{"ً":{"ٌ":37746,"ٍ":"آيات الحج في القران الكريم","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: آيات الحج في القران الكريم\nالمؤلف: أبو هاشم صالح بن عوّاد بن صالح المغامسي\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ١٠ دروس]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2359,"ٕ":3,"ٖ":1770155893,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10"],"ٚ":[{"title":"[١]","level":1,"page":1},{"title":"ما هي أشهر الحج","level":2,"page":2},{"title":"علاقة الأشهر الحرم بأشهر الحج","level":2,"page":3},{"title":"فضل عشر ذي الحجة والعمل فيها","level":2,"page":4},{"title":"أفضل الأيام العشر","level":2,"page":5},{"title":"وقت الإمساك عن الشعر والظفر","level":2,"page":6},{"title":"[٢]","level":1,"page":7},{"title":"نبذة عن إبراهيم وإسماعيل ﵉","level":2,"page":8},{"title":"بيان نسبة العرب إلى يعرب بن قحطان","level":2,"page":9},{"title":"بناء إبراهيم ﵇ للبيت","level":2,"page":10},{"title":"أول من بنى الكعبة هم الملائكة","level":3,"page":11},{"title":"الترجيح في بناء البيت وبيان مزية إبراهيم في بنائه","level":3,"page":12},{"title":"امتحان إبراهيم ﵇ لينال شرف بناء البيت","level":3,"page":13},{"title":"زيارة إبراهيم ﵇ لولده إسماعيل في مكة","level":2,"page":14},{"title":"بيان أهمية التربية الحسنة","level":2,"page":15},{"title":"بيان كيفية التعامل مع قضايا الغيب وكون مكة وسط الأرض","level":2,"page":16},{"title":"بيان بعض الأحداث التاريخية التي مر بها البيت","level":2,"page":17},{"title":"حادثة أبرهة الأشرم","level":3,"page":18},{"title":"[٣]","level":1,"page":19},{"title":"الأحداث التي مرت بالبيت الحرام","level":2,"page":20},{"title":"إعادة قريش بناء البيت","level":3,"page":21},{"title":"بناء عبد الله بن الزبير للبيت على قواعد إبراهيم","level":3,"page":22},{"title":"هدم الحجاج بن يوسف للبيت","level":3,"page":23},{"title":"استشارة أبي جعفر المنصور للإمام مالك في إعادة بناء البيت","level":3,"page":24},{"title":"معنى إضافة البيت إلى الله ﷿","level":2,"page":25},{"title":"الربط بين العبادة والاستغفار","level":2,"page":26},{"title":"بيان سبب الإشارة إلى الإسلام عند ذكر إبراهيم ﵇","level":2,"page":27},{"title":"بيان كون النبي ﷺ سببا لدعوة إبراهيم ﵇","level":2,"page":28},{"title":"[٤]","level":1,"page":29},{"title":"علم إبراهيم ﵇ أن محمدا ﷺ سيبعث بكتاب","level":2,"page":30},{"title":"علاقة قوله: (إن أول بيت وضع للناس) بالآيات الأخرى","level":2,"page":31},{"title":"العلاقات بين الآيات","level":2,"page":32},{"title":"المراد بـ (أول بيت وضع للناس)","level":2,"page":33},{"title":"من الذي أسس الكعبة والمسجد الأقصى","level":2,"page":34},{"title":"بكة من أسماء مكة","level":2,"page":35},{"title":"المراد بالبركة في قوله: (للذي ببكة مباركا)","level":2,"page":36},{"title":"معنى قوله: (وهدى للعالمين)","level":2,"page":37},{"title":"[٥]","level":1,"page":38},{"title":"المقصود ببيت الله الحرام","level":2,"page":39},{"title":"من الآيات البينات في الكعبة الحجر الأسود","level":2,"page":40},{"title":"كيفية تعظيم الحجر الأسود","level":3,"page":41},{"title":"مكانة الحجر الأسود","level":3,"page":42},{"title":"الحجر الأسود واعتداء القرامطة","level":3,"page":43},{"title":"من الآيات البينات في الكعبة مقام إبراهيم","level":2,"page":44},{"title":"أولى العبادات تقديما في المطاف هي الطواف","level":2,"page":45},{"title":"[٦]","level":1,"page":46},{"title":"الكلام على آية (وأذن في الناس بالحج)","level":2,"page":47},{"title":"أذان إبراهيم في الناس بالحج","level":3,"page":48},{"title":"معنى قوله (رجالا وعلى كل ضامر)","level":3,"page":49},{"title":"نون النسوة في قوله (يأتين من كل فج)","level":3,"page":50},{"title":"المنافع التي يشهدها الحجاج","level":3,"page":51},{"title":"الكلام على قول الله: (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس)","level":2,"page":52},{"title":"معنى جعل الكعبة قياما للناس","level":3,"page":53},{"title":"الوثنيون الذين يعظمون الكعبة","level":3,"page":54},{"title":"الربط بين بقاء الكعبة وبقاء الدين","level":3,"page":55},{"title":"عبادة الطواف","level":2,"page":56},{"title":"عدم توقف عبادة الطواف حول الكعبة","level":2,"page":57},{"title":"[٧]","level":1,"page":58},{"title":"معنى إتمام الحج والعمرة","level":2,"page":59},{"title":"معنى الإحصار عن الحج","level":2,"page":60},{"title":"العلاقة بين الجهاد والحج","level":2,"page":61},{"title":"متى يحلق المحصر رأسه","level":2,"page":62},{"title":"[٨]","level":1,"page":63},{"title":"حكم الفدية على من ارتكب محظورا من محظورات الإحرام","level":2,"page":64},{"title":"فدية حلق الرأس وغيره من محظورات الإحرام","level":3,"page":65},{"title":"حكم الفدية على المعاقين وأمثالهم","level":3,"page":66},{"title":"قياس هدي الإحصار على هدي التمتع في البدل","level":3,"page":67},{"title":"حكم حج التمتع وهديه على أهل مكة","level":3,"page":68},{"title":"حاضرو المسجد الحرام","level":3,"page":69},{"title":"يوم التروية وما يعمل فيه الحاج","level":2,"page":70},{"title":"[١٠]","level":1,"page":71},{"title":"أعمال النبي ﷺ يوم العيد في حجة الوداع","level":2,"page":72},{"title":"قوله تعالى: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس)","level":2,"page":73},{"title":"الاستغفار بعد العبادة","level":2,"page":74},{"title":"الربط بين آيتين في الحج","level":2,"page":75},{"title":"فضل ذبح الأضاحي","level":2,"page":76},{"title":"[١١]","level":1,"page":77},{"title":"الأيام المعدودات والأيام المعلومات والأشهر المعلومات","level":2,"page":78},{"title":"تشريع الهدي والأضاحي لذكر الله","level":2,"page":79},{"title":"أفضل الأضاحي وتعظيم الله فيها","level":2,"page":80}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"2,1":7,"2,2":8,"2,3":9,"2,4":10,"2,5":11,"2,6":12,"2,7":13,"2,8":14,"2,9":15,"2,10":16,"2,11":17,"2,12":18,"3,1":19,"3,2":20,"3,3":21,"3,4":22,"3,5":23,"3,6":24,"3,7":25,"3,8":26,"3,9":27,"3,10":28,"4,1":29,"4,2":30,"4,3":31,"4,4":32,"4,5":33,"4,6":34,"4,7":35,"4,8":36,"4,9":37,"5,1":38,"5,2":39,"5,3":40,"5,4":41,"5,5":42,"5,6":43,"5,7":44,"5,8":45,"6,1":46,"6,2":47,"6,3":48,"6,4":49,"6,5":50,"6,6":51,"6,7":52,"6,8":53,"6,9":54,"6,10":55,"6,11":56,"6,12":57,"7,1":58,"7,2":59,"7,3":60,"7,4":61,"7,5":62,"8,1":63,"8,2":64,"8,3":65,"8,4":66,"8,5":67,"8,6":68,"8,7":69,"8,8":70,"9,1":71,"9,2":72,"9,3":73,"9,4":74,"9,5":75,"9,6":76,"10,1":77,"10,2":78,"10,3":79,"10,4":80},"ٜ":{"1":[1,6],"2":[1,12],"3":[1,10],"4":[1,9],"5":[1,8],"6":[1,12],"7":[1,5],"8":[1,8],"9":[1,6],"10":[1,4]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","10,1","10,2","10,3","10,4"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم <span data-type=\"title\" id=toc-1>[١]</span>\nفي القرآن الكريم آيات كثيرة تتكلم عن الحج وفضله وأشهره، ومن المناسب أن تشرح هذه الآيات حتى يعرف الناس ما هي أشهر الحج وما فضل العشر الأول من ذي الحجة.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>ما هي أشهر الحج</span>\nالملقي: بسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.\nأيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\nأهلًا بكم إلى أولى حلقات برنامجكم هذا (آيات الحج في القرآن) والذي نسعد وإياكم فيه باستضافة الشيخ صالح بن عواد المغامسي الإمام الخطيب بمسجد قباء بالمدينة النبوية المطهرة، فأهلًا ومرحبًا بكم فضيلة الشيخ.\nالموضوع الذي تم اختياره في هذا البرنامج هو آيات الحج في القرآن، وسيكون مسيرنا بإذن الله تعالى في هذا البرنامج وفقًا للأوقات التي نتحدث فيها حسب الاستطاعة، بحيث نختار الآيات المناسبة لليوم الذي نتحدث فيه.\nأرى أن يكون الحديث في هذه الحلقة عن بداية هذا الموسم، خصوصًا أننا في أول أيام هذه العشر المباركة، نبدأ بقول الله ﵎ في سورة البقرة: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] الآية.\nالملاحظ فضيلة الشيخ في هذه الآية أن الله تعالى لم يحدد ما هي هذه الأشهر، بينما حدد في مواضع أخرى المواسم التي تحدث عنها كما في شهر رمضان، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، لماذا هنا اكتفى بقوله ﷾: (مَعْلُومَاتٌ) ولم يحدد هذه الأشهر؟ الشيخ: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه، وبعد: ثم يقول الله وقوله الحق: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، والمعنى: وقت الحج أشهر معلومات، والسؤال عن عدم التحديد سؤال في محله؛ لأن الله جل وعلا ما عين هذه الأشهر وقوله تعالى في سورة البقرة أيضًا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] فعينه، والفرق بين الأمرين أن العرب في جاهليتها لم تكن تعرف الصيام في شهر رمضان، فكان لزامًا أن يحدد ويبين ويفصل، أما الحج فإن العرب كانوا يعرفونه وإن كانوا يخلطون بالحج ما ليس منه، ويقولون: لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، أي: أذنت بأن يكون معك، المهم أنه كانت لهم أخطاء وأغلاط شركية وغيرها في هذا الشأن؛ لهذا قال الله جل وعلا: (الحج أشهر معلومات) ولم يحددها، فهي معلومات أي مشهورات معروفات بين الناس، لا يكاد يجهلهن أحد، خاصة أولئك المخاطبين الأولين بالقرآن.\nكلمة (أشهر) هنا جمع قلة، والقرآن إذا أتى بالأعداد من ثلاثة إلى ستة يأتي بجمع القلة كما في الآية هنا؛ لأن أشهر الحج ثلاثة، لكن عندما يأتي بأكثر يأتي بلفظ الشهور، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة:٣٦]، فلما كانت أكثر من تسعة قال (شهور).\nوهنا قال جل وعلا: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ» [البقرة:١٩٧]، أي: معلومات عند الناس، ومع ذلك وقع الخلاف عند العلماء في تحديد هذه الأشهر، فذهب بعضهم وهو الإمام الكبير الشافعي رحمة الله عليه إلى أن أشهر الحج هي: شوال وذو القعدة، وهذا متفق عليه، لكن الخلاف في ذي الحجة، هل هو شهر الحج بكامله، أو شهر الحج إلى يوم عشر، أو شهر الحج إلى يوم ٩، فذهب الشافعي ﵀ وبعض أهل العلم إلى أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة، أي: إلى تسع من ذي الحجة، والملحظ هنا ظاهر؛ لأنهم اعتبروا أن الحج يفوت بفوات عرفة، فلا يمكن أن يطلق على اليوم العاشر وما بعده أنه من أشهر الحج.\nوالذين قالوا إنه إلى عشر ذي الحجة قالوا: إن الله جل وعلا سمى يوم العاشر من ذي الحجة، أسماه بالقرآن يوم الحج الأكبر؛ لأن أكثر أعمال الحج تقع فيه، فعلى هذا جعلوا اليوم العاشر منه، وهذا يروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.\nوآخرون قالوا: إن أشهر الحج ثلاثة، فعلى هذا يكون شهر ذي الحجة بكامله داخل في قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.\nقال الله جل وعلا في صدر هذه الآيات: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، فهذا يشعر أن جميع العام وقت للحج، فلما جاء قول الله جل وعلا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، فمن العلماء من جعله تخصيصًا.\nوظاهر الأمر عندي والله أعلم أنه ليس بتخصيص؛ لأن قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) ليس فيها نص، إنما هي إشعار، وهذه هي العلاقة بين الآيتين، فليس هناك تخصيص، لكن هناك توضيح لمعنى قول الله جل وعلا: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ).\nوربما فهم المسلم منها أن الأهلة مواقيت لجميع السنة، وليس الأمر كذلك، فمعنى الآية أن الإنسان يستطيع أن يهل بالحج بدءًا من ١ شوال، وينتهي إدراكه بفوات يوم عرفة، وذلك بطلوع فجر يوم النحر.\nتظهر الصورة واضحة لرجل أهل بالحج من شوال، فهذا نستطيع أن نقول: له التمتع وغير التمتع؛ لأنه يسأل: هل عمرتك في أشهر الحج، أو ليست في أشهر الحج؟ فإن كانت في غير أشهر الحج لا يقال له أنه أهل بالحج في أشهر الحج، لأن رمضان فما قبله إلى محرم ليست من أشهر الحج، فلا نلزمه بالتمتع، لكنه لو أهل بالعمرة من شوال ثم منها كان متمتعًا.","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>علاقة الأشهر الحرم بأشهر الحج</span>\nمداخلة: الأشهر الحرم هل لها علاقة بأشهر الحج؟ الشيخ: الأشهر الحرم ليس لها علاقة، لكن بعض الأشهر الحرم من الحج، مثلًا: الأشهر الحرم ثلاثة سرد وواحد فرد، الفرد رجب بين جمادى وشعبان، والباقي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، فنلحظ أن اثنين منها في الحج، ومحرم وإن كان شهرًا حرامًا، لكنه ليس من أشهر الحج.\nمداخلة: ولكن شوال من أشهر الحج، ومع ذلك ليس من الأشهر الحرم؟ الشيخ: وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة متشابهة في الدين، مثلًا: عرفة منسك عظيم من مناسك الحج، لكنه ليس من الحرم، بخلاف مزدلفة ومنى فهي من مناسك الحج ومشاعره العظام، لكنها أرض حرام، وهاهنا ذو القعدة وذو الحجة من أشهر الحج، وهي من الأشهر الحرم، وشوال ليس شهرًا حرامًا، لكنه من أشهر الحج بالاتفاق.\nمداخلة: في بعض الآيات قال تعالى: ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، وهنا: «معلومات»، فما هو الفرق بين المعلوم والمعدود؟ الشيخ: المعدود ما يمكن حصره وإن لم يكن مشتهرًا، أما المعلوم ما يمكن حصره ويكون في الأصل مشتهرًا معروفًا، والنحويون يقسمون المعارف ويجعلون أولها العلم، فالعلم الشيء المشهور، أما المعدود فقد يكون نكرة غير معروف، لكن الله جل وعلا جعل المعدودات في الأيام، وجعل المعلومات في الأشهر فقال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، وقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣]، فجعل المعدودات المقصود بها هنا أيام التشريق على الأظهر، والمعلومات كما بينا أشهر الحج.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>فضل عشر ذي الحجة والعمل فيها</span>\nمداخلة: ما فضل هذه الأيام -العشر- بالنسبة لهذه الأشهر المباركة العظيمة؟ الشيخ: أفضل الأيام عشر ذي الحجة، قال ﷺ: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلًا خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) هنا ينيخ المرء مطاياه، فثمة فوائد لا تحصى: أولها: أن الصحابة عندما قالوا: (ولا الجهاد في سبيل الله) يدل ظاهرًا على أنه استقر في أذهانهم فضيلة الجهاد في سبيل الله، وإلا لم يوردوا هذا الإشكال، حتى أن النبي ﷺ لما ذكر تلك العشر الأيام قال: (ولا الجهاد في سبيل الله) ثم استدرك صلوات الله وسلام عليه فقال: (إلا رجلًا خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) هذا أمر.\nالأمر الثاني: قوله ﷺ: (ما من أيام العمل الصالح فيهن) نلحظ أن الله جل وعلا لم يحدد عبادة معروفة في هذه الأيام حتى يكون الفضل ليس في العبادة، إنما الفضل في اليوم، فتصبح هذه الأيام وعاء لكل عمل صالح.\nوعظمة هذه الأيام تتأكد إذا أخذنا بقول جماهير أهل السير والتاريخ والتفسير أنها هي الأيام التي زادها الله جل وعلا لموسى، فإن الله قال: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:١٤٢]، فيصبح الميقات الأول لموسى شهر ذي القعدة، ثم زاده الله جل وعلا العشر من ذي الحجة، وعلى هذا فإن الله جل وعلا كلم موسى يوم النحر عند جبل الطور.\nلكن القرآن عبر عن تلك العشر بالليال، فقال: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:١٤٢] أي: بعشر ليال، هنا يأتي ملحظ ينبغي أن ينتبه إليه الناس، وهو أن المنافع قسمان: منافع دينية، ومنافع دنيوية، فالدنيوية يعبر عنها بالأيام؛ لأنها ترتبط بمرور الشمس، وأما المناسك والمنافع الدينية البحتة فإنه يعبر عنها بالليالي لأنها ترتبط بالأهلة، ومن ذلك دخول رمضان، وخروج رمضان، دخول ليلة العيد وما أشبه ذلك، فكله مرتبط بالقمر، وهذه قاعدة مطردة أن المنافع الدينية مرتبطة بالليالي، والمنافع الدنيوية مرتبطة بالأيام.\nوالمنافع الدنيوية مثل الزراعة، فالذين يحرثون ويبذرون ليس لهم علاقة بالقمر، بل بالشهور الشمسية الثابتة، لأن القمر يختلف.