من المخالفة الشرعية، فينبغي أن يكون بعد مدة، والشيخ ﵀ لا تزال سيرته حية في أذهان كثير من طلاب العلم، والعمل بمثل هذه الأمور وهو قريب عهد فيه شيء من الندبة والنعي الذي لا يجوز شرعًا، خاصة إذا كان فيه تخصيص وقت حتى يطول الوقت ويحتاج الناس إلى التنبيه على هذه المناهج.","vol":"9","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>مفاهيم حول الطائفة المنصورة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما رأيكم فيمن تنطبق عليه الجماعة المنصورة في هذا الوقت وعلى أي من البقاع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  بدأت ترد بعض الآراء الغريبة في مفهوم الطائفة المنصورة ومن تكون وأين تكون إلى آخره، وهذا ما قرره أهل العلم من أن الطائفة المنصورة أو الفرقة الناجية وتعني أهل السنة والجماعة أنه لا يلزم أن يجمعها مكان أو زمان، لكنها قد تتوافر في مكان أكثر من غيره، وإلا فمن كان على السنة والاستقامة في أي بلد كان فهو داخل في الطائفة المنصورة والفرقة الناجية أهل الحق وأهل السنة والجماعة أينما كانوا، سواء في بلاد المسلمين وهذا هو الأولى والأصل، أو كان في غير بلاد المسلمين فهو من الطائفة المنصورة ما دام على نهجهم ويحبهم ويتواصل معهم ومستقيم في عقيدته وعمله على السنة.\nأما هل يشترط في الطائفة المنصورة أن تكون محكمة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ قلبًا وقالبًا أو قد يوجد بها بعض الخلل أو كثير من الخلل في تحكيم الكتاب والسنة ولكنه أفضل الموجود، أهل السنة والجماعة في جملتهم سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين لابد أن يكونوا على الكتاب والسنة في جملتهم، أما الأفراد فلا يلزم أن يكون الواحد منهم على الاستقامة الكاملة، وأهل السنة والجماعة منهم المقصر، ومنهم من يكون عنده شيء من الإعراض، ومنهم من يكون عنده شيء من الغلو، ومنهم من يكون عنده شيء من البدع غير المغلظة؛ لأن البدع المغلظة تخرجهم من السنة، فيقع في أفرادهم ما يقع للبشر من التقصير والخلل حتى في العقيدة أحيانًا، لكن لا يكون في أصول العقيدة فضلًا عن السلوك والتقصير في العبادات أو التشدد أو غير ذلك.\nإذًا: أهل السنة والجماعة في جملتهم لابد أن يكونوا على مقتضى الكتاب والسنة أما أفرادهم فقد يكون من بعضهم شيء من التقصير، أو شيء من الخروج عن بعض الجزئيات في السنة.","vol":"9","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>حكم مبايعة المرأة بعد انتخابها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز مبايعة المرأة بعد أن تفوز في الانتخابات؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المرأة ليس لها ولاية على المسلمين، فالمسلم لا يجوز له أن يبايع امرأة طائعًا غير مكره، وكذلك بيعة الكافر، بيعة دين لا تجوز، وقد يضطر المسلم وهو في بلد غير مسلم أن يبايع على أمور دنيوية، أما بيعة الخلافة والإمارة التي هي السمع والطاعة على مقتضى الكتاب والسنة فلا تكون للكافر أصلًا.","vol":"9","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>حجة تعطيل الصفات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حجة أهل التعطيل عندما قالوا في أسماء الله وصفاته: إنه سميع بلا سمع، عليم بلا علم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا كلام المعتزلة؛ لأنهم قالوا: إذا قلنا: لله سمع وعلم إلخ، فهذا يعني تعدد الصفات، وتعدد الصفات عندهم يدل على تعدد الموصوف، فمن هنا نفوا الصفات، وهذا أمر غير معقول، لكن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: بعض الناس يتكلف في رد أصول أهل الباطل ظنًا منه أن لها أصلًا ولو أنك نظرت لها بداهة لوجدتها لا يمكن أن يقرها العقل السليم، لكن هؤلاء عقولهم غير سليمة، وقد يقول قائل: كيف وصلت عقولهم التي يعتزون بها إلى هذا المقام من الخروج عن البدهيات، ومصادمة العقل السليم والفطرة وهو قول المعتزلة ومنه: أن تعدد الصفات يدل على تعدد الموصوف؟ وهل هذه قاعدة صحيحة إذا تعددت الصفات حتى في المخلوقات -ولله المثل الأعلى-؟ الإنسان كم له من صفة الجماد وكم له من صفة؟ لكنهم عندهم نظرة لله تجريدية ليست حقيقية، فهم وقعوا في معضلة إذا وصفوا الله بالصفات فلابد أن الصفات تنطبق على ذلك، وهم يهربون من إثبات الذات، وعبروا عن هذا بمسألة تعدد الموصوف؛ لأنهم يقولون: إن الذات لابد أن تتجزأ والله غير متجزئ، وهذه فلسفات تعالى الله عما يقولون، فلسفات أوهام، فمن هنا فإن أهل التعطيل ليس لهم من الحجج إلا الشبهات الواهية التي لا يقرها العقل، وأهم شيء عندهم وقاعدتهم في التعطيل أن الصفات لابد أن تدل على موصوف، وإذا تعددت الصفات تعددت الموصوفات، وهذا لا يجوز بحق الله، وهذا بالنسبة للمعتزلة.\nأما الجهمية فهم ينكرون ذات الله ﷿، ولذلك أنكروا الأسماء والصفات؛ لأنهم قالوا: إن الاسم لابد أن يدل على مسمى، والمسمى لابد أن يكون له حقيقة ذاتية، ونظرًا لأنه ليس لله عندهم حقيقة ذاتية، نفوا الأسماء والصفات ببساطة، والمسألة ما فيها تعقيد في أولياتها، إنما التعقيد فيما يسلكونه من مسالك إلى مثل هذه الأمور التي تصادم البدهيات.\nنسأل الله العافية.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"9","page":12},{"text":"شرح كتاب فضل الإسلام <span data-type=\"title\" id=toc-65>[١٠]</span>\nذكر النبي ﷺ أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء، وهم أهل الصلاح المتمسكون بالكتاب والسنة، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، الذي يصلحون إذا فسد الناس، ويصلحون ما أفسد الناس، هؤلاء للعامل منهم في زمن الغربة أجر خمسين عاملًا من صحابة رسول الله ﷺ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>باب ما جاء في غربة الإسلام وفضل الغرباء</span>\nقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في غربة الإسلام وفضل الغرباء.\nوقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود:١١٦]، الآية.\nوعن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: (بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء)، رواه مسلم، ورواه أحمد من حديث ابن مسعود ﵁ وفيه: (قيل: من الغرباء؟ قال: النزاع من القبائل).\nوفي رواية: (الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس)، ورواه أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص وفيه: (فطوبى يومئذٍ للغرباء، إذا فسد الناس)، وللترمذي من حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده: (فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي).\nوعن أبي أمية قال: سألت أبا ثعلبة الخشني ﵁: (كيف تقول في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]، قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله ﷺ، فقال: بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيامًا الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عملكم.\nقلنا: منا أم منهم؟ قال: بل منكم)، رواه أبو داود والترمذي.\nوروى ابن وضاح معناه من حديث ابن عمر ﵄ ولفظه: (إن من بعدكم أيامًا للصابر فيها المتمسك بمثل ما أنتم عليه اليوم له أجر خمسين منكم).\nثم قال: أنبأنا محمد بن سعيد أنبأنا أسد قال: أنبأنا سفيان بن عيينة عن أسلم البصري عن سعيد أخي الحسن يرفعه، قلت لـ سفيان عن النبي ﷺ؟ قال: نعم، قال: (إنكم اليوم على بينة من ربكم، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتجاهدون في سبيل الله، ولم تظهر فيكم السكرتان: سكرة الجهل، وسكرة حب العيش.\nوستحولون عن ذلك لا تأمرون بالمعروف، ولا تنهون عن المنكر، ولا تجاهدون في الله، وتظهر فيكم السكرتان، فالمتمسك يومئذٍ بالكتاب والسنة له أجر خمسين.\nقيل: منهم؟ قال: لا، بل منكم).