{"ً":{"ٌ":37720,"ٍ":"شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية\nالمؤلف: ناصر بن عبد الكريم العلي العقل\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ١٦ درسا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":344,"ٕ":1,"ٖ":1770154541,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12","13","14","15","16"],"ٚ":[{"title":"[١]","level":1,"page":1},{"title":"تمهيد في بيان سبب اختيار فتاوى شيخ الإسلام المتعلقة بالعقيدة","level":2,"page":2},{"title":"خطبة شيخ الإسلام في أول الفتاوى تتضمن الحمد والثناء على الله ﷿ بما هو أهله","level":2,"page":3},{"title":"الخصائص التي انفردت بها هذه الأمة","level":2,"page":4},{"title":"من مميزات هذه الأمة أن جعلت سعادتها في طاعة الرسول ﷺ","level":2,"page":5},{"title":"من مميزات هذه الأمة بعث الله لمحمد ﷺ بالكتاب والسنة وجعلهما طريق النجاة والسعادة","level":2,"page":6},{"title":"تميز هذه الأمة بالإسناد والرواية عن غيرها من أهل الكتاب والأهواء والبدع","level":2,"page":7},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":8},{"title":"كيفية شهادة هذه الأمة على بقية الأمم الأخرى","level":3,"page":9},{"title":"دخول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحت الإرادة الشرعية والكونية","level":3,"page":10},{"title":"[٢]","level":1,"page":11},{"title":"قاعدة في الجماعة والفرقة وسبب ذلك ونتيجته","level":2,"page":12},{"title":"الوصية بالجماعة لإقامة الدين والنهي عن التفرقة في الدين","level":3,"page":13},{"title":"بيان كون ترك العمل بما أمر الله به سببا لإغراء العداوة والبغضاء بين الناس","level":3,"page":14},{"title":"أمر الله بطهارة القلوب والأبدان","level":3,"page":15},{"title":"سبب وقوع العداوة بين طوائف أهل الكتاب ومن اقتدى بهم","level":3,"page":16},{"title":"سبب الاجتماع والفرقة ونتيجتهما","level":3,"page":17},{"title":"فصل في حديث: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم)","level":2,"page":18},{"title":"[٣]","level":1,"page":19},{"title":"قاعدة في توحيد الإلهية وإخلاص العمل والوجه له","level":2,"page":20},{"title":"قاعدة جليلة في توحيد الله وإخلاص الوجه والعمل له","level":3,"page":21},{"title":"مقصود العبد ومطلوبه ومحبوبه هو الله تعالى","level":2,"page":22},{"title":"خلق الله الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته ومحبته والإخلاص له","level":2,"page":23},{"title":"كون العبادة لله تعالى تجلب قوة الإيمان في القلب واللذة مع وجود النصب والتعب الجسمي","level":3,"page":24},{"title":"كون العبادة تجلب النعيم الحسي والمعنوي في الدار الآخرة من النظر إلى وجه الله تعالى وغير ذلك","level":3,"page":25},{"title":"كون المخلوق لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع ولا يهدي ولا يضل وغير ذلك إلا بإذنه سبحانه","level":2,"page":26},{"title":"كون تعلق العبد بغير الله مضرة عليه","level":2,"page":27},{"title":"كون الاعتماد على المخلوق والتوكل عليه مضرة","level":2,"page":28},{"title":"إحسان الخالق إلى عبده مع غناه عنه","level":2,"page":29},{"title":"كون غالب الخلق يطلبون حاجاتهم من غيرهم وإن حصل الضرر للمطلوب","level":2,"page":30},{"title":"عجز الخلق عن دفع مضرة نزلت بالعبد إلا بإذن الله","level":2,"page":31},{"title":"لا نفع ولا ضر من الخلق إلا بإذن الله","level":2,"page":32},{"title":"فصل في إجمال وخلاصة ما تقدم من الوجوه","level":2,"page":33},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":34},{"title":"بيان الإشكال في قوله ﷺ: (اللهم إن كنت تعلم)","level":3,"page":35},{"title":"هل الطيب والمطلب من أسماء الله ﷿","level":3,"page":36},{"title":"حكم تقسيم التوحيد إلى أكثر من ثلاثة أقسام","level":3,"page":37},{"title":"حكم مقولة: قدس الله روحه","level":3,"page":38},{"title":"[٤]","level":1,"page":39},{"title":"فصل يتضمن مقدمة لتفسير (إياك نعبد وإياك نستعين)","level":2,"page":40},{"title":"التعبد والتأله أمر بدهي وفطري في العبد","level":3,"page":41},{"title":"أقسام الناس بالنسبة لعبادة الله والاستعانة به","level":3,"page":42},{"title":"فصل في وجوب اختصاص الخالق بالعبادة والتوكل","level":2,"page":43},{"title":"أعظم الناس عبودية لله أكثرهم خضوعا له وذلا وافتقارا","level":2,"page":44},{"title":"الافتقار إلى الله من لوازم المخلوقين","level":3,"page":45},{"title":"لفظ العبد في القرآن","level":3,"page":46},{"title":"أول درجات الافتقار هو الافتقار إلى الربوبية","level":3,"page":47},{"title":"التكلف في تقرير البدهيات منهج الفلاسفة","level":3,"page":48},{"title":"كون دلالة الفطرة على وجود الله هي الأصل","level":3,"page":49},{"title":"التحذير من استعمال عبارات الفلاسفة","level":3,"page":50},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":51},{"title":"وجه الخوض في القضايا الكلامية التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على أهل الكلام","level":3,"page":52},{"title":"[٥]","level":1,"page":53},{"title":"فصل: السعادة في معاملة الخلق أن تعاملهم لله","level":2,"page":54},{"title":"الأسس التي تقوم عليها السعادة في معاملة الخلق","level":3,"page":55},{"title":"مآل من التمس رضا الناس بسخط الله والعكس","level":3,"page":56},{"title":"انتفاع العبد بطاعة ربه ﷿","level":3,"page":57},{"title":"أنواع الشرك وضرورة تعاهد الإنسان نفسه خشية الوقوع في الرياء","level":3,"page":58},{"title":"غنى الإنسان وسعادته في طاعة ربه وتوحيده لافتقاره إليه سبحانه","level":3,"page":59},{"title":"افتقار العبد إلى التوكل على الله والاستعانة به","level":3,"page":60},{"title":"[٦]","level":1,"page":61},{"title":"معنى قوله تعالى: (ربيون)","level":2,"page":62},{"title":"أوجه ترجيح شيخ الإسلام للمعنى المراد للربيين","level":3,"page":63},{"title":"فصل في قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم)","level":2,"page":64},{"title":"حكاية الله لأخلاق وأوصاف اليهود والنصارى والتحذير من اتباعهم والتشبه بهم","level":3,"page":65},{"title":"نعت الله لرسوله ﷺ بالعبودية في أرفع مقاماته","level":3,"page":66},{"title":"صور العبودية العملية التي ينبغي أن تكون في أعمال الناس وأقوالهم","level":3,"page":67},{"title":"وقوع الغلو في الأمة في طائفتي الشيعة والصوفية","level":2,"page":68},{"title":"حقوق الأنبياء على الخلق","level":2,"page":69},{"title":"حقوق الرسول ﷺ على الخلق","level":3,"page":70},{"title":"العبادة والاستعانة والتوكل والدعاء لله وحده","level":2,"page":71},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":72},{"title":"بيان ما عليه الصوفية من الانحراف في العبادة والسلوك","level":3,"page":73},{"title":"الفرق بين غلو الرافضة والصوفية","level":3,"page":74},{"title":"[٧]","level":1,"page":75},{"title":"إخلاص الدين لله ﷿ هو قلب الدين والإيمان","level":2,"page":76},{"title":"المعنى الخاص بالإسلام","level":2,"page":77},{"title":"الخشية والإنابة من العبادة","level":2,"page":78},{"title":"الصور الكبرى للعبادة وغيرها من الصور","level":2,"page":79},{"title":"أصناف العبادات","level":2,"page":80},{"title":"السجود لغير الله صورة من صور الشرك الأكبر","level":3,"page":81},{"title":"بيان كون الزكاة والصدقات والحج والصيام لا يتقرب بها إلا لله وحده","level":3,"page":82},{"title":"أركان العبادة من الخوف والرجاء والمحبة لا تكون إلا لله وحده","level":3,"page":83},{"title":"الشهادتان أول واجبات الدين","level":2,"page":84},{"title":"التنبيه على مسألتين من أهم المسائل","level":2,"page":85},{"title":"المسألة الأولى: الخلط في القدر المشترك سبب لضلال أغلب الفرق في توحيد الإلهية وما يستتبعه من توحيد الأسماء والصفات","level":3,"page":86},{"title":"المسألة الثانية: في الكلام عن السماع","level":3,"page":87},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":88},{"title":"الفرق بين التوكل والاستعانة","level":3,"page":89},{"title":"حكم أهل السماع","level":3,"page":90},{"title":"الطريق لمعرفة الله ﷿","level":3,"page":91},{"title":"المقصود بالأزواج والسراري التي أباحها الله تعالى وعلاقة ذلك بالصوفية","level":3,"page":92},{"title":"الفرق بين الخشية والخوف","level":3,"page":93},{"title":"الشرك أعلى درجات الكفر","level":3,"page":94},{"title":"الضابط في وصف العبد بالشرك","level":3,"page":95},{"title":"[٨]","level":1,"page":96},{"title":"فصل في ألا يسأل العبد إلا الله","level":2,"page":97},{"title":"مشروعية الرقية الشرعية وحكم طلبها من الآخرين","level":3,"page":98},{"title":"حكم سؤال الناس الأموال وغيره","level":3,"page":99},{"title":"حكم سؤال وطلب الدعاء من الآخرين","level":3,"page":100},{"title":"فصل العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع","level":2,"page":101},{"title":"الإسلام مبني على أصلين عظيمين وهما الإخلاص والمتابعة","level":3,"page":102},{"title":"موقف الإسلام من خزعبلات وخوارق بعض المبتدعة","level":3,"page":103},{"title":"قاعدة جليلة في الرد على أهل البدع: أن الدين مبناه على الشرع","level":3,"page":104},{"title":"الفرق بين الأحوال الرحمانية لأهل الحق والأحوال الشيطانية لأهل البدع","level":3,"page":105},{"title":"فصل جامع في أن جماع الحسنات العدل، وجماع السيئات الظلم","level":2,"page":106},{"title":"[٩]","level":1,"page":107},{"title":"فصل الشرك بالله أعظم الذنوب","level":2,"page":108},{"title":"معاينة القلب لحقيقة الربوبية والإلهية عند تحقيق معنى الربوبية والألوهية","level":3,"page":109},{"title":"خلاصة مذهب الصوفية في الألوهية والربوبية وحقيقة ضلالهم وسببه","level":3,"page":110},{"title":"اعتذار شيخ الإسلام لهفوات بعض رموز الصوفية","level":3,"page":111},{"title":"أنواع الشرك الذي يكفر به صاحبه","level":3,"page":112},{"title":"كيفية التخلص من الشرك في الربوبية","level":3,"page":113},{"title":"كيفية التخلص من الشرك الخفي","level":3,"page":114},{"title":"فصل في محركات القلوب إلى الله ﷿","level":2,"page":115},{"title":"أنواع محركات القلوب إلى الله ﷿","level":3,"page":116},{"title":"محركات القلوب عند عدم المحبة الباعثة على طلب المحبوب وكذلك الخوف والرجاء","level":3,"page":117},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":118},{"title":"وجه اعتذار شيخ الإسلام عن بعض رموز الصوفية","level":3,"page":119},{"title":"حكم تعارض الزهد في الوقت الحاضر مع التجارة","level":3,"page":120},{"title":"[١٠]","level":1,"page":121},{"title":"أنواع الشرك الثلاثة باعتبار أعمال الناس وأحوالهم","level":2,"page":122},{"title":"النوع الأول: شرك العبادة والتأله","level":3,"page":123},{"title":"النوع الثاني: شرك الطاعة والانقياد لغير الله ﷿","level":3,"page":124},{"title":"النوع الثالث: شرك التصديق","level":3,"page":125},{"title":"أقسام الطاعة والتصديق","level":2,"page":126},{"title":"غير المشروع في باب الطاعة والتصديق","level":3,"page":127},{"title":"المقاصد الحسنة والفاسدة في ترك قبول أموال الناس","level":3,"page":128},{"title":"حال السلف في ترك قبول المال من الآخرين وقبول أخذه","level":3,"page":129},{"title":"[١١]","level":1,"page":130},{"title":"شبهات القائلين بجواز الاستغاثة بالنبي ﵊ وسائر الأنبياء والصالحين","level":2,"page":131},{"title":"جواب شيخ الإسلام عن شبهات القائلين بجواز الاستغاثة بالنبي ﷺ وغيره","level":2,"page":132},{"title":"الفرق بين التوسل بالنبي ﵊ والاستغاثة به","level":3,"page":133},{"title":"معنى الاستغاثة والاستعانة والنصرة والفرق بينهما وما يجوز طلبه من المخلوق","level":3,"page":134},{"title":"الفرق بين الشفاعة في الآخرة والشفاعة في الدنيا وحكم الشفاعة عند الوعيدية","level":3,"page":135},{"title":"الرد على من قال: إن التوسل إلى الله بنبي يعتبر استغاثة حقيقية بذلك النبي المتوسل به","level":3,"page":136},{"title":"حكم التوسل بغير نبينا ﷺ","level":3,"page":137},{"title":"حكم التوسل بالنبي ﷺ","level":3,"page":138},{"title":"أقوال الناس في معنى التوسل بالنبي ﷺ","level":3,"page":139},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":140},{"title":"الفرق بين التوسل البدعي والتوسل الشركي","level":3,"page":141},{"title":"حكم طلب الدعاء والاستغفار من أهل العلم والفضل","level":3,"page":142},{"title":"حكم من أوصى بأن يدفن في مقابر الصالحين","level":3,"page":143},{"title":"حكم دفن موتى المسلمين في مقابر الكفار","level":3,"page":144},{"title":"[١٢]","level":1,"page":145},{"title":"القائلون بمنع الاستغاثة بالنبي ﵊ وغيره وأدلتهم","level":2,"page":146},{"title":"الأدب مع العلماء وغيرهم","level":3,"page":147},{"title":"عدم جواز الاستغاثة والاستعانة بالمخلوق في باب الدعاء وفيما لا يقدر عليه إلا الله","level":3,"page":148},{"title":"ثبوت شفاعات الرسول ﷺ في الآخرة","level":3,"page":149},{"title":"حكم الاستشفاع والتوسل به ﵊ في حياته وبعد مماته","level":3,"page":150},{"title":"المعاني والعبارات الواردة في الكتاب والسنة وغيرهما نفيا وإثباتا","level":3,"page":151},{"title":"قاعدة في الحكم على الناس أو لهم","level":3,"page":152},{"title":"معنى الغياث والمغيث وهل هو من أسماء الله","level":3,"page":153},{"title":"الفرق بين المستغيث والداعي وحكم الاستغاثة والاستعانة بصفات الله تعالى","level":3,"page":154},{"title":"معنى الاستغاثة المثبتة والاستغاثة المنفية عن الرسول ﷺ","level":3,"page":155},{"title":"فصل مسميات ما يعبد من دون الله","level":2,"page":156},{"title":"الرد على أهل البدع القائلين بجواز اتخاذ الوسائط بكل مسمياتها بينهم وبين الله ﷿","level":3,"page":157},{"title":"[١٣]","level":1,"page":158},{"title":"فصل في الشفاعة المنفية في القرآن","level":2,"page":159},{"title":"سبب فساد احتجاج الخوارج والمعتزلة وغيرهم على نفي الشفاعة لأهل الكبائر وغير ذلك","level":3,"page":160},{"title":"مذهب السلف في الشفاعة لأهل الكبائر وغيرهم وبيان ضابطها","level":3,"page":161},{"title":"عدم شفاعة الشافعين يوم القيامة إلا بإذن ورضا الله ﷾","level":3,"page":162},{"title":"[١٤]","level":1,"page":163},{"title":"المفهوم الصحيح والسليم للواسطة بين الله وبين خلقه","level":2,"page":164},{"title":"حقيقة الوسائط المجمع على إثباتها بين الله وبين عباده وحكم من أنكرها","level":2,"page":165},{"title":"المفهوم الخاطئ للواسطة بين الله وبين عباده","level":3,"page":166},{"title":"ضرورة التميز بين الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية ومعرفة زمان ومكان وقوعهما","level":3,"page":167},{"title":"كفر من جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم","level":3,"page":168},{"title":"الواسطة المشروعة بين الرسول ﷺ وبين أمته","level":3,"page":169},{"title":"بعض صور المفهوم الخاطئ السائد عند أهل البدع في الواسطة بين الله وبين خلقه","level":3,"page":170},{"title":"الفرق بين الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية","level":3,"page":171},{"title":"حكم الشفاعة للمشركين وعدم جدوى شفعائهم","level":3,"page":172},{"title":"[١٥]","level":1,"page":173},{"title":"حكم الالتفات إلى الأسباب أو محو سببيتها أو الإعراض عنها بالكلية","level":2,"page":174},{"title":"حكم الدعاء للآخرين أو طلبه منهم","level":2,"page":175},{"title":"وجه طلب الرسول ﷺ من الأمة أن تدعو له","level":2,"page":176},{"title":"فوائد الدعاء للغير وثماره","level":2,"page":177},{"title":"[١٦]","level":1,"page":178},{"title":"عقيدة السلف في الإيمان","level":2,"page":179},{"title":"زيادة الإيمان بالطاعات ووجه كون الدنيا نعمة أم لا","level":3,"page":180},{"title":"الإنعام الحقيقي وبيان عقيدة أهل السنة وغيرهم في ذلك","level":3,"page":181},{"title":"حكم طلب الدعاء من الغير لمصلحة وغير مصلحة وبيان عدم علاقته بالشفاعة","level":3,"page":182},{"title":"بيان الله تعالى للتوحيد في كتابه وحسم مواد الإشراك به","level":3,"page":183},{"title":"أمور تتعلق بالأسباب ينبغي معرفتها","level":3,"page":184},{"title":"حكم من قال: إن الله يسمع الدعاء بواسطة محمد ﷺ","level":2,"page":185},{"title":"حكم التوسل بالنبي ﷺ","level":2,"page":186}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"2,1":11,"2,2":12,"2,3":13,"2,4":14,"2,5":15,"2,6":16,"2,7":17,"2,8":18,"3,1":19,"3,2":20,"3,3":21,"3,4":22,"3,5":23,"3,6":24,"3,7":25,"3,8":26,"3,9":27,"3,10":28,"3,11":29,"3,12":30,"3,13":31,"3,14":32,"3,15":33,"3,16":34,"3,17":35,"3,18":36,"3,19":37,"3,20":38,"4,1":39,"4,2":40,"4,3":41,"4,4":42,"4,5":43,"4,6":44,"4,7":45,"4,8":46,"4,9":47,"4,10":48,"4,11":49,"4,12":50,"4,13":51,"4,14":52,"5,1":53,"5,2":54,"5,3":55,"5,4":56,"5,5":57,"5,6":58,"5,7":59,"5,8":60,"6,1":61,"6,2":62,"6,3":63,"6,4":64,"6,5":65,"6,6":66,"6,7":67,"6,8":68,"6,9":69,"6,10":70,"6,11":71,"6,12":72,"6,13":73,"6,14":74,"7,1":75,"7,2":76,"7,3":77,"7,4":78,"7,5":79,"7,6":80,"7,7":81,"7,8":82,"7,9":83,"7,10":84,"7,11":85,"7,12":86,"7,13":87,"7,14":88,"7,15":89,"7,16":90,"7,17":91,"7,18":92,"7,19":93,"7,20":94,"7,21":95,"8,1":96,"8,2":97,"8,3":98,"8,4":99,"8,5":100,"8,6":101,"8,7":102,"8,8":103,"8,9":104,"8,10":105,"8,11":106,"9,1":107,"9,2":108,"9,3":109,"9,4":110,"9,5":111,"9,6":112,"9,7":113,"9,8":114,"9,9":115,"9,10":116,"9,11":117,"9,12":118,"9,13":119,"9,14":120,"10,1":121,"10,2":122,"10,3":123,"10,4":124,"10,5":125,"10,6":126,"10,7":127,"10,8":128,"10,9":129,"11,1":130,"11,2":131,"11,3":132,"11,4":133,"11,5":134,"11,6":135,"11,7":136,"11,8":137,"11,9":138,"11,10":139,"11,11":140,"11,12":141,"11,13":142,"11,14":143,"11,15":144,"12,1":145,"12,2":146,"12,3":147,"12,4":148,"12,5":149,"12,6":150,"12,7":151,"12,8":152,"12,9":153,"12,10":154,"12,11":155,"12,12":156,"12,13":157,"13,1":158,"13,2":159,"13,3":160,"13,4":161,"13,5":162,"14,1":163,"14,2":164,"14,3":165,"14,4":166,"14,5":167,"14,6":168,"14,7":169,"14,8":170,"14,9":171,"14,10":172,"15,1":173,"15,2":174,"15,3":175,"15,4":176,"15,5":177,"16,1":178,"16,2":179,"16,3":180,"16,4":181,"16,5":182,"16,6":183,"16,7":184,"16,8":185,"16,9":186},"ٜ":{"1":[1,10],"2":[1,8],"3":[1,20],"4":[1,14],"5":[1,8],"6":[1,14],"7":[1,21],"8":[1,11],"9":[1,14],"10":[1,9],"11":[1,15],"12":[1,13],"13":[1,5],"14":[1,10],"15":[1,5],"16":[1,9]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","9,14","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","11,7","11,8","11,9","11,10","11,11","11,12","11,13","11,14","11,15","12,1","12,2","12,3","12,4","12,5","12,6","12,7","12,8","12,9","12,10","12,11","12,12","12,13","13,1","13,2","13,3","13,4","13,5","14,1","14,2","14,3","14,4","14,5","14,6","14,7","14,8","14,9","14,10","15,1","15,2","15,3","15,4","15,5","16,1","16,2","16,3","16,4","16,5","16,6","16,7","16,8","16,9"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80],"81":[81],"82":[82],"83":[83],"84":[84],"85":[85],"86":[86],"87":[87],"88":[88],"89":[89],"90":[90],"91":[91],"92":[92],"93":[93],"94":[94],"95":[95],"96":[96],"97":[97],"98":[98],"99":[99],"100":[100],"101":[101],"102":[102],"103":[103],"104":[104],"105":[105],"106":[106],"107":[107],"108":[108],"109":[109],"110":[110],"111":[111],"112":[112],"113":[113],"114":[114],"115":[115],"116":[116],"117":[117],"118":[118],"119":[119],"120":[120],"121":[121],"122":[122],"123":[123],"124":[124],"125":[125],"126":[126],"127":[127],"128":[128],"129":[129],"130":[130],"131":[131],"132":[132],"133":[133],"134":[134],"135":[135],"136":[136],"137":[137],"138":[138],"139":[139],"140":[140],"141":[141],"142":[142],"143":[143],"144":[144],"145":[145],"146":[146],"147":[147],"148":[148],"149":[149],"150":[150],"151":[151],"152":[152],"153":[153],"154":[154],"155":[155],"156":[156],"157":[157],"158":[158],"159":[159],"160":[160],"161":[161],"162":[162],"163":[163],"164":[164],"165":[165],"166":[166],"167":[167],"168":[168],"169":[169],"170":[170],"171":[171],"172":[172],"173":[173],"174":[174],"175":[175],"176":[176],"177":[177],"178":[178],"179":[179],"180":[180],"181":[181],"182":[182],"183":[183],"184":[184],"185":[185],"186":[186]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-1>[١]</span>\nلقد ميز الله ﷿ هذه الأمة الخاتمة بميزات وخصائص عظيمة، فقد جعلها خير الأمم، وأكرمها بخير الرسل، وحباها بخير الكتب، وجعلها شاهدة على الأمم كلها، وحفظ لها دينها إلى قيام الساعة، وضمن لها أنها لا تجتمع على ضلالة، وجعل الخير باقيًا فيها إلى يوم القيامة وغير ذلك من الميزات والخصائص.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد في بيان سبب اختيار فتاوى شيخ الإسلام المتعلقة بالعقيدة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nأما بعد: فإن شاء الله تعالى سنأخذ دروسًا في مجموع الفتاوى القسم المتعلق بالعقيدة، ويشمل المجلدات الثمانية الأول لشيخ الإسلام ابن تيمية، والفتاوى لـ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قد اشتملت على بعض الرسائل أو الكتب مثل: الواسطية والحموية والتدمرية وغيرها، والقسم المتعلق بالعقيدة -كما ذكرنا- يشمل المجلدات الثمانية الأولى والتي تنتهي بموضوع القدر، ثم يلحق المجلد التاسع والعاشر والحادي عشر فيما يتعلق بالفرق وخاصة الصوفية، وما يتعلق بأصولها ومناهجها وقضاياها وطرقها ورجالها وبدعها وغير ذلك، ويسمى هذا بعلم السلوك والتصوف، وقد عده السلف من الأمور المكملة للعقائد، وهي أمور الرد وتصحيح عقائد الناس، وقد كان اختيارنا للفتاوى مبني على اعتبارات عدة، منها: الاعتبار الأول: شمول فتاوى شيخ الإسلام في المجلدات الأولى لكل مسائل العقيدة الكبرى والمهمة، بل أحيانًا حتى الفرعية.\nالاعتبار الثاني: أن منهج شيخ الإسلام ابن تيمية يعتبر المنهج الأنموذج الذي يجمع بين أساليب القدامى والمتأخرين في اعتماد منهج السلف في التقرير والعرض والاستدلال، بالإضافة إلى ما فيه من فائدة علمية وفوائد منهجية عظيمة جدًا يستفيد منها المعاصرون، ويستفيد منها سائر طلاب العلم في تقرير العقيدة وبيانها، حتى مع تغير الزمن في هذا الوقت، بل إننا سنرى وسنلاحظ أن شيخ الإسلام ﵀ كأنه قد كتب للناس في هذا الزمان في كثير من المسائل، وسبب ذلك تشابه أحوال عصره بأحوال عصرنا، خاصة فيما يتعلق بمناهج الناس وعقائدهم ومللهم ونحلهم، وإنما اختلفت وسائل الحياة، وهذا أمر لا دخل له في تقرير الدين.\nالاعتبار الثالث: أن فتاوى شيخ الإسلام فيما يتعلق بقسم العقيدة قد اشتمل على كثير من الردود المباشرة وغير المباشرة، ولم يكتف ﵀ بمجرد العرض والاستدلال والتقرير، لأنه رحمه الله تعالى عندما كتب في ذلك الوقت كان أغلب الناس من المعرضين عن عقيدة السلف، فكان في معرض تقريره للعقيدة يبين الرأي المخالف ويرد على المخالفين، فيستقصي في بحثه ويستدل وينهي المسائل حتى يصل اليقين للقارئ وطالب العلم خاصة، ثم إن شيخ الإسلام امتاز أسلوبه بجزالة الألفاظ وقوة المعاني والاستنباط.","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>خطبة شيخ الإسلام في أول الفتاوى تتضمن الحمد والثناء على الله ﷿ بما هو أهله</span>\nقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه: [بسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، العالم بما كان وما هو كائن وما سيكون، الذي إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، الذي يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون، وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون، الذي دل على وحدانيته في إلهيته أجناس الآيات، وأبان علمه لخليقته ما فيها من إحكام المخلوقات، وأظهر قدرته على بريته ما أبدعه من أصناف المحدثات، وأرشد إلى فعله بسنته تنوع الأحوال المختلفات، وأهدى برحمته لعباده نعمه التي لا يحصيها إلا رب السماوات، وأعلم بحكمته البالغة دلائل حمده وثنائه الذي يستحقه من جميع الحالات، لا يحصي العباد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه؛ لما له من الأسماء والصفات، وهو المنعوت بنعوت الكمال وصفات الجلال التي لا يماثله فيها شيء من الموجودات، وهو القدوس السلام المتنزه أن يماثله شيء في نعوت الكمال، أو يلحقه شيء من الآفات، فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، الذي له ملك السماوات والأرض، ولم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء فقدره تقديرًا.\nأرسل الرسل مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وكان الله عزيزًا حكيمًا، مبشرين لمن أطاعهم بغاية المراد من كل ما تحبه النفوس وتراه نعيمًا، ومنذرين لم عصاهم باللعن والإبعاد وأن يعذبوا عذابًا أليمًا، وأمرهم بدعاء الخلق إلى عبادته وحده لا شريك له، مخلصين له الدين ولو كره المشركون، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١]، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥٢]، وجعل لكل منهم شرعة ومنهاجًا؛ ليستقيموا إليه ولا يبغوا عنه اعوجاجًا.\nوختمهم بمحمد ﷺ أفضل الأولين والآخرين، وصفوة رب العالمين، الشاهد البشير النذير الهادي السراج المنير، الذي أخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وهداهم إلى صراط العزيز الحميد، الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وويل للكافرين من عذاب شديد، بعثه بأفضل المناهج والشرع، وأحبط به أصناف الكفر والبدع، وأنزل عليه أفضل الكتب والأنباء، وجعله مهيمنًا على ما بين يديه من كتب السماء].","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الخصائص التي انفردت بها هذه الأمة</span>\nسيذكر الشيخ رحمه الله تعالى جملة من الخصائص التي امتازت بها هذه الأمة، وهي بالاستلزام خصائص للنبي ﷺ.\nقال ﵀: [وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس].\nالخصيصة الأولى: أن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، والخيرية هنا مطلقة، فهي خيرية الدنيا والآخرة.\nقال ﵀: [يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله].\nالخصيصة الثانية: أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وهذه الخصيصة باقية في هذه الأمة إلى قيام الساعة، وقد يكون في بعض الأمم من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لكن ليس كهذه الأمة؛ لأن هذه الشعيرة باقية في هذه الأمة، ما دامت هذه الطائفة المنصورة التي تكفل الله ببقائها قائمة.\nإذًا: تميزت هذه الأمة باستمرار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبقيامها به على الوجه الصحيح في الجملة.\nالخصيصة الثالثة: الإيمان بالله، لكن قد يقول قائل: إن هذه الخصيصة تشاركها فيها جميع الأمم، وهذا غير صحيح؛ لأن المقصود بالإيمان هنا الإيمان الحق الذي يتضمن الإيمان بالله وبأسمائه وبصفاته وبأفعاله، ويتضمن توحيده ﷿، والإيمان بأركان الإيمان الستة وأصوله؛ لذا فهذه الأمة هي أفضل الأمم استكمالًا لمعاني الإيمان بالله ﷿.\nقال ﵀: [يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله، هو شهيد عليهم وهم شهداء على الناس في الدنيا والآخرة، بما أسبغه عليهم من النعم الباطنة والظاهرة].\nقوله ﵀: (يوفون سبعين) هذه ما أظنها من الخصائص، هذه إكمال عدد، إلا قوله: هم خيرها، يعني: خير السبعين أمة وأكرمها؛ فقد ورد بأنهم خير أمة.\nالخصيصة الرابعة: أنهم شهداء على الناس.\nقال ﵀: [وعصمهم أن يجتمعوا على ضلالة، إذ لم يبق بعده نبي يبين ما بدل من الرسالة].\nالخصيصة الخامسة: أن الله عصمهم من أن يجتمعوا على ضلالة، وهذا من لوازم حفظ الدين، فكما أن الله قد تكفل بحفظ هذا الدين وبقاء طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرة، فإن ذلك يعني العصمة من الضلالة، والعصمة لمجموع هذه الأمة لا للأفراد، لكن قد يفهم بعض الناس كما فهم بعض أهل الأهواء أن الأمة لا تقع في ضلالة، وهذا خطأ؛ لأنه قد تكون هناك طوائف من هذه الأمة تقع في الضلالة، لكن ليس كل الأمة، بل لا بد أن تبقى طائفة على الحق ظاهرة، وهم أهل السنة والجماعة.\nقال ﵀: [وأكمل لهم دينهم، وأتم عليهم نعمه، ورضي لهم الإسلام دينًا، وأظهره على الدين كله إظهارًا بالنصرة والتمكين، وإظهارًا للحجة والتبيين].\nالخصيصة السادسة: إكمال الدين وإتمامه، وإظهاره على الأديان كلها، وتمكين الله لهذه الأمة إلى قيام الساعة.\nقال ﵀: [وجعل فيهم علماءهم ورثة الأنبياء، يقومون مقامهم في تبليغ ما أنزل من الكتاب].\nالخصيصة السابعة: بقاء العلماء في الأمة، بخلاف الأمم السابقة فقد اندثر فيها العلم ولم يبق فيها علماء؛ لأنها قد ابتليت بتغيير الدين والكتب المنزلة من الله ﷿، وإذا وقع التغيير لم يكن هناك علم وعلماء، ولذلك لم يبق في أي أمة من الأمم من العلماء على الدين الصحيح والاستقامة والسنة إلا علماء هذه الأمة، فهم باقون إلى قيام الساعة، وهم الذين تتمثل بهم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، لكن العلم الذي كان عند علماء اليهود والنصارى فيه شيء من التشويش، مع وجود بقية من خير، ولم يكن عندهم العلم الراسخ الذي يُعتمد عليه، ويكون بمثابة العلم الذي يحفظ به الدين نقيًا صافيًا، بل لم يوجد ذلك إلا عند علماء هذه الأمة؛ لأنهم ورثوه عن النبي ﷺ من غير تغيير ولا تبديل، وعليه فما كان من العلم عند علماء اليهود أو علماء النصارى قبل بعثة النبي ﷺ أو أثناء بعثته لا يخلو من التشويش والتغيير والتبديل، فالنصارى كانت عبادتهم وعلمهم مبنيًا على الكذب، واليهود كان عندهم شيء من الخلط والكذب والاستكبار إلا من هداهم الله فيما بعد، كـ عبد الله بن سلام ﵁، فعندما أسلم اعترف بأنه كان يفعل ما يشاء، وليس بمقتضى ما أمر الله به وبمقتضى الأمانة التي حملها الله العلماء.\nقال ﵀: [وطائفة منصورة لا يزالون ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى حين الحساب].\nالخصيصة الثامنة: أنه تبقى في هذه الأمة طائفة منصورة، وهي أهل الحق وأهل السنة والاستقامة.\nقال ﵀: [وحفظ لهم الذكر الذي أنزله من الكتاب المكنون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]].\nالخصيصة التاسعة: حفظ الله لكتابه العزيز.\nقال ﵀: [فلا يقع في كتابهم من التحريف والتبديل كما وقع من أصحاب التوراة والإنجيل].\nالخصيصة العاشرة وإن كانت متفرعة عن التاسعة: امتاز الحفظ من التحريف بأنه ليس فقط حفظًا للذكر بذاته، بل حفظًا للذكر ولمعانيه الصحيحة السليمة التي بها يستقيم دين الله ﷿، وكما حفظ هذا القرآن وحفظ هذا الدين فكذلك حفظت السن","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>من مميزات هذه الأمة أن جعلت سعادتها في طاعة الرسول ﷺ</span>\nقال ﵀: [وجعل هذا الميراث يحمله من كل خلف عدوله أهل العلم والدين، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ لتدوم بهم النعمة على الأمة، ويظهر بهم النور من الظلمة، ويحيا بهم دين الله الذي بعث به رسوله، وبين الله بهم للناس سبيله، فأفضل الخلق أتبعهم لهذا النبي الكريم المنعوت في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين، وإله المرسلين، وملك يوم الدين.\nوأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله إلى الناس أجمعين، أرسله والناس من الكفر والجهل والضلال في أقبح خيبة وأسوأ حال، فلم يزل ﷺ يجتهد في تبليغ الدين وهدى العالمين وجهاد الكفار والمنافقين، حتى طلعت شمس الإيمان، وأدبر ليل البهتان، وعز جند الرحمن، وذل حزب الشيطان، وظهر نور الفرقان، واشتهرت تلاوة القرآن، وأعلن بدعوة الأذان، واستنار بنور الله أهل البوادي والبلدان، وقامت حجة الله على الإنس والجان، لما قام المستجيب من معد بن عدنان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، صلاة يرضى بها الملك الديان، وسلم تسليمًا مقرونًا بالرضوان.\nأما بعد: فإنه لا سعادة للعباد، ولا نجاة في المعاد إلا باتباع رسوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء:١٣]، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء:١٤]، فطاعة الله ورسوله قطب السعادة التي عليه تدور، ومستقر النجاة الذي عنه لا تحور.\nفإن الله خلق الخلق لعبادته كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وإنما تعبدهم بطاعته وطاعة رسوله، فلا عبادة إلا ما هو واجب أو مستحب في دين الله، وما سوى ذلك فضلال عن سبيله.\nولهذا قال ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)، أخرجاه في الصحيحين، وقال ﷺ في حديث العرباض بن سارية الذي رواه أهل السنن وصححه الترمذي: (إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة).\nوفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره أنه كان يقول في خطبته: (خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة).\nوقد ذكر الله طاعة الرسول ﷺ واتباعه في نحو من أربعين موضعًا من القرآن، كقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٤ - ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، فجعل محبة العبد لربه موجبة لاتباع الرسول، وجعل متابعة الرسول سببًا لمحبة الله عبده، وقد قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢]، فما أوحاه الله إليه يهدي به الله من يشاء من عباده، كما أنه ﷺ بذلك هداه الله تعالى كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٥٠]، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>من مميزات هذه الأمة بعث الله لمحمد ﷺ بالكتاب والسنة وجعلهما طريق النجاة والسعادة</span>\nقال ﵀: [فحق على كل أحد بذل جهده واستطاعته في معرفة ما جاء به وطاعته؛ إذ هذا طريق النجاة من العذاب الأليم والسعادة في دار النعيم، والطريق إلى ذلك الرواية والنقل، إذ لا يكفي من ذلك مجرد العقل، بل كما أن نور العين لا يرى إلا مع ظهور نور قدامه، فكذلك نور العقل لا يهتدي إلا إذا طلعت عليه شمس الرسالة، فلهذا كان تبليغ الدين من أعظم فرائض الإسلام، وكان معرفة ما أمر الله به رسوله واجبًا على جميع الأنام.\nوالله سبحانه بعث محمدًا ﷺ بالكتاب والسنة، وبهما أتم على أمته المنة، قال تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٠ - ١٥٢].\nوقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران:١٦٤].\nوقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٣١].\nوقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢].\nوقال تعالى عن الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩].\nوقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، وقد قال غير واحد من العلماء: منهم يحيى بن أبي كثير وقتادة والشافعي وغيرهم: الحكمة هي السنة؛ لأن الله أمر أزواج نبيه أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من الكتاب والحكمة، والكتاب: القرآن، وما سوى ذلك مما كان الرسول ﷺ يتلوه هو السنة.\nوقد جاء عن النبي ﷺ من عدة أوجه من حديث أبي رافع وأبي ثعلبة وغيرهما ﵃ أنه قال: (لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: بيننا وبينكم القرآن، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه).\nوفي رواية: (ألا وإنه مثل الكتاب)].\nفي هذا الحديث إخبار عما سيقع من بعض الطوائف في هذه الأمة، وتحذير النبي ﷺ من أناس يأتون من بعده يقولون مثل هذا القول، وهذا التحذير منه ﵊ في معرض الإخبار وفي معرض التحديث في وقت واحد؛ لأننا نجد أن النبي ﷺ قد حذر من أشياء كثيرة وقعت في طوائف من هذه الأمة، ولم يبق سالمًا مما حذر منه النبي ﷺ من الأهواء إلا أهل السنة والجماعة، فقد نجد أن أكثر فرق أهل الأهواء لها نصيب مما حذر منه النبي ﷺ في هذا الحديث، فمنهم من أنكر السنة جملة وادعى أنه يكفي العمل بالقرآن، وهؤلاء طوائف من أوائل الخوارج، وكذلك المعتزلة والجهمية يردون السنة كلها أو بعضًا منها، ثم بقيت فرق أهل الكلام: الأشاعرة والماتريدية وغيرهم يأخذون من السنة ما يحلو لهم ويردون ما لا يحلو لهم، ثم إنه في الآونة الأخيرة ظهرت طوائف في كثير من بلاد المسلمين يسمون بالقرآنيين، وأصبح لهم الآن مناهج وكتب ومؤلفات وأتباع، ويكثرون في الهند وباكستان، ومنهم طوائف قليلة في مصر، فقد سموا أنفسهم أو سماهم الناس بالقرآنيين وهم ليسوا بقرآنيين، لكن هذه التسمية جاءت من باب الوصف لبعض مذهبهم؛ لأنهم زعموا أنه يكفي الناس العمل بالقرآن، وهكذا تجد مجموع الفرق أو جملتهم منهم من أنكر السنة بالكلية كالرافضة، ومنهم من أنكر أكثر السنة كبعض طوائف الخوارج، ومنهم من أنكر أيضًا كل ما يخالف أصوله وقواعده كالمعتزلة، بل من المعتزلة من أنكر السنة في الجملة وقال: لا يوثق بها! ومنهم من لم يجرؤ على إنكار السنة لكنه طعن فيها، بمعنى: أنه زعم أن السنة ظنية، وهذا مذهب الرازي وأبي المعالي الجويني قبل أن يرجع عن هذا المذهب، وهو مذهب متأخرة الأشاعرة؛ لأنهم زعموا أن ليس في السنة يقين إلا المتواتر وهو قليل، وله شروط ثقيلة وعسيرة، وأيضًا فقد يثبتونه سندًا ويردون أو يؤولون أو يشككون العمل بها، وأما خبر ال","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>تميز هذه الأمة بالإسناد والرواية عن غيرها من أهل الكتاب والأهواء والبدع</span>\nقال ﵀: [ولما كان القرآن متميزًا بنفسه؛ لما خصه الله به من الإعجاز الذي باين به كلام الناس، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] وكان منقولًا بالتواتر، لم يطمع أحد في تغيير شيء من ألفاظه وحروفه، ولكن طمع الشيطان أن يدخل التحريف والتبديل في معانيه بالتغيير والتأويل، وطمع أن يدخل في الأحاديث من النقص والازدياد ما يضل به بعض العباد.\nفأقام الله تعالى الجهابذة النقاد، أهل الهدى والسداد، فدحروا حزب الشيطان، وفرقوا بين الحق والبهتان، وانتدبوا لحفظ السنة ومعاني القرآن من الزيادة في ذلك والنقصان.\nوقام كل من علماء الدين بما أنعم به عليه وعلى المسلمين مقام أهل الفقه، الذين فقهوا معاني القرآن والحديث، بدفع ما وقع في ذلك من الخطأ في القديم والحديث، وكان من ذلك الظاهر الجلي الذي لا يسوغ عنه العدول، ومنه الخفي الذي يسوغ فيه الاجتهاد للعلماء العدول.\nوقام علماء النقل والنقاد بعلم الرواية والإسناد، فسافروا في ذلك إلى البلاد، وهجروا فيه لذيذ الرقاد، وفارقوا الأموال والأولاد، وأنفقوا فيه الطارف والتلاد، وصبروا فيه على النوائب، وقنعوا من الدنيا بزاد الراكب، ولهم في ذلك من الحكايات المشهورة والقصص المأثورة ما هو عند أهله معلوم، ولمن طلب معرفته معروف مرسوم، بتوسد أحدهم التراب وتركهم لذيذ الطعام والشراب، وترك معاشرة الأهل والأصحاب، والتصبر على مرارة الاغتراب، ومقاساة الأهوال الصعاب أمر حببه الله إليهم وحلاه؛ ليحفظ بذلك دين الله، كما جعل البيت مثابة للناس وأمنًا يقصدونه من كل فج عميق، ويتحملون فيه أمورًا مؤلمة تحصل في الطريق، وكما حبب إلى أهل القتال الجهاد بالنفس والمال حكمة من الله يحفظ بها الدين؛ ليهدي المهتدين، ويظهر به الهدى ودين الحق الذي بعث به رسوله ولو كره المشركون.\nفمن كان مخلصًا في أعمال الدين يعملها لله، كان من أولياء الله المتقين، أهل النعيم المقيم، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٤].\nوقد فسر النبي ﷺ البشرى في الدنيا بنوعين: أحدهما: ثناء المثنين عليه.\nالثاني: (الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له، فقيل: يا رسول الله! الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه قال: تلك عاجل بشرى المؤمن).\nوقال البراء بن عازب ﵁ (سئل النبي ﷺ عن قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس:٦٤] فقال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له).\nوالقائمون بحفظ العلم الموروث عن رسول الله ﷺ الربان، الحافظون له من الزيادة والنقصان، هم من أعظم أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين، بل لهم مزية على غيرهم من أهل الإيمان والأعمال الصالحات، كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، قال ابن عباس ﵄: يرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات.\nوعلم الإسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد ﷺ، وجعله سلمًا إلى الدراية، فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات، وهكذا المبتدعون من هذه الأمة أهل الضلالات، وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليه المنة، أهل الإسلام والسنة، يفرقون به بين الصحيح والسقيم، والمعوج والقويم].\nهذه سمة من سمات هذه الأمة في الجملة، أعنى: أن الله ميز هذه الأمة بالإسناد، والسنة باقية أيضًا في أهل السنة والجماعة، وعليه فالدين بل وآثار السلف تقوم على الإسناد، والمقصود بالإسناد: الإسناد الصحيح، وإلا فهناك من تعلق بالأسانيد، وخاصة بعدما اشتهر أمر الإسناد عن هذه الأمة واستقر عند أهل السنة، وعرف الصحيح من السقيم كأهل البدع والأهواء، الذين صاروا يتشبهون بأهل السنة في مسألة الاعتماد على الأسانيد التي لا أصل لها، وأحيانًا نجد أهل البدع من الصوفية والقدرية من تصدى لبدعته فجعل لها أسانيد من عنده، وهذا من باب التقليد والتشبه لا من باب الأسانيد الحقيقية، ولذا فأسانيد أهل الأهواء ليست صحيحة، ثم إنها قد تشتمل أيضًا على شيء من الخلط، أو قد تكون هناك أسانيد صحيحة ومتون فاسدة أو مكذوبة؛ لأنها أولًا لم تسند إلى النبي ﷺ، وما أسندوها إلى النبي ﷺ فقد ثبت أنها موضوعة، لذا فأغلب أس","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الأسئلة</span>","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>كيفية شهادة هذه الأمة على بقية الأمم الأخرى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف تكون هذه الأمة شهيدة على بقية الأمم الأخرى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  شهادة هذه الأمة على الأمم الأخرى من عدة وجوه: أولًا: لأنها تلقت الوحي الصادق الذي تضمن أخبار الأمم، وتضمن ما أقامه الله ﷿ على الأمم من حجة بالآيات والمنذرات، والشرائع التي أنزلها الله ﷿، فهذه الأمور جاءت في القرآن والسنة، فبقيت من المعلوم عند جميع هذه الأمة أو عند طوائف هذه الأمة على الأمم الأخرى، وسيشهدون على ذلك في الدنيا والآخرة.\nوقد أقامت هذه الأمة الإسلامية بمجموعها الحجة على خلقه في هذه الدنيا على الأمم، ولا تزال تقيم الحجة، ولا نزال نرى في المسلمين مظاهر إقامة الحجة على الأمم الأخرى، فهذه الحجة تقتضي ضرورة الشهادة؛ لأنهم بلغوا كلام الله وبلغوا ما أمر الله به من إبلاغ الأمم، وأخبروهم بمقتضيات الرسالة المحمدية التي جاء بها النبي ﷺ، فمنهم من أعرض ومنهم من أطاع، فمن أعرض قامت عليه الشهادة، وهذه الشهادة نفسها تبقى أصولها حتى يوم القيامة، فعندما تقول الأمم: لم يأتنا رسل ونذر، تشهد هذه الأمة بأن الله قد بعث الرسل والنذر، وأن آيات الرسل والنذر من كلام الله ﷿ ومن آياته المشهودة والمنظورة قائمة؛ ولذا فالأمة الإسلامية تشهد على الأمم الأخرى بحجة الله ﷿ على خلقه، حتى بالآثار القائمة والقصص التاريخية المتواترة، وبالأحوال والكرامات التي يهيئها الله ﷿ لهذه الأمة على الأمم الأخرى.\nفإذًا: الشهادة تكون من مجموعة أمور أعظمها الشهادة بمقتضيات ما جاء في القرآن المحفوظ وما جاء بالسنة المحفوظة.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>دخول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحت الإرادة الشرعية والكونية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] فهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قدر كتبه الله جل وعلا أو شرع تطالب به الأمة قد تفعله وقد لا تفعله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه من الشرع، لكن ما يمتثله الناس من أوامر الله ﷿ وأوامره الشرعية يدخل في إرادته الكونية، بمعنى: أن ما يعمله وما يمتثله العباد من أوامر الله الشرعية يكون مما شاءه الله وقدره كونًا، فبين الأمرين تلازم، لكن الأصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه داخل في إرادة الله الشرعية، وكونه ﷿ قد وعد هذه الأمة وحقق لها أن تكون آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر كان هذا لسابق علمه أنها ستعمل وتنهى، وأيضًا لأن الله قد قدر ذلك، فاجتمع في هذا الأمر الشرعي والأمر الكوني، لكنه أقرب إلى الأمر الشرعي أو الإرادة الشرعية.","vol":"1","page":10},{"text":"شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-11>[٢]</span>\nالجماعة مطلب عظيم من مطالب الدين، وأصل كبير من أصول الإسلام، ولا يكون الاجتماع إلا بالاعتصام بالكتاب والسنة، ونبذ الفرقة والاختلاف؛ لأن من خالف الجماعة في الاعتقاد خاصة فقد خرج عن السنة، ومن فارق الجماعة في العمل فقد شذ، ومن شذ شذ في النار، فينبغي على المسلم الإخلاص لله تعالى، ولزوم جماعة المسلمين، والنصيحة لهم.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>قاعدة في الجماعة والفرقة وسبب ذلك ونتيجته</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد: فقد تناولنا في الدرس الماضي في فتاوى شيخ الإسلام الموضوع الأول وهو متعلق بمصادر الدين، وكأن الشيخ ﵀ راعى -كما ذكرت سابقًا- أن يبدأ بما يتعلق بمصادر الدين، يعني: ما أول ما ينبغي أن يقرر فيما يتعلق بأصول الدين؟ ثم بعد ذلك انتقل إلى الموضوع الثاني أو الرسالة الثانية في الجماعة والفرقة، وهو الموضوع الذي سنتناوله الآن، وقد كان الكثير من مصنفي العقائد والسنن من السلف ﵏ يبدءون عقائدهم غالبًا بموضوع الاعتصام بالكتاب والسنة والنهي عن الفرقة، وهذا مدخل جيد في التأصيل؛ ليتبين للقارئ أن الجماعة مطلب عظيم من مطالب الدين، وأصل كبير من أصول الإسلام، وأن الاعتصام بالكتاب والسنة يعني الحفاظ على الجماعة وعدم الفرقة، وأنه لا يستقر للناس عقيدة ولا دين إلا بالجماعة، فمن فارق الجماعة في الاعتقاد فقد خرج عن السنة، ومن فارق الجماعة في العمل فقد شذ، والشذوذ هلكة، وصاحب الشذوذ إلى النار، نسأل الله العافية.\nومن هنا كان من المناسب بعد الكلام عن مصادر الدين أن يذكر الشيخ الرسالة المتعلقة بالجماعة والنهي عن الفرقة.","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الوصية بالجماعة لإقامة الدين والنهي عن التفرقة في الدين</span>\nقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [قاعدة في الجماعة والفرقة، وسبب ذلك ونتيجته.\nقال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣].\nأخبر سبحانه أنه شرع لنا ما وصى به نوحًا والذي أوحاه إلى محمد، وما وصى به الثلاثة المذكورين، وهؤلاء هم أولوا العزم المأخوذ عليهم الميثاق في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧]، وقوله: ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ﴾ [الشورى:١٣]، فجاء في حق محمد باسم: (الذي)، وبلفظ (الإيحاء)، وفى سائر الرسل بلفظ: (الوصية).\nثم قال: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾.\nوهذا تفسير الوصية و(أن): المفسرة التي تأتي بعد فعل من معنى القول لا من لفظه، كما في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ﴾ [النحل:١٢٣]، ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]، والمعنى: قلنا لهم: اتقوا الله، فكذلك قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ [الشورى:١٣] في معنى: قال لكم من الدين ما وصى به رسلًا، قلنا: أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، فالمشروع لنا هو الموصى به والموحى، وهو: ﴿أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ [الشورى:١٣]، فأقيموا الدين مفسر للمشروع لنا، الموصى به الرسل، والموحى إلى محمد ﷺ، فقد يقال: الضمير في (أقيموا) عائد إلينا، ويقال: هو عائد إلى المرسل، ويقال: هو عائد إلى الجميع، وهذا أحسن، ونظيره: أمرتك بما أمرت به زيدًا أن أطع الله، ووصيتكم بما وصيت بني فلان أن افعلوا، فعلى الأول: يكون بدلًا من (ما) أي: شرع لكم (أن أقيموا) وعلى الثاني: شرع (ما) خاطبهم، (أقيموا) فهو بدل أيضًا، وذكر ما قيل للأولين، وعلى الثالث: شرع الموصى به (أقيموا).\nفلما خاطب بهذه الجماعة بعد الإخبار بأنها مقولة لنا، ومقولة لهم، علم أن الضمير عائد إلى الطائفتين جميعًا، وهذا أصح إن شاء الله].\nيعني: إلى الرسل والمرسل إليهم.\nقال ﵀: [والمعنى على التقديرين الأولين يرجع إلى هذا، فإن الذي شرع لنا هو الذي وصى به الرسل، وهو الأمر بإقامة الدين، والنهي عن التفرق فيه، ولكن التردد في أن الضمير تناولهم لفظه، وقد علم أنه قيل لنا مثله، أو بالعكس، أو تناولنا جميعًا.\nوإذا كان الله قد أمر الأولين والآخرين بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه، وقد أخبر أنه شرع لنا ما وصى به نوحًا، والذي أوحاه إلى محمد، فيحتمل شيئين: أحدهما: أن يكون ما أوحاه إلى محمد يدخل فيه شريعته التي تختص بنا، فإن جميع ما بعث به محمد ﷺ قد أوحاه إليه من الأصول والفروع، بخلاف نوح وغيره من الرسل، فإنما شرع لنا من الدين ما وصوا به من إقامة الدين، وترك التفرق فيه، والدين الذي اتفقوا عليه هو الأصول، فتضمن الكلام أشياء: أحدها: أنه شرع لنا الدين المشترك وهو الإسلام والإيمان العام، والدين المختص بنا وهو الإسلام والإيمان الخاص.\nالثاني: أنه أمرنا بإقامة هذا الدين كله المشترك والمختص، ونهانا عن التفرق فيه الثالث: أنه أمر المرسلين بإقامة الدين المشترك، ونهاهم عن التفرق فيه.\nالرابع: أنه لما فصل بقوله: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى:١٣] بين قوله: ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى:١٣]، وقوله: ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى:١٣] أفاد ذلك.\nقال بعد ذلك: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران:١٩]، فأخبر أن تفرقهم إنما كان بعد مجيء العلم الذي بين لهم ما يتقون، فإن الله ما كان ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون.\nوأخبر أنهم ما تفرقوا إلا بغيًا، والبغي مجاوزة الحد، كما قال ابن عمر ﵄: الكبر والحسد؛ وهذا بخلاف التفرق عن اجتهاد ليس فيه علم، ولا قصد به البغي، كتنازع العلماء السائغ، والبغي إما تضييع للحق، وإما تعد للحد، فهو إما ترك واجب، وإما فعل محرم، فعلم أن موجب التفرق هو ذلك].\nهنا أحب أن أنبه على أن وجه الاستشهاد في مسألة الجماعة وعدم الفرقة، وإن كان واضحًا، لكن التأكيد عليه يبين سبب اختيار هذا المقطع في قاعدة الجماعة والفرقة: قوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ [الشورى:١٣]، فتضمن بالضرورة أن هذا الدين لا يقام إلا با","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>بيان كون ترك العمل بما أمر الله به سببًا لإغراء العداوة والبغضاء بين الناس</span>\nقال ﵀: [وهذا كما قال عن أهل الكتاب: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة:١٤]، فأخبر أن نسيانهم حظًا مما ذكروا به، وهو ترك العمل ببعض ما أمروا به، كان سببًا لإغراء العداوة والبغضاء بينهم، وهكذا هو الواقع في أهل ملتنا، مثلما نجده بين الطوائف المتنازعة في أصول دينها، وكثير من فروعه، من أهل الأصول والفروع، ومثلما نجده بين العلماء وبين العباد، ممن يغلب عليه الموسوية أو العيسوية].\nليس المقصود بالموسوية ملة موسى ﵇، وإنما المقصود أتباع موسى ﵇ من اليهود الذين ابتدعوا مع العلم، بينما العيسوية تعني: الابتداع مع المجاهرة، إذًا فالموسوية رمز لمن ابتدع في الدين من العلماء مع العلم والبصيرة، وهذا إما كبرًا وإما هوى وإما حسدًا، والعيسوية: هم النصارى الذين عبدوا الله على جهل، وهذا فيه إشارة إلى العباد، أعني: عباد هذه الأمة الذين ظهرت عندهم نزعات البدع والأهواء لجهلهم في الدين، حتى صارت هذه النزعات بذور الصوفية فيما بعد، وأصبحت الآن طرقًا ابتليت بها الأمة، بل ودخل فيها فئام من الأمة أو من المسلمين، ربما يكونون في كثير من البلاد الإسلامية هم الأكثر، وأغلب هؤلاء على دين العيسوية.