\nالشيخ: هنا أيام العمل الصالح كمطايا للعمل، لكن دخول هذه الأيام ومعرفة أولها وآخرها مرتبط بالقمر، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، فهي مواقيت للناس في أمورهم التعبدية، وإذا كانوا يربطون بها بعض المنافع الدنيوية فهذا لهم، لكن الأصل أن الليل الشرعي أشرف من النهار، ولهذا أسرى الله بنبيه وعرج به ليلًا، ونجى لوطًا وبنتيه بالليل، ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر:٣٤] ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء:٥٢]، وفي الخبر الصحيح: (صلاة الرجل في جوف الليل الآخر) (صلاة الليل مثنى مثنى) تنزل الإله يكون بالليل، أقسم الله بالليل والنهار، فقدم الليل وقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل:١ - ٢]، فالمقصود أن الليل مطية عظيمة لصالح العبادات.\nهنا تأتي مسألة أثارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه لما سئل عن الفرق ما بين هذه الأيام العشر التي نحن بصدد الحديث عنها، وبين العشر الأواخر من رمضان.\nقال ﵀: إن أفضل أيام العشر من ذي الحجة نهارها، وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل، باعتبار ليلة القدر، وأعتقد أن هذا القول على إجماله صحيح، لكن يحتاج إلى نوع من التصويب في معنى أن ليست جميع ليالي شهر رمضان أفضل من عشر ذي الحجة، إلا الليلة التي فيها ليلة القدر، ومعلوم أن ليلة القدر ليلة واحدة، فمثلًا لو كانت في عام -على القول بالتنقل- ليلة إحدى وعشرين فلا يمكن أن نقول بعد ذلك إن بقية ليالي الشهر أفضل من عشر ذي الحجة، وقد جاء النص الصريح: (ما من أيام العمل الصالح فيهن) وبالاتفاق أن قول النبي ﷺ: (ما من أيام) يدخل فيه اليوم والليلة.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>أفضل الأيام العشر</span>\nمداخلة: نزل الحديث في أفضل هذه الأيام، لكن هل نخصص في هذه العشر أيامًا أفضل؟ الشيخ: هذه الأيام تتفاوت فيها مزايا الشرع، كل امرئ بحسب حاله، بمعنى أن هذه الأيام مطايا للعمل الصالح، والناس يتفاوتون في العمل الصالح، فمن دلائل سماحة شرعنا أنه لا يخاطب فئة بعينها، ونحن قد نجد إنسانًا عنده صبر على الطعام والشراب والصيام في حقه يسير، وقد يوجد آخر لا يستطيع ذلك، فلما قال ﷺ: (العمل الصالح) فتح الأبواب للجميع، فمن لم يقدر على الصيام قدر على الذكر، ومن لم يقدر على الذكر قدر على الصدقات، ومن لم يقدر على الصدقات قدر على الصلاة في الليل، ومن لم يقدر على هذا وهذا قدر على بر الوالدين.\nفكل عمل صالح اجتمع فيه أمران الموافقة للشرع والإخلاص في النية يسمى عملًا صالحًا، هذا كله إذا قدر أن يفعله المرء في هذه العشر العظام كان الأجر أعظم، ومعلوم أن العبادة تفضل أحيانًا بزمانها، وتفضل أحيانًا بمكانها، وتفضل أحيانًا بفاعلها، وتعظم أيما إعظام بنية صاحبها، فنساء النبي ﷺ جاء التهديد لهن بجعل العذاب ضعفين، لأن مكانتها ليست كمكانة غيرها، ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب:٣٢].\nوفي نفس الوقت البر منهن والعمل الصالح منهن ليس كغيرهن.\nوكذلك جاء في أهل الكتاب ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص:٥٤]، لأنهم آمنوا بمن قبل، وآمنوا بنبينا ﷺ، وهذا فضل العمل بصاحبه.\nوقد يفضل بزمانه كحالنا الذي نتكلم فيه، وهي العشر من ذي الحجة، وقد يفضل مكانًا كالعبادة في إحدى المكتين مكة أو المدينة، أو الصلاة في الروضة، أو ما نص الشرع على أن العمل فيه ذو صبغة وفضل وأجر كبير.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>وقت الإمساك عن الشعر والظفر</span>\nمداخلة: يتساءل البعض عن مسألة دخول الشهر لأنها ربما يتأخر الإعلام عنها أو يحصل فيها مشكلة، وبعض الناس يتساءل متى يبدأ في الإمساك عن شعره وظفره.\nالشيخ: يبدأ الإمساك إذا تحقق دخول الشهر، وهو لا يتحقق إلا بإحدى حالين، إما بتمام شهر ذي القعدة، وإما برؤية الهلال، والأصل تمام الشهر، فإذا تم الشهر إلا إذا ورد خبر من الجهات المسئولة المعنية بهذا الأمر، وأعلنت عن هذا، فبعد ذلك يبدأ الإنسان بالإمساك، فلا يمسك حتى يتبين له ذلك.","vol":"1","page":6},{"text":"سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم <span data-type=\"title\" id=toc-7>[٢]</span>\nالحديث عن البيت الحرام يجر دائمًا إلى قصة إبراهيم ﵇ وإتيانه بولده إسماعيل وزوجه هاجر إلى مكة المكرمة، ثم ما حدث فيها من معجزات عظيمة وابتلاءات كبيرة، وكذلك يجر إلى قصة بنائه وبداية هذا البناء، ثم ما حدث له من حوادث كبرى لا تنسى على مدار الأزمان.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>نبذة عن إبراهيم وإسماعيل ﵉</span>\nالمقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد: كنا بدأنا الحديث عن قول الله ﵎: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، ودائمًا يرتبط بهذا الموضوع قصة عظيمة جاء ذكرها في كتاب الله جل وعلا وفي السنة النبوية المطهرة.\nففي قول الله ﵎: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة:١٢٧] ارتبط اسم إبراهيم وإسماعيل ﵉ بالكعبة وبالبناء، فنبدأ الحديث عنهما عليهما الصلاة والسلام.\nالشيخ: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: أما الحديث عن هذين النبيين الكريمين فإبراهيم ﵊ عرف بأنه أبو الأنبياء؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٢٧]، فحصر الله الأنبياء بعد خليل الله إبراهيم في ذريته، ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤].\nوإبراهيم ﵊ تقرب إلى الله بأمور، أشهرها: أنه قدم جسده للنيران، وقدم ماله للضيفان، وقدم ولده للقربان، وفي كل هذه الثلاث كان يبتغي رضوان الرحمن؛ ولعل هذه الثلاث هي المقصودة بقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤].\nفكلمات الله: أوامره، فلما أتمهن على أكمل نحو وأعظم وجه قال له ربه: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة:١٢٤]، والإمامة في الدين أمر عظيم تشرئب إليه الأعناق.\nومن ذريته صلوات ربي وسلامه عليه الابنان الكريمان: إسماعيل وإسحاق، وقد كان النبي ﷺ يعوذ الحسنين - الحسن والحسين - ويقول: (أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة)، ثم يقول: (إن أباكما يقصد خليل الله إبراهيم كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق).\nأما إسماعيل فقد كان ابنًا لإبراهيم ﵇، وإسماعيل أثنى الله جل وعلا عليه في سورة مريم بقوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٤ - ٥٥].\nوهذه عبارات ثناء عظيمة جليلة من رب العالمين لهذا العبد الصالح إسماعيل بن إبراهيم، وكفى إسماعيل شرفًا أن الله أراد أن يكون من ذريته خليله وحبيبه نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه.\nولهذا كان ﷺ يردد هذا كثيرًا: (ارموا بني إسماعيل إن أباكم كان راميًا)، فالانتساب إلى إسماعيل -والد العرب المستعربة- شرف عظيم.","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>بيان نسبة العرب إلى يعرب بن قحطان</span>\nولما قال ﷺ: (ارموا بني إسماعيل) فإنه يدخل في ذلك العرب القحطانيون لكنه قال: (بني إسماعيل) من باب التغليب؛ لأنه إذا أطلق العرب فإنه يقال: إنهم من ذرية إسماعيل من باب التغليب، والعرب -كما لا يخفى- عرب عاربة وعرب مستعربة، وإسماعيل ﵇ أخذ العربية من جرهم، والأصل أن العرب ينتسبون إلى يعرب بن قحطان، فلعله قال هذا من باب التغليب، وإلا فإنه قالها في المدينة وكان يخاطب بها الأنصار، والأنصار يمنيون بالاتفاق.","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>بناء إبراهيم ﵇ للبيت</span>","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>أول من بنى الكعبة هم الملائكة</span>\nالمقدم: لفت نظري أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة:١٢٧] سؤال ربما يسوقنا للحديث عن بناء البيت، فقوله: (الْقَوَاعِدَ) كأنه يشعر أنها كانت موجودة؟ الشيخ: وهذا لو ناقشناه نقاشًا عقليًا وقلنا: إن إبراهيم ﵇ أول من بنى البيت -بمعنى: أن البيت لم يمكن موجودًا أصلًا ولم يبن قبل إبراهيم فإنه ينجم عنه إشكال كبير، وهو: أن البيت إذا كان غير موجودًا قبل إبراهيم فمعناه أنه لم يحج قبل إبراهيم أحد، ويلزم من هذا لزومًا لا انفكاك منه: أن الأنبياء من نوح إلى إبراهيم لم يحجوا، وهذا بعيد جدًا، مع ورود الآثار عن النبي ﷺ: أن صالحًا ﵇ حج، وصالح ﵇ بالاتفاق كان قبل إبراهيم، فعلى هذا لا يمكن أن يقال: إن البيت أول من وضع لبناته إبراهيم، ويظهر أن هذا صعب جدًا لا يستقيم.\nوالذي يبدو أن أول من وضع البيت الملائكة، وضعته لآدم ﵇ أهبط إلى الأرض؛ ولما كان هناك بيت في السماء تطوف به الملائكة بني هذا البيت ووضع لآدم؛ حتى يعبد الله جل وعلا فيه ويحج إليه؛ لأنه لو قلنا: إنه لم يكن هناك بيت قبل إبراهيم لقلنا: إن الحج لم يكن موجوًا قبل إبراهيم، وهذا بعيد.\nوفي قول الله جل وعلا: (الْقَوَاعِدَ) إشارة إلى أن البيت كان موجودًا، ثم لعارض كالطوفان أو غير الطوفان تهدم؛ لأن بعض الفضلاء يقول: الطوفان أذهب معالمه، وهذا مقبول، ولكن ماذا نقول في الأنبياء الذين حجوا إليه بعد الطوفان إذا كان لا يعرف مكان البيت؟ فهذا القول صعب؛ لأن هؤلاء حجوا.\nولهذا فمن قواعد العلم العامة أنه عند تصدر الإخبار عن الله ورسوله ﷺ لا بد من استصحاب جميع الأدلة، واستصحاب جميع النصوص التي تعنى بالقضية؛ حتى لا يصبح هناك خلل في الاستنباط؛ لأن الإنسان إذا أغفل نصًا نجم عن ذلك الخلل، وأصبح الاستقراء ناقصًا، وعلى هذا إذا كان جمع الأدلة ناقصًا، فبدهي أن تكون النتيجة ناقصة ولا تفي بالغرض، وجمع الأدلة ينجم عنه خبر حسن.","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الترجيح في بناء البيت وبيان مزية إبراهيم في بنائه</span>\nومن نستطيع أن نقول: إن قصة بناء البيت بدأت من عهد آدم ﵇، هذا الذي يظهر، فالملائكة بنت البيت وضعته لآدم، وحج إليه آدم، وحج إليه الصالحون من عهد آدم إلى عهد نوح، ولما تبدلت الأرض شركًا بعث نوح، وحج نوح، وحج بعده الأنبياء -كصالح كما أخبر النبي ﷺ- ثم ذهبت معالمه، فأمر الله الخليل أن يرفع القواعد.\nفإذًا: مزية إبراهيم أنه لم يبن أحد غيره من البشر البيت.\nهذا الذي يتحرر، والعلم عند الله، ولذا قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ﴾ [البقرة:١٢٧]، ولم يقل: وإذ يضع، وكل أحد درس اللغة يعرف الفرق بين (يضع) و(يرفع)، فإن يرفع يشعر أن هذه القواعد موجودة: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة:١٢٧] فرفع إبراهيم القواعد من البيت.\nوهنا تأتي أمور، فالله يقول في سورة الحج: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج:٢٦].\nإذًا: الذي حدد لإبراهيم مكان البيت رب العزة والجلال، ولكن البيت كان موجودًا وإنما دل عليه.\nوأما كيف دل عليه فلا نعرف في ذلك أثرًا مرفوعًا، لكن قال بعض العلماء: إن سحابة أظلت مكان البيت.\nوهذا ليس ببعيد.\nوقال بعضهم: جاءت ريح كنست المكان الذي حدد له البيت، والذي نحن على يقين منه أن الله جل وعلا هو الذي عين مكان البيت لإبراهيم ﵇، (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ).\nثم في إتيانه بإسماعيل وأمه إلى هذا المكان دليل على أنه كان يعرف أن المكان في مكة، لكن لا يعرف تحديد البيت، أمر بأن يضع إسماعيل في هذا المكان، وكان يعلم أن البيت هنا، بدليل أنه قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم:٣٧] ومعلوم أن البيت لم يكن موجودًا؛ لأن إسماعيل بنى مع أبيه البيت بعد أن كبر، وإبراهيم قال هذه العبارة عندما كان إسماعيل رضيعًا مع أمه قبل أن تخرج زمزم، ولكنه كان يعلم أن البيت في ذلك الوادي.\nولكن تحديد مكان البيت بالضبط كان متأخرًا.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>امتحان إبراهيم ﵇ لينال شرف بناء البيت</span>\nوإبراهيم علم أنه ما أتي به إلا ليبني البيت، لكنه لم يأته الأمر ببناء البيت، وإنما ابتلي؛ حتى ينال فضيلة أنه أول آدمي يبني البيت، وكان لا بد له من أن يتجاوز محنة حتى يقلد ذلك الوسام.\nفأمر أن يأتي بابنه الوحيد وزوجته ويتركهما في هذا المكان، فأتى بهما، ثم توارى على قول المفسرين حتى لا يرونه، وحتى لا يتأثر، واستقبل مكان البيت فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم:٣٧] ثم إنه ﵇ رجع إلى الشام.","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>زيارة إبراهيم ﵇ لولده إسماعيل في مكة</span>\nثم بعد أن كبر إسماعيل رجع إلى مكة لم يجد إسماعيل، وكانت هاجر قد ماتت، ووجد زوج إسماعيل، فسألها عن إسماعيل فقالت: ذهب يحتطب لنا، أو يبحث لنا عن رزق، -يعني: في شأن البيت- وسألها عن طعامهم، فشكت حالهم وأنهم في ضيق وكرب، فقال: إذا جاء إسماعيل فأقرئيه مني السلام وقولي له: غيَّر عتبة بابك، ورجع، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا، فسألها فأخبرته، فقال: هذا أبي وقد أمرني أن أفارقك، فطلقها وتزوج غيرها.\nثم جاء إبراهيم مرة أخرى ووافق أن إسماعيل لم يكن موجودًا فسأل زوجه، فحمدت الله وأثنت عليه، وهذا الثناء والحمد استعطف إبراهيم ﵇ وأخرج مكنون دعائه وقال: (اللهم بارك لهم في اللحم والماء).\nقال ﷺ معقبًا: (فلا يخلون أحد بهما في مكة إلا لم يضراه)، بمعنى: أن الإنسان إذا اقتصر على اللحم والماء في أي مكان في الدنيا يتأذى، لكنه إذا اقتصر على اللحم والماء في مكة لا يتأذى؛ لبدعاء خليل الله إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بقوله: (اللهم بارك لهما في اللحم والماء).","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>بيان أهمية التربية الحسنة</span>\nثم عاد إبراهيم ثالثة فوجد إسماعيل يبري نبلًا تحت دوحة، فاستلمه وقبله كما يصنع الوالد بولده والولد بوالده، ثم قال له: أي بني! إن الله أمرني أن أبني له بيتًا -وأشار إلى أكمة في الأرض- فقال: يا أبت! أطع ربك، قال: أوتعينني؟ وفي هذا أدب حوار وأدب عرض وأدب تربية الأبناء على أن يقبلوا الأمر الشرعي؛ وهذه التربية نجم عنها أن إسماعيل ﵇ لما قال له أبوه: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢] كان جوابه: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢] وهذه ينبغي لمن يفسر القرآن أن ينتبه إليها، قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢] ولم يقل: يا أبت! افعل ما تريد؛ لأن إسماعيل أراد أن يعبد الله، ولم يرد في أصل الأمر أن يطيع أباه، وفرق بينهما.\nوكثير من قادة الجيوش الآن يقتل جنودهم ويذبحون بأمر هؤلاء القادة، فهم يطيعون طاعة عسكرية عمياء كما يقال، لكنها ليست طاعة لله، ولكن إسماعيل ﵇ كان مؤدبًا في\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢] ولو كان الأمر لك كأنت فهذا يقبل الأخذ والعطاء، ولكن لما كان أمرًا إلاهيًا فإنه لا يقبل الأخذ والعطاء.\nونعود إلى الأمر، قال: أطع ربك، فبنيا البيت، فأخذا كما قال الله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة:١٢٧] وتقديم إبراهيم لأنه هو الذي يباشر، ﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة:١٢٧]، أي: يعينه، ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧]، فتم بنيان البيت.","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>بيان كيفية التعامل مع قضايا الغيب وكون مكة وسط الأرض</span>\nالمقدم: أصحاب العلم الحديث دائمًا يتحدثون أن الكعبة مركز الكون، وأنا لست في مجال التأييد أو الرفض لما يطرح حولها، وأن الله تعالى لما بنيت الكعبة أمر الكون أن يطوف حول الكعبة حتى سمى بعضهم الطائف بالطائف؛ لأنها كانت هي مركز بداية الطواف إلى غير ذلك من هذه القضايا، فما موقفنا من مثل هذه القضايا؟ الشيخ: لم يرد دليل شرعي ظاهر يمكن الركون إليه في هذه المسألة، وبعض من تصدر لهذه الأمور يتكلم بعاطفته أكثر مما يتكلم عن دلائل علمية، ومعلوم أن الحديث في الغيب لا يعرف بالعقل ولا بالاستنباط، وإنما يعرف بالخبر الصحيح.\nومثل هذه الأمور التي سلفت ووقعت وكانت لا يمكن استنباطها؛ لأنه لا بد في الاستدلال من خبر صحيح، ولكن بعضها قد يكون له قرائن وشواهد تقبل.\nفليس بعيدًا من أن تكون مكة وسط الأرض؛ لأن الله قال: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى:٧] لكن أن نقول: إن الأرض تطوف حولها، فأظن هذا تكلفًا ما أنزل الله به من سلطان.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>بيان بعض الأحداث التاريخية التي مر بها البيت</span>\nالمقدم: البيت مر عليه أحداث تاريخية كثيرة سواء قبل بنائه أو حتى بعد بنائه، وقد ذكرنا بعضها، فلو ذكرتم بعض الأحداث الأخرى؟ الشيخ: البيت رمز الخلود وكعبة الإسلام كم في الورى لك من جلال سامي يهوي البناء إذا تقادم عهده وأراك خالدة على الأيام","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>حادثة أبرهة الأشرم</span>\nأراد الله أن يبقى هذا البيت، وقد مرت به أحداث تاريخية عظيمة، منها: أنه مر بحادثة أبرهة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١] ومعلوم أن النبي ﷺ لم ير أصحاب الفيل، ومع ذلك قال الله له: (أَلَمْ تَرَ)، فأنزل الله جل وعلا خطابه لنبيه منزلة الشيء المرئي.\nوهذا من أعظم القرائن والأدلة على أن الله جل وعلا يحب أن يعرف عباده منه أنه صادق، وتصديق الله جل وعلا من أعظم القربات، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣].\nوفي هذا الحدث عاقبهم الله وبالطير، وعندي هنا ملحظ مهم وهو: أن الله عذبهم بالطير، ولا يوجد أحد يومًا ما خوف أحدًا من ذريته أو من قرابته أو من الناس بالطير، لكن لما كان البيت قد جعله الله للناس أمنًا خوفهم الله من حيث يأمنون، فلو قابلتهم سباع البراري والوحوش الكواسر ربما خافوا منها وهربوا؛ لأنها مظنة القتل والهلاك، لكن أن تظلهم طير فلا يمكن أن تكون مظنة هلاك؛ لأنه لا أحد يخوف أحدًا بالطير، وإنما يخوفه بالحيات والعقارب والوحوش.\nفهم لما أتوا لبيت آمن وأرادوا أن يهدموه خوفهم الله من حيث يأمنون.\nهذا أجمل ما يمكن أن يقال.\nوالحديث له بقية إن شاء الله.\nوجزاكم الله خيرًا، وأحسن إليكم، ونسأل الله ﵎ أن يتقبل من حجاج بيته الحرام حجهم، وأن يعيدهم إلى أوطانهم سالمين غانمين.","vol":"2","page":12},{"text":"سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم <span data-type=\"title\" id=toc-19>[٣]</span>\nشرّف الله ﷿ بيته الحرام وحماه وحرسه من كل من أراده بسوء، ويكفي في شرفه أن أضافه سبحانه إلى نفسه فيقال: بيت الله، وكيف لا يكون كذلك وهو قبلة المؤمنين يتجهون إليه من كل أنحار الأرض.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>الأحداث التي مرت بالبيت الحرام</span>","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>إعادة قريش بناء البيت</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.\nأيها الإخوة والأخوات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\nذكرنا أن هذا البيت شرفه الله جل وعلا منذ أن كان، ومن تشريف الله جل وعلا لهذا البيت أن أحاطه بحفظه، فصد عنه أبرهة، ومعلوم أن النبي ﷺ لما بركت ناقته في عام الحديبية قال بعض الصحابة: خلأت القصواء، أي: ناقته ﵊، فقال ﵊: (ما خلأت القصواء وليس ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل).\nوهذا كله فيه إشارة إلى البيت؛ ولهذا قال ﵊ بعدها: (والله لا يسألون شيئًا يعظمون به البيت إلا أعطيتهم إياه).\nونذكر هنا بعض الأحداث التاريخية التي صاحبت بناء البيت في عهد النبي ﷺ قبل بعثته، فهنا أرادت قريش أن تعيد بناء البيت؛ كما في الأخبار المشهورة بعد أن جرفت السيول أكثره، فأرادوا هدم باقيه لتجديد البناء.\nفيقال تاريخيًا: إن أول من بدأ بنقض أحجار البيت الوليد بن المغيرة، فقد أتى حافيًا وقال: اللهم إنك تعلم أنا لا نريد به أذى، وانظر إلى أدبه مع البيت، ثم انظر إلى الكبر والحسد ماذا يصنعان؟ فإنه لما بعث النبي ﷺ أبى أن يسجد لله، وكان رجلًا مقبولًا من قومه، وهذا هو الذي قال الله فيه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر:١١].\nفالمقصود: أن قريشًا هدمت البيت؛ بسبب أن السيول جرفت أكثره، فاختارت طيب أموالها وبدأت في بناء المبيت، لكن تلك الأموال الطيبة قصرت ولم تستوف تكلفة البناء، فبنوا القواعد الجنوبية على قواعد إبراهيم، وهما الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الأسود، وأما الركنان الشاميان فلم يستطيعوا بناءهما على قواعد إبراهيم، فأصبح ما يسمى الآن بحجر إسماعيل، وهو غير صحيح، فليس لإسماعيل علاقة به.\nوهذا الحجر أصبح يدل على مكان البيت القديم أيام إبراهيم، هذا بناء قريش للكعبة، وهو نفس البناء الذي تدخل فيه النبي ﷺ، ووضع الحجر فيه.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>بناء عبد الله بن الزبير للبيت على قواعد إبراهيم</span>\nثم لما من الله على الأمة وبعث النبي ﷺ وكان عام الفتح قال ﵊ لـ عائشة: (لولا أن قومك حدثثو عهد بكفر لهدمت الكعبة ولجعلت لها بابين ولأدخلت فيها الحجر).\nوأمهات المؤمنين قال الله لهن: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]؛ لأنهن كن في بيت النبوة، فـ عائشة ﵂ حفظت هذا الخبر، والإنسان -جبلة- يحب قرابته، ولما آل الأمر بالحجاز إلى عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أخبرته خالته عائشة بالخبر، فبدهي أن ينقض البيت ويدخل فيه ما يسمى الآن حجر إسماعيل ويجعل له بابين.\nثم قدر لـ عبد الله بن الزبير أن يقتل على يد الحجاج بن يوسف عامل بني أمية في الحجاز بأمر من عبد الملك بن مروان، وأخبار الحجاج معروفة.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>هدم الحجاج بن يوسف للبيت</span>\nلما آل الأمر للحجاج تدخلت أصابع السياسية هنا، وكان كل يريد أن يضع من الآخر، ولم يكن الحجاج محبًا لـ عبد الله، ولو تركه لذكر في التاريخ وخلد فعل عبد الله بن الزبير، فهدم الكعبة وردها كما كانت على عهد النبي ﷺ، وحتى الباب الثاني الذي فتحه عبد الله بن الزبير أعاد إقفاله، والآن الذي يأتي البيت مثلًا أيام الحج يجدها مرتفعة، وإذا تجاوز الحجر يجد رسم الباب واضحًا لو دقق واستصحب أصلًا أن هناك بابًا موازيًا للباب الأساسي إلا قليلًا، فيجد الباب واضحًا في البناء القديم.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>استشارة أبي جعفر المنصور للإمام مالك في إعادة بناء البيت</span>\nفالمقصود: أن الحجاج هدم الكعبة وأعاد بنائها كما كانت.\nيقول المؤرخون: فلما جاءت خلافة أبي جعفر المنصور المؤسس الثاني لدولة بني العباس أراد أن يهدم الكعبة، وقدر له أن يستشير العلماء، وهذه مصلحة كبرى بأن ولي الأمر يكون له تواصل بأهل العلم كما هو الحال في بلادنا، فبعث إلى مالك ﵀، فقال مالك: أخشى أن يكون بيت الله بعدك ألعوبة للملوك، هذا يزيد فيه وهذا ينقص منه، فدعه على ما هو عليه، فبقي البيت في ظاهره على ما هو عليه إلى يومنا هذا.\nوهذا أعظم ما يمكن أن يقال من أحداث تاريخية.\nومن الأحداث التاريخية التي مر بها البيت: قضية القرامطة والحجر، ولكن نؤجل الحديث عن القرامطة والحجر حتى يأتي الحديث عن الحجر نفسه، لكن هذه مسيرة البيت وبنائه عبر التاريخ إلى يومنا هذا.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>معنى إضافة البيت إلى الله ﷿</span>\nونحن دائمًا نسمع إضافة البيت إلى الله ﷿، وحتى المساجد يقال لها: بيوت الله، وإذا قيل بيت الله على إطلاقه فينصرف إلى الكعبة، فالإضافة هنا: إضافة تشريف.\nوحتى يتحرر الأمر نقول: المساجد تضاف إلى الله تشريفًا وإلى غيره تعريفًا، بمعنى: أن إضافتها إلى الله تشريف لها، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦] وعندما نضيفها إلى غير الله فهو من باب أن نميز بعضها عن بعض، فمثلًا فلان إمام وخطيب مسجد قباء، فكلمة (مسجد) أضيفت إلى (قباء) وهو اسم موضع؛ ليميز مسجد قباء عن مسجد غيره، وفي الحديث: أن النبي ﷺ سابق إلى مسجد بني زريق، وصلى المغرب في مسجد بني عبد الأشهل، وهو تمييز لهما عن غيرها.\nفالإضافة هنا إلى غير الله إضافة تعريف، وإلى الله ﵎ إضافة تشريف، لكنه لا يوجد لله بيت على إطلاقه إلا الكعبة، أما المساجد فيقال تجوزًا إنها بيوت الله.\nوليس لله بيت بمعنى أنه يجوز الطواف حوله إلا الكعبة.\nوهو يوافق أو يوازي البيت المعمور الذي أقسم الله به في قوله: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور:١ - ٤].\nويقول بعض أهل العلم: أنه لو قدر أن هذا البيت المعمور سقط لسقط على الكعبة، فالبيت المعمور مطاف أهل السماء، والكعبة مطاف أهل الأرض.","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الربط بين العبادة والاستغفار</span>\nالمقدم: يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة:١٢٧] ونلحظ أيضًا في كثير من العبادات التي جاءت في القرآن الربط بينها وبين الاستغفار أو الدعاء، حتى في أعمال الحج، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:٢٠٠]، ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٩٨] فما الرابط بين العبادة والدعاء أو الاستغفار؟ الرابط بينهما فيما يظهر إشعار العابد ألا يركن إلى العمل، وأن العمل مهما عظم وجل يحتاج إلى أن يقبله الله فيكون منه الدعاء والتضرع.\nوليس بعد بناء البيت شيء عظيم حتى إن الله جل وعلا كافأ إبراهيم على هذا بأن النبي ﷺ رآه في ليلة المعراج قد أسند ظهره إلى البيت المعمور، فالجزاء من جنس العمل، أي: لأنه بنى لله بيتًا في الأرض ورفع قواعده، وإن كان رفعه بأمر من الله.\nلكن هذا الدعاء كأن العبد يقول لربه أنا لا أركن إلى عملي وإنما أركن إلى رحمتك وفضلك، فقبولك يا رب! للعمل من أعظم المنن علي بعد أن وفقتني للعمل، كما قال الله عن أهل الجنة إذا دخلوها: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣].\nفإذا كان هذا في الجنة فمن باب أولى أن يكون في الدنيا.\nوالإنسان خاصة إذا قدر له أن يحج مع ولده أو يحج ابن مع أبيه فإنهما يتذكران خليل الله وابنه وهما يتضرعان إلى الله جل وعلا، وصحيح أننا لم نبن البيت ولكن لتلك المناسك والمشاعر والمواقف في ذلك المطاف أثر على القلب، فيقف هو وابنه مستقبلي القبلة فيقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧] فيستحضران ويستصحبان فعل الخليل صلوات الله وسلامه عليه.\nفإذا احتج علينا أحد وقال: إن النبي ﷺ لم يفعله، قلنا: إن النبي ﵊ لم يكن له ولد آنذاك، وسنن الأنبياء نص الله عليها في القرآن، ولا تحتاج منا إلى استصحاب رأي أحد، فهي حجة في نفسها، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠].\nفإذا كان هذا أمرًا للنبي ﷺ فكيف بأتباع النبي ﷺ.\nوالمقصود: أن الدعاء من أعظم ما ترفع به الأعمال، وبه تقبل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى:٢٥].\nإلى غيرها من الآيات التي تشعر أن الإنسان يكون قريبًا من ربه إذا دعاه وتضرع إليه، وكلما كان ذلك في مكان فاضل وبقلب منكسر وبصوت خفي كان أدنى من ربه وأقرب إلى إجابة دعوته.","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>بيان سبب الإشارة إلى الإسلام عند ذكر إبراهيم ﵇</span>\nوقال ﷾: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨] فالإشارة دائمًا إلى الإسلام عند ذكر إبراهيم ﵇؛ لأن القضية قضية إسلام كامل لله، والله قال: ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف:١٢٦].\nوالذي يظهر أن (من) هنا تبعيضية، وأن إبراهيم يعلم أن من ذريته من لن يكون مسلمًا، ومحال أن يكون جميع ذريته مسلمين، خاصة أنه في عصر متقدم.\nولهذا قالوا: إن بعض الأدعية لا يحسن كل أحد أن يقولها، فمثلًا: إبراهيم ﵇ قد علم بالوحي أن من ذريته من سيكون كافرًا؛ لأنه قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤] فهذا إشعار أن هناك ظالمين سيكونون من ذريته.\nفعندما ذكر الله جل وعلا في سورة إبراهيم دعاء إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٤٠] فهذا لا يحسن أن يقوله أي أحد؛ لأن قوله: (ومن ذريتي) بعضية، فإبراهيم علم من الله أن ليس كل ذريته سيصلي، ولكن نحن لم نعلم هذا من ربنا، هذا إذا قلنا: إن (من) هنا تبعيضية.\nأما إذا قلنا: إن (من) بيانية أو زائدة للتأكيد فالأمر واسع.\nلكن نقول: إن الاستسلام لله جل وعلا هو دين إبراهيم ﵇، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣١ - ١٣٢] والأمة المسلمة تدخل فيها، قال تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨]، ويدخل فيها كل من آمن بالله من ذرية إبراهيم إلى يوم القيامة.\nومن هنا نستطيع أن نقول: إن من كان من ذرية إبراهيم على التوحيد ممن جاء بعده إلى قيام الساعة حتى أتباع موسى وعيسى ﵉ كلهم مسلمون؛ لأن دين الأنبياء واحد.\nهو دين رب العالمين وشرعه وهو القديم وسيد الأديان هو دين آدم والملائك قبله هو دين نوح صاحب الطوفان هو دين إبراهيم وابنيه معًا وبه نجا من لفحة النيران وبه فدى الله الذبيح من البلى لما فداه بأعظم القربان هو دين يحيى مع أبيه وأمه نعم الصبي وحبذا الشيخان وكمال دين الله شرع محمد صلى عليه منزل القرآن فدين الأنبياء واحد، كما قال الله: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥].\nصلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>بيان كون النبي ﷺ سببًا لدعوة إبراهيم ﵇</span>\nثم جاء في معرض هذه الآية الدعوة بمحمد ﷺ، ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٢٩].\nوكما نعلم فإن النبي ﷺ كان يقول مفتخرًا صلوات الله وسلامه عليه: (أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى، ورؤيا أمي حين رأت أن نورًا خرج منها أضاءت له بصرى من أرض الشام) وبصرى من أرض الشام هي أول مدينة من مدن الشام دخلت في الإسلام في الفتوحات، وكأنها إشارة إلى قوله ﷺ: (ورؤيا أمي حين رأت أن نورًا خرج منها أضاءت له بصرى من أرض الشام).\nوأما بشارة عيسى فليس بين عيسى والنبي ﷺ نبي؛ ولهذا كان ﷺ يقول: (أنا أولى الناس بعيسى بن مريم).\nوأما دعوة إبراهيم فلأن إبراهيم ﵊ من شفقته على ابنه إسماعيل وذريته قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٢٩]، أي: من العرب من ذرية إسماعيل ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:١٢٩] وهذه الدعوات من خليل الله إبراهيم تقبلها الله جل وعلا بقبول عظيم؛ ولهذا قال ﵊: (أنا دعوة أبي إبراهيم) وفي هذا استحباب الدعاء لمن يحب المرء ولذريته في المقام الأول، وهذا أمر عظيم جليل القدر عند الله ﵎.\nوالإنسان إذا أكثر منه فقد يكون في ابنه أو حفيده أو في صديقه من ينفع الله جل وعلا به نفعًا عظيمًا بدعاء ذلك الوالد.\nولكننا أحيانًا نستهين بأمور عظمها الشرع، ويغيب عنا أحيانًا أن نفقه فقه الشرع، وهذه الأمور عندما يقولها الله ليس المقصود منها إخبارًا تاريخيًا، فالقرآن ليس كتاب تاريخ، ولكن القرآن هدىً وموعظة وبشرى للناس.\nوهذا الجد قبل أن يكون نبيًا هو جد لنبينا ﷺ فدعا أن يخرج الله من ذريته من هذه صفاته: تعليم الناس وتزكيتهم، فكان ما أراد بتوفيق الله جل وعلا له، فخرج نبينا صلوات الله وسلامه عليه.\nولهذا لما قابل ﵊ إبراهيم ﵇ في رحلة الإسراء والمعراج قال له إبراهيم: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، مع أن غيره من الأنبياء باستثناء آدم كانوا يقولون: أهلًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، لكن إبراهيم ناداه بالنبوة؛ لأنه من ذريته، وإبراهيم يفتخر بابنه محمد ﷺ أيما افتخار.\nوقد كان ﵊ يعرف قدر إبراهيم، فلما ذكر لواء الحمد قال: (كل الأنبياء يومئذ تحت لوائي، إبراهيم فمن دونه) فذكر إبراهيم، ومعلوم أن هذا يشعر بأن لإبراهيم مقامًا عظيمًا عند الله، وكان إبراهيم يعلم ذلك، ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧].\nفإبراهيم كان يعلم يقينًا احتفاء الله به؛ ولهذا كان يتكئ على هذا الاحتفاء، فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤] وإلى الآن نحن في صلاتنا نقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.\nفالمقصود: أن هذه الدعوات قبلها الرب ﵎، فكان من ذرية إبراهيم نبينا صلوات الله وسلامه عليه، والدعاء في المناسك يتأكد عند الوقوف على الصفا والوقوف على المروة، وبعد رمي الجمرة الوسطى، ورمي الجمرة الصغرى، وسيأتي الحديث عن ذلك في محله مفصلًا بإذن الله.","vol":"3","page":10},{"text":"سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم <span data-type=\"title\" id=toc-29>[٤]</span>\nمن الآيات المتعلقة بالحج قوله تعالى: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ» وفيها معان عظيمة تتعلق ببناء البيت وتسمية مكة، ومعنى جعل البيت مباركًا وهدى للعالمين.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>علم إبراهيم ﵇ أن محمدًا ﷺ سيبعث بكتاب</span>\nالملقي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأيها الإخوة والأخوات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم إلى حلقة جديدة في برنامجكم آيات الحج في القرآن الكريم.\nنسعد في بداية هذه الحلقة بالترحيب بصاحب الفضيلة الشيخ: صالح بن عواد المغامسي إمام وخطيب مسجد قباء، فأهلًا ومرحبًا بك يا شيخ صالح؟ وقبل أن نبدأ بذكر الآيات المتعلقة بهذه الحلقة، نذكر أننا توقفنا في الحلقة الماضية عند وعد وعدنا به، وهو السؤال عن قول الله ﵎ في معرض قصة إبراهيم ورفعه القواعد من البيت قال سبحانه على لسانه: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ [البقرة:١٢٩] سؤالي: هل كان إبراهيم ﵇ يعلم أن هناك قرآنًا سينزل على النبي ﷺ، وجعل من مزية هذا النبي أنه سيتلو عليهم هذه الآيات؟ الشيخ: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.\nوبعد: أنبياء الله جل وعلا يعلمون قطعًا أنه لا حياة للناس إلا بالوحي، ولما كان إبراهيم قد أنزلت عليه صحف وكان ظاهر الآية يشعر بأن إبراهيم ﵇ يعلم أن الله جل وعلا سيمن على نبيه ﷺ بآيات من لدنه يكون بها حياة الناس، ولهذا قال العلماء: إن جبريل أوكلت إليه حياة القلوب، فهو الذي ينزل بالوحي، وميكال أوكلت إليه حياة الأبدان، فهو الذي ينزل بالقطر.\nفظاهر الآية: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ [البقرة:١٢٩]، أن إبراهيم كان يعلم أن هناك آيات تنزل على نبينا ﷺ، ربما لم يكن يعلم أن القرآن سيكون بهذا الوضع، وأنه معجزة لكنه لما كان قد أنزلت عليه صحف، علم أن أنبياء الله لابد لهم في الغالب من كتاب يهدون الناس به.\nوصحف إبراهيم انقطعت فلا ذكر لها، ولا شهرة، ولا تعرف، لكن دل القرآن على بعضها: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٦ - ٣٩]، هذا معناه أن اللفظ: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)، والآيات التي بعدها جاءت في صحف إبراهيم، وصحف موسى.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>علاقة قوله: (إن أول بيت وضع للناس) بالآيات الأخرى</span>\nالملقي: في قول الله ﵎ وهو معرض حديثنا في هذه الحلقة: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران:٩٦].\nسؤالنا في البداية: هل لهذه الآية علاقة بآيات أخرى في مواضع أخرى؟ الشيخ: أنت تعلم أن القرآن ينظر إليه بمجموعه، وأن آياته يعضد بعضها بعضًا ويصدق بعضها بعضًا، وكذلك السنة، وقد أنزل الله جل وعلا على نبيه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة:١٤٤]، وهذا كان في المدينة، فلما ولى ﷺ وجهه تجاه الكعبة نقم عليه اليهود.\nهؤلاء اليهود قالوا: لو كان محمد صادقًا في اتباعه لإبراهيم لكان ينبغي عليه أن يتولى أرض الشام، التي هي أرض المحشر، وأرض الأنبياء من قبله فأراد الله جل وعلا أن يجيبهم ويبين لهم حقيقة الأمر، فأنزل الله جل وعلا هذه الآية في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران:٩٦]، يخبرهم جل وعلا أن أول بيت وضع للعبادة هو بيته الحرام الذي في مكة، فيكون في ذلك رد على ما زعمته اليهود أنه كان ينبغي للنبي ﷺ أن يبقي على قبلته إلى الشام.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>العلاقات بين الآيات</span>\nالملقي: ذكرت قبل قليل العلاقة والربط بين الآيات، فجاء في ذهني أنه نسي مثل هذه العلاقات بعض أهل العلم ومنهم من قال: إنه لا توجد علاقة بين الآيات وأن هذا فيه تكلف، وبعضهم زاد في القضية وأثبت العلاقة في كل آية؟ الشيخ: فيه تفصيل: وكلا طرفي قصد الأمور مذموم.\nبعض العلماء -كما قلتم- يتكلف تكلفًا وليست هناك قرينة على صحة ما يقول؛ لأنه لم يرد: أن الله جل وعلا أخبر أنه لا بد من الربط، لكن هناك من الربط ما لا يمكن تجاهله، فمثلًا قال الله جل وعلا في خاتمة سورة طه: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه:١٣٥]، يأتي\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  متى سنعلم؟ ويأتي الجواب في أول سورة الأنبياء: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]؛ لأن هذا يكون يوم الحساب، وهذا رابط مقبول.\nلكن بعض العلماء يربط بين الآية والآية ويحاول أن يقحم رابطًا غير موجود، والأصل أن القرآن كلام الله جل وعلا معجز بمجموعه، ولا يلزم أن يكون هناك ربط بين الآية والآية، إنما هو كتاب شامل، وبدهي أن يكون في كل مقطع منه عناية بأمر ما.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المراد بـ (أول بيت وضع للناس)</span>\nالملقي: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:٩٦]، ما المراد بأول بيت؟ الشيخ: المراد أول بيت للعبادة، ليس أول بيت سكن، لكن هنا يتكلم الله جل وعلا: أن أول بيت وضع في الأرض ليعبد الله جل وعلا عنده هو البيت الحرام، ثم المسجد الأقصى: وقد سئل النبي ﷺ: (كم بينهما؟ فقال: أربعون عامًا).\nفأربعون عامًا ما بين الكعبة وبيت المقدس، وقد مضى معنا -أستاذنا الكريم- أننا رجحنا أن إبراهيم رفع القواعد ولكنه لم يضع قواعد البيت، وهذا من الأدلة؛ لأن النبي ﷺ قال: إن بينهما أربعين عامًا، ومعلوم أن بعد الأربعين من وضع القواعد لم يكن هناك أحد مسلم حتى يضع بيت المقدس، فإن الذين آمنوا بإبراهيم كانوا قلة، والله جل وعلا قال: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، ولم يذكر أن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه كان له أتباع كثيرون، وإن كانوا موجودين: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٨].\nفهذا من الأدلة على أن إبراهيم رفع القواعد ولم يضع أساسها، فقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران:٩٦] أي: أول بيت وضع للعبادة ليعبد الله جل وعلا عنده، وفي هذا رد على اليهود ومن وافقهم في قولهم إنه كان ينبغي أن يتوجه ﷺ بقبيلته إلى أرض المحشر التي هي أرض الشام.","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>من الذي أسس الكعبة والمسجد الأقصى</span>\nالملقي: ما دام قررنا أن بينهما أربعين كما في الحديث الصحيح، فمعنى ذلك أننا لا بد أن نوجد من وضع الكعبة ومن وضع بيت المقدس، حتى يكون الأمر مضبوطًا؟ الشيخ: أما الكعبة فرجحنا أنها الملائكة، أما بيت المقدس فلا أعلم فيه نصًا صريحًا، ويمكن أن يقال: إنها الملائكة، لكني لا أجزم به، قد يكون آدم، أو أحد بنيه، ولا أعلم فيه نصًا مرفوعًا للنبي ﷺ، ولا أثرًا عن أحد ممن ينقل عنه.\nأما الذي ينسب ذلك إلى سليمان ﵇ فهو خطأ، فقد يكون المقصود أنه أعاد بناءه، لأن سليمان بعد إبراهيم بآلاف السنين؛ فسليمان جاء بعد موسى، وبين موسى ويوسف أعوام عديدة، ويوسف من ذرية إبراهيم.","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>بكة من أسماء مكة</span>\nالملقي: في قوله: (ببكة) هل هو من أسماء مكة؟ الشيخ: أحيانًا يجيء في اللغة الإبدال، يقولون: (طين لازب) و(طين لازم) فالإبدال بين الميم والباء مشهور عند العرب، هذا تخريج.\nوقال بعضهم: إن هذا اسم من أسماء مكة، والمقصود أنها تدك الجبابرة وتقصمهم، لا يستطيع أحد أن يصل إلى البيت بسوء، وهذا قوي جدًا، ولعله أرجح من الأول.\nواسم (مكة) قديم: (إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض)، ولا يعرف لها اسم قديم قبل هذا الاسم، يعني: مثلًا المدينة عرفت بأنها: يثرب، سميت باسم أحد العمالقة على قول بعضهم، ثم جاء النبي ﷺ فسميت بالمدينة.","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المراد بالبركة في قوله: (للذي ببكة مباركًا)</span>\nالملقي: أيضًا في قوله ﵎: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران:٩٦] ما المراد بالبركة؟ الشيخ: نبدأ من أصل المسألة (تبارك) فعل عند نحاة العرب لا يتصرف، لا يأتي منه مضارع ولا أمر، ويقولون: لا يخاطب أحد بالفعل: تبارك، ولا يسند إلا لله جل وعلا.\nثمة ألفاظ لا ينادى بها إلا الله، يقال: تبارك الرحمن، تبارك الله، لكن لا يقال: تبارك النبي، ولا تباركت الملائكة، ولا أمثالها، كما أن لفظ (سبحان) لا يقال إلا في حق ربنا ﷻ، ولهذا أثر عن دعاء بعض الصالحين: (سبحان من لا يقال لغيره سبحانك).\nوالمبارك المقصود به: الزيادة والنماء والخير، وأثر ذلك في انشراح الصدر ورفع العمل وزيادة الأجر، هذا كله مندرج في قول الله جل وعلا (مبارك)، من بركته الحسية، وبركته المعنوية، البركة الحسية كأن الله جل وعلا يجبي إليه كل الثمرات.\nوأنت تعرف أن مكة ليست بأرض زرع، ومع ذلك قل ما يفقد شيء فيها، تأتيها الأرزاق من كل مكان بتسخير الله، من تسخير الله لها، وحب أهل الثرى والمال أن يوقفوا أموالهم في مكة، كل ذلك ناجم من بركة حسية.\nالبركة المعنوية: في أن الإنسان هناك يجد الطواف بالبيت، وهو لا يوجد إلا في مكة؛ لأن الطواف لا يشرع إلا بالبيت، فهو عبادة لا تتم إلا في مكة، وكذلك الصفا والمروة لا يوجد إلا في مكة، فأداء هذه الأفعال من البركات التي يجعلها الله جل وعلا في ذلك المقام، ولهذا قال الله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران:٩٦].\nأحيانًا نجد في القرآن شيئًا اسمه (الحرم)، وآخر اسمه (مبارك)، وأحيانًا (مبارك) تنوب عنها كلمة (مقدس) فمثلًا: لم يرد أن هناك حرمًا إلا مكة والمدينة، فالله جل وعلا حرم مكة، وإبراهيم كذلك حرمها، وحرم النبي ﷺ المدينة.\nلكن كلمة (مقدس)، وكلمة (مبارك)، ليست محصورة في مكة والمدينة، فإن الله قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١]، وقال في قضية وادي طوى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١٢]، والنبي ﷺ قال في وادي العقيق الذي فيه مسجد الميقات في ذي الحليفة، قال: (أتاني آت من ربي، فقال: صلّ ركعتين في هذا الوادي المبارك).\nفلفظ (البركة) قد يطلق على الحرم، ويطلق على غير الحرم، أما الحرم فلا يطلق إلا على مكة والمدينة بحدودها المعروفة التي حددها الشرع.","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>معنى قوله: (وهدى للعالمين)</span>\nالملقي: ما معنى قوله: ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦].\nالشيخ: ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦]، لا شك أن أعظم الهداية توحيد الله، فلما جعل الله البيت مثابة للناس وأمنًا وحرزًا لعباده، وحصنًا في قضية التوحيد، حيث يعظم الله جل وعلا عنده؛ كان بذلك هدى للعالمين، لذلك لما دخل النبي ﷺ الكعبة عام الفتح، وجد أن القرشيين وضعوا فيها صورتين لإبراهيم وإسماعيل وهما يستقسمان بالأزلام، فقال: (قاتلهم الله، والله لقد علموا ما استقسم بها قط)، أي: الأزلام.\nوهذا البيت كبر النبي ﷺ في نواحيه، وأمر بإخراج ما كان في الكعبة من أصنام.\nوالعجيب هنا أن النبي ﷺ قبل هجرته طلب من سدنة البيت أن يفتحوا له باب الكعبة فرفضوا، فقال لـ عثمان بن أبي طلحة: (ليأتين يوم يكون المفتاح بيدي أضعه حيث أشاء، فقال عثمان: إذا هانت قريش يومئذٍ وذلت، فبكى ﷺ)، فلما كان عام الفتح دخل النبي ﷺ الكعبة.\nوالله يقول في آية أخرى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨]، فاختيار قدري أن تكون السدانة في بني شيبة.\nوعندما كان آخذًا بعضدتي باب الكعبة أنزل الله جل وعلا عليه قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، فلما خرج بادره علي بقوله: يا رسول الله، اجمع لنا السدانة مع السقاية، فقال ﵊: أين عثمان؟ فجاء فأعطاه المفتاح، ثم قال: (خذوها يا بني شيبة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم)، فهي إلى اليوم فيهم.\nوقبل ولاية هذه الدولة المباركة على البيت كانت ولاية الأشراف ومن قبلهم في تلك الحقبة، وكان السادن يضعه في جيبه، ومفتاح الكعبة كبير، فكان الرجل يضع المفتاح في الجيب، وهو واقف عند الكعبة يدعو، فجاء أحد الحجاج، فقال للسادن: سبحان الله! ماذا تطلب من الله، فمفتاح الكعبة في جيبك، فماذا تريد تبغى أكثر من هذا! يعني: افتح باب الكعبة وادخل؟ فهذا البيت أعظم مناراته أنه هدى، إليه يحج ويعظم، ومعنى الحج: القصد مع التعظيم، ولا يكون هناك تعظيم إلا لبيت الله، أما غيره فيحترم، وهناك فرق بين الاحترام والتعظيم، والعلم عند الله.","vol":"4","page":9},{"text":"سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم <span data-type=\"title\" id=toc-38>[٥]</span>\nإن من أعظم شعائر الله البيت الحرام، وفيه آيات بينات، منها الحجر الأسود الذي نزل من الجنة، ومنها مقام إبراهيم الذي أمر الله باتخاذه مصلى.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المقصود ببيت الله الحرام</span>\nالملقي: بسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلًا بكم إلى حلقة جديدة في (آيات الحج في القرآن الكريم) مع ضيفنا الشيخ صالح بن عواد المغامسي إمام وخطيب مسجد قباء والذي نرحب به مع مطلع هذه الحلقة، فأهلًا بكم فضيلة الشيخ.\nالشيخ: حياكم الله أستاذ فهد وحيا الله الإخوة المستمعين والأخوات المستمعات.\nالملقي: الآية التي معنا في هذه الحلقة هي قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران:٩٧].\nفهل المقصود هو المسجد الحرام أم ماذا؟ الشيخ: الآية التي قبلها: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران:٩٦ - ٩٧].\nفالكعبة والمسجد الذي حولها هو المقصود ببيت الله الحرام، بدليل أن الله قال: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران:٩٧].\nفمقام إبراهيم يقينًا ليس من الكعبة، فهذا دليل على أن المقصود بها المسجد.","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>من الآيات البينات في الكعبة الحجر الأسود</span>","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>كيفية تعظيم الحجر الأسود</span>\nأما أعظم الآيات فالحجر الأسود.\nوالآية في اللغة: العلامة، ولها معاني أكثرها في القرآن الكريم، كقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [البقرة:٢٤٨] أي: لعبرة.\nلكن هنا (آيات بينات) أي أمور تلفت الأنظار غير ما تعارف الناس عليه، فالحجر في أصله علامة قسوة، لكن هذا الحجر من دلائل احترامه شرعًا، أن النبي ﷺ قبله، وبدأ به في الطواف من دون أركان الكعبة كلها، على هذا نحرر المسألة على النحو التالي: نستصحب قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٢].\nفشعائر الله يجب أن تعظم، هذا عموم، والسؤال المطروح هنا علميًا، كيف تعظم؟ لا سبيل إلى معرفة كيفية تعظيمها إلا بمعرفة كيف تعامل النبي ﷺ معها، وإذا جاء سيل الله بطل سيل معقل، والدين يؤخذ عن أنبياء الله ورسله، ونحن مطالبون بالاقتداء بنبينا ﷺ.\nتأتي أخطاء من هنا وهناك حول هذه المسائل، فمثلًا النبي ﷺ كيف يكون تعظيمه؟ فننظر للصحابة كيف تعاملوا معه، فنعرف تعظيمه، وهم لم يتخذوه وسيلة بينهم وبين الله، فلا يأتي أحد ويقول إن من تعظيمه اتخاذه وسيلة بيننا وبين الله في الدعاء، لأن الصحابة الذين أنزل عليهم القرآن وكان حيًا بين أظهرهم لم يصنعوا هذا.\nكذلك كل شعيرة من شعائر الدين لها نوع من التعظيم، مثلًا الله يقول: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦].\nوتعظيمها بأن تقلد وتهدى إلى البيت وتنحر، فنحرها هديًا بالغ الكعبة من تعظيمها.\nاستسمان الأضاحي من تعظيم شعائر الله، لكن لا يمكن أن نقول: إن نحر الحجر أو استسمانه من تعظيمه، فننظر كيف عظم النبي ﷺ شعيرة الحجر؟ بدأ به مقبلًا بوجهه، ومن أخطائنا أن نأتي بجواره ونضعه على يسارنا، والصواب أن يأتي الإنسان أول المطاف إلى الحجر فيقابله بوجهه، فالنبي ﷺ: (استلمه وقبله) وفي رواية (سجد عليه ثم جعل الكعبة عن يساره) كما قال جابر، أي: بعد أن استلم الحجر.\nإذا تعظم شعيرة الحجر باستلامها أو بتقبيلها، وإذا عجزنا فبالإشارة إليها كما فعل النبي ﷺ.","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>مكانة الحجر الأسود</span>\nهذا الحجر جاء في الأثر أنه نزل من السماء أشد بياضًا من اللبن فسودته خطايا بني آدم.\nوهذا الموروث القديم حتى الجاهليون كانوا يعلمونه، ولذلك اختصموا في وضعه، وقدر للنبي ﷺ أن يضعه لما وضعه في رداء، ثم أخذت كل قبيلة بطرف، ولو لم يكن لهذا الحجر قدر، لما من الله على نبيه بأن يكون وضع الحجر على يديه، لأن الله لا يختار لنبيه إلا الأفضل والأكمل، ولو لم يكن للحجر شأن، لما بدأ النبي ﷺ به، دون أركان الكعبة كلها، ولو لم يكن للحجر شأن لما قبله ﷺ.\nولا يعني هذا أن يفهم أحد أن لازم ذلك أن يعتقد أن الحجر يضر أو ينفع، فإنا نعلم أن الحجارة لا تضر ولا تنفع، بل النبي ﷺ نفسه لا يضر ولا ينفع، يعني إنما جرت هداية البشر به، لكن لا يملك أحد لأحد ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، هذا نفاه الله عن جميع خلقه.\nفإذا قبلنا الحجر لا يعني أننا نعتقد أنه يضر أو ينفع، وإنما نحن نقتدي بالنبي ﷺ.\nالملقي: هناك قضية أثيرت قبل فترة ولعلكم اطلعتم على شيء منها في إحدى القنوات الفضائية، وهي دعوى وجود رموز وثنية عند المسلمين في الحج، وكان هناك تركيز على هذه القضية.