{"ً":{"ٌ":37747,"ٍ":"أعلام القرآن","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: أعلام القرآن\nالمؤلف: أبو هاشم صالح بن عوّاد بن صالح المغامسي\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ٤ دروس]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2359,"ٕ":4,"ٖ":1770155893,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4"],"ٚ":[{"title":"[جبريل، الكوثر، عزير، الفرقان]","level":1,"page":1},{"title":"تعريف عام بما ورد في القرآن من الأعلام","level":2,"page":2},{"title":"من أعلام القرآن جبريل ﵇","level":2,"page":3},{"title":"ذكر جبريل في القرآن باسمه ووصفه","level":3,"page":4},{"title":"جبريل سيد الملائكة","level":3,"page":5},{"title":"علاقة جبريل الأمين بالرسول الكريم","level":3,"page":6},{"title":"جبريل يعلم الصحابة أمور دينهم","level":3,"page":7},{"title":"جبريل عند شعراء الإسلام","level":3,"page":8},{"title":"حكم الإيمان بجبريل","level":3,"page":9},{"title":"التعريف بالكوثر","level":2,"page":10},{"title":"العلاقة بين الحوض والكوثر","level":3,"page":11},{"title":"الرد على منكري الحوض","level":2,"page":12},{"title":"كيف ينتقم الله لأوليائه","level":3,"page":13},{"title":"من أعلام القرآن عزير","level":2,"page":14},{"title":"يوم الفرقان","level":2,"page":15},{"title":"تفاصيل يوم بدر","level":3,"page":16},{"title":"مسألة سماع الأموات في القبور","level":3,"page":17},{"title":"آثار معركة بدر","level":3,"page":18},{"title":"[فرعون، هامان، قارون، عرفات، المشعر الحرام]","level":1,"page":19},{"title":"ذكر فرعون وهامان وقارون في القرآن الكريم","level":2,"page":20},{"title":"فرعون","level":2,"page":21},{"title":"فرعون وصفة الكبر","level":3,"page":22},{"title":"الوزير الصالح رجاء بن حيوة","level":3,"page":23},{"title":"هامان وزير السوء","level":3,"page":24},{"title":"أئمة يدعون إلى النار","level":3,"page":25},{"title":"ترجمة قارون","level":2,"page":26},{"title":"سبب بغي قارون","level":3,"page":27},{"title":"جواب قارون على من نصحه من قومه","level":3,"page":28},{"title":"أقسام الناس تجاه زينة قارون","level":3,"page":29},{"title":"عاقبة قارون وأثرها على قوم موسى","level":3,"page":30},{"title":"فوائد حول قول الله (ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء)","level":3,"page":31},{"title":"عرفات","level":2,"page":32},{"title":"سبب تسمية عرفة بهذا الاسم","level":3,"page":33},{"title":"أسماء مزدلفة","level":3,"page":34},{"title":"عرفات في الشعر العربي","level":3,"page":35},{"title":"الصفا والمروة","level":2,"page":36},{"title":"[لقمان، ذي القرنين، المسجد الأقصى]","level":1,"page":37},{"title":"من أعلام القرآن لقمان الحكيم ﵇","level":2,"page":38},{"title":"نبذة تعريفية بلقمان الحكيم","level":3,"page":39},{"title":"وصايا لقمان لابنه تتضمن أصول الشريعة","level":3,"page":40},{"title":"لقمان من الشاكرين لله تعالى","level":3,"page":41},{"title":"لقمان يوصي ابنه ألا يشرك بالله","level":3,"page":42},{"title":"بر الوالدين والفرق بين البر والمصاحبة بالمعروف","level":3,"page":43},{"title":"وصية لقمان بالصلاة وبأدب المعاملة وعدم رفع الصوت","level":3,"page":44},{"title":"المسجد الأقصى من أعلام القرآن","level":2,"page":45},{"title":"نبذة في التعريف بالمسجد الأقصى","level":3,"page":46},{"title":"فتح بيت المقدس ودخول المسجد الأقصى","level":3,"page":47},{"title":"بريطانيا وإعطاء القدس لليهود","level":3,"page":48},{"title":"فضل الصلاة في المسجد الأقصى","level":3,"page":49},{"title":"من أعلام القرآن ذو القرنين","level":2,"page":50},{"title":"[يوم الجمعة، طالوت وجالوت، أبو لهب، مكة المكرمة]","level":1,"page":51},{"title":"ذكر يوم الجمعة وما جاء فيها","level":2,"page":52},{"title":"ما يستحب في يوم الجمعة","level":3,"page":53},{"title":"حكم صلاة الجمعة وخطبتها","level":3,"page":54},{"title":"سبب نزول قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة)","level":3,"page":55},{"title":"يوم الجمعة ويوم القيامة","level":3,"page":56},{"title":"طالوت وجالوت","level":2,"page":57},{"title":"حكايتان في الابتلاء والافتتان بالدنيا","level":3,"page":58},{"title":"تكملة قصة جالوت","level":3,"page":59},{"title":"أول ملك في الإسلام","level":3,"page":60},{"title":"أبو لهب","level":2,"page":61},{"title":"مكة المكرمة","level":2,"page":62},{"title":"خصائص مكة المكرمة","level":3,"page":63}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"2,1":19,"2,2":20,"2,3":21,"2,4":22,"2,5":23,"2,6":24,"2,7":25,"2,8":26,"2,9":27,"2,10":28,"2,11":29,"2,12":30,"2,13":31,"2,14":32,"2,15":33,"2,16":34,"2,17":35,"2,18":36,"3,1":37,"3,2":38,"3,3":39,"3,4":40,"3,5":41,"3,6":42,"3,7":43,"3,8":44,"3,9":45,"3,10":46,"3,11":47,"3,12":48,"3,13":49,"3,14":50,"4,1":51,"4,2":52,"4,3":53,"4,4":54,"4,5":55,"4,6":56,"4,7":57,"4,8":58,"4,9":59,"4,10":60,"4,11":61,"4,12":62,"4,13":63},"ٜ":{"1":[1,18],"2":[1,18],"3":[1,14],"4":[1,13]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"سلسلة أعلام القرآن <span data-type=\"title\" id=toc-1>[جبريل، الكوثر، عزير، الفرقان]</span>\nذكر الله ﷿ في كتابه الكريم أعلامًا لنا في كل علم منهم عبرة وعظة، ومنهم جبريل أمين وحي الله، والكوثر الحوض المورود، وعزير الرجل الصالح، ويوم الفرقان يوم أن فرق الله بين الحق والباطل","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تعريف عام بما ورد في القرآن من الأعلام</span>\nإن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين وإله الآخرين، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاءً أحوى.\nوأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد: فإن هذه دروس ستخصص إن شاء الله جل وعلا للحديث عن أعلام القرآن.\nوالعلم: هو أحد أنواع المعارف الست وأظهرها وأشهرها.\nوينقسم إلى ثلاثة أقسام: اسم، ولقب، وكنية، وبكلٍ جاء القرآن، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا -كلام الله جل وعلا- ضمنه الله جل وعلا أعلامًا ذكرها في ثنايا هذا الكتاب العظيم، إما مدحًا، وإما ذمًا، إما بأسمائها، وإما بألقابها، وإما بكناها.\nوقبل أن نشرع في البيان نقول: من المعلوم أن الرب ﵎ قال على لسان ملائكته: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم:٦٤ - ٦٥].\nثم قال جل شأنه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥].\nأي: لا أحد مثله ﷻ، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].\nولا يطلق لفظ الجلالة على أحد من الخلق، ولم يتسم أحد من الخلق بلفظ الجلالة، قال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، ولم يقل: أنا الله.\nفلفظ الجلالة (الله) لم تطلق إلا على الرب ﷾، لا رب غيره، ولا إله سواه، ولهذا فلن نعرج في دروسنا هذه على التعريف بالرب ﵎؛ لأمور: أولها: ما من الله به على المسلمين من العلم به جل وعلا، وإن كان هذا لا يغني؛ فإن معرفة الله من أعظم ما يقرب إليه، لكن نمط الدرس لا يتكلم عن الله ﷻ، ولا يتكلم عن الأنبياء والمرسلين، رغم أنهم أعلام صالحون، عليهم الصلاة والسلام، فنبينا محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح وإخوانهم جميعًا من النبيين والمرسلين، لن نتحدث عنهم في حديثنا عن أعلام القرآن؛ لأن الحديث عن الله سندرسه عن طريق المتون العقدية.\nوالحديث عن أنبياء الله ورسله سندرسه عن طريق السيرة، أو قصص المرسلين، وإنما سنعرج على أعلام غير الأنبياء والمرسلين.\nفنقول: إن القرآن العظيم تضمن أعلامًا لأقوامٍ صالحين مثل: لقمان، وعزير، وذو القرنين، كأمثلة.\nوتضمن أعلامًا لأقوامٍ فاسقين، مثل: قارون، وهامان، وفرعون، على القول: أن الفرعون اسم.\nوتضمن أعلامًا لأمكنة: كالمدينة، وعرفات، وبكة، والبيت العتيق، والمشعر الحرام.\nوتضمن أعلامًا على أزمنة، قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة:١٨٥]، فرمضان علم على شهر، وعلى زمان مخصوص.\nوتضمن أعلامًا على أصنام، قال جل ذكره: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠].\nفاللات والعزى ومناة أعلام على أصنام.\nوتضمن أعلامًا على معارك، قال الله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال:٤١]، وقال جل ذكره: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة:٢٥].\nفهذه بعض أنواع الأعلام في القرآن العظيم، والتي سوف نتحدث عنها إن شاء الله.","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>من أعلام القرآن جبريل ﵇</span>","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>ذكر جبريل في القرآن باسمه ووصفه</span>\nذكر الله جل وعلا جبريل في القرآن باسمه، وذكره بوصفه: ذكره الله باسمه فقال جل ذكره في سورة البقرة: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٧ - ٩٨].\nوذكره الله جل وعلا في سورة التحريم ذكرًا مشرفًا؛ لأنه ذكره ذكرًا خاصًا وعامًا، قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤].\nومعلوم أن جبريل يدخل في قول الله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤]، لكن الله جل شأنه خصه بالذكر لشرفه ﵇.\nوهذا الملك الكريم كما ذكره الله باسمه ذكره بوصفه فوصفه بأنه أمين غير ذي تهمة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير:٢٤].\nأي: بمتهم.\nوقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٥].\nوأضافه الله إلى ذاته العلية إضافة تشريف، قال جل شأنه: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم:١٧] أي: جبريل.\n﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم:١٧].\nوهو ﵇ أحد الملائكة، والملائكة خلق كثير لا يعلم عددهم إلا الله، قال الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] فيدخل فيها الملائكة وغير الملائكة؛ لأن كل ذلك جند لله، لكنهم يأتون في المقدمة.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>جبريل سيد الملائكة</span>\nجبريل سيد الملائكة فيما يدل عليه ظاهر الكتاب والسنة، وإنما قلنا: إن جبريل سيد الملائكة لأدلة من أعظمها: أن الله جل وعلا أوكل إليه أعظم الأمور، ألا وهي حياة القلوب، وحياة القلوب لا تكون إلا بالوحي الذي ينزل من السماء، والله أوكل إلى هذا الملك الكريم أن ينزل بالوحي من السماء على أنبيائه ورسله، فهو الذي نزل بالقرآن على نبينا ﷺ، ونزل على غيره من الأنبياء والمرسلين من قبل بالوحي.\nويدل عليه أنه ورد في حديث صحيح: (أن الله إذا أراد أن يتكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة شديدة، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل)، فهذا دليل على فضله وتقدمه وسيادته ﵇.\nوقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل: إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يكتب له القبول في الأرض).\nفهذان الأثران فيهما دلالة على فضله وتقدمه على غيره من الملائكة، وإن كنا لا نقطع بهذا؛ لعدم وجود النص الصريح الفاصل في الأمر، لكن نقول بتعبير دقيق: هذا ظاهر كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>علاقة جبريل الأمين بالرسول الكريم</span>\nلجبريل ﵇ علاقة وطيدة بنبينا ﷺ، تتمثل هذه العلاقة في أمور: أولها: أنه هو الذي نزل بالوحي عليه أول الأمر في غار حراء، وكان يدارس النبي ﵊ القرآن في كل عام مرة، ودارسه في العام الذي توفي فيه ﵊ مرتين إيذانًا وإشعارًا بدنو الأجل وقرب الرحيل.\nكما أنه علم النبي ﷺ الوضوء، وعلمه الصلاة، وصلى به إمامًا عند الكعبة، في ظهيرة اليوم الذي حدثت في ليلته السابقة رحلة الإسراء والمعراج، فصلاة الظهر أول صلاة صلاها النبي ﷺ كفريضة مقررة، وكان قبلها يصلي ركعتين قبل طلوع الشمس، وركعتين قبل غروبها.\nولما طلبت قريش من النبي ﵊وهو يخبرهم برحلة الإسراء- أن يصف لهم بيت المقدس رفعه جبريل فأخذ النبي ﵊ ينظر إلى بيت المقدس، ويصفه لقريش، ولما سئل صلوات الله وسلامه عليه: ما أحب الأماكن إلى الله؟ قال: المساجد.\nفلما سئل: ما أبغضها إلى الله؟ توقف، فأخبره جبريل: إنها الأسواق، فأخبر ﷺ أنها الأسواق.\nذكر ﵊ الشهداء، وأخبر أن الشهيد يغفر له كل شيء، ثم قال مستدركًا: (إلا الدين؛ أخبرني به جبريل آنفًا) لأن جبريل الواسطة بين الله ورسوله ﷺ.\nكما كان جبريل مع النبي ﵊ في يوم بدر، وسيأتي هذا إن شاء الله تعالى في حديثنا عن يوم الفرقان.\nكما أنه كان مع النبي ﵊ رفيقًا في رحلة المعراج، فكان يسأل: من معك؟ فيقول: محمد، وأحيانًا يسأل النبي ﵊ جبريل وهو يجيب، ولما مروا على تلك الريح الطيبة، قال له ﵊: (ما هذه الريح الطيبة يا جبريل؟ قال: هذه ريح ماشطة ابنة فرعون)، فالسائل نبينا ﷺ، والمجيب جبريل ﵇.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>جبريل يعلم الصحابة أمور دينهم</span>\nأوكل الله جل وعلا إلى جبريل تعليم الصحابة، كما هو معلوم من حديث عمر ﵁، وهو في صحيح مسلم: (أنه قدم رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد)، والحديث معروف مشهور، فلما ذهب قال النبي ﷺ لـ عمر: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم).\nفهذا من حرصه ﵇ أن يعلم الناس ما ينفعهم في أمر دينهم عن طريق الأسئلة التي يعرف جوابها، فكان جبريل كلما أجابه النبي ﵊ يقول: صدقت.\nيقول الصحابة: فعجبنا له يسأله ويصدقه، أي: كأنه يعرف الإجابة من قبل!","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>جبريل عند شعراء الإسلام</span>\nهذا هو جبريل على وجه الإجمال.\nوجاء في تأريخنا الإسلامي الحديث أن الله جل وعلا نصر نبيه ﵊ بالأنصار والمهاجرين، وهؤلاء الكرام من قبل ذادوا عن الدين بسنانهم ولسانهم، فكان منهم شعراء، ومن أبرزهم حسان، وكعب بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فـ حسان ذكر جبريل في شعره قال في همزيته: عفت ذات الأصابع فالجواء إلى عذراء منزلها خلاء إلى أن قال: عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء ينازعن الأعنة مصغيات على أكتافها الأسل الظماء فإما تعرضوا عنا اعتمرنا وكان الفتح وانكشف الغطاء إلى أن قال: وجبريل أمين الله فينا وروح القدس ليس له كفاء يفتخر بأن جبريل ﵇ مع النبي ﵊ وأصحابه في حروبهم.\nوكنت قبل قد نسبت البيت الذي سيأتي إلى حسان وهو قول كعب ﵁: وببئر بدرٍ إذ يرد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد وهو أفخر بيت قالته العرب؛ لحقيقته ولصياغته الفنية.\nهذا ما يمكن أن يقال عن جبريل من حيث التعريف.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>حكم الإيمان بجبريل</span>\nما سبق كان تعريفًا متعلقًا بجبريل، أما من حيث ما يتعلق بنا قلبيًا؛ فإن الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان، والإيمان بالملائكة الكرام يتمثل بالإيمان بهم جملة؛ أي: بوجودهم ومحبتهم وموالاتهم، وذكر ثناء الله جل وعلا عليهم، وبالإيمان بمن ذكرهم الله جل وعلا تفصيلًا، وفي مقدمتهم جبريل، وميكال، ومالك، وهاروت، وماروت، وإسرافيل، ورضوان إن صحت الأحاديث فيه، وغيرهم ممن سمى الله أو سمى رسوله ﷺ.\nفالإيمان بالملائكة الكرام هو الركن الثاني من أركان الإيمان الذي يجب على المؤمن أن يعتقده.\nومحبة من يحبه الله ورسوله من أعظم براهين الإيمان ودلائل التقوى، وقد ضربنا لهذا أمثلة كثيرة في دروس عدة، لا حاجة لتكرارها؛ لأن حديثنا عن أعلام القرآن إنما هو حديث تعريفي، فهذا هو جبريل ﵇.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>التعريف بالكوثر</span>\nالعلم الثاني: الكوثر.\nالكوثر ذكره الله في القرآن مرة واحدة في سورة سميت باسمه، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١].\nواختلف العلماء فيما هو الكوثر على ستة عشر قولًا يثبت منها اثنان؛ لأن أقوال العلماء لا تعارض قول النبي ﷺ، وإن كان ما قالوه يدخل فيما أعطاه الله النبي من الخير، لكن الكوثر إنما هو نهر في الجنة أعطاه الله لنبينا ﷺ.\nروى الإمام البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب التفسير: أن النبي ﷺ قال كما في حديث أنس: (دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت فيه لأرى أين مجرى الماء، فإذا هو مسك أذفر قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله).\nفهذا نص في موضع الخلاف، فلا ينبغي الانصراف إلى غيره.\nويؤيده ما رواه الإمام مسلم في الصحيح: (أن النبي ﷺ قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] حتى ختمها، ثم قال لأصحابه: أتدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.\nقال: نهر في الجنة وعدنيه ربي، فيه خير كثير، وهو حوض ترده أمتي).","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>العلاقة بين الحوض والكوثر</span>\nوقد تكلم العلماء في قضية: هل الكوثر نهر في الجنة أو هو الحوض الذي ترد إليه هذه الأمة يوم القيامة؟ والإمام البخاري ﵀ ذكر الحديث أولًا في كتاب التفسير عند قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]، ثم ذكره مرة أخرى مردفًا بأحاديث أخر في كتاب الرقاق من نفس الصحيح.\nوقد تكلم الحافظ ابن حجر أفضل من شرح الصحيح عن الكوثر كنهر في كتاب التفسير، وأرجأ الحديث عن التفصيل إلى كتاب الرقاق.\nوجملة ما دل عليه الخبر أن أصل النهر في الجنة، ثم له ميزابان يصب بهما في الحوض الذي هو خارج الجنة، فيصبح هذا الحوض الذي هو حوض نبينا ﷺ أصل مائه من الكوثر الذي هو نهر في الجنة.\nوبهذا يجتمع حديث: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله، وحديث: وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الرد على منكري الحوض</span>\nالناس يحشرون يوم القيامة عطشى أحوج ما يكونون إلى الماء، والورود إلى الحوض من أعظم ما يؤمله ويتمناه عباد الله الصالحين، سقانا الله منه.\nوأهل السنة يؤمنون بالكوثر ويثبتونه، وأنكرت طائفة من الخوارج ومن المعتزلة وجود الحوض، وكان عبيد الله بن زياد الأمير الأموي المعروف ينكر وجود الحوض ويرده، فكان الصحابة ﵃ وأرضاهم يخبرونه بما سمعوا من النبي ﷺ أن لنبي الله ﵇ حوضًا، حتى إنه سأل أبا برزة الأسلمي ﵁: هل سمعت النبي ﷺ يذكر الحوض؟ فقال أبو برزة ﵁ وأرضاه: ما سمعته مرة، ولا مرتين، ولا ثلاثًا، ولا أربعًا، ولا خمسًا، بل سمعته أكثر من ذلك، لا سقى الله من كذب به.\nيريد أن يخوف عبيد الله بن زياد.\nثم أخبره ابن عمر وبعض الصحابة في هذا، وورد أنه قال: أشهد أن الحوض حق.\nوسواءً أقر عبيد الله بن زياد أو لم يقر، فالحوض ثابت لا شك فيه.\nودخل أنس ﵁ وأرضاه على عبيد الله بن زياد ومعه أصحابه وخلطاؤه وهم يتمارون في الحوض كأنهم ينكرونه، فقال أنس ﵁ وأرضاه: والله! ما ظننت أنني سأعيش إلى يوم أسمع فيه من يتمارون في الحوض، ولقد تركت في المدينة خلفي عجائز ما صلين صلاة إلا سألن الله فيها أن يسقيهن من حوض نبيهن.\nقال الإمام القرطبي ﵀: والحوض أركانه أربعة، وهم الخلفاء الراشدون، فمن سبهم أو أبغضهم، أو أبغض واحدًا منهم لم يرد الحوض، وهذا القول من القرطبي لم نقف على أثرٍ صحيح يدل عليه، ولا نعلم من أين أتى القرطبي ﵀ بهذا القول، وإن كان الرجل أحد الأئمة الكبار، وقوله ﵀ تطمئن إليه النفس، فإن حب الصحابة ﵃ وأرضاهم من أعظم القرب إلى الله ﵎، ومن أعظم ما يدل على تمكن الإيمان في القلب.\nويجب على المرء أن يحب ما يحبه الله ورسوله، ولا ريب أن الله ورسوله يحبان الصحابة، وقد أثنى الله عليهم، وأثنى عليهم رسوله ﷺ.\nموضع الشاهد: أن سب الصحابة يحول بين المرء وبين ورود الحوض، وهذا ذكره أهل السنة ردًا على الرافضة الذين يقعون في أصحاب محمدٍ ﷺ.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>كيف ينتقم الله لأوليائه</span>\nالله جل وعلا ينتقم لأوليائه عاجلًا أو آجلًا.\nالسيد الحوثي اليمني الشيعي الذي خرج مؤخرًا على حكومة اليمن وقتل؛ قابلت رجلًا يمنيًا شارك في المعارك العسكرية والفكرية ضد هذا الشيعي، ذكر أنه كان قد ضلل شبابًا كثيرين من أبناء قريته، وأهل السنة في اليمن بعد أن يئسوا من كبارهم أخذوا الصغار، وأتوا بهم إلى مكة والمدينة ليعتمروا حتى يغيروا المعتقد الخاطئ الذي ربوا عليه.\nهذا السيد الحوثي يدعى سيدًا، وليس بسيد، وقد قال في أحد دروسه لأتباعه يذم الصديق ﵁ وقد ذكر النبي ﵊ ومعه صاحبه في الغار، فقال بلهجته كلامًا معناه: إن أبا بكر ليست له أي كرامة، إنما كان يبول ويتغوط في الغار ثلاثة أيام.\nقال ذلك بلغة شنيعة! ثم مضت أيام شهور سنون على قولته هذه، ولما حوصر دافع عنه فتيان وشباب مغرر بهم، أما هو فقد حصره الله جل وعلا في غار، فجلس فيه ثلاثة أشهر لا يستطيع أن يخرج، فكان يبول ويتبرز في الغار، ثم ختم الله له بأن قتل.\nفانظر كيف وقع في رجلٍ كـ الصديق ﵁ أفضل الأمة بعد نبيها، وكيف انتقم الله جل وعلا للصديق رغم أن الصديق لم يسمع هذه المقالة، ولم يؤذ بها، لكن الله جل وعلا قال في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨].","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>من أعلام القرآن عزير</span>\nالعلم الثالث هو عزير، وهو أحد صالحي بني إسرائيل، لم تثبت نبوته، قال الله جل وعلا عنه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة:٣٠].\nنعلم جميعًا أن الرب ﵎ مقدس عن الصاحبة والولد، منزه فلم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وأعظم الجرم أن يدعي مدعٍ أن لله جل وعلا ولدًا، قال الله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٠].\nوممن زعم لله الولد النصارى واليهود، وكلٌ منهم تعلق بشبهة، والشبهة لا يجلوها إلا العلم.\nفنبدأ بالنصارى، وإن كانوا متأخرين، لكن حتى نصل إلى عزير، فالنصارى وقعوا في هذه الشبهة من باب أنهم رأوا أن عيسى ﵇ لا والد له، فزعموا أنه ابن لله، فرد الله جل وعلا عليهم كما مر معنا في تأملاتنا في سورة آل عمران عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩].\nوالمعنى: لو كان هناك أحد حقيق أن يكون ابنًا لله -ولا يوجد أحد كذلك- لكان آدم أولى من عيسى؛ لأنه إذا كانت الشبهة في عيسى أنه وجد من غير والد، فإن آدم وجد من غير والدة ولا والد، وإنما هو أمر من الله: كن فيكون، فرد الله بهذا شبهة النصارى.\nوهكذا اليهود فإنهم زعموا أن عزيرًا ابن الله، وسبب شبهتهم أنهم يعلمون أن التوراة نزلت على موسى مكتوبة، كما قال الله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ﴾ [الأعراف:١٤٥].\nفكان علماؤهم يحفظون التوراة، ثم سلط الله عليهم بختنصر فأزهق أرواحهم، وأفنى علماءهم، فقدر أن عزيرًا ألهمه الله جل وعلا التوراة، وجعله قادرًا على استذكارها، فأملاها عليهم غيبًا، وبعد أن أملاها عليهم وقفوا عليها وهي مكتوبة، ووجدوها حيث دفنها العلماء قبل أن يذبحهم بختنصر، فقارنوا بين ما أملاه عليهم عزير، وما هو بين أيديهم من التوراة، فوجدوا عزيرًا لم يخرم حرفًا واحدًا، فقالوا: ما أعطي عزير هذا إلا لأنه ابن لله.\nهذا سبب قول اليهود وزعمهم أن عزيرًا ابن الله، وهذه مشكلة سببها قلة العلم، فإن الإنسان إذا كان لا يعرف إلا جزئية في العلم يتخبط فيه، ويقع في أمور لا يعلمها إلا الله.\nفـ عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه قرب قرابته، وأعطاهم مسئوليات، فجاء الخوارج وقالوا: هذا ينافي ما أمر الله به من العدل، وهذا لا يصلح أن يكون خليفة أو أميرًا للمؤمنين، ثم قتلوه، ثم نهبوا ماله، ثم قتلوا نجيحًا وفليحًا غلاميه، ثم ضربوا زوجته، وهكذا تطور الأمر لأجل شبهة واحدة، فلم يجدوا عذرًا لـ عثمان.\nوالخوارج الذين بعدهم قتلوا عليًا، وقالوا: إن عليًا حكم الرجال في دين الله والله يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، ولم يفهموا هذه الآية لم أنزلت، وفيمَ أنزلت، وأن الله حكم الرجال في الصيد فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:٩٥]، ومع ذلك تركوا هذا كله، ورفعوا سيوفهم على أمير المؤمنين وقتلوه، وهذا كله من نقص العلم.\nفمن لم يكن ذا علم فمن الصعب أن تحاوره؛ لأنه يتمسك بجزئية واحدة، ولا يوجد جامع بينك وبينه ولا أرضية علمية متسعة حتى تأخذ وتعطي معه.\nنعود إلى عزير فنقول: أما عزير فهو عبد صالح، ورد فيه آثار، هذه الآثار لا يوجد بين أيدينا نقل نستطيع أن نجزم أنه صحيح، ولكنها نقول عن وهب بن منبه، وعن ابن عباس، أخذها عن كعب الأحبار، وهكذا نقلت غيرهم من الصحابة والتابعين.\nفمنهم من قال: إن عزيرًا مر على امرأة تبكي عند قبر بعد أن قتل بختنصر بني إسرائيل، وهي تقول: واكاسياه وامعطياه، فقال لها عزير: من الذي كان يطعمك ويسقيك؟ قالت: الله، قال: فإن الله حي لا يموت، فلا داعي للبكاء، وهو قبل أن يقول لها ذلك كان يبكي على فقد العلماء، فقالت له المرأة: وأنت علام تبكي؟ قال: أبكي على فقد العلماء، قالت: من الذي علم علماء بني إسرائيل، قال: الله.\nقالت: فاسأل الله فإن الله حي لا يموت، فسأل الله أن يقذف في قلبه نور التوارة، فأعطاه الله نور التوارة، هذا قول.\nونقل كثير من العلماء أنه هو المقصود بقول الله جل وعلا: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩]، فقالوا: إن القرية هي بيت المقدس بعد أن عاث بختنصر فيها فسادًا، فبعد أن هدم منازلها، وأطاح سقوفها، وقتل أهلها مر عليها عزير، فقال -من باب التعجب لا من باب الإنكار-: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩].\nوكان قد خرج وعمره أربعون عامًا، وله جارية عمرها عشرون عامًا، فأماته الله، فمكث ميتًا مائة عام بنص القرآن إن كان هو عزير.\nفبعد مائة عام أحياه الله جل وعلا ورده كما كان، وعمره أربعون كما هي، فلما رجع إذا بالناس قد تغيروا، فذهب إلى بيته، فوجد الأمة التي تركها وعمرها عشرون عامًا قد أصبح عمرها مائة وعشرين، فقال لها: أين بيت عزير يرحمك الله! أين أنت من عزير! لم يعد أحد يذكر عزيرًا هذه الأيام، فقال لها: أنا عزير، قالت: إن عزيرًا كان عبدًا صالحًا؛ فإن كنت عزيرًا فادع الله لي، وكانت قد عميت، فدعا الله لها فبرئت وأبصرت، فلما رأته عرفته؛ لأنه ما تغير فيه شيء.\nفأخذته للملأ من بني إسرائيل، وذكروا له التوراة، فسأل الله ودعاه، فأملى عليهم التوراة ولم يخرم منها حرفًا، ثم قال لهم: إن أبي كان قد أخفى التوراة في مكان كذا وكذا عندما خربت بيت المقدس، فذهب بهم إلى الموضع الذي غلب على ظنه أن أباه وضع التوراة فيه، فأخرجها مكتوبة كما هي.\nفلما قارنوا بين ما أملاه عزير وبين ما وجدوه مكتوبًا وجدوا أن عزيرًا لم يخرم منه حرفًا واحدًا، فقالوا: ما أعطي عزير هذا إلا لأنه ابن الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا! وقولهم: إنه ابن الله، ذكره الله في سورة التوبة؛ ليغري المؤمنين ويحثهم على قتال أهل الكفر، فذكرها الله ليبين أعظم ما تحلى به أهل الكفر، وهو زعمهم أن لله الولد، وأعظم الفرية أن يأتي أحد فيدعي لله الولد، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\nولذلك كانوا يقولون في سيرة الإمام أحمد ﵀: إنه كان إذا أبصر يهوديًا أو نصرانيًا في بغداد يغمض عينيه، فيقال له: يا أبا عبد الله لم تفعل ذلك؟ فيقول: والله لا أطيق أن أرى أحدًا يزعم أن لله ولدًا! وهذه أمر تحلى به الإمام أحمد ﵀، لكن لا يوجد دليل على وجوب فعله؛ لأن النبي ﷺ أبصر اليهود والنصارى وهم يزعمون أن لله الولد، وتعامل معهم، لكن هذا ورع من الإمام نفسه، وليس هديًا نبويًا؛ فرحمة الله على الإمام أحمد.\nموضع الشاهد من هذا: أنه كان في الأمم من قبلنا وفي أمتنا من الصالحين من غالى الناس فيهم حتى عبدوهم من دون الله، أو عظموهم من دون الله، ولهذا قال الله بعد هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١].\nوأعظم الفرق التي وقعت في هذا بلا شك هم الرافضة وغلوهم الشركي في علي ﵁، وفي السبطين الحسن والحسين، وهذا أمر مشاهد لا يمكن إنكاره، وكله من باب الغلو في الأشخاص، ولا ينبغي لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يغلو في أحدٍ من الخلق كائنًا من كان، إنما يحب كل أحدٍ بقدر، ويبغض بقدر، ويتخذ الشرع مناطًا ومعيارًا في التعامل مع الخلق كلهم.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>يوم الفرقان</span>\nرابع الأعلام هو يوم الفرقان: وهي التسمية القرآنية ليوم بدر، أما قول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:١٢٣]، فهو علم على مكان، لكن الله قال في الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال:٤١].\nفقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [الأنفال:٤١] فيه أن (ما) موصولة، أي: والذي أنزلنا على عبدنا، أي: نبينا ﷺ.\n﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال:٤١] أي: يوم معركة بدر التي فرق الله فيها بين الحق والباطل، والفرقان مصدر من الفعل فرق يفرق فرقانًا.\n﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال:٤١] أي: جمع أهل الكفر وجمع أهل الإيمان.\nقال الله بعدها: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال:٤١] أنزل الله جل وعلا يوم الفرقان النصر والظفر لنبينا ﷺ ومن معه.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>تفاصيل يوم بدر</span>\nومعلوم أن يوم بدر يوم مشهور، وسأتحدث عنه إجمالًا فيما يغلب على الظن أن فيه فائدة.\nالحالة الاقتصادية في المدينة كانت ضعيفة جدًا قبل بدر، فكان الشغل الشاغل للصحابة -لما سمعوا بعير قريش- أن ينالوا القافلة، حتى يتحسن الوضع الاقتصادي، فخرجوا مع النبي ﷺ وأكبر همهم أن ينالوا القافلة، لكن الله أبدلهم من القافلة خيرًا منها، وهو أن الله أعطاهم النصر، ومكن لهم، وأخذوا بعد ذلك الفدية من قريش، فأعطاهم الله جل وعلا فوق ما يؤملون.\nأبو سفيان حارب النبي ﷺ في بدر وأحد، وجمع الأحزاب، ومع ذلك مات على الإيمان، فسبحان مقلب القلوب يفعل بعباده ما يشاء، ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ: (يا مقلب القلوب ثبت قلبنا على دينك).\nلأن عاتكة بنت عبد المطلب -أخت العباس وعمة النبي ﷺ- قبل يوم بدر بثلاثة أيام، رأت في المنام أن رجلًا يستغيث بالأبطح ويقول: يا آل غدر انفروا لمصارعكم في ثلاث، ثم تنقل من مكان إلى مكان، ثم صعد جبلًا ثم ألقى صخرة، فانفلقت حتى لم يبق بيت من بيوت أهل مكة إلا ودخله شظية من الصخر.\nفقصت الرؤيا على أخيها العباس، فقال لها العباس: اكتميها، والله إنها لرؤيا، فقالت: أظنها مصيبة ستحل بقومنا، فأخبر العباس الوليد بن عتبة وكان صديقًا له.\nوقد قيل: كل سر جاوز الاثنين شاع، وكل علم ليس في القرطاس ضاع! أما الأولى: كل سر جاوز الاثنين شاع فصحيح، لكن: كل علمٍ ليس في القرطاس ضاع ليس بصحيح؛ لأن الله يقول: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] ولم يقل: إنه في الكتب.\nنعود فنقول: لما قص العباس القصة على الوليد بن عتبة أخبر بها الوليد غيره، فانتشرت في قريش، فلما بلغت أبا جهل نادى العباس، وتوعده وتهدده، وقال: يا بني عبد المطلب، أما كفاكم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم؟ وكان أبو جهل رجلًا خبيثًا، حديد الوجه، حديد النظر، حديد اللسان، لا يستطيع أحد أن يقاومه، دخل دار الندوة قبل أن يطر شاربه، رغم أن دار الندوة لا يدخلها رجل في قريش إلا بعد الأربعين، لكن أدخلوه إياها محكمًا من أول أمره، لعلو شأنه وهو صغير.\nفنادى أبو جهل العباس، وأخذ يتوعده ويهدده، فلم يجد العباس مفرًا من أن يجحد وينكر، فلما ذهب العباس إلى داره اجتمع عليه آل عبد المطلب، وعاتبوه ولاموه، كيف تضعف أمام أبي جهل؟ فأجمع أمره على أن يرد على أبي جهل، فلما انصرف بعد ثلاثة أيام قابل العباس أبا جهل، وناداه ليرد عليه، وإذا بـ ضمضم الغفاري الذي استأجره أبو سفيان وبعثه يستصرخ في قريش يصرخ مثل ما قالت عاتكة في الرؤيا، فكان أبو جهل ممن سمع الغوث فترك العباس وخرج، ثم خرج العباس وخرج الناس ينشدون ماذا يريد ضمضم؟ وانتهى أمر الرؤيا.\nيعني: انشغلت قريش عن الرؤيا.\nثم خرجت قريش بعد أن استنفرهم ضمضم الذي بعثه أبو سفيان.\nوالتقى الجمعان كما قال الله جل وعلا في بدر، وبدر اسم لرجل يقال له: بدر بن حذافة كان قد حفر بئرًا في هذا الموطن، فسمي المكان باسمه إلى يومنا هذا، وهذا يدل على أن هناك أشياء تبقى مع الأيام لا تتغير عن اسمها الأول.\nومر النبي ﵊ في طريقه بالروحاء، ومر بالمنصرف وهي المسيجيد الآن، ومر برحقان -الجبل المعروف- ومر بالمضيق حتى وصل إلى بدر، وهناك في بدر التقى الجمعان كما أخبر الله جل وعلا.\nاستشار النبي ﷺ أصحابه؛ لأن النبي وفي، وهو يعلم أن العهد الذي بينه وبين الأنصار على أنهم يحموه داخل المدينة، وبدر خارج المدينة، فأخذ يقول: أشيروا عليّ أيها الناس! أشيروا عليّ أيها الناس! ثم سمع من الأنصار ما سمع مما يدل على صدقهم ونصرتهم لدين الله، فقال: امضوا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين إما النصر وإما القافلة.\nفلما كان في يوم بدر وقف ﷺ ليلته بدر يدعو ويتضرع إلى الله ليقيم التوحيد، ويحقق العبودية لله، وإلا فهو يعلم قطعًا أنه منتصر؛ لأنه قال لأصحابه: (امضوا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين)، فالطائفة الأولى وهي القافلة فرت ونجت، فلم يبق إلا الثانية، ووعد الله حق، فكان يعلم أنه منصور، لكنه أراد أن يحقق أعظم ما كلف الله به العبيد، ألا وهو تحقيق التوحيد، فأخذ ﷺ يدعو حتى سقط رداءه، فرق له أبو بكر فقال: يا نبي الله! كفاك بعض مناشدتك ربك، يعني: على مهلك! فكان ﷺ يقول: (اللهم! إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدًا).\nوكان أهل بدر ثلاثمائة وبضعة عشر، وهو عدد جيش طالوت الذي قال الله فيه: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٩].\nثم كانت موقعة بدر في السابع عشر من رمضان للسنة الثانية من الهجرة في يوم جمعة، وكان النبي ﷺ وأصحابه على غير صيام، ولهذا كان عمير بن الحمام بيده تمرات يأكل منها ثم ألقاها وجاهد في سبيل الله، واستشهد ﵁ وأرضاه.\nنجم عن المعركة كما هو معلوم قتل سبعين من أهل الإشراك وأسر سبعين، والمسلمون في يوم أحد لم يؤسر منهم أحد، وإنما قتل منهم سبعين، ولهذا قال الله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران:١٦٥].\n﴿أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران:١٦٥].