\nقال ﵀: [حتى يبقى فيهم شبه من الأمتين اللتين قالت كل واحدة: ليست الأخرى على شيء، كما نجد المتفقه المتمسك من الدين بالأعمال الظاهرة، والمتصوف المتمسك منه بأعمال باطنة، كل منهم ينفي طريقة الآخر، ويدعي أنه ليس من أهل الدين، أو يعرض عنه إعراض من لا يعده من الدين، فتقع بينهما العداوة والبغضاء.","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>أمر الله بطهارة القلوب والأبدان</span>\nوذلك أن الله أمر بطهارة القلب، وأمر بطهارة البدن].\nقوله: (أن الله أمر بطهارة القلب) إشارة إلى أعمال القلوب من المحبة لله ﷿ والخشية، ورجاء الثواب منه واليقين ونحو ذلك من الأعمال القلبية.\nوقوله: (وأمر بطهارة البدن) تشمل الطهارة الحسية التي هي التنزه والتطهر بالماء، وتطهير الثياب والظهور بالمظهر اللائق في العبادة كما أمر الله ﷿، كما أنها أيضًا تشمل طهارة الأعمال، أعني: كون الأعمال تكون صادقة ومبنية على البر والتقوى، وهذا من علامات الطهارة الظاهرة.\nقال ﵀: [وكلا الطهارتين من الدين الذي أمر الله به وأوجبه، قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٦].\nوقال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨].\nوقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢].\nوقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣].\nوقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة:٤١].\nوقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨].\nوقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣].\nفنجد كثيرًا من المتفقهة والمتعبدة إنما همته طهارة البدن فقط، ويزيد فيها على المشروع اهتمامًا وعملًا، ويترك من طهارة القلب ما أمر به إيجابًا أو استحبابًا ولا يفهم من الطهارة إلا ذلك، ونجد كثيرًا من المتصوفة والمتفقرة إنما همته طهارة القلب فقط حتى يزيد فيها على المشروع اهتمامًا وعملًا، ويترك من طهارة البدن ما أمر به إيجابًا أو استحبابًا.\nفالأولون يخرجون إلى الوسوسة المذمومة في كثرة صب الماء، وتنجيس ما ليس بنجس، واجتناب ما لا يشرع اجتنابه، مع اشتمال قلوبهم على أنواع من الحسد والكبر، والغل لإخوانهم، وفي ذلك مشابهة بينة لليهود.\nوالآخرون يخرجون إلى الغفلة المذمومة، فيبالغون في سلامة الباطن حتى يجعلون الجهل بما تجب معرفته من الشر الذي يجب اتقاؤه من سلامة الباطن، ولا يفرقون بين سلامة الباطن من إرادة الشر المنهي عنه، وبين سلامة القلب من معرفة الشر المعرفة المأمور بها، ثم مع هذا الجهل والغفلة قد لا يجتنبون النجاسات، ويقيمون الطهارة الواجبة مضاهاة للنصارى].","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>سبب وقوع العداوة بين طوائف أهل الكتاب ومن اقتدى بهم</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وتقع العداوة بين الطائفتين بسبب ترك حظ مما ذكروا به، والبغي الذي هو مجاوزة الحد، إما تفريطًا وتضييعًا للحق، وإما عدوانًا وفعلًا للظلم، والبغي تارة يكون من بعضهم على بعض، وتارة يكون في حقوق الله، وهما متلازمان ولهذا قال: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣]، فإن كل طائفة بغت على الأخرى، فلم تعرف حقها الذي بأيديها، ولم تكف عن العدوان عليها.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:٤].\nوقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣].\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [الجاثية:١٦].\nوقال تعالى في موسى بن عمران مثل ذلك.\nوقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥].\nوقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩].\nوقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٠ - ٣٢]؛ لأن المشركين كل منهم يعبد إلهًا يهواه، كما قال في الآية الأولى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى:١٣]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥١ - ٥٣].","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>سبب الاجتماع والفرقة ونتيجتهما</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فظهر أن سبب الاجتماع والألفة جمع الدين، والعمل به كله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما أمر به باطنًا وظاهرًا.\nوسبب الفرقة ترك حظ مما أمر العبد به والبغي بينهم.\nونتيجة الجماعة رحمة الله ورضوانه وصلواته وسعادة الدنيا والآخرة وبياض الوجوه.\nونتيجة الفرقة عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه وبراءة الرسول ﷺ منهم.\nوهذا أحد الأدلة على أن الإجماع حجة قاطعة، فإنهم إذا اجتمعوا كانوا مطيعين لله بذلك مرحومين، فلا تكون طاعة لله ورحمته بفعل لم يأمر الله به، من اعتقاد أو قول أو عمل، فلو كان القول أو العمل الذي اجتمعوا عليه لم يأمر الله به، لم يكن ذلك طاعة لله ولا سببًا لرحمته، وقد احتج بذلك أبو بكر عبد العزيز في أول (التنبيه) نبه على هذه النكتة].\nيظهر لي أن هذا من كلام الخلال المشهور بغلام الخلال، وقد توفي سنة (٣٦٣هـ)، وهو من أئمة السنة ومن علماء الحنابلة، وله مواقف مشهودة ضد البدع وأهلها، كما أنه من مؤصلة المذهب الحنبلي من حيث التأصيل العقدي والتأصيل الفقهي.","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>فصل في حديث: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم)</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فصل: قال ﷺ فى الحديث المشهور في السنن من رواية فقيهي الصحابة عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت ﵄: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)، وفى حديث أبي هريرة المحفوظ: (إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم)].\nهذه الأمور من قواعد الدين العظمى التي قد تساهل فيها كثير من الناس، أو تساهلوا في تقريرها وفي العمل بها وربما في اعتقادها؛ لذا فإن كثيرًا من الناس يجهل هذه المعاني، ويظنها من السنة أو من فروع الدين أو أنها من مناهج السلف التي قد لا تصلح لكل زمان إلى آخر ذلك من الظنون التي تخالف أصول الحق؛ وهذه القواعد مما أمر الله بها جميع المرسلين والأمم، ولا يمكن أن يستقيم للأمة دين، وأن تكون لها قوة، وأن تسلم من الأهواء والفرقة إلا بهذه الأصول الثلاثة: الإخلاص، والمناصحة لولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين.\nقال ﵀: [فقد جمع في هذه الأحاديث بين الخصال الثلاث: إخلاص العمل لله، ومناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، وهذه الثلاث تجمع أصول الدين وقواعده، وتجمع الحقوق التي لله ولعباده، وتنتظم مصالح الدنيا والآخرة.\nوبيان ذلك أن الحقوق قسمان: حق لله، وحق لعباده، فحق الله أن نعبده ولا نشرك به شيئًا كما جاء لفظه في أحد الحديثين، وهذا معنى إخلاص العمل لله كما جاء في الحديث الآخر.\nوحقوق العباد قسمان: خاص وعام، أما الخاص فمثل: بر كل إنسان والديه، وحق زوجته وجاره، فهذه من فروع الدين؛ لأن المكلف قد يخلو عن وجوبها عليه، ولأن مصلحتها خاصة فردية.\nوأما الحقوق العامة فالناس نوعان: رعاة ورعية، فحقوق الرعاة مناصحتهم، وحقوق الرعية لزوم جماعتهم، فإن مصلحتهم لا تتم إلا باجتماعهم، وهم لا يجتمعون على ضلالة، بل مصلحة دينهم ودنياهم في اجتماعهم واعتصامهم بحبل الله جميعًا، فهذه الخصال تجمع أصول الدين.\nوقد جاءت مفسرة في الحديث الذي رواه مسلم عن تميم الداري ﵁ قال: قال رسول الله: (الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم).\nفالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله تدخل في حق الله وعبادته وحده لا شريك له، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم هي مناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعتهم، فإن لزوم جماعتهم هي نصيحتهم العامة، وأما النصيحة الخاصة لكل واحد واحد منهم بعينه، فهذه يمكن بعضها ويتعذر استيعابها على سبيل التعيين].\nوالمناصحة لعامة المسلمين تعني أن يحرص المسلم على أن ينشر الخير بينهم، وألا يكون ساعيًا إلى إشاعة الذل بينهم، بل يحرص أو يهتم بما يصلح أحوال المسلمين بقدر ما يستطيعه؛ لأن من الصعب كما يقول الشيخ ﵀: أن يقوم بواجب النصيحة لكل فرد مسلم، لكن مقتضى النصيحة ما يمكن أن يصل نفعه لكل فرد وأنت جالس كالدعاء لعموم المسلمين، وكالاهتمام بشئونهم بالنصح لهم نصحًا عامًا يصل إلى أفرادهم ولو لم تعلمهم أو تدركهم، فقد تنفع المسلم في أقصى الدنيا بكلمة طيبة أو برسالة أو بكتاب تبعثه أو بشريط أو بدعاء، أو بنفع عام من المنافع العامة التي ربما تكون الوسائل متاحة لها الآن أكثر من أي زمن مضى، كان من الصعوبة في الماضي أن يستطيع المسلم أن ينفع مسلمًا بينه وبينه الصحاري البعيدة والبحار والقفار، لكن الآن بحمد الله يستطيع كل مسلم أن ينفع عموم المسلمين بشتى الوسائل، وكما قلت: ولو لم يكن من ذلك إلا الدعاء لكان في ذلك خير كثير، مع أن فرص أعمال البر الكثيرة أتيحت الآن جدًا، فمن هنا يستطيع المسلم أن يحقق معنى النصيحة لعامة المسلمين والاهتمام بشئونهم وبرعاية مصالحهم، وبأعمال البر ولا يحتقر منها شيئًا.\nونسأل الله للجميع التوفيق والسداد.","vol":"2","page":8},{"text":"شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-19>[٣]</span>\nإذا علم العبد أنه غير عالم بمصلحته، ولا قادر عليها، ولا مريد لها كما ينبغي، فإنه يتوجب عليه أن يسعى إلى إخلاص العمل لله، وعدم الشرك به، وأن يعلم أنه لا حول له ولا قوة إلا به سبحانه، فيستعين به ويتوكل عليه، ويسأله من فضله العظيم، ويلجأ إليه في كل أموره لا إلى خلقه.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>قاعدة في توحيد الإلهية وإخلاص العمل والوجه له</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد: فإن شاء الله سيتكلم شيخ الإسلام ﵀ في هذا المقطع عن حقيقة الألوهية، ويذكر قواعد هامة في الألوهية، وهو ﵀ قد تكلم أولًا في حقيقة الألوهية وعلاقتها بالربوبية، وأيضًا ذكر بعض أنواع الألوهية، ثم قعد قواعد جيدة في حقيقة الألوهية سيذكرها مفصّلة بعد ذلك.","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>قاعدة جليلة في توحيد الله وإخلاص الوجه والعمل له</span>\nقال رحمه الله تعالى: [الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ تسليمًا.\nوبعد: فهذه قاعدة جليلة في توحيد الله، وإخلاص الوجه والعمل له، عبادة واستعانة، قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران:٢٦] الآية.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل:٥٣].\nوقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧].\nوقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧].\nوقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].\nوقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣].\nوقال تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨].\nوقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن:١].\nوقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر:٣٨] الآية.\nوقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣].\nوقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧].\nوقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨].\nوقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا * الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الفرقان:٥٨ - ٥٩] الآية.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة:٥] الآية، ونظائر هذا في القرآن كثير، وكذلك في الأحاديث، وكذلك في إجماع الأمة، ولا سيما أهل العلم والإيمان منهم، فإن هذا عندهم قطب رحى الدين كما هو الواقع].\nيقصد الشيخ بهذا أن توحيد الله ﷿ بالربوبية والإلهية، وإخلاص الوجه والعمل له، عبادة واستعانة، وكل هذا جماعها قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، وهو قطب رحى الدين التي من أجلها بعث الله الرسل، وهي الغاية الكبرى التي يسعى إليها كل موحد وكل مخلص لله ﷿، أعني: تحقيق التوحيد بمعانيه جملة وتفصيلًا، وأن هذا هو ما أطلقت عليه النصوص والأحاديث وإجماع الأمة.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>مقصود العبد ومطلوبه ومحبوبه هو الله تعالى</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ونبيّن هذا بوجوه نقدم قبلها مقدمة.\nوذلك أن العبد، بل كل حي، بل وكل مخلوق سوى الله، هو فقير محتاج إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، والمنفعة للحي هي من جنس النعيم واللذة، والمضرة هي من جنس الألم والعذاب؛ فلا بد له من أمرين: أحدهما: هو المطلوب المقصود المحبوب الذي ينتفع ويلتذ به.\nوالثاني: هو المعين الموصل المحصل لذلك المقصود والمانع من دفع المكروه.\nوهذان هما الشيئان المنفصلان الفاعل والغاية، فهنا أربعة أشياء: أحدها: أمر هو محبوب مطلوب الوجود.\nوالثاني: أمر مكروه مبغض مطلوب العدم.\nوالثالث: الوسيلة إلى حصول المطلوب المحبوب.\nوالرابع: الوسيلة إلى دفع المكروه.\nفهذه الأربعة الأمور ضرورية للعبد، بل ولكل حي لا يقوم وجوده وصلاحه إلا بها، وأما ما ليس بحي فالكلام فيه على وجه آخر.\nإذا تبين ذلك فبيان ما ذكرته من وجوه].\nأي: أن هذه الوجوه التي أشار إليها الشيخ تعتبر قواعد لتحقيق التوحيد وإخلاص العمل لله ﷿، فهي تمثل قواعد ذهبية عظيمة ترجع إليها جميع مسائل توحيد الربوبية والإلهية.\nقال رحمه الله تعالى: [أحدها: أن الله تعالى هو الذي يحب أن يكون هو المقصود المدعو المطلوب، وهو المعين على المطلوب وما سواه هو المكروه، وهو المعين على دفع المكروه؛ فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعة دون ما سواه، وهذا معنى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فإن العبودية تتضمن المقصود المطلوب، لكن على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذي يستعان به على المطلوب، فالأول: من معنى الألوهية، والثاني: من معنى الربوبية، إذ الإله: هو الذي يؤله فيعبد محبة وإنابة وإجلالًا وإكرامًا، والرب: هو الذي يربي عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى جميع أحواله من العبادة وغيرها.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨].\nوقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣].\nوقوله: ﴿عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة:٤].\nوقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:٥٨].\nوقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد:٣٠].\nوقوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل:٨ - ٩] فهذه سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين الجامعين].\nأي: مطلوب من العبد أن يحقق توحيد العبودية أو توحيد الإلهية لله ﷿، وهذا هو الأول من معنى الألوهية، والثاني من معنى الربوبية، ذلك بأن الله ﷿ هو الذي يقدر النافع، وهو الذي يقدر المكروه، والنزعة إلى جلب النافع ودفع المكروه نزعة فطرية غريزية تجعل الإنسان يلجأ إلى من يقدر على ذلك، لذا فكل إنسان لا بد أن يميل وينزع إلى جلب النافع ودفع المكروه، وإلى دفع الضار وكراهية المكروه، ثم هذه النزعة لا بد للإنسان فيها أن يلجأ إلى من يقدر على جلب النافع ويقدر على النفع به، وهو الله ﷿، وكذلك الذي يقدر على دفع المكروه، وهو الله ﷿، الذي خلق المكروه ابتلاء ويقدر على دفعه.\nفهذه المسائل يجتمع فيها معنى الربوبية ومعنى الإلهية، أما معنى الربوبية فهو واضح بأن الله ﷿ هو الذي خلق الأشياء النافعة والضارة، وهو الذي أوجدها وقدرها قدرًا، وأما معنى الألوهية فهو أن يعرف العبد أنه لا يقدر على جلب النفع مطلقًا ودفع الضار مطلقًا إلا الله ﷿، ومن هنا يتحقق على هذا الأساس توحيد الإلهية، وهو الاستعانة بالله ﷿ وطلبه سبحانه دون سواه.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>خلق الله الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته ومحبته والإخلاص له</span>\nقال رحمه الله تعالى: [الوجه الثاني: أن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه، ومحبته والإخلاص له، فبذكره تطمئن قلوبهم، وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم، ولا شيء يعطيهم في الآخرة أحب إليهم من النظر إليه، ولا شيء يعطيهم في الدنيا أعظم من الإيمان به.\nوحاجتهم إليه في عبادتهم إياه وتألههم كحاجتهم وأعظم في خلقه لهم وربوبيته إياهم، فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم، وبذلك يصيرون عاملين متحركين، ولا صلاح لهم ولا فلاح، ولا نعيم ولا لذة بدون ذلك بحال، بل من أعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكًا، ونحشره يوم القيامة أعمى.\nولهذا كان الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ولهذا كانت لا إله إلا الله أحسن الحسنات، وكان التوحيد بقول: لا إله إلا الله، رأس الأمر.\nفأما توحيد الربوبية الذي أقر به الخلق، وقرره أهل الكلام؛ فلا يكفي وحده، بل هو من الحجة عليهم، وهذا معنى ما يروى: (يا ابن آدم خلقت كل شيء لك، وخلقتك لي، فبحقي عليك ألا تشتغل بما خلقته لك، عما خلقتك له).\nواعلم أن هذا حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، كما في الحديث الصحيح الذي رواه معاذ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أتدري ما حق الله على عباده؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم ألا يعذبهم).\nوهو يحب ذلك، ويرضى به، ويرضى عن أهله، ويفرح بتوبة من عاد إليه، كما أن في ذلك لذة العبد وسعادته ونعيمه، وقد بينت بعض معنى محبة الله لذلك وفرحه به في غير هذا الموضع.\nفليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه ويطمئن به، ويتنعم بالتوجه إليه، إلا الله سبحانه، ومن عبد غير الله وإن أحبه وحصل له به مودة في الحياة الدنيا ونوع من اللذة فهو مفسدة لصاحبه أعظم من مفسدة التذاذ أكل طعام المسموم: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:٢٢] فإن قوامهما بأن تأله الإله الحق، فلو كان فيهما آلهة غير الله لم يكن إلهًا حقًا؛ إذ الله لا سمي له ولا مثل له، فكانت تفسد لانتفاء ما به صلاحها هذا من جهة الإلهية.\nوأما من جهة الربوبية فشيء آخر كما نقرره في موضعه].\nاشتملت الآية على تقرير الإلهية والربوبية، والذين حصروها على معنى الإلهية أخطئوا، والذين حصروها على معنى الربوبية أيضًا أخطئوا، فقوله ﷿: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، تعني: أنه لو كان في الأرض والسماوات وجميع الكون معبود غير الله لفسدت؛ لأن العبد لا يمكن أن يتوجه إلى إلهين، وإذا توجه إلى إلهين توزعت رغبته وتنازعت العبودية به أكثر من معبود، ومن هنا تفسد حقيقة التوجه ويفسد الإخلاص.\nأيضًا: أنه لو كان هناك أحد يستحق العبادة غير الله ﷿ لكان هذا المستحق يستحق كل معاني العظمة والجلال، وهذا يتنافى مع تدبير الكون.\nكذلك: كما أن الآية تضمنت على معنى الربوبية، فإنه لا يمكن أن يكون للخلق مدبر غير الله ﷿، ولو كان هناك تدبير مع الله ﷿ في الكون لتعارض وتناقض التدبير، ومن هنا يفسد الكون.\nومفهوم الآية: أن معنى الإلهية بني على معنى الربوبية، فإن كان معنى الآية: أنه لا رب للخلق غير الله ﷿، فكذلك لا معبود غير الله ﷿، ولا معبود بحق إلا الله.\nفإذًا: الآية قد تضمنت نفي الربوبية والإلهية عن غير الله، وهي متلازمة وتتضمن المعنيين بوضوح.\nقال رحمه الله تعالى: [واعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبد الله لا يشرك به شيئًا، ليس له نظير فيقاس به، لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب، وبينهما فروق كثيرة.\nفإن حقيقة العبد قلبه وروحه، وهي لا صلاح لها إلا بإلهها الله الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحًا فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بلقائه].\nكأنه يشير بهذا إلى أنه ما دام أن الله ﷿ قد جبل العبد على الكدح، وأنه لا بد أن يتعب وينصب في هذه الحياة، فكونه ينصب فيما يرضي الله ﷿ خير له في مآله وعاجل أمره من أن ينصب في غير مرضاة الله ﷿، وعلى هذا فإن توجه العبد إلى الربوبية ثم توجهه إلى الإلهية توجهًا ضروريًا بمقتضى الفطرة ومقتضى الشرع ومقتضى العقل السليم؛ لأن الإنسان لا يستطيع أبدًا أن يجلب لنفسه السرور الكامل في الدنيا والآخرة، ولا يستطيع أيضًا أن يسلم من الكدح والتعب والنصب إطلاقًا إلا بالتوجه إلى الله ﷿، فإذا كان الأمر كذلك فخير له في الدنيا والآخرة أن يكدح فيما يرضي الله ﷿، والعكس بالعكس.\nقال رحمه الله تعالى: [ولو حصل للعبد لذات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>كون العبادة لله تعالى تجلب قوة الإيمان في القلب واللذة مع وجود النصب والتعب الجسمي</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وأما إلهه فلا بد له منه في كل حال وكل وقت، وأينما كان فهو معه؛ ولهذا قال إمامنا إبراهيم الخليل ﷺ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦]، وكان أعظم آية في القرآن الكريم: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقد بسطت الكلام في معنى القيوم في موضع آخر، وبينا أنه الدائم الباقي الذي لا يزول ولا يعدم، ولا يفنى بوجه من الوجوه.\nواعلم أن هذا الوجه مبني على أصلين: أحدهما: على أن نفس الإيمان بالله وعبادته ومحبته وإجلاله هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه كما عليه أهل الإيمان، وكما دل عليه القرآن، لا كما يقول من يعتقد من أهل الكلام ونحوهم: إن عبادته تكليف ومشقة! وخلاف مقصود القلب لمجرد الامتحان والاختبار، أو لأجل التعويض بالأجرة كما يقوله المعتزلة وغيرهم، فإنه وإن كان في الأعمال الصالحة ما هو على خلاف هوى النفس، والله سبحانه يأجر العبد على الأعمال المأمور بها مع المشقة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ﴾ [التوبة:١٢٠] الآية، وقال ﷺ لـ عائشة ﵂: (أجرك على قدر نصبك) فليس ذلك هو المقصود الأول بالأمر الشرعي، وإنما وقع ضمنًا وتبعًا لأسباب ليس هذا موضعها، وهذا يفسر في موضعه].\nيريد الشيخ هنا أن يبين أن حقيقة العبادة لله ﷿ إذا توافر فيها الإخلاص والاستقامة والخشوع وغير ذلك من الأمور التي تجلب قوة الإيمان واليقين في القلب، وهي في حقيقتها لذة وليست نصبًا، والنصب أمر خارجي عارض، بمعنى: أن الإنسان قد ينصب ويتعب في بعض العبادات، كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن ليس المقصود هنا مجرد التعب بالبدن؛ لأن التعب هذا تعب عارض، لذا فأول النعيم ما يجده العبد من اليقين ومن قوة الإيمان ومن لذة المناجاة لله ﷿، فمن حقق العبادة بأوصافها الحقيقية لا يجد المشقة التي يستشعرها الناس، بل يجد اللذة والقوة واليقين، ويجد المتعة في الأعمال وإن كانت شاقة ظاهرًا، ولذلك كان النبي ﷺوهو أعظم من حقق العبادة لله ﷿، وهو أخشع الخاشعين لله- يقول إذا حزبه أمر: (أرحنا يا بلال بالصلاة)، فهذا هو الفرق، بمعنى: أنه إذا شعر بمشقة وتعب من أي عمل، وجد راحته في الصلاة.\nأيضًا: أن النبي ﷺ قال: (حبب إلي من دنياكم: الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة) فهذه الصلاة مع أن فيها نوعًا من المشقة النسبية، كالوضوء والركوع والسجود وطرد للنوم والكسل، بل وطرد للعوارض التي يتعب الإنسان في طردها من وساوس الشيطان والأفكار والأوهام والإصرار على الخشوع والمداومة عليه، وكل ذلك متاعب جسمية ونفسية، لكن مع ذلك يجد فيها الإنسان الموقن -إذا توافرت فيه شروط الإخلاص واليقين والخشوع- اللذة، وعند ذلك تنتفي المشقة.\nإذًا: المشقة أمر عارض وليست في أصل الأعمال، بل الأعمال تنسجم مع طبيعة ما رتّب الله على الإنسان في جسمه ونفسه وروحه وقلبه، وسواء كانت هذه الأعمال ظاهرة أو قلبية، فكلها في الأصل ينسجم معها القلب والروح والنفس، وبذلك يسعد الإنسان سعادة تامة، ومن هنا تنتفي المشقة التي يتصورها كثير من الناس.\nقال ﵀: [ولهذا لم يجئ في الكتاب والسنة وكلام السلف إطلاق القول على الإيمان والعمل الصالح: أنه تكليف كما يطلق ذلك كثير من المتكلمة والمتفقهة، وإنما جاء ذكر التكليف في موضع النفي، كقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ﴿لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء:٨٤]، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] أي: وإن وقع في الأمر تكليف، فلا يكلف إلا قدر الوسع، لا أنه يسمي جميع الشريعة تكليفًا، مع أن غالبها قرة العيون وسرور القلوب، ولذات الأرواح وكمال النعيم، وذلك لإرادة وجه الله والإنابة إليه، وذكره وتوجه الوجه إليه، فهو الإله الحق الذي تطمئن إليه القلوب، ولا يقوم غيره مقامه في ذلك أبدًا، قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] فهذا أصل].","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>كون العبادة تجلب النعيم الحسي والمعنوي في الدار الآخرة من النظر إلى وجه الله تعالى وغير ذلك</span>\nقال رحمه الله تعالى: [الأصل الثاني: النعيم في الدار الآخرة أيضًا مثل النظر إليه، لا كما يزعم طائفة من أهل الكلام ونحوهم أنه لا نعيم ولا لذة إلا بالمخلوق من المأكول والمشروب والمنكوح ونحو ذلك، بل اللذة والنعيم التام في حظهم من الخالق ﷾، كما في الدعاء المأثور: (اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة) رواه النسائي وغيره، وفي صحيح مسلم وغيره.\nعن صهيب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟! ألم يبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟! قال: فيكشف الحجاب؛ فينظرون إليه سبحانه، فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه.\nوهو الزيادة).\nفبين النبي ﷺ أنهم مع كمال تنعمهم بما أعطاهم الله في الجنة لم يعطهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، وإنما يكون أحب إليهم؛ لأن تنعمهم وتلذذهم به أعظم من التنعم والتلذذ بغيره، فإن اللذة تتبع الشعور بالمحبوب، فكلما كان الشيء أحب إلى الإنسان كان حصوله ألذ له، وتنعمه به أعظم.\nوروي أن يوم الجمعة يوم المزيد، وهو يوم الجمعة من أيام الآخرة، وفي الأحاديث والآثار ما يصدق هذا، قال الله تعالى في حق الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾ [المطففين:١٥ - ١٦] فعذاب الحجاب أعظم أنواع العذاب، ولذة النظر إلى وجهه أعلى اللذات، ولا تقوم حظوظهم من سائر المخلوقات مقام حظهم منه تعالى.\nوهذان الأصلان ثابتان في الكتاب والسنة، وعليهما أهل العلم والإيمان، ويتكلم فيهما مشايخ الصوفية والعارفون، وعليهما أهل السنة والجماعة، وعوام الأمة، وذلك من فطرة الله التي فطر الناس عليها].\nيقصد بالأصلين هنا: أولًا: أن الإيمان بالله ﷿ هو غذاء الروح والقلب، بمعنى: أن الإنسان يجد فيه القوة والسعادة والطمأنينة والأمن، بل وكل معاني السعادة التي يسعى إليها الناس ويطمحون إليها، وهذا في الدنيا.\nثانيًا: أنه بعبادة الله ﷿ يحصل النعيم في الآخرة بنوعيه: التنعم بالمخلوقات، والنعيم بما يسعد الله به عباده برؤيته سبحانه، نسأل الله أن يمتعنا جميعًا بذلك.\nفهذان الأصلان يغفل عنهما كثير من الناس، وكثير من الذين تكلموا عن مسائل التكليف والعبادة والأحكام، ولا نجد إدراك هذا بشكل واضح إلا عند بعض الأئمة، بل عند أئمة السنة، ولـ شيخ الإسلام ﵀ في هذا قصة ملخصها تدل على إدراكه لهذا المعنى وسعيه إلى هذا، وهو أنه كان له ورد طويل يقوله في يومه، وفي يوم من الأيام كان معه تلاميذ ومنهم ابن القيم، ويظهر لي أنهم كانوا في مهمة يريدون أن يذهبوا إليها، لكنه بعد الصلاة -أي: شيخ الإسلام - جلس طويلًا يقول ورده، فنسي من حوله حتى ارتفعت الشمس، وطال عليهم الوقت، واستحوا أن يقولوا له شيئًا، وهو مستمر في اللجوء إلى الله ﷿، ولما التفت فطن أنه قد نسيهم فقال: هذا غذائي الذي أتغذى به.\nيعني: أنه انسجم وسمت روحه واطمأن قلبه بهذه العادة حتى نسي شغله وحبس الناس من حوله، فهذا يعتبر أنموذجًا للشعور في التغذي بعبادة الله ﷿.\nقال ﵀: [وقد يحتجون على من ينكرها بالنصوص والآثار تارة، وبالذوق والوجد أخرى، إذا أنكر اللذة فإن ذوقها ووجدها ينفي إنكارها، وقد يحتجون بالقياس في الأمثال تارة، وهي الأقيسة العقلية].","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>كون المخلوق لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع ولا يهدي ولا يضل وغير ذلك إلا بإذنه سبحانه</span>\nقال رحمه الله تعالى: [الوجه الثالث: أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضرر، ولا عطاء ولا منع، ولا هدى ولا ضلال، ولا نصر ولا خذلان، ولا خفض ولا رفع، ولا عز ولا ذل، بل ربه هو الذي خلقه ورزقه، وبصّره وهداه وأسبغ عليه نعمه، فإذا مسه الله بضر فلا يكشفه عنه غيره، وإذا أصابه بنعمة لم يرفعها عنه سواه، وأما العبد فلا ينفعه ولا يضره إلا بإذن الله، وهذا الوجه أظهر للعامة من الأول؛ ولهذا خوطبوا به في القرآن أكثر من الأول، لكن إذا تدبر اللبيب طريقة القرآن وجد أن الله يدعو عباده بهذا الوجه إلى الأول.\nفهذا الوجه يقتضي التوكل على الله والاستعانة به ودعاءه ومسألته دون ما سواه، ويقتضي أيضًا محبة الله وعبادته لإحسانه إلى عبده، وإسباغ نعمه عليه، وحاجة العبد إليه في هذه النعم، ولكن إذا عبدوه وأحبوه وتوكلوا عليه من هذا الوجه، دخلوا في الوجه الأول، ونظيره في الدنيا من نزل به بلاء عظيم أو فاقة شديدة أو خوف مقلق، فجعل يدعو الله ويتضرع إليه حتى فتح له من لذة مناجاته ما كان أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولًا، ولكنه لم يكن يعرف ذلك أولًا حتى يطلبه ويشتاق إليه.\nوالقرآن مملوء من ذكر حاجة العباد إلى الله دون ما سواه، ومن ذكر نعمائه عليهم، ومن ذكر ما وعدهم في الآخرة من صنوف النعيم واللذات، وليس عند المخلوق شيء من هذا؛ فهذا الوجه يحقق التوكل على الله والشكر له ومحبته على إحسانه].","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>كون تعلق العبد بغير الله مضرة عليه</span>\nقال رحمه الله تعالى: [الوجه الرابع: أن تعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه، إذا أخذ منه القدر الزائد على حاجته في عبادة الله، فإنه إن نال من الطعام والشراب فوق حاجته ضره وأهلكه، وكذلك من النكاح واللباس، وإن أحب شيئًا حبًا تامًا بحيث يخالله فلا بد أن يسأمه أو يفارقه، وفي الأثر المأثور: (أحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، وكن كما شئت فكما تدين تدان).\nواعلم أن كل من أحب شيئًا لغير الله فلا بد أن يضره محبوبه، ويكون ذلك سببًا لعذابه، ولهذا كان الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله يمثل لأحدهم كنزه يوم القيامة شجاعًا أقرع يأخذ بلهزمته، يقول: أنا كنزك، أنا مالك.\nوكذلك نظائر هذا في الحديث: (يقول الله يوم القيامة: يا ابن آدم، أليس عدلًا مني أن أولي كل رجل منكم ما كان يتولاه في الدنيا؟) وأصل التولي الحب، فكل من أحب شيئًا دون الله ولاه الله يوم القيامة ما تولاه، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا، فمن أحب شيئًا لغير الله فالضرر حاصل له إن وجد أو فقد، فإن فقد عُذِّب بالفراق وتألم، وإن وجد فإنه يحصل له من الألم أكثر مما يحصل له من اللذة، وهذا أمر معلوم بالاعتبار والاستقراء، وكل من أحب شيئًا دون الله لغير الله فإن مضرته أكثر من منفعته، فصارت المخلوقات وبالًا عليه إلا ما كان لله وفي الله، فإنه كمال وجمال للعبد، وهذا معنى ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه) رواه الترمذي وغيره].","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>كون الاعتماد على المخلوق والتوكل عليه مضرة</span>\nقال رحمه الله تعالى: [الوجه الخامس: أن اعتماده على المخلوق وتوكله عليه يوجب الضرر من جهته، فإنه يُخذل من تلك الجهة، وهو أيضًا معلوم بالاعتبار والاستقراء، ما علّق العبد رجاءه وتوكله بغير الله إلا خاب من تلك الجهة، ولا استنصر بغير الله إلا خُذل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم:٨١ - ٨٢].\nوهذان الوجهان في المخلوقات نظير العبادة والاستعانة في المخلوق، فلما قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] كان صلاح العبد في عبادة الله واستعانته، وكان في عبادة ما سواه، والاستعانة بما سواه مضرته وهلاكه وفساده].","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>إحسان الخالق إلى عبده مع غناه عنه</span>\nقال رحمه الله تعالى: [الوجه السادس: أن الله سبحانه غني، حميد، كريم، واجد، رحيم، فهو سبحانه محسن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه من العبد، ولا لدفع مضرة، بل رحمة وإحسانًا، والعباد لا يتصور أن يعملوا إلا لحظوظهم، فأكثر ما عندهم للعبد أن يحبوه ويعظموه، ويجلبوا له منفعة ويدفعوا عنه مضرة ما، وإن كان ذلك أيضًا من تيسير الله تعالى فإنهم لا يفعلون ذلك إلا لحظوظهم من العبد إذا لم يكن العمل لله، فإنهم إذا أحبوه طلبوا أن ينالوا غرضهم من محبته، سواء أحبوه لجماله الباطن أو الظاهر، فإذا أحبوا الأنبياء والأولياء طلبوا لقاءهم، فهم يحبون التمتع برؤيتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك.\nوكذلك من أحب إنسانًا لشجاعته أو رياسته أو جماله أو كرمه، فهو يحب أن ينال حظه من تلك المحبة، ولولا التذاذه بها لما أحبه، وإن جلبوا له منفعة كخدمة أو مال، أو دفعوا عنه مضرة كمرض وعدو -ولو بالدعاء أو الثناء-، فهم يطلبون العوض إذا لم يكن العمل لله، فأجناد الملوك، وعبيد المالك، وأجراء الصانع، وأعوان الرئيس، كلهم إنما يسعون في نيل أغراضهم به، لا يعرّج أكثرهم على قصد منفعة المخدوم، إلا أن يكون قد عُلِّم وأُدِّب من جهة أخرى، فيدخل ذلك في الجهة الدينية، أو يكون فيها طبع عدل، وإحسان من باب المكافأة والرحمة، وإلا فالمقصود بالقصد الأول هو منفعة نفسه، وهذا من حكمة الله التي أقام بها مصالح خلقه، وقسم بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ورفع بعضهم فوق بعض درجات؛ ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًا.\nإذا تبين هذا ظهر أن المخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول، بل إنما يقصد منفعته بك، وإن كان ذلك قد يكون عليك فيه ضرر إذا لم يراع العدل، فإذا دعوته فقد دعوت من ضره أقرب من نفعه].\nالشيخ هنا قد استثنى أكثر من مرة، قال: إلا إذا كان لله، أو كان العمل لله، أو كانت المحبة لله، فيستثني من هذا علاقات الناس أو علاقات المؤمنين فيما بينهم، والتي أصلها المحبة في الله؛ لأنه قصد به وجه الله، فالإنسان قد يحب عبدًا أو إنسانًا آخر لما فيه من الخير والخصال الطيبة، فهذه المحبة لله داخلة في إخلاص العمل لله ﷿، ولذلك فهذه قد يسعى فيها الإنسان إلى نفع أخيه احتسابًا وابتغاء وجه الله ﷿، لكن ليس هذا عليه علاقات أكثر الناس، بل علاقات أكثر الناس مبنية على المنافع وعلى المصالح، ولذلك تجد الناس يتهافتون على من لهم عنده مصلحة، سواء كانت مادية أو معنوية، فإذا انقطعت وانتهت هذه المصلحة، كأن يكون صاحب منصب فعُزل عن منصبه أو تقاعد أو قلّت موارده المالية، انفض الناس من حوله، وهذا ما يقصده الشيخ، وعليه فقس علائق الناس بالأشياء وحبهم لها وتعلقهم بها، فقد تكون لأغراض ترجع إلى مصالحهم ومنافعهم، ولذلك الشيخ استثنى فقال: إنما كان القصد فيه وجه الله، يقصد التحاب في الله، وما بين المسلمين والمتحابين في الله من نفع بعضهم لبعض حسبة لطلب الأجر من الله سبحانه.\nلكن قد يقول قائل: أليست المحبة الدينية يحصل للعبد بها انتفاع؟ فنقول: نعم سينتفع العبد من هذه المحبة، وذلك بالأجر من الله ﷿ يوم القيامة، وهذا يرجع إلى إخلاص العبادة لله؛ لأن الله ﷿ أمر بالتحاب بين المؤمنين، وجعله من أسباب الثواب، فالمنفعة التي ترجع إلى إخلاص العمل لله ﷿ ترجع إلى طلب الثواب من الله ﷿، وهذه هي المنفعة التي فطر الله الناس عليها وأمرنا بطلبها، وليس فيها حرج.\nأيضًا: قد يقول قائل: إن العباد لا يحبون بعضهم بعضًا إلا لمنفعة تحصل لهم، سواء كانت دينية أو دنيوية، فنقول: هذا صحيح، يعني: بمعنى أن الناس لا بد أن يسعوا إلى منفعة لهم، سواء كانت دينية أو دنيوية، لكن كلام الشيخ يشعر بذم الوجه الآخر، فأقول: إنه يميز الوجه الذي يقصد به المنافع العاجلة أو الدنيوية أو الشهوية، والمنافع الحقيقة التي هي طلب الأجر من الله ﷿، فيما يحققه الإنسان بعلاقته بالآخرين أو بإخوانه في الله.\nقال رحمه الله تعالى: [والرب سبحانه يريدك لك، ولمنفعتك بك، لا لينتفع بك، وذلك منفعة عليك بلا مضرة، فتدبر هذا، فملاحظة هذا الوجه يمنعك أن ترجو المخلوق أو تطلب منه منفعة لك، فإنه لا يريد ذلك بالقصد الأول، كما أنه لا يقدر عليه، ولا يحملنك هذا على جفوة الناس، وترك الإحسان إليهم، واحتمال الأذى منهم، بل أحسن إليهم لله لا لرجائهم، وكما لا تخفهم فلا ترجهم، وخف الله في الناس ولا تخف الناس في الله، وارج الله في الناس ولا ترج الناس في الله، وكن ممن قال الله فيه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:١٧ - ٢٠].\nوقال فيه: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٩].","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>كون غالب الخلق يطلبون حاجاتهم من غيرهم وإن حصل الضرر للمطلوب</span>\nقال رحمه الله تعالى: [الوجه السابع: أن غالب الخلق يطلبون إدراك حاجاتهم بك، وإن كان ذلك ضررًا عليك، فإن صاحب الحاجة أعمى لا يعرف إلا قضاءها].","vol":"3","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>عجز الخلق عن دفع مضرة نزلت بالعبد إلا بإذن الله</span>\nقال رحمه الله تعالى: [الوجه الثامن: إنه إذا أصابك مضرة كالخوف والجوع والمرض، فإن الخلق لا يقدرون على دفعها إلا بإذن الله، ولا يقصدون دفعها إلا لغرض لهم في ذلك].","vol":"3","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>لا نفع ولا ضر من الخلق إلا بإذن الله</span>\nقال رحمه الله تعالى: [الوجه التاسع: أن الخلق لو اجتهدوا أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بأمر قد كتبه الله لك، ولو اجتهدوا أن يضروك لم يضروك إلا بأمر قد كتبه الله عليك، فهم لا ينفعونك إلا بإذن الله، ولا يضرونك إلا بإذن الله، فلا تعلق بهم رجاءك.\nقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَكُمْ يَنصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك:٢٠ - ٢١].\nوالنصر يتضمن دفع الضرر، والرزق يتضمن حصول المنفعة، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣ - ٤].\nوقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص:٥٧].\nوقال الخليل ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة:١٢٦] الآية.\nوقال النبي ﷺ: (هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟) بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم].\nفهذه خلاصة الوجوه أو القواعد التي ذكرها الشيخ ﵀.","vol":"3","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>فصل في إجمال وخلاصة ما تقدم من الوجوه</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فصل: جماع هذا أنك أنت إذا كنت غير عالم بمصلحتك، ولا قادر عليها، ولا مريد لها كما ينبغي، فغيرك من الناس أولى ألا يكون عالمًا بمصلحتك ولا قادرًا عليها، ولا مريدًا لها، والله سبحانه هو الذي يعلم ولا تعلم، ويقدر ولا تقدر، ويعطيك من فضله العظيم، كما في حديث الاستخارة: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب)].\nهذه أيضًا قاعدة عظيمة، وهي عبارة عن خلاصة لما سبق، ولذلك كان الأولى حتى تتسلسل هذه المعاني العظيمة في نفس القارئ أن تكون هذه هي القاعدة العاشرة أو الوجه العاشر، والله أعلم.","vol":"3","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>الأسئلة</span>","vol":"3","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>بيان الإشكال في قوله ﷺ: (اللهم إن كنت تعلم)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو الإشكال في قول النبي ﷺ: (اللهم إن كنت تعلم)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس المقصود مفهوم العبارة، فالعبارة لا تتم إلا ببقيتها، وإنما المقصود تعليق الأمر على الغيب الذي لا يعلمه العبد، بمعنى: إن كان في سابق علمك كذا.\nوأما عبارة الإيجاب فغير لائقة في حق الله ﷿؛ لأن الله لا يوجب عليه شيء، إلا إذا كان ورد فيه نص، يعني: أن كل ما يعبر به عن الحقوق التي كتبها الله على نفسه لعباده أو بعض عباده، لا ما ينبغي أن يعبّر بالوجوب على الله أو بالالتزام، وإنما يعبر عنها كما وردت؛ لأن الله لا يوجب عليه العباد شيئًا، وكونه أوجب على نفسه شيئًا لا يعني أن نعبر بالوجوب على الله إلا ما ورد فيه نص؛ لأن فيه سوء أدب مع الله، والسلف قد أنكروا على المعتزلة قولهم: يجب على الله كذا، مع أنهم ما قصدوا الوجوب الشرعي، وإنما قصدوا أن الله ألزم نفسه بذلك، وأنها من سنن الله الكونية.","vol":"3","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>هل الطيب والمطّلب من أسماء الله ﷿</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الطيب والمطّلب من أسماء الله ﷿؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الطيب من أوصاف الله ﷿ وليس من أسمائه، وأما المطلّب فليس من أسماء الله ﷿.","vol":"3","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>حكم تقسيم التوحيد إلى أكثر من ثلاثة أقسام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل صحيح أن بعض أهل العلم قسَّم التوحيد إلى أكثر من ثلاثة أقسام؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، فمسألة التقسيم هذه أمور اصطلاحية ترجع إلى استقراء المعاني واستقراء الألفاظ، والتوحيد أصلًا هو توحيد الله ﷿ لا ينقسم، لكن من الناحية العلمية التنظيرية لا شك أننا نجده أقسامًا عديدة، فالخبر عن أسماء الله ﷿ هو توحيد الأسماء، والخبر عن صفات الله هو توحيد الصفات، والخبر عن أفعال الله هو توحيد الأفعال، وما يتعلق بالربوبية هو توحيد الربوبية، وما يتعلق بالعبادة لله ﷿ يسمى توحيد العبادة أو الألوهية، ويمكن أن تقسم التوحيد إلى أكثر من ذلك أيضًا، وقد يصل إلى عشرة أقسام أو أكثر؛ لأنك إذا أخذت مفردات العبادة فستجد كلها توحيدًا، فتوحيد التوكل معناه: وحّدت التوكل على الله ﷿، وتوحيد الإنابة واليقين هو توحيد توجه الإنسان إلى الله ﷿، وتوحيد الربوبية يمكن أن نقول: هو توحيد الخلق، توحيد التدبير لله ﷿، فهو خالق الخلق، توحيد الرزق؛ لأنه لا رازق إلا الله وهكذا ليس هناك مانع في التقسيم، فتقسيم التوحيد تقسيم اصطلاحي علمي فني، وهو نتيجة لاستقراء نصوص التوحيد، فتجد أن هناك أشياء تتعلق بإثبات الربوبية، ويمكن أن هذا يسمى بتوحيد الربوبية، وأشياء تتعلق بالصفات الإلهية يمكن أن تسمى بتوحيد الإلهية، ونصوص تتعلق بإثبات صفات الله ﷿ يمكن أن نسميها بتوحيد الصفات، وأسماء الله يمكن أن نسميها بتوحيد الأسماء، وأفعال الله ﷿ يمكن أن نسميها بتوحيد الأفعال، لكن الأقسام الرئيسية للتوحيد ثلاثة: الربوبية، وهذا واضح جدًا، الإلهية، وهذا واضح جدًا، الأسماء والصفات وهذا واضح جدًا، يمكن أيضًا اختصار أنواع التوحيد إلى اثنين: الربوبية، والإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات في الربوبية من وجه، وفي توحيد الإلهية من وجه آخر، وأغلب الأسماء والصفات تدخل في توحيد الربوبية.","vol":"3","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>حكم مقولة: قدس الله روحه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما رأيكم في مقولة: قدّس الله روحه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  في الحقيقة أن العبارة فيها إشكال، لكن الذين أطلقوها من أهل العلم قصدوا بتقديس الروح إعلاء الروح إلى عليين، أو إلى أعلى المنازل في الجنة، وليس المقصود بالتقديس التعظيم، والأولى اجتناب العبارة مع إحسان الظن بمن قالها.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"3","page":20},{"text":"شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-39>[٤]</span>\nالعبودية لله تعالى تقتضيها الفطرة والغريزة التي فطر الله الناس عليها، وأن على الناس أن يتوجهوا إلى من يعظمونه ويخشونه ويرجونه، والموفق من توجه إلى الله ﷿، ومن الناس من يتوجه إلى غير الله ﷿، وذلك إما بالشرك أو بالبدعة أو نحو ذلك، فمن توجه إلى الله فقد حقق العبودية الحقة وامتثل أعلى معاني العبودية، وعند ذلك تطمئن نفسه ويرتاح قلبه وينال السعادة في الدنيا والآخرة.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>فصل يتضمن مقدمة لتفسير (إياك نعبد وإياك نستعين)</span>","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>التعبد والتأله أمر بدهي وفطري في العبد</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد: فلا يزال الشيخ ابن تيمية ﵀ يتكلم في بيان أن العبودية لله تعالى لها حقائق عظيمة، وأنها تقتضي الفطرة والغريزة التي فطر الله الناس عليها، وأن الناس لا بد أن يتوجهوا إلى من يعظّمونه ويخشونه ويرجونه، والموفق من توجه إلى الله ﷿، لكن من الناس من يتوجه إلى غير الله ﷿، وذلك إما بالشرك أو بالبدعة أو نحو ذلك، وهو في هذا يقرر أن العبودية تقتضيها الفطرة، وأنها نزعة عند الإنسان، وأن الإنسان إذا لم يتعبد لله تعبّد لغيره، وأن هذا الانجذاب والتأله يعتبر من الأمور التي فُطر عليها الإنسان، أو بني عليها الكون كله، لكن هذا الإنسان الذي أعطي الحرية والقدرة والإرادة، وخيّر بين الخير والشر قد يتأله ويتعبد لغير الله ﷿، وهذا ما سيبينه الشيخ من خلال هذا الفصل، ويبين حقيقة العبودية وبعض صورها، وكذلك نتائج وثمار العبودية الحقة لله ﷿.\nقال رحمه الله تعالى: [فصل: وهو مثل المقدمة لهذا الذي أمامه، وهو أن كل إنسان فهو همّام حارث حساس متحرك بالإرادة، بل كل حي فهو كذلك له علم وعمل بإرادته، والإرادة هي المشيئة والاختيار، ولا بد في العمل الإرادي الاختياري من مراد وهو المطلوب، ولا يحصل المراد إلا بأسباب ووسائل تحصّله، فإن حصل بفعل العبد فلا بد من قدرة وقوة، وإن كان من خارج فلا بد من فاعل غيره، وإن كان منه ومن الخارج فلا بد من الأسباب كالآلات ونحو ذلك، فلا بد لكل حي من إرادة، ولا بد لكل مريد من عون يحصل به مراده].\nيريد الشيخ بهذا أن يبين أن التعبّد والتأله -وهو من أعظم إرادات المكلفين- أمر بدهي وفطري غريزي، وأن الإنسان لا بد أن ينجذب بطبعه ما دام عنده إرادة وحرية، فهو همّام حارث، ولا بد لأي إنسان أن ينجذب بطبعه إلى ما ينفعه ويتوقى ما يضره، وهذا الانجذاب إن كان إلى الله ﷿ فهذه هي حقيقة العبودية، والتي فيها كمال العبادة وكمال الطمأنينة والأمن النفسي والروحي، والإنسان إذا كان همّه تحقيق العبودية لله ﷿، وكان انجذاب قلبه وجوارحه إلى ما يرضي الله ﷿ فقد حقق اليقين والعمل والتوكل والاستعانة والامتثال والخضوع، ويكون بذلك قد امتثل أعلى معاني العبودية، وعند ذلك تطمئن نفسه ويرتاح قلبه، ويشعر بالأمن والسعادة في الدنيا والآخرة، وإذا انجذب إلى غير الله ﷿ وكله إلى تلك الأسباب، وإذا انجذب انجذابًا كاملًا إلى غير الله فقد أشرك، وإذا انجذب انجذابًا جزئيًا بأن اعتمد أو مال إلى طلب النفع بالأسباب، فربما ينقص توحيده أو ينقص توكله، لكنه قد يقع في بدعة أو نقص في الإيمان أو رياء أو نحو ذلك.\nقال رحمه الله تعالى: [فصار العبد مجبولًا على أن يقصد شيئًا ويريده، ويستعين بشيء ويعتمد عليه في تحصيل مراده، هذا أمر حتم لازم ضروري في حق كل إنسان يجده في نفسه، لكن المراد والمستعان على قسمين: منه ما يراد لغيره، ومنه ما يراد لنفسه.\nوالمستعان: منه ما هو المستعان لنفسه، ومنه ما هو تبع للمستعان وآلة له، فمن المراد ما يكون هو الغاية المطلوب، فهو الذي يذل له الطالب ويحبه، وهو الإله المقصود، ومنه ما يراد لغيره، وهو بحيث يكون المراد هو ذلك الغير، فهذا مراد بالعرض.\nومن المستعان ما يكون هو الغاية التي يعتمد عليه العبد، ويتوكل عليه، ويعتضد به، ليس عنده فوقه غاية في الاستعانة، ومنه ما يكون تبعًا لغيره، بمنزلة الأعضاء مع القلب، والمال مع المالك، والآلات مع الصانع.\nفإذا تدبر الإنسان حال نفسه وحال جميع الناس، وجدهم لا ينفكون عن هذين الأمرين: لا بد للنفس من شيء تطمئن إليه وتنتهي إليه محبتها، وهو إلهها، ولا بد لها من شيء تثق به وتعتمد عليه في نيل مطلوبها، هو مستعانها، سواء كان ذلك هو الله أو غيره، وإذا فقد يكون عامًّا، وهو الكفر، كمن عبد غير الله مطلقًا، وسأل غير الله مطلقًا، مثل: عبّاد الشمس والقمر وغير ذلك الذين يطلبون منهم الحاجات، ويفزعون إليهم في النوائب.\nوقد يكون خاصًا في المسلمين، مثل: من غلب عليه حب المال، أو حب شخص، أو حب الرياسة، حتى صار عبد ذلك، كما قال ﷺ: (تعس عبد الدرهم! تعس عبد الدينار! تعس عبد الخميصة! تعس عبد الخميلة! إن أُعطي رضي، وإن منع سخط! تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش).\nوكذلك من غلب عليه الثقة بجاهه وماله، بحيث يكون عنده مخدومه من الرءوساء ونحوهم، أو خادمه من الأعوان والأجناد ونحوهم، أو أصدقاؤه أو أمواله، هي التي تجلب المنفعة الفلانية وتدفع المضرة الفلانية، فهو معتمد عليها ومستعين بها، والمستعان هو مدعو ومسئول.\nوما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة، فمن اعتمد عليه القلب في رزقه ونصره ونفعه وضره، خضع له وذل وانقاد، وأحبه من هذه الجهة وإن لم يحبه لذاته، لكن قد يغلب عليه الحال حتى يحبه لذاته، وينسى مقصوده منه، كما يصيب كثيرًا ممن يحب المال، أو يحب من يحصل له به العز والسلطان].\nيعني: الشيخ يق","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>أقسام الناس بالنسبة لعبادة الله والاستعانة به</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وأما من أحبه القلب وأراده وقصده، فقد لا يستعينه ويعتمد عليه إلا إذا استشعر قدرته على تحصيل مطلوبه، كاستشعار المحب قدرة المحبوب على وصله.\nفإذا استشعر قدرته على تحصيل مطلوبه استعانه وإلا فلا، فالأقسام ثلاثة: فقد يكون محبوبًا غير مستعان، وقد يكون مستعانًا غير محبوب، وقد يجتمع فيه الأمران.\nفإذا علم أن العبد لا بد له في كل وقت وحال من منتهى يطلبه هو إلهه، ومنتهى يطلب منه هو مستعانه، وذلك هو صمده الذي يصمد إليه في استعانته وعبادته، تبيّن أن قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] كلام جامع محيط أولًا وآخرًا، لا يخرج عنه شيء، فصارت الأقسام أربعة: إما أن يعبد غير الله ويستعينه وإن كان مسلمًا، فالشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل.\nوإما أن يعبده ويستعين غيره، مثل كثير من أهل الدين، يقصدون طاعة الله ورسوله وعبادته وحده لا شريك له، وتخضع قلوبهم لمن يستشعرون نصرهم، ورزقهم، وهدايتهم، من جهته، من الملوك والأغنياء والمشايخ.\nوإما أن يستعينه وإن عبد غيره، مثل كثير من ذوي الأحوال، وذوي القدرة وذوي السلطان الباطن أو الظاهر، وأهل الكشف والتأثير، الذين يستعينونه ويعتمدون عليه ويسألونه ويلجئون إليه، لكن مقصودهم غير ما أمر الله به ورسوله، وغير اتباع دينه وشريعته التي بعث الله بها رسوله.\nوالقسم الرابع: الذين لا يعبدون إلا إياه، ولا يستعينون إلا به، وهذا القسم الرباعي قد ذُكر فيما بعد أيضًا، لكنه تارة يكون بحسب العبادة والاستعانة، وتارة يكون بحسب المستعان، فهنا هو بحسب المعبود والمستعان، لبيان أنه لا بد لكل عبد من معبود مستعان، وفيما بعد بحسب عبادة الله واستعانته، فإن الناس فيها على أربعة أقسام].\nالأقسام الأربعة التي ذكرها، الشيخ: الأول: إما أن يعبد غير الله ويستعينه، وهذا قد وقع في الشرك؛ لأنه عبد غير الله واستعان بغير الله، لكن قد يستعين بالله عند الضرورة، وهذا لا ينفعه، وهذا كثير ما يقع فيه كثير من المشركين، فلا يستعمل الاستعانة بالله إلا عند الضرورة القصوى أو في حالة حصول الشدة، ومع ذلك يبقى على شركه.\nالثاني: أن يعبد الله ويستعين بغيره، والمقصود بالاستعانة هنا ضعف التوكل على الله ﷿، ويظهر لي أنه لا يقصد الشرك الخالص، وإنما يقصد ما يقع فيه بعض أهل البدع وبعض المفرطين الذين تستحوذ عليهم الشهوات، وهؤلاء غالبًا ينسون الاستعانة بالله ﷿، ويكثر اعتمادهم على غير الله في كثير من الأمور، وهذا يقع فيه كثير من الناس.\nثالثًا: أن يستعين بالله ﷿ وإن عبد غيره، وهذا يقع فيه كثير من عباد الصوفية والفلاسفة الجهلة، وكذلك عند بعض الذين يغلّبون جانب الشهوات أو جانب المطامع والمصالح.\nرابعًا: الذين هم على الاستقامة، إذ إنهم يجمعون بين عبادة الله والاستعانة به، أي: بمعناها الكامل.\nوأما قوله: (وما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة)، فأيهما الغالب؟ أن العبادة تستلزم الاستعانة، فتكون العبادة هي الفاعل والاستعانة هي المفعول، وهذا الذي يظهر لي، فمن اعتمد عليه القلب في رزقه ونصره ونفعه وضره خضع له وذل وانقاد وأحبه، لكن الشرع يرى أن الاستعانة تستلزم العبادة، مع أن العكس صحيح، فلو قيل: إن العبادة تستلزم الاستعانة، بمعنى: أن العبادة الحقيقية تستلزم الاستعانة صح التعبير، وإذا قلنا: الاستعانة تستلزم العبادة فربما يكون هنا أوجه؛ لأن الاستعانة الحقة لا ينتج عنها إلا حقيقة العبادة، فنقول: لو عكسنا صح ذلك، لكن ربما الشيخ قصد معنى آخر وهو ما ذكره، فجعل اللازم هو الاستعانة، والملزوم هو العبادة.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>فصل في وجوب اختصاص الخالق بالعبادة والتوكل</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فصل: في وجوب اختصاص الخالق بالعبادة والتوكل عليه، فلا يعمل إلا له، ولا يرجى إلا هو، هو سبحانه الذي ابتدأك بخلقك والإنعام عليك بنفس قدرته عليك ومشيئته ورحمته من غير سبب منك أصلًا، وما فعل بك لا يقدر عليه غيره.