\nالشيخ: هذا من الجهل، وهذا يسوق إلى مسألة عجيبة نبه عليها رجل اسمه محمد الطاهر كردي المكي، وهو أن قريشًا الوثنية كانوا يعظمون الوثن والحجارة، ويختلقون الأصنام مثل هبل واللات ومناة والعزى، ومع ذلك صرفهم الله أن يعبدوا الحجر أو يعبدوا المقام، رغم أنه موجود بين أظهرهم؛ لأنه سبق في علم الله أنه سيأتي في دين الله تعظيم الحجر، وتعظيم المقام بما يناسبهما، فلو قدر أن قريشًا كانت تعظمهما وتعبدهما لقال القرشيون: أبقى محمد على شيء من ديننا، لكن الله صرفهم تمامًا عن أن يعبدوا الحجر أو يعبدوا المقام.\nوهذا ملحظ عظيم، وأظن أن بركة العلم لها دور كبير في استنباط هذه المسائل والتنبيه إليها، وتذكير الناس بها، حتى يكون هناك حياة الاجتهاد في الأمة منبعثة منبثقة باقية، فالدين أجل وأكبر وأعظم من أن يحويه صدر رجل واحد.\nوحتى محمد الطاهر كردي له كتاب نسيت اسمه، ولعلي أعرج عليه بحلقات قادمه، لكنه نبه إليه ونقله عنه ساعد في كتابه فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم، وهو كتاب تاريخي فقهي مطبوع موجود في الأسواق.","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>الحجر الأسود واعتداء القرامطة</span>\nوالحجر كما تعلم تاريخيًا من أعظم ما تعرض له اعتداء القرامطة، وأن القرامطة نزعوا الحجر، فحملوه إلى هجر، وكان هذا في أوائل القرن الرابع، سنة ثلاثمائة وسبعة عشر، أو ثلاثمائة وتسعة عشر للهجرة، ومكث هناك عشرين سنة.\nالملقي: هذا الحدث حمل أكثر مما يحتمل، حتى يعتقد بعض الناس عند قراءة التاريخ أن الكعبة عطلت في هذا الزمان، وأن القرامطة كأنهم نفوا وجود المسلمين في فترة معينة.\nالشيخ: هذا الحدث شابه شيء، لكن مجمله يدل على أن قومًا أعطوا جرأة في سفك الدماء، جاءوا إلى الكعبة والناس يحجون، فأخذوا الحجر معهم، في تلك الأيام.\nالملقي: وهل حصل ذلك دون هدم الكعبة.\nالشيخ: نعم، دون هدم الكعبة، إنما نزعوا الحجر انتزاعًا ثم أخذوه، فمكث الناس عشرين عامًا -كما قال أهل التاريخ- إنما يشيرون إلى موضع الحجر في طوافهم، ثم رد بعد عشرين عامًا إلا ثلاثة أيام تقريبًا، والآن الذي يتأمل في الحجر يجد أنه إناء فضي، داخله مادة لزجة تجمع قطع الحجر، وهي ثمان قطع على هيئة تمرات، منها الكبير ومنها الصغير متلاصقة بعضها ببعض، هذا هو الحجر المكسور الذي كان أصلًا للحجر الأسود.\nوالسنة أن يقبل الحجر وإن لم يستطع فليمسح عليه، وإن لم يستطع أشار إليه؛ لكن إذا كان معه شيء استلم به الحجر، مثل ما كان عمل النبي ﷺ بالمحجن، ويجوز له أن يقبل ذلك الذي استلم به، فالنبي عليه الصلاة السلام استلمه بالمحجن ثم قبل المحجن.\nوالركن اليماني يستلم ويقبل، لكنه لا يشير إليه، وهناك قول في مذهب الشافعي رحمة الله تعالى عليه بالإشارة إليه، والمسألة فيها خلاف، لكن الأرجح والعلم عند الله أنه إما أن يستلم وإما أن يترك، وكلاهما في الجنوب من الكعبة، وهما من الكعبة ركناها اليمانيان.\nالنبي عليه الصلاة السلام يقول: (الإيمان يمان والحكمة يمانية) ومما يمدح به أهل اليمن أن ركني الكعبة تجاه اليمن.\nأما الركنان الشاميان فلم يستلمهما النبي ﷺ لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم.","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>من الآيات البينات في الكعبة مقام إبراهيم</span>\nالملقي: من الآيات التي نص عليها في هذه الآية مقام إبراهيم: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران:٩٧].\nالشيخ: طبعًا هذا تخليد لذكرى خليل الله جلا وعلا، وهذا من الثناء الذي وعده الله نبيه لما قال في دعائه: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤].\nإنما الخلاف بين العلماء في هذا المقام، هل مكانه الحالي هو مكانه في عهد النبي ﷺ والمسألة فيها أقوال عديدة تصل إلى أربعة: منهم من قال: إن مكانه الحالي هو المكان الذي كان في عهد النبي ﷺ وفي عهد الخلفاء الراشدين، هذا قول.\nوقال آخرون: إن المقام كان ملتصقًا بالكعبة، وأخر إلى هذا الموضع، بفعل النبي ﷺ، وهذا مروي عن مجاهد.\nوقال آخرون: إنه كان ملتصقًا في عهد النبي ﷺ وأخره إلى هذا الموضع عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقيل غير ذلك.\nوالذي يظهر لي أن هذا المكان مقامه منذ أن كان النبي ﷺ، لكن قول مجاهد أنه كان ملتصقًا بالكعبة له وجه من القوة، لكن الذين نقلوا حجة النبي ﷺ لم ينقلوا لنا أن النبي أخره.\nلكن نقبل قول مجاهد؛ لأنه لا بد أن يكون المقام ملتصقًا بالكعبة، حتى يستفيد منه إبراهيم ويرتقي عليه، لأنه إذا كان بعيدًا لن يستفيد منه، لأن المقام وضع حتى يرقى إبراهيم عليه ويبني الكعبة.\nوقصة المقام أنه حجر ارتقى عليه إبراهيم، حتى يكمل ما ارتفع من بناء الكعبة، والقبة الموجودة مستحدثة.\nقال أبو طالب: وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيًا غير ناعل الذي يهم المؤمن أن الإنسان في كل أحواله عبد لله، فلما ألان إبراهيم لله قلبه، ألان الله الصخر تحت قدميه.\nومقام إبراهيم جعله الله جل وعلا مكانًا للصلاة: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥].\nوقد ثبت في حديث حجة الوداع أن النبي ﷺ طاف بالبيت، ثم أتى المقام، وتلا قول الله جل وعلا: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥].\nوصلى خلف المقام مستقبلًا البيت صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"5","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>أولى العبادات تقديمًا في المطاف هي الطواف</span>\nوهنا ممكن الإشارة إلى أن الأصل في صحن الكعبة أنه للطائفين لأنهم قدموا في الآية: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦]، فإذا ازدحمت، ازدحم الأمران، إما يكون للطائفين أو للمصلين، فنؤخر المصلين ونبقي الطائفين.\nفمن الخطأ أن يأتي أقوام ويحولوا بين الناس وبين الكعبة بالجلوس ينتظرون الصلاة.\nوهذا نداء أيضًا للمسئولين في رئاسة الحرم، أن يهتموا بمسألة إقامة الدروس في صحن الكعبة، الحقيقة أن إقامة هذه الدروس لا شك في نفعها وخيرها، لكن ينبغي أن يقدم مصلحة الطائفين، لأننا نلحظ أن الدروس في العشر الأواخر من رمضان بالذات تؤذي الطائفين، بل تعيق الطائفين والحق الأول لهم، فإذا قدم الطائفون على المصلين فمن باب أولى أن يقدموا على من يستمعون الدرس.\nالملقي: هل الأثر الموجود في الصخرة لم يمسه أي تغيير.\nالشيخ: لقد تغير كثيرًا، وقد نبه إلى هذا بعض الحفاظ من شراح الأحاديث، وقالوا: إن كثرة استلام الناس له، وتبركهم به على مر الأزمنة أذهب كثيرًا من المعالم منه.\nالملقي: يتوقع أن قدم إبراهيم عليه الصلاة السلام أكبر وأضخم؟ الشيخ: كان الناس ضخامًا وما زال الناس ينقصون إلى يومنا هذا.\nوبعض الروايات تذكر أن بعض من لهم في القيافة رأى أثر قدمي إبراهيم في الصخر، ورأى النبي ﷺ وهو صبي يلعب، فقال: إن هذه الأقدام شبيهة جدًا بالتي على مقام إبراهيم، وهذا يؤيده قول النبي عليه الصلاة السلام في رحلة المعراج: (فرأيت رجلًا ما رأيت أحدًا أشبه بصاحبكم منه)، يقصد عظيم شبهه عليه الصلاة السلام لأبيه خليل الله إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"5","page":8},{"text":"سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم <span data-type=\"title\" id=toc-46>[٦]</span>\nالحج فريضة من فرائض الإسلام، وأول من أذن بالناس في الحج هو سيدنا إبراهيم ﵇، وقد جعل الله الكعبة قيامًا للناس، وشرع عبادة الطواف حولها، وهي من أعظم العبادات.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>الكلام على آية (وأذن في الناس بالحج)</span>","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>أذان إبراهيم في الناس بالحج</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه أجمعين.\nأيها الأخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم إلى حلقة جديدة في برنامجكم (آيات الحج في القرآن)، والتي نسعد فيها باستضافة الشيخ صالح بن عواد المغامسي إمام وخطيب مسجد قباء، فأهلًا بكم وسهلًا! في هذه الحلقة سوف نتطرق إلى قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] أولًا نريد أن نعرف من هو المأمور في هذه الآية؟ الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.\nفالمأمور في هذه الآية هو خليل الله إبراهيم ﵊، وذلك أنه رفع القواعد من البيت كما أخبر الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة:١٢٧] وكنا قد حررنا هذا في موضعه.\nفقول الله جل وعلا هنا: ﴿وَأَذِّنْ﴾ [الحج:٢٧] خطاب له بعد أن فرغ من بناء البيت؛ ولهذا اختلف الناس ما الموضع الذي وقف عليه إبراهيم حتى يؤذن؟ فقيل: إنه وقف على الصفا، وقيل: إنه وقف على المقام الذي قُدِّم له ليعلو عليه حتى عندما ارتفع البناء حتى يبنيه.\nأما ماذا قال؟ فقد ورد أنه قال: أيها الناس إن الله قد اتخذ بيتًا فحجوا ولم يكن أمامه أحد، ولهذا جاء أنه قال لربه: كيف أناديهم ولا يبلغهم صوتي؟ فأوحى الله جل وعلا أن أذن وعليَّ البلاغ، فيقال: إن الجبال تطامنت حتى وصل صوته إلى الأرض كلها، وأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه كل من كتب الله عليه الحج: لبيك اللهم لبيك.\n(أذان) لا يخفى أنها وردت كثيرًا، والله جل وعلا يقول: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة:٣].\nكلمة (أذان) بالهمز معناها الإعلام، فإن قرنت بتهديد ووعيد أصبحت إنذارًا، وإن لم تقرن بتهديد أو وعيد لا تعد إنذارًا وهو على هذا يتحرر أن كل إنذار أذان، وليس كل أذان إنذارًا، هنا مجرد إعلام في قول الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] لأنه لم يقترن بتهديد أو وعيد.\nأما (آذان) بالهمز الممدود فهذه جمع (أذن) أما الأولى فهي (أذان) أي إعلام مصدر من أذَّن؛ أما الآذان بالمد فهذا جمع لأذن، وأحيانًا يجتمعان كما ورد في بيت شوقي عندما تكلم عن الاحتلال الفرنسي لسوريا، وكيف أن الفرنسيين النصارى تسلطوا على المسجد الأموي، وهو ليس له قداسة كما هو معلوم، لكنه رمز تاريخي في الأمة، فيقول: مررت بدمشق فلا أذان يؤذن إنما ناقوس نصارى ولا الذين يجتمعون العرب المسلمون، وإنما الذين يجتمعون النصارى.","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>معنى قوله (رجالًا وعلى كل ضامر)</span>\nالمقدم: أيضًا في قوله ﷾: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] بعض الناس يعتقد أن قوله: ﴿رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] معناه نفي النساء.\nالشيخ: (رجال) في القرآن ليست كذلك، فهي جمع (راجل)، وهو من يمشي على قدميه، ويفهم من هذا أن الله قدم الماشي على الراكب.\nولهذا اختلف العلماء في الجمع بين الآية والسنة، وذلك أن الآية دلت على أن الله قدم من يمشي، لكن النبي ﷺ حج راكبًا إلى الحرم؛ ونقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: تمنيت لو أني حججت ماشيًا لأن الله قدّم المشاة.\nولا شك أن في الحج مشيًا فضيلة لزيادة التعب، لكن تلك أقرب للسنة، وقد يكون الركوب من النبي لبعد الديار.\nأو قد يجاب أن النبي ﷺ ما أراد أن يشق على أمته واختار لها الأمر الوسط.\nوثمة عالم موجود في بريطانيا يقال إنه حج ماشيًا، وهو موجود حاليًا وعمره قد ناهز المائة، وكنت قد عزمت على الذهاب إليه، لكن أخبرني بعض تلاميذه أو بعض من يعرفه جيدًا قال: إن الرجل طاعن في السن ولا أظنك تستفيد من الجلوس معه شيئًا.\nموضوع الشاهد أنه حج ماشيًا من ديار شنقيط إلى مكة وأدى المناسك كلها ماشيًا، ثم عاد مرة أخرى إلى بيته في بلاد شنقيط.\nويقول لي هذا الأخ وهو أحد طلابه وقد قابلته في قطر قال: إنه لما عاد من الحج كان قد كسي ورعًا، وقال: كان في بلادنا من هو أعلم منه لكن التف الناس حوله لورعه وزهده، نسأل الله القبول! المقدم: لكن يقال إن التقديم في الذكر لا يعني الفضيلة، يعني: عندما قال ﷾: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] قدم ذكر (رجالًا) لأن الرجال في ذلك الزمان أكثر من الركبان؟ الشيخ: هذه قرينة جيدة، لكن من يقول بفضل التقديم يعتبره مثل قول النبي ﷺ: (أبدأ بما بدأ الله به ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]).","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>نون النسوة في قوله (يأتين من كل فج)</span>\nالمقدم: في البداية قال في الفعل «يَأْتُوكَ» وفي الثاني قال: ﴿يَأْتِينَ﴾ لماذا أتى هنا نون النسوة؟ الشيخ: قوله ﴿يَأْتِينَ﴾ [الحج:٢٧] هنا نون النسوة عائدة على الدواب التي تحمل الحجاج، وهو معنى قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] أي ضمر جنباه من كثرة ما سيق إلى البيت، أي اشتد عليه الحمل والركوب، والسير إلى أن وصل إلى البيت العتيق فضمر جنب الدابة، فسمي ضامرًا من هذا الباب.\nفقال الله جل وعلا: ﴿يَأْتِينَ﴾ [الحج:٢٧] فأعادها على الدواب، وهذا أسلوب قرآني، الله جل وعلا يقول: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات:١ - ٢] فأثنى على الخيل هنا وهو يريد من تحملهم الخيل من المجاهدين، فهنا أثنى الله جل وعلا على الدواب، وأراد من على الدواب من الحجاج والمعتمرين القادمين إلى الحج.","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المنافع التي يشهدها الحجاج</span>\nالمقدم: في قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨] ما هي المنافع هنا؟ الشيخ: المنافع هنا عامة فهي منافع دنيوية ومنافع أخروية، وأعظمها غفران الذنوب الذي وعد الله جل وعلا به من أتى البيت.","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>الكلام على قول الله: (جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس)</span>","vol":"6","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>معنى جعل الكعبة قيامًا للناس</span>\nالمقدم: أيضًا في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة:٩٧] ما المعنى العام لقوله تعالى: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة:٩٧]؟ الشيخ: قال أهل التفسير: إن المعنى العام لـ (قيامًا للناس) أي به وفيه -أي البيت- مصالح دنياهم وأخراهم، أو بتعبير أوضح: مصالح دينهم ودنياهم، هذا المعنى العام لقول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة:٩٧].\nوهذا يتجلى بالصور؛ فمثلًا: الصلاة أعظم أركان الدين وأجل العبادات وأولها، والإنسان يتوجه بوجهه إلى الكعبة ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة:١٤٤].\nالإنسان الذي تلم به الضراء يفزع إلى الله ويدعوه، فيتوجه في دعائه جهة الكعبة.\nالإنسان الذي يحل به ضيف يريد أن يكرمه، أو يأتي عليه عيد الأضحى يريد أن يتقرب إلى الله بأضحية، أو يحج يريد أن يتقرب إلى الله بهدي، أو يُرزق بغلام يريد أن يتقرب إلى الله بعقيقة، أو يريد أن يذبح لأهله شاة لحم، ومع ذلك في كل أحواله يتوجه بذبيحته إلى الكعبة فجعلها الله قيامًا، هذه بعض صورها، وهذا من باب تعظيم الكعبة.\nكذلك النبي ﷺ في حجته وقف على الصفا، ووقف على المروة وهو قريب من البيت، ومع ذلك كان يستقبل البيت ويدعو صلوات الله وسلامه عليه مستقبلًا البيت.\nالمؤمن لا بد له أن يموت، وساعة الاحتضار لا بد منها، ففي ساعة الاحتضار يشرع لمن شهد مؤمنًا يحتضر أن يوجهه نحو الكعبة.\nيموت المؤمن، فيغسل، ويكفّن، ويصلى عليه، وعندما يدفن يوجه في قبره للكعبة؛ ولهذا قال النبي ﷺ في حديث طويل آخره: (والمسجد الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا) فقوله ﵊: (قبلتكم أحياءً وأمواتًا) مفسِّر لقول الله جل وعلا: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة:٩٧].\nومعلوم أن الإنسان لا يهمه شيء أعظم من دينه، فإذا كان قوام حياته الدينية مرتبطًا بأنه يتوجه إلى الكعبة كان ذلك من تعظيمها، والكعبة لا تختص بشيء أعظم من الطواف.","vol":"6","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>الوثنيون الذين يعظمون الكعبة</span>\nالمقدم: قبل الطواف إذا علمت به وأنت تتحدث عن هذا، أن قبائل الأنتيمور وغيرهم في أفريقيا رغم أنهم وثنيون يتجهون للقبلة في ذبحهم ولا يمدون أرجلهم إليها، ويجعلون فتحات أبوابهم إليها جهة الشمال بالنسبة لهم وهي مكة، ويعتقدون أن شخص محترمًا اسمه بارا محمد -أي: المعظم محمد- هو الذي أخبرهم عن هذه الجهة، وأن فيها الإله.\nفهم لا زالوا على ديانتهم الوثنية، لكنهم يعظمون الكعبة ويوجهون موتاهم إلى جهة الكعبة، ولا يدخلون البيوت من جهتها، يعني يجعلون أبوابهم تجاهها حتى لا يكونوا قفا الكعبة.\nالشيخ: يعني هؤلاء يكونون أقرب للدين لو وصلوا إلى هذه المرحلة لتعظيم الكعبة.\nالمقدم: عندهم كعبة كاملة يحجون إليها مرة في العام، ويلبسون الإحرام ويطوفون وينحرون، ويغتسلون كما يصنع الحجاج، ويأتيها آلاف الحجاج، وقد قمت بزيارتها، وعندهم نفس ما يفعله المسلمون لكنهم لا يدرون لماذا؟ هم يقولون بأن بارا محمد هو الذي أتى بهذه الأشياء المعظم.