\nأي: في بدر، ففي بدر قتلتم سبعين وأسرتم سبعين، أما في أحد فالذي أصابكم نصف ما حصلتم عليه في الأول، فقد قتل منكم سبعون ولم يؤسر منكم أحد.\nمكث النبي ﷺ في بدر ليتصرف في القتلى، وبعث عبد الله بن رواحة وأسامة بن زيد على ناقته القصوى يبشرون أهل المدينة بانتصار نبي الإسلام ﵊ في بدر، ثم ألقي قتلى قريش في القليب، وهو البئر المهجور المتروك في بدر.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>مسألة سماع الأموات في القبور</span>\nمكث ﷺ ينادي أهل القليب ويقول: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا، فقد وجدت ما وعدني ربي حقًا، فقال له عمر: يا رسول الله! كيف تدعو أقوامًا قد جيفوا، فقال: يا عمر! والله! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، لكنهم لا يملكون جوابًا).\nهذه مسألة ينجم عنها مسألة خلافية شهيرة، وهي: هل الأموات يسمعون أو لا؟ وينجم عن ذلك قضية أخرى، وهي قضية تلقين الميت، وهو أن يوقف على القبر فيقال للميت: اذكر آخر ما تركت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله إلخ.\nوالحق أن تلقين الميت لم يثبت عن النبي ﷺ، ولا عن أحدٍ من أصحابه فيما نعلم، وقد ظهر في الشام قبل الإمام أحمد بقليل -أي: في أواخر القرن الأول- من قومٍ صالحين، فأخذه عنهم البعض، وأصل المسألة كما قلت: هي قضية هؤلاء الذين في بدر.\nفالذين يقولون بالتلقين يقولون إن النبي ﵊ قال عن أهل قليب بدر إنهم يسمعون، ويرد عليهم بأنه لو كان الأصل أنهم يسمعون لما أنكر عمر، لكن الظاهر أن الأمر خرج عن المعتاد، فكانت خصيصة للنبي ﷺ، وليس أمرًا عاديًا، لكن رد الآخرون بأن النبي ﵊ قال عن الميت: إنه يسمع قرع نعالهم، والمسألة مبسوطة في كتب الفقهاء، والخير كل الخير في اتباع هدي النبي ﷺ.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>آثار معركة بدر</span>\nهذا يوم بدر سماه الله فرقانًا؛ لأن الله جل وعلا فرق فيه بين الحق والباطل، وكان يومًا عزيزًا في الإسلام، نصر الله جل وعلا فيه نبيه ﷺ.\nأشار عمر على النبي ﷺ أن يقتل الأسرى، وأخذ الرسول برأي أبي بكر أن يفدوا ويستفيد المسلمون من الفدية، ويستبقونهم لعل الله أن يهديهم، فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧] إلى قوله: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال:٦٨].\nفبعثت قريش تفدي أسراها، وكان من الأسرى العاص بن الربيع، وهو زوج زينب بنت النبي ﷺ، وأبو أمامة بنت زينب، وزينب كانت في مكة، وزوجها مأسور في المدينة، فبعثت بفدية تفدي بها زوجها، ولهذا قال ﷺ: (إن زوج المرأة -أو بعل المرأة- من المرأة بمكان).\nفالمرأة إذا ادلهمت عليها الخطوب لا نجد أحدًا تلجأ إليه أكثر من زوجها؛ فهذه المرأة رغم أنها بنت رسول الله ﷺ وهي مسلمة، لكن لما علمت أن زوجها أسر أخرجت كل ما في يدها، فأخرجت قلادة كانت أمها خديجة ﵂ وأرضاها ألبستها إياها في يوم دخولها على زوجها، فبعثت بالقلادة، وهي أعز ما تملك من أجل أن تفدي زوجها، فلما رأى النبي ﷺ القلادة عرفها فتذكر زمان خديجة ﵂ وأرضاها.\nفورد أنه ذرفت عيناه صلوات الله وسلامه عليه، يعني: بكى، ثم فدي العاص بن الربيع ورجع، فأسلم العاص بعد ذلك في قصة طويلة ليس هذا موضع بسطها.\nعلى الجانب الآخر: كان قريش قومًا أعزة في ذاتهم وإن كانوا على الكفر، فقد كان فيهم أنفة، حتى في الحج كانوا لا يخرجون إلى عرفات، لأنها من الحل، فكانوا لا يخرجون مع الناس، وكانوا يقولون: نحن أهل الله، أهل الحرم، لا نخرج مع الناس في عرفات، فيقفون قبل عرفات، ولا يفيضون من منىً إلى عرفات، ولهذا قال الله لنبيه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩] أي: دعك من قومك وأنفتهم، ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩].\nوالمقصود: أن قريشًا كانت بهم أنفة، فأصدروا بيانًا رسميًا أوقات الحروب وهو ألا يبكي أحد، والإنسان إذا لم يبك يزداد الألم في قلبه.\nوذات يومٍ كان أحدهم قد سمع بكاء، وقد مات له ثلاثة أولاد، فقال لأحد أبنائه: اذهب وانظر فإني أسمع امرأة تبكي لعل قريشًا أذنت أن يبكى على القتلى، فذهب الولد ووجد امرأة تبكي على بكر لها أضلته، وهو الفتى من الإبل، فرجع إلى أبيه فقال: ما وراءك؟ قال: هذه امرأة تبكي على بكرٍ أضلته، فقال: أتبكي أن يضل لها بعيرٍ ويمنعها من النوم السهود فلا تبك على بكر ولكن على بدرٍ تقاصرت الجدود على بدرٍ صراة بني هصيص ومخزوم ورهط أبي الوليد ألا قد ساد بعدهم رجال ولولا يوم بدر لم يسودوا وأخذ يذكر نحيبه وشجونه على أبنائه الذين قتلوا في بدر.\nهذا حصيلة ما كان في يوم بدر، وقد خص الله جل وعلا تلك الفئة في يوم الفرقان؛ فاطلع عليهم، وقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم.\nفهؤلاء الفئة الثلاثمائة والأربعة عشر هم خير أمة محمد ﷺ على الإطلاق، وقلنا: إن جبريل كان في ذلك اللواء، وقلنا: إن قول كعب: وبيوم بدرٍ إذ يرد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد هو أفخر بيت قالته العرب؛ لأنه لا يوجد راية يمكن أن تقع في التأريخ كله من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة يجتمع تحتها محمد بن عبد الله وجبريل، وأبو بكر وعمر وغيرهم من سادة المهاجرين والأنصار، فلا أحد في الأنبياء أفضل من محمد، ولا أحد في الملائكة أفضل من جبريل، ولا أحد في حواري الأنبياء أفضل من أبي بكر، وهؤلاء الثلاثة الأئمة في كل فريق اجتمعوا تحت رايةٍ واحدة، فلهذا كانت راية بدرٍ لا تعدلها راية؛ رزقنا الله حبهم وجوارهم في جنات النعيم! هذا ما تيسر إيراده وتهيأ قوله، وأعان الله جل وعلا على الحديث عنه، وهم أربعة أعلام، جبريل، والكوثر، وعزير، ويوم الفرقان.\nوفقنا الله وإياكم للعمل بكتابه وسنة نبيه ﷺ، والحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":18},{"text":"سلسلة أعلام القرآن <span data-type=\"title\" id=toc-19>[فرعون، هامان، قارون، عرفات، المشعر الحرام]</span>\nذكر الله ﷿ أعلامًا في القرآن الكريم، منها ما يكون لأشخاص ومنها ما يكون لأماكن ومنها ما يكون لأزمان.\nوفي ترجمة فرعون وهامان وقارون عبرة للمعتبرين وموعظة للذاكرين.\nوفي ترجمة عرفات والمشعر الحرام تشويقًا لأولي الألباب من المؤمنين إلى زيارة تلك الأماكن المباركة والتقرب إلى الله فيها.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>ذكر فرعون وهامان وقارون في القرآن الكريم</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد: فقد تحدثنا فيما سبق عن أربعة من أعلام القرآن الذين ذكرهم الله جل وعلا في كتابه العزيز، وسوف نتحدث إن شاء الله تعالى عن تراجم لخمسة أعلام ذكرهم الله ﵎ في كتابه، وهم ثلاثة في عصر واحد لأشخاص: فرعون وهامان وقارون، وعلمين ندرسهما لمكانين مباركين هما: عرفات والمشعر الحرام، وهذه الخمس كلها وردت في القرآن، وقد سبق أن الأعلام تكون مكانية، وتكون زمانية، وتكون لأشخاص، وتكون لغير ذلك.\nقال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٣ - ٢٤].\nوقال جل ذكره: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [العنكبوت:٣٩]، وقال في القصص: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص:٧٦]، وقال ﵎: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص:٨].\nالتفصيل كالتالي: هؤلاء الثلاثة كلهم كذابون: فرعون وهامان وقارون، لكن ينبغي أن تعلم أن فرعون وهامان من أهل مصر الأصليين، أما قارون فمن قوم موسى من بني إسرائيل، وهؤلاء الثلاثة أحداثهم لم تكن في مكان واحد؛ فرعون وهامان كانا في مصر، أما قضية قارون لم تكن في أرض مصر، كانت بعد خروج موسى من أرض مصر في أرض التيه، فقصة البقرة، وقصة الخضر، وقصة قارون، كلها تمت بعد خروج موسى ﵊ من أرض مصر، أما فرعون وهامان فكانا زعيمين لأرض مصر، يجمعهما التكذيب بموسى، لكنهم يختلفون في النسب، ويختلفون في قرابتهم من موسى، ويختلفون في الحقبة الزمانية المخصصة التي وقعت فيها الأحداث.\nوقد مرت معنا كثيرًا قضية موسى وهارون وهامان، ونفصل فيها هنا كما فصلنا فيها سابقًا بالتأملات، ولكن نتكلم هنا من باب الترجمة فقط، ولنبدأ بما بدأ الله به.","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>فرعون</span>\nفرعون: لقب على الأظهر لمن يحكم مصر في فترة من الفترات آنذاك، وهل اسمه فرعون الحقيقي أو هو لقب له؟ اختلف أهل العلم في ذلك، والمشهور أنه لقب، لكن هذا اللقب لم يرد له اسم يبينه في القرآن، ففي كل المواضع التي ذكر الله جل وعلا فيها خبر موسى مع فرعون سماه فرعون، ولهذا قال البعض: إن اسمه فرعون، قلنا: كلمة اللقب أقوى لكن لا يعرف له اسم.\nقال بعض العلماء: إنه اسمه أبو الوليد، أو مصعب بن الوليد، أو الوليد بن مصعب، لكن هذا بعيد جدًا؛ لأن هذه أسماء عربية لا يمكن أن تطلق على فرعون وفرعون كلمة لا وزن لها في العربية بخلاف غيره كـ هامان مثلًا.\nلماذا ندرس سيرة هذا الرجل؟ لأن الله أخبر أنه أشد أهل النار عذابًا، قال الله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، فإذا كان هذا مآل أهله فكيف بمآله هو؟","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>فرعون وصفة الكبر</span>\nلنقف على أعظم الصفات التي تحلى بها فرعون حتى نبتعد عنها؛ لأن المؤمن يتحلى بطرائق الأخيار، ويأنف وينأى بنفسه عن طرائق الأشرار، والكبر من أعظم المهلكات، وهو نبتة في الصدر، وقد مر معنا أنه يقسم إلى ثلاثة أقسام: كبر على الله، وهذا الصانعون له قليل.\nوكبر على الرسل، وهذا الصانعون له أكثر من الأول.\nوكبر على الناس، وهذا قليل من يسلم منه.\nأما الكبر على الله: فهو عين الكفر، وهذا لم يوجد على مر الدهور إلا في قليل من الأفراد منهم النمرود صاحب إبراهيم: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨]، ومنهم فرعون؛ لأن فرعون تاريخيًا بعد النمرود، ففرعون قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وقال لأهل مصر: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وهو قمة الكبر على الله ﵎، ولهذا كان جبريل -كما مر معنا في درس التأملات- حانق عليه؛ لأن فرعون نازع الله في كبريائه فلما أدركه الغرق، وأخذ يرى الموت عيانًا في البحر -كما جاء في الحديث الصحيح- كان جبريل يأخذ الطين ويضعه في فم فرعون حتى لا يتلفظ بكلمة يستدر بها رحمة الله جل وعلا فيرحمه الله، فكان من حنق جبريل عليه أنه لا يريد أن يرحمه الله لما سلف من أفعاله وأقواله والتي منها: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]، ومنها قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، ومنها قوله: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ [غافر:٣٦] إلى غير ذلك مما تجرأ به على ذات الله جل وعلا.\nإذًا: أعظم ما يفهم من الدرس: أن هذه النبتة التي في القلب يحاول المسلم قدر الإمكان أن يجعلها مجرد نزعة في النفس لا يكون منها أي صنيع، وكونها موجودة في الإنسان هذا يعني أنها شيء مجبول عليه الناس لكن لا يكون لها أي أثر.\nالحالة الثانية: الكبر على الرسل، وقلنا هذا كثير في الأمم.\nثم الكبر على الناس، فقد يوجد في الناس من يتكبر بعضهم على بعض، إما لمال أو لجاه أو لنسب أو لسلطان أو ما إلى ذلك، ولهذا أمر الله جل وعلا نبيه بأن يخفض جناحه للمؤمنين عمومًا، وأن يكون أنموذجًا في تواضعه فقال سبحانه: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧]، ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨]، هذه أعظم ما اتصف به فرعون.\nالأمر الثاني: تكذيبه لما يعلم أنه حق، وهذا ناشئ عن كبره، ولهذا قال الله جل وعلا عنه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، فقد كان يعلم أن موسى على الحق بالآيات البينات البالغات التي أظهرها موسى له لكنه جحدها.\nفمن أعظم ما يظلم به المرء نفسه أن يرد الحق وهو يعلم أنه حق، فيرده كبرًا يرده أنفة يرده استكبارًا، لا يريد أن يخضع لأحد، ولا يريد أن يشعر أن زيدًا أو عمرًا من الناس أفضل منه فيلحق بركب فرعون، وإن كان لا يصل إلى درجة فرعون ولا يخرجه هذا من الملة، لكن يحرمه من خير كثير ويكون وباله بحسب ذلك الشيء الذي رده.\nلقد عامل الله فرعون بجنس المعصية التي تعالى بها، وذلك أنه قال لأهل مصر: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] فنسب أنهار مصر إليه، وأنها في قبضته يصرفها كيف يشاء، فأغرقه الله في البحر الذي كان يدعي أنه ملك له.\nكان من سياسته التفريق بين الناس، قال الله جلا وعلا: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص:٤]، أي: فرقًا، يستضعف طائفة منهم ويستحي النساء، ويجعل مجموعة للخدمة، ومجموعه للرفعة، ومجموعه مقربة له.\nففرق بين الناس على تمييز عنصري كان يتخذه، وجعل بني إسرائيل في أدنى المنازل، وسامهم سوء العذاب، فمنَّ الله على بني إسرائيل ببعثة موسى، ثم أهلك فرعون وآله ونجى موسى ﵇.\nهذا فرعون على وجه العموم اتخذ له وزيرًا، والوزير آنذاك ليس كالوزير في هذا العصر، فالوزراء في هذا العصر يعطى كل ذي وجهة وزارة، وسابقًا كان الوزير هو المعاون أو المساعد للرئيس أو للملك أو للسلطان، فكان هامان يؤدي هذا الدور مع فرعون، ولهذا قال الله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ [القصص:٨] فأضاف الجنود إلى فرعون وهامان؛ لأنهما كانا يملكان القيادة، والإنسان سواء كان ذا سلطان أو غير ذي سلطان لابد له من أشخاص حوله يستشيرهم ويعينونه في الأمر، وهذه سنة لله، وقلما يوجد أحد لا يتخذ رأيًا إلا لوحده، وليس معه أحد، خاصة ذوي المناصب والجاه، وذوي المشاغل الكبرى، وكلما كان وزير الإنسان ومن يرافقه ذا عقل وحلم ومحبة لله كانت قراراته أقرب إلى الهدى، والعكس بالعكس، فـ هامان هذا كان وزيرًا لفرعون يعينه على طغيانه وعلى جبروته، ولهذا قدح الله فيهما ونكل بهما سويًا.","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>الوزير الصالح رجاء بن حيوة</span>\nمن الوزراء في التاريخ الإسلامي الذين عرفوا بالفضيلة رجاء بن حيوة، ورجاء هذا كان وزيرًا لـ عبد الملك بن مروان، ثم للوليد، فكان مقربًا من عبد الملك ثم من الوليد، ثم جاءت خلافة سليمان بن عبد الملك، وسليمان لم يكتب له أن يعمر، فقد توفي بعد الأربعين بقليل جاء مكة، ثم ذهب إلى الطائف، ثم دخل يغتسل فلبس ثيابًا حسنة فأعجبته نفسه وهو ينظر للمرآة فقال: كان أبو بكر صديقًا، وكان عمر فاروقًا، وكان عثمان حييًا، ولم يقل في علي شيء لما بين بني أمية وبين علي، وكان معاوية حليمًا وكان عبد الملك سائسًا وكان الوليد جبارًا وأنا الملك الشاب، وبقدر الله التفت إلى جارية من جواريه وقال: ما ترين في؟ -فقد أعجبته نفسه لأنه أمير المؤمنين وهو في الأربعين- فقالت له قدرًا: أنت نعم المتاع لولا أنك فانٍ -يعني: تموت- فاستشاط غضبًا من كلامها، ومكث بعدها ثلاثة أو أربعة أيام ومات.\nالذي يعنينا أن وزيره كان رجاء بن حيوة، وكان سليمان له أخوان: يزيد وهشام بالترتيب، وله ابن عم اسمه عمر بن عبد العزيز، فكان رجاء يتمنى أن يلي الخلافة عمر لما يعرف فيه من فضل، ولا يريدها في يزيد ولا في هشام ولا يريدها من باب أولى في أبناء سليمان، فلما شعر سليمان بدنو أجله قال لـ رجاء: أكتب من بعدي كتابًا لابني فلان، قال: يا أمير المؤمنين ابنك هذا في الجهاد ولا ندري يعود أو لا يعود، وأخذ يلاطفه، قال: إذًا أكتب لابني أيوب، قال: هذا صغير لا يتولى الملك، قال: إذًا لمن يا رجاء؟ قال: اكتب لـ عمر بن عبد العزيز، قال: لن يرضى أبناء عبد الملك يعني: يزيد وهشام، قال: يا أمير المؤمنين اجعلهما بعده، يعني: اكتب في الكتاب أن الخلافة لـ عمر بن عبد العزيز ومن بعده لـ يزيد وهشام فسيرضيان، فوافق سليمان بقدر الله وكتب الكتاب، وآلت الخلافة لـ عمر بن عبد العزيز، فكل ما صنعه عمر بن عبد العزيز سيجعل في ميزان رجاء بن حيوة الذي أشار على سليمان أن يوليه الخلافة.\nهذا استطراد يبين أهمية أن يكون مستشار الإنسان عاقلًا، لكن المستشار لا يشير على من يستشيره بأمور لا يمكن أن تتحقق، فالإنسان إذا أراد لقوله أن ينفذ ولمشورته أن تقع لابد أن تكون واقعية، فهذا رجاء ما قال لـ سليمان: اجعلها في فلان من الصالحين، كخطيب جمعة أو إمام أو عالم؛ لأن الأمويين لن يرضوا بهذا، لكن جعلها فيهم من أبناء عمهم.","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>هامان وزير السوء</span>\nالمقصود مما سبق أن هامان كان وزير سوء لفرعون فأهلكهما الله جل وعلا سويًا، وقد ناداه فرعون متهكمًا ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر:٣٦] أي: بناء عاليًا، ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧] قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر:٣٧]، وكم من طاغية جبار أو جاهل ضال يمشي في طريق يحسب أنه على هدى والله جل وعلا يزين له سوء عمله وهو من الضلالة بمكان بعيد، كصنيع أكثر الفجرة والكفرة في الشرق والغرب اليوم.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>أئمة يدعون إلى النار</span>\nفرعون جعله الله جل وعلا هو وهامان أئمة في الشر، قال الله وعياذًا بالله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص:٤١]، وقال: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص:٤٢]، وفي هذا دليل على أن كلمة إمام لوحدها ليست مدحًا وليست ذمًا، إنما تكون بحسب القرائن؛ لأن الله قال عن فرعون وآله: إنهم أئمة يدعون إلى النار، وهناك أئمة يدعون إلى الخير، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]، فقرينة المتقين تدل على أنهم أئمة في الخير.