\nوله بإسناد عن المعافري قال: قال رسول الله ﷺ: (طوبى للغرباء، الذين يمسكون بكتاب الله حين يترك، ويعملون بالسنة حين تطفأ)].","vol":"10","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>ضوابط في معرفة الغربة</span>\nالكلام عن غربة الإسلام لابد له من ضوابط: منها أنه لابد من رد نصوص الغربة إلى النصوص الأخرى التي فيها الإشارة إلى ضمان بقاء طائفة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من عاداهم، وهم أهل السنة والجماعة، وهذا يفسر معنى الغربة شرعًا، وعلى هذا فإن حدود الغربة لا يمكن أن تكون بضياع الحق وانعدامه وخفائه، كما أنها لا تكون باستئصال أهل الحق، وهذا أمر قطعي، وبه لابد أن تفسر نصوص الغربة من الوجه الآخر، وهو أن الغربة تأتي على وجوه قد تجتمع وقد يوجد بعضها، ومن وجوه الغربة قلة أهل الحق عدديًا، وأحيانًا قلة المسلمين عدديًا، وقلة أهل الحق أهل الاستقامة بين المسلمين نوع من الغربة، وقلة المسلمين بين الأمم نوع من الغربة؛ خاصة إذا صحب هذا النوع الثاني من الغربة أو النوع الثالث كثرة الخبث وكثرة البدع والأهواء والافتراق والفسق والفجور، فإنه إذا كثر ذلك قلَّ عدد أهل الحق لكن لا يكون ذلك بانعدام وجودهم ولا بضياع الحق ولا بخفاء السنة، لا يمكن أن يكون من الغربة خفاء السنة في العموم ولا خفاء جميع أهل الإسلام، فالغربة قد تكون في بلاد ما، أي: غربة المسلم المستمسك بدينه في بلد كانت إسلامية ثم أصابها ما أصابها، إما من اعتداء الكفار، أو انحراف أهلها إلى البدع والخرافات كما يكون في أقاصي العالم الإسلامي، أقاصي بلاد المسلمين كانت في يوم من الأيام الأصل فيها السنة، والسنة هي الظاهرة والبدعة مقموعة، ثم مع تحولات الزمن أصبح صاحب السنة فيها في غربة شديدة، فهذا يكون في بعض البلاد الإسلامية لا في كلها.\nوأيضًا قد تكون غربة الإسلام نفسه في بلد كانت إسلامية ثم تحولت إلى غير إسلامية مثل الأندلس، لأن الأندلس تمثلت فيها معاني الغربة للمسلم الذي بقي بعد دخول الكفار فيها بعد أن بقيت على الإسلام ثمانية قرون، فهذه غربة تتمثل فيها أقسى أنواع الغربة، وهناك بلاد في العصور الحديثة كانت مسلمة ثم تحولت إلى نصرانية بقوة السيف مثلما صار في الفلبين، والفلبين كانت مسلمة وكانت دولتها مسلمة وفيها سلطان مسلم، ويحكم فيها بشرع الله، ثم دخلها الأسبان وحاربوا الإسلام والمسلمين بعنف حتى تحولت إلى دولة نصرانية، حتى إنهم حجبوا الأخبار عن الأجيال حينما كان الاستعمار هو المستولي عليها والاحتلال، فكانوا يحجرون على جهات التعليم والمراكز العلمية والمدارس أن تدرس هذه الحقبة من التاريخ إلى وقت متأخر، كما علمنا أنه بدأت المدارس والمناهج في تلك البلاد يقرأ فيها أنها كانت مسلمة ثم تحولت إلى نصرانية، فمثل هذه البلاد تجد المسلمين إلى اليوم فيها في غربة شديدة.\nفهذه الغربة قد لا تكون على البلاد الإسلامية كلها، وأحيانًا تكون الغربة غربة السنة وأهل السنة، وتكون بمخالفة الناس من الوجهين، والناس يخالفون أهل السنة، وأهل السنة يخالفون الناس، فربما في بعض البلاد الإسلامية يحكم على صاحب السنة بأنه إنسان مخالف للحق، وربما يرمى بأوصاف الشذوذ والإرهاب ونحو ذلك، وأحيانًا بالألقاب مثل الوهابية وغيرها من الألقاب التي يعتبرونها من الأمور المنفرة، فيعيش صاحب السنة في غربة في مثل هذه البلاد وإن كانت إسلامية، وهذا واقع كثير من البلاد الإسلامية اليوم.\nفإن صاحب الحق يعيش غربة حقيقية وإن كانت البلاد مسلمة، وأحيانًا الغربة قد تعني المشقة في العمل بالعمل بالسنة حتى بين المنتسبين لأهل السنة، العمل بها على الوجه الشرعي الكامل قد يكون فيه مشقة كما هو حاصل اليوم حتى في البلاد التي أهلها هم أهل السنة، فإن الذي يريد أن يأخذ السنة بحذافيرها قد يعيش غربة، لكنها ليست الغربة الكبرى أو الغربة التي تنطبق عليها أغلب هذه الأحاديث لكنها نوع من الغربة؛ لأن الناس الآن قد يكون لهم جرأة على من يعمل بالسنة وإن كان معه الدليل؛ وذلك لأنه خالفهم أو خالف ما هم عليه.