\nالشيخ: هذا مناخ جيد للدعوة! وهذا معناه أن الدين قد وصلهم منه جزئية هي التي أثارت هذه الشعائر في أنفسهم.\nالمقدم: لا شك أنهم عرب، وأنهم من أصول عربية، ولغتهم فيها شيء من هذا.\nالشيخ: ووقوفكم على هذه الأشياء بأنفسكم يدل على أن الدين بلغ مبلغًا عظيمًا في القرون الماضية، مع أن تلك الحقبة كانت خالية من وسائل الإعلام السريع وما أشبه ذلك.","vol":"6","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الربط بين بقاء الكعبة وبقاء الدين</span>\nالمقدم: في قوله تعالى: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة:٩٧] البعض يربط بين القيام والقوام، وأن بقاء الناس مربوط ببقاء الكعبة، فإذا زالت هذه الكعبة زال الجنس البشري، فيجعل من الفهم لقوله (قيامًا) أنه يعني الاستمرار؟ الشيخ: هذا أظنه بعيدًا لكن ممكن أن نربط به قيام الدين، لأن النبي ﷺ أخبر أن الكعبة ستهدم على يد ذي السويقتين من الحبشة، فلا يحج بعده البيت ولا يعتمر إليه كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه، ولا ريب أنه إذا بقي الناس على حالهم لا يحجون البيت ولا يعتمرون أن الدين قد ذهب، وهذا لا يكون إلا في آخر الزمان؛ لهذا قدمت مصالح الدين والإسلام أو الشرع أو القرآن، فإذا تكلم عن قيام الناس ينصرف أول ما ينصرف إلى أمور دينهم.","vol":"6","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>عبادة الطواف</span>\nالمقدم: بالنسبة للطواف نريد أن تتحدث عنه؟ الشيخ: الطواف ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦] الطواف بالبيت هو العبادة التي لا يمكن أن تقع إلا في مكة، وإلا فسائر العبادات يمكن أن تقع في غير مكة إلا الحج والعمرة ومناسكها؛ لأنها مختصة بالبيت، لكن كإطلالة تاريخية: كان هناك رجل في مكة في القرن الثاني الهجري توفي (١٥٧) هـ واسمه محمد بن طارق المكي، نقل الثقات من المؤرخين وأهل التراجم وأئمة الحديث عن هذا الرجل أنه كان يطوف بالبيت في اليوم والليلة سبعين مرة، في كل طواف سبعة أشواط حتى قيلت فيه أبيات شعر تخبر عنه.\nويقولون: إن شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث ذهب إلى عبد الله بن المبارك يطلبه هذين البيتين، والبيتان لـ ابن شبرمة يخاطب فيهما رجلًا يقول له: المفروض أن تكون عالمًا، أن تكون طوَّافًا، أن تكون زاهدًا وكان هناك رجل معاصر لـ محمد بن طارق اسمه كرز، وكرز هذا كان عابدًا لكن لا أعلم عنه شيئًا، أما محمد بن طارق فقد كان مشهورًا بطوافه فقال ابن شبرمة لمن يخاطبه: لو شئت كنت ككرز في عبادته أو كابن طارق حول البيت في الحرم يعني يطوف بالبيت قد حال دون لذيذ العيش خوفهما فسارعا لطلاب الفوز والكرمِ والمقصود أن هذا أحد أفراد أمة محمد ﷺ، وأنه عرف فضل الطواف وجعل عمره منصبًّا في هذه العبادة العظيمة والشعيرة الجليلة التي خصّها الله جل وعلا بها أهل مكة دون سواهم؛ ولهذا ذكر العلماء أنه يشرع لمن جاور في مكة أن يكثر من الطواف وأنه لا سبيل له إلى الطواف إلا في مكة.\nوقد كان القرشيون يطوفون حول البيت؛ ولهذا من اللطائف الخارجة عن الموضوع -إن صح التعبير- أنه لما يقول الله جل وعلا في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، يسرع بعض الناس في الإجابة ويقول: لانتفاء الرياء في الصوم، وهذا قلب للمسألة، لأنه ليس هناك عبادة يدخلها الرياء مثل الصوم، لأن الإنسان يستطيع في مدة عشر دقائق أن يتظاهر أمام مضيفه أنه صائم ويرد كل مطعوم ومشروب، بخلاف غيرها من العبادات.\nلكن الصواب أن العبادات الثلاث وقعت لغير الله، بخلاف الصوم، فأنت الآن تقول إن الطواف حصل قبل الإسلام، وهذه حقيقة، وإلى الآن يُطاف على غير الكعبة من مشاهد وأضرحة الوثنيين، وما ذكرتموه في أول اللقاء عن أفريقيا، وكانت قريش تطوف حول البيت، وكل مكان معظّم يقع عنده طواف.\nتأتي للصلاة وهي ركوع وسجود، وكم سُجد لغير الله تعظيمًا كالسجود لملوك لسلاطين الذين لا يدخل عليهم إلا بالسجود.\nوأما عبادة الزكاة فهي عبادة أموال، كم يوجد مما يسمى بالإتاوات التي يأخذها السلاطين من الناس، والضرائب في عصرنا الحاضر في الشرق والغرب؛ هذه كلها أخذ من أموال الناس.\nلكن الصوم لا يعرف أن أحدًا صام لأحد، ولا يعرف أن أحدًا كلّف أحدًا أن يصوموا له، يعني: لا يتصور أن يأتي إنسان يتعبده إنسان يقول له: صم لي! لأنه لا يستطيع أن يضبطه، يعني: إذا قال: أعطني مالًا ولم يعطه آخذ منه مالًا بالقوة، وإذا رفض السجود هدده بالسلاح، وكذلك الطواف، لكن إذا قال: صم لي! فمعنى ذلك أنه سيرابط عنده من الصباح إلى المساء، وهذا يكلفه الكثير.\nفالعبادة الوحيدة التي لم تؤد لغير الله هي الصيام، وهذا معنى قوله: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، وإن كان هذا من الخروج عن موضوع الحج! القرشيون منعهم النبي ﷺ من الطواف والحج بعد السنة الثامنة وبعث أبا بكر ليعلن: أن لا يطوف بالبيت عريان؛ لأن النبي ﷺ ما أراد أن يطوف بالبيت وحوله شيء من شعائر الجاهلية، فكان الجاهليون يطوفون بالبيت عراة، ومنه البيت المشهور لتلك المرأة: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله إلى غير ذلك، بعد ذلك حِج النبي ﷺ وقد عرفت العرب أنه لا يطوف بالبيت عريان، وطُّهِّر البيت من الأوثان، وبعده استمر الطواف دون وجود هذه الأوثان إلى يومنا هذا، وسيبقى إلى أن يأذن الله بهدم الكعبة على يد ذي السويقتين من أرض الحبشة، قال ﷺ: (كأنني أنظر إليه يقلعها حجرًا حجرًا ويستخرج كنوزها).","vol":"6","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>عدم توقف عبادة الطواف حول الكعبة</span>\nالمقدم: هل توقف الطواف في تاريخ الأمة الإسلامية بعد مبعثه ﷺ؟ الشيخ: لا أعلم أنه توقف أبدًا، اللهم إلا كأني كنت أسمع حادثة سير الأربعاء، ولكن هذا توقف عارض، أما توقف تاريخي في معركة فلا؛ لكن توقف في عام ١٤٠٠هـ في حادثة الحرم.\nوفي حادثة ابن الزبير مع الحجاج كان الناس يطوفون، رغم أن مكة كانت تضرب بالمنجنيق.","vol":"6","page":12},{"text":"سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم <span data-type=\"title\" id=toc-58>[٧]</span>\nأمر الله تعالى بإتمام الحج والعمرة، ومن أحرم بحج أو عمرة ثم صد عن البيت بمرض أو عدو أو غيرهما فله أن يتحلل تحلل المحصر، ويذبح ما استيسر من الهدي إن لم يكن قد اشترط.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>معنى إتمام الحج والعمرة</span>\nالمقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد: فقد قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، إلى آخر الآية.\nنبدأ بالحديث عن معنى الإتمام.\nالشيخ: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه.\nقال ربنا وهو أصدق القائلين: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، والإتمام قد اختلف الناس فيه، فذهب بعضهم إلى أن معنى الإتمام: الإتيان بأفعال الحج كاملة، وهذا هو الظاهر المتبادر إلى الذهن، لكن لا ريب أن الإنسان مطالب بالإتيان بجميع التكاليف الشرعية كاملة، فلا يستفاد على هذا التفسير المتبادر كبير معنى.\nوقد اختلف الناس في الإتمام على أقوال: فمنهم من قال إن المعنى أن يتم الإنسان أفعال الحج والعمرة، وكأنهم أرادوا بهذا التفريق بين من نوى نافلة غير الحج والعمرة، ومن نوى نافلة الحج والعمرة، ومعلوم أن من تطوع بنافلة غير الحج والعمرة لا يلزمه الإتمام.\nفعلى هذا المعنى يصبح المقصود أن الإنسان إذا حج تطوعًا لا يجوز له الخروج منه.\nالمعنى الثاني وهو منقول عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقاله ابن عباس وسعيد بن جبير وبعض السلف؛ قالوا: إن المعنى أن تأتي بها من دويرة أهلك، وهؤلاء لا يقولون إن الحج لا يقع إلا من دويرة الأهل؛ لكنهم يقولون إن الإنسان إذا كان قد أخرجه الحج من دويرة أهله، فهذا الذي أتم الحج والعمرة لله، وأما من خرج لغير الحج ثم بدا له أن يحج أو أن يعتمر فيقولون: إن الحج مجزئ وإن العمرة مجزئة، ولا خلاف في قبولها إن شاء الله إن كانت صحيحة مستوفية أركانها وواجباتها؛ لكنهم يقولون: إنه لا يدخل ضمن قول الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، وبتعبير أوضح: ليست في صفاتها المثلى، أو ليست في صورة كمالها.\nوإنهم يقولون: إنه لا معنى للآية إلا هذا؛ لأن كل عمل أنت مطالب أن تتمه، ولا بد أن يكون في الآية عندهم زيادة في المعنى؛ لأن الله ما قال: وأتموا الصلاة لله، ولم يقل: وأتموا الزكاة لله، ولم يقل: وأتموا الصيام لله؛ لأنه لا بد أن يكون كل شيء لله، ولا بد أن يكون كل شيء تامًا، لكنهم قصدوا أن تمامها أن تأتي بها من دويرة أهلك.\nوهناك معنى ثالث ضعفه كثيرًا ممن له معرفة بالصناعة الفقهية، وقد قيل: إنه منقول عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وهو أن معنى قول الله جل وعلا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، مع قول الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، أنه ينبغي أن يكون الحج في أشهر الحج، وأما العمرة فلا تكون في أشهر محدودة، ولكن لا تكون في أشهر الحج، فكان بعضهم يرى أن من تمامها أن يؤتى بها في محرم، وبعضهم ييسر فيقول: الإتمام هو الانفكاك بين إحرامهما، فيحرم بالحج لوحده، ثم يهل بالعمرة من دويرة أهله لوحده، أو يسبق بالعمرة ثم يعود فيهل بالحج، المهم التفريق بينهما، وإن كان المشهور الذي ينسبونه إلى عمر أن تكون العمرة في غير أشهر الحج.\nوهذا يمكن أن يجاب عليه يجاب عنه بأن النبي ﷺ اعتمر في أشهر الحج، فقد ثبت أنه اعتمر أربع عمرات كلهن في ذي القعدة، وذو القعدة بالاتفاق من أشهر الحج.\nفهذا يرد هذا القول، وإن كان الذي يشكل فعل الشيخين أبي بكر وعمر في أنهما حجا بعد النبي ﷺ مفردين، وكذلك نقل عن عثمان أنه حج مفردًا، ولعل هذا يبين أن علماء الأمة عندما يختلفون لا بد من سبب ظاهر لاختلافهم، فلكل منهم وجهة، ولما حررنا المسألة وجدنا أن لكل منهم ذريعة في قوله وفعله، وهذا مبني على أن الاختلاف في أكثره رحمة، واحترام الرأي المقابل أمر مطلوب، قال الشاطبي في الموافقات: وواجب عند اختلاف الفهم إحسان الظن بأهل العلم.\nالمقدم: هل يمكن أن يقال: إن الشطر الأول من هذه الآية يحمل على بقيتها: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، فيكون الإتمام هو الأصل، فإذا لم يستطع الإنسان الإتمام فإنه في حكم المحصر؟ الشيخ: هذا قول قوي، لكن أقول: إني لا أعلم أحدًا قال ذلك.","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>معنى الإحصار عن الحج</span>\nالمقدم: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، ما المراد بالإحصار هنا؟ الشيخ: هذه الآية نزلت في الحديبية، ومعلوم أن النبي ﷺ أحرم في سنة ست يريد العمرة، فصدته قريش وهو في الحديبية، حتى وقع الصلح المشهور المعروف بصلح الحديبية.\nفهذا إحصار بعدو، وبعضهم يقول إن الإحصار إما أن يكون بعدو وإما أن يكون بمرض، والأظهر والعلم عند الله أن الإحصار ليس مقيدًا بشيء، فإن الحج والعمرة ما زالا قائمين إلى أن تقوم الساعة، وأنواع الإحصار وصد الناس عن البيت يختلف، فقد يكون الصد بعدو، وقد يكون الصد بمرض، قد يكون الصد بتعطل الدابة، أو بتعطل السيارة وبأشباه ذلك كعدم ظهور الجوازات، وقد تأتي حروب إقليمية أو حروب دولية تمنع الحاج وغير ذلك.\nوالمقصود أنا لا نستطيع أن نقيده بصورة واحدة، فنقول: كل من أهل بعمرة أو حج وأحرم بها ثم جاءه مانع من أن يصل إلى البيت فهو محصر، وهو لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون قد اشترط قبل ذلك، كما ثبت من تعليم النبي ﷺ لـ ضباعة بنت الزبير أن تقول: (لئن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني)، فهذا يخرج من الإحصار ولا شيء عليه.\nأما من لم يكن قد اشترط فهذا هو الذي تخاطبه الآية: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦].\nوالهدي في الأصل كل ما تقرب به إلى الله جل وعلا من بهيمة الأنعام، وهنا قال الله جل وعلا: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ [البقرة:١٩٦]، فينطبق على أقله وهو شاة واحدة أو سبع بدنة أو سبع بقرة، يذبح في محل الإحصار؛ فدم المحصر يذبح في مكان الإحصار، وأما دم الواجب فيذبح لفقراء الحرم.","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>العلاقة بين الجهاد والحج</span>\nمداخلة: هل هناك ربط بين الجهاد والحج؟ الشيخ: هذا ظاهر في السورتين: سورة البقرة وسورة الحج، ففي سورة البقرة قال الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة:١٩٣].\nوقال قبله: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٤]، وقال قبله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٧].\nثم ذكر آيات الحج.\nوفي سورة الحج قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥]، ثم قال بعدها: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج:٢٦]، ثم قال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧].\nومر معنا أن النبي ﷺ قال في العشر: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلخ).\nفبعض العلماء يقول: إن المسألة يمكن تصورها بأن المسلم مطالب بالحفاظ على مقدساته، والبيت الحرام في المقام الأول، ثم إذا تم الحفاظ على البيت لا يكتفى به، بل يجب الحج إلى البيت، فيصبح البيت أمانة في أعناقنا بأن نحج إليه والبيت أمانة في أعناقنا بأن ندافع عنه ونحميه.","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>متى يحلق المحصر رأسه</span>\nالمقدم: إذا حصل الإحصار فما العلاقة بين فدية الإحصار وبين قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦]، وهل هذا لمن أحصر أم لغير من أحصر؟ الشيخ: هذا لمن أحصر، ومن الأخطاء أن بعض الحجاج لا يحلق يوم النحر حتى يذبح إن كان عليه هدي، ويأخذ هذه الجزئية من الآية ويقرؤها: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦].\nفهذه الآية تنطبق على من خرج من دويرة أهله ومعه هدي يريد البيت، ولكن حيل بينه وبين البيت وكان قد أحرم، فيجب عليه أن يتحلل بهدي كما قال الله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦].\nفينحر هديه ويحلق رأسه، وهو الذي فعله النبي ﷺ، وقد أمر أصحابه به ولم يفعلوا، لما كان في قلوبهم من الغيظ على بنود الصلح، فدخل على أم سلمة ﵂ وأرضاها فأخبرها، فأشارت عليه بأن يبدأ بنفسه، فإن الناس له تبع، ومحبته راسخة في قلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وما امتنعوا عنادًا وإنما امتنعوا لما في قلوبهم من الغيظ على أهل الإشراك.\nفلما رأوه ﷺ قد ذبح وحلق رأسه نحروا هديهم وكان أكثرهم شركاء؛ لأنهم لم يكونوا يستطيعون أن يحملوا عددًا كبيرًا من الأغنام، فاشترك في البعير الواحد وفي البقرة الواحدة سبعة وهذا أهون في سوق الهدي وفي ذبحه.","vol":"7","page":5},{"text":"سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم <span data-type=\"title\" id=toc-63>[٨]</span>\nإذا أحرم الإنسان بالحج فقد دخل في عبادة عظيمة، فعليه أن يمتنع عن محظورات الإحرام، ومن اضطر إلى ارتكاب محظور فعليه أن يفدي عن ذلك بصيام أو صدقة أو نسك، أما هدي التمتع فهو هدي لمن قدر عليه وإلا صام عشرة أيام.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>حكم الفدية على من ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام</span>","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>فدية حلق الرأس وغيره من محظورات الإحرام</span>\nالمقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.\nأيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم إلى حلقة في برنامجكم (آيات الحج في القرآن) مع ضيف البرنامج الشيخ صالح بن عواد المغامسي، إمام وخطيب مسجد قباء، فأهلًا ومرحبًا بكم فضيلة الشيخ.\nالشيخ: حياكم الله أخي الشيخ فهد، وحيا الله الإخوة المستمعين والمستمعات.\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لا زلنا في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، وكنا قد أنهينا الحديث عن الإحصار ومعناه المراد به، وفي هذه الحلقة نتحدث عن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، ما معنى هذه الآية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: لا يخفى أن الشارع الحكيم لما شرع الإحرام جعل له محظورات يمتنع على المؤمن أن يأتيها حالة تلبسه بالإحرام، ومنها الصيد، ومنها حلق الرأس، ومنها تغطية الرأس، ومنها لبس الثياب المخيطة.