\nثم إذا احتجت إليه في جلب رزق أو دفع ضرر فهو الذي يأتي بالرزق لا يأتي به غيره، وهو الذي يدفع الضرر لا يدفعه غيره، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَكُمْ يَنصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك:٢٠ - ٢١].\nوهو سبحانه ينعم عليك، ويحسن إليك بنفسه، فإن ذلك موجب ما تسمى به، ووصف به نفسه، إذ هو الرحمن الرحيم، الودود المجيد، وهو قادر بنفسه، وقدرته من لوازم ذاته، وكذلك رحمته وعلمه وحكمته، لا يحتاج إلى خلقه بوجه من الوجوه، بل هو الغني عن العالمين ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠].\n﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ * وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧ - ٨].\nوفي الحديث الصحيح الإلهي: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، ولو كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئًا) إلى آخر الحديث.\nفالرب سبحانه غني بنفسه، وما يستحقه من صفات الكمال ثابت له بنفسه، واجب له من لوازم نفسه، لا يفتقر في شيء من ذلك إلى غيره، بل أفعاله من كماله: كمُل ففعل، وإحسانه وجوده من كماله، لا يفعل شيئًا لحاجة إلى غيره بوجه من الوجوه، بل كل ما يريده فعله، فإنه فعّال لما يريد، وهو سبحانه بالغ أمره، فكل ما يطلب فهو يبلغه ويناله ويصل إليه وحده لا يعينه أحد، ولا يعوقه أحد، لا يحتاج في شيء من أموره إلى معين، وما له من المخلوقين ظهير، وليس له ولي من الذل].","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>أعظم الناس عبودية لله أكثرهم خضوعًا له وذلًا وافتقارًا</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فصل: والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارًا إليه وخضوعًا له، كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله، وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، ولقد صدق القائل: بين التذلل والتدلل نقطة في رفعها تتحير الأفهام ذاك التذلل شرك فافهم يا فتى بالخلف فأعظم ما يكون العبد قدرًا وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم ولو في شربة ماء نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته، ليكون الدين كله لله، ولا يُشرك به شيء.\nولهذا قال حاتم الأصم -لما سئل: فيم السلامة من الناس؟ - قال: أن يكون شيئك لهم مبذولًا وتكون من شيئهم آيسًا، لكن إن كنت معوضًا لهم عن ذلك وكانوا محتاجين، فإن تعادلت الحاجتان تساويتم كالمتبايعين ليس لأحدهما فضل على الآخر، وإن كانوا إليك أحوج خضعوا لك.\nفالرب سبحانه أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه، وأفقر ما تكون إليه، والخلق أهون ما يكون عليهم أحوج ما يكون إليهم؛ لأنهم كلهم محتاجون في أنفسهم، فهم لا يعلمون حوائجك، ولا يهتدون إلى مصلحتك، بل هم جهلة بمصالح أنفسهم، فكيف يهتدون إلى مصلحة غيرهم؟ فإنهم لا يقدرون عليها، ولا يريدون من جهة أنفسهم، فلا علم ولا قدرة ولا إرادة، والرب تعالى يعلم مصالحك ويقدر عليها ويريدها رحمة منه وفضلًا، وذلك صفته من جهة نفسه، لا شيء آخر جعله مريدًا راحمًا، بل رحمته من لوازم نفسه، فإنه كتب على نفسه الرحمة، ورحمته وسعت كل شيء، والخلق كلهم محتاجون، لا يفعلون شيئًا إلا لحاجتهم ومصلحتهم، وهذا هو الواجب عليهم والحكمة، ولا ينبغي لهم إلا ذلك، لكن السعيد منهم الذي يعمل لمصلحته التي هي مصلحة، لا لما يظنه مصلحة وليس كذلك، فهم ثلاثة أصناف: ظالم، وعادل، ومحسن.\nفالظالم: الذي يأخذ منك مالًا أو نفعًا ولا يعطيك عوضه، أو ينفع نفسه بضررك.\nوالعادل: المكافئ، كالبايع لا لك ولا عليك، كل به يقوم الوجود، وكل منهما محتاج إلى صاحبه، كالزوجين، والمتبايعين، والشريكين.\nوالمحسن: الذي يحسن لا لعوض يناله منك، فهذا إنما عمل لحاجته ومصلحته، وهو انتفاعه بالإحسان، وما يحصل له بذلك مما تحبه نفسه من الأجر، أو طلب مدح الخلق وتعظيمهم، أو التقرب إليك إلى غير ذلك، وبكل حال ما أحسن إليك إلا لما يرجو من الانتفاع، وسائر الخلق إنما يكرمونك ويعظمونك لحاجتهم إليك، وانتفاعهم بك، إما بطريق المعاوضة؛ لأن كل واحد من المتبايعين والمتشاركين والزوجين محتاج إلى الآخر، والسيد محتاج إلى مماليكه وهم محتاجون إليه، والملوك محتاجون إلى الجند والجند محتاجون إليهم، وعلى هذا بني أمر العالم، وإما بطريق الإحسان منك إليهم، فأقرباؤك وأصدقاؤك وغيرهم إذا أكرموك لنفسك، فهم إنما يحبونك ويكرمونك لما يحصل لهم بنفسك من الكرامة، فلو قد وليت ولوا عنك وتركوك، فهم في الحقيقة إنما يحبون أنفسهم وأغراضهم.\nفهؤلاء كلهم من الملوك إلى من دونهم، تجد أحدهم سيدًا مطاعًا، وهو في الحقيقة عبد مطيع، وإذا أوذي أحدهم بسبب سيده أو من يطيعه تغير الأمر بحسب الأحوال، ومتى كنت محتاجًا إليهم نقص الحب والإكرام والتعظيم بحسب ذلك وإن قضوا حاجتك.\nوالرب تعالى يمتنع أن يكون المخلوق مكافئًا له أو متفضلًا عليه ولهذا كان النبي ﷺ يقول إذا رفعت مائدته: (الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه غير مكفي ولا مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا) رواه البخاري من حديث أبي أمامة ﵁.\nبل ولا يزال الله هو المنعم المتفضل على العبد وحده لا شريك له في ذلك، بل ما بالخلق كلهم من نعمة فمن الله، وسعادة العبد في كمال افتقاره إلى الله واحتياجه إليه، وأن يشهد ذلك ويعرفه ويتصف معه بموجبه، أي: بموجب علمه ذلك، فإن الإنسان قد يفتقر ولا يعلم مثل أن يذهب ماله ولا يعلم، بل يظنه باقيًا، فإذا علم بذهابه صار له حال آخر، فكذلك الخلق كلهم فقراء إلى الله، لكن أهل الكفر والنفاق في جهل بهذا وغفلة عنه وإعراض عن تذكره والعمل به، والمؤمن يقر بذلك ويعمل بموجب إقراره، وهؤلاء هم عباد الله].","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>الافتقار إلى الله من لوازم المخلوقين</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فالإنسان وكل مخلوق فقير إلى الله بالذات، وفقره من لوازم ذاته، يمتنع أن يكون إلا فقيرًا إلى خالقه، وليس أحد غنيًا بنفسه إلا الله وحده، فهو الصمد الغني عما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، فالعبد فقير إلى الله من جهة ربوبيته ومن جهة إلهيته، كما قد بُسط هذا في مواضع.\nوالإنسان يذنب دائمًا فهو فقير مذنب، وربه تعالى يرحمه ويغفر له، وهو الغفور الرحيم، فلولا رحمته وإحسانه لما وَجِدَ خير أصلًا لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولولا مغفرته لما وقى العبد شر ذنوبه، وهو محتاج دائمًا إلى حصول النعمة، ودفع الضر والشر، ولا تحصل النعمة إلا برحمته، ولا يندفع الشر إلا بمغفرته، فإنه لا سبب للشر إلا ذنوب العباد، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] والمراد بالسيئات ما يسوء العبد من المصائب، وبالحسنات ما يسره من النعم، كما قال: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف:١٦٨]، فالنعم والرحمة والخير كله من الله فضلًا وجودًا من غير أن يكون لأحد من جهة نفسه عليه حق، وإن كان تعالى عليه حق لعباده، فذلك الحق هو أحقه على نفسه، وليس ذلك من جهة المخلوق، بل من جهة الله، كما قد بسط هذا في مواضع.\nوالمصائب بسبب ذنوب العباد وكسبهم، كما قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]].\nيعني: أن الله ﷿ هو الذي يوفق العبد للطاعة، ثم قد جازاه عليها وأنعم عليه بها، فالعبد لم ينتفع بنفسه، وإنما هو يفتقر إلى الله في كل الأحوال.\nقال رحمه الله تعالى: [والنعم وإن كانت بسبب طاعات يفعلها العبد فيثيبه عليها، فهو سبحانه المنعم بالعبد وبطاعته وثوابه عليها، فإنه سبحانه هو الذي خلق العبد وجعله مسلمًا طائعًا، كما قال الخليل ﵇: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨].\nوقال: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨].\nوقال: ﴿اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ [إبراهيم:٤٠]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، فسأل ربه أن يجعله مسلمًا وأن يجعله مقيم الصلاة.\nوقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧] الآية، قال بعدها: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٨].\nوفي صحيح أبي داود وابن حبان: (اهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك، قابليها، وأتممها علينا)، وفي الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، وفي الدعاء الذي رواه الطبراني عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (مما دعا به رسول الله ﷺ عشية عرفة: اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقر بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيًا، وكن بي رءوفًا رحيمًا، يا خير المسئولين، ويا خير المعطين)].","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>لفظ العبد في القرآن</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ولفظ العبد في القرآن يتناول من عبد الله، فأما عبد لا يعبده فلا يطلق عليه لفظ عبده، كما قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢] وأما قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢] فالاستثناء فيه منقطع، كما قاله أكثر المفسرين والعلماء، وقوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٦]، ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣]، ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٧].\n﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ [ص:٤١].\n﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [ص:٤٥].\n﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الكهف:٦٥].\n﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء:٣].\n﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣].\n﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠].\n﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩].\n﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١] ونحو هذا كثير.\nوقد يطلق لفظ العبد على المخلوقات كلها، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف:١٩٤].\n﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف:١٠٢] قد يقال في هذا: إن المراد به الملائكة والأنبياء، إذا كان قد نهى عن اتخاذهم أولياء فغيرهم بطريق الأولى، فقد قال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣].\nوفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في الدجال: (فيوحي الله إلى المسيح أن لي عبادًا لا يدان لأحد بقتالهم)، وهذا كقوله: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ [الإسراء:٥]، فهؤلاء لم يكونوا مطيعين لله، لكنهم مُعبّدون مذللون مقهورون يجري عليهم قدره.\nوقد يكون كونهم عبيدًا هو اعترافهم بالصانع وخضوعهم له وإن كانوا كفارًا، كقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦].\nوقوله: ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣] أي: ذليلًا خاضعًا، ومعلوم أنهم لا يأتون يوم القيامة إلا كذلك، وإنما الاستكبار عن عبادة الله كان في الدنيا، ثم قال: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٤ - ٩٥]، فذكر بعدها أنه يأتي منفردًا، كقوله ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤].\nوقال: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران:٨٣].\n﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد:١٥] الآية.\nوقال: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة:١١٦]، فليس المراد بذلك مجرد كونهم مخلوقين مدبرين مقهورين تحت المشيئة والقدرة، فإن هذا لا يقال طوعًا وكرهًا، فإن الطوع والكره إنما يكون لما يفعله الفاعل طوعًا وكرهًا، فأما ما لا فعل له فيه فلا يقال له: ساجد أو قانت، بل ولا مسلم، بل الجميع مقرون بالصانع بفطرتهم، وهم خاضعون مستسلمون قانتون مضطرون من وجوه: منها: علمهم بحاجتهم وضرورتهم إليه.\nومنها: دعاؤهم إياه عند الاضطرار.\nومنها: خضوعهم واستسلامهم لما يجري عليهم من أقداره ومشيئته.\nومنها: انقيادهم لكثير مما أمر به في كل شيء، فإن سائر البشر لا يمكّنون العبد من مراده، بل يقهرونه ويلزمونه بالعدل الذي يكرهه، وهو مما أمر الله به، وعصيانهم له في بعض ما أمر به، وإن كان هو التوحيد لا يمنع كونهم قانتين خاضعين، مستسلمين كرهًا، كالعصاة من أهل القبلة وأهل الذمة وغيرهم، فإنهم خاضعون للدين الذي بعث به رسله، وإن كانوا يعصونه في أمور.\nوالمؤمن يخضع لأمر ربه طوعًا، وكذلك لما يقدّره من المصائب، فإنه يفعل عندها ما أُمر به من الصبر وغيره طوعًا، فهو مسلم لله طوعًا خاضع له طوعًا، والسجود مقصوده الخضوع، وسجود كل شيء بحسبه سجودًا يناسبها ويتضمن الخضوع للرب].","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>أول درجات الافتقار هو الافتقار إلى الربوبية</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وأما فقر المخلوقات إلى الله بمعنى: حاجتها كلها إليه، وأنه لا وجود لها ولا شيء من صفاتها وأفعالها إلا به فهذا أول درجات الافتقار، وهو افتقارها إلى ربوبيته لها، وخلقه وإتقانه، وبهذا الاعتبار كانت مملوكة له، وله سبحانه الملك والحمد.\nوهذا معلوم عند كل من آمن بالله ورسله الإيمان الواجب، فالحدوث دليل افتقار الأشياء إلى محدثها، وكذلك حاجاتها إلى محدثها بعد إحداثه لها دليل افتقارها، فإن الحاجة إلى الرزق دليل افتقار المرزوق إلى الخالق الرازق.\nوالصواب أن الأشياء مفتقرة إلى الخالق لذواتها لا لأمر آخر جعلها مفتقرة إليه، بل فقرها لازم لها، لا يمكن أن تكون غير مفتقرة إليه، كما أن غَنَاء الرب وصف لازم له لا يمكن أن يكون غير غني، فهو غني بنفسه لا بوصف جعله غنيًا، وفقر الأشياء إلى الخالق وصف لها، وهي معدومة وهي موجودة، فإذا كانت معدومة فقيل عن مطر يُنتظر نزوله: وهو مفتقر إلى الخالق كان معناه: أنه لا يوجد إلا بالخالق، هذا قول الجمهور من نظار المسلمين وغيرهم، وهذا الافتقار أمر معلوم بالعقل، وما أثبته القرآن من استسلام المخلوقات وسجودها وتسبيحها وقنوتها، أمر زائد على هذا عند عامة المسلمين من السلف وجمهور الخلف.\nولكن طائفة تدعي أن افتقارها، وخضوعها، وخلقها وجريان المشيئة عليها هو تسبيحها وقنوتها، وإن كان ذلك بلسان الحال، ولكونها دلالة شاهدة للخالق ﷻ، وقل للأرض: من فجر أنهارها، وغرس أشجارها، وأخرج نباتها وثمارها، فإن لم تجبك حوارًا وإلا أجابتك اعتبارًا، وهذا يقوله الغزالي وغيره.\nوهو أحد الوجوه التي ذكرها أبو بكر بن الأنباري في قوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة:١١٦] قال: كل مخلوق قانت له باشر صنعته فيه وأجرى أحكامه عليه، فذلك دليل على ذله لربه.\nوهو الذي ذكره الزجاج في قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:٨٣] قال: إسلام الكل خضوعهم لنفاذ أمره في جِبِلِّهم لا يقدر أحد يمتنع من جبلة جبله الله عليها، وهذا المعنى صحيح، لكن الصواب الذي عليه جمهور علماء السلف والخلف: أن القنوت والاستسلام والتسبيح أمر زائد على ذلك، وهذا كقول بعضهم: إن سجود الكاره وذله وانقياده لما يريده الله منه من عافية ومرض وغنى وفقر، وكما قال بعضهم في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤]، قال: تسبيحه دلالته على صانعه، فتوجب بذلك تسبيحًا من غيره، والصواب أن لها تسبيحًا وسجودًا بحسبها].\nيقصد الشيخ بهذا أن التسبيح الذي ذكره الله ﷿ في المخلوقات هو تسبيح حقيقي، فكل مخلوق يسبح بحسب ما فطره الله عليه من نوع التسبيح، وأن هذا غير الخضوع الكوني العام؛ لأن أهل الكلام الذين فسّروا التسبيح بالخضوع الكوني العام فسّروا التسبيح ببعض وجوهه وببعض صوره، لكن الخبر ورد بأنه ما من شيء إلا يسبح بحمد الله ﷿، وهو خبر زائد عن مجرد خضوع واستسلام الربوبية، وإن كان كل ذلك عبادة وطاعة وانقياد، لكن الطاعة الغريزية القسرية التي هي سنة من سنن الكون أمر مشترك عند جميع المخلوقات، وأما التسبيح الذي هو تسبيح العبادة فهو أمر زائد، فما من شيء إلا يسبح الله ﷿ بنوع غيبي يعلمه الله، وعلى هذا فجميع المخلوقات لها تسبيح يليق بها، وربما يكون هذا التسبيح مما يدركه بعض الناس في بعض الأشياء، وربما يكون مما لا يُدرك، وربما تكون حركة الأشجار هي نوع من التسبيح، وربما يكون غير ذلك، فهذا أمر غيبي لا نستطيع أن نتحكم به.\nإذًا: تسبيح الكائنات والمخلوقات لله ﷿ هو أمر زائد عن مجرد الخضوع العام والربوبية والاستسلام لله ﷿، وهذا هو الراجح كما ذكره الشيخ، مع أن الشيخ لم ينكر ما قالوه، بل قال: إن هذا المعنى صحيح، وهو: أن هذه المخلوقات لافتقارها عابدة لله ﷿ بخضوعها وتذللها له ﷾، وهذا هو مقتضى القيومية لله ﷿، وكونه القائم على كل شيء.\nوأما المكلّفون فإن الله ﷿ قد ابتلاهم، فمنهم من يسبّح وهو العبد الطائع المطيع، ومنهم من لا يسبّح وهو العبد الكافر المعاند نسأل الله العافية، بينما المخلوقات الأخرى -كما ذكرنا- فكلها تسبح بحمد الله ﷿ تسبيحًا يليق بها، وبكيفية لا نعلمها.\nقال رحمه الله تعالى: [والمقصود أن فقر المخلوقات إلى الخالق، ودلالتها عليه وشهادتها له، أمر فطري فطر الله عليه عباده، كما أنه فطرهم على الإقرار به بدون هذه الآيات، كما قد بُسط الكلام على هذا في مواضع، وبُين الفرق بين دلالة الآيات ودلالة القياس الشمولي والتمثيلي، فإن القياس البرهاني العقلي، سواء صيغ بلفظ الشمول كالأشكال المنطقية، أو صيغ بلفظ التمثيل، وبُيّن أن الجامع هو علة الحكم ويلزم ثبوت الحكم أينما وجد، وقد بسطنا الكلام على صورة القياسين في غير هذا الموضع.\nوالتحقيق: أن العلم بأن المُحدث لا بد له من محدث هو علم فطري ضروري في","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>التكلف في تقرير البدهيات منهج الفلاسفة</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فإن الكليات إنما تصير كليات في العقل بعد استقرار جزئياتها في الوجود، وكذلك عامة القضايا الكلية التي يجعلها كثير من النُظّار المتكلمة والمتفلسفة أصول علمهم، كقولهم: الكل أعظم من الجزء، أو النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك فإنه أي كلي تصوره الإنسان علم أنه أعظم من جزئيه، وإن لم تخطر له القضية الكلية، كما يعلم أن بدن الإنسان بعضه أكثر من بعض، وأن الدرهم أكبر من بعضه، وأن المدينة أكثر من بعضها، وأن الجبل أكبر من بعضه، وكذلك النقيضان وهما: الوجود والعدم، فإن العبد إذا تصور وجود أي شيء كان وعدمه، علم أن ذلك الشيء لا يكون موجودًا معدومًا في حالة واحدة، وأنه لا يخلو من الوجود والعدم، وهو يقضي بالجزئيات المعينة، وإن لم يستحضر القضية الكلية، وهكذا أمثال ذلك].\nيعتبر هذا من تكلفات الفلاسفة والنظّار والمتكلمين في تقرير البدهيات؛ لأن هذه الأمور لا تحتاج إلى كبير جهد ووقت، بل حتى عند أبسط الناس، ككون الجبل أكبر من بعضه، أو النقيضان هما: الوجود والعدم، أو الحياة والموت، أو السواد والبياض إلى آخره، سواء كانا نقيضين أو متضادين أو متقابلين، فهذه الأمور بدهية والتكلف في تقريرها هو نوع من عبث الصبيان، وإضاعة الوقت والجهد، وكد الذهن فيما لا طائل تحته، والتفريع عليها في الأمور الوهمية في الغالب يجعل البدهيات معضلات، وعليه فالتكلّف في تقرير هذه الأمور البدهية هو منهج الفلاسفة؛ لأنهم فارغون ومثاليون وليس لهم في الواقع وجود، وأغلب كلامهم هو من باب إضاعة الوقت وكد الذهن فيما لا طائل تحته، أو فيما هو معلوم بالضرورة، ولذلك حينما تكلّفوا في هذه الأمور وجد منهم من يعارض البدهيات، فأحيانًا تجد عند بعض الجهمية والفلاسفة والمعتزلة وغيرهم أشياء هي شك في البدهيات، حتى قالوا: وجود الكون وجود مجازي، يعني: أنه ليس حقيقة، وحتى إن بعضهم افترض أن الإنسان يمكن أن يشك في وجوده، ويقول: إن وجودي مجرد وهم، فهذه الترّهات سببها التكلّف في تقرير البدهيات.\nويقصد بالآيات الآيات الكونية الدالة على وجود الله ﷿، يقال: إن الإنسان وإن لم يفكّر بعقله فقد رُكّب بفطرته على أنه لا بد أن يوقن بوجود الله ﷿ والإقرار بربوبيته، لكن الآيات تلزم وتزيد اليقين في الإنسان.\nوهو في الحقيقة قد بدأ في موضوع آخر، ولم يتكلم عن الآيات، وكأنه يريد أن يقرر أن ما قاله المتكلمون والفلاسفة في مسألة تفسير كثير من الأمور الشرعية -ومن ضمنها تفسير التسبيح- مبني على أنهم أخذوا الأمور بالقواعد العقلية فيما يتعلق باستقراء الأمور، ومن ضمنها القياس.\nفإذًا: سيصل إلى النتيجة في آخر المقالة، ونحن على وشك انتهاء الموضوع فلا نستعجل النتيجة، لذلك سيخرج بنتيجة بيّنة فيما بعد إن شاء الله.\nقال ﵀: [ولما كان القياس الكلي فائدته أمر مطلق لا معين، كان إثبات الصانع بطريق الآيات هو الواجب، كما نزل به القرآن، وفطر الله عليه عباده، وإن كانت الطريقة القياسية صحيحة، لكن فائدتها ناقصة، والقرآن إذا استعمل في الآيات الإلهيات استعمل قياس الأولى لا القياس الذي يدل على المشترك، فإنه ما وجب تنزيه مخلوق عنه من النقائص والعيوب التي لا كمال فيها، فالباري تعالى أولى بتنزيهه عن ذلك، وما ثبت للمخلوق من الكمال الذي لا نقص فيه كالحياة والعلم والقدرة، فالخالق أولى بذلك منه، فالمخلوقات كلها آيات للخالق، والفرق بين الآية وبين القياس أن الآية تدل على عين المطلوب الذي هي آية وعلامة عليه، فكل مخلوق فهو دليل وآية على الخالق نفسه، كما قد بسطناه في مواضع].","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>كون دلالة الفطرة على وجود الله هي الأصل</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ثم الفطر تعرف الخالق بدون هذه الآيات، فإنها قد فُطرت على ذلك، ولو لم تكن تعرفه بدون هذه الآيات لم تعلم أن هذه الآية له، فإن كونها آية له ودلالة عليه، مثل كون الاسم يدل على المسمى، فلا بد أن يكون قد تصور المسمى قبل ذلك، وعرف أن هذا اسم له، فكذلك كون هذا دليلًا على هذا يقتضي تصور المدلول عليه، وتصور أن ذلك الدليل مستلزم له، فلا بد في ذلك أن يعلم أنه مستلزم للمدلول، فلو لم يكن المدلول متصورًا لم يعلم أنه دليل عليه، فمعرفة الإضافة متوقفة على تصور المضاف والمضاف إليه، لكن قد لا يكون الإنسان عالمًا بالإضافة ولا كونه دليلًا، فإذا تصوره عرف المدلول، إذا عرف أنه مستلزم له، والناس يعلمون أن هذه المخلوقات آيات ودلائل للخالق، فلا بد أن يكونوا يعرفونه، حتى يعلموا أن هذه دلائل مستلزمة له].\nيقصد الشيخ هنا أن دلالة الفطرة على وجود الله هي الأصل، وأن ما ينضاف إليها من الآيات الكونية الدالة على وجود الله وصفاته، والاستدلال بآيات الله المقروءة على وجود الله وصفاته، إنما جاءت هذه محركة ومقوية لدلالة الفطرة، وكأنه يقول: إن المخلوقات رُكِّبت بفطرتها على ضرورة الإيمان بالله ﷿ وبربوبيته وإلهيته، وأن هذه الأدلة ما هي إلا مقوية لهذا الإيمان الفطري، ولذلك قال: إن هذه الطرق العقلية الفطرية هي التي جاء بها القرآن، يعني: تستحث الفطرة، لا بطريق القياس فقط، وإنما بطريق الدلالة المباشرة، مثل قوله ﷿: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠]، فهذا دليل فطري، وليس للفت النظر إلى الآيات الكونية بالتفصيل، وإنما لإثارة عوامل الفطرة، وإن كان للفت النظر إلى الآيات الكونية، لكنه لفت إلى الكون كله وليس إلى جزئيات الآيات، ومع ذلك أحيانًا تستعمل الدلالة على وجود الله بجزئيات الآيات من باب تقوية اليقين، وإقامة الحجة على المعاندين، وإلا فهذا أمر فطري تقتضيه الفطرة، سواء وجدت الآيات أم لم توجد، ولذلك فإن المؤمنين الخُلّص، أو الذين سلمت فطرتهم قد لا يتمعنون في الدلالات الكونية إلا إذا جاء للتمعن مناسبة أو سبب، وإلا فقلوبهم قبل ذلك ممتلئة باليقين بالله ﷿، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]، أي: أنه لم يكن عنده شك في قدرة الله على الخلق، ولا في عظيم آيات الله، لكنه أراد أن يرى أمرًا حسيًا يستدل به على ما في قلبه من يقين، أو يقوى به ما في قلبه، وإلا فدلالة الفطرة موجودة في نفسه، ولذلك استخدمها لما رأى الشمس ورأى القمر ورأى النجوم، ونفى أن تكون هذه المخلوقات هي ما يقصده ويعبده، وكل ذلك بالفطرة الكاملة التي فطره الله عليها، لا بأدلة أخرى أو بمقاييس الفلاسفة وغيرهم.\nوأما قوله ﵀: [والناس يعلمون أن هذه المخلوقات آيات ودلائل للخالق، فلا بد أن يكونوا يعرفونه، حتى يعلموا أن هذه دلائل مستلزمة له].\nفي الحقيقة هذه لفتة جميلة جدًا؛ لأنهم ما استدلوا إلا على شيء في نفوسهم، يعني: لماذا الناس احتاجوا أو استعملوا الدلالات على وجود الله، سواء من استعملها حجة على غيره، أو استعملها ليقوى إيمانه؟ إنما استعملها ليقينه بوجود الله ﷿، وإلا لاحتاج الناس إلى أن يؤمنوا بالله أن يروا الآيات، بينما العكس هو الصحيح، فالناس آمنوا بالله ثم إن الآيات زادتهم إيمانًا وأقامت الحجة على من عاند، سواء من المشركين أو من الملاحدة الذين يزعمون أنهم ينكرون وجود الله، وفي الحقيقة هم لا ينكرون وجود الله، بل يعبّرون عن وجود الله بتعبيرات أخرى؛ لأنهم لو اعترفوا فقالوا: الله، ففيه إلزامهم بالطاعة، لكن منهم من قال: الذي يدبر الكون هي الطبيعة، ومنهم من قال: القوة، ومنهم من قال: الذي يدبر الكون عقل كبير أو العقل الأول، ومنهم من قال: الذي يدبّر الكون هو الروح، ومعنى هذا أنهم كلهم لا بد أن يؤمنوا بمدبّر للكون، ومن ينكر وجود الله تعالى فهو مستكبر عن وصف الله باسمه أو بما يليق به، وإلا فهو يقول: للكون مدبر.\nومن هنا فكلام الشيخ جيد، ويدل على قوة دلالة الفطرة، وأن الناس يعلمون أن الله ﷿ قد فطرهم على العلم بأن هذه المخلوقات آيات ودلائل على الخالق، فلا بد أن يكونوا يعرفونه؛ لأنهم ما بحثوا عن الدلائل، سواء المنكر الذي يريد الدليل أو المؤمن الذي يستدل على غيره أو ليستدل لغيره، فما استدلوا إلا لأمر كانوا يوقنون به فطرة وغريزة، وهو وجود الله ﷿ وعظمته وكماله.","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>التحذير من استعمال عبارات الفلاسفة</span>\nقال رحمه الله تعالى: [والمقصود أن هذه الطرق العقلية الفطرية هي التي جاء بها القرآن، واتفق العقل والشرع، وتلازم الرأي والسمع.\nوالمتفلسفة كـ ابن سينا والرازي ومن اتبعهما قالوا: إن طريق إثباته الاستدلال عليه بالممكنات، وإن الممكن لا بد له من واجب، قالوا: والوجود إما واجب وإما ممكن، والممكن لا بد له من واجب، فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين، وهذه المقالة أحدثها ابن سينا، وركّبها من كلام المتكلمين وكلام سلفه، فإن المتكلمين قسّموا الوجود إلى قديم ومحدث، وقسّمه هو إلى واجب وممكن، وذلك أن الفلك عنده ليس محدثًا، بل زعم أنه ممكن، وهذا التقسيم لم يسبقه إليه أحد من الفلاسفة، بل حُذّاقهم عرفوا أنه خطأ، وأنه خالف سلفه وجمهور العقلاء وغيرهم، وقد بيّنا في مواضع أن القدم ووجوب الوجود متلازمان عند عامة العقلاء، الأولين والآخرين، ولم يُعرف عن طائفة منهم نزاع في ذلك إلا ما أحدثه هؤلاء، فإنا نشهد حدوث موجودات كثيرة، حدثت بعد أن لم تكن، ونشهد عدمها بعد أن كانت، وما كان معدومًا أو سيكون معدومًا لا يكون واجب الوجود، ولا قديمًا أزليًا.\nثم إن هؤلاء إذا قُدِّر أنهم أثبتوا واجب الوجود فليس في دليلهم أنه مغاير للسماوات والأفلاك، وهذا مما بين تهافتهم فيه الغزالي وغيره، لكن عمدتهم أن الجسم لا يكون واجبًا؛ لأنه مركب، والواجب لا يكون مركبًا، هذا عمدتهم.\nوقد بينا بطلان هذا من وجوه كثيرة، وما زال النُظّار يبينون فساد هذا القول كل بحسبه، كما بين الغزالي فساده بحسبه.\nوذلك أن لفظ الواجب صار فيه اشتراك بين عدة معان: فيقال للموجود بنفسه الذي لا يقبل العدم، فتكون الذات واجبة والصفات واجبة، ويقال للموجود بنفسه والقائم بنفسه، فتكون الذات واجبة دون الصفات، ويقال لمبدع الممكنات، وهي المخلوقات، والمبدع لها هو الخالق، فيكون الواجب هو الذات المتصفة بتلك الصفات، والذات مجردة عن الصفات لم تخلق، والصفات مجردة عن الذات لم تخلق، ولهذا صار من سار خلفهم ممن يدعي التحقيق والعرفان، إلى أن جعل الواجب هو الوجود المطلق، كما قد بُسط القول عليه في مواضع].\nيقصد الشيخ بالوجود المطلق الوجود الذي ليس له ذات وليس له حقيقة، وإنما هو وجود ذهني أو وجود عقلي أو روح أو قوة ونحو ذلك من التعبيرات التي يعبّر بها الفلاسفة عن وجود الخالق ﷿، والشاهد أن تقرير الفلاسفة ومن سلك سبيلهم في مسلك المُحدَث والمُحدِث، أو الممكن والواجب -الذي أحدثه ابن سينا - ونحو هذا إنما هو من الألفاظ المجملة التي لها دلالات ناقصة ودلالات كاملة، كما أنها أيضًا من الأمور التي لا يفهمها إلا خاصة هؤلاء الفلاسفة ومن سلك سبيلهم، وعامة الناس يخوضون فيها بغير علم، ولهم في دلالاتها مفاهيم متباينة، فلذلك يجب على المسلم وعلى طالب العلم خاصة ألا يستعمل هذه العبارات التي لها لوازم باطلة، والغالب أنها تؤدي إلى الخروج من اليقين إلى الشك؛ لأن الإنسان ليس بحاجة إلى أن يعرف معنى واجب الوجود ليثبت وجود الله ﷿، فوجود الله وجود فطري، وإنما نحن بحاجة إلى إثبات ذلك بالآيات الكونية لمن أنكر أو شك، أما ما عدا ذلك فإنما هي ألفاظ أشبه بالأوهام والتكلّفات التي لا تقرر عقيدة، بل أن من استعملها يخرج من اليقين إلى الشك، ولذلك نجد هؤلاء الذين يستعملون هذه العبارات كلهم أصحاب شك وريب نسأل الله العافية، بل ولم يصلوا إلى أي نتيجة، وأغلبهم وقعوا في محارات عقلية وذهنية أدت بهم إلى اليأس والقنوط وإلى إعلان الإفلاس، وكل الذين اشتهر عنهم هذا الأمر وخاصة الكبار منهم والمنظّرين أعلنوا الحيرة والاضطراب في العقيدة، بل ومنهم من أعلن ذلك عند الموت، وغير هؤلاء كثيرين جدًا نسأل الله العافية؛ لأنهم تكلموا في أمور لا داعي لها، والقاعدة في ذلك: أن أوصاف الله ﷿ وأسماءه متقررة في الكتاب والسنة على أكمل وجه، ولسنا بحاجة إلى أن نستحدث ألفاظًا أو تعبيرات نعبّر بها عن أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله، وأن كل ما نتخيله أو نتصوره أو نتوهمه أو تنطق به ألسنتنا من الكمالات فإنما هو راجع إلى ألفاظ الشرع، بل إن من أسماء الله جوامع يرجع إليها كل ما تفلسف به المتفلسفون، ولو أنهم نزهوا أنفسهم ووصفوا الله بما وصف به نفسه من الكمالات التي تجمعها بعض العبارات مثل الله أو الحي أو القيوم أو العظيم أو الكبير -عبارات جامعة تجمع كل معاني الكمال- لكان خيرًا لهم، وعليه فالناس ليسوا بحاجة إلى أن يقرروا وجود الله وكماله وأسمائه وصفاته بمثل هذه الألفاظ المبتدعة؛ لأنها أمور توقع الناس في الريب والشك، بل وتوقعهم في الإثم والكلام على الله بغير علم، وهذا من أعظم الإثم، بل من كبائر الذنوب، والغالب أنه في مثل هذا قد يصل إلى الكفر.\nقال ﵀: [والمقصود هنا الكلام أولًا في أن سعادة العبد في كمال افتقاره إلى ربه واحتياجه إليه، أي: في أن يشهد ذلك ويعرفه، ويتصف معه بموجب ذلك من الذل والخ","vol":"4","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>الأسئلة</span>","vol":"4","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>وجه الخوض في القضايا الكلامية التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على أهل الكلام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قال شيخ الإسلام: (وعلم الكلام لا يحتاج إليه البليد ولا يستفيد منه الذكي)، فإذا كان كذلك فهل لنا أن نتجاوز القضايا التي يذكرها ابن تيمية في الرد على أهل الكلام من أجل كسب الوقت؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  في الحقيقة هذه مسألة في نفسي منها شيء، لكن مع ذلك أحيانًا أقول: ما دام أن الحضور طلاب علم، وأكثر الأمور إن شاء الله ليست مشكلة عليهم، فلعلنا نستفيد على الأقل إذا كان هناك جوانب سلبية مما يورده شيخ الإسلام في رده على أهل الكلام تبيّن لنا هذه الجوانب، لا سيما أننا نجد أن هناك من بدأ يثير هذه القضايا من جديد، من متكلمة الأشاعرة والماتريدية، فقد بدءوا الآن يقررون عقائدهم الفلسفية هذه، وتدرس في كثير من الجامعات والمدارس في العالم الإسلامي على هذا النحو، بل أشد منه، كما يدرسون محارات تتعب العقول وتمرض القلوب، ولا يصل فيها الناس إلا إلى مسالك وعرة لا توصلهم إلى اليقين.\nأيضًا: أن هناك كتبًا تقرر هذه المسائل.\nكذلك: أن هناك أصحاب اتجاه جديد لا هم أشاعرة ولا ماتريدية ولا متكلمون، لكنهم أخطر من هؤلاء كلهم، فقد بدءوا يتناولون هذه القضايا إما بالتأييد وإما بالرفض، وأغلبه من باب التأييد، وهم أصحاب الاتجاهات العقلانية والعصرانية، فبدءوا يستعملون هذه الأساليب وهذه المصطلحات من جديد، ويقررون بها الدين على نحو ما قرره أولئك الأوائل من أسلافهم.\nفأنا أقول: لعلنا نتوسط، فإذا جاءت بعض المقاطع التي فيها استطراد طويل في المسائل الكلامية، وهي قليلة في المجلد الأول والثاني فربما نستبعدها، وأما إذا كان مجرد عرض أو استعراض سريع في المسائل الكلامية مثل ما مر قبل قليل فأرجو ألا يكون فيه حرج.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"4","page":14},{"text":"شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-53>[٥]</span>\nمن الأسس التي تقوم عليها السعادة في معاملة الخلق أن ترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثوابه سبحانه لا لمكافأتهم، وأن تكف عن ظلمهم خوفًا من الله، فإن هذا من ثمار العبودية لله تعالى ولوازمها، وبذلك تنال السعادة في الدارين.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>فصل: السعادة في معاملة الخلق أن تعاملهم لله</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد: فسنبدأ في فصل جديد يعتبر امتدادًا للفصل السابق في الكلام على العبودية ولوازمها وقواعدها وثمارها، وفي هذا الفصل سيركز فيه شيخ الإسلام على قاعدة في مسألة معاملة الخلق، وبيان وجه السعادة في معاملة الخلق، وقد تضمنت هذه القاعدة حكمًا بليغة، ووصايا عظيمة، وفوائد جليلة كما حدث في القاعدة السابقة.","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الأسس التي تقوم عليها السعادة في معاملة الخلق</span>\nقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل: والسعادة في معاملة الخلق: أن تعاملهم لله، فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم، وتكف عن ظلمهم خوفًا من الله لا منهم، كما جاء في الأثر: (ارج الله في الناس ولا ترج الناس في الله، وخف الله في الناس ولا تخف الناس في الله)، أي: لا تفعل شيئًا من أنواع العبادات والقرب لأجلهم، لا رجاء مدحهم ولا خوفًا من ذمهم، بل ارج الله ولا تخفهم في الله فيما تأتي وما تذر، بل افعل ما أمرت به وإن كرهوه].\nذكر الشيخ هنا أربعة من الأسس التي تقوم عليها السعادة في معاملة الخلق، وهي في الحقيقة أمور جامعة ومانعة تشمل جميع وجوه السعادة في معاملة الخلق التي يكون بها رضا الله ﷿ وتحقيق العبودية له، وهذه الأسس الأربعة هي: أولًا: أن تعاملهم لله، فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله.\nثانيًا: تخافه فيهم ولا تخافهم في الله.\nثالثًا: تحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم.\nرابعًا: أن تكف عن ظلمهم خوفًا من الله.\nفجعل جميع هذه الأسس الأربعة تقوم على مراعاة حق الله ﷿ في معاملة العباد، وعلى تحقيق العبودية من خلال معاملة العباد، وأشار إلى أن هذا هو الذي يكون به السعادة في معاملة الخلق، أي: سعادة القلب وسعادة النفس، وإلا فالإنسان قد يشعر بالسعادة الشكلية من خلال ما يحققه من مصالح دنيوية من خلال تعامله مع العباد، لكنها مصالح منغصة كما سيذكره فيما بعد، وهذا إذا لم يكن فيها مراعاة لحق الله ﷿، وعليه فلا بد أن يكون هذا هو الأصل والمنطلق في معاملة العباد.","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>مآل من التمس رضا الناس بسخط الله والعكس</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وفي الحديث: (إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، أو تذمهم على ما لم يؤتك الله) فإن اليقين يتضمن اليقين في القيام بأمر الله، وما وعد الله أهل طاعته، ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره، فإذا أرضيتهم بسخط الله لم تكن موقنًا، لا بوعده ولا برزقه، فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك، إما ميل إلى ما في أيديهم من الدنيا، فيترك القيام فيهم بأمر الله لما يرجوه منهم، وإما ضعف تصديق بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد والثواب في الدنيا والآخرة، فإنك إذا أرضيت الله نصرك ورزقك وكفاك مؤنتهم، فإرضاؤهم بسخطه إنما يكون خوفًا منهم ورجاء لهم، وذلك من ضعف اليقين.\nوإذا لم يقدر لك ما تظن أنهم يفعلونه معك، فالأمر في ذلك إلى الله لا لهم، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فإذا ذممتهم على ما لم يُقدّر، كان ذلك من ضعف يقينك، فلا تخفهم ولا ترجهم، ولا تذمهم من جهة نفسك وهواك، لكن من حمده الله ورسوله فهو المحمود، ومن ذمه الله ورسوله فهو المذموم.\nولما قال بعض وفد بني تميم: (يا محمد! أعطني، فإن حمدي زين وإن ذمي شين.\nقال رسول الله ﷺ: ذاك الله ﷿).\nوكتبت عائشة إلى معاوية ﵁، وروي أنها رفعته إلى النبي ﷺ: (من أرضى الله بسخط الناس كفاه مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا) هذا لفظ المرفوع، ولفظ الموقوف: (من أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس له ذامًا)، هذا لفظ المأثور عنها، وهذا من أعظم الفقه في الدين، والمرفوع أحق وأصدق، فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه، وكان عبده الصالح، والله يتولى الصالحين، وهو كاف عبده ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، فالله يكفيه مؤنة الناس بلا ريب، وأما كون الناس كلهم يرضون عنه فقد لا يحصل ذلك، لكن يرضون عنه إذا سلموا من الأغراض وإذا تبين لهم العاقبة، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا، كالظالم الذي يعض على يده يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨]، وأما كون حامده ينقلب ذامًا، فهذا يقع كثيرًا، ويحصل في العاقبة، فإن العاقبة للتقوى، لا يحصل ابتداء عند أهوائهم، وهو سبحانه أعلم].\nفي الحقيقة يمكن إيجاز كلام الشيخ هنا: بأن من التمس رضا الناس بسخط الله فإن مآله وعاقبة أمره إلى الخسران، حتى وإن وجد بعض الفائدة من ذلك، لكن العاقبة لا تكون حميدة أبدًا، سواء في الدنيا أو في الدنيا والآخرة، أو في الآخرة فقط، وكذلك العكس، فمن التمس رضا الله بسخط الناس فلا بد أن تكون عاقبته حميدة، وقد لا يتأتى هذا عاجلًا، وإنما يتأتى بالصبر، فالإنسان قد يرى أول الأمر شيئًا من الإعراض من الناس إذا التمس رضا الله بسخطهم، وقد يجد شيئًا من المضايقة، لكنه بالصبر لا بد أن تكون العاقبة له، إما في الدنيا والآخرة وهو الغالب، وإما في الآخرة فقط.\nفإذًا العاقبة لا بد أن تكون لمن راعى حق الله ﷿ في ذلك، مع أنه بالتجربة والاستقراء نجد أن كل من صبر على أذى الناس والتمس رضا الله ولو بسخطهم، فإنه لا بد أن يجد العاقبة الحميدة في دنياه قبل آخرته، مع ما ادخره الله له في الآخرة، لكن ذلك مشروط بأمرين: صدق النية، وصدق الإخلاص مع الله ﷿، والصبر على ما يصيبه من بلاء، وأكثر الناس قد لا يصبر، فلا تحصل له النتيجة التي يأملها؛ لأنه لم يتحقق عنده الشرط الذي ضمن الله به لمن فعل ذلك.","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>انتفاع العبد بطاعة ربه ﷿</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فالتوحيد ضد الشرك، فإذا قام العبد بالتوحيد الذي هو حق الله، فعبده لا يشرك به شيئًا كان موحدًا.\nومن توحيد الله وعبادته التوكل عليه والرجاء له والخوف منه، فهذا يخلص به العبد من الشرك.\nوإعطاء الناس حقوقهم وترك العدوان عليهم يخلص به العبد من ظلمهم ومن الشرك بهم.\nوبطاعة ربه واجتناب معصيته يخلص العبد من ظلم نفسه، وقد قال تعالى في الحديث القدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين)، فالنصفان يعود نفعهما إلى العبد، وكما في الحديث الذي رواه الطبراني في الدعاء: (يا عبادي! إنما هي أربع، واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين خلقي، فالتي لي: تعبدني لا تشرك بي شيئًا، والتي لك عملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه، والتي بيني وبينك: فمنك الدعاء وعلي الإجابة، والتي بينك وبين خلقي فائت إليهم ما تحب أن يؤتوه إليك) والله يحب النصفين، ويحب أن يعبدوه.\nوما يعطيه الله العبد من الإعانة والهداية هو من فضله وإحسانه، وهو وسيلة إلى ذلك المحبوب، وهو إنما يحبه لكونه طريقًا إلى عبادته، والعبد يطلب ما يحتاج أولًا، وهو محتاج إلى الإعانة على العبادة وإلى الهداية إلى الصراط المستقيم، وبذلك يصل إلى العبادة، فهو يطلب ما يحتاج إليه أولًا ليتوسل به إلى محبوب الرب الذي فيه سعادته، وكذلك قوله: (عملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه)، فإنه يحب الثواب الذي هو جزاء العمل، فالعبد إنما يعمل لنفسه، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، ثم إذا طلب العبادة فإنما يطلبها من حيث هي نافعة له، محصلة لسعادته، محصنة له من عذاب ربه، فلا يطلب العبد قط إلا ما فيه حظ له، وإن كان الرب يحب ذلك فهو يطلبه من حيث هو ملائم له، فمن عبد الله لا يشرك به شيئًا أحبه وأثابه، فيحصل للعبد ما يحبه من النعم تبعًا لمحبوب الرب، وهذا كالبائع والمشتري، البائع يريد من المشتري أولًا الثمن، ومن لوازم ذلك: إرادة تسليم المبيع، والمشتري يريد السلعة، ومن لوازم ذلك: إرادة إعطاء الثمن.\nفالرب يحب أن يُحب، ومن لوازم ذلك: أن يحب من لا تحصل العبادة إلا به، والعبد يحب ما يحتاج إليه].\nذكر الشيخ ﵀ أمرًا كثيرًا ما يسأل عنه بعض الناس، ويستشكله بعض العوام وحتى بعض المبتدئين من طلاب العلم، أو ممن عندهم شيء من الوساوس نسأل الله العافية، ويتلخص هذا الإشكال في أن بعض الناس يتحرج من أن يكون قصده نفع نفسه مع عبادته لربه ورجاء ثوابه ﷿، ويظن أن هذا مذلّة، حتى إن بعضهم يقول: إني أجد في نفسي حينما أندفع للصيام أو للصدقة أو لفعل الخير أني أريد بذلك الجزاء من الله ﷿ لا مجرد العبادة، وهذا جاهل؛ لأن الله ﷿ تعبّدنا بما ينفعنا، فلا حرج عليه، بل من محض الإيمان إن شاء الله، وصدق اليقين أن يكون قصدك أن تنتفع بعبادتك لله ﷿؛ لأنك أنت المستفيد أولًا وآخرًا، والله ﷿ هو الغني، وكون المسلم يعبد الله ويرجو ثوابه ويحبه ويخشاه، ثم يحتسب ذلك ويريد ثوابه ويرجو فائدة ذلك في الدنيا والآخرة فهذا من أعظم المقاصد الشرعية التي يحتسب بها المسلم إلى الله ﷿، بل إن من أعظم المقاصد التي تتوجه إليها القلوب توجهًا صحيحًا أن يكون المسلم يتطلع إلى ثواب الله وإلى جزاء في عمله، وأن يتطلّع إلى السعادة في الدنيا والآخرة كما ذكر الشيخ.\nوأما قوله: (فالرب يحب أن يحب، ومن لوازم ذلك: أن يحب من لا تحصل العبادة إلا به)، فهذه العبارة فيها شيء من الغموض تحتاج إلى توضيح، يعني: أن الله يحب العباد الذين يحققون العبودية له، والله يحب من لا تحصل العبادة إلا به ممن أطاعوه واتبعوا شرعه من عباده الصالحين.","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>أنواع الشرك وضرورة تعاهد الإنسان نفسه خشية الوقوع في الرياء</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فالرب يحب أن يُحب، ومن لوازم ذلك: أن يحب من لا تحصل العبادة إلا به، والعبد يحب ما يحتاج إليه وينتفع به، ومن لوازم ذلك: محبته لعبادة الله، فمن عبد الله وأحسن إلى الناس فهذا قائم بحقوق الله وحق عباد الله، في إخلاص الدين له، ومن طلب من العباد العوض، ثناء أو دعاء أو غير ذلك، لم يكن محسنًا إليهم لله، ومن خاف الله فيهم ولم يخفهم في الله كان محسنًا إلى الخلق وإلى نفسه، فإن خوف الله تحمله على أن يعطيهم حقهم ويكف عن ظلمهم، ومن خافهم ولم يخف الله فهذا ظالم لنفسه ولهم، حيث خاف غير الله ورجاه؛ لأنه إذا خافهم دون الله احتاج أن يدفع شرهم عنه بكل وجه، إما بمداهنتهم ومراءاتهم، وإما بمقابلتهم بشيء أعظم من شرهم أو مثله، وإذا رجاهم لم يقم فيهم بحق الله، وهو إذا لم يخف الله فهو مختار للعدوان عليهم، فإن طبع النفس الظلم لمن لا يظلمها فكيف بمن يظلمها؟ فتجد هذا الضرب كثير الخوف من الخلق كثير الظلم إذا قدر، مهين ذليل إذا قهر، فهو يخاف الناس بحسب ما عنده من ذلك، وهذا مما يوقع الفتن بين الناس.\nوكذلك إذا رجاهم فهم لا يُعطونه ما يرجوه منهم، فلا بد أن يبغضهم فيظلمهم إذا لم يكن خائفًا من الله ﷿، وهذا موجود كثير في الناس، تجدهم يخاف بعضهم بعضًا، ويرجو بعضهم بعضًا، وكل من هؤلاء يتظلّم من الآخر، ويطلب ظلمه، فهم ظالمون بعضهم لبعض، ظالمون في حق الله حيث خافوا غيره ورجوا غيره، ظالمون لأنفسهم، فإن هذا من الذنوب التي تُعذب النفس بها وعليها، وهو يجر إلى فعل المعاصي المختصة كالشرك والزنا، فإن الإنسان إذا لم يخف من الله اتبع هواه، ولا سيما إذا كان طالبًا ما لم يحصل له، فإن نفسه تبقى طالبة لما تستريح به وتدفع به الغم والحزن عنها، وليس عندها من ذكر الله وعبادته ما تستريح إليه وبه، فيستريح إلى المحرمات من فعل الفواحش وشرب المحرمات وقول الزور، وذكر ماجريات النفس والهزل واللعب، ومخالطة قرناء السوء وغير ذلك، ولا يستغني القلب إلا بعبادة الله تعالى].\nقوله: (ماجريات النفس)، أي: رغباتها وميولاتها؛ لأن النفس أمّارة بالسوء، وقد ذكر السلف أن للنفس وجوهًا متعددة، أو أن النفوس ثلاثة: منها: الأمّارة بالسوء، وهذه أكثر إلحاحًا على الإنسان؛ لأنها هي التي تستجيب لأهواء ورغبات النفس، ووساوس الشيطان، وهي أشد النفوس وقوعًا في الشهوات والشبهات، ولذا فالرغبات والميولات هي التي تدفع الإنسان إلى أن يرضي نفسه الأمّارة بالسوء.\nقال رحمه الله تعالى: [فإن الإنسان خُلق محتاجًا إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ونفسه مريدة دائمًا، ولا بد لها من مراد يكون غاية مطلوبها لتسكن إليه وتطمئن به، وليس ذلك إلا لله وحده، فلا تطمئن القلوب إلا به، ولا تسكن النفوس إلا إليه، و﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، فكل مألوه سواه يحصل به الفساد، ولا يحصل صلاح القلوب إلا بعبادة الله وحده لا شريك له].\nذكر الشيخ هنا أنواع الشرك، فذكر الشرك الخفي والشرك الجلي، وأغلب ما يشير إليه هنا هو الشرك الخفي؛ لأن أغلب المسلمين يقعون فيه، بمعنى: أنهم يتّبعون أهواءهم ويطيعون رغبات أنفسهم، ويطيعون الناس ويخافونهم ويرجونهم وغير ذلك مما قد لا يصل إلى الشرك الأكبر، ولذلك ينبغي للإنسان دائمًا أن يتعاهد نفسه في كل عمل يعمله، بل وفي كل ما يأتي به وما يذر، حتى فيما يفكّر فيه من الأمور غير العملية، أو فيما يخطر على باله من خطرات، فينبغي للمسلم أن يتعاهد نفسه لئلا تقع فيما تستريح إليه النفس الأمّارة بالسوء من المحرمات، وفعل الفواحش وقول الزور والحسد والهزل وإضاعة الوقت واللعب ومخالطة قرناء السوء وغير ذلك مما تُدفع إليه النفس؛ ولأنه ربما يكون فيه شيء كثير من الشرك الخفي؛ لأن الشرك الخفي ليس عليه دليل، لكن من أبرز معاني الشرك الخفي هو الرياء؛ لأنه أخفى الأعمال، ولأن الإنسان قد يظهر بمظهر حسن أو مستقيم في حين أنه فيما بينه وبين ربه قلبه منصرف إلى العباد، لكن كل ما توجه به الإنسان إلى غير الله ﷿ من الرغبات والخوف والرجاء فإنه نوع من الشرك، فإن وصل إلى العبادة فهو شرك جلي، أي: شرك أكبر، وعليه فالشرك درجات كما أن الإيمان درجات، والشرك شعب كما أن الإيمان شعب.","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>غنى الإنسان وسعادته في طاعة ربه وتوحيده لافتقاره إليه سبحانه</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فإذا لم تكن القلوب مخلصة لله الدين، عبدت غيره من الآلهة التي يعبدها أكثر الناس مما رضوه لأنفسهم، فأشركت بالله بعبادة غيره واستعانته، فتعبد غيره وتستعين به، لجهلها بسعادتها التي تنالها بعبادة خالقها والاستعانة به، فبالعبادة له تستغني عن معبود آخر، وبالاستعانة به تستغني عن الاستعانة بالخلق، وإذا لم يكن العبد كذلك كان مذنبًا محتاجًا، وإنما غناه في طاعة ربه وهذا حال الإنسان، فإنه فقير محتاج وهو مع ذلك مذنب خطاء، فلا بد له من ربه، فإنه الذي يسدي مغافره، ولا بد له من الاستغفار من ذنوبه، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، فبالتوحيد يقوى العبد ويستغني، ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، وبالاستغفار يغفر له ويدفع عنه عذابه، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]، فلا يزول فقر العبد وفاقته إلا بالتوحيد، فإنه لا بد له منه، وإذا لم يحصل له لم يزل فقيرًا محتاجًا معذبًا في طلب ما لم يحصل له، والله تعالى لا يغفر أن يُشرك به، وإذا حصل مع التوحيد الاستغفار حصل له غناه وسعادته، وزال عنه ما يعذبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.","vol":"5","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>افتقار العبد إلى التوكل على الله والاستعانة به</span>\nقال رحمه الله تعالى: [والعبد مفتقر دائمًا إلى التوكل على الله والاستعانة به كما هو مفتقر إلى عبادته، فلا بد أن يشهد دائمًا فقره إلى الله، وحاجته في أن يكون معبودًا له، وأن يكون معينًا له، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ من الله إلا إليه].\nهذه المسألة من المسائل التي كثيرًا ما يغفل عنها الناس، ولذلك ينبغي بل يجب على طلاب العلم وخاصة من يتصدون للخطابة والتعليم والوعظ والإرشاد أن يركّزوا على هذه القضية، ألا وهي الاستعانة بالله ﷿، إذ هي من أعظم أبواب إصلاح القلوب، لا سيما والناس قد بدأت عندهم بعض مظاهر القلق والأمراض النفسية والشعور بالخوف ونحو ذلك، مما جعلهم يلجئون إلى الوسائل غير المشروعة، كالدجل والدجالين وغير ذلك من الأمور التي قد تكون مظهرًا من مظاهر ضعف الاستعانة بالله ﷿.\nلذا ينبغي على الوعاظ والمرشدين والدعاة أن ينبهوا الناس ويربوهم على مسألة الاستعانة بالله ﷿ دائمًا في كل شيء، وأن يبدأ كل مسلم باللجوء إلى الله ﷿ والإلحاح عليه عندما يطرأ عليه أي أمر من الأمور، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، ولا يحقرن في ذلك شيئًا، وقد نجد ممن يتنبه ويتفطن لهذه القضية، لكن هذا قليل، وهذا القليل أيضًا قد لا يتفطن إلا بعد أن يصل إلى اليأس والشعور بالإحباط، وخاصة الذين يعانون شيئًا من الأمراض النفسية والجسمية، فإذا لم يجدوا فائدة عند الأطباء أو الرقاة أو الدجالين تفطنوا باللجوء إلى الله ﷿، وهذا خير، لكن أعظم منه أن يلجأ الإنسان إلى الله ﷿ في كل أمر صغير أو كبير بالدعاء والاستغفار والتوبة، وعمل الصالحات التي تنجيه وتنفعه وتصله بالله ﷿.\nولذا أقول: ينبغي لكل من يعلم الناس ويربيهم ويرشدهم أن ينبه على هذا الأمر كثيرًا، لا سيما مع كثرة الظواهر المزعجة في الآونة الأخيرة، وكثرة لجوء الناس إلى غير الله ﷿ واللجوء إلى الأسباب، مع أن بذل الأسباب مطلوب لا شك، لكن لا يعني ذلك الإعراض أو الغفلة عن اللجوء إلى الله ﷿، فيحسن التنبيه لهذه المسألة العظيمة.\nقال ﵀: [قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران:١٧٥]، أي: يخوّفكم بأوليائه، هذا هو الصواب الذي عليه الجمهور، كـ ابن عباس وغيره وأهل اللغة كـ الفراء وغيره.\nقال ابن الأنباري: والذي نختاره في الآية: يخوّفكم أولياءه.\nتقول العرب: أعطيت الأموال، أي: أعطيت القوم الأموال، فيحذفون المفعول الأول.\nقلت: وهذا لأن الشيطان يخوّف الناس أولياءه تخويفًا مطلقًا، ليس له في تخويف ناس بناس ضرورة، فحذف الأول لأنه ليس مقصودًا.\nوقال بعض المفسرين: يخوف أولياءه المنافقين، والأول أظهر؛ لأنها نزلت بسبب تخويفهم من الكفار، فهي إنما نزلت فيمن خوّف المؤمنين من الناس، وقد قال: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٥] الضمير عائد إلى أولياء الشيطان، الذين قال فيهم: ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣] قبلها، والذي قال الثاني فسرها من جهة المعنى، وهو أن الشيطان إنما يخوف أولياءه؛ لأن سلطانه عليهم، فهو يدخل عليهم المخاوف دائمًا، وإن كانوا ذوي عَدَد وعُدَد، وأما المؤمنون فهم متوكلون على الله لا يخوّفهم الكفار، أو أنهم أرادوا المفعول الأول، أي: يخوّف المنافقين أولياءه، وهو يخوّف الكفار كما يخوف المنافقين، ولو أُريد أنه يجعل أولياءه خائفين لم يكن للضمير ما يعود عليه، وهو قوله: «فَلا تَخَافُوهُمْ».\nوأيضًا فإنه يعد أولياءه ويمنيهم، ولكن الكفار يلقي الله في قلوبهم الرعب من المؤمنين، والشيطان لا يختار ذلك، قال تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر:١٣] وقال: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال:١٢]، ولكن الذين قالوا ذلك من السلف أرادوا أن الشيطان يخوّف الذين أظهروا الإسلام وهم يوالون العدو فصاروا بذلك منافقين، وإنما يخاف من الكفار المنافقون بتخويف الشيطان لهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة:٥٦]، وقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب:١٩] الآية، فكلا القولين صحيح من حيث المعنى، لكن لفظ (أولياءه) هم الذين يجعلهم الشيطان مخوفين لا خائفين كما دل عليه السياق، وإذا جعلهم مخوفين فإنما يخافهم من خوّفه الشيطان منهم.\nفدلّت الآية على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين، ويجعل ناسًا خائفين منهم.