{"ً":{"ٌ":37777,"ٍ":"شرح العقيدة الطحاوية - يوسف الغفيص","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: شرح الطحاوية\nالمؤلف: يوسف بن محمد علي الغفيص\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ٣١ درسا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2362,"ٕ":1,"ٖ":1770155895,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12","13","14","15","16","17","18","19","20","21","22","23","24","25","26","27","28","29","30","31"],"ٚ":[{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [١]","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة شرح العقيدة الطحاوية","level":2,"page":2},{"title":"المقدمة الأولى: عقيدة الإمام أبي حنيفة","level":3,"page":3},{"title":"المقدمة الثانية: عقيدة الإمام الطحاوي","level":3,"page":4},{"title":"المقدمة الثالثة: تقييم رسالة (العقيدة الطحاوية)","level":3,"page":5},{"title":"سبب تسمية أهل السنة والجماعة بهذا الاسم","level":2,"page":6},{"title":"ظهور البدع في تاريخ الإسلام","level":2,"page":7},{"title":"منزلة توحيد الألوهية عند المتكلمين","level":2,"page":8},{"title":"السبب في إفراد توحيد الأسماء والصفات","level":2,"page":9},{"title":"تفسير: (واحد لا شريك له) عند السلف وعند المتكلمين","level":2,"page":10},{"title":"التفصيل في الإثبات والإجمال في النفي","level":2,"page":11},{"title":"السبب في عدم تفصيل النفي في القرآن","level":3,"page":12},{"title":"طريقة المتكلمين في النفي والإثبات","level":3,"page":13},{"title":"نفي التمثيل عن الله تعالى من جميع الوجوه","level":3,"page":14},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [٢]","level":1,"page":15},{"title":"عموم قدرة الله تعالى","level":2,"page":16},{"title":"معنى شهادة أن لا إله إلا الله","level":2,"page":17},{"title":"حكم إطلاق لفظ (القديم) على الله تعالى","level":2,"page":18},{"title":"آخرية الله ﷿","level":2,"page":19},{"title":"تنزيه الله تعالى عن الفناء والعدم","level":2,"page":20},{"title":"مقام الإخبار عن الله أوسع من مقام الوصف والتسمية","level":2,"page":21},{"title":"أقسام إرادة الله تعالى","level":2,"page":22},{"title":"تنزيه الله عن فروض الذهن وتصوراته","level":2,"page":23},{"title":"نفي التمثيل أولى من نفي التشبيه","level":2,"page":24},{"title":"التفصيل في معنى: (الحاجة) المنفية عن الله","level":2,"page":25},{"title":"عموم رزق الله لخلقه","level":2,"page":26},{"title":"حقيقة الموت عند أهل السنة وغيرهم","level":2,"page":27},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [٣]","level":1,"page":28},{"title":"تقرير الأسماء والصفات لله جل وعلا","level":2,"page":29},{"title":"من هم الجهمية؟","level":2,"page":30},{"title":"الفرق بين المعتزلة والجهمية","level":2,"page":31},{"title":"ظهور المشبهة","level":2,"page":32},{"title":"ظهور الكلابية والأشعرية والماتريدية","level":2,"page":33},{"title":"عقيدة أبي الحسن الأشعري","level":3,"page":34},{"title":"أسباب التباس مذهب الأشعري","level":3,"page":35},{"title":"عقيدة الماتريدي والفرق بينه وبين الأشعري","level":3,"page":36},{"title":"تحول الرافضة من التشبيه إلى الاعتزال","level":2,"page":37},{"title":"ظهور الكرامية المجسمة","level":2,"page":38},{"title":"قدم الصفات والأفعال","level":2,"page":39},{"title":"خلاصة المذاهب في قدم الأفعال والصفات","level":3,"page":40},{"title":"الكلام على تسلسل الحوادث","level":3,"page":41},{"title":"تجدد الصفات والأفعال","level":3,"page":42},{"title":"قدم أسماء الله وصفاته سبحانه","level":3,"page":43},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [٤]","level":1,"page":44},{"title":"عموم قدرة الله تعالى","level":2,"page":45},{"title":"أصلان مهمان في باب الأسماء والصفات","level":2,"page":46},{"title":"أصول القدر عند أهل السنة والجماعة","level":2,"page":47},{"title":"الأصل الأول: عموم علم الرب تعالى","level":3,"page":48},{"title":"الأصل الثاني: الكتابة","level":3,"page":49},{"title":"الأصل الثالث: عموم خلق الله تعالى","level":3,"page":50},{"title":"الأصل الرابع: الإيمان بعموم مشيئة الله تعالى","level":3,"page":51},{"title":"الأصل الخامس: أن للعباد مشيئة حقيقية","level":3,"page":52},{"title":"الأصل السادس: إثبات الحكمة في أفعال الله","level":3,"page":53},{"title":"الأصل السابع: عدم التعارض بين الشرع والقدر","level":3,"page":54},{"title":"أقوال الفرق الأخرى في الأصول السبعة للقدر","level":2,"page":55},{"title":"مذهب المعتزلة القدرية في خلق أفعال العباد","level":3,"page":56},{"title":"الفرق بين القدرية المتكلمة والقدرية الرواة","level":3,"page":57},{"title":"المخالفون في مشيئة الله","level":3,"page":58},{"title":"المخالفون في إثبات المشيئة للعبد","level":3,"page":59},{"title":"تنبيه حول رجوع الجويني عن مذهب الأشعرية في القدر","level":3,"page":60},{"title":"المخالفون في إثبات الحكمة لله تعالى","level":3,"page":61},{"title":"المخالفون في الجمع بين الشرع والقدر","level":3,"page":62},{"title":"الكلام على حال أبي إسماعيل الهروي","level":2,"page":63},{"title":"حكم التكفير دون إقامة الحجة على من لا شبهة له","level":2,"page":64},{"title":"منازعة المعتزلة في هداية التوفيق","level":2,"page":65},{"title":"تقدير الآجال والزيادة فيها","level":2,"page":66},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [٥]","level":1,"page":67},{"title":"مسائل النبوة وشهادة أن محمدا رسول الله","level":2,"page":68},{"title":"الخلاف فيمن نطق إحدى الشهادتين دون الأخرى","level":3,"page":69},{"title":"قول الفلاسفة في النبوة","level":3,"page":70},{"title":"الخلاف بين أهل السنة والمتكلمين في دليل النبوة","level":3,"page":71},{"title":"إثبات كرامات الأولياء وحقيقة السحر","level":2,"page":72},{"title":"الفرق بين آيات الأنبياء وكرامات الأولياء وخوارق المشعوذين","level":3,"page":73},{"title":"حكم السحر","level":3,"page":74},{"title":"الفرق بين النبي والرسول","level":2,"page":75},{"title":"ختم النبوة بمحمد ﷺ","level":2,"page":76},{"title":"تفضيل النبي ﷺ على سائر الأنبياء","level":2,"page":77},{"title":"ثبوت الخلة والمحبة للنبي ﷺ","level":2,"page":78},{"title":"عموم بعثة النبي ﷺ للجن والإنس","level":2,"page":79},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [٦]","level":1,"page":80},{"title":"عقيدة أهل السنة في القرآن","level":2,"page":81},{"title":"خلاصة مذهب أهل السنة في كلام الله","level":3,"page":82},{"title":"براءة الطحاوي من مذهب الأشعرية والكلابية في كلام الله","level":3,"page":83},{"title":"مذهب الأشعري وابن كلاب في كلام الله","level":2,"page":84},{"title":"حكم من قال مقالة كفرية","level":2,"page":85},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [٧]","level":1,"page":86},{"title":"عقيدة أهل السنة والجماعة في رؤية الله تعالى","level":2,"page":87},{"title":"أدلة إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة","level":3,"page":88},{"title":"اعتراض القاضي عبد الجبار على أحاديث الرؤية والرد عليه","level":3,"page":89},{"title":"حكم الاحتجاج بالآحاد في العقائد","level":3,"page":90},{"title":"دليل نفاة الرؤية","level":3,"page":91},{"title":"مذهب الأشاعرة في الرؤية","level":2,"page":92},{"title":"رؤية الكفار لربهم في عرصات القيامة","level":2,"page":93},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [٨]","level":1,"page":94},{"title":"مذهب التفويض مذهب مخالف لطريقة السلف","level":2,"page":95},{"title":"حقيقة التفويض","level":3,"page":96},{"title":"أصل القانون الكلي","level":2,"page":97},{"title":"معنى القانون الكلي","level":3,"page":98},{"title":"أوجه رد القانون الكلي وإبطاله","level":3,"page":99},{"title":"التعبير الأحكم أنه لا تعارض بين النقل والعقل","level":3,"page":100},{"title":"التسليم لا يكون إلا بعلم ويقين","level":2,"page":101},{"title":"اضطراب منهج المتكلمين وبعده عن السنة","level":2,"page":102},{"title":"الجمع بين النفي والإثبات في مذهب السلف","level":2,"page":103},{"title":"الكلام عن الفرق بين صفات الله تعالى وصفات مخلوقاته","level":2,"page":104},{"title":"الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم المماثلة","level":3,"page":105},{"title":"سبب اعتناء شيخ الإسلام بتقرير مسألة وجود الله تعالى","level":3,"page":106},{"title":"الاشتراك في الاسم المطلق بين الخالق والمخلوق ليس اشتراكا لفظيا","level":3,"page":107},{"title":"كل ممثل معطل وكل معطل ممثل","level":3,"page":108},{"title":"تعطيل الصفات فرع عن مذهب الفلاسفة الملحدين","level":3,"page":109},{"title":"الاعتراض على الطحاوي في استعماله ألفاظ المتكلمين","level":3,"page":110},{"title":"قاعدة في الألفاظ المجملة في باب الأسماء والصفات","level":3,"page":111},{"title":"إنكار المعطلة لصفة العلو","level":2,"page":112},{"title":"خلاصة أدلة منكري العلو","level":3,"page":113},{"title":"معنى أن الله في السماء","level":3,"page":114},{"title":"الرد على منكري علو الله تعالى","level":3,"page":115},{"title":"إثبات العلو يلزم منه إثبات سائر الصفات","level":3,"page":116},{"title":"السؤال عن الله تعالى بـ (أين)","level":3,"page":117},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [٩]","level":1,"page":118},{"title":"ثبوت المعراج بشخص النبي ﷺ يقظة","level":2,"page":119},{"title":"الفرق بين القول بأن المعراج رؤيا منامية وأنه عروج بالروح","level":3,"page":120},{"title":"وصول النبي ﷺ إلى السماء السابعة","level":3,"page":121},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [١٠]","level":1,"page":122},{"title":"إثبات حوض النبي ﷺ","level":2,"page":123},{"title":"من يذاد عن حوض النبي ﷺ","level":3,"page":124},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [١١]","level":1,"page":125},{"title":"شفاعة الرسول ﵊","level":2,"page":126},{"title":"اختلاف أهل القبلة في الشفاعة لأهل الكبائر","level":3,"page":127},{"title":"شفاعة النبي ﷺ لعمه أبي طالب","level":3,"page":128},{"title":"أدلة ثبوت الشفاعة","level":3,"page":129},{"title":"الخلاف في الشفاعة لمن استوجب دخول النار","level":3,"page":130},{"title":"شفاعة النبي ﷺ لأهل الجنة في دخولها ورفع درجاتهم فيها","level":3,"page":131},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [١٢]","level":1,"page":132},{"title":"الميثاق الذي أخذه الله على عباده","level":2,"page":133},{"title":"الكلام على الفطرة","level":3,"page":134},{"title":"أول واجب على المكلف","level":3,"page":135},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [١٣]","level":1,"page":136},{"title":"عموم علم الله تعالى بعباده وأفعالهم أزلا","level":2,"page":137},{"title":"قول الفلاسفة في علم الله","level":3,"page":138},{"title":"أعمال العباد مقدرة عند الله تعالى","level":3,"page":139},{"title":"الأعمال بخواتيمها","level":3,"page":140},{"title":"محبة الله للعبد وبغضه له متعلق بحاله لا بمآله","level":3,"page":141},{"title":"مأخذ ابن كلاب والأشعري في الاستثناء في الإيمان","level":3,"page":142},{"title":"إشكال وجوابه","level":3,"page":143},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [١٤]","level":1,"page":144},{"title":"مسائل في القدر","level":2,"page":145},{"title":"التحذير من التعمق في القدر","level":3,"page":146},{"title":"التفصيل في حكم النظر","level":3,"page":147},{"title":"خفاء باب القدر مع العلم بأصوله","level":3,"page":148},{"title":"وجوب الوقوف عند ما أوقفنا الله عليه","level":3,"page":149},{"title":"الإيمان باللوح المكتوب والقلم","level":2,"page":150},{"title":"حقيقة اللوح والقلم","level":3,"page":151},{"title":"عجز البشر عن تغيير ما في القدر","level":3,"page":152},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [١٥]","level":1,"page":153},{"title":"الإيمان بالعرش والكرسي","level":2,"page":154},{"title":"أقوال المتكلمين في العرش","level":3,"page":155},{"title":"معنى الكرسي","level":3,"page":156},{"title":"أول المخلوقات","level":3,"page":157},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [١٦]","level":1,"page":158},{"title":"إثبات خلة الله لإبراهيم وكلامه لموسى","level":2,"page":159},{"title":"معنى مقام الخلة لإبراهيم","level":3,"page":160},{"title":"أفضلية نبينا وإبراهيم ﵉ على غيرهما من الرسل","level":3,"page":161},{"title":"الإيمان بالملائكة والكتب والنبيين","level":2,"page":162},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [١٧]","level":1,"page":163},{"title":"أسماء أهل الكبائر عند أهل السنة","level":2,"page":164},{"title":"إطلاق اسم الإيمان على أهل الكبائر وأحواله","level":3,"page":165},{"title":"قول الخوارج والمعتزلة في أهل الكبائر","level":3,"page":166},{"title":"قول المرجئة في أهل الكبائر","level":3,"page":167},{"title":"النهي عن الكلام في الله بغير علم","level":2,"page":168},{"title":"النهي عن المماراة والجدال","level":3,"page":169},{"title":"ضرورة معاملة الخطأ بقدره وعدم التجاوز","level":3,"page":170},{"title":"عقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن","level":2,"page":171},{"title":"القرآن كلام الله غير مخلوق","level":3,"page":172},{"title":"مسألة اللفظ بالقرآن هل هو مخلوق أم لا","level":3,"page":173},{"title":"قول جماعة المسلمين أن القرآن كلام الله","level":3,"page":174},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [١٨]","level":1,"page":175},{"title":"حكم التكفير بالذنوب التي دون الكفر","level":2,"page":176},{"title":"معنى الاستحلال الذي يكفر به صاحب الذنب","level":3,"page":177},{"title":"قول المرجئة بأنه لا يضر مع الإيمان ذنب","level":3,"page":178},{"title":"من أصول العبادة: الخوف والرجاء","level":2,"page":179},{"title":"حكم الشهادة لمعين بالجنة أو النار","level":3,"page":180},{"title":"التحذير من الأمن من مكر الله، واليأس من روح الله","level":3,"page":181},{"title":"العمل لا يقع به الكفر عند مرجئة الفقهاء","level":3,"page":182},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [١٩]","level":1,"page":183},{"title":"مذهب السلف في الإيمان والفرق المخالفة فيه","level":2,"page":184},{"title":"قول أبي حنيفة في الإيمان","level":3,"page":185},{"title":"مذهب السلف في الإيمان","level":3,"page":186},{"title":"زيادة الإيمان ونقصانه","level":2,"page":187},{"title":"الخوارج والمعتزلة لا يرون زيادة الإيمان ونقصانه","level":3,"page":188},{"title":"أقوال المرجئة في الإيمان والرد عليهم","level":2,"page":189},{"title":"الجواب على مرجئة الفقهاء في مسألة الإيمان","level":3,"page":190},{"title":"مناقشة متكلمة المرجئة في تفسيرهم الإيمان بالتصديق","level":3,"page":191},{"title":"الدليل على أن العمل من الإيمان","level":3,"page":192},{"title":"موافقة قول السلف للشرع والعقل واللغة","level":3,"page":193},{"title":"أعمال القلوب داخلة في مسمى الإيمان عند أكثر المرجئة","level":3,"page":194},{"title":"حقيقة الخلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء في الإيمان","level":3,"page":195},{"title":"مسائل في الإيمان ومنهج السلف","level":2,"page":196},{"title":"طرق معرفة إجماع السلف على تكفير تارك جنس العمل","level":3,"page":197},{"title":"حكم تارك الصلاة","level":3,"page":198},{"title":"الخلاف في تكفير تارك الزكاة","level":3,"page":199},{"title":"الخلاف في تكفير تارك الصوم والحج","level":3,"page":200},{"title":"طرق تحصيل مذهب السلف","level":3,"page":201},{"title":"خطأ نسبة المذهب المعين للسلف بمجرد الفهم","level":3,"page":202},{"title":"منزلة العمل من الإيمان","level":2,"page":203},{"title":"امتناع اجتماع الإيمان الباطن مع الكفر الأكبر","level":3,"page":204},{"title":"التلازم بين الظاهر والباطن","level":3,"page":205},{"title":"هل يقع الإكراه بالفعل؟","level":3,"page":206},{"title":"النزاع في الكفر هل هو بالعمل نفسه أم بلزومه لكفر الباطن","level":3,"page":207},{"title":"حكم المجتهد بتكفير معين ليس حكما قطعيا","level":3,"page":208},{"title":"التعبير بـ (جنس العمل) في باب الإيمان","level":3,"page":209},{"title":"الخلاف في تكفير تارك الصلاة","level":3,"page":210},{"title":"الفرق بين الجمهور وبين المرجئة في عدم تكفير تارك الصلاة من جهة الاستدلال","level":3,"page":211},{"title":"حكم تارك المباني الأربعة","level":3,"page":212},{"title":"الحكم بغير ما أنزل الله وحكمه","level":3,"page":213},{"title":"أصل الإيمان في القلب","level":3,"page":214},{"title":"الفرق بين الإيمان والإسلام","level":3,"page":215},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [٢٠]","level":1,"page":216},{"title":"قواعد الحكم على المقالات البدعية","level":2,"page":217},{"title":"القاعدة الأولى: لا يلزم من كون المقالة كفرا أن يكفر قائلها","level":3,"page":218},{"title":"القاعدة الثانية: الذي يكفر من أهل الشرائع الظاهرة لا يكون إلا منافقا","level":3,"page":219},{"title":"القاعدة الثالثة: في بيان من هو المعذور بالخطأ","level":3,"page":220},{"title":"القاعدة الرابعة: لا بد من مراعاة درجة المخالفة وسببها","level":3,"page":221},{"title":"حكم سب الله ورسوله","level":2,"page":222},{"title":"التعبير بأن العمل شرط صحة في الإيمان","level":2,"page":223},{"title":"الفرق بين مذهب المعتزلة ومذهب السلف في الإيمان","level":2,"page":224},{"title":"أصل مقالات المخالفين للسلف في الإيمان واحد","level":3,"page":225},{"title":"أقوال المخالفين للسلف متحدة في الأصول مختلفة في النتائج","level":3,"page":226},{"title":"اعتماد المتكلمين على العقل دون السمع","level":3,"page":227},{"title":"تفاوت أهل الإيمان في أصل الإيمان","level":2,"page":228},{"title":"التعبير بالتفاضل وبالزيادة والنقص في الإيمان عند السلف","level":3,"page":229},{"title":"زيادة الإيمان عند المرجئة والمعتزلة","level":3,"page":230},{"title":"بيان قول أبي الحسن الأشعري في الإيمان","level":3,"page":231},{"title":"ضبط الخلاف في مسائل الإيمان وعدم التجاوز فيها","level":3,"page":232},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [٢١]","level":1,"page":233},{"title":"ثبوت الولاية لجميع المؤمنين","level":2,"page":234},{"title":"أهل الإيمان المطلق هم أهل الولاية المطلقة","level":3,"page":235},{"title":"أهل الكبائر لهم قدر من الولاية بحسب إيمانهم","level":3,"page":236},{"title":"أركان الإيمان والتقيد بالعد النبوي فيها","level":2,"page":237},{"title":"خطأ من تجاوز العد النبوي للأركان","level":3,"page":238},{"title":"الفرق بين الإسلام والإيمان","level":3,"page":239},{"title":"العلاقة بين الإسلام والإيمان","level":3,"page":240},{"title":"الإيمان ليس هو مجرد العلم","level":3,"page":241},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [٢٢]","level":1,"page":242},{"title":"من أصول الإيمان: الإيمان بالرسل","level":2,"page":243},{"title":"معرفة نبوة الأنبياء إنما تكون بالأخبار الصحيحة","level":3,"page":244},{"title":"ضابط التحديث عن بني إسرائيل","level":3,"page":245},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [٢٣]","level":1,"page":246},{"title":"حكم أهل الكبائر في الآخرة","level":2,"page":247},{"title":"مذاهب المرجئة في حكم أهل الكبائر","level":3,"page":248},{"title":"أصول مذهب السلف في حكم أهل الكبائر في الآخرة","level":3,"page":249},{"title":"تفصيل ابن حزم في الموازنة ونقده","level":2,"page":250},{"title":"الخلاف حول أهل الأعراف من هم","level":3,"page":251},{"title":"مسقطات العقوبة","level":2,"page":252},{"title":"إسقاط الكبائر بالمكفرات","level":3,"page":253},{"title":"الدليل على تكفير الحسنات للكبائر","level":3,"page":254},{"title":"الجواب على إشكال المانعين من تكفير الحسنات للكبائر","level":3,"page":255},{"title":"حكم الصلاة خلف البر والفاجر من أهل القبلة","level":2,"page":256},{"title":"التفصيل في الصلاة خلف الفاجر","level":3,"page":257},{"title":"عدم الشهادة لأحد من أهل القبلة بجنة ولا بنار إلا بنص","level":3,"page":258},{"title":"الشرك الأكبر والشرك الأصغر","level":2,"page":259},{"title":"هل يقال: الشرك الأصغر؟","level":3,"page":260},{"title":"لا يطلق الشرك إلا على ما أطلق الشرع عليه ذلك","level":3,"page":261},{"title":"الشرك الأصغر أعظم من كبائر الذنوب بالجنس لا بالآحاد","level":3,"page":262},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [٢٤]","level":1,"page":263},{"title":"السيف مرفوع عن أمة محمد إلا بحق","level":2,"page":264},{"title":"لا يلزم من القتال التكفير","level":3,"page":265},{"title":"عدم جواز الخروج على ولاة الأمور واجتناب الفرقة والشقاق","level":2,"page":266},{"title":"الدعاء لولاة الأمور","level":3,"page":267},{"title":"اجتناب الفرقة والاختلاف من أصول السنة","level":2,"page":268},{"title":"دقة الاستدلال عند السلف","level":2,"page":269},{"title":"موالاة المؤمنين والبراءة من الفاجرين","level":2,"page":270},{"title":"رد العلم إلى الله فيما اشتبه علينا علمه","level":2,"page":271},{"title":"الكلام على تقسيم الدين إلى أصول وفروع","level":2,"page":272},{"title":"الخلاف في جواز المسح على الجوارب","level":2,"page":273},{"title":"الحج والجهاد مع ولاة الأمور","level":2,"page":274},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [٢٥]","level":1,"page":275},{"title":"الإيمان بما بعد الموت","level":2,"page":276},{"title":"النزاع في المباحات هل تكتبها الملائكة أم لا؟","level":3,"page":277},{"title":"الإيمان بملك الموت","level":3,"page":278},{"title":"الإيمان بعذاب القبر وفتنته","level":3,"page":279},{"title":"عذاب القبر ونعيمه على الروح والجسد","level":3,"page":280},{"title":"القبر روضة من الجنة أو حفرة من النار","level":3,"page":281},{"title":"الإيمان بالسمعيات","level":3,"page":282},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [٢٦]","level":1,"page":283},{"title":"الإيمان بالبعث","level":2,"page":284},{"title":"حساب الكفار يوم الحساب","level":3,"page":285},{"title":"قراءة الكتاب","level":3,"page":286},{"title":"الإيمان بالثواب والعقاب","level":3,"page":287},{"title":"الإيمان بالصراط","level":3,"page":288},{"title":"الإيمان بالجنة والنار وأنهما مخلوقتان","level":2,"page":289},{"title":"بقاء الجنة والنار وعدم فنائهما","level":3,"page":290},{"title":"نسبة القول بفناء النار إلى ابن تيمية","level":3,"page":291},{"title":"دخول الجنة فضل ودخول النار عدل من الله","level":3,"page":292},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [٢٧]","level":1,"page":293},{"title":"أعمال العباد مقدرة","level":2,"page":294},{"title":"الخير والشر من تقدير الله","level":2,"page":295},{"title":"التفصيل في الاستطاعة","level":2,"page":296},{"title":"نقد تعبير