\nفهنا يتكلم الله جل وعلا عن أحد محظورات الإحرام، ذلك أن الإنسان قد يحتاج أحيانًا إلى أن يحلق رأسه، فقال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، فإذا وقع هذا وتعذر الصبر عليه، فإن الدين يسر، وشرع الله جل وعلا له الفدية.\nوالفدية معناها اللغوي: أن يفتدي الإنسان نفسه، أي: أن يخرج من ذلك الذي هو فيه إلى حل مباح بطريقة شرعية، فقال الله جل وعلا: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، فحرف (أو) أفاد التخيير، فهذه الثلاث يأتيها المؤمن المضطر على التخيير.\nوالأصل في سبب النزول هذه الآية أن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه أهلَّ بالحج، وكان له شعر كثير، فكثرت هوام رأسه ودب القمل إليه بشدة، فلما رآه النبي ﷺ قال له: (ما كنت أظن أن الأمر بلغ بك إلى هذا الحد)، فأذن له أن يحلق رأسه.\nفالإذن بحلق الرأس من محظورات الإحرام، وشرعت له الفدية، فقال الله جل وعلا: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، والآية قد أجملت لكن السنة فصلت، فالله جل وعلا قال: ﴿مِنْ صِيَامٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، وهذا ينطبق على اليوم وينطبق على الشهر وينطبق على أشهر، فجاءت السنة بأنه صيام ثلاثة أيام.\n﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة:١٩٦] والصدقة تنطبق على الكثير، وتنطبق على القليل، وعلى إعطاء الواحد، وعلى إعطاء المائة، وجاءت السنة على أنه يطعم ستة مساكين.\n﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]: أي: ذبح ذبيحة.\nفأصبح الإنسان إذا ارتكب محذورًا من محذورات الإحرام كفر بفدية وهو مخير بواحد من ثلاث: إما أن يصوم ثلاثة أيام، وإما أن يطعم ستة مساكين، أو أن يذبح شاة؛ على التخيير.\nالمقدم: طيب يعني: معنى ذلك أن هذا مفصول تمامًا لهذه القضية.\nوالآية عامة في محذور من محذورات الإحرام اضطر الإنسان له، فما دام الإنسان قد اضطر إلى أن يلبس ثوبًا مخيطًا فحجه صحيح، وعليه الفدية: صيام أو صدقة أو نسك، وما أشبه ذلك في كل محذورات الإحرام، باستثناء الجماع فإنه من محظورات الإحرام ولكنه يفسد الحج.","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>حكم الفدية على المعاقين وأمثالهم</span>\nالمقدم: يرد إلينا كثيرًا مسألة من يسمون بالمعاقين نسأل الله أن يعظم أجرهم، فبعضهم كتلة لحم بعضهم، وليس عنده إمكانية للإحرام، كأن يكون النصف الثاني غير موجود، وهؤلاء يحجون، وإذا لم يلبسوا تكشفوا، فما رأيكم؟ الشيخ: يلبس قطعة إذا كان يريد فقط أن يستر عورته؛ لأنه ثبت عن عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها أن كان لها عبيد يحملون هودجها في الحج، فكانوا إذا رفعوا لها الهودج وقاموا وقعدوا وحملوا تنكشف عوراتهم؛ فكانت توصيهم بأن يلبسوا شيئًا يستر عورتهم غير مخيط، وهو قريب مما يلبسه النساء في عصرنا، وله اسم معروف، فكانوا يضعونه يسترون به سوءاتهم، تحت الإحرام؛ لأن لبس إحرامهم ينكشف كثيرًا عندما يشتغلون، وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه إذا كانت الأمر مثل هذا فلا يطالب بالفدية.\nوالمعاق ليس عند قدره على إمساك الثوب ولا على ربطه، وهو إنما يحرك في أجهزة، فهذا لا يطالب بفدية.","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>قياس هدي الإحصار على هدي التمتع في البدل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦]\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المتمتع يذبح هديًا، لكن قد لا يجد، وعدم وجود الهدي له صورتان: الصورة الأولى: أن لا يكون معه مال يشتري به هديًا.\nوالصورة الثانية: أن يكون معه مال ثم فقد المال الذي يشتري به الهدي.\nوأيًا كان فالمقصود أنه لم يستطع أن يقدم هديًا، فينتقل إلى الحالة الأخرى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦].\nفأذن الله جل وعلا له عوضًا عن ذلك الهدي أن يصوم عشرة أيام كما في الآية.\nوهل يقاس عليه هدي من هذا حاله، من به أذى في الفدية؟ الجواب: العشرة أيام هذه جاءت في التمتع، لا في الفدية، فالفدية جاءت مخيرة، كما تقدم في الآية، أما هنا فقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦].\nومن لم يجد هدي التمتع هل يقاس عليه من لم يجد هدي الإحصار، ذهب بعض العلماء إلى هذا، وقد حججت عامًا مع الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله تعالى عليه فأفتى به.\nوبعض العلماء يرى أن هذا القياس لا يصح القياس، ولهم حجتان: الحجة الأولى: أن الله جل وعلا ذكر هدي الإحصار ولم يذكر بديله، وذكر هدي التمتع وذكر البديل، فقالوا: لو كان واجبًا لذكره الله كما ذكر الذي بعده.\nالحجة الثانية: قالوا: إن المتمتع فعله -أي حله من الإحرام-باختياره، أما المحصر ففعله -أي حله من الإجرام- إجبار.\nوهذا القول قاله العلامة ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه، وطبعًا نحن حررنا في مسائل كثيرة، قضية أن المستفتي على دين مفتيه، ولكل دليل، فقد قال كثير من العلماء بأنه يقاس عليه، ومنهم من قال: إنه لا يقاس عليه.\nوبعضهم يقيس عليها كل واجب، مثلًا: من لم يبت في مزدلفة، على القول أن المبيت بها واجب، فهذا ترك واجبًا فعليه دم، لكنه لو لم يجد دمًا، هل نقول له: يبقى في الذمة أو يسقط، أو نقيسه على هدي التمتع؟ بعضهم يقول: يقاس على هدي التمتع فدية ترك الواجب، لكن لا نقيس فدية هدي الإحصار، وذلك لأن هدي الإحصار نص عليه في القرآن، أما هدي ترك الواجب فلم ينص عليه في القرآن، وإنما جاء عن ابن عباس: من ترك شيئًا من النسك أهرق دمًا.\nوبعضهم يقيس الجميع، فيقيس هدي الإحصار أيضًا، والذي يظهر والعلم عند الله أنه يقاس عليه دم ترك الواجب ولا يقاس عليه دم ترك هدي الإحصار.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>حكم حج التمتع وهديه على أهل مكة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦]، علام يعود اسم الإشارة (ذلك)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  صدر الآية ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ﴾ [البقرة:١٩٦]، الإشكال في (ذلك) هل هي عائدة إلى الأقرب وهو الهدي الواجب على من تمتع، أو هي عائدة على التمتع نفسه؟ فإن قلنا: عائدة على التمتع نفسه لزم أن نقول: ليس على أهل مكة تمتع، أو ليس لهم أن يتمتعوا، فالمعنى: (ذلك) أي التمتع ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦].\nوإن قلنا: إن (ذلك) عائدة للأقرب وهو الهدي ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] يصبح لهم أن يتمتعوا وليس عليهم هدي.\nويتصور من أهل مكة أن يتمتعوا، حيث يعتمر من الحل، فيكون قد خرج إلى الحل، ثم يرجع إلى بيته ويتحلل، ثم يحرم بالحج، وهنا تأتي للطيفة، فالذين قالوا: إن (ذلك) عائدة على الهدي قالوا: فلنأخذ المسألة بعقلية أكبر قليلًا فنقول: إنما فرض هدي التمتع على المتمتع لأنه وجد فسحة بالتحلل والرجوع إلى بيته بين الحج والعمرة، فأحرم وطاف وأهل بالعمرة، ثم تحلل من عمرته وعاد إلى أهله، ثم عاد في اليوم الثامن إلى مكة وأهل بالحج.\nفهذه المدة الزمنية التي تمتع بها هي التي أوجبت في حقه الهدي، ويصبح الهدي دم جبران لهذا الأمر الذي حصل، لكن أهل مكة يختلفون عن هؤلاء في أنهم لم يستفيدوا شيئًا؛ لأنهم أصلًا في مكة، إلى أين سيعود حتى تقول هو استفاد؟ فالراجح أن (ذلك) يعود على الهدي، وأن أهل مكة يتمتعون دون هدي.","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>حاضرو المسجد الحرام</span>\nالمقدم: من هم حاضرو المسجد الحرام، وما هي حدوده؟ الشيخ: حاضرو المسجد الحرام هم أهله، والذي يبدو والعلم عند الله أن المسجد الحرام في القرآن والسنة جاء على أربعة أضرب: الضرب الأول: الكعبة نفسها.\nوالضرب الثاني: المسجد المحيط بالكعبة.\nوالضرب الثالث: حدود الحرم.\nوالضرب الرابع: ما يسمى في النطاق العمراني والإداري مكة.\nوهذا الضرب، ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦] المقصود به أهل مكة، وتحرير المسألة، أننا لو قلنا: إن المقصود به حدود الحرم لكان الهدي واجبًا على من بيته في عرفة أو منى، فيصير بعض أهل مكة يجب عليهم الهدي وبعضهم لا يجب عليهم، وهذا لا يرد في الشريعة.","vol":"8","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>يوم التروية وما يعمل فيه الحاج</span>\nالمقدم: اليوم الثامن هو يوم التروية، نريد أن نتعرف على معنى كونه يوم التروية؟ وماذا يفعل الحاج فيه؟ الشيخ: هذا هو أول أيام الحج الذي فعلها النبي ﷺ، فإن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم من أحل منهم من العمرة أهل بالحج في هذا اليوم، أما النبي ﷺ فكان قد بقي على إحرامه لأنه قد ساق الهدي معه، فأتى منىً قبل الظهر وصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، يقصر في الرباعية صلوات الله وسلامه عليه.\nواختلف في سبب تسميته بيوم التروية، والأظهر أنهم كانوا يكثرون فيه من التروي من الماء وحمله حتى يأخذونه معه إلى عرفه، هذا اليوم لم يقل أحد، قد يكون في أقوال شاذة، لكن الذي عليه العلماء كافة أنه لم يقل أحد بوجوبه، لكنه سنة من أعظم السنن.\nوالإنسان إذا أراد عظيم الأجر وجزيل المثوبة والحج المبرور فليتأس ما أمكن بنبينا ﷺ، فيصلي في منى الظهر ركعتين في وقتها، والعصر ركعتين في وقتها، والمغرب ثلاث ركعات في وقتها، والعشاء ركعتين في وقتها، وكذلك فجر اليوم التاسع ركعتين في وقتها، ولم ينقل أن النبي ﷺ صلى نوافل كثيرة في هذا اليوم.\nلو قدر أن الإنسان تأخر كأن أبطأت به السيارة أو نام، فله أن يجمع؛ لأنه في سفر، لكن الأفضل أن يصلي الصلاة في وقتها ويقصر الرباعية منها، لكنه لو اضطر إلى أن يجمع جمع تقديم أو جمع تأخير فلا حرج إجماعًا؛ لأن هذا سفر ونسك في نفس الوقت، فلا حرج عليه، لكن كما قلت: يتقيد بالسنة ما أمكن.\nيتوجه إلى عرفة بعد طلوع الشمس من اليوم التاسع.\nوالنبي ﷺ بقي في مسجد الخيف من متى، وهو وسط منى، وقد قال النبي ﷺ: (صلى في مسجد الخيف سبعون نبيًا).\nونحن نوصي الحجاج بأن يسعوا قدر الإمكان أن يصلوا في مسجد الخيف، فإن النبي ﷺ صلى جميع فروضه في منى في مسجد الخيف، وليس هذا واجبًا ولا ملزمًا ولم يقل أحد فيما أعلم بلزومه، لكن لا شك أن التأسي بسنته ﷺ خير عظيم.","vol":"8","page":8},{"text":"سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم <span data-type=\"title\" id=toc-71>[١٠]</span>\nيوم العاشر من ذي الحجة هو يوم العيد، وهو يوم الحج الأكبر الذي يقوم فيه الحاج بأكثر أعمال الحج، من الرمي والحلق والطواف والذبح وغير ذلك.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>أعمال النبي ﷺ يوم العيد في حجة الوداع</span>\nالمقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين.\nأيها الإخوة والأخوات! السلام وعليكم ورحمة الله وبركاته، كل عام وأنتم بخير، تقبل الله منا ومنكم وعيدكم مبارك، أهلًا بكم إلى حلقة جديدة في برنامجكم آيات الحج في القرآن مع ضيفنا فضيلة الشيخ صالح بن عواد المغامسي إمام وخطيب مسجد قباء والذي نرحب فيه في هذه الحلقة، كل عام وأنتم بخير، تقبل الله منا ومنكم.\nالشيخ: تقبل الله من الجميع، وحياكم الله شيخ سعد، وأتقدم بالتهنئة لإخواني المسلمين والمسلمات في جميع أقطار الأرض، ونسأل الله أن يتقبل مني ومنكم.\nالمقدم: نحن اليوم في يوم الحج الأكبر كما هو معروف في قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة:٣] فلماذا سمي يوم الحج الأكبر؟ الشيخ: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه، وبعد: الأظهر من أقوال العلماء أن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر، أي: يوم العيد الأول، أي: يوم عيد الأضحى، أي يوم العاشر من شهر ذي الحجة، وقد مر معنا أن الأظهر أنه اليوم الذي كلم الله جل وعلا فيه موسى إذ قال الله ﵎: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف:١٤٢]، فعلى هذا يكون الله جل وعلا قد كلم كليمه ونبيه وصفيه موسى بن عمران ﵇ في يوم الحج الأكبر أي: العاشر من ذي الحجة.\nوأهل العلم يقولون: إن فيه من أفعال الحج ما ليس في غيره، ولنبدأ في أن نستقصيها من باب ماذا فعل النبي ﷺ في يوم الحج الأكبر؟ مر معنا -في لقاء الأمس- أنه ﵊ خرج من مزدلفة وأفاض منها قبل شروق الشمس، وأنه في مسيره من عرفة إلى مزدلفة أردف أسامة بن زيد، وفي مسيره ﵊ من مزدلفة إلى منى أردف ابن عمه الفضل بن عباس رضوان الله تعالى عليه وعلى أبيه، وما زال يلبي حتى أتى جمرة العقبة، فلما أتى جمرة العقبة قطع تلبيته ورماها ﷺ بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة.\nعندما يقول الراوي: (رماها) فالرمي غير الوضع، فلو إن إنسانًا وضعها في المرمى أو على الجسر ثم حركها بيده فهذا كله لا يسمى رميًا، فالرمي له طريقة معروفة، ترفع الذراع كاملة أو شبه كاملة ثم ترمى، والمقصود المرمى وهو الحوض، فلو لم تضرب في الشاخص فلا حرج، المهم أن تسقط في المرمى.\nهذا أول أفعال الحج في يوم الحج الأكبر.\nإذًا يبدأ الحاج برمي جمرة العقبة ولا يقف عندها.\nثم إنه ﷺ أتى المنحر -وهو مكان في منى آنذاك كان مخصصًا للنحر- فنحر هديه، وكان معه ﵊ مائة ناقة، وعلي ﵁ خرج من اليمن حاجًا يقول في تلبيته: أهللت بما أهل به رسول الله ﷺ فأشركه فيها.\nوقد نحر منها ﷺ ثلاثًا وستين بيده، وروى أحمد في المسند بسند صحيح (أنها تأتي على هيئات خمس أو ست، وكانت تتسابق أيهن يبدأ بها) وهذا من عظيم كرامته ﷺ عند ربه.\nفنحر ثلاثًا وستين بيده وترك لـ علي ﵁ الباقي.\nفلما نحر ﷺ أتى بعد ذلك الحلاق فحلق رأسه، وقيل: إن الحلاق اسمه معمر جاء في بعض الروايات أنه معمر بن عبد الله، وقد أمر أن يبدأ بالشق الأيمن، ثم قسم ﷺ شعره بين الناس للتبرك؛ لأنه يجوز التبرك بشعر النبي ﵊، لكن لم يبق منه شيء.\nثم إنه أتى بيته ﷺ فطيبته عائشة لحله قبل أن يطوف بالبيت، أي تحلل من إحرامه وطيبته عائشة لحله كما طيبته لإحرامه، والتطييب في الإحرام يكون في البدن لا في الثوب على الأظهر.\nثم إنه ﷺ أتى مكة فطاف بالبيت طواف الإفاضة المقصود بقول الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] وقد أجمع العلماء على أنه ركنًا من أركان الحج لا يتم الحج إلا به.\nوقد جاءت روايتان: رواية تقول: إنه صلى الظهر في مكة، ورواية تقول: إنه صلى الظهر في منى، وبعض العلماء يجمع بينهما فيقول: صلى الظهر في مكة ثم أعاد الصلاة في منى حتى يأتم به من لم يصل.\nبهذا يكون ﷺ قد أدى أعمالًا أربعة، هذه الأعمال الأربعة هي التي يظن أنها سبب في تسمية يوم العيد بيوم الحج الأكبر.\nولم يسع ﷺ مما يدل على أنه كان قارنًا، وليس على القارن إلا سعي واحد، وكان ﵊ قد سعى أول ما قدم؛ أي سعى بعد طواف القدوم.\nوالسعي يكون على المتمتع.","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>قوله تعالى: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أيضًا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩]؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  بعض العلماء يقولون: إن الآية فيها تقديم وتأخير.\nوالناس قيل: إن المقصود إبراهيم ﵊ وقيل: المقصود غلبة الناس، وذلك أن قريشًا كانت تأنف أن تخرج إلى الحل في يوم عرفة، ولما ذهب النبي ﷺ إلى عرفة ما كانت قريش تشك أنه لن يتجاوز مزدلفة؛ لأن النبي ﷺ من قريش؛ لكنه تجاوزها -أي مزدلفة- حتى أتى عرفة.\nلكن الإشكال أن الله رتب فقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٨ - ١٩٩]، فقالوا: إن الترتيب هنا فيه تقديم وتأخير وهذا قاله الطبري، وبعض العلماء يقولون: (ثم) هنا ليست للترتيب وإنما بمعنى الواو ويحتجون على أن (ثم) تأتي بمعنى الواو بأن الله جل وعلا قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد:١٢ - ١٧]، ولا يستقيم أن تكون (ثم) هنا للترتيب لأنه مؤمن من قبل أن يفك الرقبة لكن قالوا: (ثم) هنا بمعنى الواو أي: وكان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة.\nفجعلوا (ثم) في آية البلد بمعنى الواو، وكذلك هنا في سورة البقرة، وهذا أحد الأقوال في المسألة، ولولا الإجماع المنقول وإن كان لم يثبت بكسرة لقلنا إن الترتيب: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩] أي: الإفاضة من مزدلفة إلى منى وهذا يجعل الآية على سياقها وعلى ترتيبها ولا يكون في ذلك حاجة.","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>الاستغفار بعد العبادة</span>\nالمقدم: في مثل هذه الآيات يأتي ربط الاستغفار والذكر بنهاية الأعمال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨]، ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٩٩ - ٢٠٠]، والاستغفار بعد الصلاة أيضًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الاستغفار بعد الصلاة يشعر العبد أن عمله كان فيه تقصير، والله يقول: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥] حتى يعلم حاجتهم إلى ربهم، فعلى هذا كان النبي ﷺ يستغفر بعد صلاته، وهذه أجل الأماكن وأشرفها وأعظمها وهي مشاعر عظيمة، والعبد فيها متلبس بالإحرام وهو في أوبة وتوبة وعبادة للملك الديان ومع ذلك يؤمر بالاستغفار لأن الاستغفار في ذاته عبادة، كما حكى الله عن نبيه صالح ﵇ قال: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل:٤٦].","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>الربط بين آيتين في الحج</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نرجو أن تربط بين قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة:٢٠٠] وفي آيات الحج لما ذكر الانتهاء قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] هنا لا يشعر بأنه نهاية مناسك، وهناك يشعر بنهاية مناسك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة:٢٠٠] يقول جمهور العلماء: إنها محمولة على المبيت في منى أيام التشريق، وأما قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] فالتفث أشبه بما يتعلق بالبدن من طول الأظافر والشوارب ونحو ذلك، وهم يقضون تفثهم إذا أحلوا من إحرامهم ويكون هذا في يوم النحر، فيقضون تفثهم ويحلقون رءوسهم ويقلمون أظافرهم ويطيبون.\nكما جاء في قوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] هو الهدي والقرابين التي جاءوا بها.\nوأما قول الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة:٢٠٠] فإنه وإن أطلق إلا أن جمهور المفسرين يرون أن المراد به الخاص وهو المبيت في منى أيام التشريق؛ لأن أيام التشريق يشرع فيها ذكر الله لقوله ﷺ: (أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله ﷿) وهنا يقول الله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة:٢٠٠] وكانت تلك المحافل في الجاهلية مواطن للتعظيم والمدح وإنشاد الأشعار.","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>فضل ذبح الأضاحي</span>\nالمقدم: نرجو الكلام على قول الله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠].\nالشيخ: الله ﵎ يبين تعظيم حرمات الله، وتعظيم حرمات الله القاعدة فيه: أن كل حرمة تعظم كما عظمها النبي ﷺ، ومن حرمات الله المشاعر المقدسة، وقد كان للقرشيين أهل الأوثان مواطن يذبحون فيها وأماكن يتعمدون الذبح فيها لأصنامهم، فلما شرعت الذبائح بين الله لهم أنه لا بد من الفرق بين ما اعتادوا في الجاهلية من الذبح للأصنام أو عند صنم كان يعظم، وأن العبادة لا بد أن تكون في مكان يعظم وفي نفس الوقت لا تكون لأوثانهم إنما تكون لرب العزة، كما قال ربنا: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج:٣٦] وهي آية في سورة الحج.\nوقوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧] معناه أن العبرة بإخلاص القلب وإخلاص النية، لكن من تعظيم شعائر الله أن الإنسان يختار أغلاها ثمنًا، فإن النبي ﷺ ضحى بكبشين أقرنين ﵊ سمى الله وكبر على كل واحد منهما.\nفمن تعظيم الحرمات أن يختار أكثرها لحمًا وأغلاها ثمنًا ولا يجادل في سعرها.\nوقد أصبحت الأضحية عند الناس أشبه ما تكون بالعادة، فما هو المراد بالتعظيم؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليست القضية في لحم أو دم لكن لا بد أن يختلط هذا بنية قلبية يراد بها أنني أفعل هذا إجلالًا لله.\nوالدليل أننا لو نفرض أن صالحًا أو فهدًا لهم ذبائح ذبحوها قبل صلاة الفجر من يوم العيد وهي في ثلاجات، فأهلي وأهلك في غنى عن اللحم، ومع ذلك فالسنة العظيمة في حقنا -إن لم نقل: بوجوب الأضحية- أن نضحي؛ لأنه ليس المقصود منها أن أبنائي جائعون أريد أن أطعمهم، إنما المقصود إهراق الدم إجلالًا لله، ولهذا قال ﷺ: (من ذبح قبل الصلاة فهي شاة لحم).\nوالله جل وعلا نهى عن التبذير والإسراف، ولو كانت القضية قضية إطعام لا حاجة لأن نقول لرجل ذبح قبل الصلاة بساعة واحدة: اذبح بعد الصلاة، لأن هذا تبذير.\nوأنت تلحظ أن النبي ﷺ كان هناك أمور لا يباشرها بنفسه فكان يجعل واحدًا يصب عليه الوضوء وأمثال ذلك، لكننا نلحظه في يوم النحر يباشر ذبح أضحيته بنفسه.\nولهذا يذبح الإنسان أضحيته بنفسه، وإن كان لا يحسن الذبح يقف عليها، هذا أقرب إلى الله من شخص يحرر مستندات وأوراق ثم يبعث بها ويقول: هناك محتاجون، ونحن لا نقول: لا تعط المحتاجين لكن هؤلاء المحتاجون يعطون من الصدقات العامة، فعندك عام كامل يمكن أن تبعث إليهم في أي وقت، أما أن تخصه بيوم النحر فلا، بل يوم النحر تذبح أضحية يراها أبناؤك فيحيون وينشئون على ملة إبراهيم.","vol":"9","page":6},{"text":"سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم <span data-type=\"title\" id=toc-77>[١١]</span>\nجاء في القرآن الكريم ذكر الله في أيام معدودات، وقد عظم الله هذه الأيام وشرع فيها عبادات هي من شعائر الله وأمر الله بتعظيمها.","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>الأيام المعدودات والأيام المعلومات والأشهر المعلومات</span>\nالمقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين من آيات الحج التي نتحدث عنها في هذه الحلقة هي قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة:٢٠٣].\nنبدأ بمطلع هذه الآية: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣].\nالشيخ: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: ذكر الله جل وعلا أيامًا معدودات وذكر الله جل وعلا أشهرًا معلومات، وذكر الله جل وعلا في سورة الحج أيامًا معلومات.\nفالأشهر المعلومات هي شوال وذو القعدة وذو الحجة على خلاف فيه هل هو ١٠ أو ٩ أو كله، وقد حررنا هذا في موطنه.\nوالأيام المعدودات التي هنا في سورة البقرة: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣]، لا خلاف على أنها أيام التشريق اليوم ١١ و١٢ و١٣.\nوأما قول الله جل وعلا في سورة الحج: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨]، فالأيام المعلومات هي أيام التشريق ويضاف إليها يوم النحر وتصبح ٤ أيام.\nوأول أيام التشريق هو اليوم ١١ من شهر ذي الحجة ويسمى يوم القر؛ لأن الحجاج لم يؤذن لهم بالتعجل فيه، وفي هذا اليوم يستقرون في منى وليس لهم نسك يرتحلون إليه في اليوم التاسع بل يكونون في منى ثم يأتون عرفة، وفي عشية عرفة يكونون في عرفة ثم يرتحلون إلى مزدلفة وهي ليلة النحر، وفي اليوم العاشر يكونون في منى ويذهبون إلى مكة لطواف الإفاضة.\nأما في اليوم ١١ فالأصل أن الحاج قد انتهى من طواف الإفاضة، ويجوز طواف الإفاضة في اليوم ١١ لكن الأصل أنه قد انتهى ولم يبق له إلا أن يستقر في منى ولم يؤذن له بالتعجل؛ لأن هذا اليوم ١١ فيسمى: يوم القر، وقد خطب النبي ﷺ فيه ضحى.\nالمقدم: هل الذكر يكون خاصًا بالحجاج أم يشمل غير الحجاج؟ الشيخ: ذكر الله جل وعلا من أجل مناقب الصالحين، قال الله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، وقال ﷺ: (سبق المفردون، قالوا: من المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات)، وهذا الذكر جاء في القرآن مقيدًا ومطلقًا، جاء مقيدًا في الآيات التي سبقت.\nقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣]، فهذه الأيام تعني: الزمن، وهو حتى في هذا القيد ينقسم إلى مقيد ومطلق، بمعنى: أن الحجاج في منى يكبرون تكبيرًا مقيدًا في أدبار الصلوات المكتوبة في الثلاثة الأيام، فيبدأ التكبير لأهل الأمصار فجر يوم عرفة، وينتهي بغروب شمس آخر أيام التشريق.\nوهناك التكبير المطلق، وجملة ذكر الله، وتمجيده، وتعظيمه، وتسبيحه، وتهليله: (من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة حين يصبح وحين يمسي لم يأت أحد بأفضل مما قال إلا رجل قال مثله أو زاد)، رواه مسلم في الصحيح.\nالذي يعنينا أن ذكر الله جل وعلا في جملته منقبة عظيمة: (لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله)، فإذا كان جاء في الحديث: (وهل يكب الناس في وجوههم، أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم!)، فكذلك من أعظم ما يدخلك الله به الجنة ذكر الله، ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢]، بل إن الشعائر كلها ما أقيمت إلا لذكر الله.\nوهذه الأيام المعدودة أيام التشريق قال عنها ﷺ: (أيام أكل وشرب وذكر لله)، فينتفي فيها الصيام لغير الحاج، وحتى للحاج إلا من لم يسق الهدي -أو تعبير أوضح: من لم يجد الهدي- فانتقل إلى الصيام فهذا يجوز له أن يصوم أيام التشريق.\nوالمسلم عبد أينما حل وارتحل، فأكله وطعامه وشرابه والإكثار منها في هذه الأيام دين، وعبادة، وملة، وقربة.\nفالله جل وعلا يحب أن يرى أثر النعم، يحب أن نتعبده بما شرعه لنا، وشرع الله جل وعلا أكمل الشرائع، فلا يتقدم إنسان بين يدي الله ورسوله.\nفمن كان عليه صيام شهرين متتابعين، فنفرض أنه صام من أول ذي القعدة ثم استمر في الصيام إلى ذي الحجة فلا يصوم يوم النحر ولا أيام التشريق، بل يقطعها، ثم يكمل ولا يعتبر قطعه هذا قطعًا للشهرين المتتابعين؛ لأن القطع هنا قطع شرعي بنص شرعي، ولا يجوز صوم يوم العيد اتفاقًا ولا صوم أيام التشريق عند جمهور العلماء.","vol":"10","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>تشريع الهدي والأضاحي لذكر الله</span>\nالمقدم: عند الحديث في سورة الحج عن الأضاحي أو البدن جاءت آية معترضة بين (٣) آيات قبلها وبعدها: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:٣٥]، جاءت بعد قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٤]، ثم أكمل، ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦].\nفما معنى اعتراض آية الذكر هنا بين الثلاث آيات أو الأربع التي قبلها وبعدها؟ الشيخ: كل الدين ما شرع إلا ليذكر الله، لكنه خاطب الله الحجيج: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣]، في البقرة، وخاطب الله جل وعلا أهل الأمصار قال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦].\nفما أقيمت شعائر الدين إلا ليذكر الله، والآية التي جاءت في الوسط يقال: المرتبة العليا في ذكر الله أن يحضر القلب، ومن ذكر الله قراءة القرآن.\nوالناس عند قراءة القرآن ينقسمون إلى ٣ أقسام: قسم يتلو القرآن أو يتلى عليه القرآن ولا يتغير فيه شيء حال السماع.\nوقسم يصرخ ويعلو صوته ويحدث له أمور قد يكون معذورًا فيها إن كان لا يشعر.\nوقسم لا يعذر فيها إن كان يفعلها عمدًا.\nلكن الصواب عند قراءة القرآن ٣ أحوال: قشعريرة الجلد، ووجل القلب، وذرف العين، هذه هي التي قال الله فيها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، إلى أن قال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، هذه المرتبة العليا.\nالشيخ: وبعض الفضلاء إذا خطب أو حدث أو وعظ على منبر أو ما أشبه ذلك، فعندما يأتي عند ذكر النار إما يرددها كثيرًا أو يصعق أو يرفع صوته أو غير ذلك، وهو حسن النية لكن قلة الفقه مثل: جريج العابد، لو لم يكن يريد الجنة ما ابتنى صومعة وترك الناس وأخذ يعبد الله، لكن قلة فقهه جعلته يرد أمه ٣ مرات بحجة أنه يقيم صلاة نافلة، حتى دعت عليه أمه، فقبل الله دعوتها ثم نجاه الله لعبادته.\nلكن القرآن يتلى بهدوء وسكينة ولا حاجة لما يسمى بين قوسين بالصراخ، أو الترداد بعض الأحيان أو حتى الوقوف على أشياء لا يحسن الوقوف عليها.\nبعض الناس يخطئ ويقول: إن النبي ﷺ عرج به وهو لابس النعلين وأنه لبس نعليه فوق السموات السبع مع أنه قيل لموسى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه:١٢] وهو في الأرض، فنعل النبي ﷺ فوق السبع السموات، فهو يريد أن يعظم النبي ﷺ.\nونحن نقول: أما تعظيم النبي ﷺ فهو ثابت لا يحتاج إلى هذا كله، وهذا تكلف ما أنزل الله به من سلطان، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه عرج به ونعلاه في رجليه، بل جاء أنه استيقظ من النوم.\nموضوع الشاهد قال الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣]، وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٨٣]، وقال: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨].\nفهؤلاء الفضلاء على خير عظيم في نياتهم ومقصدهم في مرادهم لكن من حقهم علينا أن نبين لهم أين الصواب.","vol":"10","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>أفضل الأضاحي وتعظيم الله فيها</span>\nخليل الله إبراهيم أمره الله أن يذبح ابنه فاستجاب للطلب، ثم جعلها الله جل وعلا سنة في الناس بعده إكرامًا له، واتفق العلماء على أن الأضاحي لا تكون إلا في بهيمة الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم ذكرًا كان أو أنثى، فالله جل وعلا يقول: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٣]، الكبش والنعجة، ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٣]، العنز والتيس، ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٤]، الثور والبقرة، ﴿وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٤]، الجمل والناقة.\nهذه هي بهيمة الأنعام لا تخرج عنها الأضحية بحال اتفاقًا.\nثم اختلفوا في الأفضل، فمن نظر إلى حديث التبكير يوم الجمعة ذهب إلى أن الإبل أفضل ثم البقر ثم الغنم، لكن الاستدلال هنا استدلال من حديث منفك خارج عن الموضوع، والأولى الاستدلال بشيء في الموضوع نفسه، والنبي ﷺ لم يثبت عنه أنه ضحى في المدينة بغير كبش، وهذا قول المالكية قالوا: فعل النبي ﷺ، والأمر الثاني: أنه لو كانت التضحية بالإبل والبقر خيرًا وأفضل من التضحية بالكبش لفدى الله به إسماعيل.\nوالجمهور يرون أن الإبل أفضل ثم البقر ثم الغنم.\nقول الله جل وعلا: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨]، جعل البعض من العلماء يقول: إن الأضاحي لا تصح ليلًا، يعني: أن الذبح والنحر لا يكون في الليل؛ لأن الله قال: ﴿فِي أَيَّامٍ﴾ [الحج:٢٨]، وأهل التحقيق يقولون: إنها تشمل الأيام والليالي فيصح، لكن بعضهم قال بالكراهة، والأولى لمن يقدر أن يذبح نهارًا ألا يذبح ليلًا خروجًا من الخلاف.\nأما مسائل التعظيم في قوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، فتعظيم حرمات الله هو الدين، وهذا أمر يحتاج إلى استشعار الناس لعظمة مراد الله منهم، والإنسان إذا علم ضعفه وعجزه وأن الله غني عن هذا كله عظم ذلك، ولهذا قال الله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧].\nأنا لا أريد أن أجرح أحدًا لكني في مقام التعليم ولابد من البيان، بعض الناس يذهب وهو مستكثر إخراج المال في الأضحية، ثم يقع جدال بينه وبين البائع ربما جعله يحرم من حمل الذبيحة له إلى سيارته.\nثم إذا جاء تجادل كثيرًا مع الجزار، ثم إذا نحر آذى جاره بنحره، فهو كمن يحمل همًا فوق رأسه يريد أن يتخلص منه بأي شيء؛ هذا شتان بينه وبين من يعلم أن الله جل وعلا غني عنه وعن أضحيته، إنما هو الذي عليه أن يسعى في أن يخرجها طيبة بها نفسه، يريد أن يعظم الله؛ لأن الله جل وعلا جعل من هذه الأضحية قربة له.\nفعندما يتذكر قول الله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، يكون تقيًا وهو خارج، خاصة إذا تذكر أن العشرات لا يعرفون هذا النسك والله علمه هذا النسك.\nومن أهل الإسلام من يعلمه ولم يقم به، ومن أهل الإسلام من يعلمه ويقوم به كارهًا.\nإذا حج إنسان فإن الناس يكبرونه، وهذا حق لكن يقولون في ألفاظهم العامية: أنت حاج أو داج وهو مطلوب أن يقال: أنت حاج أو مضح؛ لأن كليهما على خير، والنبي ﷺ لم يحج إلا مرة واحدة ومكث ٩ سنوات ﵊ يحج ويتقرب إلى الله جل وعلا بالأضاحي؛ لكن الناس يرتبطون بالأشياء الظاهرة ويفقدون حقيقة النص، والله يقول: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦]، والقضية الكبرى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦]، أي: قائمة، ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ﴾ [الحج:٣٦]، أي: سقطت.\nولهذا يقال في الحكم: واجب؛ لأنه ساقط عليك وثابت، ويقال: وجبت الشمس يعني: سقطت، فإذا وجبت جنوبها أي: سقطت، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾ [الحج:٣٦].\nطبعًا لو لم يأكل صحت الأضحية، ولو أكلها كلها الأضحية، ولو تصدق بها كلها صحت، ولو أهداها كلها صحت، والأولى: أن يجعلها أثلاثًا فيتصدق ويأكل ويهدي.\nالذي يعنينا أن المقصود إهراق الدم من أجل الله، (وطوبى لعبد وقف على أضحيته وقال: باسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك وإليك اللهم تقبل مني)، فما تقرب إلى الله يوم النحر بشيء خير من إهراق الدماء.\nنسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم ومن جميع المسلمين.","vol":"10","page":4}]}