\nودلّت الآية على أن المؤمن لا يجوز له أن يخاف أولياء الشيطان، ولا يخاف الناس، كما قال: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤]، فخوف الله أَمَر به، وخوف أولياء الشيطان نهى عنه، قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُو","vol":"5","page":8},{"text":"شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-61>[٦]</span>\nمن أعظم مباني العبودية التوكل على الله تعالى والاستعانة به، ودعاؤه، وهذه هي صفة أتباع الأنبياء الذين وعدهم الله بالنصر لقوة توكلهم عليه، وقد حذر ﷾ من التشبه باليهود والنصارى، وما هم عليه من الكفر والضلال الذي سببه الغلو في الدين.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>معنى قوله تعالى: (ربيون)</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد: بعون الله وتوفيقه نستأنف دروسنا في الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، قال رحمه الله تعالى: [ولما سلط الله العدو على الصحابة يوم أحد قال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [آل عمران:١٦٥] الآية، وقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران:١٤٦] الآيات، والأكثرون يقرءون: (قاتل)، والربيون الكثير عند جماهير السلف والخلف هم الجماعات الكثيرة، قال ابن مسعود وابن عباس ﵃ في رواية عنه والفراء: ألوف كثيرة.\nوقال ابن عباس في أخرى ومجاهد وقتادة: جماعات كثيرة، وقرئ بالحركات الثلاث في الراء، فعلى هذه القراءة فالربيون الذين قاتلوا معه الذين ما وهنوا وما ضعفوا، وأما على قراءة أبي عمرو وغيره ففيها وجهان: أحدهما: يوافق الأول، أي: الربيون يُقتلون، (فما وهنوا)، أي: ما وهن من بقي منهم لقتل كثير منهم، أي: ما ضعفوا لذلك ولا دخلهم خور ولا ذلوا لعدوهم، بل قاموا بأمر الله في القتال حتى أدالهم الله عليهم وصارت كلمة الله هي العليا].\nفي هذه السطور لا يزال الشيخ يقرر مسألة التوكل على الله ﷿، وهي من أعظم مباني العبودية، فهو ﵀ من أول الكتاب يقرر مسألة العبودية والإلهية لله ﷿، ولا يزال يقرر مسألة التوكل حتى في هذا المقام، وهو هنا يقرر أن الذين ما ضعفوا ولا استكانوا، ونصرهم الله ﷿ أو وعدهم بالنصر لقوة توكلهم، هم الخلص الذين كانوا مع الأنبياء؛ لأنهم حققوا التوكل الذي هو من أعظم مباني العبودية، مع أن الشيخ بعد قليل سيقرر في هذه المسألة معنى الربّيون وأقوال الناس فيها، وهي استطراد منه ﵀ لاستكمال الموضوع.\nقال رحمه الله تعالى: [والثاني: أن النبي ﷺ قُتل معه ربيون كثير، فما وهن من بقي منهم لقتل النبي ﷺ، وهذا يناسب صراخ الشيطان أن محمدًا ﷺ قد قُتل، لكن هذا لا يناسب لفظ الآية، فالمناسب أنهم مع كثرة المصيبة ما وهنوا، ولو أريد أن النبي ﷺ قُتل ومعه ناس لم يخافوا لم يحتج إلى تكثيرهم، بل تقليلهم هو المناسب لها، فإذا كُثّروا لم يكن في مدحهم بذلك عبرة.\nوأيضًا لم يكن فيه حجة على الصحابة، فإنهم يوم أحد قليلون والعدو أضعافهم، فيقولون: ولم يهنوا؛ لأنهم ألوف ونحن قليلون.\nوأيضًا فقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ [آل عمران:١٤٦] يقتضي كثرة ذلك، وهذا لا يُعرف أن أنبياء كثيرين قُتلوا في الجهاد.\nوأيضًا فيقتضي أن المقتولين مع كل واحد منهم ربيون كثير، وهذا لم يوجد، فإن من قبل موسى من الأنبياء لم يكونوا يقاتلون، وموسى وأنبياء بني إسرائيل لم يُقتلوا في الغزو، بل ولا يُعرف نبي قتل في جهاد، فكيف يكون هذا كثيرًا ويكون جيشه كثيرًا؟].\nهذه فائدة نادرة من شيخ الإسلام، والتي كثيرًا ما يتكلم عنها عن علم واستقراء، فقوله: (ولا يُعرف نبي قُتل في جهاد) مبني على استقرائه ﵀، بمعنى: أنه لم يرد في النصوص الشرعية التي ذكرت قصص الأنبياء أن نبيًا قد قتل في جهاد، فهذه من الدرر التي كثيرًا ما يشير إليها شيخ الإسلام في كتاباته؛ لأن الله قد أعطاه علمًا وإحاطة بكثير من المراجع، فكان إذا قرأ الكتاب استوعبه، ومع كثرة قراءته كانت كثيرًا من استنتاجاته صائبة؛ لأنها مبنية على الاستقراء، ولذلك نجده في حواره مع الآخرين خاصة من أهل الفرق والمذاهب كان أعلم منهم بمذاهبهم، وقد اعترفوا له بذلك، وقد سُطّرت اعترافات كثير منهم ولا تزال موجودة في كتبهم، فاعترفوا له بأنه أعلم منهم بمذاهبهم؛ لأنه كان ﵀ يقرأ كثيرًا ويستوعب ما يقرأ.\nولذلك فمثل هذه الفائدة وغيرها كثير، ينبغي أن يحرص عليها طلاب العلم، وأتمنى لو أن أحد طلاب العلم انبرى لجمع مثل هذه الفوائد النادرة في مصنف واحد ليستفيد منها طلاب العلم، سواء في مفردات المسائل أو فيما يتعلق بالأصول والقواعد، أو ما يتعلق بالمناهج، أو ما يتعلق بالمواقف وغير ذلك مما هو لـ شيخ الإسلام من استنتاجات مبنية على استقرائه، فقد كان ﵀ أحيانًا يجزم بناء على استقرائه، وأحيانًا يغلّب الظن، لكن غالبًا كان يجزم بناء على ما توصل إليه من خلال اطلاعه الواسع.\nقال رحمه الله تعالى: [والله سبحانه أنكر على من ينقلب، سواء كان النبي مقتولًا أو ميتًا، فلم يذمهم إذ مات أو قُتل على الخوف، بل على الانقلاب على الأعقاب].\nلأن هذا ينافي التوكل، وهذا استطراد منه ﵀كما قلت- يستوفي فيه مسألة عارضة.\nقال ﵀: [ولهذا تلاها الصدّيق ﵁ بعد موته ﷺ، فكأن لم يسمعوها قبل ذلك.","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>أوجه ترجيح شيخ الإسلام للمعنى المراد للربيين</span>\nقال رحمه الله تعالى: [والأول أصح من وجوه].\nيقصد الشيخ بالأول هنا: الأول القريب وليس الأول البعيد، يعني: أنهم العلماء -يدل عليه ما سيأتي- وهو أصح من وجوه.\nقال رحمه الله تعالى: [أحدها: أن الربانيين عين الأحبار، وهم الذين يربون الناس، وهم أئمتهم في دينهم، ولا يكون هؤلاء إلا قليلًا].\nهذا فيه تضمين للمعاني السابقة، ولا يزال الشيخ في استصحاب قضية حقيقة العبودية، وأن أعظم مباني العبودية التوكل، فهو يميل إلى أن الربيين بمعنى العلماء؛ لأنهم أقوى الناس توكلًا وتحقيقًا للعبودية لله ﷿، وقيمة هذا الاستطراد من الشيخ ﵀ استكمال معنى العبودية والتوكل في الربيين، وأن أخص معانيها وأقواها أنهم العلماء والفقهاء، أعني: أهل الأمر المطاعين، والذين لهم اهتمام بتربية الأمة على عبودية الله ﷿ وإلهيته والتوكل عليه.\nقال رحمه الله تعالى: [الثاني: أن الأمر بالجهاد والصبر لا يختص بهم، وأصحاب الأنبياء لم يكونوا كلهم ربانيين، وإن كانوا قد أعطوا علمًا ومعهم الخوف من الله ﷿.\nالثالث: أن استعمال لفظ الرباني في هذا ليس معروفًا في اللغة.\nالرابع: أن استعمال لفظ الربي في هذا ليس معروفًا في اللغة، بل المعروف فيها هو الأول، والذين قالوه قالوا: هو نسبة للرب بلا نون والقراءة المشهورة: (ربي) بالكسر، وما قالوه إنما يتوجه على من قرأه بنصب الراء، وقد قُرئ بالضم، فعُلم أنها لغات].\nقوله: (بلا نون) يعني: يقال: ربي، ولا يقال: رباني.\nقال رحمه الله تعالى: [الخامس: أن الله تعالى يأمر بالصبر والثبات كل من يأمره بالجهاد، سواء كان من الربانيين أو لم يكن.\nالسادس: أنه لا مناسبة في تخصيص هؤلاء بالذكر، وإنما المناسب ذكرهم في مثل قوله: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة:٦٣] الآية، وفي قوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران:٧٩] فهناك ذكرهم به مناسبًا.\nالسابع: قيل: إن الرباني منسوب إلى الرب، فزيادة الألف والنون كاللحياني، وقيل: إلى تربيته الناس، وقيل: إلى ربان السفينة، وهذا أصح].\nقوله: (ربان السفينة)، أي: قائدها ومدبرها، الآمر والناهي فيها، وكأن الشيخ لا يزال يؤيد أن الربيين بمعنى: العلماء والفقهاء، فهم أهل الأمر والنهي، وأهل القدوة، ونلاحظ أن الشيخ كلما أتت دلالة اصطلاحية أو لغوية تؤيد هذا التفسير نجد أنه يميل إليه.\nقال رحمه الله تعالى: [لأن الأصل عدم الزيادة في النسبة، لأنهم منسوبون إلى التربية، وهذه تختص بهم، وأما نسبتهم إلى الرب فلا اختصاص لهم بذلك، بل كل عبد له فهو منسوب إليه، إما نسبة عموم أو خصوص، ولم يسم الله أولياءه المتقين ربانيين، ولا سمى به رسله وأنبياءه، فإن الرباني من يربي الناس كما يربي الرباني السفينة، ولهذا كان الربانيون يُذمون تارة ويُمدحون أخرى، ولو كانوا منسوبين إلى الرب لم يُذموا قط، وهذا هو الوجه.\nالثامن: أنها إن جُعلت مدحًا فقد ذُموا في مواضع، وإن لم تكن مدحًا لم يكن لهم خاصة يمتازون بها من جهة المدح، وإذا كان منسوبًا إلى رباني السفينة بطل قول من يجعل الرباني منسوبًا إلى الرب، فنسبة الربيون إلى الرب أولى بالبطلان.\nالتاسع: أنه إذا قُدِّر أنهم منسوبون إلى الرب فلا تدل النسبة على أنهم علماء، نعم تدل على إيمان وعبادة وتأله، وهذا يعم جميع المؤمنين، فكل من عبد الله وحده لا يشرك به شيئًا فهو متأله عارف بالله، والصحابة كلهم كذلك، ولم يُسموا ربانيين ولا ربيون، وإنما جاء أن ابن الحنفية قال لما مات ابن عباس ﵃: اليوم مات رباني هذه الأمة، وذلك لكونه يؤدبهم بما آتاه الله من العلم، والخلفاء أفضل منه ولم يُسموا ربانيين، وإن كانوا هم الربانيين.\nوقال إبراهيم: كان علقمة من الربانيين.\nولهذا قال مجاهد: هم الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره.\nفهم أهل الأمر والنهي، والأخبار يدخل فيه من أخبر بالعلم ورواه عن غيره وحدث به وإن لم يأمر أو ينه.\nوذلك هو المنقول عن السلف في الرباني، نُقل عن علي أنه قال: هم الذين يغذون الناس بالحكمة ويربونهم عليها، وعن ابن عباس قال: هم الفقهاء المعلمون.\nقلت: أهل الأمر والنهي هم الفقهاء المعلمون.\nوقال قتادة وعطاء: هم الفقهاء العلماء الحكماء.\nوقال ابن قتيبة: واحدهم رباني، وهم العلماء المعلمون.\nقال أبو عبيد: أحسب الكلمة عبرانية أو سريانية، وذلك أن أبا عبيد زعم أن العرب لا تعرف الربانيين.\nقلت: اللفظة عربية منسوبة إلى ربان السفينة الذي ينزلها ويقوم لمصلحتها، ولكن العرب في جاهليتهم لم يكن لهم ربانيون؛ لأنهم لم يكونوا على شريعة منزلة من الله ﷿].\nنخرج من هذا الكلام بخلاصة تتكون من شقين: الشق الأول: أن شيخ الإسلام يرى أن معنى الرب","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>فصل في قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم)</span>","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>حكاية الله لأخلاق وأوصاف اليهود والنصارى والتحذير من اتباعهم والتشبه بهم</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فصل قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون)، وكتاب الله يدل على ذلك في مواضع، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٦٠]].\nالآية تشير إلى اليهود وإلى كل من سلك سبيلهم، كما هو معروف في غالب ألفاظ القرآن التي تأتي في وصف أعمال أحد من الناس أو تأتي لسبب، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومثل هذه الآية لا شك أنها كانت تحكي أخلاق اليهود وأوصافهم، لكن فيها أيضًا إشارة إلى كل من سلك سبيلهم.\nقال ﵀: [وقوله: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة:٩٠]، وقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران:١١٢]، وقال في النصارى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧]].\nالذين ضلوا وأضلوا كما وردت الإشارة إليه في كثير من النصوص، وكما اتفق عليه السلف أو اشتهر عند جمهورهم: اليهود، ومن كان له أثر في تحريف ديانة النصارى، لكن أعظمهم اليهود، فهم أول من حرّف دين النصارى وسعى إلى تحريفه.\nقال رحمه الله تعالى: [وقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٠ - ٣١]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٧٩ - ٨٠]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧].\nولما أمرنا الله سبحانه أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين، كان ذلك مما يبين أن العبد يُخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين، فقد وقع ذلك كما أخبر به النبي ﷺ حيث قال: (لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) وهو حديث صحيح.\nوكان السلف يرون أن من انحرف من العلماء عن الصراط المستقيم ففيه شبه من اليهود، ومن انحرف من العباد ففيه شبه من النصارى].\nوهذا معلوم؛ لأن اليهود انحرفوا عن العلم، بمعنى: أنهم كانوا يعلمون أحكام الله ﷿، وكانوا على بصيرة من أمرهم، لكنهم انحرفوا عنادًا واستكبارًا، وكذلك النصارى فقد انحرفوا جهلًا، وكان بسبب انحرافهم تفريطهم في الأخذ بما جاء عن الرسل، فهؤلاء غلوا في ترك ما جاء به الرسل، وأولئك غلوا في الانحراف عما جاء به الرسل.\nفإذًا: كل من انحرف عن علم ففيه شبه من اليهود، وكل من انحرف عن جهل، بمعنى: أنه فرّط في أخذ ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ ففيه شبه من النصارى؛ لأنه وقع في الجهل بتفريطه.","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>نعت الله لرسوله ﷺ بالعبودية في أرفع مقاماته</span>\nقال رحمه الله تعالى: [كما يرى في أحوال منحرفة أهل العلم من تحريف الكلم عن مواضعه، وقسوة القلوب، والبخل بالعلم، والكبر، وأمر الناس بالبر ونسيان أنفسهم وغير ذلك.\nوكما يرى في منحرفة أهل العبادة والأحوال من الغلو في الأنبياء والصالحين، والابتداع في العبادات، من الرهبانية والصور والأصوات.\nولهذا قال النبي ﷺ (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) ولهذا حقق الله له نعت العبودية في أرفع مقاماته حيث قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١]].\nهذا فيه تقرير بأن العبودية هي أعلى المقامات التي يمكن أن يصل إليها البشر، بعكس ما يتوهمه كثير من أهل التصوف والفلسفة، وأيضًا كثير من الجهلة الذين يتوهمون أن التعبد لله ﷿ فيه نوع من القيود والاستذلال للبشر، بل الأمر بعكس ذلك؛ لأن التذلل لله ﷿ بالعبودية هي الكمال الذي يطمع إليه البشر، ولذلك وصف الله رسوله ﷺ بالعبودية في أعلى المقامات، وذلك عندما أسرى به إلى بيت المقدس، ووصفه بها عند المقام المحمود الذي وعده الله به يوم القيامة، ووصفه بها في مقام الوحي، ووصفه بها في مقام الصلاة والقيام لله ﷿ بالعبادة.\nإذًا: فالعبودية لله هي أعلى مقام يسعى إليه البشر، وأعلى مقام يمكن أن يصل إليه بشر؛ لأن ذلك يعني الاستجابة لله ﷿ وتحقيق رضاه.\nقال رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠].\nوقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، ولهذا يشرع في التشهد وفي سائر الخطب المشروعة، كخطب الجمع والأعياد، وخطب الحاجات عند النكاح وغيره أن نقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله].\nالشاهد هنا: الشهادة للنبي ﷺ بالعبودية، وأنها من أعظم ما يمكن أن يحتسبه المسلم عند الله ﷿؛ ولهذا شرع في التشهد وغيره أن يقول المسلم: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فالشهادة لرسوله ﷺ بالعبودية تعتبر من أعظم ما يحتسبه المسلم ويدين الله به؛ لأن ذلك أعلى المقامات للبشر.","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>صور العبودية العملية التي ينبغي أن تكون في أعمال الناس وأقوالهم</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وكان رسول الله ﷺ يحقق عبوديته؛ لئلا تقع الأمة فيما وقعت فيه النصارى في المسيح من دعوى الألوهية].\nسيذكر الشيخ صورًا أربعًا من الصور العملية للعبودية التي يغفل عنها كثير من الناس، ويظنونها من باب الأحكام أو أنها من باب المنهيات أو نحو ذلك، في حين أنها من أعظم صور العبودية التي ينبغي أن تكون في أعمال الناس وفي أقوالهم، سواء كانت قولية أو فعلية.\nقال ﵀: [حتى قال له رجل: (ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده).\nوقال أيضًا لأصحابه: (لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، بل قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد).\nوقال: (لا تتخذوا قبري عيدًا وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني).\nوقال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).\nوقال: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك)].\nالصورة الأولى: قوله: (ما شاء الله)، ثم ذكر تبعًا لذلك صورًا من صور الإخلال بجوانب العبودية، وهو قوله: (وشئت)، فـ: (ما شاء الله) تحقيق للعبودية لله ﷿، وعطف مشيئة النبي ﷺ أو غيره على مشيئة الله تعتبر نوعًا من الإخلال بالعبودية؛ لأنه هنا لا مشيئة مع مشيئة الله ﷿، ولأن العطف يقتضي المساواة، ولذلك ينبغي أن يقال: ما شاء الله وحده؛ لأن المشيئة لا عطف فيها.\nالصورة الثانية: قوله: (ما شاء الله وشاء محمد)، فقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، وهو قول، لكن القول لا ينبع إلا عن اعتقاد، ولذلك صحح النبي ﷺ هذا القول، وهو تصحيح للاعتقاد والقول.\nالصورة الثالثة: متمثلة في قول النبي ﷺ: (لا تتخذوا قبري عيدًا وصلوا عليّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني).\nفهذا نوع من تحقيق العبودية لله ﷿، والإخلال به إخلال بالعبودية، وعلى هذا فلا يجوز اتخاذ قبر النبي ﷺ عيدًا، يعني: مكانًا للتقديس؛ لأن النبي ﷺ بعد وفاته لم يعد له تصريف أو تدبير أو نفع مباشر للبشر، وإنما نفعه ﷺ كان في حياته، واتخاذ قبره عيدًا هو نوع من البدعة التي تؤدي إلى تعظيمه وتقديسه فيما لا يجوز إلا لله ﷿، وحتمًا سيؤدي عند الجهلة إلى دعائه من دون الله ﷿، وممارسة الأعمال التي تخل بتوحيد الإلهية أو تنقيص الربوبية.\nوقوله ﷺ: (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)؛ لأنهم في بنائهم للمساجد على القبور قد فتحوا ذريعة لتقديس القبور، ودعاء أهلها من دون الله ﷿، والتوجه إليها بالصلاة وغير ذلك، وقد وقع ما حذّر منه النبي ﷺ من أولئك القوم المبتدعة الذين بنوا وشيدوا المساجد على القبور، لذا فأهل البدع معلوم أنهم ما فعلوا ذلك إلا لأن قلوبهم قد مرضت بالبدع، حتى إن عامة الناس الذين ابتليت بلادهم بوجود المساجد على القبور ظنوا أن لصاحب القبر من القدرة ومن الأحوال التي يتصرف فيها ما لم يكن قبل ذلك، وظنوا أن لصاحب القبر اعتبارًا، بل وظن بعضهم أن ذلك يعني: التوجه إليه في الصلاة، وظن آخرون أن ذلك يعني الدعاء عنده أو عند قبره، وآخرون دعوا المقبور أو المدفون من دون الله ﷿، واستعانوا واستغاثوا به من دون الله، فوقع الشرك والبدعة من خلال ذلك، فهذا إما مناف لتوحيد الألوهية كالشركيات، أو ينقص توحيد الإلهية كالبدع والتبرك وغير ذلك، والمساجد إنما هي بيوت الله للعبادة، وهي محترمة ومعظّمة، فإذا وجد القبر في المسجد فلا يعني ذلك إلا التوجه إلى صاحب القبر بشيء من هذه الأمور الشركية أو البدعية، وهذا كما تعلمون منقص لتوحيد الله.","vol":"6","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>وقوع الغلو في الأمة في طائفتي الشيعة والصوفية</span>\nأخذ الشيخ ﵀ في بيان أمر عظيم يقع من خلاله الشرك بالله ﷿، وهو: الغلو في الأئمة والرجال، إذ إنه يعتبر وسيلة إلى الشرك، وأحيانًا يعتبر من أبواب الشرك، وهو مخل أو منقص لتوحيد الإلهية؛ لأنه قد يصل إلى التقديس -وهو الغالب- كما عند الرافضة والصوفية، وقد يصل إلى حد التبرك البدعي أو نحو ذلك، وهذا كله ينقص توحيد الإلهية.\nقال رحمه الله تعالى: [والغلو في الأمة وقع في طائفتين: طائفة من ضلّال الشيعة الذين يعتقدون في الأنبياء والأئمة من أهل البيت الألوهية، وطائفة من جُهّال المتصوفة يعتقدون نحو ذلك في الأنبياء والصالحين، فمن توهم في نبينا أو غيره من الأنبياء شيئًا من الألوهية والربوبية، فهو من جنس النصارى].","vol":"6","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>حقوق الأنبياء على الخلق</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وإنما حقوق الأنبياء ما جاء به الكتاب والسنة عنهم، قال تعالى في خطابه لبني إسرائيل: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [المائدة:١٢] والتعزير: النصر والتوقير والتأييد].","vol":"6","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>حقوق الرسول ﷺ على الخلق</span>\n[وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح:٨ - ٩]، فهذا في حق الرسول.\nثم قال في حق الله تعالى: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح:٩].\nوقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣١ - ٣٢].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة:٢٤].\nوذكر طاعة الرسول في أكثر من ثلاثين موضعًا من القرآن، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤].\nوقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].\nوقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥١ - ٥٢] فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده، كما قال: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل:٥١].\nوقال: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:٤١].\nوقال: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤].\nوقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠].\nوقال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣].\nوقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦].\nوقال ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، وقال له عمر ﵁: والله يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل أحد إلا من نفسي، فقال: لا يا عمر! حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال: فأنت أحب إلي من نفسي، قال: الآن يا عمر).\nفقد بين الله في كتابه حقوق الرسول ﷺ من الطاعة له، ومحبته، وتعزيره، وتوقيره، ونصره، وتحكيمه، والرضا بحكمه، والتسليم له، واتباعه والصلاة والتسليم عليه، وتقديمه على النفس والأهل والمال، ورد ما يتنازع فيه إليه وغير ذلك من الحقوق].\nفي هذه الخلاصة الأخيرة بيّن الشيخ مجمل حقوق الرسول ﷺ، إذ عدها اثني عشر حقًا: الطاعة، المحبة، التعزير، التوقير، النصرة، التحكيم، أي: تحكيم سنة النبي ﷺ في كل شيء، ثم الرضا بحكمه، والتسليم له، والاتباع، والصلاة والسلام عليه، وتقديمه ﵊ على النفس","vol":"6","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>العبادة والاستعانة والتوكل والدعاء لله وحده</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فأما العبادة والاستعانة فلله وحده لا شريك له، كما قال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦]، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥].\nوقد جمع بينهما في مواضع، كقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣].\nوقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:٥٨].\nوقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨].\nوكذلك التوكل كما قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم:١٢]، وقال: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨].\nوقال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].\nوالدعاء لله وحده، سواء كان دعاء العبادة، أو دعاء المسألة والاستعانة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا * وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨ - ٢٠]، وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:١٤].\nوقال: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٣].\nوقال: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢].\nوذم الذين يدعون الملائكة والأنبياء وغيرهم فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧]، روي عن ابن مسعود: أن قومًا كانوا يدعون الملائكة والمسيح وعزيرًا، فقال الله: هؤلاء الذين تدعونهم يخافون الله ويرجونه، ويتقربون إليه كما تخافونه أنتم، وترجونه وتتقربون إليه، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧].\nوقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإلَهٌ﴾ [النمل:٦٢].\nوقال: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨]].\nفي هذا المقطع وقبله بدأ الشيخ في تعداد أنواع العبادة، أو في تعداد نماذج من أنواع العبادة، وأنواع العبادة في الحقيقة لا حصر لها، لكن يمكن أن توضع لأنواع العبادة أصولًا، وقد بدأها الشيخ أولًا بمسألة الاستعانة بالله ﷿، ثم التوكل، ثم الدعاء، أعني: دعاء المسألة، أو دعاء العبادة، ثم بعد ذلك سيأتي بنماذج أخرى فيما بعد.","vol":"6","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>الأسئلة</span>","vol":"6","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>بيان ما عليه الصوفية من الانحراف في العبادة والسلوك</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كثير ما يرد في كلام شيخ الإسلام عند الكلام عن الابتداع ذكر الصور والأصوات، فما المراد بذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أدري، إلا إذا كان قصد السائل أن شيخ الإسلام يذكر هذا غالبًا عند ذكر الصوفية، فإن كان قصده ذلك فإن هناك طائفة منهم يتعبدون بالنظر إلى الصور الجميلة، ويقولون: هذه عبادة لله ﷿، فدخل عليهم الشيطان من باب التلذذ بالمحرم من أجل أن يستهويهم، فجعلوا ذلك عبادة، وقلبوا الأمر حتى جعلوا الكبيرة حسنة، بل عبادة لله ﷿، ولذلك وقعوا في الفواحش نسأل الله العافية، وكذلك التلذذ بالأصوات، فقد يتعمدون أحيانًا أن تقرأ أورادهم البدعية بصوت جميل لا لمجرد ترقيق القلوب، وإنما للتلذذ الشهواني بالأصوات، ويزعمون أن ذلك من التعبد لله سبحانه، وهذا ما عليه طوائف كثيرة من أهل الطرق الصوفية، نسأل الله العافية.","vol":"6","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>الفرق بين غلو الرافضة والصوفية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل هناك فرق بين غلو الرافضة والصوفية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا فرق في الحقيقة، وإنما الفرق في الشكليات، فكلهم يعتقدون في الأشخاص أنهم يعلمون الغيب أو بعض الغيب، كما يعتقدون أنهم يملكون الضر والنفع من دون الله ﷿، أحياء وأمواتًا، ويعتقدون في الأشخاص أنهم يصرّفون مقاليد الكون أو شيئًا من مقاليد الكون، وأن بيدهم أمور العباد أو بعض أمور العباد، لكن مع ذلك فإن الأشكال والصور تختلف، والله أعلم.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"6","page":14},{"text":"شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-75>[٧]</span>\nتوحيد الله وإخلاص الدين له في عبادته من أعظم مباني العبودية، ولذا كانت الاستعانة والخشية والإنابة لا تنبغي إلا لله، وكذلك سائر العبادات كأركان الإسلام، وغيرها لا ينبغي أن تصرف لغير الله تعالى، فينبغي الحذر من الوقوع في الشرك بأنواعه.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>إخلاص الدين لله ﷿ هو قلب الدين والإيمان</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد: فلا زلنا في مسألة تحقيق العبودية، وقد تناولنا في الفصل السابق بيان حقيقة العبودية وبيان أوجه تحقيقها، وقد ذكر الشيخ كثيرًا من هذه المسائل، ثم توقف عند توحيد الله وإخلاص الدين له في عبادته، وأن ذلك من أعظم مباني العبودية.\nقال رحمه الله تعالى: [وتوحيد الله، وإخلاص الدين له في عبادته واستعانته، في القرآن كثير جدًا].\nسيبين الشيخ هنا أن من معاني الإخلاص عدم الإشراك بالله ﷿، وخاصة أن أهل البدع قد يفهمون أن معنى الإخلاص: مجرد حسن النية دون الاتباع والاستقامة، أو ربما يفهمون معنى الإخلاص: تجريد الأمر لله ﷿ ولو كان العمل مخلًا بما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ، ولو كان العمل صحيحًا، بمعنى: أنهم قد يلجئون إلى غير الله ﷿، استعانة أو استغاثة أو غيرها، ويدّعون أنهم يخلصون الدين لله، فالشيخ هنا يبين أن معنى إخلاص الدين لله ﷿: ألا تصرف أي نوع من أنواع العبادة لغيره ﷾.\nقال ﵀: [بل هو قلب الإيمان، وأول الإسلام وآخره، كما قال النبي ﵌: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله)، وقال: (إني لأعلم كلمة لا يقولها عند الموت أحد إلا وجد روحه لها روحًا)، وقال: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة)، وهو قلب الدين والإيمان].\nقوله (وهو) يعني: الإخلاص.\nثم قال ﵀: [وسائر الأعمال كالجوارح له، وقول النبي صلى الله عليه، وآله وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)، فبيّن بهذا أن النية عمل القلب وهي أصل العمل، وإخلاص الدين لله، وعبادة الله وحده، ومتابعة الرسول ﷺ فيما جاء به، هو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله.\nولهذا أنكرنا على الشيخ يحيى الصرصري ما يقوله في قصائده في مدح الرسول ﷺ من الاستغاثة به، مثل قوله: بك أستغيث وأستعين وأستنجد ونحو ذلك.\nوكذلك ما يفعله كثير من الناس، من استنجاد الصالحين والمتشبهين بهم، والاستعانة بهم أحياء وأمواتًا، فإني أنكرت ذلك في مجالس عامة وخاصة، وبيّنت للناس التوحيد، ونفع الله بذلك ما شاء الله من الخاصة والعامة].","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>المعنى الخاص بالإسلام</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وهو دين الإسلام العام الذي بعث الله به جميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥١ - ٥٢]، وقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى:١٣]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وقال النبي ﷺ لـ معاذ بن جبل ﵁: (يا معاذ! أتدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ ألا يعذبهم)، وقال لـ ابن عباس ﵄: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)].\nالإسلام هنا بمعنى: التسليم والإذعان، ولذلك لما ذكر الإسلام هنا مع أنواع العبادة وأصناف العبادة فإنما يعني به تسليم القلب المتمثل بالتصديق والإذعان والخضوع والذل لله سبحانه، وهذا معنى خاص بالإسلام؛ لأن الإسلام يشمل على معنيين: المعنى الإيماني القلبي الذي هو نوع من أنواع العبادة، ونوع من أعمال القلوب، وهو الإذعان والتسليم والخضوع، والمعنى العام الذي هو الإسلام والدين الشامل، والذي أكثر ما يتوجه إلى الأعمال الظاهرة، فهو هنا ﵀ يقصد المعنى الخاص بالإسلام، أي: إسلام القلب المتمثل بالتسليم والإذعان لله ﷿.","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>الخشية والإنابة من العبادة</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ويدخل في العبادة الخشية والإنابة والإسلام والتوبة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩]، وقال: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤] وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة:١٨]، وقال الخليل ﵊: ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٠ - ٨٢]، وقال: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة:١٣] إلى قوله: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٣]، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:٤١]، وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور:٥٢] وقال نوح: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:٣].\nفجعل العبادة والتقوى لله، وجعل له أن يُطاع، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤]، وكذلك قالت الرسل مثل نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وغيرهم: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ»، فجعلوا التقوى لله، وجعلوا لهم أن يطاعوا، وكذلك في مواضع كثيرة جدًا من القرآن: (اتقوا الله)، (اتقوا الله)، ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] وكذلك وقال: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨]، وقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤]، وقال عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١]، وقالت بلقيس: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤]، وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء:١٢٥]، وقال: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة:١١٢]، وقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [النور:٣١]، ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:٧١]، وقال: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة:٥٤] ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم:٨]].","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>الصور الكبرى للعبادة وغيرها من الصور</span>\nقال رحمه الله تعالى: [والاستغفار: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح:١٠] ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود:٣]، والاسترزاق والاستنصار كما في صلاة الاستسقاء والقنوت على الأعداء، قال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت:١٧]، وقال: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٠]، والاستغاثة كما قال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩]، والاستجارة كما قال: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٨ - ٨٩]، والاستعاذة كما قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]، وقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٧ - ٩٨]، وقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل:٩٨] الآية، وتفويض الأمر كما قال مؤمن آل فرعون: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].\nوفي الحديث المتفق عليه في الدعاء الذي علمه النبي ﵌ أن يقال عند المنام: (اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك).\nوقال: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام:٥١]، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [السجدة:٤]، فالولي الذي يتولى أمرك كله، والشفيع الذي يكون شافعًا فيه، أي: عونًا، فليس للعبد دون الله من ولي يستقل ولا ظهير معين، وقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧]، وقال: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٢]، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤]، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣]، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]].\nفي هذه النصوص استعرض الشيخ أنواعًا كثيرة من أنواع العبادة، فبعضها قد يتفرع من بعض، وبعضها قد يكون من القواعد الشاملة، وبعضها قد يكون داخلًا في توحيد العبادة البحتة، وبعضها داخلًا في توحيد الربوبية، وبعضها داخلًا في توحيد الألوهية، وبعضها يجمع بين نوعي التوحيد إلى آخر ذلك.\nفالشيخ هنا أراد أن يعدد صور العبادة، لا سيما تلك الصور التي قد يظن بعض الناس أنها غير داخلة في العبادة دخولًا أوليًا، كطلب الرزق، فهو ﵀ قد ذكر الصور الكبرى مثل: المحبة والخشية والرجاء، وهذه جماع أصول العبادة، وهي ما يسميها أهل العلم بأركان العبادة، وكل بقية هذه الصور التي ذكرها هي أنواع من أنواع العبادة، ولذلك الصحيح أن أنواع العبادة لا حصر لها، فكل ما يتوجه به العباد إلى الله ﷿ من العبادة المتعلقة بمحبته سبحانه، أو المتعلقة برجائه، أو المتعلقة بخشيته وما يتفرع عن هذه الأمور من الاستعانة والتوكل وغيرها، كل ذلك من أصول العبادة، وراجع إلى تأليه الله ﷿ وإفراده بالألوهية والربوبية.\nولذلك ذكر من الصور: الاسترزاق والاستنصار كما","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>أصناف العبادات</span>","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>السجود لغير الله صورة من صور الشرك الأكبر</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وأصناف العبادات الصلاة بأجزائها مجتمعة، وكذلك أجزاؤها التي هي عبادة بنفسها، من السجود، والركوع، والتسبيح، والدعاء، والقراءة، والقيام، لا يصلح إلا لله وحده.\nولا يجوز أن يتنفل على طريق العبادة إلا لله وحده، لا لشمس، ولا لقمر، ولا لملك، ولا لنبي، ولا صالح، ولا لقبر نبي ولا صالح، هذا في جميع ملل الأنبياء، وقد ذُكر ذلك في شريعتنا حتى نُهي أن يتنفل على وجه التحية والإكرام للمخلوقات، ولهذا نهى النبي ﷺ معاذًا ﵁ أن يسجد له، وقال: (لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها؛ من عظم حقه عليها)، ونهى عن الانحناء في التحية، ونهاهم أن يقوموا خلفه في الصلاة وهو قاعد].\nهذه الأمور منها ما هو شرك ومنها ما هو ذريعة للشرك، والصورة التي ذكرها الشيخ هنا: السجود للشخص، فقد يكون أحيانًا من باب التعظيم والتقدير، لكنه صورة من صور الشرك الأكبر، ولما بيّن النبي ﷺ أن ذلك لا يجوز، لم يعد لأحد حجة بأن يفعل ذلك تعظيمًا؛ لأن الظاهر أن معاذًا ﵁ كاد أن يسجد للنبي ﷺ حينما رأى بعض الأمم المعظّمة لملوكها وشيوخها تسجد للأشخاص، ويستبعد أن يكون قصده سجود العبادة، وإنما ظن أن هذا نمط من أنماط التحية والتقدير، ومع ذلك نهاه النبي ﷺ عن ذلك؛ لأن السجود لا يكون إلا لله، ولما توافرت النصوص من الكتاب والسنة على أن السجود ونحوه من أنواع العبادة كالطواف، والتي ظاهرها لا تكون إلا طاعة محضة لله ﷿، عُرف أن ذلك يكون شركًا إذا كان لغير الله، لكن الحكم على المعيّن يحتاج إلى إجراء ضوابط التكفير المعروفة، ومع ذلك فإن النبي ﷺ نهى عن هذه الصور الشركية الواضحة وعن غيرها مما يؤدي إلى الشرك، مثل: الانحناء في التحية، فهو ليس شركًا ما لم يصل إلى حد الركوع، لكنه ذريعة إلى الشرك والتعظيم والغلو الذي لا يجوز أو الذي يتجاوز الحد الشرعي، ولذلك كثير من الناس لا يفرّق بين الصور التي هي من باب سد الذرائع وبين الصور الشركية البحتة، بل حتى الصور الشركية البحتة فإن كثيرًا من طلاب العلم في الآونة الأخيرة صاروا يخوضون فيها بغير علم، ويحمّلون كلام العلماء ما لا يحتمله، وصار كثير منهم يحكم على كل من عمل شركًا ظاهرًا بالشرك مطلقًا، وهذا أمر فيه نظر، مع أنه يسمى شركًا، كالسجود لغير الله، والركوع لغير الله، والطواف بالقبور، لكن لا يلزم أن كل من عملها يكون مشركًا، إلا إذا توافرت القرائن وتبينت الحال، أما إذا لم تتبين الحال فينبغي للناس ألا يتعجلوا، وسأضرب لكم مثلًا حتى يتضح الأمر أكثر وأكثر، ولأن هذه المسألة أصبحت من المسائل التي تثار كثيرًا، وتثار أيضًا حولها مسائل علمية أشكلت على كثير من طلاب العلم، بل وأُلّفت فيها رسائل وكتبًا، ألا وهي مسألة: هل كل من عمل بالشرك الظاهر يحكم بأنه مشرك مطلقًا؟ إن القواعد الشرعية لا بد فيها من التفصيل، والمثل الذي أوردته ويبين هذه المسألة بإيجاز، كما تتبين به حتى القاعدة، فلو أن إنسانًا رأيناه يطوف على قبر مع الناس، ولا نعرف أنه من أهل هذا البلد الذين اعتادوا الطواف بالقبور، أي: أنهم قد نشئوا على البدعة وتمذهبوا بها وتدينوا بها، فهل يحكم بشركه مباشرة؟ أقول: لا؛ لأنه لا بد أن تتوافر عندنا القرائن على أن هذا الشخص لم يكن ممن اعتاد الطواف بالقبور، بل ولا يعرف هذه الأمور، ولأنه ربما يظن أن هذا من مراسم الزيارة، أو ربما يطوف ولا يدري ما الناس يفعلون، أو لا يدري ما معنى هذا الطواف ولا يشعر بالتعبد إطلاقًا، وربما يكون ممن لم يحج أصلًا ولا يعرف معنى الحج والطواف؛ لأنه حقيقة قد يوجد من سذّج الناس وعوامهم من لا يدري عن هذه المعاني، ولذا فالعمل شرك، والإنسان الذي فعل ذلك آثم، لكن يبقى الخلاف: هل يحكم بشركه وخروجه من الملة أم لا؟ هذه مسألة خلافية، والراجح: أننا لا نستطيع أن نحكم بكفر هذا الإنسان الذي يعمل الشرك عملًا طارئًا ما لم يكن متأصلًا فيه أو مداومًا عليه.\nإذًا: فهذه صورة من الصور، والشيخ هنا أشار إلى حديث معاذ، وهو دليل للفريقين، الفريق الأول الذي يقول: بأنه ليس كل من عمل شركًا فقد أشرك، والفريق الثاني: على العكس، وعليه فالدليل قد يوجه على الوجهين.","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>بيان كون الزكاة والصدقات والحج والصيام لا يتقرب بها إلا لله وحده</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وكذلك الزكاة العامة، من الصدقات كلها والخاصة لا يتصدق إلا لله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:١٩ - ٢٠]، وقال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٩]، وقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة:٢٦٥]، وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم:٣٩]، فلا يجوز فعل ذلك على طريق الدين لا لملك، ولا لشمس، ولا لقمر، ولا لنبي، ولا لصالح كما يفعل بعض السُّوال والمعظّمين كرامة لفلان وفلان، يقسمون بأشياء: إما من الأنبياء وإما من الصحابة وإما من الصالحين، كما يقال: بكر وعلي ونور الدين أرسلان والشيخ عدي والشيخ جاليد].\nهؤلاء أشخاص معظّمون عند أقوامهم، فبعضهم من شيوخ الطرق أو ممن اتخذتهم الطرق شيوخًا، وبعضهم من لهم جاه عند أقوامهم فعظّموهم من دون الله ﷿، أو أعطوهم من الخصائص والتعظيم ما لا يجوز إلا لله.\nقال رحمه الله تعالى: [وكذلك الحج، لا يُحج إلا إلى بيت الله، فلا يُطاف إلا به، ولا يحلق الرأس إلا به، ولا يوقف إلا بفنائه، لا يفعل ذلك بنبي، ولا صالح، ولا بقبر نبي ولا صالح، ولا بوثن.\nوكذلك الصيام، لا يصام عبادة إلا لله، فلا يصام لأجل الكواكب والشمس والقمر، ولا لقبور الأنبياء والصالحين ونحو ذلك.\nوهذا كله تفصيل الشهادتين اللتين هما أصل الدين: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا عبده ورسوله].","vol":"7","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>أركان العبادة من الخوف والرجاء والمحبة لا تكون إلا لله وحده</span>\nقال رحمه الله تعالى: [من يستحق إن يؤلهه العباد، ويدخل فيه حبه وخوفه، فما كان من توابع الألوهية فهو حق محض لله، وما كان من أمور الرسالة فهو حق الرسول].\nيشير الشيخ ﵀ هنا إلى أركان العبادة، ولم يذكر الاسم الثالث، وإنما قال: والإله من يستحق أن يألهه العباد، أي: يعظّمونه ويقدّسونه ويتوجهون إليه بالعبادة وبالرجاء والخوف والخشية، ثم قال: (ويدخل في ذلك -أي: في التألّه الذي هو العبادة- حبه وخوفه)، وكان ينبغي أن يقول أيضًا: ورجاؤه، لكن يحتمل أن الشيخ قد ضمّن الحب معنى الرجاء وهو الغالب، ثم قال: فما كان من توابع الألوهية فهو حق محض لله، أي: ما كان من أنواع العبادة كلها، بما في ذلك تحقيق توحيد الربوبية فهو حق محض لله، ولذا نجد أن كثيرًا من أنواع العبادة فيها التلازم بين التوحيدين، فمثلًا: طلب الرزق أو طلب العون من الله ﷿ أيًا كان نوع العون داخلًا في الربوبية؛ لأنه داخل من طلب أفعال الله، فالله ﷿ هو الرازق وهو المعين، وهذه أفعاله سبحانه، فهو توجه إلى الله ﷿ من جانب الربوبية، وأيضًا من جانب توحيد الألوهية، ولذلك لا تنفك أنواع التوحيد بعضها عن بعض، ومن ظن أن هناك نوعًا من التوحيد يتجرد محضًا عن النوع الآخر فقد غلط؛ لأن أنواع توحيد الربوبية لا بد أن ترجع إلى الإلهية، وكذلك الإلهية تستلزم توحيد الربوبية.\nوأما قوله: وما كان من أمور الرسالة فهو حق للرسول ﷺ، فيقصد بذلك طاعة الرسول ﷺ واتباعه وتصديقه وتوقيره وحبه والصلاة عليه ﷺ والدعوة إلى دينه، وكل ذلك حق للرسول ﷺ، لكنها أيضًا عبادة لله سبحانه؛ لأن الله تعبدنا بذلك، ويجب ألا ينفك الأمران؛ لأن الذين خلطوا في هذه المسألة إما أنهم عظّموا وقدسوا الرسول ﷺ بأكثر مما ينبغي له، بل وأعطوه من خصائص الألوهية التي لا تنبغي إلا لله ﷿، أو كذلك العكس، بأن جفوا في حق الرسول ﷺ وجعلوا عباداتهم في طاعة الله فقط، وزعموا أنهم يستغنون عن اتباع الرسول ﷺ كغلاة الفلاسفة وغلاة الصوفية، ولذا فلا بد أن يعرف المسلم أن من تحقيق عبادة الله تعالى وطاعته طاعة رسوله ﷺ، وأنها لا تتحقق العبادة الحقة لله سبحانه إلا بطاعة رسوله ﷺ وتصديقه واتباعه وتوقيره وتعظيمه وحبه والصلاة عليه ﷺ والدعوة إلى دينه وغير ذلك من اللوازم الضرورية التي لا تتم العبادة إلا بها.","vol":"7","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>الشهادتان أول واجبات الدين</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ولما كان أصل الدين الشهادتين، كانت هذه الأمة الشهداء ولها وصف الشهادة، والقسيسون لهم العبادة بلا شهادة].\nلأن القسيسين عبدوا الله على جهل ولم يعبدوه بالاتباع، ونحن نعرف أن العبادة لا تتم إلا بالإخلاص والاتباع، لذا فقد يتوافر عند كثير من القسيسين والرهبان الإخلاص دون الاتباع، ولذلك لم تتوافر عندهم صفة الشهادة التي خصّت بها هذه الأمة؛ لأن هذه الأمة بحمد الله جمعت بين الأمرين: تحقيق العبودية والاتباع، والإخلاص والاتباع أيضًا.\nقال رحمه الله تعالى: [ولهذا قالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٥٣]].\nفطلبوا من ربهم إلحاقهم بالشاهدين في هذه الأمور، وهذا دليل على أنهم قبل ذلك لم تتوافر عندهم صفة الشهادة حتى آمنوا بالرسول ﷺ، وعند ذلك اجتمع عندهم الإخلاص والاتباع، ولذلك لما دخل النصارى في هذا الدين طائعين مستسلمين، واجتمع عندهم الإخلاص والاتباع، طلبوا أن يُكتبوا مع الشاهدين وقد وعدهم الله بذلك.\nقال رحمه الله تعالى: [ولهذا كان المحققون على أن الشهادتين أول واجبات الدين كما عليه خُلّص أهل السنة].\nيشير الشيخ هنا إلى أن أهل السنة وسلف هذه الأمة في القرون الثلاثة الفاضلة يقولون: بأن أول واجبات الدين: الشهادتان، وهذه من بدهيات الأمور التي لم تكن تقرر أو تحتاج إلى تأكيد في القرون الثلاثة المفضلة، فالشهادتان بداية التوحيد تقريرًا واعتقادًا وعملًا، وكان هذا هو الأصل، وعليه المسلمون جميعًا، عوامهم وعلماؤهم، حتى جاءت الفرق الكلامية من الجهمية والمعتزلة، ثم من ورثهم في الأصول الكلامية من الأشاعرة والماتريدية، فزعموا أن للتوحيد بدايات غير هذه البدايات، أو أصولًا غير هذه الأصول، فمنهم من زعم أن أول ما يجب على العبد من التوحيد هو النظر والتفكير، وهذا مذهب الفلاسفة، ثم انتقل إلى متكلمة الأشاعرة والماتريدية، حتى قالوا: بأن أول واجب على العبد النظر، ويقصدون بالنظر: أن يفكّر في هذا الكون من خالقه؟ من ربه؟ ثم هل مع الله إلهًا آخر أم لا؟ حتى يتحقق توحيد الربوبية، ثم يقفون عند هذه النهاية ولا يعوّلون على توحيد الإلهية! وهذا ابتلاء من الله ﷿ وعقوبة عاجلة نسأل الله العافية؛ لأنهم حينما علّقوا قلوب الناس بغير الله ﷿ أو بغير عبادة الله وقعوا فيما وقع فيه كثير من أهل البدع، بحيث لم يوفقوا للوصول إلى الحق؛ لأنهم ساروا على جادة وعرة قرروا فيها البدهيات التي يعرفها أبسط الناس، كوجود الله ووحدانيته في الربوبية، ولم يعرفوا هذا الأصل العظيم، أعني: أن أول مباني الدين هو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتوحيد العبادة، ثم توحيد الربوبية والأسماء والصفات وغير ذلك.\nوالمهم أنه يشير بهذا إلى مذهب المتكلمين الذين قالوا: إن أول واجب على العباد، وأول أساسيات الدين، وأول مسائل التوحيد النظر أو القصد إلى النظر، بل بعضهم غلا في ذلك حتى قال: إن من لم يعرف ذلك فليس على التوحيد، مع أننا نعرف أن عامة المسلمين لم يفكروا في هذه الأمور؛ لأنها أمور مغروسة في الفطرة قد كفاهم الله إياها، وإنما أُمروا أن يعبدوا الله بما شرع.\nقال رحمه الله تعالى: [وذكره منصور السمعاني والشيخ عبد القادر وغيرهما].\nهنا يقصد بـ (عبد القادر): عبد القادر الجيلاني أو الجيلي كما يقول بعضهم.\nقال رحمه الله تعالى: [وجعله أصل الشرك].\nكلمة: (وجعله) يبدو لي أنها: (وجهله)؛ لأنه ربما يكون هناك خطأ مطبعي، وعليه فيكون المعنى: والجهل بهذا الأصل، أعني: الشهادتين، هو أصل الشرك.","vol":"7","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>التنبيه على مسألتين من أهم المسائل</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وغيروا بذلك ملة التوحيد التي هي أصل الدين، كما فعله قدماء المتفلسفة الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله.\nومن أسباب ذلك: الخروج عن الشريعة الخاصة التي بعث الله بها محمدًا ﵌ إلى القدر المشترك الذي فيه مشابهة الصابئين أو النصارى أو اليهود، وهو القياس الفاسد المشابه لقياس الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] فيريدون أن يجعلوا السماع جنسًا واحدًا، والملة جنسًا واحدًا، ولا يميزون بين مشروعه ومبتدعه، ولا بين المأمور به والمنهي عنه.\nفالسماع الشرعي الديني سماع كتاب الله وتزيين الصوت به وتحبيره، كما قال ﷺ: (زينوا القرآن بأصواتكم)، وقال أبو موسى ﵁: (لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرًا).\nوالصور والأزواج والسراري التي أباحها الله تعالى].","vol":"7","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>المسألة الأولى: الخلط في القدر المشترك سبب لضلال أغلب الفرق في توحيد الإلهية وما يستتبعه من توحيد الأسماء والصفات</span>\nنبه الشيخ هنا على مسألتين من أهم المسائل: الأولى: أن أغلب هؤلاء الذين ضلوا في توحيد الإلهية وما يستتبعه من ضلال في توحيد الأسماء والصفات وغير ذلك، قد ضلوا من باب خلطهم في القدر المشترك، ويقصد بالقدر المشترك عدة أمور: أولها: أنهم قاسوا الخالق بالمخلوق، وبنوا على قياسهم اللوازم الفاسدة التي انبنت على تصورات الفلاسفة في الله ﷿، وتصورات الجهمية والمعتزلة وأهل الكلام، يعني: أنهم أخذوا بالقدر المشترك بين الحق وبين الباطل، فأرادوا أن يوفّقوا بين الحق والباطل، فلفّقوا فصار الأمر ليس على وجه الحق الخالص الذي أراده الله ﷿.\nثانيها: ما فعله كثير من الفلاسفة وخاصة ما يسمون بالفلاسفة الإسلاميين، ويبدو أن الشيخ أرادهم هنا، وأراد من تبعهم من المتصوفة وغيرهم الذين زعموا أنه يلزم التوفيق بين أصول الفلاسفة وبين الشريعة، فعملوا بالتلفيق الذي أخرجهم عن مقتضى الشريعة، ولم يجعلهم أيضًا مرضيين عند الفلاسفة، بل صاروا منافقين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.\nفالقدر المشترك إذًا يبدأ أولًا بالقدر المشترك في الجوانب الفلسفية والجوانب الإلهية والوجود وأنواع التوحيد، ثم القدر المشترك أيضًا فيما يتعلق بالشريعة وأفكار الفلاسفة وغير ذلك؛ لأنه قال: (الذي فيه مشابهة الصابئة أو النصارى أو اليهود)؛ لأن جميع أهل الأهواء -وهذه مسألة مهمة جدًا أرجو التنبه لها- حينما أُعجبوا بما عليه الصابئة والمجوس واليهود والنصارى، أرادوا أن يبحثوا عن مثله في الإسلام، فوجدوا بعض المتشابهات اللفظية والمعنوية، فأرادوا أن ينسبوا ما في الإسلام إلى هذه الديانات، وينسبوا ما في هذه الديانات إلى الإسلام نفسه، وذلك كما حصل أخيرًا في العصور المتأخرة عند بعض جهلة المسلمين الذين أرادوا أن يوفّقوا بين المذاهب المعاصرة وبين الإسلام، فأرادوا أن يكون الإسلام اشتراكيًا، وأن يكون الإسلام قوميًا، وأن يكون الإسلام وطنيًا، وأن يكون الإسلام كذا وكذا، وكل هذا لجهلهم؛ لأنه لا يمكن التوفيق بين المبادئ الإنسانية الأممية الجاهلية وبين مبادئ الإسلام، وهذا هو نفسه الأسلوب الذي وقع من أهل الافتراق الأوائل ومن الجهمية والمعتزلة وأهل الكلام، والفلاسفة الذين جاءوا من بعدهم، وهو الخلط في القدر المشترك، بين ما يوجد عند أهل الحق من معانٍ وأصول ومناهج، وبين ما يوجد عند أهل الباطل من معانٍ وأصول ومناهج.\nإذًا: القدر المشترك أحيانًا يكون لفظيًا، وأحيانًا يكون بالالتباس، وأحيانًا يكون جهلًا عند السامع وغيره.","vol":"7","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المسألة الثانية: في الكلام عن السماع</span>\nالثانية: الكلام عن السماع، والشيخ هنا ﵀ أراد أن يبين أن كثيرًا من الذين وقعوا في التعبد بما لا يرضي الله ﷿، وخاصة أصحاب الطرق الذين كان الأمر عندهم فيه التباس، أي: أنهم أخذوا ما أمر الله به من تحسين الصوت بالقرآن، ومن سماع القرآن، وما ينبغي فيه من آداب، وما ينبغي فيه من الأمور الغيبية والأمور الأخرى، فخلطوا هذا بكل صوت يحلو لهم، وظنوا أنهم متعبدون بالسماع إطلاقًا، أي: سماع أي شيء حتى غير القرآن، وظنوا أن التلذذ -وهو استدراج من الشيطان- بالسماع والأصوات المطربة نوع من العبادة، ثم أيضًا نقلهم الشيطان إلى أمر آخر، وهو أنهم صاروا يتلذذون بالنظر إلى الصور المحرمة، حتى إن بعضهم نسأل الله العافية صار يفعل الفواحش ويظن أن هذه من الكرامات! وهذا من مداخل الشيطان عليهم، بل حتى صاروا يتعبدون الله بالكبائر نسأل الله العافية.\nكما أنهم أيضًا أدخلوا من باب التعبد بالسماع كثيرًا من البدع يقررون فيها الباطل، مثل: تقديس الرسل والأولياء والصالحين، والتغني بأصولهم ومبادئهم الفاسدة بأشعار مطربة، فتدخل قلوب العامة وتشربها فتكون ذريعة إلى البدع بل إلى الكفر، ويدّعون أن ذلك من باب السماع الذي يشبه تأمل القرآن والسماع لآياته، وفرق بين هذا وذاك.\nإذًا: هم توسعوا في معنى السماع حتى أدخلوا الكفريات والشركيات والبدع، وصاروا غالبًا لا يتعبدون الله إلا بهذا الأسلوب.\nقال رحمه الله تعالى: [والعبادة: عبادة الله وحده لا شريك له ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]، وهذا المعنى يقرر قاعدة اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، وينهى أن يشبّه الأمر الديني الشرعي بالطبيعي البدعي، لما بينهما من القدر المشترك كالصوت الحسن ليس هو وحده مشروعًا حتى ينضم إليه القدر المميز كحروف القرآن، فيصير المجموع من المشترك والمميز هو الدين النافع].\nقوله: (يصير المجموع)، بمعنى: أنهم عندما خلطوا بين القدر الشرعي والقدر غير الشرعي صار هذا من المجموع المشترك، لكن يتميز الحق بأن السماع السني الذي يكون على ما يرضي الله ﷿، فهو سماع لآيات الله ﷿ بالضوابط الشرعية المعروفة.\n(والمميز) يعني: كلام الله ﷿ الذي يستحق أن يتغنى به، وأن يُسمع سماعًا تتوافر فيه الشروط والضوابط الشرعية.\nوأما التعبد بالسماعات الأخرى بما يشبه التعبد بالقرآن، فلا شك أنه من مناهج أهل البدع التي ضلوا بها عن الحق نسأل الله العافية.