الطحاوي بأن الأفعال كسب من العباد","level":2,"page":297},{"title":"نقد قول الطحاوي: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم)","level":3,"page":298},{"title":"هل يطيق العبد فوق ما كلف؟","level":3,"page":299},{"title":"تفسير الطحاوي للحوقلة","level":3,"page":300},{"title":"تعلق الحوادث بمشيئة الله تعالى","level":2,"page":301},{"title":"تنزيه الله تعالى عن كل نقص","level":2,"page":302},{"title":"انتفاع الأموات بدعاء الأحياء وصدقاتهم","level":2,"page":303},{"title":"الدعاء سبب لحصول المقدور","level":2,"page":304},{"title":"افتقار الخلق إلى الله","level":2,"page":305},{"title":"إثبات صفتي الغضب والرضا لله","level":2,"page":306},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [٢٨]","level":1,"page":307},{"title":"موالاة أصحاب النبي ﷺ ومحبتهم","level":2,"page":308},{"title":"ترتيب الخلافة بعد النبي ﷺ","level":2,"page":309},{"title":"موقف علي بن أبي طالب من بيعة أبي بكر","level":3,"page":310},{"title":"حكم التخميس بعمر بن عبد العزيز في الخلافة","level":3,"page":311},{"title":"المفاضلة بين معاوية وعمر بن عبد العزيز","level":3,"page":312},{"title":"حال يزيد بن معاوية","level":3,"page":313},{"title":"العشرة المبشرون بالجنة","level":2,"page":314},{"title":"بغض الصحابة من النفاق","level":2,"page":315},{"title":"الكلام على القتال بين علي ومعاوية","level":2,"page":316},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [٢٩]","level":1,"page":317},{"title":"حفظ مقام أئمة السلف والثناء عليهم","level":2,"page":318},{"title":"أهل العلم فقهاء ومحدثون","level":3,"page":319},{"title":"تسمية العلماء: (أهل النظر) اصطلاح حادث","level":3,"page":320},{"title":"عدم إشارة الطحاوي إلى ذم طريقة متكلمة الصفاتية","level":3,"page":321},{"title":"تفضيل الأنبياء على الأولياء","level":2,"page":322},{"title":"أصناف الباطنية","level":3,"page":323},{"title":"أسس نظرية وحدة الوجود","level":3,"page":324},{"title":"الفرق بين قول ابن عربي وقول ابن سينا في وحدة الوجود","level":3,"page":325},{"title":"المقالات المبتدعة والفلسفية هي نظريات منقولة","level":3,"page":326},{"title":"أقسام الفلاسفة قبل الإسلام","level":3,"page":327},{"title":"الإيمان بكرامات الأولياء","level":2,"page":328},{"title":"الكرامة ليست من شرط الولاية","level":3,"page":329},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [٣٠]","level":1,"page":330},{"title":"الإيمان بأشراط الساعة","level":2,"page":331},{"title":"عدم جواز تحديد وقت الساعة","level":2,"page":332},{"title":"تحريم تصديق من ادعى علم الغيب","level":2,"page":333},{"title":"حكم إتيان الكهان والعرافين","level":3,"page":334},{"title":"حكم إتيان الساحر","level":3,"page":335},{"title":"حكم النشرة","level":3,"page":336},{"title":"تحريم قراءة الكف","level":3,"page":337},{"title":"وزن المقالات بالكتاب والسنة والإجماع","level":2,"page":338},{"title":"الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقائد","level":2,"page":339},{"title":"القصد إلى الجماعة من أصول السنة","level":2,"page":340},{"title":"الإسلام هو دين الله","level":2,"page":341},{"title":"اعتدال دين الإسلام بين الغلو والتقصير","level":3,"page":342},{"title":"عدم التشديد في مسائل الخلاف والاعتدال فيها","level":3,"page":343},{"title":"وسطية أهل السنة في الأسماء والصفات والقدر","level":2,"page":344},{"title":"الكلام عن مصطلح الظاهر والباطن","level":2,"page":345},{"title":"شرح العقيدة الطحاوية [٣١]","level":1,"page":346},{"title":"براءة أهل السنة من المخالفين لهم في الأصول","level":2,"page":347},{"title":"التعريف بأصول المعتزلة","level":3,"page":348},{"title":"نسبة الجهمية والجبرية","level":3,"page":349},{"title":"عدم تعرض المصنف للمتكلمة الصفاتية","level":3,"page":350},{"title":"الحكم على أهل البدع والضلال","level":3,"page":351}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"2,1":15,"2,2":16,"2,3":17,"2,4":18,"2,5":19,"2,6":20,"2,7":21,"2,8":22,"2,9":23,"2,10":24,"2,11":25,"2,12":26,"2,13":27,"3,1":28,"3,2":29,"3,3":30,"3,4":31,"3,5":32,"3,6":33,"3,7":34,"3,8":35,"3,9":36,"3,10":37,"3,11":38,"3,12":39,"3,13":40,"3,14":41,"3,15":42,"3,16":43,"4,1":44,"4,2":45,"4,3":46,"4,4":47,"4,5":48,"4,6":49,"4,7":50,"4,8":51,"4,9":52,"4,10":53,"4,11":54,"4,12":55,"4,13":56,"4,14":57,"4,15":58,"4,16":59,"4,17":60,"4,18":61,"4,19":62,"4,20":63,"4,21":64,"4,22":65,"4,23":66,"5,1":67,"5,2":68,"5,3":69,"5,4":70,"5,5":71,"5,6":72,"5,7":73,"5,8":74,"5,9":75,"5,10":76,"5,11":77,"5,12":78,"5,13":79,"6,1":80,"6,2":81,"6,3":82,"6,4":83,"6,5":84,"6,6":85,"7,1":86,"7,2":87,"7,3":88,"7,4":89,"7,5":90,"7,6":91,"7,7":92,"7,8":93,"8,1":94,"8,2":95,"8,3":96,"8,4":97,"8,5":98,"8,6":99,"8,7":100,"8,8":101,"8,9":102,"8,10":103,"8,11":104,"8,12":105,"8,13":106,"8,14":107,"8,15":108,"8,16":109,"8,17":110,"8,18":111,"8,19":112,"8,20":113,"8,21":114,"8,22":115,"8,23":116,"8,24":117,"9,1":118,"9,2":119,"9,3":120,"9,4":121,"10,1":122,"10,2":123,"10,3":124,"11,1":125,"11,2":126,"11,3":127,"11,4":128,"11,5":129,"11,6":130,"11,7":131,"12,1":132,"12,2":133,"12,3":134,"12,4":135,"13,1":136,"13,2":137,"13,3":138,"13,4":139,"13,5":140,"13,6":141,"13,7":142,"13,8":143,"14,1":144,"14,2":145,"14,3":146,"14,4":147,"14,5":148,"14,6":149,"14,7":150,"14,8":151,"14,9":152,"15,1":153,"15,2":154,"15,3":155,"15,4":156,"15,5":157,"16,1":158,"16,2":159,"16,3":160,"16,4":161,"16,5":162,"17,1":163,"17,2":164,"17,3":165,"17,4":166,"17,5":167,"17,6":168,"17,7":169,"17,8":170,"17,9":171,"17,10":172,"17,11":173,"17,12":174,"18,1":175,"18,2":176,"18,3":177,"18,4":178,"18,5":179,"18,6":180,"18,7":181,"18,8":182,"19,1":183,"19,2":184,"19,3":185,"19,4":186,"19,5":187,"19,6":188,"19,7":189,"19,8":190,"19,9":191,"19,10":192,"19,11":193,"19,12":194,"19,13":195,"19,14":196,"19,15":197,"19,16":198,"19,17":199,"19,18":200,"19,19":201,"19,20":202,"19,21":203,"19,22":204,"19,23":205,"19,24":206,"19,25":207,"19,26":208,"19,27":209,"19,28":210,"19,29":211,"19,30":212,"19,31":213,"19,32":214,"19,33":215,"20,1":216,"20,2":217,"20,3":218,"20,4":219,"20,5":220,"20,6":221,"20,7":222,"20,8":223,"20,9":224,"20,10":225,"20,11":226,"20,12":227,"20,13":228,"20,14":229,"20,15":230,"20,16":231,"20,17":232,"21,1":233,"21,2":234,"21,3":235,"21,4":236,"21,5":237,"21,6":238,"21,7":239,"21,8":240,"21,9":241,"22,1":242,"22,2":243,"22,3":244,"22,4":245,"23,1":246,"23,2":247,"23,3":248,"23,4":249,"23,5":250,"23,6":251,"23,7":252,"23,8":253,"23,9":254,"23,10":255,"23,11":256,"23,12":257,"23,13":258,"23,14":259,"23,15":260,"23,16":261,"23,17":262,"24,1":263,"24,2":264,"24,3":265,"24,4":266,"24,5":267,"24,6":268,"24,7":269,"24,8":270,"24,9":271,"24,10":272,"24,11":273,"24,12":274,"25,1":275,"25,2":276,"25,3":277,"25,4":278,"25,5":279,"25,6":280,"25,7":281,"25,8":282,"26,1":283,"26,2":284,"26,3":285,"26,4":286,"26,5":287,"26,6":288,"26,7":289,"26,8":290,"26,9":291,"26,10":292,"27,1":293,"27,2":294,"27,3":295,"27,4":296,"27,5":297,"27,6":298,"27,7":299,"27,8":300,"27,9":301,"27,10":302,"27,11":303,"27,12":304,"27,13":305,"27,14":306,"28,1":307,"28,2":308,"28,3":309,"28,4":310,"28,5":311,"28,6":312,"28,7":313,"28,8":314,"28,9":315,"28,10":316,"29,1":317,"29,2":318,"29,3":319,"29,4":320,"29,5":321,"29,6":322,"29,7":323,"29,8":324,"29,9":325,"29,10":326,"29,11":327,"29,12":328,"29,13":329,"30,1":330,"30,2":331,"30,3":332,"30,4":333,"30,5":334,"30,6":335,"30,7":336,"30,8":337,"30,9":338,"30,10":339,"30,11":340,"30,12":341,"30,13":342,"30,14":343,"30,15":344,"30,16":345,"31,1":346,"31,2":347,"31,3":348,"31,4":349,"31,5":350,"31,6":351},"ٜ":{"1":[1,14],"2":[1,13],"3":[1,16],"4":[1,23],"5":[1,13],"6":[1,6],"7":[1,8],"8":[1,24],"9":[1,4],"10":[1,3],"11":[1,7],"12":[1,4],"13":[1,8],"14":[1,9],"15":[1,5],"16":[1,5],"17":[1,12],"18":[1,8],"19":[1,33],"20":[1,17],"21":[1,9],"22":[1,4],"23":[1,17],"24":[1,12],"25":[1,8],"26":[1,10],"27":[1,14],"28":[1,10],"29":[1,13],"30":[1,16],"31":[1,6]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","9,1","9,2","9,3","9,4","10,1","10,2","10,3","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","11,7","12,1","12,2","12,3","12,4","13,1","13,2","13,3","13,4","13,5","13,6","13,7","13,8","14,1","14,2","14,3","14,4","14,5","14,6","14,7","14,8","14,9","15,1","15,2","15,3","15,4","15,5","16,1","16,2","16,3","16,4","16,5","17,1","17,2","17,3","17,4","17,5","17,6","17,7","17,8","17,9","17,10","17,11","17,12","18,1","18,2","18,3","18,4","18,5","18,6","18,7","18,8","19,1","19,2","19,3","19,4","19,5","19,6","19,7","19,8","19,9","19,10","19,11","19,12","19,13","19,14","19,15","19,16","19,17","19,18","19,19","19,20","19,21","19,22","19,23","19,24","19,25","19,26","19,27","19,28","19,29","19,30","19,31","19,32","19,33","20,1","20,2","20,3","20,4","20,5","20,6","20,7","20,8","20,9","20,10","20,11","20,12","20,13","20,14","20,15","20,16","20,17","21,1","21,2","21,3","21,4","21,5","21,6","21,7","21,8","21,9","22,1","22,2","22,3","22,4","23,1","23,2","23,3","23,4","23,5","23,6","23,7","23,8","23,9","23,10","23,11","23,12","23,13","23,14","23,15","23,16","23,17","24,1","24,2","24,3","24,4","24,5","24,6","24,7","24,8","24,9","24,10","24,11","24,12","25,1","25,2","25,3","25,4","25,5","25,6","25,7","25,8","26,1","26,2","26,3","26,4","26,5","26,6","26,7","26,8","26,9","26,10","27,1","27,2","27,3","27,4","27,5","27,6","27,7","27,8","27,9","27,10","27,11","27,12","27,13","27,14","28,1","28,2","28,3","28,4","28,5","28,6","28,7","28,8","28,9","28,10","29,1","29,2","29,3","29,4","29,5","29,6","29,7","29,8","29,9","29,10","29,11","29,12","29,13","30,1","30,2","30,3","30,4","30,5","30,6","30,7","30,8","30,9","30,10","30,11","30,12","30,13","30,14","30,15","30,16","31,1","31,2","31,3","31,4","31,5","31,6"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80],"81":[81],"82":[82],"83":[83],"84":[84],"85":[85],"86":[86],"87":[87],"88":[88],"89":[89],"90":[90],"91":[91],"92":[92],"93":[93],"94":[94],"95":[95],"96":[96],"97":[97],"98":[98],"99":[99],"100":[100],"101":[101],"102":[102],"103":[103],"104":[104],"105":[105],"106":[106],"107":[107],"108":[108],"109":[109],"110":[110],"111":[111],"112":[112],"113":[113],"114":[114],"115":[115],"116":[116],"117":[117],"118":[118],"119":[119],"120":[120],"121":[121],"122":[122],"123":[123],"124":[124],"125":[125],"126":[126],"127":[127],"128":[128],"129":[129],"130":[130],"131":[131],"132":[132],"133":[133],"134":[134],"135":[135],"136":[136],"137":[137],"138":[138],"139":[139],"140":[140],"141":[141],"142":[142],"143":[143],"144":[144],"145":[145],"146":[146],"147":[147],"148":[148],"149":[149],"150":[150],"151":[151],"152":[152],"153":[153],"154":[154],"155":[155],"156":[156],"157":[157],"158":[158],"159":[159],"160":[160],"161":[161],"162":[162],"163":[163],"164":[164],"165":[165],"166":[166],"167":[167],"168":[168],"169":[169],"170":[170],"171":[171],"172":[172],"173":[173],"174":[174],"175":[175],"176":[176],"177":[177],"178":[178],"179":[179],"180":[180],"181":[181],"182":[182],"183":[183],"184":[184],"185":[185],"186":[186],"187":[187],"188":[188],"189":[189],"190":[190],"191":[191],"192":[192],"193":[193],"194":[194],"195":[195],"196":[196],"197":[197],"198":[198],"199":[199],"200":[200],"201":[201],"202":[202],"203":[203],"204":[204],"205":[205],"206":[206],"207":[207],"208":[208],"209":[209],"210":[210],"211":[211],"212":[212],"213":[213],"214":[214],"215":[215],"216":[216],"217":[217],"218":[218],"219":[219],"220":[220],"221":[221],"222":[222],"223":[223],"224":[224],"225":[225],"226":[226],"227":[227],"228":[228],"229":[229],"230":[230],"231":[231],"232":[232],"233":[233],"234":[234],"235":[235],"236":[236],"237":[237],"238":[238],"239":[239],"240":[240],"241":[241],"242":[242],"243":[243],"244":[244],"245":[245],"246":[246],"247":[247],"248":[248],"249":[249],"250":[250],"251":[251],"252":[252],"253":[253],"254":[254],"255":[255],"256":[256],"257":[257],"258":[258],"259":[259],"260":[260],"261":[261],"262":[262],"263":[263],"264":[264],"265":[265],"266":[266],"267":[267],"268":[268],"269":[269],"270":[270],"271":[271],"272":[272],"273":[273],"274":[274],"275":[275],"276":[276],"277":[277],"278":[278],"279":[279],"280":[280],"281":[281],"282":[282],"283":[283],"284":[284],"285":[285],"286":[286],"287":[287],"288":[288],"289":[289],"290":[290],"291":[291],"292":[292],"293":[293],"294":[294],"295":[295],"296":[296],"297":[297],"298":[298],"299":[299],"300":[300],"301":[301],"302":[302],"303":[303],"304":[304],"305":[305],"306":[306],"307":[307],"308":[308],"309":[309],"310":[310],"311":[311],"312":[312],"313":[313],"314":[314],"315":[315],"316":[316],"317":[317],"318":[318],"319":[319],"320":[320],"321":[321],"322":[322],"323":[323],"324":[324],"325":[325],"326":[326],"327":[327],"328":[328],"329":[329],"330":[330],"331":[331],"332":[332],"333":[333],"334":[334],"335":[335],"336":[336],"337":[337],"338":[338],"339":[339],"340":[340],"341":[341],"342":[342],"343":[343],"344":[344],"345":[345],"346":[346],"347":[347],"348":[348],"349":[349],"350":[350],"351":[351]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>شرح العقيدة الطحاوية [١]</span>\nتعتبر العقيدة الطحاوية التي ألفها الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀، على منهج أهل السنة والجماعة، وإن كان فيها أحرف يسيرة مخالفة، ولذلك كان لها شيوع كبير بين علماء المسلمين وطلابهم، حتى أصبحت تدرس في كثير من الجامعات والمساجد ودور العلم.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة شرح العقيدة الطحاوية</span>\nالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.\nأما بعد:\nفهذه هي العقيدة الطحاوية، للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي الأزدي المصري الشافعي ثم الحنفي، المولود سنة (٢٣٩هـ)، والمتوفى رحمه الله تعالى سنة (٣٢١هـ).\nوقد صنفها الإمام الطحاوي بيانًا لمجمل عقيدة أهل السنة والجماعة، وبحسب مقدمة الإمام الطحاوي ﵀ في رسالته نقف مع ثلاث مقدمات لهذا الشرح:","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>المقدمة الأولى: عقيدة الإمام أبي حنيفة</span>\nالإمام أبو حنيفة هو أحد الأئمة الأربعة، وقد تكلم الناس في مذهبه في أصول الدين، وإذا نظرنا إلى بعض كتب الرجال أو السنة المسندة كالسنة لـ عبد الله بن أحمد، نجد بعض المسائل التي يُضاف القول فيها إلى أبي حنيفة وهي مخالفة لمعتقد السلف.\nونجد أن كثيرًا من الفقهاء والذين تكلموا في المقالات يترددون في شأن أبي حنيفة؛ وذلك بسبب أن أصحابه هم أكثر أصحاب الأئمة الأربعة اختلافًا وافتراقًا في أصول الدين، فـ أبو منصور الماتريدي الذي كان معاصرًا لـ أبي الحسن الأشعري هو حنفي المذهب، ويعد من أعيان علماء الكلام، ومن المعروف أن ما قرره الماتريدي في كتبه كـ (التوحيد) و(التفسير) وغيرها ليس هو معتقد السلف، بل إن طريقة أبي الحسن الأشعري بإجماع أهل السنة والجماعة خير من طريقة أبي منصور الماتريدي.\nوكذلك الكرامية أتباع محمد بن كرام السجستاني، الذين مالوا إلى التشبيه، هم أيضًا أحناف في الجملة، وكذلك بعض الأشعرية أحناف، وكذا طائفة من المعتزلة -ولا سيما متأخريهم- كثر انتماؤهم لمذهب أبي حنيفة؛ بل إن المعتزلة المتمذهبين بأحد مذاهب الفقهاء عامتهم على مذهب الإمام أبي حنيفة في الفقه، وقد انتحلوا شيئًا من كلامه في أصول الدين وأضافوه إلى شيء مما قرروه، فضلًا عن طوائف من الصوفية التي انتحلت مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀.\nوكثير من هذا الانتحال لأصول أبي حنيفة كائن في الفقه ومسائله، ولكن كثيرًا منهم يطردون ذلك في مسائل أصول الدين، ومن المعلوم أن أبا حنيفة لم يثبت له مصنف واحد في مسائل أصول الدين، وأشهر ما يذكر له كتاب (الفقه الأكبر)، ومن المتحقق أنه ليس لـ أبي حنيفة، وإنما كتبه أحد علماء الحنفية فيما بعد، وأضافه إلى أبي حنيفة.\nومن المتحقق أيضًا أن الإمام أبا حنيفة ﵀ كان على طريقة أئمة السنة والجماعة، ولم يخالف شيئًا من أصول السلف إلا ما يتعلق بمسألة الإيمان، حيث ذهب إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، وأن العمل ليس داخلًا في مسمى الإيمان.\nومذهب أبي حنيفة في الإيمان على ما ذكرنا هو المحقق عند عامة أهل العلم والمقالات، وجمهور أصحاب أبي حنيفة، ولم يتردد في نسبة ذلك إليه إلا طائفة من المتأخرين الذين يحققوا ذلك تحقيقًا دقيقًا.\nوهذا مذهب حماد بن أبي سليمان الفقيه الكوفي الذي كان من تلاميذ إبراهيم النخعي.\nأما مسائل الصفات والقدر فهو وإن أضيف إليه في بعض الكتب شيء من الغلط في ذلك، فإنما هذه بلاغات تحكى عنه، ولم ينضبط عن أبي حنيفة ﵀ شيء من ذلك.\nأما إمامته في الفقه فمجمع عليها بين سائر علماء المسلمين من المتقدمين والمتأخرين، وكذلك أصوله ﵀ هي أصول الأئمة، وإن كان بعض أئمة الحديث المتقدمين يأخذون على أبي حنيفة ومن هو على طريقته اعتبار الرأي وقلة الأخذ بالسنن والآثار، وهذه مسألة أخرى تتعلق بمسائل الاستدلال الفقهي.\nوعليه: فإن الإمام أبا حنيفة يضاف إلى أئمة السنة والجماعة.\nهذا محصل ما يتعلق بشأن الإمام أبي حنيفة، ولذا: فإن الأحناف في الجملة لا يمثلون مذهب الإمام أبي حنيفة؛ فإن منهم أهل تأويل كالماتريدية، وطوائف من الأشعرية، ومنهم مجسمة كالكرامية، ومنهم مفوضة\nإلى غير ذلك، وإن كان في الأحناف من المتقدمين والمتأخرين من هو على معتقد السلف والأئمة.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المقدمة الثانية: عقيدة الإمام الطحاوي</span>\nيعتبر الإمام الطحاوي من أخص أصحاب الإمام أبي حنيفة، وإن كان نشأ شافعيًا؛ لأنه ولد في بيت شافعي، إلا أنه تحول إلى مذهب الإمام أبي حنيفة.\nوإذا نظرنا إلى رسالته هذه وجدنا أنها تقرر مجمل عقيدة السلف أهل السنة والجماعة، لكن هناك بعض المسائل التي قد يُتردد في صحتها وانضباطها، وهذا معتبر بمسألة وهي:\nأن أصحاب الأئمة الأربعة الذين أخذوا عنهم مباشرة قد انضبط شأنهم -في الجملة- في كونهم على طريقة أئمتهم في مسائل أصول الدين.\nوأما من جاء بعدهم من أتباع الأئمة الأربعة، فهؤلاء في الجملة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام في مسائل أصول الدين:\nالقسم الأول: من حقق أصول إمامه تحقيقًا صحيحًا، فيكون موافقًا لمعتقد الأئمة انتحالًا وتحقيقًا.\nانتحالًا: أي أنه ينتحل مذهبهم، وتحقيقًا: أي أنه أصابه وعرفه وضبطه، وهذا هو شأن المحققين من الأحناف، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.\nوالانضباط في هذه الطوائف الأربع أكثره في الحنابلة، وأقله في الحنفية، ثم الشافعية، والمالكية أقرب إلى الحنابلة انضباطًا؛ وموجب ذلك ليس من جهة التعصب بتقديم الحنابلة، وإنما موجبه: أن كلام الإمام أحمد ﵀ في مسائل أصول الدين شائع، وقد كان ينتحل مذهبه من هو من أعيان الشافعية، أو الحنفية، أو المالكية، بخلاف كلام الإمام أبي حنيفة، فإنه ليس شائعًا في هذه المسائل.\nوأما أصحاب مالك فيميلون إلى الحنابلة؛ لأنه لم ينتحل مذهب الإمام مالك إمام له شأن وأتباع من المخالفين لأصول السلف أو المائلين عنها، بخلاف الإمام الشافعي، فإنه وإن كان أصحابه أكثر انضباطًا من أصحاب أبي حنيفة، إلا أنه لما جاء أبو الحسن الأشعري -وهو شافعي المذهب- تقلد كثير من الشافعية مذهب أبي الحسن، ولا سيما أن أبا الحسن كان ينتحل مذهب الأئمة المتقدمين، ويصرح بأنه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، مع أنه من حيث الفقه ليس على مذهبه، وإنما يعتبره مذهبًا له في أصول الدين؛ لما شاع من اختصاص الإمام أحمد بتقرير هذه المسائل.\nوبسبب ظهور أبي الحسن الأشعري كثر في الشافعية الغلط والمخالفة لأصول السلف.\nالقسم الثاني: من انتحل مذهبًا انضبطت مخالفته لمذهب السلف -أي: معروفًا بالمخالفة زمن الأئمة- سواء كان هذا مذهبًا متقدمًا، أو كان مذهبًا طرأ بعد القرون الثلاثة الفاضلة، وهذا يقع فيه خلق من الأحناف، والشافعية، والمالكية، وقليل من الحنابلة، ولا سيما في أصحاب أبي حنيفة؛ فإن طائفة منهم انتحلوا الاعتزال مذهبًا في أصول الدين، وقد كانت المعتزلة طائفةً معروفةً بالمخالفة لمذهب الأئمة أنفسهم، وإن كان هذا القسم من أصحاب الأئمة كثير منهم يكون ميلهم عن طريقة إمامهم بانتحال مدرسة أو مذهب نشأ بعد القرون الثلاثة الفاضلة.\nوأخص مدرسة حصل بموجبها الغلط هي: مدرسة الإمام أبي الحسن الأشعري؛ فترى كثيرًا من الشافعية، والمالكية، وطائفة من الأحناف، على مذهب أبي الحسن الأشعري في مسائل أصول الدين، ومذهبه فيه موافقة للسنة والجماعة وفيه مخالفة، ولكن أصحابه من بعده كالقاضي أبي بكر الباقلاني ومن بعده الجويني ابتعدوا عن طريقته إلى طريقة مقاربة لطريقة قوم من المعتزلة، ولذا فإن المتأخرين من الأشاعرة أبعد عن أصول السنة والجماعة ومقالاتهم من الأشعري نفسه، فإن طريقته مقاربة في كثير من مواردها لطريقة السلف، مع ما عنده من الغلط والمخالفة للإجماع.\nثم جاء المتأخرون -كـ محمد بن عمر الرازي وأمثاله- الذين خلطوا مذهب الأشعري بأصول من الفلسفة، وكلام ابن سينا، وشيء من كلام المعتزلة، إلى غير ذلك، فصارت مدرسة الأشعري في طورها الأخير -ولاسيما بعد أبي المعالي الجويني - مباعدة لطريقة الأشعري نفسه، فضلًا عن مباعدتها لطريقة السلف.\nالقسم الثالث: وهم خلق من أصحاب الأئمة الأربعة غير منضبطين على أصول الأئمة، ولا ينتحلون مذهبًا من المذاهب الكلامية كمذهب الماتريدي أو مذهب الأشعري أو غير ذلك، وإنما هم قوم ينتحلون أصول الأئمة، ويعرفون جملهم، ويعظمون السنن والآثار، ويذمون البدع، ولكنهم إذا أخذوا في تفصيل هذه الجمل غلطوا في بعض مواردها.\nوموجب هذا الاختلاط: أنهم أخذوا بالأصول التي عرفت عن الأئمة، لكن لكون طائفة ممن يشاركهم في الانتماء للمذهب الفقهي لهم اتصال بمدرسة كلامية كالاعتزال، أو الماتريدية، أو الأشعرية، أو غيرها؛ صار عندهم تأثر بهؤلاء؛ فمثلًا: يوجد في الشافعية من هم على طريقة المتكلمين، فمن لم يحقق طريقة السلف من الشافعية أنفسهم فإنه يتأثر بهؤلاء الشافعية المتكلمين، فيدخل على طريقته شيء من المقولات والتأويلات الكلامية.\nوهؤلاء ما بين مستقل ومستكثر، وهذا الصنف يكثر في الحنابلة أكثر من غيرهم، فمثلًا: ابن عقيل وقبله القاضي أبو يعلى، وكذلك التميميون من الحنابلة كـ أبي الحسن التميمي، وأبي الفضل التميمي، وأمثالهم، هم من أهل هذه الطريقة، بمعنى أنهم متأثرون بشيء من الغلط في مسائل أصول الدين، لكنهم من حيث الجملة على أصول الأئمة.