\nكما أن الغربة قد تكون غربة الإسلام وقد تكون غربة السنة، أما غربة الإسلام فلا شك أن المسلمين تمر عليهم فترة من فترات التاريخ مثل عصرنا هذا، قد يكونون أقل عددًا من عموم الكفار والمشركين، فإذا صاحب هذا شيء من الضعف فإننا نجد أن المسلمين اليوم في جملتهم أمام العالم يعيشون غربة فعلًا؛ لأنهم وإن كانوا كثرة لكنهم كما وصفهم النبي ﷺ: (كغثاء السيل)، وثبت في الخبر عن النبي ﷺ أن المسلمين كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود إزاء الأمم المشركة، فهذه الغربة إذا اجتمعت معها الغربة المعنوية كما هو حاصل اليوم فقد يكون أهل الإسلام عمومًا في نوع من الغربة وهذا حاصل، أما غربة أهل السنة فهي ظاهرة، غربة أهل السنة في سائر البلاد الإسلامية اللهم إلا القليل مثل هذه البلاد نسأل الله أن يثبتنا على السنة.","vol":"10","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>أجر الغرباء</span>\nفي حديث أبي هريرة الأول ذكر الغرباء، وذكر وصفهم حينما قال: (فطوبى للغرباء، الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي)، فهنا الغرباء هم أهل الإصلاح أهل السنة والجماعة، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، فهي تعني طائفة من المسلمين، وهم الذين يتصدون للباطل ويدعون للسنة.\nوفي النصوص الأخرى كثير من الأحاديث فيها ضعف، لكن بعض معانيها وردت في الصحاح، وكثير منها فيها ضعف إما في ألفاظها أو أسانيدها، وكثير منها وردت في أحاديث صحيحة، فهي في الجملة صح منها الكثير، لكن قد يكون بعض ألفاظها فيه نظر.\nوفيما يتعلق بالإشارة إلى أن المستمسك الصابر على السنة اليوم له أجر خمسين، هذا له توجيهات كثيرة، ولعل من أحسنها أن المقصود الأجر وليس مطلق الفضل؛ لأن هذا قد يتعارض مع فضل الصحابة ﵃، فالنبي ﷺ ذكر في فضل الصحابة ما لم يكن لغيرهم ممن يأتون بعدهم.\nفله في هذا وجوه كثيرة في الجمع، وأحسنها وجهان: الوجه الأول: أن يقال: قد يوجد من أفراد الأمة في آخر الزمان -ولكن ليسوا كثرة- من يكون له أجر خمسين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لكن هذا لا يكون في جماعة أو طائفة تكون أفضل من الصحابة، إنما هم نزَّع من أفراد الأمة؛ وهذا توجيه لا بأس به.\nالوجه الثاني: أن يقال: إن هذا الأجر -أجر الخمسين- على عمل معين، وليس على جميع الأعمال، ولا يعني الأفضلية المطلقة، فإن أفضلية صحبة الرسول ﷺ لا يعدلها شيء، لكن تتفاضل من بعض الوجوه، وليس من جميع الوجوه.","vol":"10","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الأسئلة</span>","vol":"10","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>من هم النزَّاع من القبائل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى النزاع؟ وقوله في مكان آخر: (النزاع من القبائل) هل هو بمعنى ما ذكرت؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  النزاع هم الأفراد القلائل.\nوالغربة تأتي على وجوه كثيرة، ومن ضمنها: أن يكون هناك نزاع من القبائل، أي: أفراد قلة يصمدون بالحق، وقليل من يعينهم، وأكثر الناس يخذلونهم، لكن مع ذلك يوجدون في بلاد متنوعة، وفي قبائل متنوعة، وأقاليم متنوعة، وهذا معنى قوله: (نزَّاع) أي: أفراد قلة وليسوا جماعات.","vol":"10","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>غرباء السنة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من يقوم بإحياء سنة مندثرة إلى حد ما هل يعد من الغرباء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، إذا كان على فقه، فمن أحيا سنة مهجورة على فقه؛ لأنه قد يبدو لإنسان أنها مهجورة وهي من الأمور الاختيارية، فإذا كان على فقه صحيح ووجد شيئًا من الإنكار من الناس؛ فربما يشعر بشيء من الغربة.\nوأضرب لذلك مثالًا واضحًا: استجدت عندنا الآن حول مسألة العزاء والمآتم أشياء من عمل بالسنة فيها سينكر عليه، فالناس إذا مات لهم ميت لا بد من جلوس ثلاثة أيام للعزاء، ويعلن عن ذلك العزاء في الجرائد، وإذا ما فعل ذلك اعتبر مقصرًا في حق الميت، وهذا إذا عمل السنة، وقال: أنا سأتقبل العزاء في البيت أو في الشارع أو في المسجد أو في أي مكان، ما يلزم أجلس ثلاثة أيام كأنه حداد؛ فمن خالف سنتهم في ذلك فسينكر عليه كثير من الناس.