\nوقد ذكر الشيخ في المقطع السابق أن العبادة -من خلال الأمثلة التي ذكرها- شاملة لجميع ما يتوجه به المسلم إلى الله ﷿، فأركان الإسلام ذكر منها: الصلاة والزكاة والشهادتين والحج، وكذلك الصيام، وعلى هذا فإن أركان الإسلام لا شك أنه يجتمع فيها العمل القلبي وعمل الجوارح، والعمل القلبي هو من أنواع العبادة في أركان الإسلام، وكذلك عمل الجوارح، وليس الأمر متعلقًا أيضًا فقط بالأركان، أعني: أركان الإيمان وأركان الإسلام والأحوال القلبية، بل كل حركات المسلم وسكناته التي يحتسبها لله ﷿ كلها عبادة، حتى الأمور الدنيوية المعاشية، فإذا وجدت فيها النية الخالصة، وهي على ما يرضي الله ﷿ وعلى شرعه، فهي من أنواع العبادة، ولذلك أشار الشيخ إلى طلب الرزق، سواء كان طلب الرزق بالدعاء أو بالأسلوب الشرعي المعتاد، فكل ذلك من أنواع العبادة؛ لأن العبادة تشمل كل ما يعمله المسلم من أعمال القلب وأعمال الجوارح، لكن هناك ما هو أقرب إلى معاني العبادة المحضة، فالأعمال القلبية هي عبادة محضة، وأعمال الجوارح هي ثمرات للعبادة، ويختلط فيها المعنيين: التوجه والقصد، والعمل الدنيوي البحت، والله أعلم.","vol":"7","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>الأسئلة</span>","vol":"7","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>الفرق بين التوكل والاستعانة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين التوكل والاستعانة، وهل بينهما تداخل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه مسألة خلافية كبيرة بين أهل العلم، والظاهر -والله أعلم- أن الاستعانة أعم من التوكل، وأن التوكل جزء من الاستعانة؛ لأن الله ﷿ قال في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ثم فصّل أحوال التوكل بعد ذلك في كتاب الله ﷿، مع أن الاستعانة أحيانًا تطلق على العمل الجزئي، لكن الاستعانة بمعناها الشامل أعم من التوكل، والتوكل هو نوع من أنواع الاستعانة، وبينهما تداخل، فالتوكل استعانة والاستعانة توكل، والله أعلم.","vol":"7","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>حكم أهل السماع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل أهل السماع كفار أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أهل السماع يتفاوتون، فإذا كان سماعهم يتعلق بالأمور الشركية، مثل: تعظيم غير الله ﷿، ودعاء المخلوقات من دون الله ﷿، أو مثل: التعبد بالمحرمات تعبدًا يصل إلى حد اعتقاد أنها مشروعة، وأن الله قد حللها لهم، فهذا لا شك أنه -وهذا كثير ما يحدث لأهل السماع- كفر، مع أن الصوفية يفصّل فيهم، فمن الصوفية ما هي بدع شركية، ومنها ما هي بدع مغلظة، ومنها ما هو دون ذلك، بل مجرد التسمي والانتماء للتصوف بحد ذاته بدعة؛ لأن من انتمى لغير الإسلام والسنة فقد ابتدع، لكن إذا كان لا يترتب على هذا الانتماء وقوع في البدع، وأنا أفترض هذا افتراضًا، وإلا فأنا ما رأيت منتسبًا للصوفية ليس عنده بدعة، وإن رأى أحد منكم من ينتسب إلى الصوفية وليس عنده بدعة فليفدنا، لكن على حد علمي لا أعرف أحدًا ممن ينتسب إلى الصوفية وليس عنده بدعة؛ ولذا من باب الاحتياط نقول: إن من انتسب إلى الصوفية فانتسابه بحد ذاته بدعة، لكن إذا لم يعمل بالبدع فأمره أسهل.","vol":"7","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>الطريق لمعرفة الله ﷿</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قول أبو الخطاب عندما سئل: بماذا يعرف المكلف ربه؟ فأجاب: بالنظر الصحيح المرشد، فما رأيكم في ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا أيضًا من كلام أهل الكلام، والله ﷿ ليس طريق معرفته فقط هو النظر، بل طريق معرفته هو اتباع الرسل، والاهتداء بما جاء في القرآن والسنة، وبتوحيده سبحانه، وبإخلاص العبادة له.","vol":"7","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>المقصود بالأزواج والسراري التي أباحها الله تعالى وعلاقة ذلك بالصوفية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما المقصود بالأزواج والسراري التي أباحها الله تعالى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يقصد بهذا أن الصوفية يخلطون بين المشروع والممنوع، فإنهم حينما أباح الله للناس الاستمتاع بالأزواج والسراري -والسراري: الإماء من النساء التي يمتلكهن الرجال بالرق- جعلوا هذا ذريعة إلى التمتع بالأمور البدعية، بل وتوسعوا في جانب التمتع، وظنوا أن التمتع بحد ذاته -حتى لو بدون ضابط شرعي- عبادة، وصاروا يستسيغون لأنفسهم النظر إلى الصور المحرمة، سواء إلى النساء أو إلى المردان وغير ذلك، ويقولون: هذا عبادة؛ لأن هذا من خلق الله والنظر إلى خلق الله عبادة، وهكذا لبّس عليهم الشيطان، وهذا ما أراد الشيخ الإشارة إليه.","vol":"7","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>الفرق بين الخشية والخوف</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين الخشية والخوف؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس بينهما فرق كبير، لكن الخشية أخص من الخوف، فالخوف إذا وصل عند الإنسان إلى حد الانتهاء عن محارم الله ﷿ والامتناع عما حرمه الله، وإلى حد قمع النفس وضبط غرائزها ونوازعها سمي خشية، والإنسان قد يخاف الله ﷿ ولا يمتنع عن فعل ما لا يرضيه، ولذلك كثير من أهل المعاصي عندهم شيء من الخوف من الله، لكن لم يصل الأمر عندهم إلى الخشية؛ لأن الخشية خضوع القلب والجوارح، والله أعلم.","vol":"7","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>الشرك أعلى درجات الكفر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أيهما أعظم جرمًا الشرك أم الكفر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الشرك أعلى درجات الكفر.","vol":"7","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>الضابط في وصف العبد بالشرك</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قولك: بأنه لا يحكم على أحدهم بالشرك ولو أتى مظاهره حتى يستفصل عن حاله، والقرائن الموجبة لوصفه بالشرك، لكن قد يقال بناء على ذلك: إنه لا يمكن وصف أحد بالشرك، فما الضابط في هذه المسألة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا نقول: لا يمكن وصف أحدهم بالشرك، فالمشركون إذا كانت عادتهم الطواف بالقبور تعبدًا فالأصل فيهم الشرك، يعني: أن أصحاب القبورية الذين يرتادون القبور ويطوفون بها فالأصل فيهم أنهم مشركون، لكن أنا أقصد الإنسان الذي جاء إلى بلدة معينة فرأى أهلها يطوفون بالقبور فطاف معهم، وهو قد لا يعلم حرمة ذلك، ولذلك أنا فرّقت بين من يطوف بالقبر من أهل البيئات الذين وجدت فيهم المقابرية، فهؤلاء وقعوا في البدعة عمدًا وقلّدوا فيها واتبعوا غيرهم، وحكمهم حكم المتبعين، ولا فرق بينهم وبين من أسس هذه الشركيات.\nلذلك أقول: الذي افترضناه: أن الناس من قبل لم يكن عندهم وسيلة للسفر السهل، والوصول إلى تلك المناطق، والانتقال فجأة من بيئة إلى بيئة، بل كان الناس يرحلون إلى بلاد أخرى بصعوبة جدًا، أما الآن فيذهب الناس إلى تلك البلاد التي يوجد فيها الطواف بالقبور بسهولة، فيذهبون بالمئات والآلف وينتقلون من بيئات نقية طاهرة لا تعرف البدعيات إلى تلك البيئات مباشرة، وقد لا يعرف بعضهم ما الذي يجري، وقد يجهل هذه الأمور، أما الذين عندهم البدعة واستمرءوها فلهم حكم آخر، ومن الصعب أن يقال: لا بد أن يتثبت فيهم في الجملة، لكن مع ذلك الحكم على المعيّن يحتاج إلى ضرورة وضع الضوابط الشرعية، والله أعلم.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"7","page":21},{"text":"شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-96>[٨]</span>\nمن لوازم العبودية الحقة لله تعالى ألا يسأل العبد إلا الله تعالى في كل أموره، وألا يستعين ولا يستعيذ ولا يتوكل إلا على الله.\nوالعبادات مبناها على الإخلاص والمتابعة، فلابد من اجتماعهما حتى تكون العبادة مقبولة عند الله تعالى.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>فصل في ألا يسأل العبد إلا الله</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد: فبعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا في الفتاوى لـ شيخ الإسلام في المجلد الأول، وقد وصلنا إلى فصل: في ألا يسأل العبد إلا الله، وهو امتداد للكلام عن موضوع العبودية، وكما تعرفون أيضًا أن أغلب هذا المجلد بل سائره في تقرير مسائل العبودية، وبيان ما ينافيها، والرد على المخالفين في هذه المسائل.","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>مشروعية الرقية الشرعية وحكم طلبها من الآخرين</span>\nقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل: في ألا يسأل العبد إلا الله.\nقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨]، قال النبي ﷺ لـ ابن عباس ﵄: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، وفي الترمذي: (ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع، فإنه إن لم ييسره لم يتيسر)، وفي الصحيح أنه قال لـ عوف بن مالك والرهط الذين بايعهم معه: (لا تسألوا الناس شيئًا.\nفكان سوط أحدهم يسقط من يده فلا يقول لأحد ناولني إياه).\nوفي الصحيح في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: (هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون)، والاسترقاء: طلب الرقية، وهو نوع من السؤال].\nلقد كثر الكلام فيما يتعلق بمسألة طلب الرقية، وخاصة في الآونة الأخيرة مع كثرة فزع الناس إلى الرقاة، وكثيرًا ما يرد السؤال عن وصف الذين وصفهم الرسول ﷺأعني: السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب- من كونهم لا يسترقون، وهل هذه من الأمور التي يستطيعها كل إنسان؟ وهل يجب على كل مسلم ألا يسترقي؟ الظاهر من سياق الحديث أن هذا لا يعني عدم جواز الرقية، فالرقية مشروعة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يرقي غيره ورقاه جبريل، وأن النبي ﷺ أقر الرقية وأيدها، وذكر لها ضوابط وأوصافًا، وعرض عليه الناس أنواعًا من رقاهم فأقر منها ما يصح ومنع منها ما لا يصح، والذين يخلطون بين وصف السبعين ألفًا وبأنهم لا يسترقون وبين جواز الرقية، يخطئون أشد الخطأ.\nوعلى هذا فإن المقصود بكونهم لا يسترقون أمورًا وإن اُختلف في أكثرها، لكن أغلب أهل العلم الذين شرحوا هذا الحديث يتفقون على جملة أمور في معنى (لا يسترقون)، وإن اختلفوا في بعض التفاصيل، ومن جملة هذه الأمور كما قلت أنه لا يشك أحد من أهل العلم بجواز الرقية ومشروعيتها.\nأيضًا: أن هذا الوصف ليس وصفًا لجميع المسلمين، وإنما هو لأهل العزم، وليس كل الناس يستطيع أن يرقى إلى درجتهم؛ لذا ينبغي لكل مسلم أن يسعى إلى ذلك، وأن يكون من السابقين إلى الخير، وهذا مطلب عزيز يحتاج إلى مواصفات عديدة في الشخص، ولا يكون تركيزه فقط على عامل الرقية، بل يصلح أحوال قلبه وأعماله، وأن تكون صلته بالله ﷿ قوية، وأن يكون دائم السباق إلى الخير عاملًا بالفرائض مقيمًا للنوافل، وأن يكون من السبّاقين إلى كل وجوه الخير، ثم بعد ذلك يسدد ويوفق.\nكما أنهم أيضًا اتفقوا على أن (لا يسترقون) بمعنى: لا يطلبون الرقية، لكن لماذا لا يطلبون الرقية؟! وهل طلب الرقية عيب أم لا؟ هذه مسألة أخرى، والراجح فيها والله أعلم: أن وصفهم بأنهم لا يسترقون، يعني: أنهم من قوة اعتمادهم على الله ﷿، ومن قوة توكلهم واستكانتهم وإنابتهم إلى الله ﷿، ومن قوة توجههم في التعبد إلى الله بقلوبهم وجوارحهم، فإن نفوسهم لا تنزع إلى طلب الرقية أصلًا، ولا يعني: أنهم يتكلفون عدم طلب الرقية، أو أنهم يصبّرون أنفسهم على عدم طلب الرقية، وإن كان هذا قد يكون مقصودًا، لكن المقصود أعظم من ذلك، وهو أنهم لقوة صلتهم بالله ﷿، وقوة تعلق قلوبهم بالله ينسون طلب الرقية، بل ولا ترد على بالهم أصلًا، حتى وإن أصيبوا بالضر والمرض لا يرد عليهم طلب شيء من الناس، فهم يلجئون إلى الله ﷿ في السراء والضراء.\nويبدو لي أن هذا المعنى واضح، وإن كان هذا النص أيضًا يحمل معاني أخرى، لكن هذا المعنى نجده واضحًا في نماذج لسلف هذه الأمة، فالرسول ﷺ وكبار صحابته الذين اشتهروا بالعبادة، واشتهروا أيضًا بقوة الاعتماد على الله ﷿، وكذلك كبار التابعين وتابعيهم، نجد منهم نماذج وصل بهم الحال مع قوة الصلة بالله ﷿ وقوة التوكل عليه والاعتماد عليه إلى أن أحدهم لا يفكر أصلًا في أن يطلب الرقية.\nأما الذين تكلفوا في البحث عن هذا المعنى فيبدو لي أنهم تكلّفوا في أمر لا ينبغي التكلف فيه؛ لأن النص ظاهر.","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>حكم سؤال الناس الأموال وغيره</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وأحاديث النهي عن مسألة الناس الأموال كثيرة، كقوله: (لا تحل المسألة إلا لثلاثة)، وقوله: (لأن يأخذ أحدكم حبله) الحديث، وقوله: (لا تزال المسألة بأحدهم)، وقوله: (من سأل الناس وله ما يغنيه) وأمثال ذلك، وقوله: (من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس، لم تسد فاقته) الحديث.\nفأما سؤال ما يسوغ مثله من العلم فليس من هذا الباب؛ لأن المخبر لا ينقص الجواب من علمه، بل يزداد بالجواب والسائل محتاج إلى ذلك، قال ﷺ: (هلا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإن شفاء العي السؤال)، ولكن من المسائل ما ينهى عنه، كما قال تعالى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة:١٠١]، وكنهيه عن أغلوطات المسائل ونحو ذلك].\nأغلوطات المسائل: هي المسائل الصعبة العويصة المتضمنة للأمور المعضلة التي تحمل شيئًا من المحارات التي تحار فيها العقول، أو هي المسائل التي لا تحدث أو لا يتوقع حدوثها، أو هي المسائل الغريبة، كالافتراضات ونحوها، وكل هذه من الأمور التي لا تجوز في الدين.\nوأما مسألة السؤال فأقول: بعض الناس قد يضيّق ويحصر معنى السؤال الذي لا يجوز شرعًا في التسوّل فقط، بينما الأمر فيما يبدو لي من ظاهر النصوص أوسع من ذلك، فالسؤال حتى لو لم يكن سؤالًا باللسان أو سؤالًا باليد، فأحيانًا يكون بالفعل وبالتصرفات التي يعملها المسلم حتى يكون عالة على الناس، وهذه الظاهرة كثرت في الآونة الأخيرة عند كثير من أجيال المسلمين أو أبناء المسلمين، لا سيما الذين تطرأ عليهم بعض الظروف الاقتصادية، فيكون عندهم شيء من الشح في المال بعد الغنى، وهذا كثير في بعض الشباب الناشئين، فقد يقعون في مثل هذا وهم لا يشعرون، بمعنى: أنهم قد تعودوا -هذا راجع إلى سوء التربية- مع الأسف بأن يكفوا مؤنتهم وأحوالهم المادية، وأن تُصرف عليهم المصارف الضرورية وغير الضرورية، فإذا طرأت عليهم أمور أو على بعضهم بقي على الحال التي أبقيناه عليها أشبه بالسائل المحتاج، فلا يسعى إلى أن يسد حاجته أو حاجة من يعول، بل يبقى أشبه بالعالة على الآخرين، على الأقارب أو الأعمام أو الأصدقاء أو الجيران أو غير ذلك.\nوهذا قد كثر في الآونة الأخيرة، لذا فينبغي لطلاب العلم أن ينبهوا على ذلك، لا سيما أن كثيرًا من الشباب -حتى بعض الشباب الصالحين والمتدينين- يأنفون كثيرًا من الأعمال، وهذا خطأ، فيبقى عالة على الناس، ويقترض من هذا ويتدين من هذا، ويطلب أمه وأباه وقد لا يملكون شيئًا، أو يطلب إخوانه ومن حوله من الأقارب وقد لا يملكون شيئًا، مع أنه ينبغي عليه أن يبحث عن عمل مباح، حتى يسد حاجته وحاجة من يعول، وكثير من الشباب الآن حرم الفرص والوظائف؛ لأنه ليس بمستعد أن يعمل بألف أو ألفين أو خمسمائة ريال أو نحو ذلك، وهذا خطأ، بل ينبغي لأي شاب يحتاج للعمل مهما كان الأجر أن يعمل، وهو بذلك مأجور، وقد يعينه الله ﷿ ويسدده، وقد يكون أيضًا هذا العمل وسيلة إلى أن يرتقي إلى ما هو أوسع وإلى ما يطمح إليه.\nأقول: إن كثيرًا من شبابنا اليوم قد حرموا كثيرًا من الوظائف؛ بسبب أنهم تعودوا على البذل والعطاء ممن كانوا يقومون على إعالتهم، كما أنهم قد تعودوا أن تكون جيوبهم مليئة، فلا يرضى الواحد منهم أن يعمل بالمبلغ الزهيد، وهذا خطأ، ولذا فإذا ما وجد الشاب ما يسد حاجته إلا بأن يعمل بمبلغ زهيد فليعمل، بل يجب عليه أن يعمل ولا يمد يده كل يوم للناس، حتى في مصاريفه الضرورية، ولذلك فإن هذه المسألة من أهم المسائل التي تتعلق ليس فقط بتربية الشخص، أو في الأحوال المادية والاقتصادية، بل تتعلق حتى بالعقيدة، فيعد ترك العمل ضعفًا في التوكل على الله، وعدم العمل بما أمر الله به من أن يكون المسلم عزيزًا، وأن تكون يده عليا، وأن يأنف أن يكون في مقام السائل.\nالخلاصة: أن السؤال ليس محصورًا في مد اليد أو السؤال باللسان أو الإلحاح، بل السؤال يتضمن أيضًا أن يقعد القادر عن العمل فيكون عالة على غيره، وهو في الحقيقة قد وقع في الإثم فضلًا عن الذلة، لذا فينبغي لطلاب العلم أن ينبهوا شبابنا على هذه المسألة؛ حتى لا تستفحل في المجتمع المسلم، مع أنه في الآونة الأخيرة قد كثرت هذه الظاهرة؛ بسبب الظروف والأحوال التي اضطرت الناس إلى ذلك.","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>حكم سؤال وطلب الدعاء من الآخرين</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وأما سؤله لغيره أن يدعو له فقد قال النبي ﷺ لـ عمر: (لا تنسنا من دعائك)، وقال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى عليَّ مرة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة)، وقد يقال في هذا: هو طلب من الأمة الدعاء له؛ لأنهم إذا دعوا له حصل لهم من الأجر أكثر مما لو كان الدعاء لأنفسهم كما قال للذي قال: (أجعل صلاتي كلها عليك؟ فقال: إذًا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك)، فطلبه منهم الدعاء له لمصلحتهم، كسائر أمره إياهم بما أمر به؛ وذلك لما في ذلك من المصلحة لهم، فإنه قد صح عنه أنه قال: (ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكَّل الله به ملكًا كلما دعا دعوة قال الملك الموكل به: آمين ولك مثله)].\nما يتعلق بأمر النبي ﷺ لأمته بأن يدعوا له ويصلوا عليه له وجه آخر، ذكره شيخ الإسلام وغيره في مقام آخر، وهو أن ذلك من التشريع الذي أمر الله به، والرسول ﷺ إنما هو مبلغ، وهو ﵊ عندما أمرنا بأن نحبه أكثر مما نحب أنفسنا وأولادنا وما نملك فإن ذلك بأمر الله ﷿ له، ولم يقصد بذلك رفعة نفسه، بل الله رفعه وأمره أن يبلغ، وكذلك الرسول ﷺ عندما طلب منا أن نصلي ونسلم عليه وذكر الأجر على ذلك إنما ذلك هو حق له ﷺ شرعه الله.\nوعليه فإذا كان الرسول ﷺ إنما بلغنا شرع الله ولم يطلب لنفسه شيئًا، فإنما هو مبلغ عن الله تعالى، ومن هنا يزول الإشكال في كون النبي ﷺ طلب من الأمة أن تدعو له، وأن تسلم عليه، وأن تصلي عليه، وأن تحبه، وأن تتبع شرعه وأن تقتدي به، وكل ذلك إنما هو بأمر الله ﷿، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>فصل العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فصل: العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع].\nهذه من القواعد العظيمة في الشرع، وقد أشار الشيخ هنا إلى العبادات؛ لأنه في مقام ذكر توحيد الإلهية والعبادة، لكن في الحقيقة أن هذه قاعدة أشمل من هذا النص، ولذا فيجوز أن يخصص هذه القاعدة ويجوز أن يعممها، فنقول: الدين كله -العبادة والعادة والأحكام وغيرها- مبناه على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع، كما يجوز لنا أن نأخذ هذه القاعدة في كل علم بحسبه، فنقول مثلًا: الأحكام مبناها على الشرع والاتباع، والعقيدة مبناها على الشرع والاتباع، والعبادات مبناها على الشرع والاتباع، ومن هنا حصلت العبادة؛ لأن المقام مقام الحديث عن العبادة، وهي قاعدة عظيمة من قواعد الدين، وهي من خصائص قواعد السلف التي تميزوا بها عن غيرهم، وهي من الفوارق الكبرى بين منهج السلف ومنهج المخالفين، فالسلف كلهم يتفقون على هذه القاعدة بإجماع، بينما أهل الأهواء منهم من يخرق هذه القاعدة نظريًا، ومنهم من يخرقها نظريًا وعمليًا، ومنهم من يخرقها عمليًا فقط، أي: أنه يخالف هذه القاعدة عمليًا فقط؛ لأن هناك من أهل البدع من يدعي هذه القاعدة، لكنه يخالفها في العمل، فيبتدعون أمورًا ما أنزل الله بها من سلطان.\nإذًا: لابد لهذه القاعدة من فروع وضوابط وأسس سيتكلم عن بعضها الشيخ بعد قليل.","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>الإسلام مبني على أصلين عظيمين وهما الإخلاص والمتابعة</span>\nقال رحمه الله تعالى: فإن الإسلام مبني على أصلين: أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له.\nوالثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله ﷺ، لا نعبده بالأهواء والبدع، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الجاثية:١٨ - ١٩] الآية، وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١].\nفليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله ﷺ، من واجب ومستحب، لا يعبده بالأمور المبتدعة، كما ثبت في السنن من حديث العرباض بن سارية ﵁.\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفى مسلم: (أنه كان يقول في خطبته: خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة).\nوليس لأحد أن يعبد إلا الله وحده، فلا يصلي إلا لله، ولا يصوم إلا لله، ولا يحج إلا بيت الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يخاف إلا الله، ولا ينذر إلا لله ولا يحلف إلا بالله، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت)، وفى السنن: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، وعن ابن مسعود ﵁: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا.\nلأن الحلف بغير الله شرك، والحلف بالله توحيد.\nوتوحيد معه كذب خير من شرك معه صدق، ولهذا كان غاية الكذب أن يعدل بالشرك، كما قال النبي ﷺ: (عدلت شهادة الزور الإشراك بالله) مرتين أو ثلاثًا، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]، وإذا كان الحالف بغير الله قد أشرك فكيف الناذر لغير الله؟ والنذر أعظم من الحلف، ولهذا لو نذر لغير الله فلا يجب الوفاء به باتفاق المسلمين، مثل: أن ينذر لغير الله صلاة، أو صومًا، أو حجًا، أو عمرة، أو صدقة.\nولو حلف ليفعلن شيئًا لم يجب عليه أن يفعله، قيل: يجوز له أن يكفر عن اليمين، ولا يفعل المحلوف عليه، كما قال النبي ﷺ: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه)، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ: (أنه نهى عن النذر وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل)، فإذا كان النذر لا يأتي بخير فكيف بالنذر للمخلوق؟ ولكن النذر لله يجب الوفاء به إذا كان في طاعة، وإذا كان معصية لم يجز الوفاء باتفاق العلماء، فإنما تنازعوا: هل فيه بدل أو كفارة يمين أم لا؟ لما رواه البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه).\nفمن ظن أن النذر للمخلوقين يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة فهو من الضالين، كالذين يظنون أن عبادة المخلوقين تجلب لهم منفعة أو تدفع عنهم مضرة.\nوهؤلاء المشركون قد تتمثل لهم الشياطين، وقد تخاطبهم بكلام، وقد تحمل أحدهم في الهواء، وقد تخبره ببعض الأمور الغائبة، وقد تأتيه بنفقة أو طعام أو كسوة أو غير ذلك، كما جرى مثل ذلك لعباد الأصنام من العرب وغير العرب، وهذا كثير، موجود في هذا الزمان وغير هذا الزمان، للضالين المبتدعين المخالفين للكتاب والسنة، إما بعبادة غير الله، وإما بعبادة لم يشرعها الله.\nوهؤلاء إذا أظهر أحدهم شيئًا خارقًا للعادة لم يخرج عن أن يكون حالًا شيطانيًا، أو محالًا بهتانيًا، فخواصهم تقترن بهم الشياطين، كما يقع لبعض العقلاء منهم، وقد يحصل ذلك لغير هؤلاء، لكن لا تقترن بهم الشياطين إلا مع نوع من البدعة، إما كفر وإما فسق، وإما جهل بالشرع، فإن الشيطان قصده إغواء بحسب قدرته، فإن قدر على أن يجعلهم كفارًا جعلهم كفارًا، وإن لم يقدر إلا على جعلهم فساقًا أو عصاة، وإن لم يقدر إلا على نقص عملهم ودينهم ببدعة يرتكبونها يخالفون بها الشريعة التي بعث الله بها رسوله ﷺ فينتفع منهم بذلك!! ولهذا قال الأئمة: لو رأيتم الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء، فلا تغتروا به حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهي.\nولهذا يوجد كثير من الناس يطير في الهواء وتكون الشياطين هي التي تحمله، لا يكون من كرامات أولياء الله المتقين].","vol":"8","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>موقف الإسلام من خزعبلات وخوارق بعض المبتدعة</span>\nفي الحقيقة مثل هذه الحال مما يلتبس على كثير من الناس قديمًا وحديثًا، وهو ما يحدث لبعض الناس أو لبعض المبتدعة من بعض الخوارق التي يغتر بها الجاهل، فيظنون أن هذا من باب الإعانة والتوفيق من الله ﷿، وأن هذا دليل على أن صاحب هذا العمل الخارق على حق، ولذلك أرشد السلف ﵏ إلى قاعدة عظيمة في هذا، ألا وهي: أن من يعمل مثل هذا تعرض أعماله على الكتاب والسنة، فإن كان لها أصل وإلا فهي مردودة، حتى وإن ظهرت هذه الخوارق التي يزعم أنها كرامات وهي في الحقيقة من عادة الشياطين، ثم يعرض عمله أيضًا على خيار الأمة في عصره وقبل عصره، فإنهم هم القدوة والحجة؛ ولأن الله ﷿ كما قد تكفل بحفظ الدين تكفل بحفظ القرآن وحفظ السنة وحفظ النصوص، فقد تكفل أيضًا بحفظ وجود القدوة، وذلك بيِّن في قوله ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين)، ومعنى (ظاهرين)، أي: أنه يراهم ويقتدي بهم كل من وفقه الله ﷿، وأنهم تقام بهم الحجة.\nفإذًا: هؤلاء الذين يندون ويشذون عن أئمة الهدى بمثل هذه التصرفات والحركات والأقوال توزن أعمالهم على الشرع وعلى منهج أهل السنة والجماعة، فما وافق سبيل المؤمنين فهو حق، وما لم يوافقه فهو باطل، مهما بلغ من الدجل والإثارة والغرابة ونحو ذلك مما يبهر الجهلة، هذه مسألة.","vol":"8","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>قاعدة جليلة في الرد على أهل البدع: أن الدين مبناه على الشرع</span>\nالمسألة الأخرى: وهي المتعلقة بهذا الموضوع، وتقرر قاعدة من عرفها استطاع أن يقيم الحجة -حتى وإن لم يكن عالمًا- على كثير من أهل البدع، وهي مسألة أيضًا كثيرًا ما يقع فيها أو يحار فيها بعض طلاب العلم الصغار، وبعض الناشئين، وبعض العوام خاصة إذا واجهوا أهل البدع، فيحرجونهم أو يوقعونهم في الشك، فيقولون لهم: هذا العمل خير، وأنتم ضد الخير! أو يقولون: هذا العمل من جنس الأعمال المشروعة! ولنضرب مثلًا: ما يحدث من كثير من أهل البدع في هذا الشهر، أعني: شهر رجب، فإنهم يعملون فيه أعمالًا ما أنزل الله بها من سلطان، كالاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، ويزعمون أنها في العشر الأواخر من شهر رجب، ومنهم من يخص هذا الشهر كله بالصيام، ويقول: إنه أفضل من شهر رمضان أو مثله أو دونه، لكنهم يخصونه بصوم من أوله إلى آخره، ومنهم من يعمل أعمالًا أخرى يظن أن لها مزية في هذا الشهر، ولا شك أن هذا الشهر من الأشهر الحرم، وقد يكون له شيء من الفضل عند الله ﷿، لكن لم يتحدد فضل معين، وعلى هذا لم يشرع العمل فيه بشيء معين محدد.\nولذا أقول: من ابتلي بمثل هذه الأمور، أو رأى مثل أصحاب البدع هؤلاء، وقالوا له مثل هذا القول المجمل الملبس، بأن يقولوا له: هذا عمل خير، وهل أنت ضد الخير؟ أو هذا شهر فاضل، ونحن نعمل العمل الفاضل في الشهر الفاضل، فعليه أن يلجأ إلى هذه القاعدة حتى ولو لم يدخل في التفاصيل، وليقل: إن الدين مبناه على الشرع، أي: على ما شرعه الله وشرعه رسوله ﷺ، وكل عبادة وكل أمر من أمور الدين لا يجوز العمل به إلا بدليل، لاسيما إذا خالف ما عليه أهل الحق، بخلاف الأعمال المستفيضة والمشهورة بين المسلمين، مما أجمع عليها المسلمون، مثل: إقامة الصلوات الخمس، فهذه تحتاج إلى دليل عند العامي أو نحوه؟! لكن الأمور المحدثة الغريبة التي تطرأ من بعض الناس، أو من بعض أهل البدع، فلا يجوز أن نناقشها أو نجادل فيها، بل يقول لصاحب البدعة: عليك الدليل؛ لأن الله لا يُعبد إلا بما شرعه الرسول ﷺ، ولأن النبي ﷺ قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، و(من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) وغير ذلك من النصوص التي يعرفها عامة طلاب العلم، بل حتى العوام يعرفونها، فيقول للمبتدع: أنت الذي يجب عليك الدليل؛ لأن الأصل خلاف ما أنت عليه، وهذا أمر لا نعرفه وفي نفس الوقت ننكره، فإن أتى بدليل صحيح، وكان استدلاله على وجه سليم فهو محق، وإن كان استدلاله على وجه سليم، لكن لم يأت بدليل فتقوم عليه الحجة، لذلك ينبغي أن يلقن الناس مثل هذه الأمور لاسيما مع كثرة دعاة البدعة الآن.\nوكذلك يحسن بطلاب العلم أن يلقنوا الشباب وطلاب العلم والعوام هذه الأمور المجملة العامة التي يسلمون بها، وكم من مواقف نجد فيها من طلاب العلم ومن شباب أهل السنة ومن عوام الناس من يقعون في ربكة وشك في دينهم؛ بسبب قوة صاحب البدعة واستعداده للحوار، وعدم وجود الأصل عند صاحب السنة.\nلذا فأقول: ينبغي أن نعلم الناس مثل هذه الأصول العامة، وهو أنه لا يُعبد الله إلا بما شرعه الرسول ﷺ، وأن كل من أحدث شيئًا لم يكن يعرف عند أهل الحق والسنة فعليه بالدليل، وإلا فهو مبطل متقول على الدين.\nإذًا: فهذه قواعد من عرفها استطاع بإذن الله أن يقيم الحجة ولو لم يكن عالمًا، لكن بإجمال، ولا يدخل في المراء والجدال؛ لأن الجدال مهلك.","vol":"8","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>الفرق بين الأحوال الرحمانية لأهل الحق والأحوال الشيطانية لأهل البدع</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ومن هؤلاء: من يحمله الشيطان إلى عرفات فيقف مع الناس، ثم يحمله فيرده إلى مدينته تلك الليلة، ويظن هذا الجاهل أن هذا من أولياء الله، ولا يعرف أنه يجب عليه أن يتوب من هذا، وإن اعتقد أن هذا طاعة وقربة إليه، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ لأن الحج الذي أمر الله به ورسوله لابد فيه من الإحرام، والوقوف بعرفة، ولابد فيه من أن يطوف بعد ذلك طواف الإفاضة، فإنه ركن لا يتم الحج إلا به، بل عليه أن يقف بمزدلفة، ويرمي الجمار ويطوف للوداع، وعليه اجتناب المحظورات والإحرام من الميقات إلى غير ذلك من واجبات الحج، وهؤلاء الضالون الذين يضلهم الشيطان يحملهم في الهواء، ويحمل أحدهم بثيابه، فيقف بعرفة ويرجع من تلك الليلة، حتى يرى في اليوم الواحد ببلده ويرى بعرفة.\nومنهم من يتصور الشيطان بصورته ويقف بعرفة، فيراه من يعرفه واقفًا، فيظن أنه ذلك الرجل وقف بعرفة! فإذا قال له ذلك الشيخ: أنا لم أذهب العام إلى عرفة، ظن أنه ملك خلق على صورة ذلك الشيخ، وإنما هو شيطان تمثل على صورته، ومثل هذا وأمثاله يقع كثيرًا، وهي أحوال شيطانية، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]، وذكر الرحمن هو الذكر الذي أنزله على نبيه ﷺ، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ [طه:١٢٣] إلى قوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٦]، ونسيانها هو ترك الإيمان والعمل بها، وإن حفظ حروفها، قال ابن عباس ﵄: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.\nوقرأ هذه الآية.\nفمن اتبع ما بعث الله به رسوله محمدًا ﷺ من الكتاب والحكمة هداه الله وأسعده، ومن أعرض عن ذلك ضل وشقي، وأضله الشيطان وأشقاه.\nفالأحوال الرحمانية وكرامات أوليائه المتقين يكون سببه الإيمان، فإن هذه حال أوليائه، قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]، وتكون نعمة لله على عبده المؤمن في دينه ودنياه، فتكون الحجة في الدين والحاجة في الدنيا للمؤمنين، مثلما كانت معجزات نبينا محمد ﷺ، كانت الحجة في الدين والحاجة للمسلمين، مثل: البركة التي تحصل في الطعام والشراب، كنبع الماء من بين أصابعه، ومثل: نزول المطر بالاستسقاء، ومثل قهر الكفار وشفاء المريض بالدعاء، ومثل: الأخبار الصادقة والنافعة بما غاب عن الحاضرين، وأخبار الأنبياء لا تكذب قط.\nوأما أصحاب الأحوال الشيطانية، فهم من جنس الكهان يكذبون تارة ويصدقون أخرى، ولابد في أعمالهم من مخالفة للأمر، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء:٢٢١ - ٢٢٢] الآيتين].\nفي الحقيقة إن من الأمور التي ينبغي التفريق بينها ما يحدث لكثير من أهل البدع من الخوارق، وما يحدث من كرامات لأهل الحق والولاية الشرعية، ولا شك أن هناك فرقًا كبيرًا بينهما، فالكرامة لا تحصل إلا من مستقيم على السنة، وقد تحدث من مقصر، لكن لا تحدث في تأييد بدعته أو في تأييد معصيته، وإنما قد تحدث له عند الضرورة، أو عندما يلجأ إلى الله ﷿ في أمر يتعلق بمصالح الأمة أو بنصر الدين، فهو وإن كان فاسقًا أو فاجرًا قد تحدث له من الكرامة في سبيل نصرة الحق أو في سبيل كشف كربته أو ضرورته، لكن لا يمكن أن تحدث الكرامة في نصر البدعة أو نصر المبتدع، بل ولا تحدث الكرامة على يد المبتدع فيما يتعلق بتأييد الحق، ثم إن الكرامة أيضًا في الغالب تكون مؤيدة للشرع، بمعنى: أن نتيجتها لابد أن توافق الدليل الشرعي، سواء كانت النتيجة قولية أو عملية أو في أحكام أو في غيرها، فيستفيد منها المسلم أو يستفيد منها المسلمون.\nثم إن الكرامة في الغالب أنها تحدث بغير قصد لها أو تعمد لها، فهي تحدث إكرامًا من الله ﷿ للعبد، كأن يلجأ إلى الله ﷿، أو يحدث منه ما يرضي الله ﷿ من العبادة الصادقة ونحو ذلك عن غير طلب لها، فإن طلبها فقد تحدث له مرة، لكن إن تكررت فالغالب أنها تكون ابتلاء وتنقلب من كونها كرامة إلى كونها مخرقة، وقد ابتلي كثير من العباد الصالحين الذين يعبدون الله على جهل بالبدع؛ بسبب ما يقع لهم من الكرامات الدائمة، لذلك فإنه قد تحدث لبعضهم كرامات قد تكون فعلًا موجبها أمورًا قلبية صحيحة، وأحوالًا قلبية صحيحة في أول الأمر، لكنه لجهله يغتر فيقع في طلب الكرامة والإلحاح عليها، فيستدرج إلى البدعة بالكرامة، فتنقلب الحال من كرامة","vol":"8","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>فصل جامع في أن جماع الحسنات العدل، وجماع السيئات الظلم</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فصل جامع: قد كتبت فيما تقدم في مواضع قبل بعض القواعد، وآخر مسودة الفقه: أن جماع الحسنات العدل، وجماع السيئات الظلم، وهذا أصل جامع عظيم].\nيقصد الشيخ هنا العدل بمعناه العام، والظلم بمعناه العام؛ لأن العدل معناه واسع، وهو ضد الجور وضد الميل، والجهل كذلك ضد الاعتدال وضد الاستقامة، وأغلب ما يستعمل الناس العدل فيما هو ضد الجور وضد الميل، لكن معناه الواسع قد يغفل عنه كثير من الناس، والشيخ هنا قصد المعنى الواسع، فالعدل هو الاعتدال، وهو صراط الله المستقيم الذي فيه جميع الشرع، العقيدة والشريعة، وكل ذلك هو العدل وهو مقتضى العدل، وليس فقط العدل مع الناس أو العدل في الحكم أو العدل ضد الجور أو ضد الميل، وإنما العدل الاستقامة على دين الله ﷿.\nولذلك نجد هذا المعنى العام موجود حتى عند العوام، فيقولون: هذا الطريق عدال، أي: مستقيم، وهو معنى جيد لمفهوم العدل، وكذلك الظلم ليس فقط معناه هنا مجرد ظلم الآخرين، بل ظلم النفس وظلم الآخرين، وكذلك من الظلم الجور عن الحق، والميل عنه.\nقال رحمه الله تعالى: [وتفصيل ذلك: أن الله خلق الخلق لعبادته، فهذا هو المقصود المطلوب لجميع الحسنات، وهو إخلاص الدين كله لله، وما لم يحصل فيه هذا المقصود فليس حسنة مطلقة مستوجبة لثواب الله في الآخرة، وإن كان حسنة من بعض الوجوه له ثواب في الدنيا، وكلما نهى عنه فهو زيغ وانحراف عن الاستقامة، ووضع للشيء في غير موضعه فهو ظلم].\nالشيخ هنا فسر الظلم بمعناه العام فقال: (وكل ما نهى عنه -الشرع- فهو زيغ وانحراف عن الاستقامة، ووضع للشيء في غير موضعه فهو ظلم).\nقال رحمه الله تعالى: [ولهذا جمع بينهما سبحانه في قوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف:٢٩]، فهذه الآية في سورة الأعراف المشتملة على أصول الدين، والاعتصام بالكتاب، وذم الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، كالشرك وتحريم الطيبات، أو خالفوا ما شرعه الله من أمور دينهم، كإبليس ومخالفي الرسل من قوم نوح إلى قوم فرعون، والذين بدلوا الكتاب من أهل الكتاب، فاشتملت السورة على ذم من أتى بدين باطل ككفار العرب، ومن خالف الدين الحق كله كالكفار بالأنبياء، أو بعضه ككفار أهل الكتاب.\nوقد جمع سبحانه في هذه السورة وفي الأنعام وفي غيرهما ذنوب المشركين في نوعين: أحدهما: أمر بما لم يأمر الله به كالشرك، ونهي عما لم ينه الله عنه كتحريم الطيبات، فالأول شرع من الدين ما لم يأذن به الله.\nوالثاني: تحريم لما لم يحرمه الله.\nوكذلك في الحديث الصحيح حديث عياض بن حمار، عن النبي ﷺ، عن الله تعالى: (إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، فحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا).\nولهذا كان ابتداع العبادات الباطلة من الشرك ونحوه هو الغالب على النصارى ومن ضاهاهم من منحرفة المتعبدة والمتصوفة، وابتداع التحريمات الباطلة هو الغالب على اليهود ومن ضاهاهم من منحرفة المتفقهة، بل أصل دين اليهود فيه آصار وأغلال من التحريمات، ولهذا قال لهم المسيح ﵇: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠]، وأصل دين النصارى فيه تأله بألفاظ متشابهة، وأفعال مجملة، فالذين في قلوبهم زيغ اتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما قررته في غير هذا الموضع: بأن توحيد الله الذي هو إخلاص الدين له، والعدل الذي نفعله نحن هو جماع الدين يرجع إلى ذلك، فإن إخلاص الدين لله أصل العدل، كما أن الشرك بالله ظلم عظيم].\nوالنتيجة أو الخلاصة لهذا الحديث كله: هي أنه قصد في هذا الفصل الجامع أن العدل هو إخلاص الدين لله جملة وتفصيلًا، ويدخل في ذلك إخلاص الدين لله في العبادة والأحكام، وفي المستحبات والواجبات والفرائض.\nكما قصد ﵀ أن الظلم هو الشرك بالله جملة وتفصيلًا، ويدخل في ذلك الشرك الأكبر والشرك الأصغر وظلم النفس وظلم الغير، وهذه من الأمور والقواعد الجيدة التي ينبغي لطلاب العلم دائمًا أن يعوها ويستفيدوا منها؛ لأن مثل هذه القواعد في الغالب أنها تصبح بمثابة الموازين، حيث إنه إذا استوعبها طالب العلم ففي الغالب بإذن الله أنه يوفق ويسدد إذا التزم قواعد الاستدلال ونهج السلف في ذلك، والله أعلم.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"8","page":11},{"text":"شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-107>[٩]</span>\nالشرك بالله تعالى أعظم ذنب عصي الله به؛ فمن جعل لله ندًا من خلقه فيما يستحقه ﷿ من الإلهية المتضمنة للخوف والرجاء والمحبة والتوكل والاستعانة، وكذلك الربوبية المتضمنة للخلق والإيجاد والتدبير والرزق؛ فقد كفر بإجماع المسلمين؛ لأن الله تعالى وحده هو المستحق للعبادة دون غيره.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>فصل الشرك بالله أعظم الذنوب</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد: فبعون الله وتوفيقه نواصل درسنا في الفتاوى، ولا زلنا في الحديث عن موضوع حقيقة العبودية، وفي هذا الدرس سنذكر بعض الصور التي تنافي توحيد الإلهية والربوبية.\nقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [اعلم رحمك الله! أن الشرك بالله أعظم ذنب عصي الله به، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وفي الصحيحين أنه ﷺ: (سئل أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك)، والند: المثل.\nقال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر:٨]، فمن جعل لله ندًا من خلقه فيما يستحقه ﷿ من الإلهية والربوبية فقد كفر بإجماع الأمة.\nفإن الله سبحانه هو المستحق للعبادة لذاته؛ لأنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب، وترغب إليه وتفزع إليه عند الشدائد، وما سواه فهو مفتقر مقهور بالعبودية، فكيف يصلح أن يكون إلهًا، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:١٥]، وقال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]، وقال الله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء:١٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:١١].\nفالله سبحانه هو المستحق أن يعبد لذاته، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، فذكر (الحمد) بالألف واللام التي تقتضى الاستغراق لجميع المحامد، فدل على أن الحمد كله لله، ثم حصره في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فهذا تفصيل لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، فهذا يدل على أنه لا معبود إلا الله، وأنه لا يستحق أن يعبد أحد سواه، فقوله: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ» إشارة إلى عبادته بما اقتضته إلهيته من المحبة والخوف والرجاء والأمر والنهى.\n«وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» إشارة إلى ما اقتضته الربوبية من التوكل والتفويض والتسليم؛ لأن الرب ﷾ هو المالك وفيه أيضًا معنى الربوبية والإصلاح، والمالك الذي يتصرف في ملكه كما يشاء].\nقوله ﷿: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] شملت تحقيق أنواع التوحيد جميعًا، لا سيما وأنها سبقت بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، والحمد للمحمود الذي يستحق الحمد لكماله وجلاله ﷿، والحمد متضمن لمعاني الكمال ومعاني الألوهية والربوبية؛ لأنه لا يستحق الحمد إلا الكامل في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي ربوبيته وإلهيته، خاصة أيضًا إذا أضيف لها رب العالمين، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، الحمد هو للمحمود سبحانه، ثم قوله: (لله) تشمل الألوهية بالضرورة وتشمل الربوبية بالاستلزام، (رب العالمين) تدخل فيها الربوبية بالضرورة والإلهية بالاستلزام أو بالتضمن.\nثم بعد ذلك أعقبها بقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، وبين الشيخ أن هذه الآية قد جمعت جميع الدين؛ لأن «إِيَّاكَ نَعْبُدُ» تعني: جميع العبودية لله ﷿، وتحقيق توحيد الإلهية، «وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» جمعت الأمرين، أي: توحيد الإلهية والربوبية؛ لأن الاستعانة لا تكون إلا بالمعين، والإعانة فعل الله ﷿، وهو الذي يملك الإعانة مطلقًا، ولا يملك غيره أن يعين العباد من كل وجه، فهو سبحانه له التصرف في الخلق، وبيده مقاليد السماوات والأرض.\nفإذًا: هو المعين في ربوبيته وإلهيته، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فجمعت جميع أنواع التوحيد.","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>معاينة القلب لحقيقة الربوبية والإلهية عند تحقيق معنى الربوبية والألوهية</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فإذا ظهر للعبد من سر الربوبية أن الملك والتدبير كله بيد الله تعالى، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١]، فلا يرى نفعًا ولا ضرًا ولا حركة ولا سكونًا ولا قبضًا ولا بسطًا ولا خفضًا ولا رفعًا إلا والله ﷾ فاعله وخالقه وقابضه وباسطه ورافعه وخافضه، فهذا الشهود هو سر الكلمات الكونيات، وهو علم صفة الربوبية، والأول هو علم صفة الإلهية، وهو كشف سر الكلمات التكليفيات].\nهذه العبارة الدقيقة فيها استعمال المصطلحات ذات التصور، وكثيرًا ما يستعمل شيخ الإسلام ﵀ هذه المصطلحات خاصة عندما يتحدث عن الأعمال القلبية أو عن بعض الأمور المتعلقة بالإلهية والربوبية، ويبدو لي والله أعلم أنه أراد أن يقرب أهل زمانه الذين ابتلوا بالتصوف أو أكثرهم إلى معاني التوحيد الحقيقية من خلال مصطلحاتهم، فاستعمل ﵀ هذه المصطلحات استعمالًا صحيحًا، ووجهها توجيهًا صحيحًا بالآيات والنصوص، فكلمة: (الشهود) لم تكن من الكلمات التي يستعملها خلص السلف، وإنما استعملها بعض السلف الذين عندهم نزعة تعبد، لكنهم لم يكونوا من الأئمة الكبار، لكن لما عمت بها البلوى في عهد شيخ الإسلام أراد أن يجر المتصوفة وعامة الناس الذين ينزعون إلى التصوف، والذين انطبعت في أذهانهم هذه المصطلحات إلى فهم المصطلحات الشرعية الحقيقية من خلال استعمال هذه الكلمات، فقوله: (فهذا الشهود) قصده: معاينة الحقيقة معاينة قلبية؛ لأن القلب إذا اكتملت فيه معاني الربوبية فكأنه يشهد الحقيقة ببصيرته، أو هو فعلًا يشهد حقيقة الربوبية ثم الإلهية ببصيرته، فهو قصد بالشهود تحقيق التوكل والتسليم، بحيث إن الإنسان يكون توكله وتسليمه وإذعانه لله ﷿، وكأنه يشهد هذه الحقيقة على مبدأ الإحسان الذي وصفه النبي ﷺ: بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذا لا يكون إلا لتحقيق معنى الإلهية والربوبية في وقت واحد.\nوكذلك قوله: (هو سر الكلمات الكونيات)، فالكلمات الكونيات هي التي يكون بها تدبير الكون من الله ﷿، فيدبر الكون سبحانه بكلماته، وكلماته تكون فيها الربوبية، كما أن من كلماته ما يكون به الوحي والأمر والتشويق.\nوالكلمات تشمل الكلمات الكونية والكلمات الشرعية، والكلمات الكونية قد تكون بالوحي وقد تكون بما يدبر الله به الكون ومثل: (كن)، فهي من كلام الله ﷿، لكن ليست من نوع الوحي، فكل ذلك كلمات الله الكونيات التي يكون بها تحقيق التوكل والتسليم؛ لأنها تعني الإذعان بالربوبية لله ﷿.\nوكذا قوله: (وهو كشف سر الكلمات التكليفيات)، فالكلمات التكليفيات هي كلمات الله التي فيها الأمر والنهي والخبر، وهي كلماته بالوحي إلى رسله ومن خلال الكتب المنزلة، فهذا هو النوع الثاني: وهو توحيد الإلهية الذي يتمثل بكشف سر الكلمات التكليفيات التي يكلف الله بها عباده.\nإذًا: فتوحيد الربوبية متعلق بالتدبير بالله ﷿ وبكلمات الله الكونية، وتوحيد الألوهية متعلق بالأمر الشرعي والخبر وكلماته التي هي الوحي.\nقال رحمه الله تعالى: [فالتحقيق بالأمر والنهي والمحبة والخوف والرجاء يكون عن كشف علم الإلهية، والتحقيق بالتوكل والتفويض والتسليم].\nقوله: (والتحقيق بالتوكل والتفويض والتسليم) شرح لمعنى كلمة: (الشهود) الذي هو سر الكلمات الكونيات، أعني: توحيد الربوبية.\nقال رحمه الله تعالى: [والتحقيق بالتوكل والتفويض والتسليم يكون بعد كشف علم الربوبية، وهو علم التدبير الساري في الأكوان، كما قال ﷿: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]، فإذا تحقق العبد لهذا المشهد ووفقه لذلك، بحيث لا يحجبه هذا المشهد عن المشهد الأول فهو الفقيه في عبوديته، فإن هذين المشهدين عليهما مدار الدين، فإن جميع مشاهد الرحمة واللطف والكرم والجمال داخل في مشهد الربوبية.\nولهذا قيل: إن هذه الآية جمعت جميع أسرار القرآن: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]؛ لأن أولها اقتضى عبادته بالأمر والنهي، والمحبة والخوف والرجاء كما ذكرنا، وآخرها اقتضى عبوديته بالتفويض والتسليم وترك الاختيار، وجميع العبوديات داخلة في ذلك].","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>خلاصة مذهب الصوفية في الألوهية والربوبية وحقيقة ضلالهم وسببه</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ومن غاب عن هذا المشهد وعن المشهد الأول، ورأى قيام الله ﷿ على جميع الأشياء، وهو القيام على كل نفس بما كسبت، وتصرفه فيها وحكمه عليها].\nقوله: (ومن غاب عن هذا المشهد) أي: الربوبية، ثم قال: (وعن المشهد الأول) يقصد الإلهية.\nوالشيخ يشير بذلك إلى ضلال المتصوفة وجهلهم، وهو رحمه الله تعالى كثيرًا ما يبحث لهم عن معاذير؛ لأنه يرى أنهم وقعوا في الضلالة عن جهل.\nوخلاصة مذهب هؤلاء أنهم يزعمون أن غاية مطلوبهم الانهماك في توحيد الربوبية، ولذلك استهانوا بتوحيد الإلهية، واستهانوا بالأمر والنهي، حتى زعم كثير منهم أنهم استغنوا بالمشهد الأول عن المشهد الثاني، بمعنى: أنهم حينما وصلوا إلى مرحلة معينة زعموا أنها انكشفت لهم أسرار الكون وانصهروا في القدر والربوبية، ولم يعودوا بحاجة إلى امتثال الأمر والنهي، فتركوا العمل بالشرع، وزعموا أن العمل بالشرع إنما يحتاجه أولئك الذين لم تصل قلوبهم إلى حد هذا المستوى من العبادة والسنة، أو من الانصهار في الربوبية، والعبادات والأوامر والنواهي والتكليفات الشرعية إنما هي للعوام الذين لم يصلوا في العبادة إلى حد انكشاف الأسرار الكونية لهم، أو الانصهار في الربوبية والقدر، وهذا مذهب فلسفي قديم في الديانات الفلسفية، كالديانات الهندية وغيرها، فغاية الواحد أن يصل إلى الانصهار في الربوبية، وأن تتحد مشاعره -بزعمه- بل حتى حركاته الإرادية واللاإرادية بالحركات الكونية، ويكون جزءًا من ذرات الكون، وكأنه صار بذلك إلى مستوى ربما يزعم فيه أنه ارتقى عن مستوى الأنبياء، بل أحيانًا يزعم فيه أنه اتحد بالخالق تعالى الله عما يزعمون؛ لأن هذا المذهب وصل بهم إلى الاتحاد والحلول ووحدة الوجود، ومن هنا احتقروا دين الأنبياء واحتقروا الشرائع، واحتقروا الأخذ عن الرسول ﷺ، ومن هنا زعم رءوسهم وفلاسفتهم أنهم استغنوا عن الشرع، وأن غاية من يصل إلى هذا المستوى هو أن يكون حقق مشهد الربوبية والانصهار في القدر، فلذلك قالوا: بالجبر، ولذلك قالوا: بالاستغناء عن الشرع، ولذلك احتقروا دين الأنبياء، ولذلك تركوا الأوامر والنواهي واستباحوا لأنفسهم ترك فرائض الله، والإعراض عن دين الله ﷿، فالشيخ يقول: (ومن غاب عن هذا المشهد)، يعني: الربوبية، (وعن المشهد الأول)، يعني: الإلهية.\nثم أكمل الكلام واتضح بعد ذلك.\nقال ﵀: [ومن غاب عن هذا المشهد وعن المشهد الأول، ورأى قيام الله ﷿ على جميع الأشياء، وهو القيام على كل نفس بما كسبت، وتصرفه فيها وحكمه عليها، فرأى الأشياء كلها منه صادرة عن نفاذ حكمه، وإرادته القدرية، فغاب بما لاحظ عن التمييز والفرق، وعطل الأمر والنهى والنبوات، ومرق من الإسلام مروق السهم من الرمية].\nقوله: (فغاب بما لاحظ) هذا أيضًا من تعبيرات الصوفية، لكنه رد عليهم بعبارات يفهموها، ومعنى العبارة: فغاب بما لاحظ عن التمييز والفرق بين الربوبية والإلهية، وبين ما هو مطلوب من العبد وما ليس بمطلوب، وبين ما أمر الله به وما لم يأمر به، وأهم ذلك التفريق بين حقيقة الربوبية وحقيقة الإلهية، ولذلك لما لم يلاحظ التمييز والفرق تعطل الأمر والنهي؛ لأنه بزعمه أنه بالتحنث أو بالإقرار بالربوبية والمبالغة فيها لم يعد يحتاج إلى اعتبار الأمر والنهي والنبوات.\nثم قال: (ومرق من الإسلام مروق السهم من الرمية) يقصد بذلك غلاة المتصوفة الفلاسفة، وغلاة المتصوفة فلاسفة، كما أن غلاة الفلاسفة متصوفة، فالتلازم بينهم هو الغالب أمثال: الحلاج والكندي وابن الفارض والفارابي وابن رشد الأول، لكن ابن رشد لم يصل إلى هذه الدرجة إنما مال إليها ثم تركها، وكذلك ابن سبعين والسهروردي المقتول وابن عربي الطائي ومن سلك سبيلهم.\nوكل هؤلاء قد ادعى هذه الدرجة، لكنهم يتفاوتون في التعبير عنها، ويتفاوتون في النزعة الفلسفية التي وصلوا بها -بزعمهم- إلى هذه المرحلة، ثم بعد ذلك منهم من استغنى عن العمل بالأمر والنهي، وأنهم ليسوا بحاجة لما جاء عن الأنبياء، ولذلك ادعى كثير منهم لنفسه أو لغيره -كل هؤلاء الذين ذكرتهم- أنه فاق مستوى الأنبياء كما صرح ابن عربي وغيره.","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>اعتذار شيخ الإسلام لهفوات بعض رموز الصوفية</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وإن كان ذلك المشهد]، يعني: مشهد الربوبية.\nثم قال ﵀: [قد أدهشه وغيب عقله؛ لقوة سلطانه الوارد، وضعف قوة البصيرة أن يجمع بين المشهدين، فهذا معذور منقوص إلا من جمع بين المشهدين: الأمر الشرعي، ومشهد الأمر الكوني الإرادي، وقد زلت في هذا المشهد أقدام كثير من السالكين، لقلة معرفتهم بما بعث الله به المرسلين].\nقوله: (فهذا معذور منقوص) كثيرًا ما يقولها ﵀ في طوائف من هؤلاء، وأحيانًا يشير بها إلى أشخاص معينين، أمثال التستري والبسطامي وابن أبي الحواري وأمثالهم، والجنيد وإن كان ليس له صفحات كبيرة، لكنه قد مال إلى هذا الاتجاه، بينما التستري والبسطامي وابن أبي الحواري ومن سلك سبيلهم أصحاب هفوات كبيرة، وهؤلاء هم الذين يعبر عنهم الشيخ أحيانًا بأن فيهم معذورًا منقوصًا، والشيخ ﵀ يفسر ما يحدث منهم من ترهات؛ لأنهم يدعون هذا الدعاوى، يدعون أنهم يستغنون بالربوبية عن الإلهية، لكن من حيث العمل فإنهم يعملون بالشرع، ولا أدري هل هذه حقيقة فقهية؟ الله أعلم بحالها، لكن الشاهد هنا أو الذي يهمنا هو عندما نتأمل فيما أسند إليهم من أقوال وأفعال نجد فيها كفرًا تتعلق بهذا المفهوم الذي ذكره الشيخ، وهو أنهم يسعون إلى شهود الربوبية ويبالغون فيها، ويستهينون معها بكثير من الشرائع، كالجماعات والجمعات، واستهانوا بالجهاد، واستهانوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخذلوا عن طلب العلم وعن طلب الحديث، وجاءت منهم كلمات تدل على أنهم قد يتلقون من مصادر غير المصادر الشرعية، وعن أهل الكتاب وعن غيرهم، أو عن مجاهيل أو عن أنفسهم، أو أنه بالتأمل ترد إليهم خواطر يصفونها بما لا يوصف به إلا الوحي.\nفالشيخ ﵀ يقول في مثل هؤلاء: بأنهم معذورون! ولا أدري ما وجه اعتذار الشيخ لهم؟! وإن كان قد فسره أحيانًا فقال: بأنه تعتريهم حالات معينة وهو ما نصفها الآن بالهستيريا، من شدة الانقطاع والتعبد، ومن شدة الجوع والسهر، فيكون الواحد منهم عنده شيء من الاضطراب والهسترة، فيتكلم بما لا يعلم، بل قد يتكلم أحيانًا بالكفريات، مع أن كلهم قد تكلموا بالكفريات، كأن يقول أحدهم: إنه لا يبالي بالنار! أو يقول لليهود: لا عليكم سأحجبكم من النار! أو أمنعكم من النار! أو أعطيكم إياها! أو يقول: النار ما هي إلا أن أنصب عليها خيمة فتنطفئ، ومثل هذه الكلمات الكفرية.\nفـ شيخ الإسلام يعتذر لهؤلاء، وهذا معنى قوله: فهذا معذور لجهله فيما يبدو، أو لأنه غلبت عليه العبادة حتى قال هذا أو تكلم الشيطان على لسانه، ثم قال: إنه منقوص، يعني: إن في كلامه ضلالة، النقص هنا نقص الضلالة.