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المقدمة الثالثة: تقييم رسالة (العقيدة الطحاوية)</span>\nتعتبر رسالة الطحاوية -في الجملة- على منهج أهل السنة والجماعة، لكن مع هذا صار لها ذيوع وشيوع عند سائر الفرق، وموجب ذلك: أن الطحاوي ﵀ أجمل بعض المسائل التي هي محل نزاع بين المتأخرين، ولربما عبر بأحرف هي من أحرف أبي الحسن الأشعري وغيره من المتكلمين في بعض المسائل، ولهذا نجد ابن السبكي -وهو من الأشاعرة المتعصبين- يقول: (إن أصحاب الأئمة الأربعة معتقدهم في الجملة واحد، وهو ما قرره أبو جعفر الطحاوي ﵀).\nفمثلًا: عندما ذكر الطحاوي مسألة القدر قال: (وأفعال العباد كسب لهم).\nومعلوم أن لفظ (الكسب) مصطلح عرفت به مدرسة الأشاعرة، ولما ذكر مسألة العلو قال: (تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات)، وقال: (لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات)، وهذه من الأحرف التي يعبر بها المتكلمون.\nوكذلك في مسألة تكليف ما لا يطاق، عبر بنفس الأحرف التي يعبر بها علماء الأشاعرة.\nإذًا: هذه الرسالة لم تكن في بعض مواردها صريحة في إبطال مذهب الأشعرية على التفصيل؛ بل فيها جمل فيها إجمال مع المذهب الأشعري، ولهذا السبب فإن هذه الرسالة قد شرحها جملة من الأحناف على طريقة الأشعرية تارة، وعلى طريقة الماتريدية تارة أخرى، وقد شرحها ابن أبي العز الحنفي على ما هو معروف عن الأئمة والسلف.\nولأجل هذا الإجمال أمكن لكثير من شراحها أن يصنفوا بعض جملها إلى مفصل معتقد الأشعرية، أو إلى مفصل معتقد الماتريدية، مع أن التحقيق أن هذا التصنيف أو التأويل ليس صريحًا في الرسالة، بمعنى أن الرسالة فيها جمل كثيرة صريحة في مخالفة مذهب الأشعرية والماتريدية.\nوأيضًا: من جهة تراتيبها العلمية -وهذه مسألة قد تخفى على كثير من الناظرين في الرسالة- فإن هذه الرسالة من حيث التراتيب العلمية مقاربة للتراتيب الأشعرية.\nفلهذه الأسباب صار لهذه الرسالة الشيوع والذيوع عند سائر الفرق، وإن كانت في الجملة على عقيدة السلف.\nوقد يكون من الفقه عند طالب العلم أن تكون هذه الرسالة من الرسائل التي يقرر مذهب السلف تحتها، وتكون محل قبول عند بعض أهل التعصب ضد بعض الرسائل التي عرفت بالصراحة في تقرير مذهب السلف؛ كرسائل شيخ الإسلام ابن تيمية وأمثاله، فإن هذه الرسائل قد لا يتلقاها كثير ممن عندهم مخالفة لأصول السلف أو مقالاتهم، بخلاف هذه الرسالة فإنها ذائعة شائعة منذ قرون.\nوعليه: فإن الاعتناء بها يكون اعتناءً فاضلًا من جهة تقرير معتقد السلف، ومن جهة الدعوة إليه، والمسائل التي فيها غلط ينبه عليها في موضعها.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>سبب تسمية أهل السنة والجماعة بهذا الاسم</span>\nقال العلامة حجة الإسلام أبو جعفر الوراق الطحاوي ﵀: [هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصول الدين، ويدينون به رب العالمين].\nقوله: (هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة): أهل السنة والجماعة إنما اختصوا بهذا الاسم لأنه تواتر عن النبي ﷺ قوله: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق)، وقد أخرج الشيخان وغيرهما في ذلك روايات متعددة من حديث جابر بن سمرة، وأبي هريرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم ﵃.\nوهذه الطائفة بإجماع أهل العلم مقتدية برسول الله ﷺ في هديه العلمي والعملي، أي: فيما هو من محل الاعتقاد أو محل العمل؛ فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل.\nوجاء عنه ﷺ كما في المسند والسنن من حديث أبي هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمر، أن النبي ﷺ قال: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ...) إلى آخر الحديث.\nومما ينبه إليه: أن ذكر هذه الطائفة ليس معتبرًا بهذا الحديث فقط، فإن هذا الحديث قد تكلم فيه طائفة من أهل العلم، وصححه أو قواه آخرون، فسواء صح هذا الحديث أو لم يصح؛ فإن ثبوت هذا الانتماء إلى أهل السنة والجماعة معتبر بالنصوص المتواترة التي ذكر فيها النبي ﷺ افتراق الأمة، وذكر أن طائفة لا تزال على الحق إلى قيام الساعة، وغير ذلك من النصوص الصحيحة، فعدم صحة هذا الحديث لا يؤخذ منه إلا أن التخصيص لهذا العدد -وإن كان حسنًا في الجملة- وهو الثلاث والسبعون لم ينضبط من جهة السنة، فإذا قلنا بأن الحديث لم يصح فإنه يسقط بذلك التصريح بهذا العدد، وهو أن الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، وأما أن الافتراق نفسه يرتفع إذا ضُعف هذا الحديث أورد فليس كذلك؛ وذلك لوجهين:\nالوجه الأول: ما تواتر من السنة بأنه لا تزال طائفة على الحق، وأن الأمة ستفترق.\nالوجه الثاني: اعتبار الحال، فإن الافتراق شائع في الأمة منذ قرون متقدمة.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>ظهور البدع في تاريخ الإسلام</span>\nلم يكن في زمن النبي ﷺ اختلاف في مسائل أصول الدين، وكذلك في زمن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، إلا في آخر خلافة الخلفاء لما ظهرت الخوارج.\nوكان أول غلط وقع هو الغلط في مسألة الإيمان، وما يتعلق بها من الأسماء والأحكام -أي: حكم أهل الكبائر- وكان ذلك في آخر خلافة الخلفاء الأربعة الراشدين.\nثم بعد انقراض عصر الخلفاء وفي آخر عصر الصحابة وبعد إمارة معاوية -أي: في زمن الفتنة التي كانت بين ابن الزبير وبني أمية- ظهر الخلاف في القدر، ثم بعد عصر الصحابة وفي قرن التابعين ظهر الخلاف في مسألة الصفات، وهلم جرًا من التسلسل الذي ظهرت به البدع المخالفة لمعتقد السلف ﵏، وهم أصحاب الرسول ﵊ ومن اتبعهم وسار على منهجهم.\nوإذا ذكر السلف فإن المراد بهم الصحابة ومن اقتدى بهم، على ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠].\nوعليه: فإن تخصيصه لـ أبي حنيفة وصاحبيه على التحقيق المتقدم ليس له ذاك الاختصاص، وإنما هو نوع من البيان والذكر، وإلا فإن عقيدة أبي حنيفة وصاحبيه هي عقيدة سائر الأئمة.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>منزلة توحيد الألوهية عند المتكلمين</span>\nقال المصنف ﵀: [نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره].\nقوله: (إن الله واحد لا شريك له) ابتدأ الطحاوي رسالته بذكر مسألة التوحيد، ولكنه ذكرها مجملة، والجمل التي بعد الجملة الأولى تتعلق بتوحيد الربوبية، وأما توحيد الألوهية فإنه ذكره مجملًا.\nوهذا يرتبط بمسألة: وهي أن كثيرًا من المتأخرين -ولا سيما المتكلمين ومن تأثر بهم- إذا قرروا مسألة الاعتقاد وأصول الدين فإنهم يبتدئون بذكر توحيد الربوبية؛ لأنهم يعتبرون أن القول في الصفات يكون فرعًا عن هذا التقرير، وهذا الاعتبار من حيث الأصل لا إشكال فيه، لكن الغلط الذي وقع فيه المتكلمون هو من جهة أنهم لم يحققوا توحيد الربوبية إثباتًا إلا بنوع من الأدلة التي تستلزم تعطيل الصفات -كما هو مذهب المعتزلة- أو ما هو منها.\nوعليه: فإن نفي الصفات عند المعتزلة، أو نفي بعض الصفات -كما هو مذهب الأشاعرة والماتريدية- جاء نتيجة لتقرير مسألة الربوبية بأدلة تستلزم إما تعطيل الصفات، كما هو مذهب المعتزلة، أو تعطيل بعضها وهي الصفات الفعلية، كما هو عند الأشاعرة والماتريدية.\nمع أن مسألة توحيد الربوبية تعتبر أصلًا مقررًا في الأدلة الشرعية التي هي أدلة فطرية، وأدلة عقلية، وهناك مقاصد من الشريعة تدل على توحيد الربوبية الذي لم يكن محل خلاف بين المسلمين، ولا بين جمهور الأمم؛ فإن جمهور بني آدم يقرون بأصل الربوبية.\nوإنما الأصل الذي بُعِثَ الرسل عليهم الصلاة والسلام بتقريره وتفصيله، وكان الغلط فيه شائعًا في بني آدم، هو توحيد الألوهية، لكننا لا نجد هذا التوحيد مذكورًا في كتب المتكلمين كثيرًا، ليس لأن المتكلمين يرون جواز الشرك في الألوهية، وإنما لأنهم يعتبرون أن مسائل الصفات وما يتعلق بها من المسائل يرتبط تقريره بمسألة الربوبية، فلابد من تقرير توحيد الربوبية، ثم بعد ذلك تقرير مسائل الصفات والأفعال وغير ذلك.\nوأما توحيد الألوهية فيرون أنه مسألة منفكة، وليس لها اتصال بهذا التقرير الذي اعتبروه، وهذا من أوجه غلطهم في هذا التوحيد.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>السبب في إفراد توحيد الأسماء والصفات</span>\nوقول الطحاوي ﵀: (إن الله واحد لا شريك الله)، هذا من أثر السنة على الطحاوي ﵀، فإنه ذكر توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.\nوقد كان الشائع في كلام المتقدمين من أهل العلم أن التوحيد على النوعين: توحيد علمي وتوحيد إرادي، أو: توحيد المعرفة وتوحيد الطلب والقصد، ويذكرون أن توحيد المعرفة أو التوحيد العلمي هو توحيد الربوبية، ويدخل في توحيد الربوبية مسألة الأسماء والصفات، ويكون التوحيد الطلبي أو الإرادي هو توحيد العبادة، الذي هو: إفراد الله ﷾ بالعبادة الظاهرة والباطنة.\nولكن لما حصل التعطيل في الأسماء والصفات المخالف للتوحيد فيها؛ صار طائفةٌ من أهل السنة والجماعة يخصون الأسماء والصفات باسم مختص، فصاروا يقولون: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية، وهذه التقاسيم من باب الاختلاف اللفظي الذي ليس تحته اختلاف تضاد.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>تفسير: (واحد لا شريك له) عند السلف وعند المتكلمين</span>\nوقوله: (إن الله واحد لا شريك له)، أي: إن الله ﷾ واحد لا شريك له في ربوبيته ولا في ألوهيته ولا في أسمائه وصفاته ..\nهذا هو تفسير هذه الجملة على معتقد أهل السنة، وهذه الجملة شائعة في كلام المتكلمين، ولكنهم يقولون: إن الله وحده لا شريك له في ذاته، ولا في أفعاله، ولا في صفاته، وذلك حسب تفسيرهم للصفات والأفعال.\nويكون الغلط على هذا التقرير من جهتين:\nالجهة الأولى: أنهم لم يذكروا توحيد الألوهية، بل قالوا: واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله، وهذه كلها تدخل تحت توحيد الربوبية والأسماء والصفات.\nالجهة الثانية: أنهم حين يقولون: واحد في أفعاله، وواحد في صفاته، يقصدون مذهبهم المقرر في الصفات والأفعال المخالف للسلف.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>التفصيل في الإثبات والإجمال في النفي</span>\nوقوله: (ولا شيء مثله).\nهذا معتبر بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وهذا من النفي المجمل في القرآن، والله ﷾ لما ذكر ما يتعلق بأسمائه وصفاته ذكرها مفصلةً مثبتة، وذكر النفي مجملًا إلا في مواضع، كقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وكقوله: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].\nومن قواعد أهل السنة والجماعة في الصفات: أنهم يقولون: إن الله موصوف بالإثبات والنفي؛ والإثبات يقع مفصلًا ويقع مجملًا، ولكن الأصل فيه في القرآن هو التفصيل.\nوالنفي يقع مفصلًا ومجملًا، ولكن الأصل فيه الإجمال.\nأما الإثبات المفصل: فهو ما ذكر في القرآن من ذكر أسماء الله ﷾؛ كقوله تعالى: ﴿هُوَ الله الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ﴾ [الحشر:٢٣] ..\nالآيات، وكذلك ما ذكر من الصفات، كقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، ﴿رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] ..\nإلى غير ذلك.\nويقع الإثبات مجملًا، وهو في الأسماء في مثل قوله تعالى: ﴿وَلله الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وفي الصفات في مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، وعند هذه الآية قرر أهل السنة والجماعة -ولا سيما من تأخر كـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ - أن كل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وهو الكمال المطلق؛ فإن الخالق أولى به.\nوإنما تكلم المتأخرون بهذا التفصيل -كـ شيخ الإسلام - مع أنك إذا تتبعت هذه الأحرف قد لا تجدها في كلام السلف، لأن مصطلح القياس من حيث اللغة العربية يقتضي نوعًا من التشابه أو التماثل، وإلحاق شيء بشيء، فلم يكن معتبرًا في مسائل الصفات، ولكن لما تكلم أهل الاصطلاح بمصطلح القياس على معنى قياس الشمول، وقياس التمثيل، وقياس الأولى، إلى غير ذلك؛ صار كثير من أهل الكلام يعتبرون مذهبهم بنوع هو عند التحقيق من قياس الشمول أو قياس التمثيل، مع أنهم لا يسلمون بذلك، لكن هذا هو حقيقة المذهب، فلما وردت مسائل في القياس، وهل يستعمل القياس في حق الله وصفاته؛ قال من قال من المتأخرين من أهل السنة والجماعة: إنه يستعمل في حقه ﷾ قياس الأولى، وهو أن كل كمال مطلق لا نقص فيه بوجه من الوجوه، فإن الخالق أولى به.\nومأخذهم في هذا القياس هو قوله تعالى: ﴿ولله الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، مع أن تسميته (مثلًا) أصح، وينبغي ألاَّ يسمى قياسًا إلا إذا قُصد بذلك البيان للمخاطب، أو إذا قيل: أيصح استعمال قياس الأولى في حق الله سبحانه؟ فيقال: نعم، ولكن يسمى (مثلًا أعلى) ولا يسمى قياسًا اقتداءً بحرف القرآن؛ ولأن القياس لفظ حصل فيه اشتراك وإجمال، وجميع صور القياس لا تليق بالله ﷾، وإنما يستخدم في حقه قياس الأولى.\nولهذا قال ابن تيمية ﵀ في الرسالة التدمرية: (ويتحقق هذا بأصلين شريفين ومثلين مضروبين)، ثم ذكر الروح ونعيم الجنة، فالمثلان المضروبان هنا هما من باب قياس الأولى، لكن سماهما (مثلًا) اقتداءً بحرف القرآن.\nوأما النفي المجمل في القرآن فهو المذكور في مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وأما النفي المفصل فهو المذكور في مثل قوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] ..\nإلى غير ذلك.\nوالنفي المجمل هو الأصل، وأما النفي المفصل فهو فرع عن الإثبات، بمعنى: أنه ليس في القرآن نفي مفصل يراد به النفي المحض، أي: النفي الذي لا يتضمن أمرًا ثبوتيًا، ومن هنا قيل: إن النفي المفصل في القرآن فرع عن الإثبات، فمثلًا: قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] أي: لكمال عدله، فتضمن النفي إثبات العدل، وهكذات ..\nوعليه: فكل نفي مفصل في القرآن فلابد من أن يتضمن أمرًا ثبوتيًا.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>السبب في عدم تفصيل النفي في القرآن</span>\nفإن قيل: فلِمَ لَمْ يفصل النفي في القرآن؟ أي: لِم لم تنف صفات النقص بالتفصيل كالجهل والعجز وغير ذلك؟\nفيقال: لأن الله ﷾ ذكر في كتابه الإثبات مفصلًا، ومعلوم أن المتقابلين تقابل التضاد أو التناقض يمتنع عند ثبوت أحدهما ثبوت الآخر، بمعنى: أن الله لما وصف نفسه بأنه سميع وبصير، وأنه موصوف بالكلام والقدرة: إلى غير ذلك؛ عُلم بضرورة العقل أنه منزه عن ضد ذلك؛ لأن الجمع بين الضدين ممتنع.\nوعليه: فإن كل نقص يُعلم أنه منفي بضرورة العقل وضرورة الشرع.\nأما ضرورة العقل: فلأن الله ﷾ مستحق للكمال منزه عن النقص، وهذا معروف بدلائل عقلية.\nوأما ضرورة الشرع: فلأن الله ذكر في كتابه الإثبات مفصلًا، فكل ما ضاد هذا الإثبات يُعلم بضرورة الشرع أنه منفي.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>طريقة المتكلمين في النفي والإثبات</span>\nوطريقة المتكلمين هي التفصيل في النفي والإجمال في الإثبات، وهي طريقة مخالفة للقرآن وللعقل؛ أما مخالفتها للعقل: فلأن النفي الذي يستعملونه هو النفي المحض، الذي لا يدل على الكمال، ولا يتضمن أمرًا ثبوتيًا، فهو نوع من التعطيل؛ ولهذا فإن من فقه السلف ﵏ أنهم سموا أصحاب هذا المذهب بالمعطلة؛ لأن من استعمل النفي المحض فإنه ينتهي إلى التعطيل؛ لأن الأشياء المعدومة والممتنعة تشترك في هذا النفي، ومن أخص القواعد الشرعية والعقلية: أن كل موجود لابد أن يكون له صفات تليق به، والله ﷾ هو الخالق البارئ، الذي خلق الخلق وأبدع الكائنات، فلابد أن يكون له من الصفات ما يحصل بها هذا الكمال.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>نفي التمثيل عن الله تعالى من جميع الوجوه</span>\nوقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] أي: ليس كمثله شيء قائم في الوجود، وليس كمثله شيء متصور الوجود، فإن الله سبحانه لا يحاط به علمًا؛ وعليه: فإن كل مُتَخيَل يتخيله الذهن أو العقل، وكل موجود علم وجوده أو لم يعلم وجوده، أي: اطلع المكلفون على ماهية وجوده أو لم يطلعوا؛ فإن الله ﷾ منزه عن مماثلته.\nولذلك فإن عقيدة أهل السنة والجماعة، وهو معتقد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أن الله ﷾ يُعلم بما أخبر في الكتب المنزلة على أنبيائه ورسله، ويُعلم بما فطر الخلق عليه من صفاته وأفعاله، ولكن لا يحاط به علمًا، وهذا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فإذا كان هذا في صفة من صفاته ففيما يتعلق بتمام ذاته من باب أولى.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>شرح العقيدة الطحاوية [٢]</span>\nالله ﷾ هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، الذي لا يعجزه شيء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>عموم قدرة الله تعالى</span>\nقال المصنف ﵀: [ولا شيء يعجزه؛ ولا إله معه].\nقوله ﵀: (ولا شيء يعجزه).\nهذه الجملة من الجمل المجمع عليها بين المسلمين، وذلك أن الله ﷾ لا شيء يعجزه.\nومن الملاحظ أن الجمل التي يذكرها الطحاوي ﵀ تارةً تكون جملًا يحصل بها تخصيص لمعتقد أهل السنة والجماعة عن معتقد مخالفيهم من المتكلمين أو غيرهم من الطوائف، وتارةً يذكر جملًا لا يحصل بها التخصيص؛ حيث تكون الجملة من معاقد الاتفاق بين سائر طوائف المسلمين، فقوله: (ولا شيء يعجزه) هذه جملة مجمع عليها، فليس هناك طائفة من الطوائف تخالف هذه الجملة.","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>معنى شهادة أن لا إله إلا الله</span>\nوقوله: (ولا إله غيره).\nأي: لا معبود غيره، وتفسير توحيد الألوهية هو: أنه لا معبود بحق إلا الله ﷾، وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله.","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>حكم إطلاق لفظ (القديم) على الله تعالى</span>\nقال المصنف ﵀: [قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء].\nلفظ: (القديم) لم يرد في الكتاب ولا في السنة، وهو من الألفاظ التي استعملها المتكلمون، وكان ينبغي للمصنف ﵀ أن لا يعبر بها، ولا سيما أن اللفظ القرآني المناسب لهذا المقام متحقق، فإن الله ﷾ قال: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]، وقال النبي ﷺ كما في الصحيح في دعائه: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء)، وقوله: (وأنت الباطن فليس دونك شيء) معناه: لا يخفى عليه شيء ﷾.\nفكان ينبغي أن يقول: (الأول بلا ابتداء)، أو: (الأول الذي ليس قبله شيء)، كما قال ﵊، وذلك لأن لفظ (القديم) لم يرد، وهو لفظ مجمل، والله ﷾ يُوصف بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ من الأحرف القرآنية، أو الأحرف والكلمات النبوية، فلابد من الاقتداء بالكلمات القرآنية والكلمات النبوية.\nوأما الأحرف الحادثة التي لم ترد في الكتاب ولا في السنة، والمجملة التي تحتمل حقًا وباطلًا؛ فإن مذهب السلف فيها التوقف في لفظها والتفصيل في معناها.\nوعليه: فكل لفظ مجمل حادث فإنه لا يُطلق إثباتًا ولا نفيًا؛ بل يُستفصل عن معناه، فإن أريد به ما هو حق قُبل، وإن أُريد به ما هو باطل رُدّ، وأما اللفظ فيتوقف فيه؛ فإن كان المعنى حقًا عبر بالألفاظ والكلمات الشرعية.\nهذه هي القاعدة في الألفاظ المجملة الحادثة.\nوالحدوث -كما ذكرنا- هو اللفظ الذي لم يذكر في الكتاب والسنة.\nوالإجمال: هو أن يكون اللفظ محتملًا لأكثر من معنى بينها تضاد واختلاف.\nوينبه هنا إلى مسألة مهمة: وهي أن الإجمال تارةً يكون بأصل الوضع -أي: بأصل اللغة، فهو في لسان العرب لفظ مجمل- وتارة يكون موجبه الاستعمال وليس اللغة، فإذا كان اللفظ حادثًا ومجملًا من جهة لسان العرب، فإنه لا يطلق إثباتاص ولا نفيًا في حق الله تعالى، وكذلك إذا كان لفظًا حادثًا ومجملاص من جهة الاستعمال، وإن كان من حيث اللغة ليس مجملًا.\nمثال ذلك: لفظ (الظاهر) أي: ظاهر الكلام، فهذا اللفظ من حيث اللغة العربية ليس مجملًا، لكن لما استعملته الطوائف صار مجملًا، حيث صارت طائفة منهم يفسرون الظاهر بالتشبيه، وطائفة أخرى يفسرون الظاهر بالتأويل ..\nوغير ذلك، ولهذا لما تكلم المتأخرون: هل ظاهر نصوص الصفات مراد أو ليس مرادًا؟ كان جواب أهل السنة والجماعة كـ شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: أن لفظ الظاهر لفظ مجمل، لا من جهة اللغة، وإنما من جهة الاستعمال والقاعدة المقررة: أن كل لفظ مجمل حادث فإنه لا يطلق إثباتًا ولا نفيًا؛ بل يستفصل في معناه، فإن أريد به ما هو حق قبل، وإن أريد به ما هو باطل رُد، والمعنى الحق يعبر عنه بالألفاظ الشرعية.\nفإذا عُبر عن عقيدة أهل السنة والجماعة بيانًا لها، فلا يصح في هذا المقام استعمال الألفاظ المجملة، إنما تستعمل في مقام مخاطبة أهل الاصطلاح الذين لم يعرفوا إلا هذا الاصطلاح، قال شيخ الإسلام ﵀ في درء التعارض: (والأصل في هذا المقام الاعتبار بالأحرف والكلمات المذكورة في الكتاب والسنة) ثم قال: (وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم فإن هذا مما تسوغه الشريعة إذا قام مقتضيه).\nوهذا إذا لم يمكن أن يخاطبوا إلا بهذا الاصطلاح؛ كالطوائف التي لم تعرف الألفاظ القرآنية والنبوية على التحقيق، وإنما استعملت ألفاظًا كلامية.","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>آخرية الله ﷿</span>\nوقوله: (دائم بلا انتهاء).\nهذا التعبير أجود من التعبير السابق، مع أنه لو عبر بأنه (الآخر الذي ليس بعده شيء) لكان أجود وأصوب؛ لأن هذا هو لفظ القرآن.\nوالفرق بين قوله: (دائم بلا انتهاء) وقوله: (قديم بلا ابتداء) مع أن كليهما ليس موافقًا للحرف القرآني؛ أن لفظ (القديم) فيه إجمال من جهة الاصطلاح، ومن جهة اللغة، فإن القديم في اللغة لفظ إضافي، أي: المتقدم على غيره، وقد يتقدمه غيره.","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>تنزيه الله تعالى عن الفناء والعدم</span>\nقال المصنف ﵀: [لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد].\nقوله: (لا يفنى ولا يبيد).\nهذه الألفاظ ليست مذكورةً في الكتاب ولا في السنة، ومراد المصنف بها التنزيه، أي: أن الله ﷾ منزه عن الفناء والعدم، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، وكأن هذا هو معتبر الإمام الطحاوي في تعبيره عندما قال: (لا يفنى)، ولكنه ذكره على جهة الفعل.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>مقام الإخبار عن الله أوسع من مقام الوصف والتسمية</span>\nوكان الأولى بالمصنف في هذه الجمل المجملة أن يستعمل ما في القرآن، ولكن مع هذا فإن جملته ليس فيها تعقيد، فإنها مفصلة، ولفظها أصله معروف في الشرع، وحتى لو لم يكن كذلك فإنه ليس لفظًا مجملًا، فإن اللفظ إذا كان مفصلًا ساغ الإخبار به وإن لم يكن مستعملًا في القرآن، وهذا يتعلق بمسألة التفريق بين وصف الله بالصفة أو تسميته بالاسم وبين الإخبار عنه، فإذا قصد مقام ذكر أسماء الله وصفاته، فإن هذا معتبر بالألفاظ الشرعية، وأما إذا قصد الإخبار العام عن الله ﷾ فإن هذا يعبر عنه بما هو صحيح بمقتضى الشرع واللغة؛ وإن لم يكن من جهة اللفظ مستعملًا؛ ولهذا فإن المسلمين في الدعاء يخاطبون الله ﷾ بما هو من الإخبار عنه، ولربما تعذر انضباطه لاختلاف مسائل الناس وحاجاتهم.\nوباب الإخبار قد نص أئمة السنة والجماعة على أنه أوسع من باب الاسم والصفة، والمقصود به: ما لم يُذكر على جهة كونه اسمًا أو صفةً، وإنما يأتي في سياق العموم، فهذا يسوغ وإن لم يرد لفظه إذا كان لفظه ومعناه مما لا يُعارض النصوص الشرعية.","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>أقسام إرادة الله تعالى</span>\nوقوله: (ولا يكون إلا ما يريد) إرادة الله ﷾ جاءت في القرآن على نوعين:\nالنوع الأول: إرادة التكوين، وهي المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ الله أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥]، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].\nالنوع الثاني: الإرادة الأمرية الشرعية، وهي أمره ﷾ لعباده، ولا تلازم بين الإرادتين، وهي المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، فهذه الإرادة الأمرية الدينية الشرعية تقع مخالفتها من العصاة إما بالكفر أو ما دونه.\nبخلاف الإرادة الكونية الخلقية وهي إرادة التكوين والخلق والتدبير، فإن هذه لا يمكن أن يتخلف متعلقها، فإذا أراد الله شيئًا على هذا الوجه فإنه لابد أن يكون.\nفكل ما يقع وما سيقع وما لم يقع مما يمكن وقوعه فإن الله ﷾ قد أراد وقوع ما وقع، وأراد وقوع ما سيقع، وأراد عدم وقوع ما لم يقع ولم يقدر وقوعه، فكل شيء بإرادته، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] وهذه إرادة التكوين والخلق.\nوخلق الله ﷾ يقع بمحض الأمر والإرادة، ويقع بتوسط السبب، كخلقه لأفعال العباد، فإنها بتوسط السبب وهو العبد، وكخلقه للإنسان فإنه بتوسط السبب وهما الأب والأم، وما إلى ذلك، والله ﷾ هو الخالق للسبب وللمسبب ويأتي تفصيل هذا في مسألة: أفعال العباد، وبيان معتقد السلف في ذلك.","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>تنزيه الله عن فروض الذهن وتصوراته</span>\nقال المصنف ﵀: [لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام].\nقوله: (لا تبلغه الأوهام):\n(الوهم): هو ما يفرضه الذهن ويعرض له.\nو(الفهم): هو ما يتصوره الذهن، وهذا من الأوجه الممكنة في تفسير الفهم والوهم، وإلا لو أخذناها كمصطلحات كلامية أو فلسفية لطال القول فيها، والمعنى المقارب لمراد المصنف أنه أراد أن يقول: إن الله ﷾ لا يبلغه تصور ولا فرض الذهن، والذهن -كما يقول شيخ الإسلام ﵀ -: يفرض المحال ولكنه لا يتصوره؛ فتصور الذهن أقرب إلى الإمكان من فرضه، والله ﷾ منزه عن ما يفرضه الذهن.\nإذًا: الفرض هو المرحلة الأولى التي يعرض فيها الشيء في الذهن، وقد يكون في هذه المرحلة ممكنًا وقد يكون محالًا، فإذا ما دخل مرحلة التصور، فرفض الذهن أن يتصور ذلك الشيء دل على أنه إما محال، وإما أن الذهن عجز عن تصوره مع أنه قد يكون في الحقيقة من الأشياء الممكنة.\nفمثلًا: قد يفرض الذهن مثلثًا له أربعة أضلاع! وهذا من المحالات التي لا يستطيع أن يتصورها؛ ولهذا كان من القواعد التي اعتمدها شيخ الإسلام في رده على المخالفين قوله: (إن ما ذكره الفلاسفة أو غلاة المتكلمين من الدلائل العقلية هي فروضات يفرضها الذهن، ولا اعتبار بما يفرضه الذهن؛ لأن الذهن قد يفرض المحال والممتنع، وأما ما يتصوره الذهن تصورًا تامًا فإنه يكون ممكن الوجود، فالله ﷾ منزه عما يفرضه الذهن ويتصوره حتى ولو كان تصورًا كماليًا.\nوقوله: (لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام)، هو من عبارات السلف كقولهم: (أمروها كما جاءت بلا كيف)، أي: مع نفي الكيفية عن الله ﷾، لا نفي وجود وإنما نفي علم، كما قال الإمام مالك في قاعدته المتواترة والمتلقاة بالقبول عند سائر أهل العلم: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعه).\nفقوله: (الكيف مجهول) أي: أن صفات الله ﷾ لابد لها من حقيقة وكيفية ولكنها مجهولة.\nأما كونها مجهولة فذلك بدلالة الشرع؛ لأن الله أخبرنا أنه استوى ولم يخبرنا كيف استوى، فالاستواء مجهول بدلالة العقل؛ لأن العلم بالكيفية ممتنع، فإن الكيف إنما يُعلم بالخبر المفصل أو بالمشاهدة أو بمشاهدة النظير، والله لم يخبرنا بالكيف مفصلًا، ولم نره، وهو متعال ومنزه ﷾ عن المثيل والشبيه.\nوقوله: (والإيمان به واجب)، أي: أن الإيمان بالخبر ليس مبنيًا على الإيمان بالعلم بالكيفية؛ فإن هذا منفك عن هذا، والناس يؤمنون بأشياء كثيرة مع أنهم لم يعرفوا كيفيتها.","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>نفي التمثيل أولى من نفي التشبيه</span>\nقال المصنف ﵀: [ولا يشبه الأنام].\nقوله: (ولا يشبه الأنام) لفظ التشبيه جرى ذكره منفيًا في كلام الأئمة ﵏، لكن هذا اللفظ لم يستعمل في الكتاب ولا في السنة، ومن هنا فإن التعبير بنفي التمثيل يكون أصح من جهة أنه اللفظ الذي عُبر بنفيه في القرآن، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].\nوتخصيص المصنف (الأنام) بالذكر ليس هو الأولى، بل كان الأولى أن ينفي ذلك مطلقًا، إلا إذا أريد أن هذا من باب قياس الأولى؛ فإن الله ﷾ كرَّم بني آدم، وإذا كان الله ﷾ منزهًا عن مشابهتهم فغيرهم ممن هو دونهم من باب أولى.\nأو يُفَسَّر كلام المصنف بأن المراد (بالأنام) سائر المخلوقين، فإنه بهذا الاعتبار يكون ممكنًا.\nقال المصنف ﵀: [حي لا يموت، قيوم لا ينام].\nقوله: (حي لا يموت):\nذكر المصنف اسم الحي والصفة المتضمنة له، وذكر النفي، مع أن الأصل أن اللفظ المفصل إثباتًا في القرآن لا يلحق به نفي ما يضاده إلا في الموارد المذكورة في النصوص على هذا الوجه، فمثلًا: إذا ذكر السميع والبصير فإنه يذكر ولا يلحق به النفي؛ لأن العلم بالنفي علم قاطع، من باب أن المتقابلين يمتنع ثبوتهما معًا، فلما ثبت أنه سميع عُلِمَ أنه منزه عن ضد ذلك؛ لكن المصنف قال هنا: (حي لا يموت)، لأن الله ﷾ قال: ﴿الله لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] فلما حصلت هذه المناسبة في هذا السياق جرى المصنف على هذا الاعتبار، وإلا فإن الأصل أن اللفظ المفصل لا يلحق به النفي الذي يعلم ثبوته معه.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>التفصيل في معنى: (الحاجة) المنفية عن الله</span>\nقال المصنف ﵀: [خالق بلا حاجة، رازق بلا مئونة].\nقوله: (خالق بلا حاجة):\n(الحاجة) لفظ مجمل حادث، أما كونه حادثًا فلأنه لم يذكر في الكتاب ولا في السنة، وأما كونه مجملًا فهذا باعتبار الاستعمال.\nمثلًا: علماء الأشاعرة لما تكلموا في مسألة حكمة الله لم يصرح أحد منهم بنفي الحكمة عن الله، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على ابن المطهر في منهاج السنة، لما قال ابن المطهر: إن بعض طوائف السنة ينفون عن الله الحكمة، قال شيخ الإسلام: (وأما قوله: إن بعض طوائف السنة ينفون عن الله الحكمة، فإنما يريد به مذهب الأشعرية، ومع هذا فإن الأشعري وسائر أصحابه لم ينطق أحد منهم بنفي لفظ الحكمة، بل هذا لا يعرف عن أحد من المسلمين)، فإنهم وإن كان حقيقة مذهبهم نفي الحكمة، لكنهم لا يعبرون بنفيها.\nلكن الأشاعرة سموا الحكمة غرضًا وحاجة، ولهذا نجد في كتب الأشاعرة كثيرًا (فصل في أن الله منزه عن الأغراض والحاجات) ومرادهم بالحاجات والأغراض: هو معنى الحكمة المعروف في كلام السلف ﵏، وإذا ذكر الأشعرية الحكمة فسروها بمحض الإرادة والمشيئة، وأما معناها فإنهم ينفونه تحت مسمى الغرض والحاجة.\nوعليه: فقول المصنف: (خالق بلا حاجة)، وهذا حرف فيه تردد، فإننا لو أخذنا اللفظ حسب وضع اللغة العربية فإن الجملة تكون مناسبة، حتى ولو لم يرد اللفظ في القرآن فإننا نقول: هذا من باب الإخبار، والخبر إذا كان صحيحًا، ولفظه في اللغة صحيح فلا يلزم التصريح به في الكتاب أو السنة، لكن هذه الجملة فيها نظر؛ لأن لفظ: (الحاجة) صار يراد به عند الأشاعرة وكثير من المتأخرين نفي الحكمة والتعليل لأفعال الله ﷾، وهذا هو الذي جعل بعض شراح الطحاوية يفسرون ذلك بأنه خلق الخلق ليس لحكمة ولا لعلة، إنما لمحض المشيئة، فالصحيح أن يقال: هو الخالق، وهو مستغن عن خلقه، ولكنه خلق الخلق لحكمة.\nوجميع حكمته سبحانه لا يعلمها الناس، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وإذا كان أمره ﷾ يخفى على كثير من الناس مراده به فكيف بحكمته -ويريد بذلك قوله تعالى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١]- التي لا يعلمها على التمام ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما يعرفون أصولها وجملها، كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، لكن سائر ما يقع في هذا الكون من الحركة والسكون والأفعال والتقدم والتأخر والمآلات وما إلى ذلك، فإن تفاصيل العلم بهذه الأشياء محض حق الله ﷾.","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>عموم رزق الله لخلقه</span>\nقول المصنف ﵀: [رازق بلا مئونة] أي: أن الله ﷾ هو الرازق يرزق من يشاء، ومسألة الرزق تكلمت المعتزلة فيها من جهة أن رزقه ﷾ هل هو سائر ما يقع لعباده حتى ولو كان العبد كافرًا، أم أن الرزق لا يضاف إلا لمن آمن به؟\nفذهب طائفة من المعتزلة إلى أن الرزق خاص بمن آمن به، قال شيخ الإسلام ﵀: وهذا تخصيص مخالف لإجماع السلف، بل رزقه ﷾ لسائر من خلق من بني آدم وغيرهم من آمن منهم ومن كفر.\nقال المصنف عليه رحمة الله: [مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة].\nالجمل التي تقدم ذكرها إلى هذه الجملة كلها مجملة متفق عليها في الجملة بين سائر طوائف المسلمين، ولم يذكر المصنف جملةً مختصةً يقع بها التمييز لمذهب السلف عن غيرهم.\nوبعض الطوائف قد تفسر بعض هذه الجمل تفسيرًا يختلف عن تفسير السلف لها، لاختلافهم في مناطاتها، مثلًا قاعدة: (أن الله ﷾ مستحق للكمال منزه عن النقص)، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: هذه قاعدة متفق عليها بين سائر طوائف المسلمين، لا أحد ينازع في كون الباري سبحانه مستحقًا للكمال منزهًا عن النقص، وإنما اختلف المسلمون في تحقيق مناطها.\nأي: في تفسير الكمال: هل هو بإثبات الصفات أم بنفي الصفات كما ذهبت الجهمية والمعتزلة وكثير من الطوائف الكلامية، أم بإثبات بعض الصفات ونفي بعضها، أم بالتفويض؟","vol":"2","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>حقيقة الموت عند أهل السنة وغيرهم</span>\nقوله: (مميت بلا مخافة) أي: أن الله ﷾ هو الخالق المحيي المميت، والموت عند أهل السنة والجماعة مخلوق، كما نقل الإجماع عليه غير واحد منهم الإمام ابن تيمية ﵀، وكذلك عند جمهور الطوائف الكلامية.\nوهذا هو ظاهر القرآن والسنة؛ فإن الله ﷾ قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك:١ - ٢]، فجعل الموت أحد مخلوقاته، وكذلك ثبت عن النبي ﵌ كما في الصحيحين أنه قال: (يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنا)، فالموت مخلوق خلافًا للفلاسفة الذين زعموا أن الموت عدم محض.","vol":"2","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>شرح العقيدة الطحاوية [٣]</span>\nالله ﷾ بعث رسوله ﷺ وأنزل عليه القرآن؛ الذي فيه ذكره وذكر أسمائه وصفاته، فبلّغ ﷺ ما أنزل عليه وبينه أتم البيان؛ لذا كان معتقد أهل السنة الإيمان بما وصف الله به نفسه وسمى، وبما وصفه به رسوله ﷺ وسماه، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>تقرير الأسماء والصفات لله جل وعلا</span>\nقال المصنف ﵀: [ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه].\nهذه الجملة من الجمل التي فيها تخصيص وتمييز للمذهب الذي يتقلده الطحاوي ﵀، فهي ليست مجملة كالجمل السالفة، ومع كونها مفصلةً من جهة إلا أنها مجملة من جهة أخرى، أما كونها مفصلة مميزة فلأنها أخرجت قول الجهمية والمعتزلة وأبطلته، لأن الجهمية والمعتزلة يقولون: إن الله تعالى حدث له الفعل بعد أن لم يكن، ولا يثبتون صفةً قائمةً بذاته ﷾.\nولكنها مجملة من وجه آخر، لأنها لم تميز قول السلف عن قول الأشاعرة، ولا سيما المحققين منهم المقاربين لطريقة الأئمة.\nومن جهة تقرير مسألة الصفات على جهة الإجمال نقول: إن الله ﷾ بعث رسوله ﷺ وأنزل عليه القرآن الذي فيه ذكر أسمائه ﷾ وصفاته، وعلى هذا اتفق الأنبياء والرسل وأتباعهم؛ ولهذا فإن مذهب أهل السنة والجماعة كما هو مقرر ومعلوم أن الله ﷾ موصوف بما وصف وسمى به نفسه، وبما سماه ووصفه به رسوله ﵌، من غير تحريف ولا تعطيل، لا في الأحرف ولا المعاني، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل أهل السنة والجماعة وسط بين المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومتكلمة الصفاتية الذين شاركوا في التعطيل، وبين المشبهة والمجسمة، فهم وسط في هذا الباب كما هم وسط في سائر أبواب أصول الدين بين طوائف المسلمين.\nوأول مخالفة ظهرت في باب الأسماء والصفات -وهو من أخص أصول الإيمان والربوبية- لما أظهر الجعد بن درهم مقالة التعطيل، فزعم أن الله لا يوصف بصفة ولا يسمى باسم، وتابعه على ذلك الجهم بن صفوان، وصارت هذه المقالة تسمى عند السلف مقالة الجهمية نسبة إلى الجهم بن صفوان؛ لأنه هو الذي أشاعها وأذاعها ونشرها، ثم تقلدتها المعتزلة كـ أبي الهذيل العلاف ومن بعده، فصاروا يقررون هذا المذهب.","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>من هم الجهمية</span>؟\nوهنا يشار إلى مسألة وهي: أن (الجهمية) في كلام المتقدمين من أئمة الحديث لا يعنى به ضرورةً أتباع الجهم على سائر أصوله، وإنما يعنى به كل من نفى الصفات، سواء كان جهميًا من حيث الأصول أو لم يكن كذلك؛ ولهذا في فتنة خلق القرآن في زمن المأمون والمعتصم سمى السلف المخالفين لهم: (جهمية)، وسموا الرد عليهم: (الرد على الجهمية)، ومرادهم بالجهمية هنا: نفاة الصفات، سواء كانوا من أتباع الجهم أو من المعتزلة، ذلك أن المعتزلة تشارك الجهم في نفي الصفات، ولكن من المعلوم أن علماء المعتزلة يكفرون الجهم بن صفوان، ليس من جهة نفيه للصفات بل من جهة مسائل أخرى، فإن بين الجهم بن صفوان وأتباعه المختصين به وبين المعتزلة فروقًا في الأصول، وعلى سبيل المثال:","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>الفرق بين المعتزلة والجهمية</span>\n١ - المعتزلة وعيدية في مسائل الإيمان والأسماء والأحكام، والجهم بن صفوان على النقيض من ذلك، فهو على مذهب المرجئة الغلاة.\n٢ - المعتزلة تزعم أن مرتكب الكبيرة يفقد الإيمان، وأنه مخلد في النار، في حين أن الجهم بن صفوان يرى أن الإيمان هو محض المعرفة، وأنه لا يضر مع الإيمان ذنب.\n٣ - مسألة القدر: فإن الجهم من غلاة الجبرية -أي: أن العبد مجبور على فعله- في حين أن المعتزلة قدرية، يقولون: إن الله لم يخلق أفعال العباد، بل العبد مستقل بفعله.\n٤ - بينهم في مسألة الأسماء والصفات اشتراك وافتراق، فإن المعتزلة تقر بأصل الأسماء، في حين أن الجهم بن صفوان لا يقر بالأسماء ولا بالصفات؛ ولهذا فإن المعتزلة في الجملة دون الجهم بن صفوان من هذا الوجه، ولا نقول إنهم يثبتون الأسماء، لأنهم لا يلتزمون أن يسمى الرب ﷾ بسائر ما سمى به نفسه أو سماه به رسوله، ولكن أصل الأسماء عندهم ثابت، والذي يتفقون عليه هو: أنه حي عليم قدير، وزاد بعض طوائفهم: أنه سميع بصير، فهذه الأسماء الخمسة هي مدار الإثبات عند المعتزلة.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>ظهور المشبهة</span>\nلقد ظهر في الزمن المتقدم قوم يشبهون صفات الباري بصفات خلقه، وأول من حفظ عنه مذهب التشبيه هم طائفة من غلاة الرافضة الإمامية كـ هشام بن الحكم الرافضي، وهشام بن سالم الجواليقي وأمثالهما.\nفلم يكن إذ ذاك في الناس إلا إحدى ثلاث مقالات:\n١ - مقالة السلف: وهي الأصل المجمع عليه بين الصحابة وأئمة التابعين، أن الله له أسماء حسنى وصفات علا تليق بجلاله.\n٢ - مقالة المعطلة الجهمية نفاة الصفات.\n٣ - مقالة المشبهة.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>ظهور الكلابية والأشعرية والماتريدية</span>\nثم حدث أن جاء رجلان بعد القرون الثلاثة الفاضلة، هما: أبو الحسن الأشعري، وأبو منصور الماتريدي، وقد ظهرا في آخر زمن الإمام أحمد، وقبل هذين الرجلين رجل اسمه عبد الله بن سعيد بن كلاب، وهو من علماء الكلام، وكان من أشد الناس ردًا على المعتزلة، وانتحل مذهبًا ملفقًا من مذهب الأئمة ومذهب المعتزلة، ويزعم أنه توسط بجمعه بين ذلك، فكان يثبت أصول الصفات ويقول بقدمها ولكنه لا يثبت الصفات الفعلية، فمثلًا يقول: إن الله موصوف بصفة الكلام، وأنه معنى واحد أزلي لا يتعلق بالقدرة والمشيئة، وتبعًا لذلك لا يكون عنده بحرف ولا صوت مسموع.\nويقول: إن الله موصوف بالغضب، ولكنه واحد أزلي، وموصوف بالرضا، ولكنه واحد أزلي، وهكذا.\nوقد انتحل رأيه أمثال الحارث بن أسد المحاسبي الصوفي، الناسك المعروف، صاحب كتاب (الرعاية)، وكتاب (فهم القرآن)، وقرر الحارث المحاسبي هذا المذهب الذي قاله ابن كلاب في كتابه (فهم القرآن)، وهو كتاب مطبوع.\nومنذ ذلك الوقت صار ما قرره ابن كلاب يضاف إلى أهل السنة؛ ولهذا نجد أن الحارث المحاسبي في الصفات الفعلية يقول: إن لأهل السنة فيها قولين، فيجعل للأئمة قولًا، ويجعل ما قاله ابن كلاب هو القول الآخر، ثم يختار القول الذي قاله ابن كلاب، حتى ظهر الأشعري والماتريدي بعد الحارث بن أسد وابن كلاب.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>عقيدة أبي الحسن الأشعري</span>\nالأشعري أصله معتزلي، وهذا مجمع عليه بين الأشاعرة وسائر أهل المقالات والسير، وقد مضى في الاعتزال زمنًا طويلًا، وصرح في كتبه بأنه كان معتزليًا، وأنه صنف للمعتزلة كتبًا لم يصنف لهم مثلها.\nوالأشبه أنه كان زمن الاعتزال على طريقة أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي؛ لأنه تتلمذ على يديه ونشأ في كنفه، ثم رجع الأشعري عن الاعتزال، وهذا لا خلاف فيه بين الناس، لا من الأشاعرة، ولا من أصحاب السنة المحضة، ولا من سائر أهل المقالات والسير.\nإنما الذي حصل فيه تردد وكلام هو: إلى أي شيء رجع الأشعري؟\nهنا أحد مسلكين:\nالمسلك الأول: أن الأشعري كان معتزليًا ثم رجع كلابيًا، ثم رجع سنيًا، أي أنه مرَّ بثلاثة أطوار.\nوهذا القول يعتمده كثير من الباحثين، وهو غلط محض لمن نظر كتب الأشعري وتأمل كلامه، ونظر كتب المحققين كـ شيخ الإسلام ﵀.\nالمسلك التالي وهو الصواب: أن الأشعري ليس له إلا مذهبين: المذهب الأول هو الاعتزال، ثم لما ترك مذهب المعتزلة انتحل مذهب أهل السنة.\nأما من حيث الحقيقة العلمية فإن الأشعري كان معتزليًا، ثم لما ترك الاعتزال وانتحل مذهب أهل السنة كان -كما يقرر شيخ الإسلام في منهاج السنة وغيره- علمه بالكلام وأصوله ومقالات المتكلمين من المعتزلة وغيرهم علمًا مفصلًا، وكان علمه بمقالات السلف والأئمة علمًا مجملًا، لأنه اعتنق مذهب أهل السنة عن بعض حنبلية بغداد، فأخذه أخذًا مجملًا، فصار الأشعري يقصد إلى تحقيق مقالة الأئمة، لكن لكون علمه بها علمًا مجملًا لم يحقق ذلك، وإن كان عنده نوع ترق إلى الأفضل، فكتبه الأخيرة -كالإبانة- هي أجود ما كتب، وإذا قارنت بين كتاب (الإبانة) وكتاب (اللمع) مثلًا وجدت بين الكتابين فرقًا، وأن كتاب (الإبانة) أجود بكثير من كتاب (اللمع).\nلكن مع هذا فإن الأشعري لم يخلص إلى السنة المحضة، بل بقي عليه مسائل كثيرة اختلطت عليه، وأخص ذلك مسألة الصفات والقدر والإيمان، فهو في الصفات على طريقة ابن كلاب، بل إن ابن كلاب أجود حالًا من الأشعري كما يصرح بذلك الإمام ابن تيمية ﵀ في مواضع كثيرة؛ لأن ابن كلاب يثبت الغضب والرضا ونحوها من الصفات، ويقول: إن الله موصوف بالغضب، ولكنه واحد أزلي، ولا يفسر الغضب والرضا بالإرادة، بل يثبتها صفةً أزلية، في حين أن الأشعري يفسر الغضب والرضا بصفة الإرادة.\nوكذلك في القدر: فإن الأشعري أبطل الجبر لفظًا، وأبطل مذهب القدرية المعتزلة، ولكنه قال بالكسب فوافق أهل السنة والجماعة لفظًا -حيث إن لفظ الكسب لفظ مستعمل في القرآن وقد أضيف إلى العباد كقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِيْنَة﴾ [المدثر:٣٨] إلى غير ذلك من الآيات، ولكنه فسر الكسب تفسيرًا جبريًا، فقال: إن للعبد قدرةً ومشيئةً مسلوبة التأثير يقع الفعل عندها لا بها، فهو جبري، ولكنه دون الجبرية المحضة.\nولهذا نجد علماء الأشاعرة كـ الشهرستاني والجويني والرازي يقولون: إن ما قرره أبو الحسن في هذا المقام جبر متوسط، وكذلك يقول الرازي: الكسب معناه: أن العبد مجبور في صورة مختار.\nوهذا المذهب هو أحد مذاهب الجبرية، لأن الأشاعرة مذهبهم معروف في مسألة القدر، ويتوهمون أنه لا يصح في هذا إلا قول القدرية أو الجبرية، ومن هنا اختاروا مذهب الجبر.\nكذلك في مسألة الإيمان: يقول الأشعري: إن الإيمان هو التصديق، وهو بهذا مقارب لقول غلاة المرجئة وإن كان ليس مثلهم.\nوأما في آخر كتبه فقد صار يتباعد عن المسائل المفصلة التي لم يحكمها، وينطق بالعبارات السلفية المجملة ويدعها على إجمالها، أي: أنه يذكر الآيات والأحاديث ولا يتكلم في تفصيلها أو تفسيرها، فمثلًا في كتاب الإبانة وهو من آخر ما كتب يقول: (ونؤمن بأن الله مستوٍ على العرش كما في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]) لكنه لا يفصل مقصوده بالاستواء؟ وفي كتبه الأخرى يقول: إن الاستواء فعل فعله بالعرش صار به مستويًا.\nأي أنه لا يثبت الاستواء الذي كان يثبته السلف.\nومن هنا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما من قال منهم -أي: الأشعرية- بكتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالةً تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة، لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة! هذا نص كلام شيخ الإسلام.\nوقد توهم بعض الباحثين أن الإمام ابن تيمية ﵀ يرى أن الأشعري مر بثلاثة أطوار، وأن الطور الأخير الذي كتبه في كتاب (الإبانة) هو طور السلفية المحضة، وهو ليس كذلك، إنما مراد الإمام ابن تيمية ﵀ أن جمل كتاب (الإبانة) جمل سلفية، وإن كان الأشعري في كتاب (الإبانة) إذا أتى لمسألة فيها خلاف بين الأئمة والمعتزلة فإنه يفصلها ويقضي على مذهب المعتزلة ويبطله، كمسألة الرؤية مثلًا، فإنه أثبت الرؤية واستدل بدلائل فاضلة، منها استدلاله بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] قال: إن الإدراك هو الذي نُفي، وهو قدر زائد على الرؤية، ونفي القدر الزائد دليل على أن أصل الرؤية ثابت، وهذا استدلال فاضل اعتمده شيخ الإسلام في كتبه.\nوإذا جاء إلى الخلاف الذي بين ابن كلاب والأئمة فإنه لا يفصله، وإنما يقف على الإجمال.","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>أسباب التباس مذهب الأشعري</span>\nلقد صار مذهب أبي الحسن الأشعري مشكلًا من جهتين:\nالأولى: أنه ينتحل مذهب أهل السنة ويقول: إنه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وهذا صرح به في كتاب (الإبانة) لما قال: فإن قيل: قد أبطلتم قول المعتزلة والخوارج والمرجئة، فما قولكم الذي تقولون به ودينكم الذي تدينون الله به؟ قال: هو ما كان عليه أصحاب رسول الله ﵌، ثم أثنى على الصحابة خيرًا، ثم قال: ونحن بكل ما يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل قائلون، ولما يعتقده معتقدون، فإنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل.\nفكان متشبثًا بالانتماء للإمام أحمد بن حنبل، حتى إن بعض الحنابلة كـ أبي بكر عبد العزيز كان يعده من متكلمة الحنابلة.\nالجهة الثانية: أنه في كتبه الأخيرة صار يجمل في المسائل التي فيها خلاف بين ابن كلاب والسلف، ويستعمل العبارات المجملة الصحيحة من حيث حروفها؛ ولهذا السبب انتحل مذهب الأشعري خلق كثير من الفقهاء وتأثروا به.","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>عقيدة الماتريدي والفرق بينه وبين الأشعري</span>\nأما الماتريدي فكان مشهورًا ومعروفًا بالرد على طائفة من المعتزلة، ولكنه وإن كان يسمي مذهبه مذهب أهل السنة، ويقول: (قال أهل السنة)، و(الذي عليه أهل السنة)، و(إجماع أهل السنة)؛ فإنه أكثر مباينةً لمذهب السلف من الأشعري، فـ الأشعري خير منه من جهتين:\nالجهة الأولى: من جهة الانتماء؛ فإن الأشعري لا ترى في كلامه استعمال لفظ (الحشوية) أو (النابتة) وأمثالها في وصف مقالة المتقدمين من الأئمة، في حين أن الماتريدي يستعمل هذا، وهو استعمال دخل عليه من كلام المعتزلة، فالمعتزلة كانوا يسمون مقالات السلف بمقالات الحشوية وأمثالها.\nالجهة الثانية: من حيث الحقائق العلمية؛ فإن الماتريدي أقرب ما يكون إلى طريقة أبي المعالي الجويني من الأشاعرة، مع أن الجويني جاء بعده، وأما الأشعري فهو أجود منه في الاستدلال والمسائل.\nولكن مع هذا فهذان المذهبان -أعني مذهب الأشعري ومذهب أبي منصور الماتريدي - صار لهما تأثير واسع على الكثير من الفقهاء المتأخرين.","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>تحول الرافضة من التشبيه إلى الاعتزال</span>\nوأما مقالة المشبهة الأولى فهي قول لغلاة الرافضة، ولم يثبتوا على هذا المذهب فقد حصل في مذهب المعتزلة نوع من الميل إلى التشيع، فحينما ظهرت المعتزلة البغدادية صار البغداديون من المعتزلة يطرون علي بن أبي طالب كثيرًا، وصار طائفة من البغداديين يفضلون علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر؛ فلهذا بدأت الشيعة الإمامية تتأثر بأصول المعتزلة، وكما قال الذهبي: إنه بعد المائة الثالثة التقى الرفض والاعتزال.\nأي: حصل بينهما تداخل في الأصول؛ ولهذا فإن أئمة الإمامية من بعد المائة الثالثة يقررون في مسألة الصفات والقدر مذهب المعتزلة.\nوكاد مذهب التشبيه على هذا الاعتبار أن يندثر، حيث لم يكن له أنصار، وكان هذا المذهب ظاهر البطلان.","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>ظهور الكرامية المجسمة</span>\nجاء محمد بن كرام السجستاني فأظهر مقالة التجسيم، وقال: إن الله جسم -تعالى الله عن ذلك- وهو لفظ لم يطلقه السلف لا إثباتًا ولا نفيًا، وصار له أتباع من الحنفية خاصة ومن غيرهم، ولكن بقي مذهب التجسيم الذي انتحله ابن كرام ضعيفًا ليس له رواج، بل حتى مذهب المعتزلة الأوائل ضعف وتأخر؛ لأنه استقر فيما بعد أن مذهب المعتزلة مباين لمذهب الأئمة، إنما الذي ظل ملتبسًا ويسمى مذهب أهل السنة عند كثيرين هو مذهب الأشاعرة، خاصةً أن الأشاعرة صاروا يطلقون على المذهب المأثور عن الأئمة: (مذهب الحنابلة)، ولهذا فإن الرازي حين ذكر مسألة العلو قال: (ولم يقل بهذا إلا الحنبلية والكرامية)، مع أن هذا القول هو القول المجمع عليه بين السلف وإن كان الرازي يغلط في سياقه وتقريره.\nوقوله: (ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه).\nأي أن الله ﷾ موصوف بصفات الكمال ولم يزل ﷾ متصفًا بها، وهذا مفارقة لمذهب المعتزلة، من جهة أن المصنف أثبت الصفات، والمعتزلة لا يثبتون الصفات.","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>قدم الصفات والأفعال</span>\nوفي قوله: (ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه) إشارة إلى مسألة حدث بموجبها تعطيل الصفات:\nومنشؤها أن أول ما ظهر علم الكلام على يد الجهمية والمعتزلة كانت هناك مقالة اطلع عليها علماء الكلام إذ ذاك في كتب طائفة من الفلاسفة الإلهية، وهي أن الله موجب بالذات، بمعنى: أنه لا يتعلق الفعل بإرادته ومشيئته، بل بين الذات والفعل التلازم بين من جهة تلازم الفعل والمفعول.\nومحصل النتيجة من هذه الجملة: القول بقدم العالم، وهذا مذهب إلحادي كفري كان يقول به طائفة من الفلاسفة كـ أرسطو وأمثاله.\nفأراد المتكلمون من الجهمية والمعتزلة الرد على ذلك، فقالوا: إن الله قادر، ولا يسمى موجبًا بالذات، بمعنى: حدث الفعل له بعد أن لم يكن، وهذا الرد أبطل مسألة قدم العالم من وجه، لكنه عطل الباري ﷾ عن صفة الكمال ..\nلأنه يلزم على قولهم أن يكون الله ﷾ فيما قبل ذلك معطلًا عن صفات الكمال، وهذا التعطيل ليس له تناهٍ لأن الله لا أول له.\nولهذا كان السلف يقولون: إن الله لم يزل متصفًا بصفات الكمال من الكلام والفعل والإرادة والعلم والخلق والتدبير\nإلى غير ذلك من الصفات، فهي صفات أزلية.\nفقوله: (ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه).\nهذا مباينة من المصنف لمذهب المعتزلة، لأن المعتزلة لا تثبت الصفات، لكن المصنف لم يباين مذهب أبي الحسن الأشعري صراحة؛ لأن الأشعري يقول بإثبات جملة من صفات الله، ولكنه يجعل هذه الصفات قديمةً، ويجعل الفعل حادثًا بعد أن لم يكن، وهذا من تناقض الأشعري.\nوالمتحقق المجمع عليه بين أئمة السنة والجماعة: أن الله ﷾ موصوف بالصفات، وأن فعله ﷾ لا أول له، بل لم يزل فاعلًا، ولا يصح بإجماع السلف أن يُقال: إن الفعل حدث له بعد أن لم يكن.","vol":"3","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>خلاصة المذاهب في قدم الأفعال والصفات</span>\nفالحاصل أن المذاهب في أزلية الصفات ثلاثة:\nالمذهب الأول: مذهب السلف الذين يقولون بأزلية الصفات وأزلية الأفعال، فلم يزل الرب فاعلًا كما أنه لم يزل متصفًا بصفات الكمال، وأفعاله من صفاته، ومسألة الفعل هي المميزة عن مذهب الأشاعرة.\nالمذهب الثاني: مذهب الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات، ويقولون: إن الفعل حدث بعد أن لم يكن، فهذا تعطيل محض.\nالمذهب الثالث: وهو مذهب الأشعرية الذين يقولون بأزلية الصفات، ويتفقون على إثبات سبع صفات هي: الحياة، والكلام، والبصر، والسمع والإرادة، والعلم، والقدرة.\nويزيد بعض متقدميهم ومحققيهم غير هذه السبع، وكلها عندهم قديمة، وأما الفعل عندهم فحدث بعد أن لم يكن.\nواتفاق السلف مع الأشاعرة على أزلية الصفات اتفاق مجمل، ولا يعني أن مذهب السلف في الصفات موافق لمذهب الأشاعرة، بل بينهم فرق من جهة حقيقة ما يثبت من الصفات، ومن جهة ما تتضمنه الصفة من الفعل كصفة الكلام مثلًا، فإن السلف يقولون: إن الله لم يزل موصوفًا بصفة الكلام.\nوالأشاعرة يقولون: إن الله لم يزل موصوفًا بصفة الكلام، لكن الكلام عند الأشاعرة معنىً واحد قائم في النفس ليس بحرف ولا صوت.\nوأما السلف فعندهم الكلام بحرف وصوت ويتعلق بالإرادة والمشيئة ..\nوينتبه لمثل هذا في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ولا سيما في كتبه الكبار- فمثلًا لما أراد أن يرد على الأشاعرة في مسألة الحكمة والتعليل، قال: وهذا القول الذي ذكره الأشعري أصله قول جهم بن صفوان، وجمهور المسلمين من السلف والأئمة وأهل الحديث والمعتزلة وجمهور طوائف الشيعة يثبتون الحكمة.\nفجعل كل هؤلاء مثبتةً للحكمة والتعليل، ومعنى هذا: أنهم يتفقون على إثبات الحكمة والتعليل إجمالًا، وإلا فالمعتزلة تثبت الحكمة التي تعود إلى العبد فقط، وتتعلق بمصالح العباد، لكن لا يثبتون حكمة تتعلق أو تقوم بذات الله ﷾ فعلًا له وإرادة له، وهذا خلاف قول السلف.\nفينبغي لطالب العلم إذا ذكر له موافقة طائفة من الطوائف الكلامية لأهل السنة أن يتبين، فإن جمهور هذه الموافقات تكون موافقات مجملة ليست مفصلة، وقد يقع شيء من التفصيل في هذا.","vol":"3","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الكلام على تسلسل الحوادث</span>\nوالمصنف ﵀ لم يتطرق لمسألة حدوث الفعل، ولربما يمكن أن يقال: إن ظاهر عبارة الإمام الطحاوي أنه يميل إلى أن الفعل حدث فيما بعد، وهذا يؤدي إلى الكلام عن مسألة تسلسل الحوادث.\nوشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تكلم على هذه المسألة بكلام طويل، وهي لا شك مشكلة، لكن الذي قرره شيخ الإسلام على جهة الإجمال هو: أن الحوادث لا أول لها، وليس معنى هذا الإقرار بمسألة قدم العالم، فإن الشيء الحادث هو المسبوق بالعدم، ويمتنع على هذا قدم العالم، لأنه لا بد من سبق العدم، ومراد شيخ الإسلام ﵀ إبطال مذهب الجهمية والمعتزلة وجماهير الأشاعرة الذين قالوا: إن الفعل حدث بعد أن لم يكن، فيرى شيخ الإسلام ﵀ أن الله ﷾ لم يزل متصفًا بالفعل، وأن كل فعل فإنه من جهة آحاده مسبوق بفعل قبله، وأن الفعل من حيث آحاده لا أول له، ولا يلزم على هذا قدم شيء من المفعولات؛ لأن كل فعل مسبوق بفعل قبله.\nهذا المذهب هو الذي قرره شيخ الإسلام، وحكى أنه إجماع أئمة السنة المتقدمين.","vol":"3","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>تجدد الصفات والأفعال</span>\nقال المصنف ﵀: [لم يزدد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته].\nهذه جملة مجملة، وبيان هذا: أن ابن كلاب والأشعرية تبعًا له لا يرون مسألة تجدد الصفة، ولهذا لما تكلم الحارث بن أسد على العلم في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة:١٤٣] قال: إن العلم هنا هو علم الظهور، بمعنى أنه لم يتجدد علم له ﷾؛ ولهذا لما بلغ الإمام أحمد ﵀ قول الحارث بن أسد هجره، واختلف الناس في تعليل هجر الإمام أحمد له، والذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه لقوله هذا في مسألة الفعل المتجدد.\nويبين شيخ الإسلام المقصود بالعلم فيقول: والعلم بالشيء موجودًا ليس هو العلم به مقدرًا باتفاق العقلاء، ولا شك أن الله سبحانه علم ما كان وما سيكون، ولكن قوله تعالى: ﴿إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة:١٤٣] هذا من إثبات العلم، والله موصوف بالعلم أزلًا، والعلم بالشيء موجودًا ليس هو العلم بالشيء مقدرًا، وهذا لا يرجع إلى نقص في علم الله؛ إذ إن العلم هنا تعلق بالموجود، والعلم في الأول تعلق بالمقدر.\nوابن كلاب والأشعري وأتباعهم لا يثبتون هذا الفرق، وهذا فرع عن قولهم: إن العلم واحد أزلي، والكلام واحد أزلي، وكذا القدرة والإرادة، وهلم جرًا.\nفقوله ﵀: (لم يزدد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته) إن أراد أن الله ﷾ على كل شيء قدير قبل خلقهم وبعد خلقهم، وأنه لم تحدث له صفة مختصة من جهة أصلها، بمعنى أن الصفات قديمة وأزلية فهذا صحيح، وإن أراد أن صفة الفعل لا أثر لها في ذاته ﷾، فلا شك أن هذا هو المذهب الذي كان يقول به الأشعري وابن كلاب، ويرون أنه لا فرق في أفعال الرب سبحانه بين حاله سبحانه قبل الفعل وبعده، فالجملة هنا ليست محكمة، ولهذا تأولها علماء الأشاعرة الذين شرحوا الكتاب على وفق مرادهم.\nقال المصنف ﵀: [وكما كان بصفاته أزليًا كذلك لا يزال عليها أبديًا].\nهذه جملة حسنة، فإنه يقرر أن الله سبحانه لم يزل ولا يزال متصفًا بصفات الكمال، وهذا متفق عليه بين أئمة السنة والجماعة، وهذه جملة لا إشكال فيها.\nثم قال ﵀: [ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري].\nإن أراد أن صفات الله ﷾ أزلية، وأنه ﷾ له الصفات ولم يكن شيء معه، وأنه الأول كما قال النبي ﵌: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء) وصفاته ليست محصلةً من مفعولاته ..\nفهذا صحيح.\nوإن أراد أن الفعل حدث بعد أن لم يكن فلا شك أن هذا المذهب هو الذي اتفق السلف على إبطاله، ودخل على أبي الحسن الأشعري من جهة المعتزلة، وإن كان قد ترك مذهبهم.\nقال المصنف ﵀: [له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق].\nهذا تأكيد لما تقدم في كلامه، وقوله: (له معنى الربوبية ولا مربوب) أي: قبل وجود المربوب، (ومعنى الخالق) أي: اسم الخالق، (ولا مخلوق) أي: قبل وجود المخلوق، وهذا كلام محتمل وإذا كان الكلام محتملًا فيجب أن يبين كونه محتملًا، ثم يفسر بما هو مناسب لمقاصد السلف، وأما التكلف في تأويل الكلام فليس منهجًا صحيحًا.","vol":"3","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>قدم أسماء الله وصفاته سبحانه</span>\nقال المصنف ﵀: [وكما أنه محيي الموتى بعدما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم].\nإن أراد المصنف ﵀ بعباراته هذه أن الله ﷾ لم يزل مسمّى بهذه الأسماء التي سمى بها نفسه، وهذه الصفات التي وصف بها نفسه؛ فهذا لا إشكال فيه، ولكن لا يفهم من هذا أنه فيما لم يزل ﷾ ليس له من الاسم والصفة إلا اسمها فقط، فإن الاسم يتضمن صفةً وفعلًا، ومن أسمائه الرحمن والرحيم والعليم والقدير والسميع، وهذه تتضمن صفاتٍ وأفعالًا.\nفإن أراد بقوله: (وكما أنه محيي الموتى\nإلخ)، أن الأسماء والصفات أزلية فهذا صحيح، وإن أراد أن المقصود من أزليتها اسمها فقط، وأن حقائقها حدثت بعد أن لم تكن فلا شك أن هذا مذهب باطل، وقد كان هذا المذهب ينتحله الأشاعرة، وإن كانوا يجملون في حروفه، ولكن مذهبهم على التحقيق يصل إلى هذا المعنى.","vol":"3","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>شرح العقيدة الطحاوية [٤]</span>\nالإيمان بالقدر من أصول الإيمان التي أخبر عنها النبي ﷺ في حديث جبريل، لكن طوائف من المسلمين خالفت في هذا الأصل العظيم، فانحرفوا فيه عما أوحاه الله لنبيه في كتابه، وما بينه رسول الله ﷺ في سنته؛ لشبهات عرضت لهم، ونظريات عقلية -بزعمهم-.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>عموم قدرة الله تعالى</span>\nقال المصنف ﵀: [ذلك بأنه على كل شيء قدير].\nقدرته ﷾ على كل شيء مجمع عليها بين المسلمين، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠] هذا الحرف من القرآن اتفق المسلمون عليه، لكن يورد المعتزلة وطوائف أخرى مسألة تعلق القدرة بما يسمونه المستحيلات.\nفقالت طائفة من المفسرين: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠]، عام مخصوص، خُصَّ منه الممتنع لذاته، فلا يدخل تحت القدرة، فجعلوا السياق عامًا مخصوصًا.\nوقالت طائفة: هذا سياق عام أريد به الخصوص -أي: الممكن- فلا يدخل فيه الممتنع لذاته.\nوقالت المعتزلة: إن الممتنع لذاته شيء ولكنه لا يدخل تحت القدرة.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والصواب الذي عليه أهل السنة أن الله على كل شيء قدير، وأن هذا العموم محفوظ لم يدخله تخصيص ولا أريد به الخصوص، بل هو على عمومه، وأما الممتنع لذاته فإنه ليس بشيء، فلا يكون داخلًا في الآية أصلًا، إنما هو فرض يفرضه الذهن لا حقيقة له في الخارج، والقدرة تتعلق بما يمكن وجوده في الخارج).\nفممكن الوجود لم ينازع أحد من الطوائف في كونه داخلًا في قدرة الله، إلا ما كان من المعتزلة في مسألة أفعال العباد فإنهم قالوا: إنها ليست بمقدورة لله، لأن العبد عندهم يخلق فعل نفسه.\nقال المصنف ﵀: [وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]].\nهذه الجمل محكمة مجمع عليها بين الطوائف، وليس فيها ما هو مشكل أومشتبه، أما قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فإنها من أخص الآيات التي يذكرها أئمة السلف ﵏ في توحيد الأسماء والصفات، لأن فيها جمعًا بين الرد على المعطلة والمشبهة، فإن قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] رد على المشبهة والممثلة، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد على معطلة الأسماء والصفات.\nوتتضمن الآية أن إثبات صفاته ﷾ لا يلزم منه التشبيه والتمثيل، وهذا هو الإشكال الذي دخل على كثير من الطوائف المعطلة الذين زعموا أن إثبات الصفات مستلزم للتشبيه والتعطيل.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>أصلان مهمان في باب الأسماء والصفات</span>\nوهنا أصلان مهمان من كلام شيخ الإسلام في باب الأسماء والصفات، ذكره في درء التعارض ولخصه في التدمرية، يقول ﵀: (وجمهور الغلط الذي حار فيه كثير من الأذكياء في مسألة الصفات هو ظنهم أن الاشتراك في الاسم المطلق يلزم منه المماثلة عند الإضافة والتخصيص).\nبيان هذا الكلام: أن الله سبحانه سمى نفسه فقال: ﴿إِنَّ الله كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨] وقال عن عبده: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢] وقال عن نفسه وعنهم: ﴿رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ﴾ [الحشر:٢٣] فسمى نفسه الملك، وقال عن عبده: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ [يوسف:٤٣]، وسمى نفسه العزيز وقال عن عبده ﴿قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١]، وقال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله﴾ [الأنفال:٣٠]، إلى غير ذلك.\nفالملك والرضا والمحبة ..\nهذه أسماء مطلقة، أي: لم تضف ولم تخصص ولم تقيد، لكن إذا أضيف اللفظ فقيل: رضا الله، صارت الصفة متعلقةً بموصوفها، وإذا قيل: رضا زيد صارت الصفة متعلقة بموصوفها، فيمتنع أن يكون الرضا اللائق بالله هو الرضا اللائق بزيد؛ لأن بين الموصوفين تباينًا، فيلزم أن تكون الصفة في الموصوف الأول مباينةً للصفة في الموصوف الثاني، وإن كان الاسم مشتركًا.\nيبين ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ﵀ حيث قال: (ويتبين هذا الأصل بأصلين شريفين ومثلين مضروبين: الأصل الأول أن القول في الصفات كالقول في الذات).\nلفظ الذات لم يستعمل في الكتاب ولا في السنة، وأصل الذات هو مؤنث (ذو) الذي هو من الأسماء الخمسة، التي تستعمل مضافةً، فتقول: ذو علم، وذو سمع، وذو بصر، فلفظ الذات في الأصل لفظ حادث، ولكنه استعمل في كلام طائفة من أهل العلم على مقصد صحيح.\nفالقول في صفات الله كالقول في ذاته، وإن شئت فقل: فرع عن القول في الذات، وهذا رد على المعتزلة والجهمية.\nقال: (الأصل الثاني: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر)، فمن زعم في صفة الإرادة أو المحبة أو الغضب أنه يلزم منها التشبيه فيلزمه هذا في صفة العلم، وصفة السمع وغيرها مما يثبته.\nقال: (والمثل الأول: نعيم الجنة، فالله أخبرنا أن في الجنة خمرًا وماءً وعسلًا، والدنيا فيها خمر وماء وعسل)، فالاسم واحد وفيه اشتراك، وأما الحقائق فبينها اختلاف، فإذا كان الاشتراك في الاسم الواحد بين المخلوقات لا يلزم منه تماثلها فبين الخالق والمخلوق من باب أولى.\nقال: (والمثل الثاني: الروح، وقد وصفت بصفات، اشتركت فيها مع الجسد في الاسم مع تباينها في الحقيقة، فكذلك الخالق والمخلوق من باب أولى).","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>أصول القدر عند أهل السنة والجماعة</span>\nقال المؤلف عليه رحمة الله: [ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقدارًا، وضرب لهم آجالًا، ولم يخفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا، وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، وهو متعال عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره، آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلًا من عنده].\nهذه الجمل التي ذكرها الطحاوي ﵀ ظاهر سياقها أنه يشير بها إلى أصول أهل السنة في مسألة القدر، وهي مسألة عظيمة تعتبر من أخص مسائل الإيمان؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ كما في الصحيحين أنه قال: (الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه، ورسله، والبعث، والقدر خيره وشره).\nوقد اتفق المسلمون على أن من أصول الإيمان بالله: الإيمان بقضائه وقدره، وهذا الأصل مجمع عليه بين سائر طوائف المسلمين من حيث أنه أصل كلي؛ فإن من كذب بالقدر فهو كافر معاند لله ﷾.\nوالمراد باتفاق المسلمين على هذا الأصل الإيمان المجمل، وإلا فإنه يعلم أن طوائف من هذه الأمة قد غلطت في هذه المسألة الشريفة، وأصول أهل السنة والجماعة في القدر سبعة، وهي متضمَّنَة في كلام المصنف في هذه الجمل.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>الأصل الأول: عموم علم الرب تعالى</span>\nالأصل الأول هو: الإيمان بعموم علم الرب ﷾، فإنه قد علم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.\nوهذا الأصل هو أشرف أصول القدر، وأخصها عند المسلمين، لأن سائر الأصول من بعده مبنية عليه، وكان السلف ﵏ يردون إلى هذا الأصل في مقام الرد على المخالفين، وقد دل على هذا الأصل العقل والفطرة والسمع، وهو المذكور في مثل قوله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] وفي مثل قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] إلى غير ذلك من النصوص القرآنية، الدالة على أن الله ﷾ بكل شيء عليم.\nوأما الفطرة: فإن الله فطر الخلق على الإقرار بأنه الخالق، ومن لازم كونه خالقًا أن يكون عليمًا، فإنه ﷾ قال: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ)، ولهذا قال المصنف: (خلق الخلق بعلمه)، أي: أنه خلقهم عالمًا بهم، فما يكون من نجوى، وما يكون من هَمٍّ في نَفْسٍ، وما يكون من حركة إلى غير ذلك، فإن الله ﷾ قد علمها قبل كونها.\nوالإيمان بأصل علمه ﷾ مستقر عند جمهور بني آدم، ولم ينازع فيه إلا من أنكر الخالق ﷾، ولهذا قيل: (الإيمان بعموم علم الرب) لتتقرر بهذا مسألة وهي: أنه دخل في عموم علمه ﷾ علمه بأفعال العباد، وهذا هو المقصود من تقرير هذا الأصل في هذا الباب.","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>الأصل الثاني: الكتابة</span>\nالأصل الثاني: الإيمان بأن الله ﷾ كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، كما قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، وكما قال النبي ﷺ كما في صحيح البخاري من حديث عمران، أن النبي ﷺ قال: (وكتب في الذكر كل شيء).\nفسائر أفعال العباد مكتوبة قبل خلقهم، ولهذا جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، والكتابة جاءت مجملة ومفصلة.\nويدخل في عموم الإيمان بهذا الأصل ما تكتبه الملائكة عن كون الإنسان المعين، من الرزق والأجل، والشقاوة والسعادة، وكونه ذكرًا أو أنثى، كما جاء في الصحيحين من غير وجه عن عبد الله بن مسعود، وكما جاء في الصحيح من حديث حذيفة بن أسيد عن النبي ﷺ أنه قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه ..\nإلخ) وهو حديث مشهور معلوم.\nوهذا الأصل دليله السمع، وهو الدلائل الشرعية من الكتاب والسنة، بمعنى: أن الله لولا أنه أخبرنا في كتابه، وأن رسوله ﷺ حدثنا بهذا الأصل؛ لما كان من شرط العقل أو اقتضاء الفطرة إثبات الكتابة، بخلاف الأصل الأول (العلم) فإن الإيمان به سمعي، وفطري وعقلي.\nولا يُفهم من هذا أن العقل أو الفطرة تنازع في هذا الأصل أو تنافيه؛ فإن عندنا قاعدة، وهي: أن كل ما أخبر به الله ﷾ أو أخبر به رسله فإنه لا بد أن يكون موافقًا للعقل والفطرة، ولكن فرق بين كون هذا الخبر عُلم بالسمع، ثم العقل والفطرة لا تنافيه، وبين كونه معلومًا بأصل العقل أو الفطرة، ونزل الخبر به.\nولهذا فإننا إذا ذكرنا الصفات مثلًا، فقلنا: إن صفة العلو دليلها العقل والشرع، فمعنى هذا: أن العقل والفطرة تدل على إثبات علو الرب سبحانه، وأما صفة الاستواء على العرش فهي صفة دل عليها الشرع؛ لأن الله أخبرنا أنه استوى على العرش، فالعقل قبل ورود الشرع لا يدركها ولا يقتضيها؛ لأنها غيب محض، ولكن كل ما أخبر به الشرع مما جاء في الكتاب أو السنة الثابتة عن النبي ﷺ فإن العقل والفطرة يقتضيه حال كونه خبرًا ثابتًا، وفرق بين دلالة العقل على الشيء حال كونه خبرًا ثابتًا، وبين دلالة العقل على الشيء قبل ثبوته.\nوقد قرر شيخ الإسلام ﵀ قاعدة وهي: (أن الرسل تخبر بمحارات العقول لا بمحالات العقول).\nومراده بالمحارات: أي ما يتحير العقل في تصوره، لكن لا يمكن أن يحيل العقل شيئًا أخبرت به الرسل، فمن أحال عقله شيئًا من ذلك، فهذا دليل على فساد في عقله، وغلط في فهمه وإدراكه.","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الأصل الثالث: عموم خلق الله تعالى</span>\nالأصل الثالث: الإيمان بعموم خلقه ﷾، وإثبات خلق الله ﷾ للخلق مستقر عند جماهير بني آدم، إلا من ألحد وأنكر الخالق ﷾؛ ولهذا كان مشركو العرب يقرون بأن الله هو الخالق.\nوإنما قيل: الإيمان بعموم خلقه؛ ليدخل في هذا العموم أفعال العباد، وهذا هو المقصود عند أهل السنة من ذكر هذا الأصل، وعن هذا صنف الإمام البخاري ﵀ كتاب (خلق أفعال العباد)، وهي مسألة النزاع فيها مشهور.\nومن أخرج أفعال العباد عن هذا الأصل، فقد أخرج من هذا الأصل ما هو منه بغير حجة ودليل، إذ إن من المستقر عند سائر العقلاء أن أفعال العباد شيء؛ فتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦].\nوليس معنى كونه ﷾ خالقًا لأفعال العباد أنه هو الفاعل لها، بل الفاعل للفعل هو العبد؛ ولهذا أخبر الله في كتابه أن العباد هم الصائمون، القائمون، المصلون، الساجدون، الراكعون، وأخبر أن منهم المؤمن ومنهم الكافر، فأضاف الأفعال إلى العباد.","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>الأصل الرابع: الإيمان بعموم مشيئة الله تعالى</span>\nالأصل الرابع: الإيمان بعموم مشيئته ﷾، فإن كل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا ينازع أحد من المسلمين بل ولا من جماهير الكفار في كون الباري متصفًا بالمشيئة؛ على معنى أن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأما معنى الاتصاف بالصفة التي هي قيام الصفة بموصفوها، فهذا باب آخر، ينازع فيه المعتزلة وطوائف.\nولهذا نجد أن طرفة بن العبد -وهو جاهلي- يذكر هذا المعنى في شعره، فيقول:\nفلو شاء ربي كنت قيس بن خالد ... ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد\nوأصبحت ذا مال كثيرٍ وزارني ... بنون كرام سادة لمسود\nبل إن الله ذكر هذا في كتابه عن المشركين في قوله سبحانه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ الله مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، وإنما عاب الله عليهم ذلك، لأنهم احتجوا بالقدر على إسقاط الشرع الذي هو التوحيد، وإلا فإن شركهم بمشيئة الله.\nوإنما قيل: الإيمان بعموم مشيئته، ليدخل في ذلك أفعال العباد، فإن سائر أفعال العباد سواء كانت أفعالًا عادية أو من الطاعة، أو من المعاصي والفسوق والكفر، فهي بمشيئة الله ﷾، وإن كان ﷾ قد يكره المعاصي والكفر ولا يرتضيه لعباده.","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>الأصل الخامس: أن للعباد مشيئة حقيقية</span>\nالأصل الخامس: الإيمان بأن للعباد مشيئة على الحقيقة، وهي تابعة لمشيئة الله ﷾ كما قال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩].\nولفظ الحقيقة استعمل في كلام طائفة من أهل السنة في بعض مسائل القدر والصفات والإيمان والأسماء والأحكام، مع أن هذا اللفظ لم يستعمل في النصوص، وإنما استعمله من استعمله؛ لأن طائفة من متكلمة الصفاتية المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة، صاروا يستعملون ألفاظًا وجملًا لأهل السنة المتقدمين، وصاروا يتأولونها على المجاز عند تفصيلها.\nفمثلًا: الجبرية لا يثبتون مشيئة للعبد، فلما جاء متكلمة الصفاتية، كـ أبي الحسن الأشعري وأصحابه، قالوا: إن للعبد مشيئة، فخالفوا الجبرية بذلك، ولكنهم لم يجعلوا هذه المشيئة على الحقيقة، وإنما جعلوها مشيئة مجازية.\nولهذا فإنك تجد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كثيرًا ما يقول: وأنه ﷾ فوق عرشه على الحقيقة، وأنه مستوٍ على عرشه على الحقيقة، لأن جملة: (مستوٍ على العرش)، يقر بها كثير من متكلمة الصفاتية، ومن تأثر بهم من الفقهاء، لكنهم لا يسلمون أن هذه الجملة على الحقيقة، بل يقولون: على المجاز، ثم يتأولون المجاز على أكثر من معنى، وقد يختلفون فيه.\nومن حيث الأصل لا ينبغي أن يستعمل هذا التقييد لسببين:\nالسبب الأول: أن الأصل في الكلام الشرعي وكلام الأئمة عدم التقييد.\nالسبب الثاني: أن استعمال لفظ الحقيقة، يكون فيه إقرار بتقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، والمشهور في تعريف الحقيقة أنها لفظ مستعمل فيما وضع له، والمجاز لفظ مستعمل في غير ما وضع له؛ وهذا التقسيم عليه إشكالات كثيرة منها:\nأنهم يقولون إن الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له، والمجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، فأثبتوا معنيين: الوضع والاستعمال.\nوالاستعمال هو استعمال العرب، وعليه فيكون الوضع سابقًا للاستعمال، وهنا يأتي السؤال: من هم الذين وضعوا اللغة؟