\nموضع الشاهد: أنه كما يوجد أئمة يدعون عياذًا بالله إلى الفجور كما هو في عصرنا يوجد أئمة يدعون إلى الخير، وكما جعل الله بعض الناس مفاتيح لكل خير جعل الله جل وعلا بعض الناس مفاتيح لكل شر أعاذنا الله وإياكم من ذلك، هذا الذي يعنينا في قضية فرعون وهامان على وجه الإجمال.","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>ترجمة قارون</span>\nقارون اسم بالعبرانية محول للعربية واسمه قورح، قال الله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص:٧٦] أي: من بني إسرائيل، وأكثر المفسرين على أنه ابن عم لموسى.\nوقد يقال: لماذا ساق الله خبر قارون في كتابه على نبيه ﷺ؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هو أن الأحداث هي الأحداث ولكن الأزمنة تختلف، فالنبي ﵊ واجهه أعمامه وبعض قرابته من قريش، وكانوا يعاندونه في الدعوة، مثل أبي لهب وأبي سفيان بن الحارث وغيرهم من صناديد قريش من ذوي الأموال والجاه، فالله جل وعلا يعزي نبيه ويقول له: كما ووجهت أنت بـ أبي لهب وغيره فإن أخاك موسى ووجه بـ قارون فصبر، وهذا فيه تعزية له.","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>سبب بغي قارون</span>\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦]، والعصبة: الفئام من الرجال من العشرة إلى الخمسة عشر، ولم يكن آنذاك أوراق مالية ورقية، وإنما كانت تحمل بدرات من الذهب والفضة، فكان له كنوز يحملها عشرون أو ثلاثون بغلًا، وينوء بحمل مفاتيحها العصبة من الرجال، ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ [القصص:٧٦ - ٧٧].\nوالمعنى: ما رزقك الله إياه من فضل اجعله سببًا لأن تنال به رضوان الله، فكل شيء أعطاك الله إياه من فضل فسخره في مرضات الله، ألا ترى الفتى أحيانًا يرزق حسن صوت فهذا يسخره في المحاريب ويصلي بالناس إمامًا ويؤثر في خلق الله، وهذا يسخره في الغناء والمجون فيضل الله جل وعلا به أقوامًا، والاثنان قد اجتمعا في فضل واحد أعطاهما الله إياه وهو حسن الصوت، إلا أن الأول ابتغى به الله والدار الآخرة، والثاني لم يراع في الله جل وعلا حقًا في تلك النعمة، فقال الله جل وعلا هنا: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧].\nبعض العلماء يقول «وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّّّّّّنْيَا» أي: لا تنس قيمة الكفن وهو الذي يستحق أن تبقيه، أما غير ذلك لا يهم، وفي هذا القول بعض المبالغة، لكنه يقال للعظة والذكرى، لكن لا تنس نصيبك من الدنيا: أي: لا تصل إلى مرحلة تحتاج فيها الناس.","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>جواب قارون على من نصحه من قومه</span>\nقال تعالى: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٧]، الذي قال هذا الكلام علماء ووعاظ من بني إسرائيل يعظون قارون وهو مع موسى في أرض التيه، فاستكبر ورد كل المواعظ، قال الله جل وعلا أنه أجابهم بقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، وقد قالوا إنه كان عليمًا بالتوراة.\nفكلمة: على علم تحتمل معنيين: إما على علم بالطرائق التي تكتسب بها الأموال، وهذا قوي.\nوالقول الآخر: أي على علم بالشرع، أي: أنا أفهم منكم فيما تنصحوني به.\nكمن تأتيه لتنصحه لشيء حرام ارتكبه فيقول: أعرف أنه حرام، فهذا الجواب هو جواب قارون من قبل حيث قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] والمسألة تحتمل جوابين.\nقال الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ [القصص:٧٨]، وهذا يؤيد القول الثاني: ﴿أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص:٧٨]، قال الله بعدها: ﴿وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨] وقد جاء في آيات أخر أنهم يسألون.\nوقلنا إن الجمع بينهما أن يقال: إنهم يسألون سؤال توبيخ وتقريع لا سؤال استفهام واستخبار؛ لأن الله جل وعلا مطلع عالم بما صنعوا لا تخفى عليه من عباده خافيه.\nبعد ذلك أعجبته نفسه لما رأى أنه قد انتصر على هؤلاء الذين وعظوه، والإنسان أحيانًا إذا تخلص ممن يعظه يزداد رتبة في الشر فيجنح إلى عمل أعظم، فلما رأى أنه أقنع الذين وعظوه أراد أن يقنع نفسه أنه على الحق فأمر خدمه وحشمه أن يخرجوا معه، قال الله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [القصص:٧٩].","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>أقسام الناس تجاه زينة قارون</span>\nكان ذلك وهم، هم في أرض التيه ضائعين، لكنه أراد أن يبين قدرته، قال الله عنه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص:٧٩] يعني: في أبهته وكمال ما آتاه الله، فرآه الناس فانقسم الناس فيه إلى فريقين: أهل علم يعرفون الله والدار الآخرة.\nوالفريق الثاني -وهو شأن أكثر الناس-: تعلقوا بالدنيا لما رأوا نموذجًا لها، قال الله جل وعلا: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩] أي: إنه محظوظ وذو نصيب عظيم ناله بما رأوا فيه، وهذا يحدث لنا جميعًا، فعندما يرى الإنسان من هو أكثر منه مالًا أو ولدًا أو جاهًا أو منصبًا أو يركب سيارة أفضل من سيارته أو غير ذلك فيقع في نفسه أن يكون مثل ذلك.\nوالذي يردع هذه النفس أن تتذكر أن النعم والفضل بيد الله، وأن الله لم يجعل الدنيا نعيمًا لأحد، ولا يعني أن من لم ينعم الله عليه أن الله غاضب عليه؛ لأن النبي ﷺ يقول: (إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا لمن يحب).\nقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [القصص:٨٠]، كلمة: العلم نور قد تكون كلمة مبتذله وكل الناس تقولها، لكن لا يمكن الزيادة عليها، فهؤلاء القوم العلم الذي في صدورهم جعل عليهم نورًا فقالوا كما قال الله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص:٨٠] أي: هذا الذي تبتغونه خير منه ثواب الله، وثواب الله لا يدرك إلا بالإيمان والعمل الصالح، ﴿وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠] أي: هذه المراتب العالية والمنازل الرفيعة والدرجات التي أعدها الله لخيار عباده من أعظم الطرق للوصول إليها: الصبر.\nوالصبر ينقسم إلى قسمين: صبر لله وصبر لغير الله.\nأما الثاني: فإن الإنسان إذا صبر لغير الله لابد أن ييئس؛ لأنه لا يوجد أحد قادر على أن يعطيك حتى يرضيك، ولذلك يدب إليك اليأس، فإذا دب إليك اليأس فررت من الشيء الذي أنت صابر من أجله.\nالحطيئة شاعر جاور أقوامًا يريد نوالهم وعطاءهم، فلما تأخروا عليه جاءه أبناء عمومة للأولين وطلبوه أن يرتحل إليهم؛ لأنه شاعر يريدون أن يشتروا لسانه، وكان كل مرة يتريث ويقول: لما بعد، فلما لم يجد خيرًا عند هؤلاء ارتحل، وعندما ارتحل أصبح الأولون يلومون الآخرين على أنهم أخذوه، وصار بينهم شجار فقال الحطيئة قصيدة طويلة منها: لما بدا لي منكم غيب أنفسكم ولم أر لجراحي منكم آسي آسي يعني: طبيب.\nأزمعت يأسا مبينًا من نوالكم ولن ترى طاردًا للحر كاليأس الحر لا يطرده شيء مثل اليأس، فاليأس يجعلك ترتحل من أي أحد تقف بين يديه طلب علم أو طلب مال أو طلب أي شيء، فمن صبر لغير الله لابد أن يدب إليه اليأس؛ لأنهم مخلوقون لابد أن يظهر عليهم الضعف.\nالصبر الثاني: صبر لله، فمن صبر لله فلن يدب إليه يأس؛ لأن الذي عند الله أمر مضمون، وأعظم مما في أيدي الخلق، بل لا مقارنه بينهما أصلًا، ولهذا قال الله لنبيه في أول الدعوة ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:٧]، فإن صبرت من أجلنا ستعان على الدعوة وإذا أعنت عليها لن يدب إليك اليأس، ولهذا قال المكلوم يعقوب ﵇: ﴿يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧].\nمن ازداد علمًا بالله لا يمكن أن يدب إليه اليأس مثقال ذرة، فإذا ضعف العلم بالله ﵎ يمكن أن يصل بعض اليأس إلى القلوب، جعلنا الله وإياكم ممن لا ييأس من رحمته ولا يقنط من روحه.","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>عاقبة قارون وأثرها على قوم موسى</span>\nقال الملأ من أهل العلم: ﴿وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠]، الآن كلا الفرقين قال قولته فبقي الفريقان ينتظران حكم أحكم الحاكمين، قال الله جل وعلا: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [القصص:٨١] أي: خسفنا به، واليوم لا يوجد زلزال أمتار مربعه، وإنما تعم المدن والقرى والهجر والمحافظات، لكن هذه معجزة لموسى وتكرمة لأهل العلم ونكالًا بـ قارون، فجعل الله الزلزال على قدر بيت قارون قال الله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص:٨١]، أما الدور المجاورة فلم يصلها شيء، وهذا لا يقدر عليه إلا الله.\nقال الله: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١]، فإن لم ينصره الله لن ينصره أحد ولو حاول أحد نصرته لباء بالفشل.\nالآن كشف الغطاء وظهر الجواب الإلهي والفصل الرباني فتغيرت الخطاب صار أهل الدنيا كأهل العلم.\nإن أهل العلم عرفوا القضية من بدايتها، أما أهل الدنيا فاحتاجوا إلى قرينة حتى يعرفوا فتأخر علمهم قال الله جل وعلا: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ﴾ [القصص:٨١ - ٨٢]، ليس أمس المباشر وإنما قبل بزمن، فقد كانت هناك فتره زمنيه حتى خسف به، فلهذا قال الله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ [القصص:٨١ - ٨٢].","vol":"2","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>فوائد حول قول الله (ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء)</span>\nقوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ [القصص:٨٢] الأظهر أنها معنى للتعجب.\nوقد اختلف النحويون في أصلها، فقال بعضهم: إن أصلها مكون من ثلاثة من: وي، وكاف الخطاب، و(أن) المصدرية أخت (إن).\nوقال بعضهم: إنها مكونه من أربع من: وي، وكاف الخطاب، والفعل أعلم، وأن المصدرية أخت إن المكسورة الهمزة، ممن قال بالثاني ثعلب والكسائي وأضرابهما من أئمة أهل الكوفة، وممن قال بالأول: الأخفش وقطرب.\nثمر على طالب العلم ثلاثة: الأخفش الكبير والأخفش الأوسط والأخفش الصغير.\nالأخفش الكبير أستاذ سيبويه، وإذا أطلق الأخفش يراد به تلميذ سيبويه.\nوقد مر معنا أن سيبويه تناظر مع الكسائي وخرج مغضبًا من بغداد إلى الأهواز في إيران الآن ومر على تلميذه الأخفش واسمه سعيد بن مسعده وأخبره بالقصة، والذي يظهر أن الأخفش تلميذ بار بـ سيبويه فغضب وحنق على أن شيخه غلب، فخرج إلى بغداد يريد أن ينتقم من الكسائي لكن: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان صلى الفجر في المسجد الذي يصلي فيه الكسائي، والكسائي إمام في اللغة وفي القرآن وفي القراءات فلما فرغت الصلاة أتى وهو مشحون، وكان الكسائي معظّم أمام طلابه مثل الفراء وغيره، فأخذ الأخفش يغلظ له في الأسئلة ويرد عليه ويجادله حتى هم طلاب الكسائي أن يضربوه، لكن الكسائي كان عاقلًا، ففهم من هذا وقال: إن لم يخب ظني فأنت الأخفش: سعيد بن مسعده قال: نعم، فقام الكسائي من محرابه وأقبل عليه وعانقه وضمه وأخذ يرحب به: أهلًا بطالب العلم أهلًا بالشيخ أهلًا بأهل الفضل، وأخذ يلاطفه ويكرمه، وكان الكسائي ذا جاه، وهكذا حتى استحالت الوحشة إلى محبة وجعله معلمًا لأولاده.\nوعند الخلاف بين البصريين والكوفيون يكون الأخفش في بعض المسائل مع الكوفيين؛ لأن الكسائي إمام أهل الكوفة فيميل معه من باب ما وجده من ملاطفة، فأكثر أهل البصرة -في آرائه- موافقًا لأهل الكوفة هو الأخفش للصنيع الذي صنعه معه الكسائي.\nوفي هذا تعليم لنا جميعًا كيف أن الإنسان يحول خصومه إلى أهل محبة.\nالثاني: قطرب، وقطرب أصلًا: دويبه تكد في النهار كثيرًا، وتعرفها العرب.\nكان سيبويه ﵀ يخرج في السحر قبل الأذان لصلاة الفجر، وكلما خرج يجد محمد بن المستنير عند الباب، وكان سيبويه في الثلاثين من عمره ومع هذا يطلب على يديه النحو، فكان محمد بن المستنير يخرج يسهر الليل كله ينتظر متى يخرج سيبويه يستفيد منه، ويسأله من البيت إلى المسجد، يفعل ذلك كل يوم، فقال سيبويه له: إنما أنت قطرب ليل يعني: القطرب في النهار، لكن أنت قطرب ليل، فلزق به الاسم، فأضاع الناس اسمه ولا يعرف بأنه أبو الحسن محمد بن المستنير، وسمي قطرب.\nالمهم أنه أخذ علمه عن سيبويه، وقطرب والأخفش هما اللذان قالا: إن (وَيْكَأَنَّ) مركبة من ثلاثة، هذه فوائد حول قول الله جل وعلا: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ [القصص:٨٢].\n«يَبْسُطُ» يعني: يعطي، «وَيَقْدِرُ» يعني: يضيق، قال الله ﵎: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر:١٥ - ١٦] يعني: ضيق، ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٦] لكن هذا جنس الإنسان أما المؤمن فإنه يرضى.\nفائدة: إذا ضيق عليك في الرزق فقل: حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله إنا إلى الله راغبون.\nوالدليل على ذلك أن الله قال في حق المنافقين: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩]، والرسول الآن قد مات فنقول: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩].\nوهذا تعليم من الله لعباده وأوليائه، جعلنا الله منهم.\nقال الله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]، وهذه مرت معنا وفصلنا فيها كثيرًا.\nهذا ما يتعلق بالأعلام الثلاثة فرعون وهامان وقارون.","vol":"2","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>عرفات</span>\nعرفات والمشعر الحرام ذكرهما الله جل وعلا في آية واحدة قال ربنا: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨].\nوعلى وجه التفصيل: هما مكانان مباركان متجاوران لا يفصل بينهما شيء إلا أن الفرق بينهما: أن عرفات من الحل والمشعر الحرام من الحرم، ولهذا قال الله: «الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ» ولم يقل عرفات الحرام، ويترتب على هذا أن أهل مكة أو من كان في مكة ويريد العمرة يحرم من الحل من خارج مكة، فلو أحرم من عرفات صح، ولو أحرم من مزدلفة لم يصح، ولو أحرم من أي مكان في عرفات أو غيرها من الحل جاز، لكن إن أحرم من مزدلفة لا يصح؛ لأن مزدلفة من الحرم هذا الفرق الأول.\nالفرق الثاني: الوقوف بعرفة ركن بإجماع العلماء، أما المبيت في مزدلفة فمختلف فيه، والأشهر أنه واجب عند جماهير العلماء.\nعرفة كل ليلة تنسب لصبيحتها إلا عشية عرفة تنسب ليومها فليلة العيد لا تسمى ليلة عيد، بل تسمى عشية عرفة؛ لأن الوقوف بعرفة يبدأ من زوال الشمس إلى طلوع فجر يوم العيد، فلو أن فجر يوم العيد الأضحى في عامنا هذا مثلًا يؤذن الساعة الخامسة وثلاثين دقيقة فمر إنسان على عرفة محرمًا يريد الحج الساعة الخامسة وتسع وعشرين دقيقة فقد أدرك الحج؛ (لأن عروة بن مضرس من حائل قدم على بغلته وأدرك النبي ﷺ في مزدلفة قال: يا نبي الله أتيتك من جبلي طي -وجبلي طي هما أجا وسلمى في حائل- أجهدت نفسي وأكللت راحلتي، ما تركت جبلًا إلا وقفت عليه، فقال ﷺ: من صلى معنا صلاتنا هذه -يعني: صلاة الفجر في مزدلفة- وكان قد وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجه وقضى نسكه) فحكم النبي ﷺ بصحة الحج لكل من مر على عرفة ولو ساعة من نهار، وهذا لا خلاف فيه.\nقال مالك ﵀: إن الإنسان إذا نفر من عرفة قبل الغروب -بمعنى أنه وقف بعد الزوال لكنه ذهب إلى مزدلفة قبل الغروب- فلا حج له، لكن قال ابن عبد البر ﵀وهو مالكي مشهور-: لم يوافق أحد من العلماء مالكًا في هذا فلا يعتد بهذا القول وإن قاله مالك والجمهور: على أن حجه صحيح لكن اختلفوا هل عليه دم أم لا؟ هذا ما سيأتي إن شاء الله في شرحنا لحديث جابر.\nهذا ما يتعلق بأحكام يوم عرفة.\nعرفات جاءت في القرآن بصيغة الجمع قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة:١٩٨]، والتنوين في عرفات يسميه النحويون تنوين المقابلة، أي: مقابلة النون في جمع المذكر السالم، وجاءت في الحديث مفردة قال ﷺ: (الحج عرفة)، وقال: (وقفت ههنا وعرفة كلها موقف).","vol":"2","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>سبب تسمية عرفة بهذا الاسم</span>\nبعض العلماء يقولون: من العرف، وهو الطيب، قال الله جل وعلا عن أهل جنته: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٦] ففي أحد أوجه التفسير يعني: طيبها لهم، وقالوا: سميت بعرفة؛ لأن آدم ﵇ أهبط بالهند وحواء أمنا ﵇ أهبطت في جده فالتقيا في عرفات فتعارفا فسميت عرفة.\nوقلنا: الرأي الأول، وبعض العلماء يقول: لا يوجد دليل صريح صحيح على سبب تسميتها بعرفة.\nقال بعض العلماء كـ ابن الجوزي في تحريك الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن، قال: إن القبضة التي قبضها الله جل وعلا من الأرض؛ ليخلق منها أبانا آدم كانت مخلوطة من عرفات، فقال: لهذا كل إنسان على الفطرة يجد في قلبه حنينًا إلى عرفات؛ لأن النفس تنزع إلى ما خلقت منه، والجسد يحن إلى الشيء الذي خلق منه، وهذا لا يوجد عليه دليل، لكن نقول: العقل يقبله ولا يوجد في الشرع ما يمنعه، لكن لا نستطيع أن نجزم به.","vol":"2","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>أسماء مزدلفة</span>\nمزدلفة لها ثلاثة أسماء: مزدلفة وهو الأشهر.\nوجمع لقوله ﷺ: (ووقفت ههنا وجمع كلها موقف).\nوتسمى المشعر الحرام وهو تسمية القرآن، قال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨].\nوالمشعر الحرام على وجه الخصوص جبل كان يسمى قزح، وهو الذي بني عليه المسجد الموجود الآن في مزدلفة والمكتوب عليه المشعر الحرام، وهذا هو عين المكان الذي وقف فيه النبي ﷺ والنبي صلى صلاة الفجر في مزدلفة في أول وقتها حتى يتفرغ للقيام، ثم وقف مستقبلًا القبلة يدعو تحقيقًا للآية: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨]، وهي سنة عظيمة تركها الكثير من الناس اليوم مع الازدحام، ومن كان معه نساء وذوات مرض وأشباه ذلك فلا بأس، لكن من حج مع شباب أو مع غير ذلك، فالأفضل بل يحسن أن يفرغ نفسه للوقوف في أي مكان من مزدلفة يستقبل القبلة ويذكر قول الله جل وعلا: «فَاذْكُرُوا اللهَ عِند َالمْشْعَرِ الْحَرَامِ» ويحرص على ذكر الله حتى يسفر الصبح جدًا أي: قبل طلوع الشمس، ثم ينفر إلى منى.\nهذان كما بينا عرفات والمشعر الحرام.","vol":"2","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>عرفات في الشعر العربي</span>\nوردت عرفات في الشعر العربي، وممن وردت في شعره عرفات قصيده لـ دعبل الخزاعي، ودعبل هذا كان شيعيًا يتشيع لآل البيت، وله تائية مشهورة جدًا قالها في مدح آل البيت، وهي التي بدأها: ذكرت محل الربع من عرفات والتي فيها: ديار علي والحسين وجعفر وحمزة والسجاد ذي الثفنات بنات زياد في القصور مصونة وآل رسول الله في الفلوات أرى فيئهم في غيرهم متقسمًا وأيديهم من فيئهم صفرات قصيدة طويلة أعطاه أحد آل البيت حلة لباس -يعني عباءة يلبسها- فلما دخل بغداد اقتتل الناس على الحلة التي يلبسها ثم مزقت ولم يبق له منها أي شيء افتتانًا بتلك العباءة؛ فالقوم منذ قديم الزمان العقل فيهم خفيف، والتقرب إلى الله يكون بما شرع الله وشرع رسوله ﷺ.\nوآل البيت ظلموا وهذا لا ينكره عاقل.\nوقد كنت يومًا في الرياض وجلست مع الشيخ: محمد بن حسن آل الشيخ -وفقه الله- عضو هيئة كبار العلماء وجده الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، فقال الشيخ في المجلس مقالة لطيفة في قضية علي ومعاوية: الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله تعالى عليه الذي يقول بأنه وهابي كان له بنت اسمها فاطمة وله أبناء أسماؤهم علي والحسن والحسين يرد على من يتهموه؛ لأن الرجل غفر الله له ورحمه إنما كان إمامًا مجددًا على هدي قويم وعلى سنة مستقيمة، ابنته فاطمة هذه كانت طالبة علم مثل أبيها فجلست تحدث النساء وسألوها عن علي ومعاوية فأجابت جوابًا علميًا، والحضور من بادية عاميات حيث لا يوجد في تلك الأيام مدارس، إحدى النساء ذهبت إلى بيتها وسألها أبوها: ماذا قالت بنت الشيخ عن علي ومعاوية؟ قالت: والله إن الحق مع علي ويشرهون على معاوية.\nوكلمة: يشرهون على معاوية معناها: يعاتبون، والمعاتبة تكون للحبيب، والشخص الذي تحبه تشره عليه أي: تعاتبه، أما الذي لا تتوقع منه خيرًا ولا تحبه فلا تشره عليه ولا تعاتبه، فـ فاطمة رحمة الله عليها شرحتها شرحًا علميًا، وفهم الناس أن معاوية وعلي كلاهما حبيب، وأن عليًا الحق معه، وأن معاوية ارتكب بعض الأخطاء، لكنه صحابي جليل.\nهذا الذي قالته الابنة الفاضلة، وهذه المرأة العامية فهمتها فهمًا صحيحًا، لكن لما ترجمتها ترجمتها بلغتها هي، ففهموا منها الناس أنه ليس هناك بغضًا لـ معاوية ﵁ وأرضاه، وإنما بيانًا للحق بطريقة معينة.\nالمقصود أن عرفات ذكرها الشعراء في شعرهم وذكرها شوقي في قصيدة طويلة قال: إلى عرفات الله يا خير زائر المهم أنها مكان عظيم، ومجمع عرفات من أعظم مجامع الدنيا، وهو مظنة الإجابة، فمن قدر له أن يحج إلى البيت فلا يتردد.\nالمقصود أن الحج عبادة عظيمة وعرفات ركن الحج الأعظم، والموقف فيها من أعظم مواقف الدنيا، والنبي ﷺ حث أمته على كثرة الدعاء فيها، ولهذا كان ﷺ غير صائم في يوم عرفة حتى يتمكن من عبادة الله، ووقف ﷺ يدعو ويرفع يديه حتى غاب قرص الشمس تمامًا، ثم أردف أسامه بن زيد وتوجه إلى مزدلفة وفي كل من عرفات ومزدلفة تجمع الصلاة، إلا أن الصلاة في عرفات تجمع جمع تقديم؛ ليتفرغ الناس للدعاء وتجمع في مزدلفة جمع تأخير؛ ليتفرغ الناس في النفرة، يعني: في الطريق، ثم بعد ذلك يستريح الناس وينامون حتى يستعدوا ليوم النحر، والذي سماه الله جل وعلا يوم الحج الأكبر.","vol":"2","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الصفا والمروة</span>\nمنى لم يذكرها الله جل وعلا باسمها الصريح في القرآن، وإنما ذكر الصفا والمروة، وهما جبلان يبعد بينهما مسافة معروفة، وقفت عليهما من قبل أمنا هاجر قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]، وسيأتي الحديث عنهما تفصيلًا في لقاء آخر.\nهذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله.\n﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢].","vol":"2","page":18},{"text":"سلسلة أعلام القرآن <span data-type=\"title\" id=toc-37>[لقمان، ذي القرنين، المسجد الأقصى]</span>\nاشتمل القرآن على علوم متنوعة، وقد ورد فيه أعلام كثيرة يستفاد من النظر فيما ذكر الله عنهم، ومنهم لقمان الحكيم وذو القرنين القائد العليم والمسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>من أعلام القرآن لقمان الحكيم ﵇</span>","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>نبذة تعريفية بلقمان الحكيم</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد: فمن أعلام القرآن لقمان ﵇.\nذهب عكرمة من السلف فيما يروى عنه إلى أن لقمان كان نبيًا.\nوالذي عليه أكثر العلماء أنه عبد صالح أحب الله فأحبه الله، وأعطاه الله جل وعلا الحكمة، والمشهور أنه عاش في زمن داود ﵇.\nقال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان:١٢] وهذا قسم من الرب ﵎ أنه أعطى هذا العبد الصالح الحكمة، وهي الصواب في الأقوال والأعمال، ومعرفة حقائق الأمور هذا مجمل ما يمكن أن يقال عن الحكمة.\nوالحكمة لها تعريفات عدة، وإنما تعرف بحسب قرائنها، فقول الله جل وعلا: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤] تفسّر الحكمة هنا بأنها السنة والوحي الذي ينزل على النبي ﷺ، لكن هذا التفسير غير مطرد في كل معنى للحكمة، وإنما بحسب القرائن فـ لقمان أعطاه الله جل وعلا الحكمة بنص القرآن، وجاء القرآن العظيم بسورة مكية كريمة سميت باسم هذا العبد الصالح؛ لأن الله جل وعلا ذكر قصته فيها، وقلنا إن أكثر العلماء على أنه غير نبي، وقال عكرمة والشعبي من السلف فيما ينقل عنهما: إنه نبي.\nوالتحرير العلمي للمسألة أن يقال: إن لقمان إحدى الشخصيات التي ذكرها القرآن واختلف الناس في نبوتها؛ وهذه الشخصيات هي: ذو القرنين، ولقمان، وحواء، ومريم، وتبع.\nفهذه أعلام ذكرها الله جل وعلا في كتابه بالخير؛ إلا أن العلماء اختلفوا في نبوتهم، وأكثر أهل العلم على التوقف، وقيل إن الراجح أنهم غير أنبياء.\nقال السيوطي ﵀ في منظومة له: واختلفت في خضرٍ أهل النقول قيل نبي أو ولي أو رسول لقمان ذي القرنين حوى مريم والوقف في الجميع رأي المُعظم معنى الكلام أن هذه الشخصيات اختلف الناس فيها هل هي أنبياء أو رسل أو أولياء؟ ثم قال السيوطي ﵀ في عجز البيت الثاني: والوقف في الجميع رأي المُعظمِ.\nأي الوقف والتوقف في الحكم هو رأي معظم العلماء، لكن هذا القول لا يسلّم للسيوطي؛ لأن التوقف حاصل في ذي القرنين؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا أدري أكان ذو القرنين نبيًا أم لا!) ولا ينبغي التوقف في مريم أو حواء؛ لأن الله لم يبعث نبيًا امرأة قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩].","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>وصايا لقمان لابنه تتضمن أصول الشريعة</span>\nذكر الله جل وعلا في سورة لقمان وصاياه لابنه، وليس المقام مقام تفسيرها، لكن جملة نقول: إن لقمان جمع في وصاياه أصول الشريعة الأربعة: الاعتقادات، وهذا في قوله: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان:١٣].\nوالأعمال في قوله: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [لقمان:١٧].\nوأدب المعاملة في قوله: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان:١٨].\nلقمان:١٩ والأدب مع النفس في قوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان:١٩] وقوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان:١٩]، وقوله: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩].\nوحُفِظ عن لقمان أقوال في غير القرآن، فـ لقمان شخصية حكيمة شهيرة؛ ولهذا خاطب الله القرشيين به لأنهم يعلمون به ويسمعون عنه، فهو شخصية حكيمة شهيرة معروفة لدى الأمم؛ ولهذا نزل القرآن بخبره وقصته، ومما حُفِظ عنه أنه قال: ثمان حفظتها عن الأنبياء: إذا كنت في الصلاة فاحفظ قلبك، وإن كنت في الطعام فاحفظ بطنك، وإذا كنت في بيت غيرك فاحفظ عينيك، وإذا كنت في الناس فاحفظ لسانك، واذكر اثنتين وانس اثنتين: اذكر الله، واذكر الموت -أي: لا تغفل عن ذكر الله ولا عن ذكر الموت- وانس إحسانك إلى الغير، وإساءة الغير إليك.\nونسيان الإساءة من الغير ونسيان الإحسان إليهم يندرج في باب المروءة والمروءة باب طويل جدًا، وقل ما يؤلف أحد فيه، وقديمًا ذكرت المروءة في بعض الكتب كعيون الأخبار لـ ابن قتيبة، وأشار إليها ابن عبد ربه في العقد الفريد، وقل ما أفردها أحد بكتاب، لكن أفردها في هذا العصر الشيخ مشهور بن حسن سلمان أحد تلامذة العلامة الألباني، وهو من كبار المؤلفين في العصر الحاضر، وهو رجل ذو علم كثير، له كتاب اسمه المروءة مطبوع مشهور فاقتناؤه لطلبة العلم ينفع كثيرًا، وللشيخ كذلك مؤلفات أخر، لكن هذا الذي يعنينا في مقامنا هذا.\nهذا ما أوصى به لقمان في وصاياه التي نقلت في غير القرآن، كما أن من وصاياه التي نقلت في غير القرآن أنه أوصى ابنه فقال: أي بني! إياك والتقنع -وهو ما يسميه العامة اليوم التلثم- فإنه مخوفة بالليل مذلة بالنهار، وفي بعض الروايات: ريبة في النهار.\nوقد روي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه رأى رجلًا متلثمًا مقنعًا فقال له: أما علمت أن لقمان يقول: إن التقنع ريبة بالنهار مخوفة بالليل، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن لقمان لم يكن عليه دين، وذلك أن ما جعله يتقنع ويتلثم خوفه من مطالبة الدائنين له، وهذا أمر ظاهر في الحياة الاجتماعية بين الناس.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>لقمان من الشاكرين لله تعالى</span>\nمما يمكن أن يقال عن لقمان أن الله جل وعلا قال عنه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان:١٢] فشكر الله ﵎ من أعظم استزادة النعم، بل إن شكر الله جل وعلا دلالة على حصول الإنسان على الحكمة؛ لأنه لا يمكن أن يوصف أحد غير شاكر بأنه حكيم، لأن رأس الحكمة مخافة الله.\nومخافة الله مبناها على شكره ﵎، وشكر الله جل وعلا قائم على قواعد منها: الخضوع له، والاعتراف له بالنعمة، ومحبته جل وعلا، والثناء عليه بها، وعدم استعمالها فيما يكره ويبغض ﵎.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>لقمان يوصي ابنه ألا يشرك بالله</span>\nمما ذكره الله جل وعلا عن لقمان أنه قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣].\nوالظلم وضع الشيء في غير موضعه، وعبادة غير الله من أعظم الظلم؛ لأنه وضع للشيء في غير موضعه، وهذه الآية يدخلها العلماء فيما يسمى بتفسير القرآن بالقرآن؛ لأن الله قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢].\nوالصحابة لما نزلت الآية فزعوا إلى النبي ﷺ قائلين: وأينا لم يخلط إيمانه بظلم؟ قال: (ليس الذي إليه تذهبون -أي: ظلم الناس- أما سمعتم قول العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]).\nفسّر النبي ﷺ الظلم الذي في سورة الأنعام بالظلم الذي في سورة لقمان، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن، وهو أرقى درجات التفسير؛ والشيخ الشنقيطي ﵀ سمى كتابه (أضاء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن)، ولهذا لم يفسِّر القرآن كاملًا؛ لأنه ليس كل آيات القرآن مفسرة بالقرآن، وهو قد التزم أن يفسر الآيات بالآيات من القرآن نفسه.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>بر الوالدين والفرق بين البر والمصاحبة بالمعروف</span>\nثم قال الله جل وعلا: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤].\nولا حاجة هنا للحديث عن بر الوالدين فهذا معروف، لكن قول لقمان: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥] هو موضع الشاهد.\nفهناك أربعة أمور: بِر ومودة في آن واحد، وهناك مصاحبة، وهناك مداهنة.\nالمودة لا تجوز إلا مع المؤمن، وأرقى منها البر لمن له حق، لكن المودة مخلوطة بمحبة، ولا تجوز إلا مع مؤمن أو مؤمنة؛ فإذا كان الطرف الثاني كافرًا لكن له حق كالأب أو الأم أو الأخت أو الخالة أو الجار فهذا التعامل معه يسمى مصاحبة؛ لأن الله قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥].\nوقوله: ﴿عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [لقمان:١٥] هذا قيد أغلبي لا مفهوم له؛ لأنه لا يوجد شرك فيه علم، ومثله في القرآن قول الله جل وعلا في آخر سورة المؤمنون: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون:١١٧] فلا يوجد إله غير الله معه برهان، وإنما هذا قيد أغلبي لا مفهوم له.\nالمقصود من الآية أنه إذا كان الكافر له حق كالجار أو كالوالد أو كالوالدة، كمن أمه نصرانية أو يهودية، فهو يصاحبها في الدنيا بالمعروف، كحديث العهد بالإسلام أو من أسلم من عائلة كافرة فتعامله مع أبويه يسمى مصاحبة، ويتأكد هذا في حق الوالدين، ثم يقل تدريجيًا فيمن له حق بعدهما، ولا يسمى بِرًّا ولا مودة؛ لأن البر والمودة يشترط فيهما المحبة، وإن كان البر جاء في تعبير القرآن فيما لا يشترط فيه المحبة، لكن إذا أطلق يراد به ما يشترط فيه المحبة.\nأما المداهنة: فهي التنازل عن أصل شرعي كالتنازل عن أمر عقدي، وهذا لا يجوز بأي حال من الأحوال، وهو الذي قال الله فيه: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩] وهو الممنوع شرعًا.\nقال الله جل وعلا في هذه الآيات: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤] هذا للرضيع، لما ذكر الله جل وعلا قضية الولادة ذكر أن فصال المولود في عامين، وقد فهم العلماء منها أن مدة الرضاعة أربعة وعشرون شهرًا، وقد قال الله في آية أخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥] فجمعوا بين الآيتين فاتضح أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ لأن أعلى الرضاعة سنتان: أربعة وعشرون شهرًا.","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>وصية لقمان بالصلاة وبأدب المعاملة وعدم رفع الصوت</span>\nثم ذكر الصلاة فقال: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧].\nثم بين الأشياء التي تتعلق بأدب المعاملة، فقال: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان:١٨].\nثم ذكر أمورًا تخصه فقال: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩].\nوهذه نقف عندها، وذلك أنه ينتشر في المجلات الإسلامية سؤال يُسأل به الطلاب في المراكز الصيفية وفي غيرها: ما الشيء الذي خلقه الله ثم أنكره؟ ثم يجعلون\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  صوت الحمار، وهذا غير صحيح؛ لأن معنى أن الله خلقه ثم أنكره أن الله يقول إنه لم يخلقه، وهذا محال لأن كل شيء مخلوق، والصواب أن يقال: ما الشيء الذي خلقه الله ووصفه بأنه منكر؟ وكلمة (إن أنكر الأصوات) ليست من المنكر الذي هو ضد المعروف، وإنما هو ضد الشيء المألوف، يعني: أنه مستوحش، مثال ذلك أن موسى ﵇ قال للخضر: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤] أي غير مقبول، وقال الله جل وعلا على لسان ذي القرنين: ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٨٧] أي: تستوحش منه النفوس، لا أنه ضد المعروف، فالذي ضد المعروف هو الأمر الحرام غير الجائز، أما النكر فهو غير المألوف الذي تستوحشه النفوس ولا تألفه الطباع، هذا هو المراد من هذه الآية الكريمة.\nهذا ما يتعلق بهذا العبد الصالح، ومن هنا تفهم أن أفضال الله جل وعلا ليست مقصورة على أحد، فليست وقفًا على أنبيائه ورسله، إنما هي فضل عام يعطيه الله جل وعلا من شاء متى شاء في كل عصر أو مصر.\nأما النبوة فقد انتهت، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] وتبقى أفضال الله جل وعلا على العباد بعطاياه ﵎ العلمية والمالية وغير ذلك، وأفضال الله لا تعد ولا تحصى؛ لكن لا يوجد وحي يخبرنا ببعض من تفضل الله جل وعلا عليهم.","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المسجد الأقصى من أعلام القرآن</span>","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>نبذة في التعريف بالمسجد الأقصى</span>\nالمدينة فيها أودية كثيرة، ومع ذلك لما أتى النبي ﷺ العقيق قال: (أتاني آت من ربي فأمرني أن أصلي ركعتين في هذا الوادي المبارك).\nفالنبي ﷺ سماه واديًا مباركًا، فوادي العقيق واد مبارك بخبر رسول الله ﷺ عن ربه، والمعنى أن الله جل وعلا يقدِّم من يشاء بفضله ويؤخر من يشاء بعدله، ولا يسأله مخلوق عن علة فعله، ولا يعترض عليه ذو عقل بعقله.\nفالمساجد التي من الله على الناس باصطفائها ثلاثة.\nوالمساجد تنسب لله جل وعلا تشريفًا، وتنسب لغير الله تعريفًا.