\nفلذلك ينبغي أن يتنبه طلاب العلم لمثل هذه الظواهر ولا يستهينوا بها، وإن كانت خلافية، لكن التوجه فيها إلى الابتداع واضح.\nوالناس تعدوا حدود ما أفتى به العلماء، وتجرءوا إلى أكثر مما يقول به بعض أهل العلم.","vol":"10","page":7},{"text":"شرح كتاب فضل الإسلام <span data-type=\"title\" id=toc-72>[١١]</span>\nلقد حذر النبي ﷺ من البدع والمحدثات في الدين، وما ذاك إلا لعظيم خطرها وكبر إثمها، والواجب على المسلم هو أن يتعبد الله بما شرع في كتابه وسنة رسوله وما جاء عن الصحابة الكرام، لا بالأهواء والبدع؛ فإن الخير كل الخير في اتباع من سلف، والشر كل الشر في ابتداع من خلف.","vol":"11","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>باب التحذير من البدع</span>\nقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [باب التحذير من البدع: عن العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون؛ قلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودِّع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة).\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوعن حذيفة قال: كل عبادة لا يتعبدها أصحاب محمد ﷺ فلا تعبدوها؛ فإن الأول لم يدع للآخر مقالًا، فاتقوا الله يا معشر القراء! وخذوا طريق من كان قبلكم.\nرواه أبو داود.\nوقال الدارمي: أخبرنا الحكم بن المبارك أنبأنا عمر بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود ﵁ قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري ﵁ فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا! فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعًا، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! إني رأيت آنفًا في المسجد أمرًا أنكرته، ولم أر -والحمد لله- إلا خيرًا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة، فيقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئًا انتظار رأيك أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء؟ ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدّوا سيئاتكم؛ فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة؟! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله ﷺ حدثنا أن قومًا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايم الله! ما أدري لعل أكثرهم منكم، تم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحِلَق يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج.\nوالله المستعان، وعليه التكلان.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين].","vol":"11","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>وقفات وفوائد من حديث العرباض بن سارية</span>\nفي هذه الأحاديث تحذير صريح مجمل ومفصل من البدع، ويحسن أن نقف على بعض المسائل بعض الوقفات.\nأولًا: في حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة)، ووصف هذه الموعظة بأنها (وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون)، وهذا فيه عدة فوائد:","vol":"11","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>التخول بالموعظة</span>\nالفائدة الأولى: أن النبي ﷺ كان يتخول أصحابه بالموعظة بين وقت وآخر، فلا يكثر منها، ولا يغفل عنهم، وكان في مجالسه يبين لهم شيئًا من الأحكام وما جاءهم من الوحي، وأحيانًا يسمر معهم، وأحيانًا يطيل الحديث، وأحيانًا يوجز، لكن بين ذلك كله كان لا يغفل عن الموعظة، وهذا أمر ينبغي أن يتنبه له طلاب العلم، والمرشدون والوعاظ والدعاة، وذلك لأنه قلَّ عند الناس اليوم في كلماتهم الإرشادية والدعوية الاهتمام بجانب الوعظ؛ ولذلك فقد يستغرب أو يستهين بعض الناس بهذا الجانب حتى إنهم يصفون الخطيب الواعظ أو الداعية الواعظ أو العالم الواعظ بأنه ليس على المنهج، أو أن منهجه غير متكامل، أو أن عنده جانب نقص في الدعوة، وهذا خطأ، بل ينبغي لكل من تصدى لتوجيه الناس، سواء خطباء الجمع، أو المشايخ وطلاب العلم في الدروس، أو المعلمون في المدارس والمربون، وغيرهم ممن تصدى لإرشاد الأمة بأفرادها ومجموعها، ومؤسساتها ومساجدها وغيرها، أن يكثر من الجانب الوعظي في هذا العصر بالذات؛ لأن الناس كثرت عندهم الملهيات والمشغلات والصوارف التي قست بسببها القلوب.