\nولهذا قال شيخ الإسلام ﵀ في رده لهذه المسألة: (إن التعريف فيه تعذر من جهة العلم؛ فإنه يستلزم العلم بالوضع والعلم بالاستعمال، أما العلم بالاستعمال فإنه ممكن؛ لأنه استعمال العرب، وأما الوضع فإنه متقدم عليه ليس بمتحصل العلم)، قال: (وعن هذا تكلم من تكلم من المعتزلة في أصل وضع اللغة ومبدئها).\nومن فقه الأئمة ﵏ أنه قد يُستعمل من الكلام في أبواب أصول الدين ما يكون مقتضى استعماله هو قول المخالفين، ولهذا لما ناظر الإمام أحمد أئمة الجهمية، كان من سؤال الإمام أحمد لأحد أعيانهم أن قال له: قولكم بأن القرآن مخلوق، هذا من الدين أو ليس من الدين؟\nفقال الجهمي: إنه من الدين.\nقال: أهذا الدين علمه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعرفوه؟\nفقال الجهمي: بل عرفوه.\nفقال الإمام أحمد: أين في كلام الرسول وأصحابه أن القرآن مخلوق؟ فانقطع.\nولما كان مجلسٍ آخر، استعمل الجهمي نفس الحجة، فقال للإمام أحمد: القرآن ليس مخلوقًا، أهذا من الدين؟ فقال الإمام أحمد: نعم.\nفقال الجهمي: أعرفه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعرفوه؟\nقال أحمد: بل عرفوه.\nفقال للإمام أحمد: أين في كلام الرسول وأصحابه أن القرآن ليس مخلوقًا؟\nقال الإمام أحمد: اسكتوا نسكت، أي: أن أئمة السنة قالوا: القرآن ليس مخلوقًا، من باب النفي لباطل طرأ على الدين، ولو لم تقل الجهمية: إن القرآن مخلوق، لكان تعبير الأئمة: إن القرآن كلام الله، ولا يحتاجون أن يقولوا: ليس بمخلوق، لأن ما كان كلامًا لله فإنه بالضرورة ليس مخلوقًا، لأن كلامه صفة من صفاته، ولهذا لا يوجد في كلام الأئمة أن يقولوا: سمع الله ليس مخلوقًا، أو علم الله ليس مخلوقًا، لأنه لم يقل أحد بخلقه.\nوالقاعدة العقلية الشرعية: أن الباطل إذا طرأ يجب نفيه، ولهذا لما أشرك من أشرك، وزعم من زعم أن لله ولدًا، قال الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ الله مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١].","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>الأصل السادس: إثبات الحكمة في أفعال الله</span>\nالأصل السادس: الإيمان بأن سائر أفعاله وخلقه وأمره ﷾ لحكمة أرادها الله ﷾، وقال سبحانه: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، والحكمة التي أجمع عليها السلف ﵏، ليست هي الحكمة التي يثبتها المتكلمون من المعتزلة وغيرهم، فإن إثباتهم فيها قاصر، فإن السلف كما قرر شيخ الإسلام، يؤمنون بحكمة الباري ﷾، المتعلقة بذاته صفة له، والمتعلقة بمفعولاته على ما تقتضيه هذه الحكمة، نعمةً، أو ابتلاءً، أو عقوبة، أو غير ذلك، ولهذا قد يكون الشيء الواحد لبعض العباد نعمة ولبعضهم عقوبة، ولبعضهم ابتلاءً ومحنة.\nمثال ذلك المال؛ فإن الله ﷾ آتى داود مالًا عظيمًا، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:١٠].\nولاشك أن هذا الملك والمال الواسع الذي أوتيه داود ﵊ هو نعمة، ولذلك سماه الله ﷾ فضلًا، وأضافه إليه فقال: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا).\nوقد يكون المال عقوبة، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٤٤] قال طائفة من السلف: فتح الله عليهم الدنيا، وكما في قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف:٢٨]، والإغفال قد يكون بالدنيا، وقد يكون بغيرها، ولهذا قال الله تعالى لنبيه: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه:١٣١].\nوقد يكون المال ابتلاءً ومحنة كالولد، كما قال تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٢٨]، وكل هذا يرجع إلى حكمته ﷾ وقضائه وعدله، أو فضله وإحسانه.","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>الأصل السابع: عدم التعارض بين الشرع والقدر</span>\nالأصل السابع: الإيمان بأن العباد مأمورون بما أمرهم الله به، منهيون عما نهاهم الله عنه، مع الإيمان بوعده ووعيده، وأنه لا حجة لأحد من الخلق على الله ﷾ بل لله الحجة البالغة، وأن عموم قدره وقضائه ومشيئته وحكمه وإرادته لا يصح أن يكون معارضًا لشيءٍ من أمره وشرعه.\nومحصل هذا الأصل أن السلف يؤمنون بالجمع بين مقام الشرع ومقام القدر.","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>أقوال الفرق الأخرى في الأصول السبعة للقدر</span>\nالطوائف التي نازعت في هذه الأصول:\nالأصل الأول: الإيمان بعموم علم الرب: لم ينازع أحد من المسلمين في كون أفعال العباد داخلة في هذا العموم، وإنما ظهر قوم من غلاة القدرية، يزعمون أن الله ﷾ لا يعلم أفعال العباد إلا عند كونها، وهؤلاء الغلاة ليسوا من الإسلام في شيء، وقد أجمع السلف وجماهير طوائف المسلمين على تكفيرهم بأعيانهم، وقد صرح بتكفير هذا النوع من القدرية بعض أئمة الصحابة الذين أدركوا هذه البدعة.\nكما صرح بتكفيرهم من الأئمة: أحمد، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من متقدمي أئمة السنة والجماعة.\nبل إن المعتزلة -وهم قدرية- قد صرحوا في كتبهم بأن منكر العلم من الكفار ولا ينسبون إلى الإسلام، فهؤلاء لا يعدون في أهل القبلة.\nالأصل الثاني: الكتابة، وهذا الأصل عامة طوائف المسلمين يقرون به مجملًا، أما السلف من أهل السنة والجماعة وأتباعهم فهم يقرون به مفصلًا، على ما جاء في النصوص.\nوفرق بين من أقر بالأصل مجملًا وبين من أقر به مفصلًا، ولا سيما التفاصيل النبوية.","vol":"4","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>مذهب المعتزلة القدرية في خلق أفعال العباد</span>\nالأصل الثالث: الخلق، وقد وقع فيه نزاع وغلط كثير، وصارت جماهير القدرية، يقولون بأن الله يعلم أفعال العباد قبل كونها، وأنه كتبها، ولكنها خلق للعباد، والتحرير لمذهب المعتزلة من القدرية: أنهم أجمعوا على أن الله لم يخلق أفعال العباد، ثم قالوا ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: إن الله لم يخلقها وخلقها العبد.\nالقول الثاني: إن الله لم يخلقها وكذلك العبد لم يخلقها.\nالقول الثالث: التوقف.\nوهذا النزاع هو في الجملة نزاع لفظي لا حقيقة له في المذهب؛ فإن عمدة المذهب هو إجماعهم على أن الله لم يخلق أفعال العباد، وهذا القول بدعة مخالفة لإجماع السلف، فهذا قول القدرية.","vol":"4","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>الفرق بين القدرية المتكلمة والقدرية الرواة</span>\nوالقدرية الذين قالوا إن الله لم يخلق أفعال العباد صنفان:\nالصنف الأول: متكلموهم، وأعيانهم في الأصل هم المعتزلة، ومن اقتدى بهم من متكلمة الشيعة وغيرهم، الذين قرروا هذا المذهب بالدلائل والطرق الكلامية.\nالصنف الثاني: وهم معشر من رجال الرواية والإسناد، وأكثرهم في البصرة، وبعض الأقاليم العراقية والشامية، قالوا بجملة المسألة، ولكنهم لم يقولوا هذه الجملة على الطريقة الكلامية التي كانت تستعملها القدرية المعتزلة المتكلمة.\nفيشترك الصنفان في أن أفعال العباد ليست خلقًا لله.\nويفترقون من وجهين:\nالوجه الأول: الاستدلال، فمنهج الاستدلال على المسألة بين الصنفين مختلف.\nالوجه الثاني: أن المعتزلة المتكلمة رتبت على هذه المسألة مسائل أخرى تتعلق بالهداية والإضلال، وتتعلق بمسائل التكليف، ومسألة التحسين والتقبيح.\nومسائل كثيرة ربطوها بهذه المسألة، وجعلوها من نتائج هذه المسألة.\nوهذا الربط لم يستعمله رجال الرواية، فيكون قولهم أخف من قول متكلمة القدرية، وقد كان الإمام أحمد ﵀ يقول: (لو تركنا الرواية عن القدرية لتركناها عن أكثر أهل البصرة)، ومراده بذلك أن هذا الوهم شاع في طائفة من رجال الرواية، لكنه ليس على الطريقة الكلامية.\nوالفرق بين المنهجين في الاستدلال:\nأن كل مسألة من مسائل الصفات أو القدر مرتبة على الطريقة الكلامية، فإنه لا بد أن يكون فيها مأخذ فلسفي هو الأساس، ودلائل عقلية ومقاصد من الشريعة، فمثلًا: مأخذ مسألة القدر عند المعتزلة أن الأثر لا يصدر عن مؤثرين، وهذه قاعدة فلسفية، وبالتالي أدخلوا عليها مقاصد من الشرع، كتنزيه الله عن الظلم والفسوق والعصيان ..\nإلى غير ذلك.\nفمن قال إن الله خلق القبائح فقد أضافها إليه.\nوهذه المقاصد عند التحقيق لا تلزم أبدًا؛ لكن إشكالهم الأول الحقيقي هو الإشكال الفلسفي.\nوهذا هو الدليل الذي بنى عليه الجبرية مذهبهم، وهو الدليل الذي استعمله علماء الأشاعرة في كتبهم، وصرحوا باستعماله، كالقاضي أبي بكر بن الطيب، وأبي المعالي الجويني، ومحمد بن عمر الرازي، فالقاعدة واحدة تستعملها طوائف نتائجها متناقضة.\nوذلك يدل على أن هذه القاعدة غلط من الأصل، وهي من باب قياس الخالق على المخلوق، بل إنها عند التحقيق -كما يقول شيخ الإسلام - لا تصح في المخلوق نفسه، ولو فرض جدلًا أنها صحت في المخلوق فإنه يمتنع أن تكون صحيحة في حق الخالق ﷾.","vol":"4","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>المخالفون في مشيئة الله</span>\nالأصل الرابع: المشيئة، والمخالف في هذا الأصل هم المخالفون في الأصل الثالث، فالمعتزلة تقول: إن الله لم يشأ أفعال العباد ولم يُرِدْها، ويجعلون العبد خالقًا لفعله مستقلًا بمشيئته، ولا شك أن هذا تعطيل لربوبية الله ﷾.","vol":"4","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>المخالفون في إثبات المشيئة للعبد</span>\nالأصل الخامس: أن العباد لهم مشيئة على الحقيقة، وقد خالف في هذا الأصل الجبرية، وإمام الجبرية هو الجهم بن صفوان الذي يقول: إن العبد مجبورٌ على فعله، وقارب مذهب الجبرية مذهب أبي الحسن الأشعري، الذي يقول: إن للعبد مشيئةً مسلوبة التأثير، يقع الفعل مقارنًا لها لا بها، ولهذا قال صاحب جوهرة التوحيد:\nومن يقل بالطبع أو بالعلة فذاك كفر عند أهل الملة\nفينفون السببية والتعليل، وهذا جبر لكنه دون جبر الجبرية المحضة.\nقال شيخ الإسلام ﵀: (والفرق بين أبي الحسن وجهم بن صفوان في مسألة القدر غالبه فرق لفظي)، وبعض الفرق بينهم فرق لا يعقل عند العقلاء، وطائفة من الفرق بينهم فرق له معنى.\nفمن العدل أن يقال: إن قول أبي الحسن وعامة أصحابه ليس جبرًا محضًا كجبر الجهم بن صفوان، ولكنه ينتهي إلى هذا المذهب في الجملة، وهو موافق لعبارات أهل السنة والجماعة في اللفظ، ولكنه في المعنى ينزع إلى قول الجبرية، وقد انغلق هذا الباب على علماء الأشاعرة، فلا يرون في الباب إلا قول القدرية أو قول الجبرية، فأتوا إلى قول الجبرية؛ لأن إمامهم رفض قول القدرية، ولكنه استعمل تحته ألفاظ السلف والشريعة.\nوالذين صرحوا بأن قول الأشعرية جبر دون جبر الجهم بن صفوان ليس هو شيخ الإسلام أو نحوه من علماء السنة، بل الرازي وأبو الفتح الشهرستاني، وأبو المعالي الجويني صرحوا بذلك، ورجع الجويني عن هذا المذهب، وقال: إن هذا مذهب جبري لا معنى له، فانتحل في الرسالة النظامية مذهبًا ملفقًا.","vol":"4","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>تنبيه حول رجوع الجويني عن مذهب الأشعرية في القدر</span>\nبعض الباحثين من المعاصرين قال: الجويني رجع في آخر عمره عن مذهب الكسب الجبري إلى مذهب أهل السنة، ولا شك أن هذا غلط، بل ذكر الجويني في الرسالة النظامية قولًا ملفقًا من قول أهل السنة، ومقاصد من مقاصد المعتزلة، وجملًا من جمل الفلاسفة، فقوله مركب، وإذا قارنت بين هذا القول وقول أبي الوليد ابن رشد في (مناهج الأدلة)، وجدت أنه يشترك معه في بعض المنازع.\nوقد صرح طائفة من الأشعرية كـ الشهرستاني بأن إمام الحرمين قد نزع إلى قول الحكماء -أي: الفلاسفة- وإن كان يزعم أنه رجع إلى مذهب السلف في الصفات؛ ثم يفسر مذهب السلف في الرسالة النظامية بالتفويض، ولا شك أن مذهب التفويض كما قال شيخ الإسلام ﵀ من شر مقالات أهل البدع والإلحاد.","vol":"4","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المخالفون في إثبات الحكمة لله تعالى</span>\nالأصل السادس: إثبات الحكمة لله، وقد نازع في هذا الأصل الجهم بن صفوان، فنفى حكمة الله ﷾ في أفعاله، وتبعه على ذلك في الجملة أبو الحسن الأشعري؛ فإن مسألة الحكمة فرع عن أصل مسألة القدر، فجعل الجهم والأشعري أفعال الباري سبحانه مبنية على محض المشيئة.\nوالأشاعرة يقولون في كتبهم: إن الله منزه عن الأغراض والحاجات، ويريدون بذلك أن أفعاله ليست لحكمة أو لعلة، وإذا ذكر لفظ الحكمة بالشريعة، فسرها جمهورهم بالإرادة والمشيئة.\nوجمهور طوائف المسلمين من أهل السنة والحديث وجماهير الصوفية، والشيعة والمعتزلة يقرون بهذا الأصل، وهو الحكمة، ولكن الفرق بين السلف وهذه الطوائف التي تشاركهم: أن السلف يجعلون الحكمة صفة تقوم بذات الباري، وهي متعدية إلى خلقه، في حين أن المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة وغيرهم يجعلون الحكمة متعدية إلى الخلق، ولا يجعلونها صفة قائمةً بذات الباري.","vol":"4","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>المخالفون في الجمع بين الشرع والقدر</span>\nالأصل السابع: الجمع بين الشرع والقدر، وأهل السنة والجماعة وسط في هذا الأصل، فإنهم معظّمون لشرع الله وقدره، وهم وسط بين القدرية، وبين طرق الصوفية، فالقدرية من المعتزلة ومن وافقهم على أصلهم مقصرون في باب القدر، حيث يقولون: إن العبد يخلق فعله، وهو غالون في باب الشرع، حيث قالوا: إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، وأما طرق الصوفية فهم على العكس، فهم مقصرون في باب الأمر والنهي، غالون في باب القدر، حتى أسقط طوائف من غلاتهم مقام الشرع بمقام القدر، وهم يسمونه مقام الربوبية، وهذه حالٌ تعرض لغلاة الصوفية، ولا سيما المتصوفة المتفلسفة الذين فسروا الشريعة على هذا التفسير كـ ابن عربي وابن سبعين والتلمساني، وأمثال هؤلاء.","vol":"4","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>الكلام على حال أبي إسماعيل الهروي</span>\nويقع نوع من ذلك في كلام من دونهم من الصوفية الذين عندهم قدر من الانحراف عن جادة السلف في باب السلوك والأحوال، كحال أبي إسماعيل الأنصاري الهروي الحنبلي، صاحب كتاب (ذم الكلام) وكتاب (منازل السائرين)، فهو في منازله يسقط بعض مقامات الشرع بمقام القدر، فلم يحقق هذا الأصل، بل غلط فيه غلطًا شديدًا.\nبل إنه قال كلامًا ظاهره الموافقة لمذهب وحدة الوجود حيث قال:\nما وحد الواحد من واحد ... إذ كل من وحده جاحد\nتوحيد من ينطق عن نعته ... عارية أبطلها الواحد\nتوحيده إياه توحيده ... ونعت من ينعته لاحد\nلكن الهروي ﵀ لا شك أنه بريء من مذهب ابن عربي والتلمساني وأمثالهم من الصوفية المتفلسفة القائلين بوحدة الوجود، وإن كان قد يستعمل بعض حروفهم، بل هو فاضل في إثبات صفات الله سبحانه، وله رد على الجهمية، وتقرير حسن للصفات، وإن كان يزيد ويبالغ في إثبات الصفات.\nكما أن منهجه في التكفير ليس معتبرًا على جادة السلف، ولما تكلم عن الأشاعرة قال عن أبي الحسن الأشعري في كتابه (ذم الكلام): (وقد شاع في المسلمين أن رأسهم علي بن إسماعيل الأشعري، لا يصلي ولا يتوضأ، وأخبرني فلان -ثم ساق سندًا عنده- أنه مات متحيرًا).\nوهذا ليس كذلك، بل الأشعري يعرف بكثير من الخير والإيمان، كما قال شيخ الإسلام عنه: (وقد استفاض في المسلمين ما له من الديانة والقصد إلى السنة)، وقال عن عبد الله بن سعيد بن كلاب: (وأبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب إمام له علم وفقه).\nوالقصد أن الهروي شديد في هذا الباب، حتى قال شيخ الإسلام في (منهاج السنة): (إن أبا إسماعيل الأنصاري من المبالغين في ذم الجهمية وتكفيرهم).\nكما أن للهروي أغلاطًا شديدة في القدر، بل قال شيخ الإسلام: (إن قول أبي الحسن الأشعري في القدر خير من قول أبي إسماعيل الأنصاري).\nوعليه فإن أخص من نازع في مقام الجمع بين الشرع والقدر هم: الصوفية الذين أسقطوا بعض مقامات الشرع، بما هو من القدر، وأصل إسقاط مقام الشرع بالقدر هو مذهب المشركين، الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الله مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] وليس في المسلمين من عطل سائر الشرع بالقدر، ومن أطلق هذا التعطيل كما أطلقه بعض غلاة الصوفية كـ التلمساني، فليعلم أنه من الكفر المحض الذي لا يُنظر في شأن صاحبه، ذلك أن المقالات الكفرية التي تخالف مذهب السلف تنقسم إلى قسمين:","vol":"4","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>حكم التكفير دون إقامة الحجة على من لا شبهة له</span>\nالأول: ما يكون قائلها كافرًا ابتداءً، كمن نفى علم الله بما سيكون من أفعال العباد، فإنه يكفر ابتداءً ولا يقال: نقيم عليه الحجة، بل الحجة على مثل هذا لا بد أن تكون قائمة، لأنه مخالف للعقل والفطرة وأصول الأنبياء أجمعين.\nالثاني: مقالات هي في حكم السلف كفر، ولكن قائلها لا يكفر ابتداءً إلا إذا أقيمت عليه الحجة، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: (والإمام أحمد وإن تواتر عنه تكفير الجهمية، إلا أنه لم يكن هو وغيره من أئمة السلف مشتغلًا بتكفير أعيانهم).\nوكذلك شيخ الإسلام عندما ناظر علماء الأشاعرة المتأخرين في مسألة العلو كان يقول لهم: (أنا لو أقول بقولكم كفرت، لكنكم لستم كفارًا عندي)، فمثل هذه المسائل يدخل فيها نوع من الاشتباه والانغلاق على بعض الناس، لموجب من الموجبات، فلا يكفر بها ابتداءً.\nفقول المصنف: (خلق الخلق بعلمه): أي: عالمًا بهم.\n(وقدر لهم أقدرًا) أي: قدر ما سيكون لهم من الأحوال والأفعال والمآلات.\n(وضرب لهم آجالًا) أي: قدر آجالهم، فجعل لكلٍ أجلًا، ولا يستقدم أحد ولا يستأخر عن أجله كما هو صريح في القرآن: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].\nوقوله: (ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم): هذا هو أصل العلم.\n(وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته) هذا الجمع بين مقام الشرع ومقام القدر.\nوقوله: (وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ): هذا طرد لعموم مشيئة الرب سبحانه، وأنه دخل في عموم مشيئته أفعال العباد.\nوقوله: (لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم) أي: أن للعباد مشيئة على الحقيقة خلافًا للجبرية وللكسبية، ولكنها تابعة لمشيئة الله خلافًا للمعتزلة الذين جعلوا العبد مستقلًا بمشيئته.","vol":"4","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>منازعة المعتزلة في هداية التوفيق</span>\nقوله: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا):\nمن أصول أهل السنة في هذا المقام، الإيمان بأن لله نعمة وفضلًا على المؤمنين، وأن كل من آمن فإنه إنما آمن بفضل الله ونعمته عليه، وكل من كفر فإنما كفر بما صرف نفسه، أو صرفه الشيطان عن الهدى، والله ﷾ يهدي على معنى أنه يوفق، ويهدي على معنى أنه يبين بما ينزل في كتابه، أو يبعث به رسله عليهم الصلاة والسلام.\nوقد نازعت المعتزلة في هذه المسألة، فقالوا: إن الله -﷾ وتقدس عن قولهم- يهدي بمعنى: يبين، وأما الهدى الذي هو التوفيق فإنه يستوي فيه الناس.\nولا شك أن هذا أصل باطل، فإن الله قال لنبيه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، ولو كانت الهداية هي البيان لم يصح نفيها، لأن النبي ﷺ من حيث كونه هاديًا مبينًا يهدي من يشاء، وقد هدى عمه بأن علمه وبين له، وإنما المراد هنا: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) أي: لا تستطيع التوفيق؛ لأنه ﵊ بشر ليس بيده هذا الأمر، ولهذا قال: (وَلَكِنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) أي: يوفق من يشاء.\nوتوفيقه سبحانه لعباده المؤمنين للإيمان تابع لعلمه وحكمته، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣]، ولما علم أن الأنبياء محل لاصطفائه اصطفاهم، ولهذا فإن الله تعالى إذا ذكر الضلال في القرآن فلا بد أن يقيده إما بجهة أو سبب من العبد، أو يذكره معه الهداية، كما في قوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر:٨]، فإذا علقه بمحض المشيئة ذكر معه الهداية، وإلا ذكره مقيدًا بجهة وسبب من العبد، كقوله تعالى: ﴿وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].\nفقوله: (وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ) سياق كلمة (الظالمين) يدل على السبب، وأن الظلم جاء من جهتهم، ولهذا فإنه ﷾ لا يعذب إلا من قامت عليه الحجة: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].","vol":"4","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>تقدير الآجال والزيادة فيها</span>\nقول المصنف: (وضرب لهم آجالًا) آجال العباد مقدرة، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه).\nوهذا الحديث أشكل على كثير من المتأخرين، إذ قالوا: إن الذي يغير فيه هو الأجل المكتوب في صحف الملائكة المذكور في مثل حديث ابن مسعود المتفق عليه في قوله ﷺ: (ويكتب رزقه وأجله) وهذا قال به طوائف من أهل العلم، وأضافه طائفة من الشراح المتأخرين إلى طائفة من الصحابة، كـ عمر وغيره، وإن كان في ثبوته عنهم بعض التردد.\nولكن الصحيح في هذا المقام أن يقال: إن قوله ﵊: (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه) أن صلة الرحم سبب، والله ﷾ قدر وعلم السبب والمسبب قبل خلق الخلق، والأجل والرزق مرتبط في علم الله وحكمته بأسباب.\nوقد يكون من هذه الأسباب ما هو معروف المناسبة كالتجارة لبسط الرزق مع أن اشتغاله بهذه التجارة مكتوب ومقدر، فأراد ﷺ أن يندب إلى سبب شرعي ليس معروف المناسبة عند بني آدم، فعلق زيادة العمر والرزق بصلة الرحم، التي لا يعرف عند بني آدم عادةً أنها مناسبة لبسط الرزق وطول العمر، فهذا هو أجود ما يقال في هذه المسألة.\nوطول العمر وسعة الرزق تارةً يكون نعمة وتارةً لا يكون نعمة، ولهذا قال ﵊ كما في حديث عمار ﵁ الذي أخرجه الإمام أحمد والحاكم في المستدرك: (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي).\nإلا أنه هنا نعمة؛ لأنه جعل صلة الرحم سببًا شرعيًا مطلوبًا من العبد القيام به، وجعل بسط الرزق وطول العمر، نتيجة لذلك السبب أي أن العبد سيوفق في ماله وعمره إلى الخير.\nوأما قول من قال: إنه يمحى من صحف الملائكة فهذا ليس عليه دليل من الشرع، ولم يثبت في الكتاب ولا السنة أن شيئًا مما في صحف الملائكة يُمحى.\nوأما قوله تعالى: ﴿يَمْحُو الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] فالصحيح في تفسيرها أن هذا في الشرائع وليس في القدر، وسياق الآيات يدل على ذلك، فإن الله ﷾ قال: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ الله لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُو الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٨ - ٣٩] والشرائع يدخلها النسخ والمحو كما هو معروف ومجمع عليه.\nوأما ما في (اللوح المحفوظ)، فبإجماع السلف أنه لا تغيير فيه، ومن زعم من المتأخرين أنه قد يدخله التغيير فهذا غلط بالإجماع.","vol":"4","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>شرح العقيدة الطحاوية [٥]</span>\nأرسل الله سبحانه الرسل مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس حجة بعد الرسل، وأيدهم بالمعجزات، بيانًا لصدقهم، وجعل خاتمهم محمدًا ﷺ، وفضله عليهم.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>مسائل النبوة وشهادة أن محمدًا رسول الله</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وإن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وإنه خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين، وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى، وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى، بالحق والهدى، وبالنور والضياء].\nبعد أن ذكر المصنف توحيد الله ﷾ بأسمائه وصفاته وألوهيته وربوبيته عطف على ذكر التوحيد هذه المسألة، فقال: (وإن محمدًا عبده المصطفى ... إلخ).\nفقوله: (وإن محمدًا) عطف على قوله: (إن الله واحد لا شريك له)، ومسألة نبوة نبينا محمد ﵌، كما هو مستقر عند جماعة المسلمين من أخص أصول الإيمان بالله، وهي الركن الثاني في الإيمان بالله والاستسلام له، ولهذا لما ذكر الرسول ﷺ الإسلام كما في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ..) وقال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله ..) كما في المتفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁، إلى غير ذلك.","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الخلاف فيمن نطق إحدى الشهادتين دون الأخرى</span>\nتنازع العلماء فيما لو قال عبد: أشهد أن لا إله إلا الله، هل تلتحق به أحكام الإسلام؟ أم أن أحكام الإسلام مقيدةٌ بذكره للشهادتين معًا؟\nوالخلاف هنا ليس لفظيًا، وهذه مسألة تكلم فيها المتأخرون وحصل الغلط فيها، والصواب في هذه المسألة: أن الحكم هنا له ظاهر وباطن، فأما من جهة الأحكام الباطنة، التي بين العبد وبين ربه ﷾، فمن قال: لا إله إلا الله على مقصد الدخول في دين الإسلام، فإن هذا في الباطن يكون مسلمًا، فلو أدركه الموت أو قتل ولم يقل: وأشهد أن محمدًا رسول الله، فلا شك أنه في الباطن يكون قد مات على الإسلام؛ لأن تأخيره لذكر شهادة أن محمدًا رسول الله؛ لم يكن عن تفريط.