\nفقد يسمى المسجد بمسجد السلام ليُعرَّف، ويفرَّق بالاسم يبنه وبين غيره من المساجد.\nلكن كل المساجد يقال لها: بيوت الله، فتضاف إلى الله جل وعلا تشريفًا، وتضاف إلى غيره تعريفًا، فقول الله في كتابه (المسجد الأقصى) هذا تعريف بالوصف؛ لأن كلمة (الأقصى) وصف لكلمة المسجد، وكلاهما معرف بأل.\nفالمسجد الأقصى أحد مساجد ثلاثة تشد إليها الرحال، بل بتعبير أوضح لا تشد الرحال إلا إليها: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، والمسجد النبوي.\nقال الله جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١] رغم أنه عندما نزلت هذه الآيات وهي مكية لم يكن النبي ﷺ قد هاجر إلى المدينة، فهذا يشعر أن ثمة مسجدًا سيكون بين مكة وبين المسجد الأقصى في بيت المقدس، وهو المسجد النبوي.\nوبالإسراء به إلى المسجد الأقصى أخذ المجد من أطرافه الثلاثة: فولد في مكة وبعث في مكة ليرث إبراهيم، وصلى بالمسجد الأقصى إمامًا ليرث جميع الأنبياء، وقد صلوا خلفه، وجاء في بعض الروايات أنه لما سلَّم رأى إخوانه من النبيين فقال لهم: (إن الله أمرني أن أسألكم: هل أرسلكم الله لتدعوا إلى أحد غيره؟ قالوا: إنما أرسلنا الله لندعو إليه)، قال الله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥] وفي قراءة و«يَعْبُدُون» والمعنى واحد.\nوالمقصود: أنه صلى بهم إمامًا ليرثهم في الأرض المقدسة، ثم خصه الله جل وعلا بهذه البلدة الطاهرة (المدينة النبوية)، فورث المجد من أطرافه الثلاثة صلوات الله وسلامه عليه.\nإن بيت المقدس أرض تختصم فيها الأديان السماوية الثلاثة: اليهودية والنصرانية والإسلام.\nوأريحا: هي البلدة التي أمر الله جل وعلا بني إسرائيل أن يدخلوها كقرية ويقولوا حطة، فحرفوا الكلم، وهي عند كثير من المؤرخين أقدم مدينة سكنت في العالم.\nموسى ﵇ هو الذي خرج ببني إسرائيل من أرض مصر إلى بيت المقدس، لكنهم امتنعوا من محاربة الجبّارين ودخول أريحا فحكم الله عليهم بأن يبقوا في التيه أربعين عامًا، فمات هارون ومات موسى بعده وبنو إسرائيل في أرض التيه.","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>فتح بيت المقدس ودخول المسجد الأقصى</span>\nوالذي دخل ببني إسرائيل الأرض المقدسة هو يوشع بن نون حيث بدأ حربه يوم الأحد وانتهى مساء الجمعة، واليهود تجعل يوم عيدها يوم السبت، ففي مساء الجمعة خاف أن الشمس تغيب قبل أن ينتهي من حربه فقال لها كما في الخبر الصحيح: (إنك مأمورة وإنني مأمور، اللهم احبسها عليّ) فبقيت الشمس وتأخر غروبها حتى فتح يوشع بن نون البلدة.\nبعد ذلك دخلت في ولاية المسلمين في عهد عمر بن الخطاب ﵁، ولم تكن أرض المقدس عندما دخلها عمر بيد اليهود إنما كانت بيد النصارى، وكانوا هم المسيطرين عليها والحاكمين لها.\nدخلها عمر بعد أن اشترط البطريق الذي كان يفاوض أبا عبيدة ألا يدخلها أحد قبل عمر، فخرج عمر على بعير له ومعه غلام له يتناوبان الطريق، كان عمر يركب حينًا ويركب غلامه حينا آخر حتى وصلوا إلى بيت المقدس، ووافقت النوبة بينهما أن يركب الغلام ولا يركب أمير المؤمنين، وكانا على أرض مخاضة -يعني: فيها طين- فنزل عمر وركب الغلام، وعمر يقود البعير وهو حامل نعليه حتى لا تتسخان بالطين، والنصارى على الشرفات والدور يرون أمير المؤمنين الذي تأتمر الجيوش -التي كانت تحاصر البلدة- بأمره وهو في المدينة، فلما قدم إليهم ظنوه سيأتي في موكب مهيب، فأتاهم ببعير له عليها غلامه، وهو يقود البعير ويرفع نعليه حتى لا تتسخان في الطين؛ فكانت هيبة عمر عند النصارى أعظم من هيبته لو جاءهم على آرائك أو جاءهم على مراكب غير ذلك.\nهذا يفهم منه أن قول الله جل وعلا: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء:٥] لا ينطبق على عمر؛ لأن عمر دخلها سلمًا، وفي بعض القصائد التي يقولها الإخوة الفلسطينيون يقولون: في القدس قد نطق الحجر أنا لا أريد سوى عمر ردًا على الصلح، وهذا لا يرد على الصلح، بل يجعل المسألة أعظم تعقيدًا؛ لأن عمر لم يدخلها حربًا.\nوفهم التاريخ يعينك على التصرف في الأحداث، فقد احتلها الصليبيون في الحملة الصليبية الأولى عام (٤٩٢) هجرية، ومكثوا فيها إلى عام (٥٨٣هـ)، ودخلها صلاح الدين ليلة ٢٧ رجب، وقد كان مشهورًا عند العلماء قديمًا أن ليلة ٢٧ رجب هي ليلة الإسراء والمعراج عند العلماء، فتأكد عند الناس بهذا الحدث أن ليلة ٢٧ من شهر رجب هي ليلة الإسراء والمعراج، رغم أن هذا لم يثبت بسند صحيح فيما نعلم عن النبي ﷺ؛ لكن أحيانًا تأتي أحداث تاريخية تؤكد أشياء موجودة في أذهان الناس.\nدخلها صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى فاتحًا محررًا لها من أيدي الصليبين، فالصليبيون الذين دخلوا بيت المقدس أذلوا المسلمين وأذلوا اليهود؛ لأن الصراع ما بين اليهودية والنصرانية صراع قديم، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة:١٤٥] ولئن توافقت مصالحهم في بعض العصور إلا أنها تبقى العداوة أزلية لا يمكن جمعها.\nبعد ذلك حدثت أحداث تاريخية شهيرة ليس هذا موطنها.","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>بريطانيا وإعطاء القدس لليهود</span>\nإن البريطانيين هم الذين مكنوا لليهود في بيت المقدس، وذلك فيما يسمى بوعد بلفور المشهور.\nالساسة الصهاينة قرءوا التاريخ جيدًا -كسياسة ليس كدين- والله قال: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [آل عمران:١١٢] ثم قيد فقال: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٢] فالحبل الذي مع الله أضاعوه بقتلهم الأنبياء وكفرهم، وبقي الحبل الذي مع الناس.\nفالساسة اليهود قرءوا أن قوة بريطانيا إلى أفول رغم أنها كانت بلدًا لا تغرب عن محمياته الشمس، فاتصلوا بالولايات المتحدة الأمريكية وأقاموا هناك أموالهم وسلطانهم حتى استطاعوا أن يصلوا إلى القدرة على التغيير في القرار الأمريكي، وجعلوا بريطانيا وراء ظهرهم رغم أن بريطانيا هي التي مكنت لهم؛ لكنهم نقلوا رحالهم إلى أمريكا -رغم أنهم كانوا منبوذين- حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه حاليًا.\nإن يوشع بن نون دخل القدس في ٦ أيام، وفي عام ١٩٤٨م دخلت القدس في حكم اليهود، وحرب (١٩٦٧م) كان مدتها ٦ أيام، وقد تعمد اليهود أن تكون الحرب ٦ أيام، وهي في الإذاعات العربية يقال لها: نكسة الخامس من يونيو حزيران، لكن في الإعلام الإسرائيلي يقولون: حرب الأيام الستة ليذكروا الشعوب اليهودية في إسرائيل وفي غيرها أن دولة إسرائيل قائمة على إرث عقدي يهودي تذكيرًا بما صنعه يوشع بن نون من قبل بأنه دخل الأرض المقدسة في ستة أيام.\nوقد أغلقوا باب الحرب بعد أن دخلوا سيناء والجولان، واحتلوا الضفة الغربية وما يسمى الآن بقطاع غزة، ودخلت القدس ضمن الحظيرة اليهودية.\nهذا إحدى المصطلحات التي ينبغي التنبه لها عند سماع الأحداث.\nوقعت حرب (١٩٧٣م) وهي حرب العاشر من رمضان، وحصل فيها نوع من التقدم، لكن لم يظفر المسلمون فيها بدخول المسجد الأقصى.","vol":"3","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>فضل الصلاة في المسجد الأقصى</span>\nإن المسجد الأقصى مسجد مبارك، والصلاة فيه بـ (٢٥٠) صلاة، والدليل على ذلك ما رواه الحاكم في المستدرك بسند صحيح من حديث أبي ذر: أن النبي ﷺ خرج على أصحابه وهم يتذاكرون: أيهما أفضل الصلاة في المسجد الأقصى أم الصلاة في المسجد النبوي؟ فقال ﷺ: (ولنعم المصلى هو، وصلاة في مسجدي هذا بأربع صلوات فيه) أي: في المسجد الأقصى.\nومعلوم أن الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، فيتحرر من هذا أن الصلاة في المسجد الأقصى بمائتين وخمسين صلاة.\nإن الاحتلال اليهودي للمسجد الأقصى أمر غير محمود لكنه الخيط الذي يجمع المسلمين اليوم عربًا وعجمًا، وكل من ينتسب للملة لا يمكن أن يختلف معك في أن أمنيته أن يصلي في المسجد الأقصى وقد حرر، وهذه نعمة من وجه آخر وإن كان احتلالهم له نقمة.\nعلى هذا يفهم أن من يحتج بقضية المهدي المنتظر لا يقبل احتجاجه؛ لأنه لو قلنا للناس: إن المسجد الأقصى لن يحرر إلا على يد المهدي المنتظر لثبطنا عزائم الناس ولمات الجهاد في الأمة، ولما بقي هناك أحد يعمل لإصلاح المجتمع، ولكان الناس كلهم ينتظرون المهدي المنتظر.\nفالذي أضر بالأمة هو أنهم ينتظرون الغيب المنشود وينسون الواقع المشهود، والغيب لا يعني أننا نترك ما نحن فيه، فالله جل وعلا أخبر الناس كلهم أنهم ميتون، وقال لنبيه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، وهذا غيب، ولكن لا يعني أن تذهب إلى الموت، بل عش حياة طبيعيه كما أمر الله حتى يأتيك الموت.\nفالمسجد الأقصى يفتح على يد المهدي أو على يد عيسى، أو على يد غيرهما، فهذا لا يخصنا فنحن مسئولون شرعًا عن هذا المسجد بأن نسلك الطرائق الشرعية، ونجمع ما بين الأسباب الكونية والأسباب الشرعية في الوصول إلى غاياتنا التي ننشدها، وإن قدر هذا على أيدي المسلمين المعاصرين اليوم كان خيرًا كثيرًا، وإن لم يقدر برئت الذمة ووقعت المعاذير، والأمر غيب ولا يقع إلا ما أراد الله وكتبه جل وعلا في الأزل.","vol":"3","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>من أعلام القرآن ذو القرنين</span>\nهناك كتاب ظهر لدكتور اسمه حمدي أبو زيد اسمه: فك أسرار ذي القرنين ويأجوج ومأجوج، والكتاب فيه فرضيات وأمور كبيرة جدًا، وحمدي أبو زيد مؤلف سعودي وعضو في مجلس الشورى، والكتاب مطبوع لمن أراد أن يتوسع.\nوسوف نتحدث عن ذي القرنين من جانب القرآن لا من جانب الفرضيات المعاصرة، فنقول: ذو القرنين عبد صالح، وهو أحد من اختلف فيهم كما ذكر السيوطي وغيره.\nقال الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف:٨٣] والسائل قريش بناء على إيعاز من اليهود.\nقال الله: ﴿قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٨٣] ومِن هذه تبعيضية، أي لن أقول لكم كل شيء عن ذي القرنين؛ لأن القرآن ما أنزل بهذا.\nواسمه ذو القرنين، وذو بمعنى صاحب، قال الله جل وعلا: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء:٨٧] أي وصاحب الحوت، وهذا الاسم جعل بعض المؤرخين يقول: إنه من اليمن؛ لأنه اشتهر في ملوكهم التسمية بكلمة ذو كذا، وقيل غير ذلك.\nواختلف في السبب الذي سمي من أجله ذا القرنين.\nفقيل: لأنه حكم المشرق والمغرب.\nوقيل: لأنه حكم فارس والروم.\nوقيل: كانت له ظفيرتان والقرآن سكت عن هذا، والبحث عنه نوع من التكلف، لكنه مضمار تجري فيه أقدام العلماء، والذي يعنينا في قضية ذي القرنين كمال عقليته.\nوكمال عقلية هذا الإنسان تظهر في أمور عدة: من أهمها أنه يختلف تصرفه باختلاف من أمامه، فـ ذو القرنين مر في حربه وغزواته على أمم، هذه الأمم تتفاوت في عقلها وقدرتها وعلمها، فكان تعامله معها يختلف من أمة إلى أمة كل بحسب عقله، قال الله جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف:٨٦] فبعض المؤلفين نظر من هذا الباب إلى أن ذا القرنين وصل إلى مغرب الشمس.\nوهذا غير لازم؛ لأن الله قال: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف:٨٦] فأسند الوجد إلى ذي القرنين ولم يسنده إلى الشمس، والمعنى أن كل إنسان يرى مغرب الشمس بحسب الحال التي هو فيها، فمن مكث في شاطئ البحر يرى الشمس تغيب في البحر، ومن مكث في صحراء نجد مثلًا يرى الشمس تغيب في الصحراء، ومن مكث في جبال الحجاز أو جبال تهامة يراها تغيب في الجبال فكل إنسان بحسب مكانه يرى مغيب الشمس، فقول الله جل وعلا: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف:٨٦] معناه أنه وصل إلى منطقه فيها عين حمئة يجد الشمس تغرب بعدها.\nويحتمل أنه وصل إلى مغرب الشمس لكن لا يلزم ذلك من الآية.\nقال تعالى: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف:٨٦] وهناك مثل عند العامة يقولون: لا يجوع الذئب ولا تفنى الغنم، فإذا كان الطلاب كلهم يطمعون أن ينجحهم المعلم فهو غير ناجح، وإن كان الطلاب كلهم يائسون من أن ينجحهم فهو معلم غير ناجح، لكن المعلم الموفق يكون الطلاب منه على خوف ورجاء.\nوالرجل في بيته إذا كانت الزوجة لا تخاف منه على كل حال أو ترجوه على كل حال لم يصب في قضية سياسته لبيته، فهنا قال الله جل وعلا عن هذا الملك الموفق: ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف:٨٦ - ٨٨] فيظهر أن هذه الأمة التي وصل إليها ذو القرنين تحتاج إلى هذا النوع من السياسة في الحكم.\nثم قال الله جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف:٩٠] ولم يذكر الله خبره معهم، قال: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف:٩١].\nثم ذكر الله أقوامًا فقال: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف:٩٣] يعني ليس لهم عقول فلما كانوا كذلك لهم عقول لم يعذب ولم يكافئ؛ ودلالة أنهم لا يفهمون أنهم قالوا: ﴿يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف:٩٤] وذلك أنهم يرون ملكًا عظيمًا قد ساد الدنيا وتنقل في الأمصار وحوله جيوش ومعه أموال ووزراء، والله يقول: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ﴾ [الكهف:٨٤] ثم يأتي هؤلاء الضعفاء ويقولون له: إذا فصلت بيننا وبين يأجوج ومأجوج فسوف نعطيك أجرًا، ولا يعقل أن يقبل ملك كهذا من هؤلاء الضعفاء أجرًا، ولهذا قال الله: ﴿لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف:٩٣].\nفأجابهم ذو القرنين: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف:٩٥] يعني ما أنا فيه خير، ولا أريد منكم أموالًا.\nولما كانوا ليس لهم عقول وظفهم في الخدمة؛ لأن القوة البدنية لا تحتاج إلى عقل، قال: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف:٩٥] ولذلك فإن بعض القطاعات في بعض الدول يختارون نوعية من الحرس الذي يضرب فقط ولا يفهم ولا يستطيع الناس أن يفهموه، بل يكون مسيرًا ينفذ الأوامر بلا تعقل.\nوفي عهد بني أمية في أيام الصراع بين عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير ﵄: جاء عبد الملك لرجل فأعطاه أموالًا وقال له: اقتل ابن الزبير، قال: إذا قتلنا ابن الزبير سوف تنفرد في الملك، وابن الزبير يموت شهيدًا، وأنا لم أحصل على شيء لا ملك في الدنيا ولا شهادة للآخرة، بل ألقى الله وأنا قاتل نفس.\nولست بقاتل رجلًا يُصلي على سُلطان آخر من قريشِ له سُلطانه وعليَّ إثمي معاذ الله من جهل وطيشِ فـ ذو القرنين قال الله جل وعلا عنه: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ﴾ [الكهف:٨٤]، وهذا التمكين شيء من الله يعطيه من يشاء، وإذا أراد الله بعبد خيرًا سخّر له خلقه، قال الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] وإذا أراد الله بعبد سوءًا قتله بأقرب أنصاره إليه.\nهذا الذي يمكن أن يستفاد من حديث ذي القرنين عمومًا.\nهذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده وأعان الله على قوله.\nسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.","vol":"3","page":14},{"text":"سلسلة أعلام القرآن <span data-type=\"title\" id=toc-51>[يوم الجمعة، طالوت وجالوت، أبو لهب، مكة المكرمة]</span>\nمن الأعلام التي وردت في القرآن يوم الجمعة، وهو يوم يجتمع فيه المسلمون لصلاة الجمعة في المسجد ولسماع خطبتها، ولهذا اليوم من الخصائص والمميزات ما تجعله عيدًا في كل أسبوع.\nكذلك جاء ذكر طالوت وجالوت، وهما علمان على رجل من أهل الإيمان ورجل من أهل الكفر والطغيان، قاد طالوت جيش الإيمان وقاد جالوت جيش الكفر والطغيان.\nومن الأعلام الواردة في القرآن كذلك أبو لهب المتوعد بنار ذات لهب، ومكة المكرمة، الأرض المطهرة والبقعة الطيبة.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>ذكر يوم الجمعة وما جاء فيها</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين أما بعد: فهذا بحمد الله وتوفيقه اللقاء الثالث حول أعلام القرآن.\nوقد سبق التأكيد على أن هذه اللقاءات تعنى بأعلام قرآنيه ذكرها الله جل وعلا في كتابه إما مدحًا وإما ذمًا، ونعرج عليها إلمامًا تاريخيًا ومعرفيًا قدر المستطاع ولا نطيل في أي من تلكم الأعلام؛ لأن الأعلام كثيرة ونحاول قدر الإمكان أن نأتي على أكثر الأعلام التي أوردها الله جل وعلا في كتابه، وقد مر معنا ذكر جبريل ﵇، والكوثر، ويوم الفرقان، وقارون، وفرعون، وهامان، وعرفات والمشعر الحرام، وغيرها من الأعلام التي تكلمنا عنها لمامًا وسراعًا ما أمكن إلى ذلك سبيلا.\nقال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩].\nفيوم الجمعة علم على يوم كان يسمى قبل الإسلام بيوم العروبة، ثم سمي في الإسلام بيوم الجمعة بنص القرآن كما في السورة التي سميت بهذه الآية، وهي سورة الجمعة.\nأول جمعة أقيمت في الإسلام أقامها أسعد بن زرارة وكنيته أبو أمامة ﵁ وأرضاه، أقامها قبل وصوله ﷺ إلى المدينة بفترة، حيث جمع أسعد بن زرارة ﵁ وأرضاه المسلمين وصلى بهم صلاة الجمعة، وأقام لهم غداء.\nفكان حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه وأرضاه ممن حضر تلك الجمعة، فلما كبر حسان كان ابنه عبد الرحمن هو الذي يقوده؛ لأنه كان قد عمي في آخر عمره، فكان حسان إذا دخل المسجد ومعه ابنه يقوده وأذن لصلاة الجمعة بين يدي الإمام يترحم حسان على أبي أمامة ويقول: اللهم صل على أبي أمامة، اللهم اغفر له.\nويدعو له، فيسمعه ابنه عبد الرحمن ويتعجب.\nثم تكرر هذا الموقف مرارًا من حسان، فقال عبد الرحمن ﵁ في نفسه: إن هذا بي لعجز، يعني: ما الذي يمنعني أن أسأل أبي لماذا يترحم على أبي أمامة كلما أذن لصلاة الجمعة؟ فسأله فقال: يا بني! إن أول من صلى بنا الجمعة هو أبو أمامة ﵁ وأرضاه.\nقلنا: كان يسمى هذا اليوم في الجاهلية يوم العروبة، والله جل وعلا أنبأ الأمم التي قبلنا أن هناك يومًا عظيمًا مفضلًا عنده ﷻ، فالأمم سعت في معرفة ذلك اليوم، فزعمت اليهود أنه السبت، فهم إلى اليوم يعظمون يوم السبت، وذهبت النصارى إلى أنه يوم الأحد، فاليهود أخذوها على أنهم يرون أن الله انتهى من خلقه يوم الجمعة واستراح يوم السبت -تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا- والنصارى تزعم أن الأحد أول أيام الأسبوع، فلذلك ترى أنه هو اليوم الذي اختاره الله واصطفاه، قال ﷺ: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا)، أي: أعطوا الكتاب من قبلنا، وضلوا عن هذين اليومين، فنحن وإن تأخرنا ظهورًا إلا أننا أعلم بهذا اليوم منهم لما علمه الله رسوله ﷺ.\nالمشهور عند أهل العلم أن أول جمعة صلاها النبي ﷺ كانت بعد خروجه من قباء إلى المدينة؛ لأنه ﵊ نزل قباء في أول الأمر، فالمشهور المنقول عن ابن إسحاق أنه ﷺ صلى الجمعة في المسجد المعروف اليوم بمسجد الجمعة، لكن لا يوجد دليل صريح فيما نعلم يدل على هذا، وهذا هو المشهور المستفيض.\nقال النبي ﷺ عن يوم الجمعة: (فيه خلق آدم) ولهذا قال العلماء: إنه سمي يوم الجمعة؛ لأنه جمع فيه خلق آدم (وفيه تقوم الساعة)، أي: يوم الجمعة.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>ما يستحب في يوم الجمعة</span>\nويسن في يوم الجمعة أمور عدة: قراءة سورة آلم تنزيل السجدة والإنسان في فجرها، وقراءة سورة الكهف في يومها، وكثرة الصلاة على النبي ﷺ فيه.\nوهذا ولله الحمد أمر مستفيض بين المسلمين، وكذلك أئمة الحرمين وغيرهم من أئمة المساجد يحرصون على قراءة: ﴿آلم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:١ - ٢] وسورة الإنسان في فجر يوم الجمعة.\nويكثر الإمام في الصلاة من قراءة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وسورة الغاشية، ومن دلالة محافظته ﷺ على هذا أنه صلى بالناس يوم الجمعة فقرأ فيهما بسبح والغاشية، ثم كان ﵊ في ذلك اليوم قد وافق عيدًا فقرأ في الفجر بسبح والغاشية، مما يدل على أن لسبح والغاشية حكمة لا نعلمها، وإلا لما كان النبي ﷺ يقرأ في فجر العيد بسبح والغاشية، ثم يجتمع مع الناس في نفس اليوم الجمعة فيصلي بهم ﷺ ويقرأ بسبح والغاشية، فينبغي على الأئمة قدر الإمكان أن يحرصوا على عدم تركها، نعم يقرأ بغيرها أحيانًا ليبين للناس أنها ليست بواجبة لكن لا يكثر من ذلك؛ لأن اتباع السنة أولى.\nويوم الجمعة فيه ساعة لا يدعو فيها رجل مسلم إلا استجاب الله جل وعلا له فيها، واختلف العلماء ﵏ في تحديدها، لكن نقول جملة: هي ساعة مخفية، وقد قال بعض العلماء: إنها من حين أن يرقى الإمام المنبر إلى آخر وقت صلاة العصر.\nوقال بعضهم: إلى أن تنتهي الصلاة.\nوقال آخرون من العلماء: إنها آخر ساعة من يوم الجمعة أي: قبل الغروب، وكل له دليله، هذا الموطن ليس موطن ترجيحات فقهية، وإنما هو إلمام بأعلام القرآن.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>حكم صلاة الجمعة وخطبتها</span>\nصلاة الجمعة واجبة ليست بدلًا عن الظهر، وإنما الظهر بدل عنها لمن فاتته صلاة الجمعة.\nواختلف أهل العلم فيمن لم يدرك الركوع الثاني مع الإمام في صلاة الجمعة، فمعظم العلماء يقولون: إنه إن لم يدرك الركوع الثاني مع الإمام فاتته الجمعة، فيكملها ظهرًا.\nونحن لا نرى دليلًا قويًا على هذه المسألة، وهناك آراء لبعض الأئمة أنه يصليها جمعة ركعتين؛ لأنه دخل بهذه النية.\nالنبي ﷺ كان يخطب قبلها خطبتين يجلس بينهما، وكان يخطب قبل أن يتخذ المنبر متكئًا على عصا، ويروى أنه بعد أن اتخذ المنبر لم يتكئ على شيء، وكان إذا خطب احمرت عيناه ووجنتاه ﷺ كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم.\nوكانت خطبته كلمات يسيرات قليلات لا يطيل فيهن، ويجعلها للمواعظ وللرقائق؛ لأن الجمعة يحضرها سائر المسلمين، وليست محاضرة معنونًا لها يحضرها من يريدها، لكن في هذا العصر خرجت الجمعة عن نطاقها الشرعي، فمن خلالها يقول الخطيب آراءه السياسية أو آراءه الفكرية، ومعلوم قطعًا أن آراء الخطيب الفكرية والسياسية تحتمل الصواب والخطأ على حسب علمه بالسياسة وحسب قدراته الفكرية.\nلكن قال الله قال رسوله هذا لا يحتمل صوابًا ولا خطأ، والناس الحاضرون لا يأخذون ويعطون معك ولا يناقشونك، إنما يريدون شيئًا يرقق قلوبهم.\nصلاة الجمعة يحضرها العامل يحضرها المسلم الأمي يحضرها الفقير يحضرها الغني يحضرها العالم يحضرها سائر الناس، فإخراجها عن مراد الله ورسوله هو الذي جعل الناس تكثر فيهم قسوة القلوب؛ لأنهم لا يجدون وقتًا يسمعون فيه الخطيب إلا يوم الجمعة، فإذا جاء يوم الجمعة أخرجهم الخطيب عما يريدون وذكر لهم آراء سياسية أو فكرية أو قضايا لا تعنيهم، أو حتى إذا كانت تعنيهم لا يملكون فيها حولًا ولا قوة، فيذهب أهل الثقافة يناقشون رأي الإمام، ورأي الإمام رأي فكري، وقد يكون هذا الإمام رجلًا تقيًا عالمًا فقهيًا يملك ترقيق القلوب لكنه لا يفقه شيئًا في الأمور الفكرية أو السياسة، فيتكلم في أمور قد يكون قوله فيها صوابًا وقد يكون قوله خطأ، وليس عامة المسلمين محل تجربه، وليس هذا موطن الحديث عن مثل هذه الأمور.\nتقول أم هشام بنت الحارث ﵂ وأرضاها: (ما حفظت سورة ق إلا من النبي ﷺ من كثرة ما يقرأ بها في صلاة الجمعة)، فسورة (ق) معروف فيها ذكر بدء الخلق، والموت، وإتيان الموقف العظيم، وازدلاف الجنة، وبعد النار، وما إلى ذلك، حتى يكون في ذلك ترقيق لقلوب الناس، أما تلك الأمور فلها مواطنها يتكلم فيها أهل العلم، لكن في لقاءات فكرية، وفي مجالس ثقافية، وفي محاضرات يعلن عنها بهذا الاسم، لكن ينبغي أن يكون المقصود الأسمى لكل خطيب ألا يخرج الناس عن الوعظ ليجعلهم يذكرون بلاغة الخطيب أو فصاحته أو علمه أو قدراته أو آراءه أو عظمته الفكرية، فهذا كله غير مقصود شرعًا.\nالمقصود الأساسي: أن يخرج الناس وقد ازدادوا إيمانًا بالله وتعلقًا به وتعظيمًا له جل شأنه.\nوإذا استطاع الإمام أن يصل بالناس إلى هذا المستوى فقد وفق في خطبة الجمعة.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>سبب نزول قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة)</span>\nقال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، هذه الآية يمكن الكلام عنها من وجهين: الوجه الأول: أنها نزلت خصوصًا في قافلة أتت من الشام قادها دحية الكلبي ﵁ وأرضاه، فانصرف الناس عن الجمعة -والظاهر أن هذا كان في أول الإسلام- يبتغون تلك الأموال فأنزل الله تلك الآية.\nالوجه الثاني: أن يوم الجمعة يوم يجتمع الناس فيه، فقال الله جل وعلا: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، تذكرة بأمر أعظم وهو أنه سيأتي يوم عظيم يجتمع الناس فيه وهو يوم المعاد، وهذا اليوم نعته الله جل وعلا بقوله: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]، فيترك الإنسان البيع في الدنيا ويلجأ إلى الله في مثل هذا اليوم العظيم تذكرة لنفسه باليوم الذي يغدو الناس فيه بين يدي رب العالمين، والإنسان لا بد أن يكون له باعث من نفسه.\nوما عاتب الحر الكريم كنفسه والمرء يصلحه الجليس الصالح لا بد أن يكون في الإنسان ناصح من نفسه، فإذا خرج الناس من أي جامع تقام فيه صلاة الجمعة أشتاتًا إلى أماكن عدة تذكر الواحد أنه سيأتي يوم ينصرفون فيه من أرض المعاد، لكنهم لا ينصرفون إلى أمكنة متفرقة، وإنما ينصرفون إلى دارين، قال الله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧].\nفكلما خرجت من الجامع الذي تصلي فيه الجمعة فتمن بهذا العمل أن تنصرف يوم القيامة إلى رياض جنته، فالمؤمل أن الإنسان يحتسب العمل، ويوظف نفسه للطاعة، ويحتسب الأجر، ويتذكر أيام الله جل وعلا، ويربط بين ما كلفه الله به شرعًا في الدنيا وما كلفه به في الآخرة.","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>يوم الجمعة ويوم القيامة</span>\nقال ﷺ: (إن يوم القيامة يكون في يوم جمعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة تنتظر النفخ في الصور يوم الجمعة).\nفالخلائق سوى الثقلين تعلم أن يوم الجمعة هو اليوم الذي تقوم فيه الساعة، وتدرك أن هذا اليوم يوم جمعة، وإلا فلن تصيخ آذانها وهي لا تعرف أن هذا اليوم يوم جمعة.\nمن الله على أمة محمد ﷺ بأن هداها ليوم الجمعة، فالأمم قبلنا حاولوا أن يصلوا إليه لكن لسوء طويتهم وغلبة شقوتهم ضلوا عن طريق الحق، فذهبت اليهود إلى أنه يوم السبت، والنصارى إلى أنه يوم الأحد، وأنت ترى في الغرب اليوم أن يومي الإجازة عندهم هما يوما السبت والأحد، وعندنا يوم الجمعة.\nوقد وقفنا على أثر يدل على أن عمر ﵁ وأرضاه هو أول من جعل للناس يومًا يستريحون فيه غير يوم الجمعة، وقلنا: إن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه ترك المدينة وذهب إلى الشام ليأخذ مفاتيح بيت المقدس، ويستلم بيت المقدس صلحًا، فلما عاد استقبله أهل المدينة ولم تجر له عادة أنه يكثر الغياب عن المدينة، فقد كان يهاب أن يخرج منها، ومعلوم أنه كان يقول: اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك وميتة في بلد رسولك ﷺ.\nفلما قدم استقبله الغلمان فأحب أن يكافئهم، فقال لهم ﵁ وأرضاه: إما أن أعطيكم أعطيات حلوى أو دنانير أو دراهم أو شيئًا ترضون به، وإما أن أعطيكم يومًا بدل من الكتاتيب، فقال الغلمان: نريد يومًا ليس فيه كتاتيب، فالناس يحبون أن يخرجوا عن المألوف، ويحبون أن يجدوا لهم راحة.\nهذا ما يمكن أن يقال عن يوم الجمعة.","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>طالوت وجالوت</span>\nوهنا علمان على شخصين أحدهما كافر والآخر مؤمن، وهما طالوت وجالوت.\nذكرهما الله جل وعلا في سورة البقرة، ولم يكرر ذكرهما في أي سورة أخرى، والله ﵎ أحيانًا يريد أن ينبه على الأشخاص وأحيانًا يريد أن ينبه على الأحداث، فإذا أراد أن ينبه على الأحداث أغفل ذكر الأشخاص ولو كانوا عظماء، وإذا أراد أن ينبه على الشخص ذكر الشخص ولو لم يكن عظيمًا، وإذا أراد أن ينبه على الأمرين ذكر الله جل وعلا الشخص والحدث.\nهنا قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ [البقرة:٢٤٦]، قوله (لنبي) نكرة، ولم يذكر اسم ذلك النبي؛ لأنه ليس المقصود حوار أولئك القوم مع ذلك النبي، وإنما المقصود الحدث التاريخي.\nبنو إسرائيل مكثوا في أرض التيه (٤٠) عامًا، وخلال هذه الأربعين مات هارون ثم مات موسى، ثم عهد موسى بأمر النبوة من بعده إلى يوشع بن نون فتاه، ثم مكثوا سنين طويلة، وخلال هذه السنين الطويلة كان العماليق يحاربون بني إسرائيل ويتعرضون لهم، فكان الإنهاك والقتل في بني إسرائيل أكثر، فلما شعر بنو إسرائيل بالضعف لجئوا إلى نبي لهم قيل: إن اسمه: شمعون وقيل إن اسمه: شوميل، وقيل إن هذين الاسمين لرجل واحد، وهو الأظهر.\nفسألوه أن يبعث الله لهم ملكًا يقودهم؛ لأن الناس لا يمكن أن يجاهدوا أو يحاربوا أو يسوسوا أمرهم بدون شخص يأتمرون به، فهذا أمر خلاف العقل.\nفبنو إسرائيل أرادوا ملكًا يقودهم في الجهاد: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٦]، وهذا النبي شوميل أو شمعون كان قد اعتزلهم لما رأى من عصيانهم، وذلك أنه أخذ عليهم المواثيق أنه إذا كتب عليهم القتال أن يقاتلوا، فقالوا: نعم، بل استغربوا وقالوا: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة:٢٤٦]، فلما كتب الله عليهم القتال نكصوا، فأخبرهم نبيهم أن الله قد بعث لهم طالوت ملكًا، فاعترضوا بأن هذا الملك لم يكن من السبط الذين فيهم الملك، ولم يكن من السبط الذين فيهم النبوة، ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة:٢٤٧]، ولا يمكن أن يوجد ملك بدون عصبة.\nأما العصبة التي كانت مع طالوت فهي أن الله جل وعلا هو الذي اختاره وكفى بها عصبة، لكن في زماننا هذا لا يوجد وحي من الله: أن الله اختار فلانًا! فلا بد من عصبة يقوم بها الملك.\nوالمقصود: أن نبيهم أخبرهم إن الله قد بعث لهم طالوت ملكا، ً وأخبرهم بذلك حتى يلين قلوبهم لأمر الله وطاعته، وآتاه بسطة في العلم والجسم، أي: علم عام بالشرع، وعلم بالحروب، وكانت الحروب آنذاك تعتمد اعتمادًا كليًا على القوة الجسمية، وقوله جل وعلا: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧]، فيه رد على قولهم: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة:٢٤٧].\nوبعد أخذ وعطاء أذعنوا، وذلك بعد أن أخبرهم نبيهم أن ثمة آيات أعطاها الله جل وعلا لـ طالوت، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٤٨]، والتابوت والسكينة تحدث العلماء عنها من جوانب عديدة، لكن لا يوجد شيء يعتمد عليه ممكن أن ينقل، وكلها أقاويل منقولة عن مسلمة أهل الكتاب، ولا يدرى صحيحها من سقيمها أو قويها من ضعيفها.\nلكن نقول جملة: إن الله جل وعلا أعطى طالوت قرائن لا يستطيع معها بنو إسرائيل أن يردوا ملكه منها: تابوت ينصرون به، وهيئة هذا التابوت لا نعلمها.\nأما السكينة فقد تكون بمعناها العربي المعروف وهي الطمأنينة، وقد يكون غير ذلك، كما قيل: إنها ريح، وقيل: إنها طائر، وقيل غير ذلك.\nقال تعالى: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة:٢٤٨]، قيل: عصا موسى وعصا هارون ورضاض من الألواح التي كتبت فيها التوراة لموسى، وهذا محتمل، لكنني لا أجزم به.\nأخذ طالوت الجيش يعبر بهم نهر الأردن لمقابلة العمالقة الذين يقودهم جالوت.\nفالدنيا قائمة على الامتحان وكلما ابتلى الله الإنسان بشيء وفاز فيه يبتليه بشيء آخر، وهذه سنة الله جل وعلا في خلقه، والله يقول: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣].\nكان جيش طالوت (٨٠٠٠٠)، ذهب ليحارب بهم فمر على نهر وقال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩].\nفقسمهم ثلاثة أصناف: قوم سيشربون، وقوم لن يشربوا أبدًا، وقوم يذوقون؛ لأن (يطعم) تأتي في اللغة بمعنى: يذوق، ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩].\nفالذين لم يشربوا بالكلية قطعًا سيكونون في الجيش، والذين سيغرفون غرفة باليد ممكن أن يقبلوا، وأما الذين شربوا من النهر واغترفوا غرفًا كثيرًا فهؤلاء لا مكان لهم في جند طالوت.\nوهذه تقاس على الدنيا، فالدنيا مثل النهر الذي اعترض بني إسرائيل، فمن شرب منه بالكلية لا مكان له في الآخرة، ومن أخذ شيئًا بالمقدار الذي يبلغه إلى الله سيصل للآخرة، ومن لم يشرب منه أبدًا سيصل، لكن الأوسط أفضل؛ لأنه هدي الأنبياء.","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>حكايتان في الابتلاء والافتتان بالدنيا</span>\nيقولون في الأمثال الدارجة: إن رجلًا فقيرًا رأى امرأة حسناء، فقال لها: أريد أن أتزوجك، فوافقت، وهو غير مصدق أنها ستقبله، فأخذها إلى المأذون ففتن بها المأذون فعرض عليها نفسه، فأقبلت عليه وتركت الفقير.\nفذهب الفقير فاشتكى المأذون إلى القاضي، فلما أحضر الثلاثة فتن القاضي بها أعظم من فتنة المأذون، فطلبها لنفسه، فذهب المأذون والفقير يشكوان القاضي إلى الوالي، فقال الوالي: أين هذا القاضي الذي يراد به الخير فيجبل الناس على الشر؟ فلما رآها الأمير ازداد بها فتنة وطلبها لنفسه.\nفذهبوا إلى العامة حتى يستعينوا بهم على الأمير، فكل رجل من العامة أخذ يطلبها لنفسه، ففرت من أمامهم وهي تقول: أنا الدنيا؛ الكل يطلبني ولست مكتوبة لأحد! إن هذه هي الدنيا لا يوجد أحد إلا ويتعلق بها، وهي تفر من الجميع، فكلما أتعبت نفسك وراءها ابتعدت، وإن تركتها ستأتيك وهي راغمة، وإن جريت وراءها فلن تنال منها إلا ما كتب لك.\nكان رجل من الصالحين مسافرًا على ناقة فيها خطام، فأدركته الصلاة وقد خرج الناس، فأراد أن يصلي في مسجد لكنه خاف على الناقة، فنادى غلامًا وقال له: اقبض لي الناقة حتى أصلي ركعتين وأعود، فدخل يصلي، فأخذ الغلام الخطام وشرد به، فخرج الرجل ووجد الناقة ولم يجد الخطام ولم يجد الغلام، فعرف أنه سرقه، وقبل أن يخرج الرجل من المسجد أخرج دينارين، ليكافئ بهما ذلك الغلام، فلما وجد الناقة بدون خطام رد الدينارين في جيبه، وذهب إلى السوق ليشتري خطامًا، فوجد نفس الخطام عند أحد الباعة واشتراه بدينارين وأخذ الخطام، فقال الرجل: لا إله إلا الله، سبحان الله، والله أكبر، يأبى ابن آدم إلا أن يستعجل الرزق.\nقال: لو صبر لأخذ الدينارين حلالًا، لكنه استعجل وأخذهما حرامًا، وهذا هو سوء الظن برب العالمين ﷻ.","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>تكملة قصة جالوت</span>\nكان جيش طالوت (٨٠٠٠٠) فما بقي أحد لم يشرب إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، وهؤلاء هم عدد أصحاب محمد ﷺ في يوم بدر.\nأقبلوا على جالوت وجنوده، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ [البقرة:٢٥٠]، ولما نجحوا في اختبار النهر كان حريًا بهم أن ينجحوا في اختبار جالوت؛ لأن اختبار النهر مقدمة لما قبله.\nكان في الجيش رجل يقال له: أبشي والد داود ﵇ وعنده عشرة من الولد، جاء بسبعة منهم إلى المعركة، أصغرهم داود ﵊، وكان معه المقلاع، والمقلاع مثل الجلد، طويل، يوضع فيه حجر يرمى به.