\nولذلك فإن أكثر المسلمين اليوم لا يتعظون بالمواعظ، وأكثر ما يتعرض الناس في حياتهم اليومية للموت بينهم، كم من الجنائز نصلي عليها وندفنها، وكم من أخبار الموتى؟! طربنا الآن من خلال ما نرى وما نسمع وما نقرأ، ومع ذلك تجد المتعظ والمستبصر والمستفيد من عبرة الموت -وكفى بالموت واعظًا- قليل جدًا.\nبل أصبحت تجمعات الناس واجتماعاتهم والجنائز والمآتم والتعازي شبيهة بالأعراس، أكل وشرب وحديث وابتسامات وضحكات وبيع وشراء.\nفالناس يحتاجون إلى الموعظة من قبل الدعاة والمصلحين، وهكذا كانت سنة الرسول ﷺ وسنة أصحابه والسلف الصالح، كانوا يتخولون الناس بالموعظة وقلوبهم أنقى من قلوب الناس اليوم، وأكثر استعدادًا للخشوع والخشية.\nأما الناس اليوم فهم أحوج إلى الموعظة وإلى الخطاب الوعظي، وكنت أتمنى لو أن كل خطيب من خطباء الجمعة هم أكثر من يجتمع حولهم عموم المسلمين في كل مكان أن يخصصوا خطبًا متقاربة ولو في الشهر مرة، أو في الشهرين مرة على الأقل يخصص منها خطبة أو خطبتين للمواعظ.","vol":"11","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>السمع والطاعة لولاة الأمور</span>\nالفائدة الثانية: عند قول النبي ﷺ: (والسمع والطاعة)، هذا مبدأ شرعي جهله كثير من الناس اليوم، خاصة الذين ليس عندهم فقه في الدين، إنما مجرد العواطف أو الثقافة، أو الذين تدينهم ليس على فقه شرعي صحيح، لا يعرفون معنى السمع والطاعة، ولا قواعد السمع والطاعة، ولا يدركون أنها أصل من أصول الدين، وأنها وصية النبي ﷺ المؤكدة في أحاديث كثيرة، وأنها نهج السلف الصالح، حتى إننا نجد من يقول ويصدق: إن مسألة طاعة ولاة الأمر من الأصول التي صنعتها السياسة، أو إنها من الأمور التي اتجهت إليها الدول بعد الخلافة الراشدة مثل دولة بني أمية وبني العباس، وإن هناك من العلماء من سايروا الحكام؛ فوضعوا أصلًا اسمه: السمع والطاعة لولاة الأمور.\nوالعجب أننا نقرأ ونسمع مثل هذه الأحاديث بين مجتمع كمجتمعنا عاش على السنة، ونشأ على السنة وعرفها، وفيه من طلاب العلم والعلماء من يبين هذه الأحكام ويقرؤها ويدرسها في المناهج وفي الدروس وفي المجالس وعند العلماء والعامة، ومع ذلك نجد فئة من شبابنا بعضهم قد يكون من المتدينين ومن الدعاة يثقل عليه سماع مثل هذا الأصل، ويجدون حرجًا من تدريسه وبيان أصل السمع والطاعة لولاة الأمر.\nومعروف أن السمع والطاعة بالمعروف، وأنها لولي الأمر المسلم، ولكن مع ذلك فإن هذا الأصل أصبح ثقيلًا؛ بسبب كثرة الأهواء والشعارات، وردود الأفعال أو التصدي لمنكرات الأمة بردود الأفعال على غير أصول شرعية.\nويؤكد هذا قول النبي ﷺ: (وإن تأمر عليكم عبد)، مما يدل على أن السمع والطاعة ليست للخليفة الراشد أو الوالي المختار، أو لمن يحبه الناس فقط، بل السمع والطاعة لولي الأمر برًا كان أو فاجرًا، عادلًا كان أو ظالمًا، راشدًا كان أو غير راشد، وسواء كان بخلافة أو بملك عادل أو بملك عضوض، وسواء كان الإمام بالاختيار أو بالقوة، إذا تمكن السلطان المسلم وجب له السمع والطاعة؛ ولذلك قال النبي ﷺ: (وإن تأمر)، ومعنى (تأمر) فرض إمارته عليكم، انظر دلالة اللغة ودلالة تعبير النبي ﷺ.