\nوأما من جهة الأحكام الدنيوية، فهذا محل نزاع بين الفقهاء، والصحيح من أقوالهم: أن من قال ذلك ولم يدرك الثانية لمانع فإن أحكام الإسلام تتعلق بالأولى، وهذا هو الذي دل عليه ما ثبت في الصحيحين من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه، قال: (لما حضر أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ: يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله).\nودل عليه ما ثبت في الصحيحين أيضًا من حديث المقداد بن الأسود ﵁ أنه قال: (يا رسول الله، أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: لا إله إلا الله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها، فقال النبي ﷺ: لا تقتله، فقال: يا رسول الله، إنه قد قطع يدي، ثم قال ذلك بعد أن قطعها، فقال ﵊: لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال).\nوكذلك ما جاء في حديث أسامة بن زيد لما قتل رجلًا وقد قال: لا إله إلا الله في المعركة، فقال له النبي ﷺ: (فكيف تصنع بـ (لا إله إلا الله) إذا جاءت يوم القيامة).","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>قول الفلاسفة في النبوة</span>\nلقد أجمع أهل القبلة على أن النبوة اصطفاء من الله ﷾ يصطفي به عبدًا من عباده، ولم يقل بكون النبوة مكتسبة إلا الفلاسفة الملاحدة، كما قرر ذلك ابن سينا وأمثاله من الفلاسفة، ويجعلون لها ثلاث قوى: قوة التعبير، وقوة التصوير، وقوة التخييل، وهذا قول لا أصل له في دين المسلمين.","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>الخلاف بين أهل السنة والمتكلمين في دليل النبوة</span>\nوإنما المسألة التي تكلم أهل السنة فيها كثيرًا وخالف فيها طوائف من المتكلمين، هي مسألة دليل النبوة؛ فإن جماهير طوائف المتكلمين يقولون: إن دليل النبوة هو المعجزة، ويفسرونها بما هو خارق للعادة على جهة التحدي، وقولهم هذا غلط من جهتين:\nالأولى: أنهم قصروا دليل النبوة على المعجزة.\nالثانية: أنهم فسروا معجزات الأنبياء بالخوارق التي تقع على جهة التحدي.\nوالذي اتفق عليه السلف ﵏ أن النبوة لا يختص دليلها بالمعجزات، بل تثبت النبوة بالمعجزة التي تذكر في القرآن وتسمى (آية)، وتثبت بغير ذلك، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (ما من الأنبياء نبي إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحى الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة).\nوالدليل على فساد قول المتكلمين: أن الجماهير من المسلمين آمنوا بالنبي ﷺ ولم يبلغهم عند إيمانهم معجزة له، وإنما آمنوا بما بعث به من الحق، وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ لما كتب النبي ﷺ إلى هرقل كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام، قال ابن عباس: (حدثني أبو سفيان من فيه إلى فيَّ، قال: انطلقت بالمدة التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ إلى الشام)، وفيه أن هرقل قال: (هل هنا أحد -أي: بالشام- من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: فدعيت في نفر من قريش، فأجلسني بين يديه، وأجلس أصحابي خلفي، وقال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا -يعني: أبا سفيان - عن الرجل الذي يزعم فيكم أنه نبي، فإن صدقني فصدقوه، وإن كذبني فكذبوه، فكان في أسئلة هرقل:\nهل كان من أبيه ملك؟\nفقال أبو سفيان: لا.\nفقال هرقل: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟\nفقال أبو سفيان: لا.\nفقال هرقل: هل قال هذا القول أحد قبله؟\nفقال أبو سفيان: لا.\nقال هرقل: من يتبعه؛ أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟\nقال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم.\nقال هرقل: يزيدون أم ينقصون؟\nقال أبو سفيان: بل يزيدون.\nقال هرقل: أيرتد أحدهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟\nقال أبو سفيان: لا.\nقال هرقل: هل يغدر؟\nفقال أبو سفيان: لا يغدر، ونحن منه في مدة -أي: في صلح- لا ندري ما هو صانع فيها.\nثم قال أبو سفيان: فوالله ما أمكنني أن أدخل كلمة إلا هذه -أي: تشكيكًا بالدعوة-.\nثم قال: بم يأمركم؟\nقال أبو سفيان: يأمرنا بالصلاة، والصدقة، والصلة، والعفاف).\nفهذه الأسئلة ليس فيها سؤال عن المعجزات، وبعدها قال هرقل: (إن يكن ما تقوله فيه حقًا فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه).\nثم بيّن هرقل معنى هذه السؤالات، فقال: (سألتك: هل كان من آبائه ملك؟ فلو كان من آبائه ملك، لقلت: رجلٌ يطلب ملك آبائه، وسألتك: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فلو قاله أحدٌ قبله فيكم، لقلت: رجلٌ ائتم بقول قيل قبله ..) إلى غير ذلك.\nفالمقصود: أن هرقل عرف نبوة النبي ﷺ بدلائل ليس منها المعجزات، مما يدل على أن دليل النبوة ليس مقصورًا على المعجزة.\nوكان النبي ﷺ يأتيه الوفود وتأتيه الأعراب، وآمن به من آمن من عبدة الأوثان، ومن اليهود والنصارى، مع أن جمهور من آمن به لم ينظروا معجزة وقت إيمانهم، وإنما صدقوه بما يقوله من الحق، ولهذا فإن أعظم ما بُعث به النبي ﷺ وأخص دلائل النبوة هو القرآن.\nوالقرآن من حيث الحقائق والنظم، فإن الله ﷾ تحدى العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن.","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>إثبات كرامات الأولياء وحقيقة السحر</span>\nالوجه الثاني في المسألة: أن جماهير المتكلمين لما قصروا دليل النبوة على المعجزة، نفى طوائف منهم كرامات الأولياء، وكذا حقيقة السحر، لأنهم فسرو المعجزة بأنها الخارق للعادة على جهة التحدي، قالوا: ولو أثبتنا كرامات الأولياء، وخوارق السحرة والكهان، لكان هذا يمكن أن يكون مماثلًا لدليل النبوة.\nولا شك أن كرامات الأولياء ثابتة بإجماع أهل السنة والجماعة، وقد ذكرها الله ﷾ في كتابه في قصة الفتية أهل الكهف؛ حيث آتاهم الله تلك الكرامة المذكورة في سورة الكهف، وقد ثبتت الكرامة لغير واحد من الأمة، وعلى هذا أجمع السلف.\nوكذلك ما يقع من خوارق الكهان والسحرة والعرافين والرمالين، فإن هذا ثابت، ولا يقال: إنه يختلط مع دليل النبوة، فإن ثمة فرقًا بين المقامين، من جهة القائم به، ومن جهة الفعل نفسه.","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الفرق بين آيات الأنبياء وكرامات الأولياء وخوارق المشعوذين</span>\nالفرق الأول: أما من جهة القائم به، فإن دليل النبوة إذا كان معجزةً فإن الذي يذكره نبي، وفرق بين النبي والولي، فضلًا عن الكاهن أو الساحر أو العراف، ولهذا قالت خديجة ﵂ للنبي ﷺ لما أتاه الوحي: (أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق).\nومن المعلوم قطعًا أن الولي لا يمكن أن يختلط بالنبي، إذ من شرط الولاية أن لا يكذب بالدعوى، فمن ادعى النبوة فإنه يعلم أنه ليس بولي، بل هو من أعظم الكفار كفرًا، وأما الكهان والعرافون والسحرة والرمالون، فإن أحوالهم التي تكتنفهم من الشر والفجور والفسوق والعصيان، تكفي دليلًا على أنهم ليسوا بأنبياء ولا صادقين فيما يدعون، وإن اتصفوا بأحوال هي في نظر الناس تعد من الخوارق.\nوالفرق الثاني: من جهة الفعل الخارق نفسه، ومن أخص دلائل هذا الفرق ما ذكره الله ﷾ في قصة موسى وسحرة فرعون، فإن الله أمر موسى أن يلقي عصاه، قال: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [القصص:٣١] والسحرة ألقوا حبالهم وعصيهم، حتى أن الله ﷾ قال: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] ففي نظر الناس تحركت هذه العصي والحبال، وتحركت عصا موسى، ولكن بين الحقيقتين فرق بيِّن، فإن عصا موسى قد انقلبت حيةً على الحقيقة، وهذه قدرة الله ﷾، بخلاف حبال السحرة وعصيهم، فإنها في نفس الأمر لم تزل حبالًا ولم تزل عصيًا.\nوقد قرر شيخ الإسلام ﵀ أن كرامات الأولياء ليست كخوارق السحرة والكهنة والعرافين، وإذا كان بين كرامات الأولياء وخوارق السحرة والكهنة والعرافين فرق، فمن باب أولى الفرق بين معجزة النبي وخوارق السحرة.\nولهذا فإن الخوارق التي يدعيها الكهان والعرافون والرمالون لا بد أن يصاحبها الكفر؛ فإنها نوع خضوع لشياطين الجن، ومعلوم أن الجن لهم من الاقتدار على الأشياء ما ليس لبني آدم، فيتحركون حركة هي في نظر الجن حركة معتادة، وتكون في نظر الإنس حركة خارقة، وقد قال الله ﷾: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل:٣٩]، وقال الله عنهم: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ:١٣]، وهذا بخلاف الخارق الذي يقع للولي، فإنه نعمة من الله، ليس تحريكًا من جهة الجن، فضلًا عما يقع لنبي أو رسول.","vol":"5","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>حكم السحر</span>\nولقد اتفق السلف ﵏ على أن السحر كفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، فإن الساحر إنما كفر لأنه خضع لغير الله بالطاعة والاستسلام والانقياد، وهكذا كفر بإجماع المسلمين، والذي تكلم به بعض أصحاب الإمام الشافعي ونسبوه قولًا له من التفصيل في مسألة السحر، هو خلاف لفظي؛ فإنه منذ زمن متقدم ترجمت العلوم، ومنها علوم الكيمياء والسيمياء ونحوها، وهذا يحدث نوعًا من الحركة الغير معتادة بفعل تركيب ومزج بعض المواد ونحو ذلك، وليس من تأثير الجن، فصار بعض الفقهاء يقولون: لا بد من معرفة صفة السحر، فإن كان مرتبطًا بالجن فهو كفر، لأنه يكون خضوعًا، وإن كان نوع حركة كخفة اليد مثلًا أو وضع بعض المواد على بعض فيتحول إلى مادة أخرى أو نحو ذلك، فهذا لا يعدونه كفرًا وهو كذلك، لأنه ليس سحرًا، وإن كان ينهى عنه سدًا للذريعة وزجرًا لهؤلاء حتى لا يفتتن الناس.\nوهذا التفصيل ليس مختصًا ببعض فقهاء الشافعية، بل بالإجماع أن مثل هذا لا يسمى كفرًا، وكأن الغلط هو في تسميته سحرًا.","vol":"5","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>الفرق بين النبي والرسول</span>\nقول المصنف ﵀: (وإن محمدًا عبده المصطفى) أي: عبد الله، ولفظ العبودية هنا لفظ تشريف كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩].\nوقوله: (ونبيه المجتبى) أي: أن الله اجتبى نبيه، (ورسوله المرتضى) أي: أن الله ﷾ رضيه رسولًا له ورضي عنه، والمصنف ذكر نبوته ورسالته، وهو ﵊ يسمى نبيًا ويسمى رسولًا بالإجماع، وهذا يقود إلى ذكر مسألة الفرق بين النبي والرسول، وهي مسألة تكلم فيها المتأخرون كثيرًا، وذكر بعضهم أقوالًا يُعلم أنها من الغلط.\nوالشائع في كلام أكثر الشراح أن النبي من أُوحي إليه بشرع ولم يُؤمر بتبليغه، والرسول من أوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه، وهذا ليس عليه دليل.\nفإن الله ﷾ قد أخذ الميثاق على أولي العلم الذين لم يأتهم وحي أن يبينوه للناس، فكيف بمن أوحى الله إليه وحيًا، فلا معنى لهذا القول، وقد نُسب هذا القول إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولكنه ليس كذلك، بل الصحيح الذي قرره شيخ الإسلام ﵀: أن النبي هو من أوحي إليه اتباع وتجديد شريعة نبي قبله، فهذا التكليف هو النبوة، ويكون الرسول على هذا التعريف هو: من بُعث إلى قوم بأصل التوحيد، وأما من كان المقصود من بعثته إما نسخ الشريعة السابقة، أو التثبيت لها، أو التجديد في بعض مسائلها مع كون القوم الذين بعث فيهم على أصل التوحيد، فإنه يُسمى نبيًا، وقد قال النبي ﷺ كما في الصحيح: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي).\nوقد قال بعض العلماء: إنه ليس من شرط الرسول على هذا الوجه أن يختص بشريعة، بل قد يبعث بأصل التوحيد، ويكون موافقًا لشريعة رسولٍ قبله، وهذا تحصيل محتمل، والله أعلم به.\nومثلوا لذلك بيوسف ﵊؛ فإن الله قال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ الله مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر:٣٤] فظاهر السياق أنه رسول، وكان على ملة إبراهيم، أي: على شريعته.\nوهذا تحصيل محتمل، لأن قوله: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي﴾ [يوسف:٣٨]، الظاهر أن المقصود به التوحيد.","vol":"5","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>ختم النبوة بمحمد ﷺ</span>\nوقوله: (وإنه خاتم الأنبياء)؛ هذا صريح في الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ الله وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: (مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانًا فأحسنه وأجمله إلا لبنة، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: ما أحسن هذا البنيان، قال: فأنا خاتم النبيين وأنا موضع هذه اللبنة).\nوقد تواتر عنه ﷺ أنه خاتم النبيين، وهذا محل إجماع بين المسلمين، فكل من ادعى النبوة بعده فإنه يكون كافرًا، سواء ادعى أنه نبي على الاختصاص، أي: أتى بشريعة جديدة، أو ادعى أنه نبي يوحى إليه فيما اختلف الناس فيه من أمر شريعة رسول الله ﷺ.\nوعليه: فدعوى بعض الطوائف الغالية الوحي، أو بعض مقامات الوحي لبعض الناس، كالقول بعصمة أئمة الشيعة، وأن صاحب هذا المقام لا يمكن أن يخطئ إذا تكلم في شرع الله؛ لا شك أنه كفر بإجماع المسلمين.","vol":"5","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>تفضيل النبي ﷺ على سائر الأنبياء</span>\nوقوله: (وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين):\nلا شك أن النبي ﵊ أفضل بني آدم، كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: (أنا سيد الناس يوم القيامة)، وقال: (أنا سيد ولد آدم)، فلا شك أنه أفضل رسل الله وأنبيائه، وتفضيله ﷺ مجمع عليه.\nوقد جاءت بعض النصوص مشكلة على هذه المسألة كقوله ﷺ: (لا تفضلوا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بساق العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور)، وغيره من الأحاديث التي ظاهرها معارضة ما تقدم من تفضيله ﷺ على غيره من الأنبياء.\nفهذا الحديث وما في معناه ينبغي الوقوف على معانيها والمقصود منها، فيقال: هو في هذا المقام المختص حين يصعق الناس يوم القيامة أول من يفيق، لكن هل موسى ﵊ يفيق قبله، أم يكون موسى ممن استثنى الله؟ الجواب: الله أعلم؛ لأن النبي ﷺ لما حدث بالحديث قال: (فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله)، فيجب في هذه المسألة الوقوف، ويحمل قوله ﷺ: (لا تفضلوا بين الأنبياء) على ما إذا كان التفضيل على جهة التعدي، أو استلزم التفضيل التنقيص أو الإسقاط لحق نبي من الأنبياء.\nويدل لهذا مناسبة الحديث كما في الصحيح: (أن أحد اليهود قال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فلطمه أحد الصحابة وقال: أتقول هذا ورسول الله ﷺ بين أظهرنا؟! فلما بلغ النبي ﷺ ذلك قال: لا تفضلوا بين الأنبياء).\nوليس معنى الحديث منع المسلم أن يعتقد أن محمدًا ﷺ أفضل من غيره وأن موسى ﵇ أفضل من كثير من الأنبياء، فإن الله قد قال في القرآن: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣] وقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء:٥٥]، ولكن من أصول أهل السنة، أنه لا يستطال على أحد من خلق الله لا بحق ولا بغير حق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو يذكر مذهب أهل السنة والجماعة في آخر الرسالة الواسطية قال: (ويرون ترك الاستطالة بحق أو بغير حق).\nأما الاستطالة بغير حق: فكالاستطالة بمحض الظلم والكذب أو الخطأ أو الغلط، وهذا بين.\nوأما الاستطالة بحق: فأن يكون الأصل الذي انطلق منه حقًا ولكنه زاد فيه، ومن أخوف ما يخاف على هذه الأمة، أن يتخذ العلم بغيًا، وهو من أخلاق أهل الكتاب التي لما دخلت وشاعت فيهم، أفسدت ملتهم وجعلتهم شيعًا وأحزابًا.\nوهذا مع الأسف يقع كثيرًا في الناس اليوم وقبل اليوم، فيستطال على بعض الأعيان، أو بعض الطوائف بما هو من العلم، ولهذا وقع أول الافتراق في هذه الأمة لما استطال الخوارج بالحق، أي: أنهم استدلوا بالقرآن، وقالوا: لا حكم إلا لله، كان من فقه الإمام علي ﵁ أن قال: (كلمة حق أريد بها باطل).\nفينبغي لطالب العلم أن يفقه هذه المسألة وأن يعرف أدب أهل السنة، فإن العلم إنما بُعث هدىً ورحمة، ولم يكن العلم الذي أوحاه الله إلى أنبيائه ورسله ليتخذ بغيًا واستطالة، فإن طلب العلو في الأرض غاية فرعون وأمثاله الذين ذمهم الله في كتابه.\nولهذا لما ذكر الله ﷾ العلو المناسب للمؤمنين جعله مطلقًا، فقال: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، ولما ذكر فرعون قال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٤] فالعلو المناسب للمؤمن هو العلو الإيماني، الذي يقوم على العدل والرحمة، ولهذا لما ذكر الله سبحانه الخضر قال: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (الرسل بعثوا بالعلم والرحمة، فالرحمة بلا علم جهل، والعلم بلا رحمة ظلم وبغي)، وموجب الخطأ في بني آدم إما الجهل وإما الظلم، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢].","vol":"5","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>ثبوت الخلة والمحبة للنبي ﷺ</span>\nقوله: (وحبيب رب العالمين):\nلو أن المصنف ﵀ قال: (وخليل رب العالمين) لكان أجود، لما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا)، وإن كان اللفظ لا إشكال فيه، وإنما الكلام في الأولى.\nقوله: (وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى)، أقول: بل هي كفر مجمع عليه كما تقدم.","vol":"5","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>عموم بعثة النبي ﷺ للجن والإنس</span>\nقال: (وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى، بالحق والهدى، وبالنور والضياء):\nمن خصائصه ﷺ أنه بعث إلى الإنس والجن، قال ﵊ كما في حديث أبي هريرة وجابر ﵄: (فضلت على الأنبياء بست) وفي رواية: (فضلت على الأنبياء بخمس)، ومنها: (بعثت إلى الخلق كافة)، وهذا لكون رسالته ونبوته خاتمة.\nوقد قال ﷺ كما في حديث أبي هريرة ﵁: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار).\nفكل من بلغته دعوته ﷺ ولم يؤمن به، سواء كان ترك دعوته اتباعًا لنبوة نبي سابق كعيسى أو موسى ﵉، أو كراهية أو لغير ذلك؛ فإنه من أهل النار وممن كفر بالله ﷾.","vol":"5","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>شرح العقيدة الطحاوية [٦]</span>\nمن أصول الإيمان: الإيمان بالكتب المنزلة على أنبياء الله ﵈، ومن أخص هذه الكتب: القرآن العظيم، فهو أفضلها وأحكمها والمحفوظ منها -بحفظ رب العالمين- إلى يوم الدين، وهو كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>عقيدة أهل السنة في القرآن</span>\nقال المصنف ﵀: [وإن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر، حيث قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] فلما أوعد الله بسقر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر، ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أن الله تعالى بصفاته ليس كالبشر].\nبعدما ذكر المصنف مسألة النبوة ذكر مسألة كلام الله ﷾، ومن المعلوم أن من أصول الإيمان: الإيمان بكتب الله ﷾، وهي الكتب المنزلة على الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأخص هذه الكتب وأعظمها وأحكمها هو القرآن الذي أنزله الله على نبيه ﷺ، وتعظيمُ القرآن مجمع عليه بين المسلمين ولكن لما عطل الجهمية والمعتزلة الباري عن صفاته، ولم يصفوه بصفات الكمال، كان من تلك الصفات صفة الكلام، فقالوا: إن كلام الله مخلوق، ولما كان صريحًا في القرآن أن القرآن كلام الله قالوا: القرآن مخلوق.\nوقد أجمع السلف على أن هذه كلمة كفرية، وقد حكى الإجماع غير واحد كـ شيخ الإسلام وغيره، بل القرآن كلام الله ﷾، حروفه ومعانيه، وهذا التقرير هو فرع عن الأصل المقول في الصفات، وهو إثبات صفات الكمال لله ﷾، ومن أخص صفاته الثابتة في العقل والشرع: الكلام، فإن الله موصوف بالكلام.","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>خلاصة مذهب أهل السنة في كلام الله</span>\nومذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الكلام، أن الله موصوف بهذه الصفة أزلًا وأن كلامه ﷾ متعلق بقدرته ومشيئته، وأنه بحرف وصوت مسموع.\nوقد ذكر الله القرآن وسماه تنزيلًا، وذكر القرآن وسماه كلامًا له في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ولهذا قال المصنف: (وإن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولًا) أي أن القرآن بدأ منه ﷾ قولًا له، بحرف وصوت مسموع.","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>براءة الطحاوي من مذهب الأشعرية والكلابية في كلام الله</span>\nقال ﵀: (وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة) لما استعمل لفظ الحقيقة، كان هذا درءًا لمذهب الأشعري وأمثاله الذين قالوا: إن القرآن عبارة أو حكاية عن كلام الله وليس كلام الله على الحقيقة.\nفهذه الجملة من أبي جعفر الطحاوي ﵀ تبين أنه لم يكن على طريقة الأشعرية، وإن كان قد يغلط أو يتأثر أحيانًا ببعض السياقات التي يستعملها بعض أئمة الأشعرية، ويكون تأثره بها تأثرًا لفظيًا.","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>مذهب الأشعري وابن كلاب في كلام الله</span>\nالأشعري وابن كلاب أثبتوا صفة الكلام لله إثباتًا غير متصور في العقل، فقالوا: إن الكلام معنى واحد يقوم في النفس، ليس بحرف ولا بصوت، ولا يتعلق بالقدرة والمشيئة، وهذا مذهب شاذ أحدثه عبد الله بن سعيد بن كلاب وتبعه عليه الأشعري وأمثاله، وليس هو قول أهل السنة ولا يعرف عن أحد من سلف الأمة، بل كما قرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه قول مخالف للعقل فضلًا عن مخالفته للشرع.\nفلما قال ابن كلاب والأشعري: إن الكلام معنى واحد يقوم في النفس ليس بحرف ولا صوت، جعلوا القرآن الذي هو حرف حكايةً أو عبارةً عن كلام الله، وليس كلامًا له، ولا شك أن هذا تناقض؛ فإن من أثبت الكلام لله، لزمه أن يجعله بحرف وصوت؛ لأن الكلام كذلك.\nوهذا يقود إلى مسألة، وهي: حقيقة الكلام؛ فإن الذي أجمع عليه أهل السنة أن الكلام يتناول اللفظ والمعنى جميعًا، ليس هو اللفظ وحده ولا المعنى وحده، والمشهور عند النحاة أن الكلام هو اللفظ، وإن كان من يطلق ذلك من النحاة، ليس بالضرورة أنه يلتزم بعض النتائج المقولة في أصول الدين، ومن هنا قال ابن مالك:\nكلامنا لفظ مفيد .... ... .\nوجعلوا المعنى مدلولًا لهذا اللفظ، ولم يجعلوا لفظ الكلام متناولًا له، وغلط ابن كلاب والأشعري، فقالوا: إن الكلام هو المعنى وحده، وقال طائفة: إنه مشترك بين اللفظ وبين المعنى على الانفكاك، فيكون اللفظ وحده كلامًا ويكون المعنى وحده كلامًا.\nوالله سبحانه لم يذكر الكلام مطلقًا إلا وأراد به ما كان بحرف وصوت، وأما قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [المجادلة:٨]، فمثل هذا السياق لا يدل على مذهب الأشعري، لأنه سياق مقيد، فضلًا عن كون طائفة من المفسرين قالوا في تفسيرها: أنهم يقولون فيما بينهم كلامًا لا يسمعه غيرهم.","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>حكم من قال مقالة كفرية</span>\nقال: (ليس بمخلوق ككلام البرية)، وفي هذه الجملة مفارقة لمذهب المعتزلة، فإن المعتزلة تقول: إنه مخلوق.\nقوله: (فمن سمعه فزعم أنه من كلام البشر فقد كفر ... إلخ).\nمن قال: القرآن مخلوق فقوله كفر؛ لكن قائل ذلك لا يكفر ابتداءً إلا إذا علم أن الحجة قد قامت عليه، وقد كان في زمن السلف ﵏ أعيان كثيرون من الجهمية والمعتزلة وغيرهم يقولون: إن القرآن مخلوق، وما كان أحدٌ من السلف يطرد تكفير أعيانهم، وذلك أن ثمة أصلين عظيمين شريفين في مسألة: التكفير لمن غلط من أهل القبلة في مسائل أصول الدين، قررهما شيخ الإسلام:\nالأصل الأول: أن المقالة التي تكون في حكم الله ورسوله كفرًا لا يلزم منها أن يكون كل من قالها من أهل القبلة كافرًا، ومن ذلك قولهم: إن القرآن مخلوق.\nوتقدم أن شيخ الإسلام يقول: (والإمام أحمد وإن تواتر عنه تكفير الجهمية الذين قالوا بخلق القرآن فإنه لم يشتغل بتكفير أعيانهم، بل قد صلى الإمام أحمد خلف بعض من يقول بخلق القرآن ودعا له واستغفر له)، ويعني بذلك الخليفة المعتصم، فإنه كان يقول بخلق القرآن تبعًا لأئمة المعتزلة، ومع ذلك فقد صلى الإمام أحمد خلفه ودعا له واستغفر له، ولو كان يرى كفره لما فعل ذلك.\nوأما من قال: إن الإمام أحمد إنما فعل ذلك خلفه -أي الصلاة والدعاء- لكونه سلطانًا، ولو لم يكن سلطانًا لكفره، فهذا جاهل لا يعرف ما يقول، ومعلوم أن هذه المسائل لا تكفها مسألة السلطنة، بل كان الإمام أحمد لا يرى كفر المعتصم، والمذهب عند متأخري الحنابلة أن الفاسق لا يصلى خلفه، ولو كان الإمام ﵀ يرى أن المعتصم كافرًا لما دعا له واستغفر له وصلى خلفه، مع أن المعتصم كان ثابتًا على القول بخلق القرآن، ومع أنه سمع المناظرة، وسمع انقطاع أئمة المعتزلة بين يدي الإمام أحمد.