\nوأعتذر عن استكمال الفائدة، وهذا مما ينبغي أن يعنى به الباحثون؛ لأنه زلات أقدام، وهؤلاء العباد المتأخرون في القرن الثالث وما بعده الذي نزع عنده هذه النزعات يكون عندهم -أحيانًا- نوع من الخروج عن مقتضى الشريعة بكلمات صعبة، وأيضًا أحيانًا قد تصدر منهم أعمال وتصرفات هي أقرب إلى الكفر والإلحاد، فهل يعقل أنه بمجرد اختلال العقل يجعل هذا الشخص يتكلم بكفر مقنن معروف مشهود عند اليونان والصابئة والفرس والمجوس، كفرياتهم التي قالوا بها هي مظاهر موجودة في الأمم الضالة، فكيف وصلت إليهم، ثم تكلموا بها في حالات يزعمون أنهم لا يسيطرون على عقولهم، وأنه قد ضاعت عنهم عقولهم، ولذلك عذروا أمام القضاء وأمام بعض الولاة؛ لأن ظاهر الأمر في ذلك الوقت أن هؤلاء لا يتكلمون إلا في حالات تعتريهم فيها الهسترة.\nأقول: قد يكون هذا، وقد يتكلم الشيطان على ألسنتهم، لكن هل يعقل أن يأتي بأصول مقننة راقية على مستوى فيه التفكير والتعبيرات الفلسفية والمذهبية المعروفة عند الأمم؟ هذا أمر قد لا يتأتى إلا لمن أشرب في قلبه -والله أعلم- هذه الأمور ثم أعلنها.\nأيضًا هذه من المسائل التي تحتاج إلى بحث، وأظن أني أكثر من مرة أعرض هذا الموضوع، وأرى أنه من الواجب التثبت والبحث فيه؛ لأن موضوع العباد من الموضوعات الخطيرة التي يرتكز عليها أهل البدع إلى يومنا هذا، بل أعظم شبهة عند أصحاب الطرق الصوفية وأصحاب المذاهب الفلسفية والإلحادية أن هؤلاء سلف لهم، وأن هؤلاء رضي عنهم السلف، هذه تحتاج إلى تحقيق.\nلكن يبقى أيضًا أمر آخر أنبه عليه لمن يريد أن يبحث، ألا وهو أن كثيرًا من المبتدعين قد يكون من المكذوب عليهم، وهذا مما أشار إليه شيخ الإسلام أكثر من مرة، يعني: عندما يجد أن المسألة ليس فيها مجال للدفاع، يقول: ونشك أن هذا مما ينسب إلى فلان، أو لعله لا يثبت عنه، فهذه أمور عن أمة سلفت، والمفروض أننا لا نفتش عن مصائر هؤلاء العباد وأمرهم إلى الله ﷿، لكن لما كانت مناهجهم وزلاتهم هذه ركائز ومرتكزات لأهل البدع والأهواء إلى يومنا هذا يتكئون عليها كان لابد من بحثها وتحقيقها، بصرف النظر عمن قالوا بها، وبغض النظر هل يجرّمون أو لا","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>أنواع الشرك الذي يكفر به صاحبه</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فإذا تقرر هذا فالشرك إن كان شركًا يكفر به صاحبه وهو نوعان: شرك في الإلهية، وشرك في الربوبية فأما الشرك في الإلهية فهو أن يجعل لله ندًا، أي: مثلًا في عبادته أو محبته أو خوفه أو رجائه أو إنابته، فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، وهذا هو الذي قاتل عليه رسول الله ﷺ مشركي العرب؛ لأنهم أشركوا في الإلهية، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] الآية، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، وقال تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق:٢٤] إلى قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [ق:٢٦].\nوقال النبي ﷺ لـ حصين: (كم تعبد؟ قال: ستة في الأرض، وواحدًا في السماء، قال: فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء، قال: ألا تسلم فأعلمك كلمات؟ فأسلم، فقال النبي ﷺ: قل: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي).\nوأما الربوبية فكانوا مقرين بها، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، وقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٥] إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٩]، وما اعتقد أحد منهم قط أن الأصنام هي التي تنزل الغيث، وترزق العالم وتدبره، وإنما كان شركهم كما ذكرنا، اتخذوا من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، وهذا المعنى يدل على أن من أحب شيئًا من دون الله كما يحب الله تعالى فقد أشرك، وهذا كقوله: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨]، وكذا من خاف أحدًا كما يخاف الله، أو رجاه كما يرجو الله وما أشبه ذلك.\nوأما النوع الثاني: فالشرك في الربوبية، فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر، المعطي المانع، الضار النافع، الخافض الرافع، المعز المذل، فمن شهد أن المعطي أو المانع، أو الضار أو النافع، أو المعز أو المذل غيره، فقد أشرك بربوبيته].\nالشركان متلازمان في أفعال العباد؛ لأن الذي يشرك في الإلهية لابد أن يقع منه شرك في الربوبية، فإذا عبدوا غير الله طلبوا من غير الله واستمدوا العون من غير الله، فهم توهموا أنه قد يكون للمعبود من دون الله منع أو إعطاء وهكذا، ولذا فإذا حدث الشرك في الإلهية فالغالب أنه يجر إلى الشرك في الربوبية، وكذلك العكس، فهما متلازمان، والفروق بين الأمرين إنما هي فروق علمية، وأما من الناحية العملية فيندر أن من يشرك بالربوبية يسلم من شرك الإلهية، وكذلك العكس، بل لا يمكن أن يكون شرك في الإلهية إلا ويستتبعه شرك في الربوبية.\nلكن الفارق بينهما: أن موضوع الربوبية متعلق بالتدبير وأفعال الله ﷿، أي: أن كل ما يتعلق بأفعال الله وتدبيره يسمى ربوبية، ومن ذلك أن أسماءه وصفاته وغير ذلك مما يتعلق بالأفعال والتدبير هي أقرب إلى الربوبية، ومع ذلك قد يكون فيها جوانب الربوبية، وأما الإلهية فهو كل ما يتعلق بتوجه القلب والجوارح إلى الله ﷿، وهذا بالنسبة للمسلم، وأما الشرك فيتوجه إلى الأصنام.\nإذًا: فالتوجه في التعبد هو توحيد الإلهية، أي: توجه العباد إلى الغني هو توحيد الإلهية، فإن ألهوا الله ﷿ فقد حققوا التوحيد، وإن توجهوا إلى غير الله وعبدوا غير الله فقد طلبوا من غير الله، ويكون ذلك شرك في الإلهية.","vol":"9","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>كيفية التخلص من الشرك في الربوبية</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ولكن إذا أراد التخلص من هذا الشرك، فلينظر إلى المعطي الأول مثلًا، فيشكره على ما أولاه من النعم، وينظر إلى من أسدى إليه المعروف فيكافئه عليه؛ لقوله ﵊: (من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه)؛ لأن النعم كلها لله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، وقال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء:٢٠]، فالله سبحانه هو المعطي على الحقيقة، فإنه هو الذي خلق الأرزاق وقدرها وساقها إلى من يشاء من عباده، فالمعطي هو الذي أعطاه وحرك قلبه لعطاء غيره، فهو الأول والآخر.\nومما يقوي هذا المعنى قوله ﷺ لـ ابن عباس ﵄: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، قال الترمذي: هذا حديث صحيح.\nفهذا يدل على أنه لا ينفع في الحقيقة إلا الله، ولا يضر غيره، وكذا جميع ما ذكرنا في مقتضى الربوبية.\nفمن سلك هذا المسلك العظيم استراح من عبودية الخلق ونظره إليهم، وأراح الناس من لومه وذمه إياهم، وتجرد التوحيد في قلبه، فقوي إيمانه، وانشرح صدره، وتنور قلبه، ومن توكل على الله فهو حسبه، ولهذا قال الفضيل بن عياض ﵀: من عرف الناس استراح.\nيريد والله أعلم: أنهم لا ينفعون ولا يضرون].","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>كيفية التخلص من الشرك الخفي</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وأما الشرك الخفي: فهو الذي لا يكاد أحد أن يسلم منه، مثل: أن يحب مع الله غيره فإن كانت محبته لله مثل حب النبيين والصالحين، والأعمال الصالحة فليست من هذا الباب؛ لأن هذه تدل على حقيقة المحبة؛ لأن حقيقة المحبة أن يحب المحبوب وما أحبه، ويكره ما يكرهه، ومن صحت محبته امتنعت مخالفته؛ لأن المخالفة إنما تقع لنقص المتابعة، ويدل على نقص المحبة قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] الآية، فليس الكلام في هذا، إنما الكلام في محبة تتعلق بالنفوس لغير الله تعالى، فهذا لا شك أنه نقص في توحيد المحبة لله، وهو دليل على نقص محبة الله تعالى، إذ لو كملت محبته لم يحب سواه.\nولا يرد علينا الباب الأول؛ لأن ذلك داخل في محبته، وهذا ميزان لم يجر عليك، كلما قويت محبة العبد لمولاه، صغرت عنده المحبوبات وقلّت، وكلما ضعفت كثرت محبوباته وانتشرت.\nوكذا الخوف والرجاء وما أشبه ذلك، فإن كمل خوف العبد من ربه لم يخف شيئًا سواه، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩]، وإذا نقص خوفه خاف من المخلوق، وعلى قدر نقص الخوف وزيادته يكون الخوف كما ذكرنا في المحبة، وكذا الرجاء وغيره، فهذا هو الشرك الخفي الذي لا يكاد أحد أن يسلم منه إلا من عصمه الله تعالى، وقد روي: (أن الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل).\nوطريق التخلص من هذه الآفات كلها: الإخلاص لله ﷿، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، ولا يحصل الإخلاص إلا بعد الزهد، ولا زهد إلا بالتقوى، والتقوى متابعة الأمر والنهى].\nهذه في الحقيقة نصيحة ذهبية جليلة وعظيمة، وقد أوجزها الشيخ في أربع كلمات، وحبذا لو تأملناها وتأملنا أيضًا لوازمها، قال ﵀: (ولا يحصل الإخلاص إلا بالزهد) هذه حقيقة نسيها كثير من الناس خاصة في عصرنا الذي تكاثرت فيه على الناس أسباب الدنيا وبهرجها، حتى أعمت أبصارهم وبصائرهم عن الزهد، وإن المتأمل يجد أن حقيقة الزهد في العباد نادر وعزيز جدًا، ومن هنا نفسر أسباب وكثرة شكاوى الناس من قسوة القلوب، وعدم التأثر بآيات الله ﷿ المقروءة والمنظورة والمسموعة، كما نفسر ما يحدث لكثير من الناس من سرعة التفلت، وسرعة التغير في أحوال الناس فيما بينهم، وقبل ذلك مع ربهم ﷿.\nوالذي نخصه هو ما يحدث كثيرًا بين الناس من الشحناء، وسرعة المنازعة بين أهل الخير، وسرعة الخلاف والفرقة، وما يحدث من تباعد بين الناس في مذاهبهم وفي مقاصدهم وفي غاياتهم وفي اتجاهاتهم؛ لأن الناس كثير منهم يتوخى الإخلاص، لكن ما فعل السبب وهو الزهد، والزهد الذي يعين على الورع يحتاج إلى مجاهدة عظيمة في هذه الدنيا، يعني: كثير من الناس قد يتحرى الزهد، ويجاهد للحصول عليه، لكن عندما يأتي الدنيا وبهرجها، وضغوط المجتمع على الإنسان -أعني: على سمعه وبصره- يشده ذلك إلى عدم الزهد وعدم الورع، ثم إن الزهد يوجب على كل واحد منا أن يفتش عن نفسه إذا كان فعلًا ينشد الزهد والورع، وليعرف أنه لا يحصل على الزهد والورع إلا بالتقوى والمراقبة لله ﷿، وألا يعمل شيئًا حتى يعلم أنه مما يرضي الله ﷿، وليتحرى كل التحري من كل ما يغضب الله ﷿، وليتحرى من المشتبهات التي كثرت على الناس، ويظهر لي أن المشتبهات الآن على المسلمين أكثر من أي زمن مضى في كل الأمور، وليس فقط في الأكل والشرب، بل حتى في الأفكار والمفاهيم والمعاملات، حتى فيما يتعلق بتعامل المسلمين مع غيرهم، وكتعاملهم مع الأشياء والمناهج والأصول والأفكار والأكل والشرب ووسائل الدنيا ووسائل الحياة وغيرها، هذا وقد أصبحت المشتبهات أكثر بكثير من الأمور المحررة بالبينة، وهذه بحد ذاتها فتنة عظيمة، ولأن أعظم أسبابها: انفتاح المسلمين على غيرهم، واختلاط الدنيا بعضها ببعض فهيمنت مناهج ووسائل الكفار على وسائل المسلمين، وجعلت المشتبه هو الأكثر، فلذلك الزهد عزيز، والزهد صعب، لكن من يتق الله يجعل له مخرجًا.\nثم قال: (والتقوى متابعة الأمر النهي)، أي: أن التقوى لابد أن تكون تابعة للأمر والنهي.\nإذًا: فهذه في الحقيقة وصايا وقواعد تهدف من توخاها وفهمها بأصولها الشرعية وبأدلتها، وعمل مخلصًا جاهدًا إلى أن يتوصل إلى الإخلاص لله ﷿.","vol":"9","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>فصل في محركات القلوب إلى الله ﷿</span>\n[فصل: ولابد من التنبيه على قاعدة تحرك القلوب إلى الله ﷿، فتعتصم به، فتقل آفاتها، أو تذهب عنها بالكلية، بحول الله وقوته].\nكأن هذه وصية من الشيخ عما تكلم عنه قبل ذلك بقليل، يعني: تفصيل لمن سأل، وكيف نصل إلى هذه الأمور؟ الشيخ ﵀ بدأ بتفصيل وصية ونصيحة عظيمة أرجو تأملها.","vol":"9","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>أنواع محركات القلوب إلى الله ﷿</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فنقول: اعلم أن محركات القلوب إلى الله ﷿ ثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، وأقواها المحبة].\nبعض أهل العلم من المتأخرين يسمون هذه الثلاثة بأركان العبادة، وليس في ذلك نص من آية أو حديث، وإنما قالوا ذلك بالاستقراء، كما استقرءوا أنواع التوحيد وبعض المسائل العلمية والعقدية من خلال قواعد الشرع ونصوصه، فكذلك بالاستقراء ثبت فعلًا أن العبادة تقوم على هذه الأركان الثلاثة، وغيرها يتبعها.\nفالأول: المحبة، أي: محبة الله ومحبة ما يحبه الله.\nوالثاني: الرجاء، أي: أن يرجو الإنسان ربه، فيرجو ثوابه، ويرجو ما وعد الله به.\nالثالث: الخوف، أي: خشية الله ﷿ وخشية عقابه.\nوبقية الأعمال القلبية ترجع إلى هذه الأركان الثلاثة، ولذلك سماها بعض السلف بأركان العبادة.\nقال رحمه الله تعالى: [وأقواها المحبة، وهي مقصودة تراد لذاتها؛ لأنها تراد في الدنيا والآخرة، بخلاف الخوف فإنه يزول في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]، والخوف المقصود: منه الزجر والمنع من الخروج عن الطريق، فالمحبة تلقي العبد في السير إلى محبوبه].\nقوله: (تلقي)، هذه مجاراة من الشيخ ﵀ لمصطلحات القوم، وهي لغة سليمة وجائزة.\nقال رحمه الله تعالى: [وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده، فهذا أصل عظيم يجب على كل عبد أن يتنبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبدًا لله لا لغيره].","vol":"9","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>محركات القلوب عند عدم المحبة الباعثة على طلب المحبوب وكذلك الخوف والرجاء</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فإن قيل: فالعبد في بعض الأحيان قد لا تكون عنده محبة تبعثه على طلب محبوبه، فأي شيء يحرك القلوب؟ قلنا: يحركها شيئان: أحدهما: كثرة الذكر للمحبوب؛ لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به، ولهذا أمر الله ﷿ بالذكر الكثير، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢].\nوالثاني: مطالعة آلائه ونعمائه، قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان:٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤].\nفإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه، من تسخير السماء والأرض، وما فيها من الأشجار والحيوان، وما أسبغ عليه من النعم الباطنة، من الإيمان وغيره، فلابد أن يثير ذلك عنده باعثًا.\nوكذلك الخوف، تحركه مطالعة آيات الوعيد والزجر والعرض والحساب ونحوه.\nوكذلك الرجاء، يحركه مطالعة الكرم والحلم والعفو.\nوما ورد في الرجاء والكلام في التوحيد واسع، وإنما الغرض التنبيه على تضمنه الاستغناء بأدنى إشارة والله ﷾ أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم].","vol":"9","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>الأسئلة</span>","vol":"9","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>وجه اعتذار شيخ الإسلام عن بعض رموز الصوفية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نستغرب اعتذار الشيخ ﵀ عن بعض رموز الصوفية كـ التستري والقشيري والبسطامي، مع أنه في بعض كلام هؤلاء ما يدل مقتضاه على أنهم يقفون عند الأوامر والنواهي، كقول أبي يزيد: إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء لا تغتروا به حتى تروه عند الأمر والنهي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كلام الأخ صحيح، لكن مع ذلك وجدت عندهم المتناقضات، وهذا مما يحير، هؤلاء العجيب أن كلامهم في التوحيد درر، ولا أقول هذا مبالغة، كلام هؤلاء: أبي يزيد البسطامي والتستري وابن أبي الحواري والجنيد ومن سبقهم ومن جاء بعدهم قبل وجود الطرقية، بعد وجود الطرقية اختلف الحال في الحقيقة إلا القليل، فكان كلامهم في الدفاع عن العقيدة وفي تقريرها وفي تجلية معانيها درر تكتب بماء الذهب، وكنت أتمنى لو يتفرغ بعض طلاب العلم لالتقاط درر من كلام هؤلاء في العقيدة، تؤصل منهج السلف بأساليب واضحة وموجزة وبأصالة شرعية، لكن مع ذلك عندهم متناقضات، كيف يكون هذا؟ الله أعلم، فهم أذكياء وأصحاب قدرات عقلية كبيرة جدًا، لكن كانت عندهم بدع فلسفية، ونوع من الجهل ببعض أصول السنة جعل عندهم هذه المتناقضات، ومع ذلك فأنا لا أحكم فيهم، بالرغم أني قد قرأت وبحثت في هذا الموضوع، ولم أستطع أن أصل إلى نتيجة بينة، والأمر محير يحتاج إلى مزيد بحث لمن هم أقدر وأفضل.","vol":"9","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>حكم تعارض الزهد في الوقت الحاضر مع التجارة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يتعارض الزهد في الوقت الحاضر مع التجارة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  في الحقيقة الأمر يحتاج إلى تفصيل؛ لأنه مما يلتبس على البعض، والأصل أن الزهد لا يتنافى غالبًا مع التجارة، لكن قد يتنافى مع التجارة عند بعض الناس، وهذا أمر.\nالأمر الآخر: ما هو مفهوم التجارة؟ هل هي التجارة التي تعني تحصيل الدنيا وجمعها على غير أصول شرعية، وبأي طريق كان، ثم عدم القيام بحق المال؟! لا، فليست هذه تجارة مباحة أو تجارة سليمة، وإنما التجارة هي التي هيأها الله للعبد بدون تكلف كبير، وبدون أن يغفل عن ذكر الله وشكره، وتؤدي إلى أن يؤدي للمال حقه، فهذه تجارة يهبها الله ﷿ لمن يشاء، وهي نادرة في العباد والزهاد الكبار على مدار التاريخ، لكن في الغالب أن الذين يجمعون بين التجارة والزهد هم الأكمل من خلقه، فهذا أبو بكر ﵁ تاجر وزاهد، وأفضل الخلق بعد النبيين، بل أغلب العشرة المبشرين بالجنة قد اشتغلوا بالدنيا والعبادة والزهد، مع أنه لا ينبغي لكل مسلم أن يقيس نفسه على هؤلاء، فهؤلاء أصحاب مواهب عالية، وأين نحن منهم؟ نحن مساكين يستهوينا الدرهم والدينار والريال، فتضحك لنا الدنيا فنضحك ونجري وراءها؛ لأننا لسنا كأولئك القوم، لكن إن وجد من العباد من هو مثل هؤلاء ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ولكن ثق أنه لا يكون من الذين بيتوا قصد التجارة، لكنهم عملوا بمقتضى ما أمر الله به من السعي في الدنيا، فسعوا فجاءتهم طائعة، وجاءهم الزهد بما وفقهم الله به.\nومن المناسب أن أنبه إلى ما يحدث عند بعض طلاب العلم من الانجراف إلى الدنيا، وهي في الحقيقة من الأشياء والظواهر التي كثرت في الآونة الأخيرة، وهي فلسفة قال بها بعض الناس، ولذا فالذي ينبغي لطلاب العلم أن تكون الدنيا بأيديهم؛ لئلا يكونوا عالة على غيرهم، لكن لا تكون الدنيا هي همهم العظيم، فذلك خطير، فطالب العلم الآن إذا فرغ نفسه للعلم والدعوة سخر الله له الدنيا وأهل الدنيا، وأنا أخشى إذا تفرغ للدنيا أن يخسر العلم والدنيا والدين، أو يخسر على الأقل أكثرها، وأقول هذا وأنا أكاد أجزم به: أن مما أخافه على طلاب العلم والدعاة أن ينجرفوا في أعمال الدنيا، والكفاف يكفيهم، أما أن يدخلوا في مشاريع تستحوذ على جهودهم وطاقاتهم وأعصابهم فهذا مسلك خطير، ودعوى: أنه ينبغي أن يكون بيد أهل الخير المال، أقول: هذه ساقطة، اللهم إلا النادر القليل؛ لأن طالب العلم والداعي إلى الله ﷿ إذا ملك قلوب الناس بعلمه ودعوته ملك الدنيا وأصحاب الدنيا، فهذا النبي ﷺ ملك الدنيا وأصحاب الدنيا، فكان ﵊ يعطى المائة من الإبل فيصرفها في وقت واحد، وما مات ﵊ إلا والأمة المسلمة تملك الدنيا من حولها، وكان النبي ﷺ يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وما سعى ﷺ يومًا في تجارة، وإنما جاءته الدنيا طائعة، فدانت له القبائل بما تملك من المال، ثم بعد ذلك دانت الدنيا كلها للمسلمين، حتى فارس والروم اللتان تملكان أغلى الكنوز سخرهما الله للمسلمين، لا بسعيهم للتجارة وإنما بجهادهم في سبيل الله وبتعليمهم العلم، وهكذا ينبغي أن يكون هذا المبدأ، وأنا أقول: لا حرج على طالب العلم أن يسعى في الدنيا، لكن لا يكون هذا التوجه لطلاب العلم.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"9","page":14},{"text":"شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-121>[١٠]</span>\nالشرك في هذه الأمة باعتبار أعمال الناس وأحوالهم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: شرك في العبادة والتأله، وشرك في الطاعة والانقياد، وشرك في الإيمان والقبول، وينطبق هذا التقسيم على مسالك أكثر الذين ضلوا في التوحيد من هذه الأمة.","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>أنواع الشرك الثلاثة باعتبار أعمال الناس وأحوالهم</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد: فلا زلنا مع الفتاوى لـ شيخ الإسلام وفي مسألة العبودية وحقيقتها وأنواعها، وسيكون درسنا لهذا اليوم مخصص في الفصل الذي خصصه شيخ الإسلام في مسألة الخشية والخوف، وله ﵀ في هذا الفصل وقفات عظيمة جدًا، وفقه ينبغي أن نستفيد منه.\nولذلك يحسن أن نقف عند بعض المسائل الدقيقة لعنصرتها، وبيان ما بينها من ترابط؛ لأنها مجملة ومركزة كما سترون.\nقال شيخ الإسلام ﵀: [فصل: ذكر الله عن إمامنا إبراهيم خليل الله أنه قال لمناظريه من المشركين الظالمين: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨١ - ٨٢].\nوفي الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود (أن النبي ﷺ فسر الظلم بالشرك وقال: ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣])، فأنكر أن نخاف ما أشركوهم بالله من جميع المخلوقات العُلْويات والسفليات، وعدم خوفهم من إشراكهم بالله شريكًا لم ينزل الله به سلطانًا، وبين أن القسم الذي لم يشرك هو الآمن المهتدي.\nوهذه آية عظيمة تنفع المؤمن الحنيف في مواضع، فإن الإشراك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، دع جليله، وهو شرك في العبادة والتأله، وشرك في الطاعة والانقياد وشرك في الإيمان والقبول].\nهذه ثلاثة أنواع من الشرك سيفصل فيها شيخ الإسلام بعد قليل ويضرب لها أمثلة، وهي في الحقيقة من أدق الفهوم التي قرأتها في مفهوم الشرك، وفي تطبيق أنواع الشرك وأقسامه على أنواع أعمال البشر القلبية والعملية، ويستفيد منها من تأملها؛ لأنها تنظم جميع أنواع الشرك التي تحدث من الناس، سواء من ذلك الشرك الأصغر والشرك الخفي، أو الشرك الأكبر؛ يدخل في هذا أنواع الشرك الأكبر والأصغر.\nوهذا التقسيم تقسيم بحسب أحوال أعمال الناس، وينطبق هذا التقسيم الذي سيأتي على مسالك أكثر الذين ضلوا في التوحيد من هذه الأمة، أو من فرق هذه الأمة التي فارقت السنة والجماعة كما سيأتي.","vol":"10","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>النوع الأول: شرك العبادة والتأله</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فالغالية من النصارى والرافضة وضلال الصوفية والفقراء والعامة يشركون بدعاء غير الله تارة، وبنوع من عبادته أخرى، وبهما جميعًا تارة، ومن أشرك هذا الشرك أشرك في الطاعة].\nأقسام الشرك التي أشار إليها الشيخ هي: الأول: شرك في العبادة والتأله.\nالثاني: شرك في الطاعة والانقياد.\nالثالث: شرك في الإيمان والقبول، ويعني بذلك الشرك في التصديق، أي: أن يصدق في دين الله ﷿، أو فيما يتعبد به من أقوال وأفعال.\nوإما أن يصدق غير النبي ﷺ فهذه مسألة خفية تحتاج إلى تأمل وتدبر؛ لأنها تقع في الناس كثيرًا، ولا ينتبهون أنها من أنواع الشرك، وسيشرحها الشيخ بعد قليل.\nوأعود فأقول: ينبغي أن نتأمل هذه الأنواع الثلاثة؛ لأن الشيخ سيمثل لها ويعيدها مرة أخرى.\nوالأول قد تكلم عنه وضرب له مثلًا في غالية النصارى، ثم غالية الرافضة والتصوف، والفقراء: وهم طائفة من الصوفية العباد النساك، وليس المقصود بهم فقراء المال.\nإذًا: فهم طائفة من العباد والنسَّاك الذين عندهم مبالغة في التنسك إلى حد ترك طلب العيش، والعيش على الكفاف أو على التسول.\nوالعامة، أي: عوام الناس الذين يخطئون في مفهوم هذا التوحيد.\nوأما قوله: (ومن أشرك هذا الشرك أشرك في الطاعة)، أي: أنه يستلزمه، فمن أشرك شرك التأله والعبادة وقع في الشرك الثاني، أي: شرك الطاعة، وهذا بالضرورة.","vol":"10","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>النوع الثاني: شرك الطاعة والانقياد لغير الله ﷿</span>\nوأما النوع الثاني: فهو شرك الطاعة والانقياد لغير الله ﷿.\nقال رحمه الله تعالى: [وكثير من المتفقهة وأجناد الملوك].\nهذا هو النوع الثاني.\nقال رحمه الله تعالى: [وأتباع القضاة والعامة المتبعة لهؤلاء يشركون شرك الطاعة، وقد (قال النبي ﷺ لـ عدي بن حاتم ﵁ لما قرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١]، فقال: يا رسول الله! ما عبدوهم، فقال: ما عبدوهم، ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم).\nفتجد أحد المنحرفين يجعل الواجب ما أوجبه متبوعه، والحرام ما حرمه، والحلال ما حلله، والدين ما شرعه، إما دينًا وإما دنيا، وإما دنيا ودينًا، ثم يخوف من امتنع من هذا الشرك، وهو لا يخاف أنه أشرك به شيئًا في طاعته بغير سلطان من الله، وبهذا يخرج من أوجب الله طاعته من رسول وأمير وعالم ووالد وشيخ وغير ذلك].\nيعني بذلك: أنه يخرج من الطاعة الممنوعة من أوجب الله طاعته، وهؤلاء لا تعد طاعتهم من الطاعة الممنوعة كالرسل، وطاعة الأمراء بالمعروف، وطاعة العالم أيضًا بالاهتداء والاقتداء، وطاعة الوالد بالمعروف، واتباع الشيخ بالمعروف، أي: على نهج سليم أو مع الدليل.\nفهذه الأمور مما أمر الله به، أي: طاعة هؤلاء بشروطها، إذ هي من الطاعة التي أمر الله بها.","vol":"10","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>النوع الثالث: شرك التصديق</span>\nوأما الشرك الثالث، أعني: شرك التصديق، فهو أخذ الخبر وتصديقه في أمر الدين أو في أمر التشريع، وفيما يتعبد به عن غير الكتاب والسنة، وهذا يفعله كثير من عوام الفرق، فيصدقون شيوخهم الذين يكذبون على رسول الله ﷺ، ويضعون في الدين أشياء من عندهم، فيصدقونهم بمجرد دعاوى لا أصل لها، وليس عندهم على ذلك برهان ودليل.\nقال رحمه الله تعالى: [وأما الشرك الثالث فكثير من أتباع المتكلمة والمتفلسفة، بل وبعض المتفقهة والمتصوفة، بل وبعض أتباع الملوك والقضاة يقبل قول متبوعه فيما يخبر به من الاعتقادات الخبرية، ومن تصحيح بعض المقالات وإفساد بعضها، ومدح بعضها وبعض القائلين، وذم بعض بلا سلطان من الله، ويخاف ما أشركه في الإيمان والقبول، ولا يخاف إشراكه بالله شخصًا في الإيمان به، وقبول قوله بغير سلطان من الله.\nوبهذا يخرج من شرع الله تصديقه من المرسلين والعلماء المبلغين، والشهداء الصادقين وغير ذلك].\nلأن طاعة هؤلاء واتباعهم إنما هي بأمر الله ﷿، فطاعة المرسلين بأمر الله، وطاعة العلماء الراسخين في العلم فيما عليه دليل أو برهان، وكذلك الشهداء والصادقين، أي: الذين أخلصوا الدين لله، وصدقوا في نقلهم عن الله ﷿، فهؤلاء يصدقون.\nإذًا: فقوله: (وبهذا يخرج)، أي: يخرج من المنع الذي يوقع في الشرك، أي: شرك التصديق.","vol":"10","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>أقسام الطاعة والتصديق</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فباب الطاعة والتصديق ينقسم إلى مشروع في حق البشر وغير مشروع].\nقوله: (وأما) تفصيل لغير المشروع.","vol":"10","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>غير المشروع في باب الطاعة والتصديق</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وأما العبادة والاستعانة والتأله فلا حق فيها للبشر بحال، فإنه كما قال القائل: ما وضعت يدي في قصعة أحد إلا ذللت له.\nولا ريب أن من نصرك ورزقك كان له سلطان عليك].\nهذه معان دقيقة أرجو تأملها؛ لأن كثيرًا من الناس يغفل عنها في مسألة الاستعانة بالخلق، وفي مسألة مد اليد إليهم والطمع بما عندهم، إذ إنها من أعظم أسباب ضعف الورع في النفس، ومن أعظم أسباب قسوة القلوب، ومن أعظم أسباب عدم الانصياع لأوامر الله ﷿، وربما يكون هذا أيضًا من الأمور التي جرت إلى أشياء كثيرة في عبادات الناس وأعمالهم وتعاملهم مع بعضهم، لذا فأرجو تأملها جيدًا؛ لأنها غالبة في أحوال الناس اليوم وخاصة فيما يتعلق بالمصالح والمنافع، وعلاقات الناس التي تبنى على ذلك.\nإذًا: ففيها معان دقيقة ذكرها الشيخ من فقهه في هذه العقيدة، فأرجو تأملها وتطبيقها على أحوال الناس؛ لعلنا نستفيد منها.\nقال رحمه الله تعالى: [فالمؤمن يريد ألا يكون عليه سلطان إلا لله ولرسوله، ولمن أطاع الله ورسوله، وقبول مال الناس فيه سلطان لهم عليه، فإذا قصد دفع هذا السلطان].\nأي: إذا قصد بالاستغناء عن مالهم دفع هذا السلطان كان حسنًا، والعبارة تحتاج إلى تفصيل، وكأن هذا استثناء منه.","vol":"10","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>المقاصد الحسنة والفاسدة في ترك قبول أموال الناس</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فإذا قصد دفع هذا السلطان وهذا القهر عن نفسه كان حسنًا محمودًا يصح له دينه بذلك، وإن قصد الترفع عليهم والترؤس والمراءاة بالحال الأولى كان مذمومًا، وقد يقصد بترك الأخذ غنى نفسه عنهم ويترك أموالهم لهم.\nفهذه أربع مقاصد صالحة: غنى نفسه، وعزتها حتى لا تفتقر إلى الخلق ولا تذل لهم، وسلامة مالهم ودينهم عليهم حتى لا تنقص عليهم أموالهم].\nذكر الشيخ ﵀ أربعة مقاصد صالحة، أي: في عدم الانتفاع من الناس: أولًا: غنى نفسه.\nثانيًا: عزتها؛ حتى لا تفتقر إلى الخلق ولا تذل لهم.\nثالثًا: سلامة مالهم.\nرابعًا: سلامة دينهم.\nقال رحمه الله تعالى: [وسلامة مالهم ودينهم عليهم حتى لا تنقص عليهم أموالهم، فلا يذهبها عنهم، ولا يوقعهم بأخذها منهم فيما يكره لهم من الاستيلاء عليه، ففي ذلك منفعة له ألا يذل ولا يفتقر إليهم، ومنفعة لهم أن يبقي لهم مالهم ودينهم، وقد يكون في ذلك منفعة بتأليف قلوبهم بإبقاء أموالهم لهم حتى يقبلوا منه، ويتألفون بالعطاء لهم، فكذلك في إبقاء أموالهم لهم، وقد يكون في ذلك أيضًا حفظ دينهم، فإنهم إذا قبل منهم المال قد يطمعون هم أيضًا في أنواع من المعاصي، ويتركون أنواعًا من الطاعات، فلا يقبلون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي ذلك منافع ومقاصد أخر صالحة.\nوأما إذا كان الأخذ يفضي إلى طمع فيه حتى يستعان به في معصية أو يمنع من طاعة، فتلك مفاسد أخر، وهي كثيرة ترجع إلى ذله وفقره لهم، فإنهم لا يتمكنون من منعه من طاعة إلا إذا كان ذليلًا أو فقيرًا إليهم، ولا يتمكنون هم من استعماله في المعصية إلا مع ذله أو فقره، فإن العطاء يحتاج إلى جزاء ومقابلة، فإذا لم تحصل مكافأة دنيوية من مال أو نفع، لم يبق إلا ما ينتظر من المنفعة الصادرة منه إليهم.\nوللرد وجوه مكروهة مذمومة، منها: الرد مراءاة بالتشبه بمن يريد غنى وعزة ورحمة للناس في دينهم ودنياهم].\nكما ذكر الشيخ هناك أربعة مقاصد حسنة، سيذكر هنا الوجوه المذمومة، أو أربعة مقاصد فاسدة.\nقال رحمه الله تعالى: [ومنها: التكبر عليهم والاستعلاء حتى يستعبدهم ويستعلي عليهم بذلك، فهذا مذموم أيضًا.\nومنها: البخل عليهم، فإنه إذا أخذ منهم احتاج أن ينفعهم ويقضي حوائجهم، فقد يترك الأخذ بخلًا عليهم بالمنافع.\nومنها: الكسل عن الإحسان إليهم، فهذه أربع مقاصد فاسدة في الرد للعطاء: الكبر والرياء والبخل والكسل].\nهنا قد حدد الأربعة المقاصد الفاسدة في الرد للعطاء، لكن قد تكون غير متميزة.","vol":"10","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>حال السلف في ترك قبول المال من الآخرين وقبول أخذه</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فالحاصل: أنه قد يترك قبول المال لجلب المنفعة لنفسه، أو لدفع المضرة عنها، أو لجلب المنفعة للناس، أو دفع المضرة عنهم، فإن في ترك أخذه غنى نفسه وعزها، وهو منفعة لها، وسلامة دينه ودنياه مما يترتب على القبول من أنواع المفاسد، وفيه نفع الناس بإبقاء أموالهم ودينهم لهم، ودفع الضرر المتولد عليهم إذا بذلوا بذلًا قد يضرهم، وقد يتركه لمضرة الناس، أو لترك منفعتهم، فهذا مذموم كما تقدم، وقد يكون في الترك أيضًا مضرة نفسه أو ترك منفعتها، إما بأن يكون محتاجًا إليه فيضره تركه، أو يكون في أخذه وصرفه منفعة له في الدين والدنيا، فيتركها من غير معارض مقاوم، فلهذا فصلنا هذه المسألة، فإنها مسألة عظيمة، وبإزائها مسألة القبول أيضًا، وفيها التفصيل، لكن الأغلب أن ترك الأخذ كان أجود من القبول، ولهذا يعظِّم الناس هذا الجنس أكثر، وإذا صح الأخذ كان أفضل، أعني: الأخذ والصرف إلى الناس].\nكما كان يفعل الإمام أحمد ﵀، إذ كان من دأبه رد هدايا الأمراء والسلاطين، لكنه مرة أخذها ووزعها على الناس، أو أكثر من مرة فيما أذكر، وعلل ذلك في بعض المواقف التي أخذ فيها المال أنه خشية سوء الظن من السلطان به، أو أن يبني على ذلك أحكامًا تضر بأهل العلم، فأخذ المال ووزعه والناس يرون ويشاهدون.\nفهذه صورة من الصور، وهذا من فقه السلف، فقد كانوا يتورعون عن أخذ الهدايا والعطايا، لكنه ليس ذلك دائمًا، بل إذا رأوا أن في رد الهدية مضرة، أو رأوا أن في أخذ الهدية مصلحة لأناس آخرين، كأن يكون هناك فقراء محتاجون، وفي أخذ الهدية لإعطائها إياهم مصلحة؛ فإن هذا أمر معتبر.\nوبالمناسبة أحب أن أطبق بعض ما ذكره الشيخ على حالنا اليوم، وذلك فيما يتعلق بمسألة المنافع المتبادلة بين الناس، إذ أصبحت العلاقة بين الناس الآن في الغالب مبنية على تبادل المنافع، فتجد أكثر الناس يحرص على أن يعطي ليأخذ، أو أن ينفع ليكسب، أو أن يساعد احتياطًا لحاجته في المستقبل، أو أن يسعى لتحسين علاقاته بالآخرين؛ لأنه يرى أن هذا سينفعه عند الحاجة في الحال أو المآل، وهذه كلها مقاصد أحيانًا تضعف الإيمان في القلب، وتقسي القلوب، وتضعف المعاني القلبية التي ذكرها الشيخ، بل إن هذه مقاصد شر، والطامة أنها أصبحت من الأعراف والعادات، بل وغفل عنها كثير من طلاب العلم والوعاظ، مما أدى إلى ضياع بعض المعاني الشرعية، أو فقدناها إلا نادرًا.\nومن ذلك فقدان الزيارة في الله ﷿، فالآن أكثر الناس إذا زاره أحد من إخوانه أو أصدقائه أو جيرانه، أو ممن يعرفه أو لا يعرفه، فإن أول ما يرِدُ في ذهنه أن له حاجة؛ لأن الزيارة في الله قد انعدمت، وما كان ينبغي أن يكون ذلك، بل ينبغي لطلاب العلم الذين يعرفون هذه المعاني أن يكونوا قدوة للناس في هذا الأمر، وأن يكثروا من الزيارات في الله ﷿، فإن الزيارة في الله كادت أن تفقد، مع أنها في السابق كان لها معنى عظيم، وكانت تمارس بشكل ظاهر بين الناس يعرفها الصغير والكبير، والجاهل والعالم.\nوالأعجب أننا اليوم إذا تحدثنا عن مسألة الزيارة في الله فكأنها مسألة تاريخية تُذكر للصالحين سابقًا، وهذا هو الواقع.\nأيضًاَ من الظواهر السيئة الموجودة عندنا بسبب ذلك: قلة المجالسة على مبدأ الجلساء الصالحين، فتجد المجالسة والمخالطة بيننا أحيانًا، أو اختيار الأصدقاء والجلساء للشخص قد لا تكون مبنية على اختيار الجلساء الصالحين بالمعنى الدقيق، وإنما مبنية على الحاجة، والتحسب للطوارئ ونحو ذلك، وهذه مسألة تضعف الأعمال القلبية.\nومن ذلك أيضًا: ضعف الحسبة في تبادل المنافع بين الناس، فتجد أكثر ما يعمله الناس حتى من أعمال الخير أحيانًا لا يكون فيه شيء من الحسبة، أو الأمر مختلط فيه بين المقاصد وبين الاحتساب، حتى إن أكثر الناس الآن يفسرون أعمال البر بأن المقصود بها تحسين العلاقة بين الطرفين، وهذه مسألة يجب أن يتنبه لها، ثم إن هذا يؤدي إلى ضعف المقاصد الشرعية في قلوب الناس، وفي علاقاتهم مع بعضهم البعض، وفي تبادل المنافع بينهم.\nفضعف الحب في الله، وضعفت معاني الألفة والاجتماع والجماعة؛ لأن الناس قد تنافرت قلوبهم بسبب أن أكثرهم يظن أن ما يأتيه من إخوانه من منافع -حتى في أعمال الحسبة وغيرها- غالبًا تكون لمقاصد دنيوية.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"10","page":9},{"text":"شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-130>[١١]</span>\nالاستغاثة التي لا تكون إلا بالله لا يجوز صرفها لغيره سبحانه، لا لنبي مرسل ولا لملك مقرب ولا لصالح من الصالحين، كل ذلك حفاظًا لجناب التوحيد، وبعدًا عن الشرك بالله الذي هو أعظم الذنوب، فينبغي على المسلم البعد عن كل ما يخدش توحيده وإيمانه بالله تعالى.","vol":"11","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>شبهات القائلين بجواز الاستغاثة بالنبي ﵊ وسائر الأنبياء والصالحين</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nأما بعد: فبعون الله وتوفيقه نستأنف دروسنا في مجموع الفتاوى المجلد الأول، وسيكون موضوع هذا الدرس متعلق بنوع من أنواع العبودية، ألا وهو الاستعانة وعلاقتها بالاستغاثة، وهل بين الاستعانة والاستغاثة فرق أم لا؟ وبيان ما ينافي التوحيد أو ما ينافي كمال التوحيد في صورتي الاستغاثة والاستعانة بغير الله ﷿.\nومنشأ جواب شيخ الإسلام عن سؤال طويل تضمَّن بعض الإشكالات والجواب عليها، والعجيب أن السؤال يبدو أنه من عالم أو طالب علم متمكن كما سترون، ولذلك كان أحيانًا يعرض السؤال عرض الفاهم، وأحيانًا عرض المستفهم، وأحيانًا يتضمَّن السؤال بعض الجواب.\nقال رحمه الله تعالى: [سئل الشيخ ﵀ عمن قال: يجوز الاستغاثة بالنبي ﷺ في كل ما يستغاث الله تعالى فيه، على معنى أنه وسيلة من وسائل الله تعالى في طلب الغوث، وكذلك يستغاث بسائر الأنبياء والصالحين في كل ما يستغاث الله تعالى فيه].\nهذه الفقرة قد تضمَّنت شبهة فيها غموض أثرت في مفهوم كثير من الناس قديمًا وحديثًا بعد القرون الثلاثة الفاضلة، بينما قبل القرون الثلاثة لم يكن هذا من الإشكالات، حتى إن بعض العلماء التبس عليه الأمر، فأجاب بما يخل بالتوحيد، وهذه المسألة هي الاستعانة والاستغاثة بالمخلوق عمومًا، وبالنبي ﷺ على وجه الخصوص، فهل هي وسيلة مباحة أو غير مباحة؟ أو اتخاذ النبي ﷺ وسيطًا في دعاء الرب ﷿، ويسمونه: الوسيلة.\nلذا فأقول: إن هذه المسألة عند التحقيق -بصرف النظر عن جزئياتها وفروعها- نجد أنها من الشركيات الصريحة في أصلها، لكن قد يختلف الناس في المفاهيم، وقد يجهل بعض الناس أنها شركية، وربما يبدع هذا النوع، أعني: اتخاذ الواسطة بين الله ﷿ وبين المخلوق، أيًا كانت هذه الواسطة من المخلوقات، فإن ذلك شرك.\nوالصورة المباحة منه لا تسمى في الحقيقة واسطة بالمخلوق، وأعني بالصورة: كون الإنسان يتخذ أعماله الصالحة وسيلة عند الله ﷿، فهذا في الحقيقة هو محض العبادة الحقة، والأعمال الصالحة وسيلة عند الله ﷿؛ وهي بذاتها مطلوبة من الله، وهي بذاتها موجهة إلى الله ﷿.\nودعوى بعض الناس: أن الدعاء صار واسطة أو وسيلة هو في الحقيقة عبث بالألفاظ، أو أنها أعمال صالحة قصد بها وجه الله، فالأعمال الصالحة التي يعملها الإنسان لوجه الله ﷿ هي من الوسيلة؛ لأنها في حد ذاتها عبادة، لكن لم يتخذ المخلوق فيها واسطة بينه وبين الله، وإنما عبد الله بنفسه، أعني: عبده بدعائه، عبده بالعمل الصالح المخلص، عبده بالنية الصالحة، فهذه هي العبادة في الحقيقة.\nوتسميتها الوسيلة فيها نوع من العبث كذلك ما أبيح من طلب دعاء الرجل الصالح، وهو أكثر إشكالًا، وهو الذي اتخذه كثير من المبتدعة ذريعة للشرك، إذ إن طلب الدعاء من الرجل الصالح من الوسيلة المباحة، ولم يكن في هذه الصورة عند التحقيق اتخاذ العبد ذلك الإنسان الصالح واسطة بينه وبين الله.\nفالعبد الصالح ليس هو بذاته واسطة، وإنما هذا الإنسان طلب من رجل صالح آخر أن يدعو له، فكانت الصورة الحقيقية أن ذلك الرجل الداعي طلب من الله مباشرة، وعلى هذا فيكون طالب الدعاء توجه بقلبه إلى الله ليستجيب دعاء ذلك الرجل الآخر.\nوهذه لولا أنها توقيفية لكانت على القياس العام لا تصح؛ لكن نظرًا لأنها جاءت عن النبي ﷺ وأقرها، وعمل بها وعمل بها الصحابة، لكانت من المتشابهات على الأقل، لكن لما أقرت شرعًا عرفنا وجه إقرارها، وهو: أن الإنسان الذي طلب من الرجل الصالح لم يطلبه بذاته، وإنما طلب دعاءه، فصارت الوسيلة هي أن ذلك الداعي دعا الله مباشرة، والطالب للدعاء طلب من الله أن يستجيب دعاء ذلك الداعي، أو رجا من الله وتعلق قلبه بالله في أن يستجيب دعاء ذلك الرجل الصالح، فهذه صورة تختلف عن بقية الصور المشتبهة التي ستأتي من خلال هذا السؤال.\nلذا فينبغي تحرير هذه المسألة والرجوع فيها إلى كتب أهل العلم، خاصة (التوسل والوسيلة) لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد حرر هذه المسألة تحريرًا قويًا، وحشد لها الأدلة من القرآن والسنة وأقوال السلف وأعمالهم وتقريراتهم، فكان تفسيرها أشبه بالإجماع الذي لا ينبغي أن يحاد عنه.\nقال رحمه الله تعالى: [وأما من توسل إلى الله تعالى بنبيه في تفريج كربة فقد استغاث به، سواء كان ذلك بلفظ الاستغاثة أو التوسل أو غيرهما مما هو في معناهما، وقول القائل: أتوسل إليك يا إلهي برسولك! أو أستغيث برسولك عندك أن تغفر لي استغاثةٌ بالرسول حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم].\nهذا الجزء من السؤال يقصد به السائل: أن هناك أناسًا يزعمون أنه لا فرق بين الاستغاثة والاستعانة، أو الاستغاثة والتوسل، وأنها كل","vol":"11","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>جواب شيخ الإسلام عن شبهات القائلين بجواز الاستغاثة بالنبي ﷺ وغيره</span>\nبدأ شيخ الإسلام ﵀ في الجواب عن هذا السؤال، فجمع هذه القضايا أو الصور الأربع عشرة في أصول فند بعضها مع بعض، كما نجد أن بعض المسائل -ثلاث أو أربع مسائل- جوابها واحد، وبعض المسائل قد فصل في جوابها على أكثر من وجه، لأن السؤال في الحقيقة فيه خلط، وقد اجتمع الخلط فيه من وجهين: الوجه الأول: من جهة السائل، فقد كان يظهر أنه من أهل الحق، فيذكر مداخلاته على السؤال، وهذا مما جعل السؤال متشتتًا.\nالوجه الثاني: أنه قد جمع شبهات المبتدعة وهي متفرقة ومتفاوتة، وليس بينها نظام ينظمها؛ ولذلك جاء السؤال من أشتات مسائل متفرقة ومن مداخلات السائل؛ لأن السائل نفسه يظهر أن عنده شيئًا من الفقه في الدين، بدليل أنه كان يوجه أحيانًا الأسئلة ويجب عليها ضمنًا.\nفالشيخ ﵀ وضع قواعد تنظم جميع الأمور السابقة بصرف النظر عن مفرداتها، كما أنه قد أجاب على بعض رءوس المسائل، وأدخل البعض الآخر في هذه الرءوس.\nقال رحمه الله تعالى: [\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الحمد لله رب العالمين.\nلم يقل أحد من علماء المسلمين: إنه يستغاث بشيء من المخلوقات في كل ما يستغاث فيه بالله تعالى، لا بنبي ولا بملك ولا بصالح ولا غير ذلك].\nهذا في الحقيقة جواب مجمل محكم، وقاعدة عامة لا يجوز الاستثناء منها إلا بدليل، وسيذكر الاستثناء منها على سبيل التجوز، فيسمى توسلًا، وهو ما حدث من توسل الأعمى بدعاء النبي ﷺ، وكذلك توسل الصحابة بدعاء العباس والأسود بن يزيد ﵄، وهو توسل بدعائهم جزمًا؛ لأن القصة حدثت على هذا الوجه.\nفالشيخ قعد هذه القاعدة، ولا يستثنى منها إلا صورًا تسمى توسلًا تجوزًا، أو بشرط مفهومها المعلوم بالضرورة؛ لأنها واقعة حدثت وفسرت بنوع معين من التوسل.\nقال رحمه الله تعالى: [بل هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاقه.\nولم يقل أحد: إن التوسل بنبي هو استغاثة به، بل العامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بأمور كقول أحدهم: أتوسل إليك بحق الشيخ فلان].\nجواب الشيخ تضمن عدة مسائل: المسألة الأولى: قوله: (لم يقل أحد من علماء المسلمين)، فهذه القاعدة العامة الأولى.\nالقاعدة الثانية: قوله: (بل هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام).\nأي: أنه لا يستغاث بأحد من المخلوقين فيما لا يستغاث به إلا الله، فجعل ذلك من المعلوم بالضرورة، وليس الأمر فقط اتفق عليه العلماء، وبهذا يكون قد نفى أن يقول أحد من علماء المسلمين المعتبرين بهذا القول.","vol":"11","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>الفرق بين التوسل بالنبي ﵊ والاستغاثة به</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ولم يقل أحد: إن التوسل بنبي هو استغاثة به، بل العامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بأمور كقول أحدهم: أتوسل إليك بحق الشيخ فلان، أو بحرمته، أو أتوسل إليك باللوح والقلم، أو بالكعبة أو غير ذلك مما يقولونه في أدعيتهم، يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور، فإن المستغيث بالنبي ﷺ طالب منه وسائل له، والمتوسل به لا يدعى ولا يطلب منه ولا يسأل، وإنما يطلب به، وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به].\nقوله: (وإنما يطلب به)، أي: يطلب من الله ﷿ أن يستجيب دعاءه في ذلك المطلوب، وهذا وجه مشروع، وعلى هذا فإنه لم يرد دليل من الشرع، أو أن أحدًا من أهل العلم أجاز الاستغاثة بالمخلوق، لا بنبي ولا بصالح ولا غيره، وأن هذا النوع -أي: الاستغاثة بالمخلوق- داخل في عموم الشركيات، وأنه داخل دخولًا أوليًا في نوع من أنواع شرك المشركين الذين ذكرهم الله ﷿ في كتابه بقولهم في شبهتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فكلمة: (ما نعبدهم) عامة يدرج تحتها التوسل والدعاء والتعظيم والتقديس، كما يندرج تحتها ادعاء أن هؤلاء لهم تصريف فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ وكل ذلك لأن العبادة معناها واسع، وأول العبادة هو الدعاء الذي هو محل الإشكال، ولذلك العرب الأوائل الذين تنزل عليهم القرآن فقهوا معنى هذه الآية، ولم يضيع معناها إلا بعد القرون الثلاثة الفاضلة، وذلك حينما كثرت العجمة وقل فقه الناس بالعربية، وحتى العرب ضعف فقههم العربي، وإلا فالآية صريحة في اتخاذ الوسائط والوسائل وما عليه المبتدعون في قوله ﷿ عن طائفة من المشركين بأنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فجعلوا الغاية التقرب إلى الله، لكنهم أشركوا باتخاذهم هذه الوسائط، والآية صريحة، فهي تضم كل نوع من أنواع اتخاذ الوسائط أيًا كان هذا التبرير.","vol":"11","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>معنى الاستغاثة والاستعانة والنصرة والفرق بينهما وما يجوز طلبه من المخلوق</span>\nقال رحمه الله تعالى: [والاستغاثة: طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار: طلب النصر، والاستعانة طلب العون، والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه منها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ﴾ [الأنفال:٧٢]، وكما قال: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥]].\nهذه الفروق تعتبر وجهًا رابعًا من الجواب، والاستغاثة ليست بمعنى الاستعانة من كل وجه، وعليه فهذه الفروق تبين أن بين الحالتين فروقًا في المعنى والحكم.\nقال ﵀: [وكما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢].\nوأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يطلب إلا من الله، ولهذا كان المسلمون لا يستغيثون بالنبي ﷺ ويستسقون به ويتوسلون به، كما في صحيح البخاري: (أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بـ العباس وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا؛ فيسقون).\nوفي سنن أبي داود: (أن رجلًا قال للنبي ﷺ: إنا نستشفع بالله عليك، ونستشفع بك على الله، فقال: شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه)، فأقره على قوله: (نستشفع بك على الله) وأنكر عليه قوله: نستشفع بالله عليك].\nوهذه صورة خامسة من صور هذا الموضع، ولها حكمها بالتفصيل.","vol":"11","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>الفرق بين الشفاعة في الآخرة والشفاعة في الدنيا وحكم الشفاعة عند الوعيدية</span>\nوهذا السادس من صور الفروق.\nقال رحمه الله تعالى: [وقد اتفق المسلمون على أن نبينا شفيع يوم القيامة، وأن الخلق يطلبون منه الشفاعة، لكن عند أهل السنة أنه يشفع في أهل الكبائر، وأما عند الوعيدية فإنما يشفع في زيادة الثواب].\nالشفاعة أولًا توقيفية.\nوالأمر الآخر: أنها يوم القيامة بشروطها المعروفة، وقد ذكرها الله ﷿ فهي قاطعة، وذلك حينما لا يكون هناك أعمال، ولا تسحب أحكام الشفاعة في الآخرة على أحكام الشفاعة في الدنيا، أو العكس، فلا تسحب أحكام الشفاعة في الدنيا على أحكام الشفاعة في الآخرة؛ لأنها توقيفية، والشفاعة إنما تكون بعد أن تنتهي الأعمال، وأنها أيضًا لها شروط في الشافع والمشفوع له.\nوأما المقصود بالوعيدية فهم المعتزلة والخوارج؛ وسموا بالوعيدية لأنهم جعلوا الوعيد هو الأصل ولم يستثنوا فيه، ولم يعولوا على الوعد، مع أن الله ﷿ ورسوله ﷺ قد استثنيا، والوعيد أمر راجع إلى اختيار الله ﷿ وتقديره ورحمته بعباده، فإن شاء أنفذ وعيده، وإن شاء لم ينفذه، فإن أنفذه فذلك بعدله سبحانه، وإن لم ينفذه فذلك برحمته سبحانه.\nفهم قد حكموا على الله ﷿ كما يحكمون على الخلق، فقالوا: بأنه لا يجوز له أن يفعل ذلك، بل حكموا على الله بأسوأ مما يحكمون على الخلق؛ لأن هؤلاء المعتزلة والخوارج لو قال لهم إنسان: إن فلانًا من الناس سلطانًا أو أميرًا أو واليًا أو والدًا هدد واحدًا من رعيته ثم عفا عنه.\nلقالوا: هذا والله كرم وكمال، لكن لما عرفوا وسمعوا أن الله ﷿ يعفو عمن يشاء من عباده ضاقوا بذلك، وحكموا بالوعيد، وقالوا: أبدًا، بل يجب على الله أن ينفذ وعيده، فسمى المعتزلة والخوارج هذا الأمر: إنفاذ الوعيد، فلذا سموا: الوعيدية، وقالوا: لا يجوز لله ﷿تعالى الله عن ذلك، وهذا سوء أدب مع الله ﷿، ولولا أنهم حكوه ما حكيناه، لكن الله ﷿ قد حكى أقوال أهل الكفر للتنفير منها، ونحن نحكي أقوال أهل البدع للتنفير منها- ولا ينبغي له أن يغفر أو يعذب، فيخرج من النار بعد العذاب إلخ، وقالوا: بوجوب إنفاذ الوعيد على الله سبحانه، وكأنهم أوجبوا على الله ما لم يوجبه على نفسه.","vol":"11","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>الرد على من قال: إن التوسل إلى الله بنبي يعتبر استغاثة حقيقية بذلك النبي المتوسل به</span>\nهذا الجزء السابع من الجواب.\nقال رحمه الله تعالى: [وقول القائل: (إن من توسل إلى الله بنبي فقال: أتوسل إليك برسولك، فقد استغاث برسوله حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم) قد كذب عليهم، فما يعرف هذا في لغة أحد من بني آدم، بل الجميع يعلمون أن المستغاث مسئول به مدعو، ويفرقون بين المسئول والمسئول به، سواء استغاث بالخالق أو بالمخلوق، فإنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على النصر فيه، والنبي ﷺ أفضل مخلوق يستغاث به في مثل ذلك.\nولو قال قائل لمن يستغيث به: أسألك بفلان أو بحق فلان، لم يقل أحد: إنه استغاث بما توسل به، بل إنما استغاث بمن دعاه وسأله].\nيمكن أن يكون هذا الوجه الثامن من الجواب؛ لأنه قد فرعه على الأول، لكن له استقلالية في المعنى.\nقال رحمه الله تعالى: [ولهذا قال المصنفون في شرح أسماء الله الحسنى: إن المغيث بمعنى المجيب، لكن الإغاثة أخص بالأفعال، والإجابة أخص بالأقوال].","vol":"11","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>حكم التوسل بغير نبينا ﷺ</span>\nهذا الوجه التاسع من الجواب.\nقال رحمه الله تعالى: [والتوسل إلى الله بغير نبينا ﷺسواء سمي استغاثة أو لم يسم- لا نعلم أحدًا من السلف فعله، ولا روى فيه أثرًا، ولا نعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ من المنع].\nيقصد بالشيخ: العز بن عبد السلام، فقد حصر الاستغاثة والاستعانة بالنبي ﷺ، لكن هل يقصد بشرطها عند السلف أم لا؟ الله أعلم، ما تحققت من هذا بعد.\nوهل يقصد الصور المشروعة في عهد النبي ﷺ؟ وذلك حينما كان الصحابة يستغيثون به، يعني: بدعائه ﷺ، أو يقصد معنى أوسع وهو الظاهر؛ لأن العز بن عبد السلام قد عتب عليه بعض السلف بسبب توسعه في هذا الجانب، لكنه ما أجاز التوسل بغير النبي ﷺ؛ لوجود الشبهة في حقه ﵊ بالنسبة لمن لم يفهموا حديث استشفاع الأعمى واستشفاع العباس، واستشفاع الصحابة بـ العباس وبـ الأسود وغيرهم.\nقال رحمه الله تعالى: [ولا نعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ من المنع].","vol":"11","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>حكم التوسل بالنبي ﷺ</span>\nشرع الشيخ ﵀ في الوجه العاشر فقال ﵀: [وأما التوسل بالنبي ﷺ ففيه حديث في السنن رواه النسائي والترمذي وغيرهما: (أن أعرابيًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أصبت في بصري فادع الله لي، فقال له النبي ﷺ: توضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد، يا محمد! إني أتشفع بك في رد بصري، اللهم شفع نبيك فيَّ، وقال: فإن كانت لك حاجة فمثل ذلك، فرد الله بصره)، فلأجل هذا الحديث استثنى الشيخ التوسل به].\nمع أن هذا الحديث تفسره الروايات الأخرى لكنه مجمل، ولذلك من خصائص منهج السلف ﵏وهذا ما ينبغي أن نستمسك به، ونعود طلاب العلم على الاستمساك به-: أنهم في الأمور الغيبية والتوقيفية وأمور العقيدة لا يجوز أخذ نص واحد بدون أن يفسر، فالنص الواحد قد يفسره فهم الصحابة له، وهذا أمر يغفل عنه كثير من الناس، وقد يفسره سياق آخر للحديث؛ لأن الأحاديث أحيانًا تساق بإجمال وأحيانًا تساق بتفصيل، كما ورد في قصة استشفاع الصحابة بـ العباس، فإنه ورد في الحديث الصحيح أنهم قصدوا بذلك أن يدعو العباس ويؤمنوا وراءه.\nوكما في قصة الأعمى، فإنه ورد في بعض رواياتها: أن النبي ﷺ دعا له، فكان استشفاعه بمعنى أنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له، فدعا له النبي ﷺ، لكنه طلب منه قبل ذلك أن يتهيأ بأن يكون قلبه مقبلًا على الله ﷿، وذلك حتى يكون على حال ترضي الله ﷿، بأن يتوضأ ويصلي ركعتين لاجئًا فيها إلى الله ﷿ بأن يقبل دعاء نبيه محمد ﷺ، فتأمل كيف فعل ﵊؟ فقد وجهه إلى العبادة المخلصة، ولم يوجهه إلى ذاته ﵊ أو وكله عليه.\nإذًا: فهذه هي الصورة الصحيحة، ولذلك تميز منهج السلف بمثل هذا التوجيه دائمًا، وتميزوا بأن يأخذوا بالنصوص بعمومها، وأن يرجعوها إلى القواعد العامة القاطعة الضرورية، وأن يرجعوها إلى فهم الصحابة أيضًا، وإلا لو فهم الصحابة ذلك الفهم الذي فهمه أهل البدع من أن المقصود بالتوسل بذاته ﷺ فيما لا يقدر عليه إلا الله لفعلوه، وهم بحاجة إليه، لكنهم ما فعلوه، إلا أن يطلبوا من النبي ﷺ الدعاء، وطلب الدعاء منه ﵊ كان على صور: منها: ما يكون بصورة التوسل الظاهر به.\nومنها: ما يكون بمجرد طلب الدعاء.