\nقال: (وإن تأمر عليكم عبد)، والعبد المقصود به: الرقيق، أي: لو تأمر عليكم من لا يملك -في الأصل- لنفسه شيئًا، بل هو منبوذ، ومع ذلك لو تأمر بقوة السيف وتسلط على المسلمين؛ وجب له السمع والطاعة بالمعروف، وهذا يؤكد خطورة هذا الأصل، وضرورة أن يفقهه طلاب العلم والعلماء، وأن تبين أحكامه للناس.","vol":"11","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>التفرق والاختلاف والمخرج من ذلك</span>\nالفائدة الثالثة: أشار ﷺ في قوله: (وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا) إلى الافتراق، وأحاديث الافتراق ووقوعه والخبر عنه والتحذير منه كثيرة عن النبي ﷺ، ومع ذلك نجد بعض المفتونين من المعاصرين من يزعم أن مسألة حدوث الافتراق، ووجود الفرقة بين الأمة من الأمور التي صنعها المتشددون أو المتزمتون، وأنها ردود أفعال لأهل السنة والجماعة ضد خصومهم، وأنهم بالغوا في مسألة وجود الافتراق، وإلا فالأمة تشمل كل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومن ادعى الإسلام فهو مسلم، ولا داعي لذكر الفرقة والافتراق ووجود الفرق إلخ.\nوهؤلاء الذين يقولون هذا الكلام جهلة، والإسلام درجات، لكن دعوى الإسلام قد تعصم المسلم أو تعصم قائلها، لكنها لا تعني أن يكون على السنة والاستقامة، فأهل الإسلام -كما أخبر النبي ﷺ- سينقسمون؛ منهم من يبقى على السنة وعلى الصراط المستقيم، ومنهم من ينحرف يمينًا وشمالًا، كما ورد في حديث السبل وغيره، فقال النبي ﷺ: (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا)، يقصد الصحابة، فكيف بمن بعدهم؟ وفعلًا الصحابة رأوا اختلافًا، وعايشوا في حياتهم ظهور أول الفرق الرافضة والشيعة وفرقها المختلفة: الشيعة الغالية وغير الغالية وغيرهم، ثم القدرية، وأوائل ظهور التجهم والاعتزال بدأ في آخر عهد الصحابة، وكذلك المرجئة بدأت بذورها في آخر عهد الصحابة.\nإذًا: الاختلاف واقع، والنبي ﷺ أخبر وخبره صدق أنه من يعش فسيرى اختلافًا كثيرًا.\nثم إذا وجد الخلاف فهناك وصية من النبي ﷺ تؤكد ضرورة البقاء على السنة، قال: (فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ).\nفقوله: (فعليكم بسنتي) يؤكد أنه عند الاختلاف تكون هناك سبيل واحدة هي التي أوصى النبي ﷺ بأخذها والاستمساك بها وسلوكها، وهي سبيل السنة، وهذا مما يدل على أن (أهل السنة) مصطلح شرعي؛ لأنهم الذين أخذوا بوصية النبي ﷺ في هذا الحديث وغيره.\nثم في الأثر الذي يليه عن حذيفة وعن ابن مسعود وعن أبي موسى الأشعري كلهم في هذا الحديث اجتمعوا على أمر، واتفقوا على بيان نهج من مناهج السنة.","vol":"11","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>العبادة توقيفية لا اجتهاد فيها برأي أو هوى</span>\nقول حذيفة: (كل عبادة لا يتعبدها أصحاب محمد ﷺ فلا تعبدوها)، هذه قاعدة شرعية عظيمة، أصحاب النبي ﷺ نقلوا عبادتهم عن رسول الله ﷺ، وهم نقلة هذا الدين؛ إذًا: فالعبادات توقيفية، فما لم يؤثر عن النبي ﷺ وعن صحابته فهو من البدع، وهذا فيه إشارة إلى أن الصحابة لا يقعون في البدع، وأن الله ﷿ حماهم وعصمهم من أن يكون منهم أحد من أهل الأهواء والبدع والافتراق؛ فكان اتباعهم والأخذ عنهم والاقتداء بهم هو السنة.\nثم قال: (فاتقوا الله يا معشر القراء) ويقصد بالقراء: طلاب العلم؛ لأن طالب العلم أول ما يبدأ بقراءة القرآن، ثم إذا أتقنه وتعلمه شرع في تعلم الفقه في الدين، بحسب ما يتيسر له من المقدرة والوقت، فطلاب العلم الناشئين مثلما نسميهم الآن: طلاب الحلقات طلاب المدارس صغار السن من الشباب الذين يحضرون مجالس العلم والدروس، هؤلاء يسمون القراء في مصطلح الصحابة والتابعين.\nوقوله: (فاتقوا الله يا معشر القراء! وخذوا طريق من كان قبلكم)، يعني: على السنة، (طريق من كان قبلكم) ليس المقصود بها مطلقًا، (من كان قبلكم)، يعني: الرسول ﷺ وصحابته، وهذا مفهوم من السياق.","vol":"11","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>موقف الصحابة من الإحداث في الدين</span>\nثم في قصة أصحاب البدعة الذين اطلع على حالهم أبو موسى الأشعري ثم أشعر عبد الله بن مسعود ﵄ بعض الوقفات التي ينبغي أن نستفيدها: أولًا: قول أحد رواة الأثر: (كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد) وهذا يؤكد نهجًا من مناهج المسلمين في طلب العلم، وهو الحرص على تلقي العلم واغتنام جميع الفرص للاستفادة من علم العلماء.