\nيقال في بعض الروايات -ولا أجزم-: كان داود وهو ذاهب إلى المعركة يناديه الحجر يقول: خذني يا داود تقتل بي عدو الله، فرد الحجر الأول، ورد الحجر الثاني، وأخذ الحجر الثالث أو الرابع معه، فلما أخذه معه برز جالوت كالعادة، وفر الناس منه، واستأذن داود طالوت فلم يأذن له لقصر قامته وصغر سنه، ثم أذن له بعد إلحاحه، فضرب داود جالوت بمقلاعه فقتله، قال الله في محكم التنزيل: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ [البقرة:٢٥١]، وقد سبق أن أسباط بني إسرائيل انقسموا فسبط كان لهم الملك وسبط كان لهم النبوة، وإكرامًا من الله لداود جمع الله جل وعلا له ما فرقه في السبطين، قال الله جل وعلا: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٥١]، فجمع الله لداود الملك والنبوة ﵊.\nمن هنا نعلم أن طالوت وجالوت علمان أحدهما لمؤمن وهو طالوت والآخر لكافر وهو جالوت.","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>أول ملك في الإسلام</span>\nأول ملوك المسلمين هو معاوية، قيل للإمام أحمد ﵀: أكان معاوية خليفة؟ قال: لا، إنما كان ملكًا من ملوك المسلمين، وقد اتفق الناس على أن معاوية رضي الله تعالى عنه هو أول ملوك المسلمين.\nوهكذا الأمور تجري بقدر الله، فأمه هند بنت عتبة مكثت مدة تحارب الدين ثم هداها الله للإسلام، وقبل أبي سفيان والد معاوية كانت متزوجة من رجل يقال له: الفاكه بن المغيرة، وكان الفاكه بن المغيرة كريمًا، فكان يضع خباء بجوار بيته يدخله الناس من غير استئذان، فذات يوم كان الفاكه مع هند زوجته ثم قام لبعض شأنه، فجاء ضيف ودخل المجلس ولم يجد الفاكه فرأى هندًا دون أن تراه وفر هاربًا.\nفقابله الفاكه وهو عائد، فظن أنه كان على علاقة مع زوجته هند بنت عتبة، فدخل عليها فضربها وسألها عن الرجل وهي تحلف أنها لم تر شيئًا، وشاع هذا في مكة قبل الإسلام، وفي مجتمع جاهلي كان يحرص على الشهامة والعرض، فأخذها أبوها عتبة لوحدها وقال لها: يا بنيتي إن كان ما قاله الفاكه حقًا فأخبريني وسوف أدس له من يقتله فينتهي الموضوع، وإن كان كاذبًا في دعواه فأخبريني فأنا أحتكم إلى كهان العرب، فقالت: فحلفت له بما كانوا يحلفون به من أصنام الجاهلية أنه ما حصل شيء، فصدقها أبوها، فلما صدقها ذهب إلى الفاكه وقال له: إنك رميت ابنتي بأمر سوء، فلنحتكم أنا وأنت إلى أحد كهان العرب، فوفد الفاكه من بني مخزوم، وعتبة بن أبي ربيعة من بني عبد مناف، وأخذت هند معها نسوة يسلينها في الطريق حتى وصلوا إلى أحد كهان اليمن، وقبل أن يصلوا إلى الكاهن تغير وجه هند، فخاف أبوها أن تكون قد تراجعت فسألها فقالت: يا أبتاه والله إن الأمر كما أخبرتك لكننا نفد على رجل يكذب أو يصدق، فاختبر أبو سفيان الكاهن قبل أن يعرض عليه القضية، فنجح في الاختبار، بعد ذلك عرضت عليه النساء وفيهن هند فكان هذا الكاهن يمشي يضرب النساء حتى وصل إلى هند فقال: انهضي لا رسحاء ولا زانية ولتلدن ملكًا يقال له: معاوية، ففرح الفاكه وتشبث بها فرمته من يدها وقالت: والله لن يكون منك، يعني: الولد، فلما رجعوا إلى مكة تزوجها أبو سفيان بن حرب فبقيت في نفسها مقولة الكاهن فولدت معاوية، وكان أبوه أبو سفيان يقول: إن ابني هذا سيصبح ملكًا، فتقول هند: ثكلته إن لم يملك العرب والعجم، فحكم معاوية حتى ملك العرب والعجم، وعمِّر ﵁ وأرضاه حتى بلغ من العمر ٧٧ سنة، حتى كان آخر أيامه يخطب قاعدًا؛ لأنه كثر لحمه واشتهر بحلمه.\nجاء أحد ملوك العرب إلى المدينة وأسلم عند النبي ﷺ، وكان النبي ﵊ يعامل الناس على قدر منازلهم خاصة حديثي العهد بالإسلام، وكان هذا الملك زعيمًا في قبيلته، قال النبي ﵊ لـ معاوية: خذه إلى بيت فلان! يعني: يستريح في بيت فلان! ومعاوية في تلك الأيام كان من المسلمين المتأخرين ولم يكن له صيت، فلما دخل معاوية، قال للرجل: أردفني وكان الجو حارًا، قال: أنت من أرداف الملوك؟ قال: لا، قال: ابق مكانك، قال معاوية: أعطني نعلًا، فقال على أنفة العرب: لا أعطيك، يكفيك أن تستظل بظل الناقة، قال: اجعل وطاءك على الظل ولا حاجة للنعال، يقول معاوية: أخذته وأنا حافي القدمين، والشمس حارة حتى أوصلته كما أراد النبي ﷺ.\nومرت الأيام حتى حكم معاوية ودخل هذا الرجل على أنه أحد الرعية على معاوية، فأكرمه معاوية وأعطاه، وكان معاوية حليمًا.\nموضع الشاهد: أن الإنسان لا يدري أين يضع الله جل وعلا أمره في الخلق.\nوالمقصود: أن طالوت وجالوت علمان من أعلام القرآن أحدهما لأحد المؤمنين وهو طالوت، والآخر لأحد الكفار وهو جالوت.","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>أبو لهب</span>\nالعلم الثالث: أبو لهب، وهو الوحيد الذي كني في القرآن، قال السيوطي في الإتقان: لا يوجد أحد ذكر بكنيته في القرآن إلا أبو لهب، وهو أحد أعمام النبي ﷺ.\nوهنا نذكر فوائد متعددة قبل أن نشرع في الكلام عن أبي لهب.\nالنبي ﵊ كان له عشرة أعمام وعدة عمات، واختلف الناس في ضبطهن فقيل: أربع وقيل غيرها.\nمن العمات: صفية وهي أم الزبير بن العوام، ومن عمات النبي ﷺ عاتكة وهي التي مر معنا في يوم الفرقان أنها رأت الرؤيا، وعاتكة اسم تكرر كثيرًا في نسب النبي ﷺ، وقلنا: إن تسعًا من النساء يدلين في النسب الشريف اسمهن عاتكة، منهن ثلاث من قبيلة سليم، الذين هم من أجداد النبي ﷺ وجداته، ولهذا قال ﷺ يوم حنين مفتخرًا: (أنا ابن العواتك من سليم)، عواتك: جمع عاتكة.\nوله عمة يقال لها: أروى، ولكن اختلف هل ثبتت أم لم تثبت، فلا يوجد كثير أخبار عن عماته.\nأما أعمامه فعشرة، أدرك الإسلام منهم أربعة: العباس، وأبو طالب، وحمزة، وأبو لهب، أسلم حمزة والعباس، وكنية حمزة: أبو عمارة، وكنية العباس: أبو الفضل، وعبد العزى كنيته: أبو لهب واسمه: عبد العزى، وإنما لقب بـ أبي لهب؛ لأنه كان جميلًا جدًا، وكانت وجنتاه تشرقان كاللهب.\nوالرابع أبو طالب واسمه: عبد مناف، وأبو طالب، وأبو لهب كلاهما لم يسلما إلا أن أبا طالب كان ينصر النبي ﷺ ويقول: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا ونصرته للنبي ﷺ ظاهرة، إلا أنه مات على الكفر، وبعض الناس في عصرنا يجعل من قضية موت أبي طالب فرصة للقدح في الناس، فيقول: إن أبا طالب مات على الإسلام، وإن قلنا: إنه يوجد من العلماء من قال بذلك.\nلكن هذا يقول: إن الذين لا يقولون بأن أبا طالب مات على الإسلام يبغضون النبي ﷺ، وهذه تهمة عظيمة للناس، فلا يوجد مؤمن يبغض النبي ﷺ، حيث لا يجتمع إيمان مع بغض النبي صلوات الله وسلامه عليه، لكن نقول: إن النصوص التي بين أيدينا تدل على أن أبا طالب مات على الكفر، وهذا أمر ظاهر، ونحن لسنا أرحم برسول الله من الله جل وعلا الذي اختار أن يموت أبو طالب على الكفر.\nلما أنزل الله جل وعلا على نبيه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]، وقف ﷺ على الصفا فنادى في قريش: يا صباحاه، ثم بين لهم ما أنذر به، وكان المفترض أن يكون عمه أبو لهب أول الناس نصرة له، أو على الأقل يسكت كما سكت أبو طالب، لكنه قال له -والناس حاضرون-: تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا، وانصرف، فتفرق الناس مع أبي لهب، وكانت له زوجه يقال لها: أم جميل تؤذي النبي ﷺ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]، تبت بمعنى: خابت، وخسرت، وهلكت.\nوهذه الآيات من أعظم إعجاز القرآن؛ لأن الله أخبر فيها أن أبا لهب سيكون مصيره إلى النار، ومع ذلك لم يسلم أبو لهب لا ظاهرًا ولا باطنًا، ولم يستطع أن يقول ولو كذبًا: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، ومات شر موتة.\nكانت لـ أبي لهب جارية اسمها: ثويبة، ولما ولد النبي ﷺ جاءته ثويبة تخبره أن آمنة زوجة أخيه عبد الله ولدت غلامًا، ففرح أبو لهب وأعتقها، فلما مات رآه العباس بن عبد المطلب في المنام فسأله: ما فعل الله بك؟ قال: لم أر بعدكم إلا شرًا، إلا أنه في كل يوم اثنين يخفف عني بأنني أسقى من هذا الموضع مابين الإبهام والسبابه؛ لأني أعتقت ثويبة جاريتي لما بشرتني بمولد محمد ﷺ.\nفانظر كرامة رسول الله ﷺ عند ربه، فإن الله أمر أن يخاطب صنوف المدعوين، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ [الأنعام:١٥]، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ [يونس:١٠٤]، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ [الزمر:٥٣]، لكن الله جل وعلا يعلم نبيه الأدب فما قال الله لنبيه: قل يا أبا لهب، بل خاطب أبا لهب مباشرة ونحى نبيه جانبًا؛ حتى لا يقال: إن محمدًا يسيء الأدب مع عمه؛ لأن العم صنو الأب وحق الأب عظيم، ولهذا فإن من كرامة الله لنبيه أن أباه مات وهو صغير؛ حتى لا يبقى لأحد حق عليه ﷺ، ولو قدر أن والديه عاشا كافرين فإنه يبقى لهما حق كما كان حق والد إبراهيم على إبراهيم، لكنه ﷺ عاش يتيم الأبوين؛ حتى لا يبقى لأحد عليه فضل، اللهم إلا عمه العباس، وكان النبي ﷺ يعظم العباس ويجله، وورث أبو بكر وعمر عن النبي ﷺ تعظيمه لعمه العباس، وكان عمر ﵁ يستسقي بـ العباس عم النبي ﷺ، وإذا دخل فرش له بجواره وأجلسه؛ لأنه عم النبي ﷺ.\nموضع الشاهد قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]، حيث تكفل الله بالجواب والرد على أبي لهب ولم يكن للنبي ﷺ وسيله في الخطاب.\nإن أبا لهب لما نازع الله وحاربه قال الله جل وعلا له ذلك، ولم تنفعه قرابته من رسول الله ﷺ، وعلى هذا ينبغي أن يُعلم أن الله جل وعلا عزيز فلا ينبغي لأحد أن يقع في قلبه السخرية من آيات الله أو رسله، أو يحاول أن ينازع الله جل وعلا في شيء.\nكان هناك رجل اسمه: محمد بن زكريا الرازي الطبيب تلي عليه قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك:٣٠]، فقال: تأتي به الفؤوس والمعاول.\nفأذهب الله جل وعلا في ساعته ماء عينيه، فبقي حياته كلها أعمى.\nفالله جل وعلا يقول في ذاته العلية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ [إبراهيم:٤٧].\nوالمؤمن الحق يراقب الله جل وعلا في كل شيء حتى لو وقعت منه المعصية -ولا يسلم من المعاصي أحد- فلتقع منه وهو منكسر خائف، يخشى الله ويخشى عذابه، هذا هو المؤمن، وقد شبهه النبي ﷺ بالفرس المعقود في مكان ما، فمهما ذهب يعود إلى نفس مربطه والمكان الذي فيه حبله.\nأما منازعة الله فهي عين الوبال ومحل السفال، قيل للإمام أحمد ﵀: أطلبت هذا العلم لله؟ قال: الله عزيز، لا أستطيع أن أقول هذا، إنما أقول: هو شيء حببه الله إلي فصنعته.\nولم يقل: إنني طلبت هذا العلم لله.\nهذه فائدة من هذه القصة، وهي أن الإنسان يراقب الله جلا وعلا، ولا يتكل على شيء من أمور الدنيا.","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>مكة المكرمة</span>\nقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦]، بكة بمعنى: مكة، وهي علم على مكان كما هو معلوم.\nذكر الله جل وعلا في القرآن المدينة وسيأتي الخبر عنها، وذكر مكة بالباء، وبعض العلماء يقول: جرت لغة العرب أن الباء تحل بدل من الميم، يقولون: طين لازب بالباء ويقولون: طين لازم بالميم، وقال بعض العلماء: إن بكة اسم للموضع الذي فيه البيت، وقال آخرون: بكة اسم للمسجد، والصحيح إن شاء الله أن بكة اسم لمكة كلها.","vol":"4","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>خصائص مكة المكرمة</span>\nومن خصائصها: أن الله جل وعلا حرمها يوم خلق السموات والأرض، وهذا من أعظم دلائل اصطفاء الله لتلك البقعة، قال ﷺ: (إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض)، ولم يحلها جل وعلا لأحد من الخلق إلا لنبيه ﷺ ساعة من نهار، وذلك في يوم الفتح، ولما انتهى الفتح ردها الله جل وعلا حرامًا.\nولهذا قال ﷺ: (فمن أخبركم أن النبي قاتل فيها فأخبروه أن الله أحلها لنبيه ساعة من نهار).\nالأمر الثاني: حرمها رسول الله ﷺ في خبره عن الله أنه لا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها ولا تأخذ لقطتها إلا لمعرف، فالإنسان إذا رأى أي شيئًا في مكة يتركه على ما هو عليه.\nمن عظمتها عند الله أن الله جل وعلا أنه لم يبحها لأي أحد من الجبابرة عبر التاريخ كله، ولذلك حبس عنها الفيل.\nورأى النبي ﷺ كرامة الله له فقال: (إن الله حبس الفيل على مكة وسلط عليها محمدًا وأصحابه)، ولما بركت القصواء وقال الصحابة: خلأت القصواء قال ﷺ: (والله ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل).\nوأهل الفيل قدموا بالفيل يريدون مكة، وهم أبرهة وجيشه، وكانوا نصارى أهل كتاب، وكان القرشيون وثنيين، ومع ذلك نصر الله الوثنيين على أهل الكتاب لكرامة مكة، وإلا فالأصل أن أهل الكتاب أقرب إلى الملة من الوثنيين، كما في آية: ﴿آلم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم:١ - ٢]، لكن الله جل وعلا حبس الفيل عن مكة، فأينما يوجه يتوجه إلا إلى الكعبة فلا يستطيع، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل:١ - ٢]، وكلمة ضل في اللغة تأتي على ثلاث معان: تأتي ضد الهداية العامة التي هي هداية الإيمان، وهذا أكثر استعمال القرآن، ومنه قول الله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، وتأتي بمعنى: عدم إصابة هدف محدد، ومنه قول أبناء يعقوب عن أبيهم: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٨]، لا يقصدون أن أباهم كان كافرًا؛ لأنهم لو قالوا هذا لكفروا، لكنهم يقصدون أن أباهم ما أصاب الصواب في حبه ليوسف.\nوتأتي بمعنى: اضمحل وأصبح هباء، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل:٢]، وقوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة:١٠]، أي: إذا ذبنا واضمحللنا في الأرض وذهبنا هباء منثورا هل سنعاد؟ المقصود: أن الله سلط عليهم الطير، وقد قلنا في درس سابق: إن الأصل في الطير أنه مصدر أمان فلا يوجد أحد يخوف بالطير، فلما أرادوا هدم أعظم مكان آمن وهو الكعبة سلط الله عليهم الخوف من حيث لا يحتسبون، فأظلتهم الطير وهم يعتقدون أنهم في أمن، إذ ليست ريحًا يخوفون بها، ولا كواسر وسباع ضواري تأكلهم، فلما اطمئوا بعث الله جل وعلا عليهم حجارة من سجيل.\nجعل الله جل وعلا في مكة بيته الحرام وهو أول بيت وضع للناس، ولا يوجد في الشرع بيت يطاف حوله إلا البيت العتيق، وسمي بالعتيق لأن الله جل وعلا أعتقه من الجبابرة أن يصلوا إليه.\nأخبر ﷺ أن هذا البيت لا يسلط عليه كافر إلى قيام الساعة، ولهذا فإن الحملات الصليبية دخلت بيت المقدس ووصلت إلى أطراف الجزيرة واقتحمت الشام مع فضل الشام وما جاء فيه، لكن لم تستطع أي حملة صليبية أن تصل إلى مكة، ولن تستطيع إلى قيام الساعة؛ لأن مكة بيضة الإسلام، والنبي ﷺ أخذ عهدًا من ربه ألا يسلط على المسلمين من يستبيح بيضتهم فأعطاه الله جل وعلا هذا العهد، فلو جلبت أمم الأرض من أقطارها على أن يدخلوها فلن يستطيعوا أن يدخلوها إلى أن يؤذن بقيام الساعة فيأتيها ذو السويقتين من أرض الحبشة يهدمها ويقلعها حجرًا حجرًا، ويستخرج كنوزها أي: الكعبة.\nوبعد ذلك لا يطاف بالبيت، ولا يبقى على الأرض مسلم، ثم على هؤلاء وهم شرار الخلق تقوم الساعة.\nجعل الله جل وعلا في مكة بيته، وجعل شعائر عظمى منها المشعر الحرام، ومنى، والصفا، والمروة، ومقام إبراهيم كما قال الله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧].\nمنع الله شرعًا أن يدخلها الكفار، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]، فلا يحل لأحد أن يدخل رجلًا مشركًا أيًا كان -كتابيًا أو غيره- إلى مكة، بخلاف المدينة فلا يوجد دليل شرعي على أن الكفار يمنعون من دخولها، لكن هذا رأي رآه ولاة الأمر وفقهم الله، وهو ألا يدخلها أحد غير المسلمين، والأمر إليهم، وإلا فلا يوجد مانع شرعي يمنع دخول أهل الكفر إلى المدينة؛ لأن أبا لؤلؤة المجوسي كان عابد نار وقتل عمر ﵁ وكان يعمل حدادًا داخل المدينة، وعمر ﵁ لما بلغه أنا أبا لؤلؤة هو الذي قتله كان يعرف أنه مجوسي فقال: الحمد لله الذي لم يجعل موتي على يد مسلم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨].\nجعل الله من خصائصها: أن الصلاة في مسجدها بمائة ألف صلاة ولا يوجد هذا إلا في المسجد الحرام، وجمهور العلماء على أن الصلاة في أي موطن في مكة بمائة ألف صلاة حتى في البيوت لأهل الأعذار، وأما المدينة فالصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة فقط، وذلك دون الصلاة في أي مكان خارج المسجد، فخارج المسجد لا تحسب الصلاة بألف صلاة، واختلف الناس في ساحات المسجد الموجود الآن، والصواب أن الصلاة في ساحات المسجد بألف؛ لأن الفقهاء من الحنابلة يقولون: إن رحبة المسجد -أي: المحيطة به- لا تخلو من أحد حالين: إما أن تكون مسورة ولها أبواب فتلحق حكمًا بالمسجد، وإن لم تكن مسورة وليس لها أبواب فلا تلحق بالمسجد.\nوالساحات التي حول الحرم النبوي مسورة ولها أبواب، فالصواب أنها تلحق حكمًا بالمسجد، لكن من أتى إليها فليدخل المسجد، فإذا ازدحمت صلى في الساحات كما يصلي الناس التراويح والأعياد في الساحات.\nأما السيئة فالمشهور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن السيئة في مكة بمائة ألف، لكن أكثر أهل العلم على خلاف هذا؛ لأن الله قال في آيات محكمات: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، فلا يرد محكم القرآن برأي ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، لكن السيئة فيها التغليظ كيفًا لا كمًا، أي: لا يكثر عددها، لكن قد تغلظ كيفًا كما أخبر النبي ﷺ أن الزنا بحليلة الجار أعظم من الزنا بامرأة أخرى، وإن كان الكل حرامًا.\nالمقصود من هذا: أن مكة بلد الله الحرام الذي عظمه الله جل وعلا يوم خلق السموات والأرض.\nهذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده، والله المستعان وعليه البلاغ وصلى الله على محمد وعلى آله.","vol":"4","page":13}]}