\nومنها: ما يكون على نحو غيبي، فقد يطلبون في بعض أمورهم أن يقبل الله ﷿ دعاء نبيه فيهم، وهذا أمر مشروع ولا يزال مشروعًا، لكن هذه الصورة ليست من باب التوسل بمعناه عند أهل البدع.\nثم قسم السلف التوسل إلى ثلاثة أقسام: توسل شركي.\nوتوسل بدعي.\nوتوسل مشروع.\nوبناءً على هذه النصوص، فأهل البدع لا يفرقون في ذلك، بل كل أنواع التوسل عندهم مشروعة، فلم يفرقوا بين الممنوع وبين الجائز، ولا بين البدعي وبين الجائز.","vol":"11","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>أقوال الناس في معنى التوسل بالنبي ﷺ</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وللناس في معنى هذا قولان: أحدهما: أن هذا التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب ﵁ لما قال: (كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)، فقد ذكر عمر ﵁: أنهم كانوا يتوسلون به في حياته في الاستسقاء، ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته، وتوسلهم به هو استسقاؤهم به، بحيث يدعو ويدعون معه، فيكون هو وسيلتهم إلى الله، وهذا لم يفعله الصحابة بعد موته ولا في مغيبه، والنبي ﷺ كان في مثل هذا شافعًا لهم داعيًا لهم، ولهذا قال في حديث الأعمى: (اللهم فشفعه فيَّ).\nفعلم أن النبي ﷺ شفع له، فسأل الله أن يشفعه فيه].\nلذلك كثير من أهل البدع أُتوا من قبل العجمة كما ذكر أئمة السلف، ومعنى: العجمة: أنهم لم يفقهوا معاني العربية، فلذلك لم يفرقوا بين معنى قوله: (شفعه فيَّ) وبين المعنى البدعي الذي ظنوه.\nوقوله: (شفعه فيَّ) معناها: اقبل دعاءه في حقي، أو في طلبي، ولا تأتي بمعنى: (شفع) إلا إذا كانت بمعنى: أن يوجد جهد من النبي ﷺ يبذله، وهذا الجهد هو دعاؤه، ولو كان توسلًا بذات النبي ﷺ ما قال: (شفعه)؛ لأنه لو اعتبر الذات هي النافعة ما اعتبر هذا تشفيعًا، ولا اعتبر هذا توجهًا إلى الذات أو توجهًا إلى الشخص.\nقال رحمه الله تعالى: [والثاني: أن التوسل يكون في حياته وبعد موته، وفي مغيبه وحضرته، ولم يقل أحد: إن من قال بالقول الأول فقد كفر، ولا وجه لتكفيره، فإن هذه مسألة خفية ليست أدلتها جلية ظاهرة، والكفر إنما يكون بإنكار ما علم من الدين ضرورة، أو بإنكار الأحكام المتواترة والمجمع عليها ونحو ذلك].\nهذا الوجه الحادي عشر من جواب الشبهات في السابق، وما سبق فهو تفصيل للوجه العاشر.\nقال رحمه الله تعالى: [واختلاف الناس فيما يشرع من الدعاء وما لا يشرع، كاختلافهم هل تشرع الصلاة عليه عند الذبح؟ وليس هو من مسائل السب عند أحد من المسلمين.\nوأما من قال: (إن من نفى التوسل الذي سماه استغاثة بغيره كفر)، وتكفير من قال بقول الشيخ عز الدين].\nهذا الوجه الثاني عشر.\nقال رحمه الله تعالى: [وتكفير من قال بقول الشيخ عز الدين وأمثاله، فأظهر من أن يحتاج إلى جواب، بل المكفر بمثل هذه الأمور يستحق من غليظ العقوبة والتعزير ما يستحقه أمثاله من المفترين على الدين، لا سيما مع قول النبي ﷺ: (من قال لأخيه: كافر، فقد باء بها أحدهما)].\nهذا الوجه الثالث عشر.\nقال رحمه الله تعالى: [وأما من قال: (ما لا يقدر عليه إلا الله لا يستغاث فيه إلا به)، فقد قال الحق، بل لو قال كما قال أبو يزيد: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وكما قال الشيخ أبو عبد الله القرشي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون لكان قد أحسن، فإن مطلق هذا الكلام يفهم الاستغاثة المطلقة، كما قال النبي ﷺ لـ ابن عباس ﵄: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)].\nكلام أبي يزيد وهو البسطامي كلام جيد، وتقعيد عظيم، وهذا مما يجعل الباحث يتوقف في نسبة بعض الأشياء التي تعد من خوارم العقيدة التي نسبت إلى أبي يزيد؛ لأنه في الحقيقة يصعب ويبعد أن يكون هذا الكلام الجيد، والذي هو من درر الكلام أن يصدر عن إنسان تنسب له تلك المقالات أو تلك الشطحات التي ذكرها عنه مؤرخة التصوف؛ ولذلك كما قلت -كلما تأتي لي هذه المناسبة أكرر ذلك؛ لأن الإخوان الحاضرين أحسبهم من خيرة طلاب العلم، ومن ذوي المقدرة على البحث-: بأنه لابد من ضرورة تحرير مثل هذه المسائل التي تنسب إلى أبي يزيد البسطامي وابن أبي الحواري والجنيد والتستري وأمثالهم من شطحات أحيانًا كفرية.\nفي حين أنه تنسب إليهم مثل هذه الدرر التي تدل على صفاء التوحيد، وتدل على قوة يقين في قضايا العقيدة، وهي في الحقيقة من درر الكلام التي فيها رد مباشر على الذين ينتسبون إلى أبي يزيد البسطامي الآن، ويزعمون أنه أصل بدعهم.\nولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -في الحقيقة- تحرز وتوقف فيما قاله الناس عن هؤلاء من شطحات، وكذلك قول القرشي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون هي بمعنى قول أبي يزيد البسطامي.\nإذًا: فهذا التصور صاف في التوحيد، ولا يتأتى معه ما ذكر عن هؤلاء من خوارم، فأرجو من أحد الإخوان أن يبحث هذه المسائل، ولو على الأقل في شخص واحد ليكون أنموذجًا، كـ أبي يزيد أو ابن أبي الحواري أو التستري أو","vol":"11","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>الأسئلة</span>","vol":"11","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>الفرق بين التوسل البدعي والتوسل الشركي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نرجو توضيح الفرق بين صورة التوسل البدعي والتوسل الشركي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا سيأتي إن شاء الله في درس قادم، لكن الفارق الأولي: هو أن التوسل الشركي هو الذي يكون فيه إشراك مع الله ﷿، سواء في العبادة أو الدعاء أو التوجه إلخ.\nوأما التوسل البدعي فهو التوسل إلى الله ﷿ مع إحداث شيء في التوسل لم يكن له أصل في الشرع، كالتوسل ودعاء الله عند القبر، فإذا قصد دعاء صاحب القبر فهو توسل شركي، وإذا جعل الميت أو الحي وسيلة إلى الله ﷿، بمعنى: أنه جعله بذاته وسيلة فهي وسيلة شرك، لكن إذا دعا في هذا المكان أو عند هذا الشخص زاعمًا أن هذا المكان مبارك، وأن للدعاء فيه خصوصية، فهذا يسمى توسلًا بدعيًا.\nإذًا: إذا دعا صاحب القبر، أو صرف له نوعًا من أنواع العبادة، فهذا توسل شركي، وإذا قصد المحل أو الشخص، ظانًا أن ذلك من أسباب إجابة الدعاء، أو ظانًا أن ذلك من وسائل إجابة الدعاء، فهذا توسل بدعي، وهذه صورة من صوره.","vol":"11","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>حكم طلب الدعاء والاستغفار من أهل العلم والفضل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما رأيكم فيمن يطلب من أهل الفضل والعلم بأن يدعوا له أو يستغفروا له؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كون الإنسان يطلب من رجل آخر أن يدعو له لا حرج فيه، لكن بشرط ألا يكثر، وألا يعتمد على دعاء الشخص، وأن يطلب من الله ﷿ أن يستجيب دعاء الداعي له، وأن يعرف أن هذا الشخص ليس بذاته هو الوسيلة أو الواسطة، وإنما هذا الشخص طُلِب منه فقط أن يدعو الله، فكان الرجاء في أن يقبل الله دعاءه، ويتعلق القلب بالله؛ لعل الله يقبل دعاء ذلك الشخص.\nأما إذا تعلقت النفس بالشخص نفسه، أو ببركته، أو بالاعتقاد فيه، فذلك إما أن يكون بدعيًا أو شركيًا.","vol":"11","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>حكم من أوصى بأن يدفن في مقابر الصالحين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم إذا أوصى الإنسان بأن يدفن في مقابر الصالحين، كما طلب بعض السلف في الوصية بدفنهم في قبور الصالحين، كما في جبل قاسيون وغير ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه مسائل سهلة، كون الإنسان يطلب أن يدفن في مقابر يرجو أن يكون أهلها أقرب إلى الصلاح، فإن شاء الله لا حرج في ذلك، إلا إذا كان يعتقد أن لها شفاعة عند الله ﷿، أو أن الله سيدفع عنه العذاب بسببهم، فهذا لا يجوز، لكن يستأنس بقربهم، ويرجو من الله ﷿ أن يكون في بيئتهم التي خصهم الله بها، مع أن بعض أهل العلم قال: إذا أوصى أن يقبر في مقبرة فلا تنفذ هذه الوصية إذا كان فيها سفرًا أو كانت بعيدة؛ لأن هذا من التكلف في الدين، وهذا هو الأقرب.","vol":"11","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>حكم دفن موتى المسلمين في مقابر الكفار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم دفن الموتى من المسلمين في مقابر الكفار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ينبغي للمسلمين أن يدفنوا موتاهم في مقابر المسلمين، ولا يدفنوا موتاهم في مقابر الكفار، وهنا قد يرد إشكال وهو: إذا مات المسلم في بلاد الكفار فما حكم ذلك؟ يجب أن يبحث له عن مقابر للمسلمين، أو ينقل إلى بلاده إذا أمكن ذلك، وبحمد الله قد علمت أن في كثير من البلاد الغربية وغيرها استطاع المسلمون أن يتخذوا لهم مقابر خاصة، وهذا مما يجب على من يموت له قريب أن يدفنه في مقابر المسلمين، ولا يدفنه منفردًا إلا إذا لم يجد له مقبرة لموتى المسلمين.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"11","page":15},{"text":"شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-145>[١٢]</span>\nالاستغاثة والاستعانة نوعان: استعانة واستغاثة في شيء لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فلا تطلب من غيره أبدًا، واستغاثة واستعانة في شيء يقدر عليه المخلوق، فيجوز طلبها من المخلوق القادر الحي، أما من الميت فلا يطلب منه ذلك أبدًا، ومن عرف ذلك وضبطه واجتنب المحذور فيه عصم من تلبيسات وشبه أهل الأهواء والبدع.","vol":"12","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>القائلون بمنع الاستغاثة بالنبي ﵊ وغيره وأدلتهم</span>","vol":"12","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>الأدب مع العلماء وغيرهم</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nأما بعد: فلا زلنا في موضوع الاستغاثة والاستعانة والاستشفاع ومعانيها الشرعية، وما ينافي المعاني الشرعية من المفاهيم والمعاني البدعية.\nقال رحمه الله تعالى: سئل شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ﵁: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين، وفقهم الله لطاعته فيمن يقول].\nمن الأشياء التي ينبغي على طلاب العلم أن يتفطنوا لها التنبيه على ما كان عليه سلف هذه الأمة من التأدب مع كل من له قدر، فتلاحظون في صيغة السؤال ما هو سائد عند المسلمين في جميع الأعصار والأمصار إلى وقت قريب، ولا يزال على هذا كثير من طلاب العلم، لكن ظهرت عند بعض الناس مظاهر الجفوة؛ لأسباب كثيرة لسنا بصدد ذكرها، لكن أحب أن أنبه إلى أن مثل هذه الصياغة التي قدم بها السائل لشيخ الإسلام ابن تيمية هي مقتضى الأدب، وينبغي أن ننبه على ذلك، بل يجب على طلاب العلم أمثالكم أن ينبهوا على تربية أبناء المسلمين في هذا العصر على مثل هذا الأدب مع كل مَن مِن حقه الأدب: كالأدب مع الوالدين، والأدب مع الإخوة، والأدب مع طالب العلم، والأدب مع العالم، والأدب مع المسئول ومع الوالي، والأدب مع كل من كان له اعتبار في المجتمع، أو له اعتبار يستحق به أن يكون من أصحاب المقامات، سواء كانت مقامات شرعية، أو مقامات اعتبارية، أو مقامات اجتماعية لها وزنها في العرف العام وغيرها.\nلذا كان أصحاب المقامات لا بد أن نخاطبهم بقدر مقاماتهم، ولذلك كان خطاب الأنبياء لكبراء القوم فيه شيء من اللين، وشيء من اعتبار المقام كما أرشد الله نبيه موسى ﵇ في خطابه لفرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه:٤٤]، فكان توجيه الله ﷿ لأنبيائه ورسله أن يخاطبوا الناس بقدر عقولهم، وأن يخاطبوا الملوك والعظماء بقدر مقاماتهم؛ لأن هذا أدعى للين القلوب ورقتها وقبولها للحق.\nثم بعد ذلك نجد أن هذا من هدي النبي ﷺ، فكان يقدر للناس أقدارهم، ولذلك كان يخص المؤلفة قلوبهم بما لا يخص غيرهم من الامتيازات، حتى كبار الصحابة، الامتيازات المادية والاعتبارات والجاه وغير ذلك، وخير مثال على ذلك: أن النبي ﷺ لما أراد أن يؤلف قلب أبي سفيان ﵁ في أول إسلامه قال: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)، وكان يمكن لو كان على فكر بعض الناس اليوم لقال: هذا صعلوك، إن شاء أسلم، وإن شاء لم يسلم.\nيمكن أن يقول بعض الناس هذه المقالة على مبدأ كثير من الناس، أو كثير من المتعالمين اليوم.\nولذا نجد هذا أيضًا في صور كثيرة من كبار الصحابة والتابعين ومن تبعهم من أئمة الهدى، أعني: التأدب واعتبار المقامات للناس.\nمع أن هذا السؤال ليس غريبًا، فهو لشيخ الإسلام ابن تيمية، لكن مع ذلك أقول: إنه قاعدة لكل من أراد أن يتعامل مع الآخر بأن يقدر له قدره.","vol":"12","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>عدم جواز الاستغاثة والاستعانة بالمخلوق في باب الدعاء وفيما لا يقدر عليه إلا الله</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ما تقول السادة العلماء أئمة الدين، وفقهم الله لطاعته فيمن يقول: لا يستغاث برسول الله ﷺ، هل يحرم عليه هذا القول؟ وهل هو كفر أم لا؟ وإن استدل بآيات من كتاب الله وأحاديث رسوله ﷺ هل ينفعه دليله أم لا؟ وإذا قام الدليل من الكتاب والسنة فما يجب على من يخالف ذلك، أفتونا مأجورين؟].\nقد تلاحظون من السؤال شدة التباس الأمر على السائل، وهذا يدل على أن تلبيس أهل الأهواء والبدع على المسلمين قد وقع موقعه في قلوب كثير من العامة في ذلك العصر، فكيف بعصورنا المتأخرة؟! إذًا: تلبيس أهل الأهواء والبدع على الناس، وقلبهم للحقائق حتى جعلوا الحق باطلًا والباطل حقًا.\nوالسؤال هنا يجعل القارئ يتردد: هل القصد بالحكم بالكفر على من قال السنة أو على من قال البدعة؟ وعلى أي حال فالسؤال يتعلق بالاستغاثة بالمخلوق، ويدل السؤال على أنه قد وجد في عهد شيخ الإسلام ابن تيمية من أهل الأهواء والبدع والطرق والفرق والجماعات من جعل الاستغاثة برسول الله ﷺ من دون الله ﷿ من أساسيات الدين، وجعل الاستغاثة بالمخلوق من أعظم العبادة، حتى إنهم ظنوا أن من أنكر هذا فهو كافر، ولذلك تجد السؤال فعلًا يظهر من خلال سياقه اللبس.\nوكما أنه معلوم -كما يقرره الشيخ- أنه لا يجوز الاستغاثة والاستعانة بغير الله ﷿ من باب الدعاء، أو فيما لا يقدر عليه إلا الله.\nوالسؤال فيما يظهر أنه ليس فيما يقدر عليه المخلوق؛ لأن ما يقدر عليه المخلوق أمر لا يحتاج إلى سؤال، وليس هو محل إشكال؛ لأنه بدهي فطري، فلا معنى أن تقول لأخيك: ناولني القلم، فهذه استعانة، لكن استعانة بما يقدر عليه، وليس فيها أي حرج، ولا يرد فيها أي إشكال، وإنما ورد الإشكال في الأمور البدعية والشركية، والاستعانة بغير الله ﷿، والاستغاثة بغير الله ﷿ فيما لا يقدر عليه إلا الله، وصرف العبادة لغير الله.\nإذًا أقول: هذا الأمر الصريح الشركي في خروجه عن العقيدة والدين قد صار محل إشكال؛ بسبب تلبيس الملبسين من أهل البدع والأهواء.","vol":"12","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>ثبوت شفاعات الرسول ﷺ في الآخرة</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فأجاب: الحمد لله، قد ثبت بالسنة المستفيضة، بل المتواترة واتفاق الأمة أن نبينا ﷺ الشافع المشفَّع، وأنه يشفع في الخلائق يوم القيامة، وأن الناس يستشفعون به، يطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم، وأنه يشفع لهم.\nثم اتفق أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر، وأنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد.\nوأما الخوارج والمعتزلة فأنكروا شفاعته لأهل الكبائر، ولم ينكروا شفاعته للمؤمنين، وهؤلاء مبتدعة ضلال، وفي تكفيرهم نزاع وتفصيل].\nهذا الكلام كله في الشفاعة يوم القيامة، ولا شك أن الشفاعة للنبي ﷺ يوم القيامة ثابتة بشروطها، بل له ﵊ عدة شفاعات ثابتة بشروطها، وبعضها متواتر، كشفاعته لأهل الكبائر، والذي من أنكره فقد أنكر معلومًا من الدين بالضرورة.\nقال ﵀: [وأما من أنكر ما ثبت بالتواتر والإجماع فهو كافر بعد قيام الحجة، وسواء سمى هذا المعنى استغاثة أو لم يسمه].","vol":"12","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>حكم الاستشفاع والتوسل به ﵊ في حياته وبعد مماته</span>\nثم قال ﵀: [وأما من أقر بشفاعته وأنكر ما كان الصحابة يفعلونه من التوسل به والاستشفاع به، كما رواه البخاري في صحيحه عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بـ العباس بن عبد المطلب، وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون.\nوفي سنن أبي داود وغيره: (أن أعرابيًا قال للنبي ﷺ: جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال، فادع الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فسبح رسول الله ﷺ حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، وقال: ويحك! إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك)، وذكر تمام الحديث فأنكر قوله: (نستشفع بالله عليك)، ولم ينكر قوله: (نستشفع بك على الله)، بل أقره عليه، فعلم جوازه، فمن أنكر هذا فهو ضال مخطئ مبتدع، وفي تكفيره نزاع وتفصيل.\nوأما من أقر بما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع من شفاعته والتوسل به ونحو ذلك، ولكن قال: لا يدعى إلا الله، وأن الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله لا تطلب إلا منه، مثل غفران الذنوب، وهداية القلوب، وإنزال المطر، وإنبات النبات ونحو ذلك، فهذا مصيب في ذلك، بل هذا مما لا نزاع فيه بين المسلمين أيضًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]، وقال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، وكما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:٣]، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦]، وقال: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]].\nقبل أن يقول الشيخ القول الفصل في موضوع مقدمات الشفاعة هنا، فإنه سيتكلم عن هذا في فصول قادمة كثيرة، وسيأتي قريبًا إن شاء الله كل كتاب (التوسل والوسيلة).\nلكن أحب أن أنبه على أن الشيخ هنا لم يفصح عن مسألة قد ينساها بعض الناس من خلال قراءة هذا المقطع، ألا وهي: أنه حينما ذكر استشفاع الصحابة بالنبي ﷺ لا شك أنه يقصد استشفاعهم به وهو حي، وهذا أمر معلوم بالضرورة؛ لأن الصحابة ﵃ ما كانوا يستشفعون به وهو ميت، والاستشفاع بالنبي ﷺ أنواع كثيرة، لكن أهمها: طلب الشفاعة منه يوم القيامة، وهذا أمر يحدث بشروطه وفي وقته، ولا يحدث قبل القيامة، وكون الخلائق يطلبون منه ﷺ الشفاعة لهم عند الله حتى يفصل بينهم، وكون أهل الجنة -نسأل الله أن يجعلنا جميعًا منهم- يطلبون منه أن يشفع لهم عند ربهم حتى يفتح لهم الجنة، وكونه ﷺ يشفع لأهل الكبائر من أمته بأن يخرجوا من النار، فكل ذلك من الشفاعات في الآخرة التي لا تحدث في الدنيا، وإنما تحدث يوم القيامة، لكن بشروطها، ولا مزيد عما ورد فيها.\nوأما الشفاعة به ﷺ في الدنيا فهي على نوعين: الأول: الاستشفاع به ﵊ وهو حي، بمعنى: أن يطلب منه أن يدعو الله ﷿، سواء لإنسان بذاته أو للمسلمين عمومًا في نفع عام أو نفع خاص، فهذا جائز ومشروع، والصحابة كانوا يفعلونه.\nالثانية: الاستشفاع به أو بدعائه وهو ميت، وهذا لا شك أنه من أبواب الشرك؛ لأن النبي ﷺ مات ولم يعد يستجيب لأحد، وهو كغيره من سائر الأموات، وإن كان النبي ﷺ قد خص ببعض الخصائص، كأن يرد السلام على من سلَّم عليه في أي مكان، فهذه الخصيصة لا دخل لها في مسألة استجابة الدعاء، وإنما هذه خاصة برد السلام فقط.\nفإذًا: لا يجوز ولا يشرع، بل من البدع المغلظة وأحيانًا من الشرك دعاء النبي ﷺ والاستشفاع به وهو ميت، سواء عند قبره، أو بعيدًا عن قبره.","vol":"12","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>المعاني والعبارات الواردة في الكتاب والسنة وغيرهما نفيًا وإثباتًا</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فالمعاني الثابتة بالكتاب والسنة يجب إثباتها، والمعاني المنفية بالكتاب والسنة يجب نفيها، والعبارة الدالة على المعاني نفيًا وإثباتًا إن وجدت في كلام الله ورسوله ﷺ وجب إقرارها، وإن وجدت في كلام أحد وظهر مراده من ذلك رتب عليه حكمه، وإلا رُجع فيه إليه].\nهذه في الحقيقة قاعدة عظيمة، لكن فيها غموض، وهي قوله: (فالمعاني الثابتة في الكتاب والسنة يجب إثباتها) فقصده بالمعاني: المعاني العامة المجملة التي إما أن يفهمها عامة الناس، أو يفهمها أهل العلم ويستنبطوها بقواعد وبأصول، وهذه المعاني الثابتة في الكتاب والسنة يجب إثباتها، بمعنى: يجب أن تكون هي المرجع وهي قواعد الدين؛ لأنه ليس المقصود هنا مجرد المعاني اللفظية الفردية؛ لأن هذه قد يتنازع عليها الناس، ولذلك ينبغي أن يتعود طلاب العلم في تبصير الناس في دينهم أن يبصّروهم بمجملات الدين، ولا يدخلون عليهم التفاصيل وتفصّل لهم، ومن هنا أحب أن أنبه كثيرًا من أهل العلم الذين يخطئون في تعليم الناس، سواء في المساجد أو في الدروس الخاصة أو في المدارس أو غيرها، فيدخلون في تفاصيل قضايا الدين، وهذا في الغالب يكون فيه فتنة على الناس، لذا ينبغي على طلاب العلم أن يُعلّموا الناس الدين بقدر مداركهم، وإذا كانت المجالس فيها العامة والخاصة فينبغي أن تراعى العامة قبل الخاصة، وإذا كانت المجالس فيها طلاب علم وعوام فينبغي أن يراعى العوام قبل طلاب العلم، ولا تتحدث بحديث قد تدخل الآخرين في عماية وشك وحيرة، ولذلك كان السلف يطردون القُصّاص من المساجد؛ لأنهم يحدثون الناس بما لا يعرفون، مع أن أكثر ما يحدثون به قد يكون حقًا.\nومن هنا فهذه الجملة جملة عظيمة جدًا، أعني: جملة: (المعاني الثابتة بالكتاب والسنة يجب إثباتها، والمعاني المنفية بالكتاب والسنة يجب نفيها في الجملة) أما إذا دخل التفصيل فقد يكون فيه نزاع، وقد يكون فيه خلاف، وقد يختلف الناس في فهمه إلى آخره.\nثم قال: (والعبارة الدالة على المعاني نفيًا وإثباتًا إن وجدت في كلام الله ورسوله ﷺ وجب إقرارها) يعني: إقرارها كما جاءت، فإن فُهمت فبها ونعمت، وإن لم تفهم فيجب الالتزام بلفظها والتسليم، ولا تكون محل نزاع أو محل نظر ولا ترد عليها الإشكالات؛ لأن إيراد الإشكالات على معاني ألفاظ الكتاب والسنة إنما هو في الغالب فيه نوع من المشاقّة لله تعالى ولرسوله ﷺ.","vol":"12","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>قاعدة في الحكم على الناس أو لهم</span>\nقال: (وإن وجدت في كلام أحد وظهر مراده من ذلك رتب عليه حكمه، وإلا رُجع فيه إليه) هذه أيضًا قاعدة مهمة في الحكم على الناس أو لهم، فإذا حكمت على أحد أو لأحد بكلامك، فإن كان كلامه بينًا واضحًا فلك ذلك، وإذا لم يكن بينًا فلا تحمله على ما لا يحتمل، ويبقى المحمل الحسن هو الأصل، ثم إذا ظهر مراد الشخص من كلامه رُتّب عليه الحكم، يعني: سواء بالتخطئة أو التصويب أو ما يترتب على التخطئة أو التصويب، ولذلك ينبغي أن يحذر الناس من التكلّف في معاني ما يصدر عن الآخرين، ويجب أن يستصحب في الأصل حال الناس العامة، فقد يكون المتكلم له حال خاصة، كأن يكون متمذهبًا أو متحزّبًا، أو يكون صاحب سنة، فلا مانع من استصحاب حاله في هذا الأمر إذا ثبت موجب هذا الاستصحاب.\nإذًا أقول: هذه قواعد عظيمة في الحقيقة ينبغي أن نستفيد منها، وأن نعرف ما يترتب عليها من فروع جيدة ومفيدة لنا في حياتنا العلمية والعملية.","vol":"12","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>معنى الغياث والمغيث وهل هو من أسماء الله</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وقد يكون في كلام الله ورسوله ﷺ عبارة لها معنى صحيح، لكن بعض الناس يفهم من تلك غير مراد الله ورسوله ﷺ، فهذا يرد عليه فهمه، كما روى الطبراني في معجمه الكبير (أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال أبو بكر الصديق ﵁: قوموا بنا لنستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: إنه لا يُستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله)، فهذا إنما أراد به النبي ﷺ المعنى الثاني، وهو أن يُطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، وإلا فالصحابة كانوا يطلبون منه الدعاء ويستسقون به كما في صحيح البخاري عن ابن عمر قال: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ يستسقي، فما ينزل حتى يجيش له ميزاب.\nوأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل وهو قول أبي طالب؛ ولهذا قال العلماء المصنفون في أسماء الله تعالى: يجب على كل مكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله، وأن كل غوث فمن عنده، وإن كان جعل ذلك على يدي غيره فالحقيقة له ﷾ ولغيره مجاز.\nقالوا: من أسمائه تعالى المغيث والغياث، وجاء ذكر المغيث في حديث أبي هريرة قالوا: واجتمعت الأمة على ذلك.\nوقال أبو عبد الله الحليمي: الغياث هو المغيث، وأكثر ما يقال: غياث المستغيثين، ومعناه: المدرك عباده في الشدائد إذا دعوه ومجيبهم ومخلّصهم، وفي خبر الاستسقاء في الصحيحين: (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا).\nيقال: أغاثه إغاثة وغياثًا وغوثًا، وهذا الاسم في معنى المجيب والمستجيب، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩]، إلا أن الإغاثة أحق بالأفعال، والاستجابة أحق بالأقوال، وقد يقع كل منهما موقع الآخر].","vol":"12","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>الفرق بين المستغيث والداعي وحكم الاستغاثة والاستعانة بصفات الله تعالى</span>\nقال رحمه الله تعالى: [قالوا: الفرق بين المستغيث والداعي: أن المستغيث ينادي بالغوث، والداعي ينادي بالمدعو والمغيث.\nوهذا فيه نظر، فإن من صيغة الاستغاثة: يا لله للمسلمين، وقد روي عن معروف الكرخي أنه كان يكثر أن يقول: وا غوثاه، ويقول: إني سمعت الله يقول: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩]، وفي الدعاء المأثور: (يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك).\nوالاستغاثة برحمته استغاثة به في الحقيقة، كما أن الاستعاذة بصفاته استعاذة به في الحقيقة، وكما أن القسم بصفاته قسم به في الحقيقة، ففي الحديث: (أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق)، وفيه (أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك).\nولهذا استدل الأئمة فيما استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق بقوله: (أعوذ بكلمات الله التامة).\nقالوا: والاستعاذة لا تصلح بالمخلوق].\nيقصد الشيخ أن كلمات الله من كلامه الذي هو صفته، وعلى هذا فإن كلام الله غير مخلوق؛ لأن صفات الله غير مخلوقة جزمًا، ولذلك ورد الاستعاذة بكلمات الله التامة، ولا يجوز الاستعاذة بالمخلوق، فلو كانت كلمات الله مخلوقة ما استعاذ بها النبي ﷺ ولا جازت الاستعاذة بها، ولو كانت كلمات الله مخلوقة بما فيها القرآن أو شيء من كلمات الله مخلوق ما جاز الاستعاذة بها؛ لأنه لا يجوز الاستعاذة إلا بالله أو بصفاته، فدل ذلك دلالة قاطعة على أن كلمات الله هي صفته وليست مخلوقة.\nقال رحمه الله تعالى: [وكذلك القسم، قد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت)، وفي لفظ: (من حلف بغير الله فقد أشرك) رواه الترمذي وصححه، ثم قد ثبت في الصحيح: الحلف بعزة الله، ولعمر الله ونحو ذلك مما اتفق المسلمون على أنه ليس من الحلف بغير الله الذي نهي عنه].","vol":"12","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>معنى الاستغاثة المثبتة والاستغاثة المنفية عن الرسول ﷺ</span>\nقال رحمه الله تعالى: [والاستغاثة بمعنى: أن يُطلب من الرسول ﷺ ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم، ومن نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به، وإما مخطئ ضال.\nوأما بالمعنى الذي نفاه رسول الله ﷺ فهو أيضًا مما يجب نفيها، ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضًا كافر إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها.\nومن هذا الباب قول أبي يزيد البسطامي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق.\nوقول الشيخ أبي عبد الله القرشي المشهور بالديار المصرية: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون.\nوفي دعاء موسى ﵇: اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك.\nولما كان هذا المعنى هو المفهوم منها عند الإطلاق، وكان مختصًا بالله، صح إطلاق نفيه عما سواه، ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوّز مطلق الاستغاثة بغير الله، ولا أنكر على من نفى مطلق الاستغاثة عن غير الله.\nوكذلك الاستغاثة أيضًا فيها ما لا يصلح إلا لله، وهي المشار إليها بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فإنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله، وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه، وكذلك الاستنصار، قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال:٧٢]، والنصر المطلق: هو خلق ما به يُغلب العدو ولا يقدر عليه إلا الله.\nومن خالف ما ثبت بالكتاب والسنة فإنه يكون إما كافرًا، وإما فاسقًا، وإما عاصيًا، إلا أن يكون مؤمنًا مجتهدًا مخطئًا فيثاب على اجتهاده، ويُغفر له خطؤه، وكذلك إن كان لم يبلغه العلم الذي تقوم عليه به الحجة، فإن الله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وأما إذا قامت عليه الحجة الثابتة بالكتاب والسنة فخالفها، فإنه يُعاقب بحسب ذلك، إما بالقتل، وإما بدونه، والله أعلم.","vol":"12","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>فصل مسميات ما يعبد من دون الله</span>","vol":"12","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>الرد على أهل البدع القائلين بجواز اتخاذ الوسائط بكل مسمياتها بينهم وبين الله ﷿</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فصل سمى الله آلهتهم التي عبدوها من دونه شفعاء كما سماها شركاء في غير موضع].\nيريد الشيخ هنا أن يقرر قضية التبست على كثير من أهل البدع والأهواء والافتراق، وخاصة أصحاب التوسلات البدعية، ألا وهي أنهم زعموا أن هناك فرقًا بين عبادة من يقدّسونهم وبين جعلهم وساطة بينهم وبين الله، فجعلوا الوساطة جائزة، والعبادة المباشرة ممنوعة، فهو ﵀ يريد أن يقرر أن مسألة اتخاذ الشفعاء من دون الله ﷿ بجميع الأسماء، سواء سمّيت وساطة أو سمّيت شفاعة أو سمّيت وجاهة أو سمّيت ولاية أو سمّيت بأي اسم من الأسماء، وما دام دخل فيها اتخاذ العبد من دون الله ﷿ وسيلة فهذه هي البدعة وهو المحرم، وقد يكون شركًا، وهذا هو الذي رده الله على طائفة المشركين قولهم فيه، وهم الذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].\nإذًا: الشرك الذي وقع فيه المشركون قديمًا وحديثًا على نوعين: منه شرك مباشر وهو عبادة غير الله ﷿ بقصد العبادة والتقديس والتعظيم.\nوالآخر وهو الملبس والذي وقع فيه أكثر الذين وقعوا في الشرك من هذه الأمة، وهو: اتخاذ الوسائط من دون الله، سواء من الأولياء الأحياء أو الأموات، أو الأشخاص أو الأشجار أو الأحجار أو المشاهد أو العباد، فكل هذه الوسائل أو الوسائط سواء كان على سبيل التقديس أو على سبيل التوسط أو على سبيل التبرك البدعي أو نحو ذلك، فكله يدخل في الوسائط الممنوعة، وأغلبها من الصور الشركية، وقد يكون من الصور البدعية المغلّظة.\nواتخاذ الشفعاء بزعم أنهم ليسوا هم المعبودين من دون الله غير صحيح؛ لأنهم في الحقيقة قد وجهوا لهم العبادة من حيث ظنوا أنهم سيشفعون لهم عند الله ﷿، والشفاعة كما هو معلوم لا تجوز إلا بشروطها وضوابطها، وليست على نحو ما يفعله أهل البدعة، وليس في الدنيا الآن شفاعة تدخل في باب الشفاعة في الآخرة أو تكون وسيلة أو ممهدة للشفاعة في الآخرة، وإنما الشفاعة لا تأتي إلا في وقتها، أي: يوم القيامة.\nفإذًا: كل ما سموه شفاعة أو وساطة أو غيره إنما هو نوع من الشرك.\nقال رحمه الله تعالى: [سمى الله آلهتهم التي عبدوها من دونه شفعاء، كما سماها شركاء في غير موضع، فقال في يونس: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨]، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤]، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ [الروم:١٢ - ١٣].\nوجمع بين الشرك والشفاعة في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣].\nفهذه الأربعة هي التي يمكن أن يكون لهم بها تعلق: الأول: ملك شيء ولو قل.\nالثاني: شركهم في شيء من الملك، فلا ملك ولا شركة ولا معاونة يصير بها ندًا، فإذا انتفت الثلاثة بقيت الشفاعة فعلقها بالمشيئة.\nوقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [النجم:٢٦]، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء:٥٦]، وقال في اتخاذهم قربانًا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، وقال: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف:٢٨]].\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"12","page":13},{"text":"شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-158>[١٣]</span>\nالشفاعة نوعان: شفاعة صحيحة وهي الشفاعة المثبتة بشروطها، وشفاعة غير صحيحة وهي الشفاعة المنفية عن الذين لم يحققوا أصلي الإيمان: الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، التوحيد والمعاد، أما أهل الكبائر من هذه الأمة فقد ثبتت الشفاعة في حقهم بالنص خلافًا لمن أنكرها من الخوارج والمعتزلة وغيرهم.","vol":"13","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>فصل في الشفاعة المنفية في القرآن</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nأما بعد.\nفبعون الله وتوفيقه نستأنف دروسنا في الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقد وصلنا إلى موضوع الشفاعة، والحديث عن الشفاعة هو استكمال للحديث عن الاستغاثة والاستعانة، وكما تلاحظون أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في حديثه عن العبودية قد ركّز في هذه الفصول والتي تليها على أعظم وأكثر أنواع العبادة استعمالًا من العباد، وهي مسألة الاستعانة عمومًا، والتي يتجزأ منها ويدخل فيها الاستغاثة، كما تدخل فيها أيضًا الشفاعة، والاستعانة بابها واسع تشمل جميع أنواع الدعاء التي فيها استعانة واستغاثة ونحو ذلك، بينما الاستغاثة جزء من الاستعانة، وكذلك الشفاعة هي جزء من الاستعانة.\nوقد تكلم الشيخ في الفصلين السابقين عن موضوع الاستغاثة ومال إلى التفريق بين الاستغاثة وعموم الاستعانة، وذكر صورًا من الاستغاثة.\nولعلي أذكّر بخلاصة في موضوع الاستغاثة فأقول: إن الاستغاثة هي الاستعانة التي يصحبها شيء من الإلحاح، وطلب العون العاجل، وعلى هذا فهي أخص من عموم الاستعانة.\nأما الشفاعة فلها لون آخر من الاستعانة، وهي اتخاذ الوسيط مع أصل للانتفاع بهذا الاتخاذ، والشفاعة قد تكون صحيحة وهي الشفاعة المثبتة بشروطها، وقد تكون غير صحيحة وهي الشفاعة المنفية، وهذا ما سيتحدث عنه شيخ الإسلام في هذا الفصل والذي يليه.\nقال رحمه الله تعالى: [فصل: في الشفاعة المنفية في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة:٤٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:١٢٣]، وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤]، وقوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١]، وقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨]، وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف:٥٣] وأمثال ذلك].","vol":"13","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>سبب فساد احتجاج الخوارج والمعتزلة وغيرهم على نفي الشفاعة لأهل الكبائر وغير ذلك</span>\nقال رحمه الله تعالى: [واحتج بكثير منه الخوارج والمعتزلة على منع الشفاعة لأهل الكبائر، إذ منعوا أن يُشفع لمن يستحق العذاب، أو أن يخرج من النار من يدخلها، ولم ينفوا الشفاعة لأهل الثواب في زيادة الثواب].\nهذا تناقض، وعلى أي حال فمسألة احتجاج الخوارج والمعتزلة ومن سلك سبيلهم بظاهر هذه الآيات على منع الشفاعة مطلقًا، رغم أنهم تناقضوا فيما بعد فأثبتوا نوعًا من الشفاعة، أقول: إن هذا يعد من المناهج التي ضلت بها الفرق عمومًا في الاستدلال، والتي حادوا بها عن الحق، فوقعوا في الخلط والخبط والتناقض والاضطراب، ورد الحق البيّن، بل رد المتواتر من النصوص، هذا المنهج المعوج يتمثل في الاستدلال ببعض النصوص دون الرجوع إلى القواعد الحاكمة لها، أو إلى النصوص الأخرى الحاكمة عليها، ذلك أن نصوص الشرع بعضها للقياس في القواعد العامة الحاكمة، وبعضها جزئيًا لا بد أن يرد إلى القواعد الحاكمة، ثم إن نصوص الشرع لا بد أن يؤخذ بجملتها، ذلك أن المستدل إذا أراد أن يستدل على قضية معينة لا بد أن يستقرئ النصوص الثابتة كلها من القرآن والسنة، ثم يجمع النصوص الواردة في مسألة معينة وينظر فيها، فقد يجد فيها العام الذي له مخصص، وقد يجد فيها المطلق الذي له ما يقيده، وقد يجد فيها المجمل الذي له ما يفسره ويبينه، وقد يجد فيها الناسخ والمنسوخ إلى آخر ذلك.\nوهذه القاعدة، أعني: رد النصوص بعضها إلى بعض، والاستدلال بمجموع النصوص، قاعدة قد اختلت عند الخوارج والمعتزلة، فصاروا يضربون النصوص بعضها ببعض، ولا يرجعون النصوص إلى النصوص الأخرى، وعلى سبيل المثال: نصوص الشفاعة هذه التي أوردها المؤلف ﵀، فتُشعر بأنه لا شفاعة مطلقًا، وذلك دون النظر إلى النصوص الأخرى، مثل قوله ﷿: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] وغيرها من النصوص التي تضع للشفاعة المثبتة شروطًا وضوابط، وتضع لمنع الشفاعة استثناءات، وهذه الاستثناءات هي التي تعرف بشروط الشفاعة المثبتة.\nوعليه فأقول: إن هذا منهج تسلكه كثير من الفرق، فيستدلون ببعض النصوص دون النظر في البعض الآخر، وهذا الخلل قد يوجد عند الفرق، وقد يوجد عند أفراد ممن يقل فقههم في الدين، بمعنى: لا يظن ظان أنه لا يقع في هذا الانحراف في الاستدلال إلا الفرق، أو من كان على سبيل الفرق، بل قد يقع المتعالي المغرور وقليل الفقه وقليل العلم، ومن لم يتورع ومن لم يرجع إلى العلماء، ومن لم يأخذ العلم على أصوله الصحيحة، ولذلك ترون من يقع في نزعات الخوارج والمعتزلة وغيرهم من أفراد قد لا يكونون من أهل هذه الفرق، لكنهم سلكوا هذا المسلك، وهو عدم الأخذ بأصول الاستدلال، وعدم فقه منهج الاستدلال الذي عليه السلف، فترد النصوص بعضها إلى بعض، والنظر إلى النصوص بمجموعها، ولذلك يشترط النظر في القواعد العامة وفي مناهج الدين الرسوخ في العلم، وأهم ضوابط وشروط الرسوخ في العلم بعد الأمور القلبية من إخلاص وصدق وغيرها: الإحاطة بالنصوص، ولذلك ندرك خطورة المسالك الحديثة التي سلكها كثير من طلاب العلم، عندما حرصوا على التخصصات دون العلم الشمولي، فتجد الواحد منهم يتخصص في التفسير حتى يكون بارعًا فيه، لكنه يجهل الحديث، وهذه كارثة، وقد يتخصص في الفقه لكنه يجهل التفسير والحديث، وقد يتخصص في العقيدة لكنه يجهل الحديث والتفسير وهكذا.\nولذا فإن هذا المنهج المنحرف قد يوجد عند غير الفرق، فيوجد عند أفراد لم يكتمل علمهم، ولم يفقهوا قواعد الدين وقواعد الاستدلال، ويوجد عند الذين مالوا إلى التخصصات الجزئية في علوم الدين، وغفلوا عن أن علوم الدين متكاملة لا يستغني بعضها عن بعض، وإن كنا قد لا نقول: إنه يجب على طالب العلم أن يتبحر في كل علم من العلوم الشرعية، وقد يتخصص في علم من العلوم، لكن يجب عليه أن يلم بأصول العلوم الشرعية الأخرى، أعني: الأصول الضرورية التي لا بد أن يلم بها، فإذا كان متخصصًا في علوم الحديث مثلًا فيجب عليه أن يلم بقواعد التفسير وعلوم القرآن والعقيدة، وإذا كان متخصصًا في العقيدة فلا بد أن يلم إلمامًا جيدًا بأصول العلوم الأخرى بما في ذلك اللغة العربية، إذ إن اللغة العربية شرط لجميع العلوم الشرعية، شرط لاستيعابها وفقهها والنظر والاستدلال، ولذلك قال كثير من السلف: إن كثيرًا من الفرق قد أتيت في عدم فهمها لقواعد الاستدلال ومناهج الدين من العجمة، فلم يفقهوا العربية، فنظروا في النصوص بعجمتهم وبعدم فقههم العربية، فضلوا فيما انتزعوه من أحكام ومواقف وأقوال ومقالات، فضلوا بها عن السنة وأهلها.\nوالشاهد هنا: أن هذه النصوص والآيات ظاهرها منع الشفاعة مطلقًا لمن لم يرد هذه النصوص إلى النصوص الأخرى التي فيها الاستثناء، وهو أن الله ﷿ يقبل الشفاعة بشروط وبأحوال لأناس معينين يرتضيهم الله ﷿ ويرضى عنهم، وهذا الاستثناء لا يخل بالقاعدة، لاسيما وأن الذين تشملهم الشفاعة إلى مجموع الكفار عددهم قليل جدًا، فيكون الأصل في الذين لا يستحقون الشفاعة منع الشفاعة م","vol":"13","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>مذهب السلف في الشفاعة لأهل الكبائر وغيرهم وبيان ضابطها</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ومذهب سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، والقول بأنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان.\nوأيضًا فالأحاديث المستفيضة عن النبي ﷺ في الشفاعة، فيها استشفاع أهل الموقف ليقضى بينهم، وفيهم المؤمن والكافر، وهذا فيه نوع شفاعة للكفار، وأيضًا ففي الصحيح (عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك.\nقال: نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)، وعن عبد الله بن الحارث قال: (سمعت العباس يقول: قلت: يا رسول الله! إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: نعم، وجدته في غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح).\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁: (أن رسول الله ﷺ ذُكر عنده عمه أبو طالب فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار، يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه).\nفهذا نص صحيح صريح لشفاعته في بعض الكفار أن يخفف عنه العذاب، بل في أن يجعل أهون أهل النار عذابًا، كما في الصحيح أيضًا عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه).\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (إن أدنى أهل النار عذابًا منتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه)، وعن النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه)، وعنه قال: قال رسول الله ﷺ (إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا).\nوهذا السؤال الثاني يضعف جواب من تأول نفي الشفاعة على الشفاعة للكفار، وإن الظالمين هم الكافرون.\nفيقال: الشفاعة المنفية هي الشفاعة المعروفة عند الناس عند الإطلاق، وهي أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته، فأما إذا أذن له في أن يشفع فشفع لم يكن مستقلًا بالشفاعة، بل يكون مطيعًا له، أي: تابعًا له في الشفاعة، وتكون شفاعته مقبولة ويكون الأمر كله للآمر المسئول].","vol":"13","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>عدم شفاعة الشافعين يوم القيامة إلا بإذن ورضا الله ﷾</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وقد ثبت بنص القرآن في غير آية أن أحدًا لا يشفع عنده إلا بإذنه، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣]، وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] وأمثال ذلك.\nوالذي يبين أن هذه هي الشفاعة المنفية: أنه قال: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:٥١]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [السجدة:٤] فأخبر أنه ليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع.\nوأما نفي الشفاعة بدون إذنه، فإن الشفاعة إذا كانت بإذنه لم تكن من دونه، كما أن الولاية التي بإذنه ليست من دونه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦].\nوأيضًا فقد قال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤] فذم الذين اتخذوا من دون الله شفعاء، وأخبر أن لله الشفاعة جميعًا، فعُلم أن الشفاعة منتفية عن غيره، إذ لا يشفع أحد إلا بإذنه، وتلك فهي له.\nوقد قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨].\nومما يوضح ذلك: أنه نفى يومئذ الخلة بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]، ومعلوم أنه إنما نفى الخلة المعروفة ونفعها المعروف، كما ينفع الصديق الصديق في الدنيا، كما قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٧ - ١٩]، وقال: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٥ - ١٦]، لم ينف أن يكون في الآخرة خلة نافعة بإذنه، فإنه قد قال: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٧ - ٦٨]، وقد قال النبي ﷺ: (يقول الله تعالى: حقت محبتي للمتحابين فيَّ)، و(يقول الله تعالى: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي).\nفتعين أن الأمر كله عائد إلى تحقيق التوحيد، وأنه لا ينفع أحد ولا يضر إلا بإذن الله، وأنه لا يجوز أن يعبد أحد غير الله، ولا يُستعان به من دون الله، وأنه يوم القيامة يظهر لجميع الخلق أن الأمر كله لله ويتبرأ كل مدع من دعواه الباطلة، فلا يبقى من يدعي لنفسه معه شركًا في ربوبيته أو إلهيته، ولا من يدعي ذلك لغيره بخلاف الدنيا، فإنه وإن لم يكن رب ولا إله إلا هو فقد اتخذ غيره ربًا وإلهًا وادعى ذلك مدعون.\nوفي الدنيا يشفع الشافع عند غيره، وينتفع بشفاعته وإن لم يكن أذن له في الشفاعة، ويكون خليله فيعينه ويفتدي نفسه من الشر، فقد ينتفع بالنفوس والأموال في الدنيا، النفوس ينتفع بها تارة بالاستقلال، وتارة بالإعانة وهي الشفاعة، والأموال بالفداء، فنفى الله هذه الأقسام الثلاثة، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة:٤٨]، وقال: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤]، كما قال: ﴿لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا","vol":"13","page":5},{"text":"شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-163>[١٤]</span>\nالواسطة بين الله وبين خلقه نوعان: واسطة ممنوعة، وواسطة مشروعة، فالواسطة الممنوعة هي الشريك الذي يتخذ مع الله في العبادة وغير ذلك، أما المشروعة فهي واسطة الأنبياء والمرسلين وذلك بتبليغ شرع الله إلى من أرسلوا إليهم، وبيان ما ينفعهم، والتحذير مما يضرهم في دينهم ودنياهم، ويتبعهم العلماء فهم ورثة الأنبياء.","vol":"14","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>المفهوم الصحيح والسليم للواسطة بين الله وبين خلقه</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد: فبعون الله وتوفيقه نستأنف دروسنا، وقد وصلنا في الفتاوى إلى فقرة: جواب شيخ الإسلام على سؤال يتعلق بمفهوم الواسطة، وهذه المسألة في الحقيقة مهمة جدًا؛ لأن فيها بيانًا لوجوه الفرق بين الواسطة المشروعة والواسطة الممنوعة في عبادة الله ﷿، وبيان مفهوم الواسطة أو الوسيلة التي اختلف فيها الناس، وذلك أن كثيرًا ممن يقع في البدع في مسألة الوسيلة، والذين ابتدعوا وسائط ووسائل في عبادة الله ﷿ لم تُشرع، كثيرًا منهم يكون من أسباب بدعته ووقوعه في الممنوع أنه لم يفهم المفهوم الشرعي للواسطة أو الوسيلة، وعلى هذا لم يميزوا بين الوسيلة المشروعة والوسيلة الممنوعة، والشيخ هنا أراد أن يبين الفرق بين الواسطة المشروعة وغير المشروعة، فالواسطة المشروعة بين الله وبين خلقه هو الذي يبلّغ عن الله ﷿، وهذه الوساطة هي وساطة تبليغ فحسب، ولا يمكن أن ترتقي إلى أن يصرف لها أي نوع من أنواع العبادة، وكون النبي واسطة بين الله وبين الخلق، يعني: أنه مبلّغ عن الله فحسب، ولا يعني هذا أنه قد امتاز بسبب هذا التبليغ أو هذا الاصطفاء بأي خصيصة من خصائص الألوهية التي تقتضي اتخاذه معبودًا، أو وسيطًا في العبادة بين الله والخلق، وإنما هو وسيط في التبليغ.\nوأما الواسطة الممنوعة فهي الشريك الذي يتخذ مع الله، سواء كان هذا الشريك في العبادة أو وسيط فيما لم يشرعه الله ﷿، كمن يتبرك به، لكنها وساطة أخف من وساطة العبادة، والمهم أن الشيخ سيبين في هذا الفصل المفهوم الصحيح للواسطة بين الله وبين الخلق، والمفهوم البدعي والشركي للواسطة.\nقال ﵀: [سُئل شيخ الإسلام قدس الله روحه: عن رجلين تناظرا فقال أحدهما: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله، فإنا لا نقدر أن نصل إليه بغير ذلك؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين، إن أراد بذلك أنه لا بد من واسطة تبلغنا أمر الله فهذا حق، فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر به وما نهى عنه، وما أعده لأوليائه من كرامته وما وعد به أعداءه من عذابه، ولا يعرفون ما يستحقه الله تعالى من أسمائه الحسنى وصفاته العليا التي تعجز العقول عن معرفتها وأمثال ذلك إلا بالرسل، الذين أرسلهم الله إلى عباده].\nإذًا: هذا هو المفهوم الصحيح والسليم للواسطة بين الله وبين الخلق، وهو ما يبعثه الله ﷿ ويصطفي من عباده من الأنبياء والرسل يبلغون رسالات الله، وما أمر به العباد من عبادته وطاعته، فحسب، مع أن هؤلاء في جانب التوجه إلى الله ﷿ ليس لهم أي دخل إلا أن يبلغونا كيف نعبد الله فقط، وهم بذواتهم ليسوا واسطة بين الله وبين الخلق.\nقال رحمه الله تعالى: [فالمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم المهتدون الذين يقربهم لديه زلفى ويرفع درجاتهم، ويكرمهم في الدنيا والآخرة، وأما المخالفون للرسل فإنهم ملعونون، وهم عن ربهم ضالون محجوبون، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف:٣٥ - ٣٦]، وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٦]، قال ابن عباس ﵄: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.\nوقال تعالى عن أهل النار: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك:٨ - ٩]، وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَل","vol":"14","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>حقيقة الوسائط المجمع على إثباتها بين الله وبين عباده وحكم من أنكرها</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وهذا مما أجمع عليه جميع أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده].\nيعني: أن جميع أصحاب هذه الملل -المسلمين واليهود والنصارى- كلهم يقرون بأن النبوات تعني وجود أناس من البشر اصطفاهم الله ﷿ ليبلغوا رسالات الله، وهذا في الجملة، وإلا فهناك عند التفصيل أمور في تفاصيل الإيمان بالأنبياء ضل فيها أقوام، فمثلًا: اليهود والنصارى رغم أنهم يؤمنون بمبدأ النبوات، وأن هناك وسائط وهم الأنبياء يبلغون عن الله، إلا أنهم رفعوا بعض الأنبياء إلى مقام الألوهية، وهذا ضلال طارئ عليهم، لكن لا يزالون يعترفون بمبدأ النبوات.\nقال رحمه الله تعالى: [وهذا مما أجمع عليه جميع أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده، وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أمره وخبره، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل.\nوالسور التي أنزلها الله بمكة مثل: الأنعام، والأعراف، وذوات: «الر» و«حم» و«طس» ونحو ذلك، هي متضمنة لأصول الدين، كالإيمان بالله ورسله واليوم الآخر.\nوقد قص الله قصص الكفار الذين كذبوا الرسل، وكيف أهلكهم ونصر رسله والذين آمنوا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، وقال: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١].\nفهذه الوسائط تُطاع وتتبع ويُقتدى بها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]].","vol":"14","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>المفهوم الخاطئ للواسطة بين الله وبين عباده</span>\nهنا أتى الشيخ بالنوع الثاني من الواسطة، أعني: الواسطة الممنوعة والمحرمة، وقد سبق الواسطة المبلغة عن الله ﷿ المتمثلة في الرسل، فهنا أراد أن يبيّن الفهم الخاطئ أو المفهوم الخاطئ للواسطة من أولئك الذين زعموا أن الواسطة تعني: اتخاذ هذا الوسيط من دون الله ﷿، أو صرف شيء من العبادة لغيره، أو أن يُطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا المفهوم هو مفهوم كثير من أهل البدع، بل كل أهل البدع الذين صرفوا شيئًا من أنواع العبادة لغير الله ﷿.\nقال رحمه الله تعالى: [وإن أراد بالواسطة: أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار، مثل: أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم، يسألونه ذلك ويرجون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء، يجتلبون بهم المنافع ويجتنبون المضار].","vol":"14","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>ضرورة التميز بين الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية ومعرفة زمان ومكان وقوعهما</span>\nقال رحمه الله تعالى: [لكن الشفاعة لمن يأذن الله له فيها].\nالإذن في الشفاعة لا يكون إلا يوم القيامة، وعلى هذا فينبغي أن نميّز بين مسألة شروط الشفاعة والاستثناءات فيها، بين الشفاعة المثبتة والمنفية، وأن المنفية تقع في الدنيا وفي الآخرة، بمعنى: أن هناك من يطلب الشفاعة بغير وجهها في الدنيا وفي الآخرة، لكنها لا تُقبل، بينما الشفاعة المثبتة لا تكون إلا في الآخرة؛ لأن الدنيا دار ابتلاء وامتحان، وكل إنسان ينبغي أن يعمل لنفسه، وليس بينه وبين الله واسطة، لكن في الآخرة في بعض الأمور قد يأذن الله ﷿ لبعض العباد بأن يشفعوا، بل الله ﷿ يسخّر الشفعاء ثم يستأذنون فيؤذن لهم بشروط أيضًا، والشروط ستأتي فيما بعد مفصّلة.\nالمهم أن وجود الواسطة التي هي الشفاعة المثبتة في الآخرة بشروطها لا تعني وجود أي نوع من أنواع الشفاعة المشروعة في الدنيا، بل الشفاعة التي هي عند الله ﷿ في مصائر العباد، أو فيما لا يقدر عليه إلا الله ﷿، لكن هناك أمور قد تسمى شفاعة أو قد تشتبه بالشفاعة، مثل: الاستشفاع بدعاء الصالحين، أو بدعاء النبي ﷺ وهو حي، فهذا في الحقيقة لا يعد من اتخاذ الشفيع عند الله ﷿، وإنما هو من باب طلب الإنسان بأن يدعو الله ﷿، وهذا الداعي الذي طلب منه الدعاء سواء كان النبي ﷺ أو غيره لا يعتبر شفيعًا من دون الله ﷿، بل هو طالب من الله ﷿ جلب نفع أو دفع ضر أو نحو ذلك، لكنه لم يتخذ بذاته واسطة، كما سيأتي في مفهوم الشفاعة في الدعاء.