\nفهؤلاء من حرصهم لم يكتفوا في أخذ العلم بالدروس التي كان ابن مسعود وغيره من الصحابة يلقونها في المساجد والمجامع وفي غيرها، بل كانوا يحرصون على تلقي العلم من العالم حتى وهو يمشي إلى المسجد أو يمشي إلى حاجة من الحاجات، وكانوا يقفون -أي: طلاب العلم- عند أبواب العلماء، حتى إذا خرجوا استثمروا أوقاتهم معهم، وأخذوا من الدرر العلمية والفقهية من هؤلاء العلماء.\nثم ذكر أن أبا موسى الأشعري ﵁ خرج إليهم، وقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن؟ يعني: عبد الله بن مسعود، وهذا يشير إلى أدب العلماء مع بعضهم، أبو موسى وابن مسعود كلهم صحابة كبار، وكلهم علماء، لكن مع ذلك تواضع أبو موسى الأشعري إلى حد أنه وقف موقف التلميذ الصغير في صيغته للسؤال، وفي أدبه، وفي عدم استعجاله، وعدم دخوله على ابن مسعود بطريقة غير مناسبة وصبر وصار ينتظر أخاه ابن مسعود كما ينتظر الطلاب والتلاميذ الصغار الذين عند الباب، وسألهم: هل خرج؟ وكان بإمكانه أن يطرق عليه الباب، لكنه التزم الأدب، لا سيما والأمر بالميزان الشرعي خطير؛ لأنه رأى بدعة عظيمة استهولها واستعظمها.\nقال: (فلما خرج قمنا إليه جميعًا، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن!) انظر الاستهلال في الحديث، فيه قمة الرفق والأدب وحسن المدخل، وهو لا يريد أن يثير انفعال ابن مسعود ﵁؛ لأن القضية خطيرة، فاستهل بكلام مناسب أراد أن يدخل به في علاج هذه القضية، قال: (يا أبا عبد الرحمن! إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرته، ولم أر -والحمد لله- إلا خيرًا)، خير لكنه على وضع منتقد؛ لأنهم يسبحون ويهللون، لكن الوضع الذي سبحوا به وهللوا وضع مبتدع، فانظر إلى تعبير العالم الفقيه بحسنه وجودته.\nقال: (فما هو؟ قال: إن عشت فسترى، ثم قال: رأيت في المسجد قومًا حلقًا) إلخ القصة، وذكرها مفصلة.\nثم ذهب ابن مسعود إلى هؤلاء القوم وحصل بينهم ما حصل، وورد أنه حثا عليهم التراب، وأنه عنفهم وأخرجهم من المسجد إلخ.\nثم قال ابن مسعود لـ أبي موسى: (أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء) ثم كرر هذه العبارة فيما بعد قال: (فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء)، نستفيد من هذا أنه لا ينبغي للمسلم أن يتجاوز ما شرع الله ﷿ عند أداء العبادة؛ لأن ما شرعه الله فيه الكفاية، فلا يجوز للمسلم أن يغلو ولا يزيد بدعوى أنه يريد أن يزيد من التطوع، أو يزيد من الحسنات؛ فإن الحسنات والأجر في التزام ما شرعه الله ﷿، وفيما شرعه الله الكفاية، وفي التجاوز الابتداع؛ ولذلك قال: فعدوا سيئاتكم) بمعنى: إن كنتم حريصين على التقوى والورع والاستقامة والتعبد لله ﷿؛ فكفوا عن السيئات واحرصوا على ما شرعه الله من العبادات وفعل الخيرات، ففي هذا الكفاية، أما أن تزيدوا في الدين فهذا من الابتداع؛ ولذلك نجد أن ابن مسعود عارض هذه المسائل وهي في ميزان الناس اليوم تعتبر مسائل صغيرة، لكنه عارضها بشدة وقوة، مثل التسبيح بالحصى، وبعض الناس قد يقول: المسألة سهلة، وبدل أن أسبح بالأصبع أسبح بالحصى أو بالعد، والنبي ﷺ ذكر أحيانًا أعدادًا للتسبيح والتكبير، لكن أسلوب العد فيه نكارة، ثم أداء العبادة بشكل جماعي هذا إضافة بدعية ليست من السنة.\nإذًا: هذه الأمور مستصغرة عند الناس، لكن مع ذلك أنكرها ابن مسعود وأيده على ذلك الصحابة، أنكرها إنكارًا شديدًا حتى صار منه ما صار من ذلك الموقف الحازم من هؤلاء القوم، وتفرست فيهم؛ لأن سياق القصة كان لها مراحل، وهؤلاء القوم الذين نهاهم ابن مسعود لم ينتهوا كلهم، بل ربما انتهى بعضهم، فذهبوا يعملون أشياء من ضمنها أنهم خصصوا مسجدًا للعبادة يتعبدون فيه غير مساجد المسلمين، خصصوا مسجدًا من المساجد يجتمعون فيه، فنهاهم وأخرجهم منه، ثم لما رأوا أنه يتتبعهم خصصوا مسجدًا لهم ثم أمر بهدمه، ثم خصصوا دويرة لهم فأمر بهدمها، فتتبعهم، فلما رأى منهم الإصرار على البدعة وأنهم لا يفقهون ولا يطيعون من هو أفقه منهم، ولا يرجعون إلى الحق ولا يرعوون؛ توسم فيهم أن يكونوا من الخوارج؛ لأن النبي ﷺ وصف الخوارج بأوصا","vol":"11","page":8}]}