\nوالشفاعة المنفية تكون في الدنيا والآخرة، لكن الآن أهل البدع يطلبون الشفاعة المنفية حتى في الدنيا والآخرة؛ لأن بعض الناس قد يطلب شفاعة ولا يقبل منه، فالمثبتة تكون في الآخرة إلا بعض صور الوسيلة، أو في بعض صور الشفاعة، لكن معناها ليس على المعنى الشرعي أو المفهوم الشرعي للشفاعة التي لها شروطها؛ لأن بعض الناس قد يدخل صورة طلب الدعاء من أنواع الشفاعات، وهي ليست حقيقة من أنواع الشفاعات، وإنما هي نوع من أنواع صرف العبادة لله ﷿ من جهة عبد من عباده دعاه، فكون الإنسان المطلوب منه الدعاء قد طلب من الله ﷿ أن ينفع آخرين، فهذا لا يعني أنه هو بذاته اتخذ واسطة، والدليل أن الداعي لم يتخذ بينه وبين الله واسطة، وإنما طلب تعدي النفع إلى الآخرين، وهذا مطلوب حتى ممن لم يطلب الدعاء، فأنت إذا دعوت ينبغي أن تدعو لعموم المسلمين حتى ولو لم يطلبوا منك ذلك، وصورته واحدة ليس من أنواع الشفاعة التي عليها النزاع، ولا من أنواع التوسل الذي عليه النزاع، لكن أهل الأهواء لبّسوا على الناس، فأدخلوا هذه الصورة على أنها صورة تنطبق عليها جميع صور الشفاعات الممنوعة، وعلى أي حال فلا نستعجل الأمر؛ لأن هذا سيأتي في (التوسل والوسيلة) عندما نبدأ به إن شاء الله مفصلًا.\nقال رحمه الله تعالى: [حتى قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة:٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:٥١]، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣].\nوقالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة: فبيّن الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلًا، وأنهم يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه].","vol":"14","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>كفر من جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٧٩ - ٨٠]].\nهذه الآيات من أوضح الأدلة على رد شبهات أهل البدع في مسألة الشفاعة وطلب الشفعاء، أو دعواهم أنهم إنما تعلقوا بالأحياء أو الأموات أو الأشجار أو الأحجار أو غيرها من معبوداتهم إنما ذلك لأن لها مكانة عند الله، أو لأنها وسائط وليست شفعاء، فيجادل بعضهم فيقول: نحن لا نتخذها وسيطًا، وإنما هي شفعاء، فهذه الآية محكمة في الرد على هذه الفئة كما سيأتي الاستدلال بها تفصيلًا فيما بعد إن شاء الله.\nقال رحمه الله تعالى: [فبيّن سبحانه: أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر].\nأشار الشيخ هنا إلى منع الله أن تكون الملائكة أو الأنبياء وسائط، ومن باب أولى دونهم من المخلوقات، من الصالحين وغير الصالحين، والأشجار، والأحجار، والمشاهد، والآثار وغيرها، فمن جعل هذه المخلوقات وسائط من دون الله فقد أشرك من باب أولى؛ لأنه إذا كان اتخاذ الملائكة والرسل وهم مقربون وسائط من دون الله ﷿ شركًا، إذًا فاتخاذ الوسائط من غير هؤلاء شركًا من باب أولى.\nقال رحمه الله تعالى: [فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل: أن يسألهم غفران الذنب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين.\nوقد قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٩]، وقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧]، وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]، ومثل هذا كثير في القرآن].\nهذه الآيات المحكمات البينات فيها رد على الشفاعة والوسيلة الممنوعة، بل إن كل آية بحد ذاتها ترد ردًا صريحًا ظاهرًا على الذين اتخذوا الو","vol":"14","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>الواسطة المشروعة بين الرسول ﷺ وبين أمته</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ومن سوى الأنبياء -من مشايخ العلم والدين- فمن أثبتهم وسائط بين الرسول وأمته، يبلغونهم ويعلمونهم ويؤدبونهم ويقتدون بهم فقد أصاب في ذلك].\nهذه المسألة متفرعة عن النوع الأول، فالشيخ عندما ذكر أن الواسطة على نوعين، ذكر أن الواسطة الصحيحة هي واسطة الأنبياء الذين يبلغون عن الله ﷿، وأن وساطتهم إنما هي في التبليغ فقط، وأن الله ﷿ أيضًا أوصى لهم بحقوق من المحبة والاتباع، وهي واجبة على المسلم، إذًا فهذه الواسطة مشروعة، لكن ليست في باب العبادة ولا التبرك ولا غير ذلك من البدع التي يعملها المبتدعون.\nثم جاء بالنوع الثاني وهو الواسطة الممنوعة، وهي اتخاذ الوسائط من دون الله ﷿ في صرف العبادة لغيره أو التقديس أو التوجه أو غير ذلك.\nثم فرّع هذه المسألة الأخيرة على المسألة الأولى، وهي أنه كما أنا نقول: بأن الأنبياء مبلّغون عن الله ﷿، فكذلك بعد وفاة النبي ﷺ العلماء يبلّغون عن الرسول ﷺ؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء، لكنهم لا يأتون بتشريع من عند الله، وليس لهم في ذلك عصمة ولا قداسة، وإنما يطاعون بطاعة الله ﷿، وبتبليغ ما أمر الله به ورسوله ﷺ، فهم ورثة الأنبياء فيما ورثوا من الحق.\nثم رتب على هذه المسألة نتيجة أو قاعدة عظيمة جدًا، فقال ﵀: [وهؤلاء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة قاطعة، لا يجتمعون على ضلالة].\nهذه قاعدة مهمة جدًا ينبغي أن يفهمها طلاب العلم؛ لأن من المسائل التي خفيت على كثير من الناس اليوم أنه إذا قلنا: بأن العلماء هم المبلّغون عن الرسول ﷺ، وهم ورثة النبي ﷺ في نقل العلم، فلا يعني ذلك أنهم معصومون، لكن أيضًا لا يمكن أن يجمعوا على ضلالة لأسباب: أولها: أن الله قد تكفّل بحفظ الدين، ولو أجمعوا على ضلالة فقد انخرمت هذه القاعدة.\nثانيها: أن الله ﷿ جعل الكتاب المحفوظ والسنة بينة واضحة، وما دامت السنة بيّنة واضحة فلا يمكن أن يقع إجماع العلماء على الضلال؛ لأن الإجماع على الضلال لا يكون إلا عن جهل، ومع بيان الحق لا يمكن أن يتأتى الجهل على الجميع.\nفإذًا: هذه ضمانة من الله ﷿ بأن أهل العلم إذا أجمعوا فإن إجماعهم حجة قاطعة؛ لأنهم لا يجمعون على ضلالة، لكن قد يخالفهم بعضهم، وهذه مسألة واردة جدًا، وقد تقول الأكثرية أحيانًا بغير الحق، وأحيانًا قلة جدًا لا تحدث إلا عند الفتن ونحو ذلك، لكن لا يكون الإجماع، وأحيانًا قد يخفى الحق على الأكثرين ويتبين لقليلين، فهذه ينبغي أن نفهمها جيدًا، لكن لا يقع الإجماع؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لن يجمع الله أمتي على ضلالة)، فأهل العلم الذين يمثلون الأمة لا يجتمعون على ضلالة، وغيرهم من بقية الأمة تبع لهم، وبحمد الله هذه القاعدة مستمرة وإلى أن تقوم الساعة واضحة جلية، ولم يحدث إجماع في يوم من الأيام على ضلالة، أو تبيّن أن الأمة في يوم من الأيام، أو في عصر من العصور قد اجتمع علماؤها على ضلالة، لم يحدث هذا أبدًا ولن يحدث.\nوالعصمة ليست لأفرادهم، وإنما العصمة للدين ولمجموع العلماء إذا أجمعوا لا لذواتهم؛ لكن لأنهم استندوا على الحق، فبه يقع الإجماع.\nلكن بعد توزع الأمة ووجود المسلمين في أمكنة كثيرة مختلفة، ووجود البلاد على شكل دول، فيبدو لي والله أعلم أنه لا يعتبر إلا في حالات نادرة لا أتصورها الآن، فلو افترضنا أن البلاد تشمل أهل السنة والجماعة مثلًا، وأن فيها أغلبية العلماء فربما لا يقع الإجماع، لكن لا ينطبق على القاعدة، فالقاعدة تعني عموم الأمة؛ لأنا إذا خضنا في التفصيلات فقد نقع في شبهات ليس لنا فيها دليل، والمقصود العموم، والعموم يحدث بعموم الأمة.\nقال رحمه الله تعالى: [وإن تنازعوا في شيء ردوه إلى الله والرسول، إذ الواحد منهم ليس بمعصوم على الإطلاق، بل كل أحد من الناس يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله ﷺ، وقد قال النبي ﷺ: (العلماء ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر)].","vol":"14","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>بعض صور المفهوم الخاطئ السائد عند أهل البدع في الواسطة بين الله وبين خلقه</span>\nسيقرر الشيخ هنا صورة من صور المفهوم الخاطئ للوسيلة عند غالب أهل البدع، وليست هي مجموعة، لكنها صورة من صور المفهوم الخاطئ، وسيقررها الشيخ الآن ويبينها، ويبين وجه الخطأ فيها.\nقال رحمه الله تعالى: [وإن أثبتم وسائط بين الله وبين خلقه -كالحجاب الذين بين الملك ورعيته- بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فالله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس؛ لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك؛ لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون لله، شبهوا المخلوق بالخالق، وجعلوا لله أندادًا، وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لم تتسع له هذه الفتوى.\nفإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس يكونون على أحد وجوه ثلاثة: إما لإخبارهم من أحوال الناس بما لا يعرفونه.\nومن قال: إن الله لا يعلم أحوال عباده حتى يخبره بتلك بعض الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم فهو كافر، بل هو سبحانه يعلم السر وأخفى، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وهو السميع البصير، يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين.\nالوجه الثاني: أن يكون الملك عاجزًا عن تدبير رعيته، ودفع أعدائه -إلا بأعوان يعينونه- فلا بد له من أنصار وأعوان لذله وعجزه، والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١].\nوكل ما في الوجود من الأسباب فهو خالقه وربه ومليكه، فهو الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم -في الحقيقة- شركاؤهم في الملك.\nوالله تعالى ليس له شريك في الملك، بل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.\nوالوجه الثالث: أن يكون الملك ليس مريدًا لنفع رعيته والإحسان إليهم ورحمتهم، إلا بمحرك يحركه من خارج، فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعظّمه أو من يدل عليه، بحيث يكون يرجوه ويخافه، تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته، إما لما حصل في قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير، وإما لما يحصل من الرغبة أو الرهبة من كلام المدل عليه.\nوالله تعالى هو رب كل شيء ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وكل الأشياء إنما تكون بمشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو إذا أجرى نفع العباد بعضهم على بعض، فجعل هذا يحسن إلى هذا ويدعو له ويشفع فيه ونحو ذلك، فهو الذي خلق ذلك كله، وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن الداعي الشافع إرادة الإحسان والدعاء والشفاعة، ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده، أو يعلمه ما لم يكن يعلم، أو من يرجوه الرب ويخافه.\nولهذا قال النبي ﷺ: (لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإنه لا مكره له)].\nلا يزال الشيخ يسترسل في رد الشبهة، أعني: شبهة قياس الواسطة عند الله ﷿ على الواسطة عند المخلوق، مع أن هذا قياس تنفر منه النفوس؛ لأن الله ﷿ هو الغني، ولا يجوز أن يتخذ ما اعتاده الناس من اتخاذ الوسطاء عند الوجهاء والملوك ذريعة لاتخاذ الوسطاء عند الله ﷿، لأن الله هو الغني، وهو الذي أمر عباده بأن يدعوه دون غيره، وهو الذي أيضًا يحب أن يدعوه العباد، ولا يمل من دعائه ولا يستكثر، بينما العبد لو دعي مرة أو مرتين أو كرر عليه الطلب سئم مهما كان عنده من القوة والسلطان.\nإذًا: فقياسهم هذا قياس فاسد تنفر منه النفوس والعقول السليمة فضلًا عن أن يعرف ذلك بالشرع، لكن الشيخ ﵀ كان يستطرد في دفع مثل هذه الشبهات؛ لأنها كانت شبهات قد ملأت عقول وقلوب العامة والدهماء الذين يتبعون رءوسهم في هذه البدع، نسأل الله العافية.\nوأما الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: (أستشفع بالله عليك).\nأليس هذا من الشفاعة المثبتة في الدنيا؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أن النبي ﷺ قد أنكر بمن استشفع بالله عليه؛ لأن الله ﷿ هو صاحب الغنى المطلق، وهذه من الشفاعة المثبتة في الدنيا، والمعروف أن النبي ﷺ قد استشفع به أناس كثيرون، لكن استشفعوا بدعائه ﵊، وم","vol":"14","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>الفرق بين الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية</span>\nقال رحمه الله تعالى: [والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلا بإذنه، كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣]].\nإذن الله ﷿ للشفعاء يفسّر بأمرين: بمقتضى النصوص الأخرى، ومقتضى سياق نصوص الشفاعة وأحاديث الشفاعة.\nفالأمر الأول: الشفاعة المشروعة، بمعنى: أن تكون الشفاعة مشروعة على أمر مشروع، والإذن بمعنى: أن الله ﷿ يفتح الشفاعة لهذا العبد، بمعنى: أنه يرخّص له بهذه الشفاعة، فقوله ﷿: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فتتضمن الأمرين: بما شرعه من شروط الشفاعة المثبتة، ويجب أن يباشر، أي: بإعطائه الفرصة للشفيع بأن يشفع، أو بصدور الإذن من الله ﷿ بكلامه وبأمره.\nولذلك يعتبر الإذن من ضمن شروط الشفاعة، وليس الشرط الوحيد بأن يرضى الله عن الشفيع والشافع، وألا يكون المشفوع له من أهل النار الخُلّص إلى آخره، فهذه شروط يتضمنها معنى الإذن، بمعنى: أنه لا يكون الإذن إلا بتوافر الشروط.\nومن هنا الإذن يشمل الأمرين: توافر الشروط، ثم صدور الأمر من الله ﷿ بالشفاعة.\nقال رحمه الله تعالى: [فبيّن أن كل من دُعي من دونه ليس له ملك ولا شرك في الملك، ولا هو ظهير، وأن شفاعتهم لا تنفع إلا لمن أذن له.\nوهذا بخلاف الملوك، فإن الشافع عندهم قد يكون له ملك، وقد يكون شريكًا لهم في الملك، وقد يكون مظاهرًا لهم معاونًا لهم على ملكهم، وهؤلاء يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك هم وغيرهم، والملك يقبل شفاعتهم تارة بحاجته إليهم، وتارة لخوفه منهم، وتارة لجزاء إحسانهم إليه ومكافأتهم ولإنعامهم عليه، حتى إنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك، فإنه محتاج إلى الزوجة وإلى الولد، حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك، ويقبل شفاعة مملوكه، فإذا لم يقبل شفاعته يخاف ألا يطيعه، أو أن يسعى في ضرره، وشفاعة العباد بعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس، فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو رهبة.\nوالله تعالى لا يرجو أحدًا ولا يخافه ولا يحتاج إلى أحد، بل هو الغني، قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس:٦٦] إلى قوله: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:٦٨]].\nمن أوضح الفوارق بين الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية، ومسألة قياس الشفاعة عند الله ﷿ بالشفاعة عند الملوك والبشر: هو أن الشافع بين البشر أنفسهم كالشفاعة عند العظماء وعند العلماء وعند الملوك والسلاطين وعند التجار وغيرهم تكون فيها الشفاعة مؤثرة في الشافع والمشفوع له، يعني: مؤثرة بأي نوع من الشفيع، ولنفرض أن المشفوع عنده والتي طلبت منه الشفاعة، أو الذي يطلب منه الشافع العمل، ولنفرض أنه ممن لا يحتاج البشر حاجة ظاهرة، لكن لا يمكن أن يؤدي خدمة للمشفوع له بناء على شفاعة الشافعين، إلا لأمر أثّر عليه، إما رحمة، وإما رجاء، وإما خوف، وإما حب التسلط، ولنفرض أن هذا المشفوع عنده ممن لا يرجو الناس ولا يخافهم، لكن لا بد حينما أطاع، وحينما عمل بمقتضى الشفاعة لا بد أن يكون هناك مؤثر فيه، ولو على الأقل إثبات الجبروت، أو إثبات أن له نعمة على الناس، ومعنى هذا: أنه لا بد أن يكون تأثر بالشفاعة، ولكن الله ﷿ هو الغني الغنى المطلق، فالشافع غير مؤثر في الله إطلاقًا بأي نوع من التأثير، من هنا لا يجوز قياس المشركين الذين قاسوا به بأن الشفاعة عند الله تماثل الشفاعة عند أصحاب السلطان وأصحاب الجاه وغيرها؛ لأن الشفاعة هذه فعلًا مؤثرة، والشافع المخلوق عند المخلوق لا بد أن يؤثر وإن كان المشفوع عنده أكبر وأعظم سلطانًا، فلا بد أن يكون مؤثرًا بأي نوع، بينما الشفاعة عند الله ﷿ لا يكون الشافع فيها مؤثرًا بأي نوع من التأثير، وإنما هي بإذن الله وبرحمته لعباده، والله ﷿ هو الغني الغنى المطلق لا يؤثر فيه شيء، ولا يرجو العباد ولا يخشاهم.","vol":"14","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>حكم الشفاعة للمشركين وعدم جدوى شفعائهم</span>\nقال رحمه الله تعالى: [والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨]، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف:٢٨].\nوأخبر عن المشركين أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٨٠]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧].\nفأخبر أن ما يُدعى من دونه لا يملك كشف ضر ولا تحويله، وأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه ويتقربون إليه، فهو سبحانه قد نفى ما من الملائكة والأنبياء، إلا من الشفاعة بإذنه، والشفاعة هي الدعاء.\nولا ريب أن دعاء الخلق بعضهم لبعض نافع، والله قد أمر بذلك، لكن الداعي الشافع ليس له أن يدعو ويشفع إلا بإذن الله له في ذلك، فلا يشفع شفاعة نهي عنها، كالشفاعة للمشركين والدعاء لهم بالمغفرة، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة:١١٣ - ١١٤]، وقال تعالى في حق المنافقين: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون:٦].\nوقد ثبت في الصحيح أن الله نهى نبيه عن الاستغفار للمشركين والمنافقين، وأخبر أنه لا يغفر لهم، كما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وقوله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤]، وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]-في الدعاء- ومن الاعتداء في الدعاء: أن يسأل العبد ما لم يكن الرب ليفعله، مثل: أن يسأله منازل الأنبياء وليس منهم، أو المغفرة للمشركين ونحو ذلك، أو يسأله ما فيه معصية الله، كإعانته على الكفر والفسوق والعصيان.\nفالشفيع الذي أذن الله له في الشفاعة، شفاعته في الدعاء الذي ليس فيه عدوان.\nولو سأل أحدهم دعاء لا يصلح له لا يقر عليه، فإنهم معصومون أن يقروا على ذلك، كما قال نوح: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود:٤٥] قال تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٦ - ٤٧].\nوكل داع شافع دعا الله ﷾ وشُفّع فلا يكون دعاؤه وشفاعته إلا بقضاء الله وقدره ومشيئته، وهو الذي يجيب الدعاء ويقبل الشفاعة، فهو الذي خلق السبب والمسبب، والدعاء من جملة الأسباب التي قدرها الله ﷾].\nنقف هنا، والمسألة التالية: مسألة الالتفات إلى الأسباب، مسألة مستقلة تحتاج إلى شرح مستقل.\nأيضًا: نحب أن نقول خلاصة ما سبق، أعني: الخلاصة في مسألة دعاء الغير والدعاء للغير، ودخول هذه في الشفاعة المطلوبة من عدم دخولها: يجب أن نفرق بين الدعاء للإنسان ودعائه، أو الدعاء للغير ودعاء الغير.\nفالدعاء للغير مشروع، لكن بشرط، ودعاء الغير من دون الله ﷿ ممنوع مطلقًا","vol":"14","page":10},{"text":"شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-173>[١٥]</span>\nالالتفات إلى الأسباب والاعتماد عليها من دون الله ﷿ شرك في التوحيد، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، ومحو الأسباب وتعطيل آثارها نقص في العقل، فينبغي للعبد أن يكون توكله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله ﷿، والله هو المقدر للأسباب وخالقها.","vol":"15","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>حكم الالتفات إلى الأسباب أو محو سببيتها أو الإعراض عنها بالكلية</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nوبعد: فيقول: ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وكل داع شافع دعا الله ﷾ وشفع فلا يكون دعاؤه وشفاعته إلا بقضاء الله وقدره ومشيئته، وهو الذي يجيب الدعاء ويقبل الشفاعة، وهو الذي خلق السبب والمسبب، والدعاء من جملة الأسباب التي قدرها الله ﷾، وإذا كان كذلك: فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، بل العبد يجب أن يكون توكله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله ﷾، والله يقدر له من الأسباب من دعاء الخلق وغيرهم ما شاء].\nفي الحقيقة هذه قاعدة عظيمة قد تضمنت عدة فروع، منها: الأسباب والاعتماد عليها أو عدم الاعتماد عليها، والشيخ هنا قد ذكر الشق الأول من القاعدة، فقال ﵀: فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد.\nوهذا كلام مجمل في الحقيقة يحتاج إلى بيان؛ لأن الالتفات للأسباب يطلق على معنيين: فعل الأسباب مع وجود التوكل والاعتماد على الله ﷿، وهذا مشروع، لكن الشيخ لا يقصد هذا المعنى، وإنما يقصد بقوله ذاك: الاعتماد على الأسباب من دون الله ﷿، وجعلها هي النافعة والضارة والمؤثرة من دون الله، دون أن يكون لله ﷿ في ذلك تقدير ولا خلق، وهذا كما يفعله كثير من أهل الشرك، بل الآن أكثر الكفار يظنون أن الأسباب هي الفاعلة، ولا يعولون على تقدير الله ﷿، بل لا يعرفون هذا أصلًا في عقائدهم، ويظنون أن الأسباب هي التي أوجدت، ولذلك نجدهم -مثلًا- في تعبيراتهم الأدبية خاصة ينسبون الخلق إلى غير الله ﷿، فيقولون: إن الطبيعة خلقت كذا، والإنسان خلاق، وكذا خلق، وهذه التعبيرات انتقلت إلى بعض المثقفين المسلمين مع الأسف؛ بسبب التقليد الأعمى وبعدم إدراك العقيدة ينسبون الخلق إلى غير الله ﷿ كما ذكرنا؛ لأنهم يرون الأسباب هي المؤثرة، فالتفتوا إليها ولم يعولوا على الاعتماد على الله ﷿، وهذه سمة عامة في جميع الكفار في هذا العصر.\nإذًا: الالتفات إلى الأسباب على نوعين: الأول: فعل الأسباب كما شرع الله ﷿ مع الاعتماد على الله، وهذا مشروع، الثاني: الاعتماد على الأسباب من دون الله، وهذا شرك مع الله ﷿، وهذه هي القاعدة الأولى.\nوأما القاعدة الثانية فقال ﵀: (ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل).\nيقصد بهذا نظريات بعض المتكلمين وخاصة غلاة الأشاعرة، فهم يزعمون أن الأسباب ما هي إلا قرائن على الأفعال على الناس فقط، وليست أسبابًا حقيقية، حتى إن منهم من زعم أن السحاب ليس سببًا مباشرًا للمطر، وأن المطر ليس سببًا في الإنبات، وزعموا أن هذه مجرد قرائن، فإذا رأينا السحاب فقد يكون هناك مطر، لكن ليس بسبب السحاب.\nوهذه مغالطة، ولذلك قال الشيخ: (نقص في العقل).\nأي: لاشك أن الله ﷿ هو الخالق، وأن الأسباب من خلقه، لكن الله ﷿ جعل للكون نظامًا، وجعل من نظام خلقه أن الأسباب بالفعل مؤثرة بمسبباتها، وكل ذلك يرجع إلى تقدير الله وخلقه.\nوعليه فالأسباب ومسبباتها من خلق الله ﷿، لكن عندما بالغ هؤلاء في إثبات الأمور إلى الله ﷿ ألغوا الأسباب، حتى جعلوها مجرد قرائن على وجود الأشياء، فقالوا: إن الله ﷿ جعل الأسباب مجرد قرائن وليس لها تأثير أبدًا، وهذا لاشك أنه نقص في العقل.\nوالقاعدة الثالثة قوله: (والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع) وهذا رأي كثير من غلاة المتصوفة وغلاة العباد والنساك الذين زعموا أن التعلق بالأسباب نقص في الإيمان، وهذا خطأ؛ لأن التعلق بالأسباب على وجه شرعي مع الاعتماد والتوكل على الله ﷿بشرط ألا يعتقد الإنسان أو الفاعل أن السبب هو المؤثر من دون الله- أمر مطلوب شرعًا، وفعل الأسباب من مقتضيات الدين ومن ضروراته؛ لأن الله ﷿ أمر بفعل الأسباب في كل شيء، بل أركان الدين وواجباته لا تقوم إلا بفعل الأسباب، وعلى هذا فهؤلاء الذين أعرضوا عن الأسباب بالكلية، وزعموا أنه يسع المسلم أن يقعد عن العمل ويأتيه رزقه، ويقعد عن الجهاد ويأتيه النصر، ويقعد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويأتيه الأمن، كل هذا باطل، فالمسلم لابد أن يفعل الأسباب في نفسه وفي نصر دينه، وفي معاشه وفي دينه ودنياه، ولذلك هؤلاء الذين سلكوا هذا المسلك ظهرت منهم هذه المذاهب المخذلة التي كانت من أعظم أسباب خذلان المسلمين وقعودهم عن الأخذ بأسباب الحياة في العصور المتأخرة، وذلك عندما هيمن التصوف في العالم الإسلامي في القرون المتأخرة، وهيمن الذل والهوان والقعود عن فعل الأسباب، ووجد الركون والخمول بسبب هذه العقيدة الفاسدة، وهي عقيدة ترك الأسباب.\nإذًا: ترك الأسباب بالكلية قدح في الشرع؛ لأنه إعراض عن أمر الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ.\nومن هذا الباب: الرقية الشرعية، فهي تعتبر من الأسباب التي أذن الله بها.\nقال كثير م","vol":"15","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>حكم الدعاء للآخرين أو طلبه منهم</span>\nقال رحمه الله تعالى: [والدعاء مشروع أن يدعو الأعلى للأدنى والأدنى للأعلى، فطلب الشفاعة والدعاء من الأنبياء كما كان المسلمون يستشفعون بالنبي ﷺ في الاستسقاء، ويطلبون منه الدعاء، بل وكذلك بعده استسقى عمر والمسلمون بـ العباس عمه ﵁، والناس يطلبون الشفاعة يوم القيامة من الأنبياء، ومحمد ﷺ وهو سيد الشفعاء، وله شفاعات يختص بها، ومع هذا فقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة)، وقد (قال لـ عمر: لما أراد أن يعتمر وودعه: يا أخي! لا تنسني من دعائك)].\nهذا الحديث ضعيف، لكن مع ذلك معنى الحديث له شواهد كثيرة من نصوص الشرع ومن أعمال النبي ﷺ ومن أعمال السلف، وطلب الدعاء من الغير دون اعتداء ودون توكل أو اتكال على هذا الدعاء أمر مشروع لا حرج فيه، لكن قد يحرم حينًا، وقد يكره حينًا، وقد يجوز حينًا، وقد يستحب أحيانًا، فإذا وجدت المبررات لطلب الدعاء من الغير، كأن يكون عند الإنسان مرض، أو نزل به ضر، أو كان في مكان فاضل، أو في زمان فاضل، فهذا من الأمور التي يشرع فيها، بل وربما يستحب في حالات نادرة، لكن يبقى الأصل فيه المشروعية، لكن إن فعل الإنسان هذا الأمر على سبيل الدوام، كما يفعل بعض جهلة المتصوفة عندما يلقى أي مسلم يطلب منه أن يدعو له، حتى يكاد يتكل على دعاء الناس، ويكون همه كلما التقى بإنسان يقول له: ادع الله لي، حتى صار دائمًا يتطلع إلى نتيجة دعاء الناس، ويضعف توكله على الله، فهذا قد يحرم أحيانًا، بل قد يكون بدعة إذا داوم عليه الإنسان وصار من سماته.\nولذا عندما ننظر إلى حال السلف نجد أنهم كانوا يفعلون ذلك، لكن في حالات نادرة لها مبرراتها وموجباتها، والإنسان ينبغي أن يكون دائم التوكل والاعتماد على الله ﷿، ولا يكون بينه وبين الله وسائط، ولا يطلب من الغير العون، والباب بينه وبين ربه مفتوح دائمًا، والله ﷿ يسخط على عبده إذا لم يدعه، وعلى هذا لا ينبغي أن يكون هذا الأمر على سبيل المداومة، وإنما لا بد أن يكون باعتدال وفي حدود الضرورة أو الحاجة، فيبقى مشروعًا بما ورد من الأدلة الشرعية، لأنه يخضع لقاعدة أخرى، وسيأتي أيضًا التمييز بين هذا النوع والأنواع الأخرى من الشفاعات، هذا داخل في معنى الشفاعة الجائزة.","vol":"15","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>وجه طلب الرسول ﷺ من الأمة أن تدعو له</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فالنبي ﷺ قد طلب من أمته أن يدعوا له، ولكن ليس ذلك من باب سؤالهم، بل أمره بذلك لهم كأمره لهم بسائر الطاعات].\nيقصد الشيخ هنا من قوله: (فالنبي ﷺ قد طلب من أمته أن يدعو له) أي: أن يصلوا ويسلموا عليه، فإذا قلنا: ﷺ.\nفهذا دعاء له، وطلب النبي ﷺ ذلك هو طلب من الأعلى إلى الأدنى، فالنبي ﷺ أعلى من غيره، وهذا بتشريع من الله ﷿، فهو الذي أمرنا، والنبي ﷺ أيضًا أعلمنا بما أمرنا الله به كما ورد في القرآن وأيضًا في صحيح السنة، من الأمر بالصلاة على النبي ﷺ والوعد في ذلك.\nوأما بالنسبة لحديث عمر السابق فهو حديث ضعيف لا يعول عليه في تأسيس القاعدة، لكن الآثار قد توافرت في جواز هذا الأمر من غير هذا الحديث.\nقال رحمه الله تعالى: [بل أمره بذلك لهم كأمره لهم بسائر الطاعات التي يثابون عليها، مع أنه ﷺ له مثل أجورهم في كل ما يعملونه، فإنه قد صح عنه أنه قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا)، وهو داعي الأمة إلى كل هدى، فله مثل أجورهم في كل ما اتبعوه فيه.\nوكذلك إذا صلوا عليه، فإن الله يصلي على أحدهم عشرًا، وله مثل أجورهم مع ما يستجيبه من دعائهم له، فذلك الدعاء قد أعطاهم الله أجرهم عليه، وصار ما حصل له به من النفع نعمة من الله عليه، وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: (ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكًا، كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به: آمين، ولك مثل ذلك)، وفي حديث آخر: (أسرع الدعاء دعوة غائب لغائب)].","vol":"15","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>فوائد الدعاء للغير وثماره</span>\nقال رحمه الله تعالى: [فالدعاء للغير ينتفع به الداعي والمدعو له، وإن كان الداعي دون المدعو له، فدعاء المؤمن لأخيه ينتفع به الداعي والمدعو له، فمن قال لغيره: ادع لي وقصد انتفاعهما جميعًا بذلك كان هو وأخوه متعاونين على البر والتقوى، فهو نبه المسئول وأشار عليه بما ينفعهما، والمسئول فعل ما ينفعهما بمنزلة من يأمر غيره ببر وتقوى، فيثاب المأمور على فعله، والآمر أيضًا يثاب مثل ثوابه؛ لكونه دعا إليه، لاسيما ومن الأدعية ما يؤمر بها العبد، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩]، فأمره بالاستغفار، ثم قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤].\nفذكر سبحانه استغفارهم، واستغفار الرسول لهم إذ ذاك مما أمر به الرسول، حيث أمره أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، ولم يأمر الله مخلوقًا أن يسأل مخلوقًا شيئًا لم يأمر الله المخلوق به، بل ما أمر الله العبد أمر إيجاب أو استحباب ففعله هو عبادة لله وطاعة وقربة إلى الله، وصلاح لفاعله وحسنة فيه، وإذا فعل ذلك كان أعظم لإحسان الله إليه، وإنعامه عليه، بل أجل نعمة أنعم الله بها على عباده أن هداهم للإيمان].\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"15","page":5},{"text":"شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-178>[١٦]</span>\nالإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأعظم نعمة أنعم الله بها على الإنسان هي نعمة الدين والإيمان، فهو الذي أنعم على العبد بفعل الخير ووفقه لذلك، خلافًا للقدرية الذين ينكرون ذلك، ويقولون بأن العبد خالق فعل نفسه.","vol":"16","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>عقيدة السلف في الإيمان</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد: فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [والإيمان قول وعمل يزيد بالطاعات والحسنات].\nهذا مجمل اعتقاد السلف في الإيمان، وكما ترون عادة السلف ﵏ أنهم يوجزون في التعبير عن العقيدة، ولذلك جاءت عقيدتهم -بحمد الله- سهلة واضحة لا لبس فيها ولا غموض، وقول السلف: (الإيمان قول وعمل) يقصدون به: أن الإيمان يشمل الأمور القلبية والقولية والعملية، وهذه المعاني كلها تجتمع في كلمتين: (قول وعمل) فالقول يشمل ما يصدر عن القلب وعمل اللسان الذي هو حركة اللسان ونطقه.\nوكذلك العمل يشمل عمل القلب، من الرجاء والخوف واليقين والصدق والخشية والإنابة إلى الله ﷿، وهذا يسمى: عمل القلب، وهو من أعمال القلوب باتفاق السلف، كما يشمل عمل الجوارح، وعلى هذا تكون هاتان الكلمتان من أوجز الكلمات التي تعبر عن مذهب السلف.","vol":"16","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>زيادة الإيمان بالطاعات ووجه كون الدنيا نعمة أم لا</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وكلما ازداد العبد عملًا للخير ازداد إيمانه، هذا هو الإنعام الحقيقي المذكور في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧]، وفي قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦٩]، بل نعم الدنيا بدون الدين هل هي من نعمه أم لا؟ فيه قولان مشهوران للعلماء من أصحابنا وغيرهم].\nكما هو معلوم أن كل شيء من نعم الله ﷿، لكن يقصد الشيخ بسؤاله: هل هي نعمة أم نقمة؟ أي: هل هذه الدنيا من النعم التي امتن الله بها على عباده، أم هي نقمة؟ الدنيا ظاهرها نعمة، يعني: شهوات الدنيا ورغباتها وأولادها وغير ذلك من مكاسب الدنيا ظاهرها أنها نعمة، لكن قد تكون نقمة في المآل.\nولذلك سيذكر الشيخ المذهب الحق بعد قليل.\nقال رحمه الله تعالى: [والتحقيق أنها نعمة من وجه وإن لم تكن نعمة تامة من وجه].\nقوله: (أنها نعمة من وجه) يعني: أن هذه الخيرات التي تفضل الله بها على العباد هي في حد ذاتها نعمة، لكنها قد تكون نقمة إذا استعملت في غير ما يرضي الله ﷿، كأن تلهي الإنسان عن ذكر الله، أو تلهيه عن واجباته الأساسية.\nإذًا: هي في أصلها نعمة إن استخدمت فيما يرضي الله ﷿، فتبقى نعمة للعبد في الدنيا والآخرة، وإذا استخدمت على غير ما يرضي الله ﷿، أي: على غير وجه شرعي، صارت نقمة على العبد في مآلها لا في أصلها؛ لأن جميع أمور الدنيا هي بصدورها عن الله ﷿ من نعم الله ﷿، ولذلك امتن الله على العباد حتى بخلق السماوات والأرض، لكن الكلام هنا هو عن المآل، أعني: مآل هذه الخيرات في الدنيا، هل هي نعمة لهذا الإنسان أم نقمة عليه في المآل؟","vol":"16","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>الإنعام الحقيقي وبيان عقيدة أهل السنة وغيرهم في ذلك</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وأما الإنعام بالدين الذي ينبغي طلبه فهو ما أمر الله به من واجب ومستحب، فهو الخير الذي ينبغي طلبه باتفاق المسلمين، وهو النعمة الحقيقية عند أهل السنة، إذ عندهم أن الله هو الذي أنعم بفعل الخير، والقدرية عندهم إنما أنعم بالقدرة عليه الصالحة للضدين فقط].\nالقدرية يقفون عند مسألة ما المقصود بـ (الإنعام)؟ فيقولون: هو إقدار الإنسان فقط، أي: إقدار الإنسان على الفعل، لكن الإنسان إذا فعل الخير كان في حقه نعمة، وكذلك إذا فعل الشر كان في حقه نعمة، ولا يجعلون ذلك من تقدير الله ﷿، فيقولون: قدر الله ونعمة الله تقف عند إقدار العبد، ولذلك قالوا: إن الأعمال عند العبد قابلة للضدين بدون أن يكون الله قدر ذلك بزعمهم، تعالى الله عما يقولون، فإن فعل العبد الخير وقع القدر على ما يرضي الله، وإن فعل الشر وقع القدر على ما لا يرضي الله، وباستقلال من العبد، وعلى هذا يقولون: إن الإنسان هو الفاعل استقلالًا من دون الله سبحانه، ويقفون في مسألة تقدير النعمة لله، أو إضافة النعمة إلى الله ﷿، أو الفضل أو القدرة بأنها واقفة عند إعطاء الإنسان القدرة فقط، فهم يرون أن الإنسان هو الفاعل، ويرون أن فعل الخير ليس بتوفيق الله ﷿، وإنما الإنسان بمحض إرادته فعل الخير.\nولذلك هم لا يعترفون بالتوفيق، ويرون أن الإنسان مثل الآلة المبرمجة، فإن فعل الخير كان هذا مما علمه الله بعد فعله، ولذلك قالوا: لا قدر والأمر أنف، يعني: أمر حادث الحصول، وحادث العلم عند الله، وكأن الله لم يعلمه، بل زعموا أن الله لم يعلمه ولم يقدره، وإن كان بعض القدرية المتأخرين قالوا: نثبت العلم، لكن العلم يقف عند الإقدار، أي: إقدار العبد على الفعل، فمن فعل خيرًا فذلك بمحض مشيئته، وليس بتوفيق من الله ﷿، ومن فعل شرًا فذلك بمحض مشيئته، وليس بتقدير الله ﷿، ومن هنا اختلف قولهم عن قول أهل السنة، فأهل السنة يرون أن النعم الحقيقية من الله ﷿ ابتداء وانتهاء، وأن الإنسان إن فعل الخير -وإن كان الله هو الذي أقدره عليه- فبنعمة الله وبفضله وتوفيقه، وإن فعل الشر فالله هو الذي أقدره عليه، لكن بخذلان الله له، أي: خذله الله ﷿ ولم يوفقه ولم يسدده، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مقام آخر: إن مشكلة القدرية أنهم لم يفرقوا بين الإرادة الكونية العامة وبين الإرادة الشرعية، فجعلوا ما يريده الله شرعًا كأنه قدره كونًا، وما قدره الله كونًا لابد أن يكون قد أراده شرعًا.\nفلذلك قالوا: نظرًا لأن الله لم يرد الشر إذًا لم يخلقه، وهذه مسألة فيها لبس وفيها غموض، فجعلت كثيرًا من عوام المسلمين قديمًا وبعض طلاب العلم الذين لم يتمكن الدين والعقيدة من قلوبهم يقعون في مذهب القدرية؛ لأنهم وقعوا على قضية حساسة أحدثوا في الذهن شبهة ولم يعرفوا علاجها، وكذلك الناس لو حصنوا بقواعد القدر ما انطلت عليهم مثل هذه الشبهات.\nالمهم أن قوله: (الصالحة للضدين) هذا بزعم القدرية فهم يزعمون أن الله ﷿ أعطى العبد قدرة ثم تخلى عنه وجعل هذه القدرة صالحة لفعل الشر ولفعل الخير من العبد نفسه لا من تقدير الله، هذا معنى الكلام.","vol":"16","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>حكم طلب الدعاء من الغير لمصلحة وغير مصلحة وبيان عدم علاقته بالشفاعة</span>\nقال رحمه الله تعالى: [والمقصود هنا أن الله لم يأمر مخلوقًا أن يسأل مخلوقًا إلا ما كان مصلحة لذلك المخلوق، إما واجب أو مستحب، فإنه سبحانه لا يطلب من العبد إلا ذلك، فكيف يأمر غيره أن يطلب منه غير ذلك؟ بل قد حرم على العبد أن يسأل العبد ماله إلا عند الضرورة.\nوإن كان قصده مصلحة المأمور].\nقوله: (وإن كان قصده) تعقيب على عبارة سابقة في مسألة قصد الداعي، والشيخ ﵀ قد صنف الدعاء في قصد الداعي إلى نوعين: الأول: إن كان قصد الداعي من طلب الدعاء مصلحة المأمور بالدعاء ومصلحة الآمر التي شرعها الله ﷿، فهذا أمر مشروع.\nوالثاني: إن قصد طالب الدعاء مصلحته هو فقط -مصلحة عاجلة- دون اعتبار لما أمر الله به، ودون اعتبار أيضًا لانتفاع الداعي بدعائه لما له من الأجر، فإن هذا غير مشروع، وإن كان هذا قد يكون من الأمور التي أباحها الله إذا توافرت شروطها وانتفت موانعها.\nوالمهم أن قوله: (وإن كان قصده) يقصد طالب الدعاء في مسألة طلب دعاء الغير، والشيخ لا يزال يقرر أكثر ما يقرر هنا مسألة طلب دعاء الغير، والتي يرى الشيخ أنها من باب فعل الأسباب لا من باب الشفاعة التي أدخلها فيها أهل البدع كما سيأتي بعد قليل.\nفقول الشيخ: (فمن قال لغيره: ادع لي، وقصد بذلك انتفاعهما جميعًا، كان هذا وأخوه متعاونين) وهذه الصورة مشروعة.\nثم قال هنا: (وإن كان قصده) أي: من طلب الدعاء مصلحة المأمور أو مصلحتهما، فهذا يثاب على ذلك، وإن كان قصده بصورة ثابتة، وقد ذكر الشيخ ﵀ عدة صور.\nقال رحمه الله تعالى: [وإن كان قصده مصلحة المأمور أو مصلحته ومصلحة المأمور، فهذا يثاب على ذلك، وان كان قصده حصول مطلوبه من غير قصد منه لانتفاع المأمور، فهذا من نفسه أتي، ومثل هذا السؤال لا يأمر الله به قط، بل قد نهى عنه، إذ هذا سؤال محض للمخلوق من غير قصده لنفعه ولا لمصلحته، والله يأمرنا أن نعبده ونرغب إليه، ويأمرنا أن نحسن إلى عباده، وهذا لم يقصد لا هذا ولا هذا، فلم يقصد الرغبة إلى الله ودعائه وهو الصلاة، ولا قصد الإحسان إلى المخلوق الذي هو الزكاة].\nيقصد بالصلاة هنا: معناها اللغوي العام، أي: بمعنى: الدعاء، وكذلك الزكاة، فيقصد معناها اللغوي العام، أي: بمعنى النماء والطهارة، ولا يقصد بالصلاة أو الزكاة التي هي ركن الإسلام، وإنما يقصد المعنى العام والنفع العام، فالصلاة هي ما بين الإنسان وبين ربه ﷿، والزكاة هي ما ينفع به الإنسان غيره.\nوقوله: (فهذا من نفسه أتي) قصده: أن الإنسان أتي حينما لم ينو نفع الغير، ولم ينو وجه الله ﷿ عند طلب الدعاء من الغير، فهذا أتي من قبل نفسه، حيث لم يحسن النية، ولو أحسن النية والقصد أجر على طلبه الدعاء من الغير إذا توافرت الشروط.\nوالإنسان إذا طلب من غيره أن يدعو له بالقدر الذي أمر الله به، دون أن يتجاوز أو يتعدى في طلبه، وقصده بذلك فعل السبب الذي أمر الله به، وأحسن نيته بأن ينفعه الله ﷿ وينفع هذا العبد التائب، وقع المقصود والمشروع وكان على المشروع، وإن طلب نفع الغير أو دعاء الغير دون أن يكون عنده نية حسنة، لا في ثقته بالله ﷿ ولا في انتفاع الداعي، فإن هذا أتي من قبل نفسه، حيث كان قصده محصورًا على النفع الدنيوي، أو على انتفاعه هو دون غيره.\nقال رحمه الله تعالى: [وإن كان العبد قد لا يأثم بمثل هذا السؤال، لكن فرق ما بين ما يؤمر به العبد وما يؤذن له فيه، ألا ترى أنه قال في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: (إنهم لا يسترقون)، وإن كان الاسترقاء جائزًا، وهذا قد بسطناه في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا: أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه، كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عباد الأوثان كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى حيث قال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]، أي: فليستجيبوا لي إذا دعوتهم بالأمر والنهي، وليؤمنوا بي أن أجيب دعاءهم لي بالمسألة والتضرع.\nوقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧]، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَا","vol":"16","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>بيان الله تعالى للتوحيد في كتابه وحسم مواد الإشراك به</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وقد بين الله هذا التوحيد في كتابه، وحسم مواد الإشراك به؛ حتى لا يخاف أحد غير الله، ولا يرجو سواه ولا يتوكل إلا عليه، وقال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة:٤٤]، ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران:١٧٥]، أي: يخوفكم أولياءه ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء:٧٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة:١٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢].\nفبين أن الطاعة لله ورسوله، وأما الخشية فلله وحده].\nهذه أمثلة لقاعدة عظيمة، وهي: أن الأصل في الطاعة والاتباع طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بناء على أمر؛ لأن هذه الأمور متعلقة بالشرع، أي: أن الطاعة واتباع الأوامر واجتناب النواهي متعلقة بالشرع، فكل ما تعلق بالشرع فلابد من طاعة الله، ثم طاعة رسوله ﷺ؛ لأن الله أمر بذلك.\nأما ما يتعلق بالخشية والإنابة والتوبة والعبادة ونحو ذلك فإنها عبادة، والعبادة لا تجوز إلا لله ﷿.\nإذًا: فالمشروع فيما يتعلق بالطاعة: أن يطاع الله ويطاع الرسول ﷺ طاعة لله سبحانه، والمشروع فيما كان من أمور العبادة ألا يعبد إلا الله.\nولذلك الخلط بين هذه الأمور جعل كثير من أهل البدع يقعون في الشرك؛ لأنهم جعلوا مسلك الخشية والإنابة بالنسبة لمسألة الطاعة والاتباع، فصاروا يخشون الرسول ﷺ وينيبون إليه، ويخشون الأولياء وينيبون إليهم، زاعمين أن هذا من طاعة الله، وأن الله أمر بذلك، وما عرفوا أن أمر الله متعلق بالشرع فقط لا بالعبادة، وشيء يتعلق بالشرائع تشريع، وأما ما يتعلق بالعبادة فالرسول ﷺ يطاع فيما شرعه من العبادات، بل ويأبى أن يتوجه إليه بالعبادة نفسها، فهو مشرع عن الله لا ينطق عن الهوى ﷺ، لكن لا تصرف العبادة له ولا لغيره.\nإذًا: أنواع العبادة، كالخشية والإنابة والرجاء والخوف وجميع أعمال القلوب لا يتوجه بها إلا إلى الله ﷿، أما الشرائع، أعني: الأوامر والنواهي، فيطاع فيها الله ويطاع فيها الرسول ﷺ تبعًا لطاعة الله، وأيضًا يطاع أولي الأمر والراسخون في العلم -الذين هم ورثة الأنبياء- الذين يقولون بالحق وبه يعدلون.\nقال رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩]، ونظيره قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]].\nمسألة الرضا والطاعة في الشرع جعلوها لله تعالى، ثم لرسوله ﷺ، ومسألة الرضا بمعنى الاتباع والامتثال والطاعة، كما أنها لله ﷿ فقد أمر أن تكون لرسوله ﷺ ولأولي الأمر، لكن لما جاءت في مسألة الخشية والتخويف قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فما توجهوا إلا إلى الله ﷿.\nقال رحمه الله تعالى: [وقد كان النبي ﷺ يحقق هذا التوحيد لأمته، ويحسم عنهم مواد الشرك، إذ هذا تحقيق قولنا: لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب، لكمال المحبة والتعظيم والإجلال والإكرام، والرجاء والخوف، حتى قال لهم: (لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد)، وقال له رجل: (ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده)، وقال: (من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت)، وقال: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، وقال لـ ابن عباس ﵄: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، جف القلم بما أنت لاق، فلو جهدت الخليقة على أن تنفعك لم تنفعك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو جهدت أن تضرك لم تضرك إلا بشيء كتبه الله عليك)، وقال أيضًا: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، وإنما أنا عبد فقولوا:","vol":"16","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>أمور تتعلق بالأسباب ينبغي معرفتها</span>\nقال رحمه الله تعالى: [لكن ينبغي أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور: أحدها: أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب].\nقوله: (لا يستقل بالمطلوب) بمعنى: أنه لابد من وجود عوامل أخرى في فعل السبب، أو في أن يؤدي السبب ثمرته، وهذه العوامل توفيق الله ﷿، ووجود الشروط التي جعلها الله ﷿ شروطًا كونية أو شرعية، وكذلك انتفاء الموانع، فهناك موانع كونية وموانع شرعية، فوجود الأسباب أو بذل الأسباب لا يتحتم معه وجود المسبب كذلك إلا بتوفيق الله، قد يهيئ الله ﷿ الأسباب بأن يهيئ الله نفي الموانع.\nإذًا: السبب المعلوم ليس بذاته دليلًا على وجود المسبب، فالإنسان قد يبذل السبب -مثلًا- فيما يتعلق بالدين بأن يعمل طاعة يقصد بها التسبب في رضا الله ﷿ وحصول الجنة، لكن إذا لم يوفقك الله للإخلاص لم ينفع سببه، وهكذا إذا ما انتفت الموانع له ووجدت المعاصي الماحقة للحسنات، كذلك بذل السبب في أمور الدنيا وفي الأسباب الدنيوية، إنسان قد يبذل سببًا في استنبات الزرع لكن إذا لم يوفق الله ﷿ ويهيئ أسبابًا حتى أخرى لا يعلمها العبد قد لا ينبت زرعه، وقد توجد موانع من الوجود، أحيانًا تكون ذنوب العباد سببًا لعدم نجاح الأسباب المادية.\nفإذًا: السبب المعين لا يستقل بالمطلوب إلا بتوفيق الله ﷿، وبوجود الشروط وانتفاء الموانع.\nقال رحمه الله تعالى: [أحدها: أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب، بل لابد له من أسباب أخر، ومع هذا فلها موانع، فإن لم يكمل الله الأسباب ويدفع الموانع لم يحصل المقصود، وهو سبحانه ما شاء كان وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء الله.\nالثاني: أن لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم، فمن أثبت شيئًا سببًا بلا علم أو يخالف الشرع كان مبطلًا، مثل من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء].\nكأن الشيخ يشير إلى مسألة أن طلب الدعاء من الغير الذي استشهد به أهل البدع على أنه شاهد على وجود الاستشفاع الممنوع، يقول له هنا: إنه سبب شرعي جاء بعلم عن النبي ﷺ، فنحن حينما نقول: إن طلب الدعاء من غير كلل، فلأنه ورد الشرع بذلك، فمن أثبت شيئًا غير هذه الصورة، أي: سببًا بلا علم أو يخالف الشرع كان مبطلًا؛ لأنه لن يأتي بدليل.\nوأمور العبادات والعقائد كما هو معلوم لا يصلح فيها القياس بالإطلاق، بل إن صح القياس بطل الدين؛ لأنها أمور توقيفية وغيبية، فلا يصح فيها القياس أبدًا.\nقال رحمه الله تعالى: [وقد ثبت في الصحيحين (عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر، وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل).\nالثالث: أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ منها شيء سببًا إلا أن تكون مشروعة، فإن العبادات مبناها على التوقيف، فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله فيدعو غيره -وإن ظن أن ذلك سبب في حصول بعض أغراضه- وكذلك لا يعبد الله بالبدع المخالفة للشريعة -وإن ظن ذلك- فإن الشياطين قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك، وقد يحصل بالكفر والفسوق والعصيان بعض أغراض الإنسان، فلا يحل له ذلك، إذ المفسدة الحاصلة بذلك أعظم من المصلحة الحاصلة به، إذ الرسول ﷺ بعث بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فما أمر الله به فمصلحته راجحة، وما نهى عنه فمفسدته راجحة، وهذه الجمل لها بسط لا تحتمله هذه الورقة، والله أعلم].","vol":"16","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>حكم من قال: إن الله يسمع الدعاء بواسطة محمد ﷺ</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وسئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال السائل: إن الله يسمع الدعاء بواسطة محمد ﷺ، فإنه الوسيلة والواسطة.\nفأجاب ﵀: الحمد لله، إن أراد بذلك أن الإيمان بمحمد ﷺ وطاعته، والصلاة والسلام عليه وسيلة للعبد في قبول دعائه وثواب دعائه فهو صادق، وإن أراد أن الله لا يجيب دعاء أحد حتى يرفعه إلى مخلوق، أو يقسم عليه به، أو أن نفس الأنبياء بدون الإيمان بهم وطاعتهم وبدون شفاعتهم وسيلة في إجابة الدعاء، فقد كذب في ذلك، والله أعلم].\nالشيخ ﵀ هنا قد احتاط، وإلا فظاهر السؤال المعنى البدعي، وقولهم: إن الله يسمع دعاء الواسطة من محمد ﷺ هذه عقيدة كثير من الصوفية والفلاسفة وغيرهم يعتقدون أن المخلوق واسطة بين الله وبين الخلق، بمعنى: أنه قد لا يطلع الله ﷿ على أحواله الخلقية من خلاله، وهذا مفهوم، والمفهوم الآخر: أن الرحمة ورحمة الله ﷿ ولطفه بعباده لا تكون إلا عن طريق شخص، سواء النبي ﷺ أو غيره، وهذا هو الظاهر من السؤال، فهم يزعمون أن الله يسمع الدعاء من خلال شخص محمد ﷺ، بمعنى: أن يكون واسطة بين الله ﷿ وبين خلقه.\nوأما المعنى الآخر فهو بعيد، وهو أن المقصود بالواسطة أن الناس يتقربون إلى الله ﷿ بما جاء به النبي ﷺ، وهذا بلا شك هو المعنى الصحيح، وهو المطلوب، وهو معنى العبادة، لكن السؤال لا يظهر منه ذلك إلا على وجه بعيد، ومع ذلك فـ شيخ الإسلام يظهر أنه قد احتاط.","vol":"16","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>حكم التوسل بالنبي ﷺ</span>\nقال رحمه الله تعالى: [وسئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: هل يجوز التوسل بالنبي ﷺ أم لا؟ فأجاب: الحمد لله، أما التوسل بالإيمان به، ومحبته وطاعته، والصلاة والسلام عليه، وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك مما هو من أفعاله، وأفعال العباد المأمور بها في حقه، فهو مشروع باتفاق المسلمين، وكان الصحابة ﵃ يتوسلون به في حياته، وتوسلوا بعد موته بـ العباس عمه ﵁، كما كانوا يتوسلون به].\nهذا المعنى الذي أشار إليه الشيخ هو الدين الذي أراده الله لعباده، يعني: بمعنى التوسل الذي هو التقرب إلى الله ﷿ بما جاء به النبي ﷺ، أو التعبد لله بما جاء به النبي ﷺ هو الغاية من عبادة الله ﷿، وهو الغاية مما جاء به الرسول ﷺ، وهو الدين الذي ارتضاه الله لعباده، لكن في تسميته بـ (التوسل) فيه لبس، وهذا التقسيم جيد، بأن يقال: إن قصد بالتوسل العبادة لله بما جاء به النبي ﷺ، أو التعبد لله بحب النبي ﷺ وطاعته واتباعه والتقرب إلى الله بالإيمان به ومحبته وطاعته فهذا لاشك أنه هدد؛ لأنه لا يمكن عبادة الله إلا من خلال هذه المعاني العظيمة.\nفإذًا: التوسل على هذا المعنى هو الدين الذي جاء به المرسلون.\nقال رحمه الله تعالى: [وأما قول القائل: اللهم إني أتوسل إليك به، فللعلماء فيه قولان، كما لهم في الحلف به قولان، وجمهور الأئمة -كـ مالك والشافعي وأبي حنيفة - على أنه لا يسوغ الحلف بغيره من الأنبياء والملائكة].\nوهناك تعليق في طبعة أخرى قال: هكذا ورد في المطبوع، ولعل الصواب: لا يسوغ الحلف به ولا بغيره، بزيادة كلمة (به)، فيمكن ذلك، لكن بعضهم استثنى النبي ﷺ، وستأتي في الرواية الثانية، وعلى هذا تكون العبارة ربما يقصد بها الإشارة إلى الاستثناء، لكن -كما ذكرنا- فقد أوردها له شيخ الإسلام من الرواية الثانية توضح عنده المقصود.\nقال رحمه الله تعالى: [فللعلماء فيه قولان، كما لهم في الحلف به قولان، وجمهور الأئمة -كـ مالك والشافعي وأبي حنيفة - على أنه لا يسوغ الحلف بغيره من الأنبياء والملائكة، ولا تنعقد اليمين بذلك باتفاق العلماء، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، والرواية الأخرى تنعقد اليمين به خاصة دون غيره، ولذلك قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروذي صاحبه: إنه يتوسل بالنبي ﷺ في دعائه، ولكن غير أحمد قال: إن هذا إقسام على الله به، ولا يقسم على الله بمخلوق، وأحمد في إحدى الروايتين قد جوز القسم به، فلذلك جوز التوسل به، ولكن الرواية الأخرى عنه -هي قول جمهور العلماء- أنه لا يقسم به، فلا يقسم على الله به كسائر الملائكة والأنبياء، فإنا لا نعلم أحدًا من السلف والأئمة قال: إنه يقسم به على الله، كما لم يقولوا: إنه يقسم بهم مطلقًا، ولهذا أفتى أبو محمد بن عبد السلام: أنه لا يقسم على الله بأحد من الملائكة والأنبياء وغيرهم، لكن ذكر له أنه روي عن النبي ﷺ حديث في الإقسام به فقال: إن صح الحديث كان خاصًا به، والحديث المذكور لا يدل على الإقسام به، وقد قال النبي ﷺ: (من كان حالفًا فليحلف بالله وإلا فليصمت)، وقال: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، والدعاء عبادة، والعبادة مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الهوى والابتداع، والله أعلم].\nنقف عند هذا الحد، وكان المفترض أننا نفصل في هذه المسألة؛ لأن كلام الشيخ فيه إجمال، لكن الشيخ سيفصلها في الفصل القادم أو في الكتاب القادم، وذلك في كتاب (التوسل والوسيلة) أو قاعدة (التوسل والوسيلة).\nوالصفحة التالية سيبدأ الكتاب، وسيفصل الشيخ ﵀ هذه المسائل تفصيلًا دقيقًا، ويذكر أمثلتها وأدلتها، والإشارة إلى الحديث المقصود به، وتفصيل قول العز بن عبد السلام الذي أشار إليه قبل ذلك بشكل معنصر مركب، وسيأتي إن شاء الله كما قلت: كتاب (التوسل والوسيلة)، ونتركه إلى حينه.\nونسأل الله التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"16","page":9}]}