\nالأصل الثاني: أن يُعلم أن الواحد من أهل الصلاة والشعائر الظاهرة، لا يكون كافرًا في نفس الأمر -أي في الحكم الباطن- إلا إذا كان ما يظهره من الصلاة والشعائر الظاهرة نفاقًا.\nومعلوم أنه لا يلزم من الحكم بكفر شخص ظاهرًا أن يكون كافرًا باطنًا، ولا يلزم من الحكم بإسلامه ظاهرًا أن يكون مسلمًا باطنًا، فالمنافقون عند كثير من المسلمين يحكم لهم بالإسلام مع أنهم عند الله كفار، وكان جماهير الصحابة زمن النبوة لا يعرفون عامتهم، بل إن ظاهر القرآن يدل على أن من المنافقين من كان النبي ﷺ لا يعرفه، قال الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١] وقد يُكّفر أحد أعيان أهل القبلة من بعض العلماء اجتهادًا، وقد يكون هذا الاجتهاد في نفس الأمر صوابًا وقد يكون غلطًا، قد يكون له من العذر الذي لم يطلع عليه ما يدفع عنه الكفر عند الله.\nوهذا الأصل ليس مشكلًا كما ادعى بعض المعاصرين، فقال: إن كلام شيخ الإسلام فيه نظر، بل إن أحكم من قرر مسألة التكفير من المتأخرين هو الإمام ابن تيمية ﵀، وقد بناها بناءً شرعيًا عقليًا؛ فإنه قال بعدما ذكر هذا الأصل: (وذلك أن النبي ﷺ لما بُعث بمكة كان الناس أحد رجلين، إما مؤمن ظاهرًا وباطنًا وإما كافر ظاهرًا وباطنًا، ولما هاجر إلى المدينة ظهر نوع ثالث، وهم من آمن ظاهرًا وكفر باطنًا.\nوالمؤمنون ظاهرًا وباطنًا على ثلاثة أقسام: فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات.\nقال: فالذي يُظهِر الصلاة والصوم والحج ويعتمر ويؤذن ويقيم، لا يسمى كافرًا ظاهرًا وباطنًا لأنه في الظاهر مسلم، قال: فدار بين كونه مؤمنًا ظاهرًا وباطنًا وبين كونه مؤمنًا ظاهرًا كافرًا في الباطن، قال: وإذا قلنا عن أهل البدع المخالفين لإجماع السلف: إنهم مؤمنون ظاهرًا وباطنًا، فإنما يعنى بهذا الإيمان: الأصل الذي يفارق الكفر، قال: وإلا فإن عامتهم ظالمون لأنفسهم، لأن مثل هذه البدع لا تكون إلا عن تقصير في متابعة أمر الله ورسوله، وهذا التقصير في العلم هو من أخص الكبائر والظلم).\nولهذا قال ﵀وهذا أصل ثالث-: (إن كل من أراد الحق واجتهد في طلبه من جهة الرسول فأخطأ فإن خطأه مغفور له).\nفذكر ثلاثة شروط: الأول: أن يكون أراد الحق، والثاني: أن يكون مجتهدًا في طلبه، والثالث: أن يكون طلبه إياه من جهة الرسول ﷺ.\nقال: (فمن عدم الإرادة، أو عدم الاجتهاد، أو طلبه من غير جهة النبي ﷺ، فإنه يكون كافرًا، وأما من أراده واجتهد فيه من جهة الرسول فأخطأه: فإنه في الأصول الشائعة بين المسلمين أنه لا يخطئه إلا مقصر إما في مقام الإرادة، أو مقام الاجتهاد، قال: فهذا هو الظالم لنفسه).\nقال: (وعامة أهل البدع، مقصرون في مقام الاجتهاد).","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>شرح العقيدة الطحاوية [٧]</span>\nيكرم الله سبحانه عباده برؤيته جل وعلا يوم القيامة وفي الجنة، فلا يجدون لذة تفوق لذة النظر إلى وجهه ﷾، هذا ما يعتقده أهل السنة والجماعة، تصديقًا منهم لكتاب ربهم، وسنة نبيهم، وإن خالفهم في ذلك بعض فرق المسلمين فأنكروا الرؤية بالكلية، أو انحرفوا فيها فأبطلوا حقيقتها؛ اتباعًا لزبالات الأذهان، وأقوال فلاسفة اليونان.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>عقيدة أهل السنة والجماعة في رؤية الله تعالى</span>\nقال المصنف ﵀: [والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه].\nالرؤية من أخص الصفات التي حصل فيها النزاع، وقد أجمع السلف على أن المؤمنين يرون ربهم عيانًا بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر، وكما يرون الشمس صحوًا ليس دونها سحاب، في عرصات القيامة، وفي الجنة.\nوالدليل على ذلك: الكتاب، والمتواتر من حديث النبي ﷺ، والإجماع.\nوقد نفى الرؤية أئمة الجهمية والمعتزلة، وطوائف من الشيعة المقلدة للمعتزلة، وهذا المذهب بدعة بإجماع السلف، بل قال شيخ الإسلام ﵀: (إن من بلغته نصوص الرؤية ولم يقل بها، فإنه يكون كافرًا إذا قامت الحجة عليه بها)، وقد جاء عن غير واحدٍ من السلف كـ أحمد ومالك، أنهم سموا الخلاف في هذه المسألة كفرًا.\nولا شك أن الأمر كذلك، فإن من خالف صريح النصوص، ومتواتر السنة، وصريح الإجماع، فإن قوله يكون كفرًا وإن كان قائله لا يكفر ابتداءً كالمسألة التي تقدمت في قول من قال: إن القرآن مخلوق، فلا فرق بين المسألتين في الحكم.","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>أدلة إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة</span>\nوأما دلائل الرؤية فمن القرآن قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] فإن النظر أضيف إلى الوجوه وعدي بـ (إلى)، فدل ذلك على أن المراد به النظر بالأبصار.\nوتعلم أن النظر في لسان العرب يأتي بحسب سياقه على غير معناه كقولهم: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] وكقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥]، فهذه معان مختلفة، وهذه قاعدة من أهم القواعد لطالب العلم في فقهه لمذهب أهل السنة ودلائلهم: وهي أن تفسير الأئمة للآيات والأحاديث النبوية، ليس معتبرًا بوضع الكلمة المفردة في اللغة، بل هو معتبر بسياق الكلام نفسه.\nوهذا يرد قول من قال: إن النظر في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، بمعنى الانتظار؛ لأن النظر يأتي في كلام العرب على معنى الانتظار، ومنه قوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] أو قال: إنه التفكر، لأنه يأتي في كلام العرب كذلك ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ﴾ [الأعراف:١٨٥] أي: نظر تفكر أو نحو ذلك.\nومثله في الصفات الأخرى، كقول من قال إن اليد في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] المراد بها هنا النعمة؛ لأن العرب تذكر اليد وتريد بها النعمة.\nومنه قول عروة بن مسعود لـ أبي بكر ﵁ في الحديبية كما في الصحيح: (لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك).\nأي: لولا نعمة لك علي.\nفالسياق يوجب أن تفسر اليد بالصفة ويرد تأويلهم؛ فإن قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ذكر لفظ اليد هنا مثنىً مضافًا، وإذا ذكر مثنىً مضافًا، فإنه لا بد أن يفسر بالصفة القائمة بموصوفها ولا يمكن أن يكون المراد به النعمة أو نحو ذلك.\nومن دلائل الرؤية قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فلفظ الزيادة لفظ مجمل، لكنه ﷺ في حديث صهيب الذي رواه مسلم فسر الزيادة بالنظر إلى وجه الله، ومن هنا كان هذا اللفظ مبينًا بالسنة.\nومن دلائلها قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فإن الله نفى الإدراك، والإدراك قدر زائد على أصل الرؤية، فلما خص القدر الزائد بالنفي دل على أن ما دونه ثابت، وإلا فلا معنى لتخصيص القدر الزائد بالنفي، بمعنى أنه لو كان أصل الرؤية ممتنعًا، فلن يكون لتخصيص القدر الزائد بالنفي معنى، ومعلوم في حس بني آدم أن بين الإدراك وأصل الرؤية فرقًا، فإنك إذا رأيت الشيء لا يلزم أن تكون قد أدركته.\nوقد قال رجل لـ ابن عباس ﵄: يا ابن عباس إن الله يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] ويقول: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)، فقال له ابن عباس ﵄: ألست ترى السماء؟ قال الرجل: بلى؛ قال: أتدركها كلها؟ قال الرجل: لا.\nقال فالله أعظم.\nوأما قول من قال: إن تفسير قوله: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) أي: لا تراه في الدنيا، فهذا قول قاله طائفة من أهل السنة ولكنه ليس براجح، بل الصحيح أن الآية على عمومها، وأن من خصائصه سبحانه أنه يُرى ولا يدرك، بخلاف غيره؛ فإنه إذا رئي يدرك أو يكون ممكن الإدراك، وهذا معنى قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] أي في صفاته الثابتة، فهو يرى ولا يدرك، كما أنه يُعْلَم من علمه شيء ولا يحاط به علمًا.\nومن دلائل الرؤية عند أهل السنة قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، ووجه الدلالة أن موسى ﵊ سأل ربه الرؤية، ولو كان -كما تزعم المعتزلة- من أصل التوحيد أن الله سبحانه تمتنع عنه الرؤية، للزم من ذلك أن يبعث الله رسولًا ويصطفيه برسالته وبتكليمه على الناس، ويكون جاهلًا بأصل من أصول الربوبية!\nوقد علق الله رؤيته بأمرٍ ممكن، وهو استقرار الجبل مكانه، فدل على أنها ممكنة.\nومن دليل أهل السنة والجماعة على إثبات رؤية المؤمنين لربهم: متواتر الحديث؛ فإنه تواتر عن النبي ﷺ من طريق نحو ثلاثين من الصحابة منهم العشرة المبشرون بالجنة، في الصحيحين والسنن والمسانيد، تصريحه ﷺ بين يدي أصحابه مع اختلاف أحوالهم: أن المؤمنين يرون ربهم، كما في قوله ﷺ في حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس صحوًا ليس دونها سحاب، لا تضامون في رؤيته) متفق عليه.\nومن ذلك حديث أبي موسى في الصحيحين، وحديث صهيب عند مسلم، وحديث جرير بن عبد الله البجلي إلى غير ذلك.","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>اعتراض القاضي عبد الجبار على أحاديث الرؤية والرد عليه</span>\nومن جهل علماء المعتزلة بحديث الرسول ﷺ أن أكبر قضاتهم في زمنه، وهو القاضي عبد الجبار بن أحمد صاحب (المغني) و(المحيط بالتكليف) وغيرها، قال: (وأما ما استدلت به العامة -يعني: أهل السنة- من الحديث فهو آحاد، لم يروه إلا جرير بن عبد الله البجلي).\nوهذا جهل من جهتين:\nالأولى: أن حديث الرؤية رواه نحو ثلاثين من الصحابة، فكيف يقول: إنه لم يروه إلا جرير بن عبد الله البجلي، خاصة أن اللفظ الذي ذكره جرير ذكره غيره من الصحابة.\nالثانية: وهي زعمه أن دليل الآحاد لا يُستدل به.","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>حكم الاحتجاج بالآحاد في العقائد</span>\nشاع في كتب طائفة من الأصوليين وعلماء الكلام، وبعض علماء المصطلح؛ تقسيم الحديث إلى آحاد ومتواتر، وهذا التقسيم من حيث هو اصطلاح لا إشكال فيه، وإنما الغلط هو حد من قال: إن المتواتر هو ما رواه جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس، ثم جعل كل ما خالف المتواتر آحادًا، ورتب المعتزلة وطوائف من الأشاعرة على ذلك نتيجة، وهي أن الآحاد لا يحتج بها في العقائد والأصول.\nفهذا الحد للمتواتر غلط على السنة، لأنهم قالوا: ما رواه جماعة عن جماعة، ثم ذكروا خلافًا في حد الجماعة، والذي يستقر عليه كثيرٌ منهم هو: العشرة أو ما يقاربهم فعلى طريقتهم، لا يصير الحديث متواترًا إلا إذا رواه عن الرسول ﵊ من الصحابة عشرة، ورواه عن كل صحابي عشرة، فيكون العدد في التابعين مائة، ورواه عن كل واحد من هؤلاء المائة عشرة، فتكون الطبقة الثالثة ألفًا من الرواة، ومثل هذا لا ترى له مثالًا في السنة، وإن فرض له مثال فهو يسير جدًا.\nوقد صرح بعض الحفاظ الذين ذكروا هذا الحد أنه لا مثال له على هذا الوجه، فلو صحح رأيهم في المتواتر على هذا الوجه لكان نتيجة ذلك: أن السنة لا يحتج بها في الاعتقاد، لأنه لا يوجد حديث متواتر على هذا الحد.\nوأما أن تقسم الرواية إلى متواتر وآحاد على حد يختلف عن ذلك فهذا لا بأس به، وقد ذكر الإمام الشافعي ﵀ وطائفة من المتقدمين لفظ المتواتر في كلامهم، لكنهم لم يوردوا للمتواتر هذا الحد الذي زعمه المتكلمون ودخل على طائفة من الأصوليين وعلماء المصطلح المتأخرين.","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>دليل نفاة الرؤية</span>\nالجهمية والمعتزلة هم نفاة الرؤية، والقاعدة أنه لم ينف جهمي أو معتزلي صفة من الصفات لدليل من القرآن أو السنة، وغاية ما يستدلون به قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وهذا دليل مجمل لا دلالة فيه، إنما فيه تنزيه الله ﷾ عن مماثلة غيره، وهذا مما استقر عند سائر المسلمين.\nوأما استدلالهم على نفي الرؤية بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، فقالوا: (لن) تقتضي التأبيد.\nفلو سلم جدلًا أن الآيتين تدلان على مراد المعتزلة، فتكون نتيجة الدليل نفي الرؤية مع إمكانها؛ لكن المعتزلة والجهمية يقولون: إن الرؤية ممتنعة، ومعلوم أن المنفي قد يكون ممكنًا وقد يكون ممتنعًا، فإذا قيل لك: هل لك ولد؟ فقلت: لا، فلا يعني هذا أن الولد في حقك ممتنع، بل هو ممكن، لكنه لم يوجد حتى الآن.\nفإذًا: الامتناع يستلزم النفي، ولكن النفي لا يستلزم الامتناع، فقد ينفى الشيء وهو ممكن، وقد يُنفى الشيء وهو ممتنع، فلو وقفت المعتزلة عند الدليل الذي زعمت أنها تستدل به، للزمهم أن يقولوا: إن الرؤية منفية ولكن لا نقول: إنها ممتنعة.\nلكن لما قرروا أنها ممتنعة بما يسمونه دليل المقابلة، وهو عندهم امتناع الرؤية لامتناع العلو على الله تعالى، ودليل الانطباع، وغيرها من الدلائل الكلامية الفلسفية، وحكموا عليها بالامتناع، ثبت أنهم ليس لهم دليل لا من الكتاب ولا من السنة.","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>مذهب الأشاعرة في الرؤية</span>\nمذهب الأشاعرة في الرؤية، ملفق من مذهب أهل السنة ومذهب المعتزلة؛ فإنهم قالوا: إن الله يرى بلا جهة، وهذا الذي تقلده المتأخرة من الأشاعرة كـ أبي المعالي والرازي؛ لأنهم ينفون العلو، وأرادوا بنفي الجهة نفي العلو، وقد يوجد في كلام بعض شراح الحديث كالنووي عبارة: إن الله يرى بلا جهة، ولكن ليس مقصوده نفي العلو عن الله تعالى كما يقصد هؤلاء.\nوقد كان الأشعري وقدماء أصحابه يثبتون الرؤية إثباتًا حسنًا.\nقول المصنف: (والرؤية حق لأهل الجنة) أراد بأهل الجنة هنا: المؤمنين، وإلا فإنهم يرونه في الجنة ويرونه قبل ذلك في عرصات القيامة.\nقوله: (بغير إحاطةٍ) أي: بغير إدراك، كما في قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) [الأنعام:١٠٣]، وقوله: (ولا كيفية) هذه كلمة مجملة، لو لم يعبر بها لكان أجود؛ فإن النبي ﷺ وصف الرؤية فقال: (كما ترون القمر ..) وقال: (وكما ترون الشمس صحوًا ليس دونها سحاب).\nوهذا ليس من أحاديث التشبيه كما زعم بعض علماء المعتزلة، فإن التشبيه هنا تشبيه للرؤية بالرؤية وليس تشبيهًا للمرئي بالمرئي، كقوله ﵊: (أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر)، ولم يلزم من ذلك أنهم مماثلون في الحقيقة للقمر، وهذا مستقر بأصل العقل، والعرب تارة تذكر التشبيه للصفة، وتارةً تذكر التشبيه للموصوف.\nقال: (وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلمه) هذا حرف مجمل ولا شك أن تفسير كلام الله هو على ما أراده الله وعلمه، كما قال الإمام الشافعي في الصفات: (نؤمن بما جاء في كتاب الله، وجاء في سنة رسول الله، على ما أراد الله)، وهذه جملة مجمع عليها بين السلف؛ ولكن هذا الحرف يستعمل لنوع من التفويض، وقد استعمل التفويض في الرؤية طائفة من علماء الأشاعرة الذين فسروا كلام متكلميهم في قولهم: يرى بلا جهة، فقالوا: هي رؤية علمية، وهذا رجوع لمذهب المعتزلة، حتى قال أبو حامد الغزالي: (إن الفرق بين مذهب أصحابنا ومذهب المعتزلة هو فرق لفظي).\nفقوله: (وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه) هذه جملة مجملة، فلا شك أن التفسير هو على مراد الله وعلمه، ولكنه معلوم بتعليم الرسول ﷺ لأصحابه وأمته.\nيذكر في كلام كثير من أهل العلم رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج، وهذه المسألة ليست من المسائل الأصول، فليست من حيث القدر والشرف كمسألة رؤية المؤمنين لربهم الثابتة في الكتاب، ومتواتر الحديث، والإجماع التام.\nأما رؤية النبي ﵊ لربه ليلة المعراج فإن فيها طرفًا من النزاع على طريقة أهل السنة والمتكلمين، وإنما الغلط حصل في طريقة بعض المتأخرين من أهل العلم الذين جعلوا القول بأن النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج ببصره قولًا لأكثر أهل السنة، وربما قال من قال منهم بأنه قول أكثر الصحابة، ولم يخالف إلا عائشة وطائفة، وهذا غلط بيِّن؛ فإنه لم يصح هذا القول عن واحد من الصحابة، وإنما الذي صح عن جماعة من الصحابة، هو أن النبي ﷺ رأى ربه بفؤاده، وهذا قاله ابن عباس كما في الصحيح، وطائفة من الصحابة.\nومع هذا فما يستدل به ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، في هذه المسألة بعضه مما يصحح، وبعضه مما يخالف فيه، فإنه فسر بعض الآيات برؤية النبي ﷺ لربه بفؤاده، في حين أن عائشة روت مرفوعًا إلى النبي ﷺ أن المراد جبريل ﵇.\nإلا أن هذا القول المأثور عن ابن عباس ﵄ هو القول الشائع عند طائفة من السلف، وقد كان الإمام أحمد وجماعة من أئمة السنة والحديث يقيدون فيقولون: إن النبي ﷺ رأى ربه بفؤاده، وتارةً يقولون: إنه رآه، فيطلقون، وأُثر ذلك عن ابن عباس، قال شيخ الإسلام ﵀: (فما صح عن ابن عباس إما مطلقًا وإما مقيدًا، فيحمل مطلق كلامه على مقيده، قال: ولم يصح عن ابن عباس ولا عن أحد من الصحابة أنه قال: إن النبي ﷺ رأى ربه ببصره.\nقال: وكذلك الإمام أحمد وأمثاله من أئمة السنة والحديث، فإن قولهم على هذا الوجه، وإن كان طائفة من متأخري أصحابنا يحكون عن أحمد وغيره من متقدمي الأئمة، ما هو من التصريح برؤية البصر، قال: وهذا من فهم كلامهم، وليس هو ما أُثر عنهم على الوجه المحقق).\nفالحاصل أنه لم يصح عن صحابي من الصحابة أنه صرح بأن النبي ﷺ رأى ربه ببصره، وعليه فيكون هذا القول كأنه محدث، وإن كان في الجزم بهذا بعض التردد، وقد حكى الدارمي ﵀ وهو من متقدمي المحققين من أئمة السنة إجماع الصحابة على أن النبي ﷺ لم يرَ ربه ببصره.\nوهذا الإجماع الذي حكاه الدارمي ليس هناك من الآثار المروية عن الصحابة ما يعارضه، وقد صح عن عائشة ﵂ كما في الصحيحين أنها قالت لـ مسروق: (ومن حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد كذب)، ولم يحفظ عن أحد من الصحابة أنه نازع عائشة رضي الله تعالى عنها في ذلك، وإذا اعتبر الاستدلال بغير دليل الإجماع فإن ظاهر القرآن وصريح السنة، تدل على نفي رؤية النبي ﷺ لربه ببصره.\nأما القرآن فلأن الله تعالى لما ذكر معراج نبيه ﵌ قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨]، فذكر في الموضعين امتنانه ﷾ على نبيه برؤية الآيات، ولو كان النبي ﵌ رأى ربه في معراجه ببصره لكان الإشادة والامتنان بذكر رؤيته لربه أظهر وأولى من الإشادة والامتنان بذكر رؤية الآيات.\nوأما السنة فقد ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث عبد الله بن شقيق أنه قال لـ أبي ذر ﵁: (لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته، فقال له أبو ذر: عمَ كنت تسأل؟ فقال: أسأله: هل رأيت ربك؟ فقال أبو ذر: أما إني سألت رسول الله ﷺ فقال: رأيت نورًا) وفي الوجه الآخر من حديث عبد الله بن شقيق نفسه عن أبي ذر ﵁، أن النبي ﷺ لما سأله أبو ذر قال: (نورٌ أنى أراه).\nوقد كان الإمام أحمد وبعض متقدمي أئمة الحديث يتأخرون عن تصحيح هذا الوجه من الرواية، فإن صح هذا فالمعتبر وجه واحد، وإن استقام ما ذهب إليه الإمام مسلم ومن اعتبر رأيه في هذا، فإن كلا الوجهين يكون صحيحًا ولا يكون هناك تعارض، والحق: أن جهة التعارض ليست هي الموجبة للتردد في صحة كلا الوجهين، وإنما الموجب لذلك أن وجه الرواية من حيث السؤال واحد، فإما أن يكون النبي أجاب بهذا أو أجاب بهذا، وإن كان فرض الجمع بين الجوابين ممكن وليس متعذرًا؛ فقوله: (رأيت نورًا) ليس مخالفًا من حيث المعنى لقوله: (نورٌ أنى أراه)، أي أن النور حال دون رؤيته، وهذا النور الذي رآه ﷺ فإنه -والله أعلم- هو نور الحجاب، فإنه ثبت في صحيح مسلم ﵁ من حديث أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).\nوعليه فإن المستقر عند متقدمي السلف من الصحابة ومن بعدهم، أن يُقال: إن النبي رأى ربه بفؤاده ولا يصرح برؤية البصر.","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>رؤية الكفار لربهم في عرصات القيامة</span>\nالمسألة الثالثة من مسائل الرؤية -وهي دون المسألة الثانية-: رؤية الكفار والمنافقين لربهم في عرصات القيامة، وهذه مسألة نزاع بين أهل السنة المتأخرين وغيرهم، قال شيخ الإسلام: (ولم يحفظ للصحابة فيها قول بيَّن)، والأقوال التي يذكرها أصحاب السنة والجماعة ثلاثة، وبعضهم يزيد فيها إلى أربعة، وبعضهم يجعلها خمسة، وهي:\nالقول الأول: أنه لا يراه في عرصات القيامة سائر أجناس الكفار سواء كانوا من المشركين، أو من أهل الكتاب أو من المنافقين، فلا يراه في عرصات القيامة إلا أهل الإيمان.\nالقول الثاني: أنه يراه سائر الكفار من أهل الكتاب وأهل الشرك وأهل النفاق، ثم يحتجب عنهم.\nالقول الثالث: أنه لا يراه إلا المنافقون دون بقية الكفار.\nالقول الرابع: أنه يراه المنافقون وغبرات من أهل الكتاب، أي: بقايا من أهل الكتاب.\nالقول الخامس: وهو التوقف في المسألة والكف عنها.\nوإنما قيل: إن الأقوال ثلاثة؛ لأن من يقول بالقول الثالث لا يعارضون ما يقوله أصحاب القول الرابع، ويفسرون هذا النوع من أهل الكتاب بأنهم متحنفة أهل الكتاب، الذين لم يدركوا دين الإسلام.\nوأما مذهب التوقف ففي كلام الأصوليين حينما يحكون المذاهب في المسائل الأصولية أو غيرها، كثيرًا ما يذكرون مذهب التوقف، وهم أكثر الأصناف ذكرًا للتوقف قولًا.\nوالصحيح أن التوقف الذي معتبره عدم العلم بالدليل لا يعد قولًا، وأما التوقف الذي يكون عن اشتباه في مورد الأدلة، فإنه يعد قولًا.\nوإذا سئل عن الراجح، فإن المسألة ليس فيها قول يجزم به، فبعض ظواهر الحديث المخرجة في الصحيح تدل على أن المنافقين وطوائف من أهل الكتاب يرون ربهم، وإذا اعتبرت ظاهر القرآن، وظاهر كلام المتقدمين من السلف، فإنه يدل على أنه لا أحد من الكفار يرى ربه، وقد كان الشافعي ومالك والإمام أحمد يحتجون بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] على رؤية المؤمنين لربهم، وهذا يعني أنهم يرون أن الكفار لا يرونه.\nوهكذا قال شيخ الإسلام: إن ظاهر مذهب المتقدمين من السلف أن الكفار لا يرون ربهم، وهذا هو ظاهر القرآن؛ فكأن هذا القول هو الأولى في المسألة، وإن كان الخلاف في المسألة واسعًا وليست هي -بإجماع أهل العلم- من المسائل الأصول.","vol":"7","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>شرح العقيدة الطحاوية [٨]</span>\nمذهب السلف الصالح رضوان الله عليهم في أسماء الله سبحانه وصفاته هو إثبات المعنى، وتفويض الكيفية، وأن نصوص الشرع توافق العقل الصحيح ولا تعارضه، لا كما يزعم أهل التجهيل، ممن يزعمون أن السلف كانوا لا يفهمون معاني آيات الصفات، أو ما يزعمه أتباع فلاسفة اليونان من تعارض سفاهات عقولهم مع نصوص الكتاب المبين وسنة البشير النذير.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>مذهب التفويض مذهب مخالف لطريقة السلف</span>\nقال المصنف ﵀: [وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول ﷺ فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا].\nعلق المصنف المراد في باب الأسماء والصفات على مراد الله ورسوله، وهو تعليق صحيح؛ فإن المعتقد الذي يجب على كل مسلم هو ما أراده الله ورسوله ﷺ، ولكن الإجمال لهذا التعليق كأنه يُشعر بأن ثمة قدرًا من التفويض في المعنى في بعض الموارد، وهذا لا يُقصد به أن أبا جعفر ﵀ ينزع إلى مذهب التفويض، فإنه ليس كذلك فيما يظهر من كلامه، وإنما المراد أن نبين أن الكلام وإنك ان معتبرًا بمراد الله ورسوله لكن ينبغي أن يكون بينًا في تفسير هذا المعنى.\nوتفصيل هذا أن يقال: إن مراد الله ﷾ ومراد رسوله ﷺ بين، سواء كان مرادًا علميًا أو مرادًا إراديًا، ولما نزل القرآن وتكلم النبي ﷺ بلسان عربي مبين لم يبق شيء مما أنزل على محمد ﷺ لا يُعرف معناه، وقد علم هذا المعنى أمته، وإن كانت الأمة قد تختلف في تحصيل علمه ﵌، إلا أنهم لا يجمعون على الغلط.\nوقد شاع في كلام كثير من المتأخرين من متكلمة الأشاعرة ومن تأثر بهم من الفقهاء وغيرهم، أن التفويض مذهب مأثور عن السلف، أي: تفويض المعنى، وتقدم أن المعنى بإجماع السلف في صفات الله معلوم، وأن القول الذي قاله مالك ﵀ لا يختص بصفة الاستواء بل هو مطرد في سائر الصفات، وصفة الرؤية التي ذكر الطحاوي ﵀ عندها هذا التعليق أوضحها النبي ﷺ إيضاحًا تامًا لا يمكن معه أن يقال: إنا لا نعلم المراد من هذا الحديث، وأما مقالة التفويض فهي من شر مقالات أهل البدع والإلحاد، كما قال شيخ الإسلام ﵀.\nوطريقة التفويض: طريقة ملفقة استعملها قوم من الأشاعرة للتوفيق بين طريقتهم الكلامية وطريقة السلف، ولم يكن هذا المعنى مقصودًا عند أئمة الجهمية والمعتزلة، لأنه لم يكن من شأن الجهمية والمعتزلة انتحال مذهب السلف وأهل السنة، وهذا هو الفرق الموجب لظهور مسألة التفويض.\nبخلاف الأشاعرة فإنهم ينتحلون مذهب أهل السنة ويعظمون طريقة الأئمة ولكنهم يرونها تخالف طريقتهم في نفس الأمر، فإن السلف لم يستعملوا التأويل، فصاروا يجعلون السلف على التفويض.\nوصار الواحد من متكلميهم ربما استعمل طريق التأويل وصححه، فإذا بان له في آخر أمره بطلانه، صرح بأنه رجع إلى مذهب السلف وهو التفويض، كما صرح بذلك أبو المعالي الجويني، فإنه كتب (الإرشاد)، وكتب (الشامل) وغيرها من الكتب على طريقة التأويل، وعلى طريقة أبي هاشم الجبائي من المعتزلة، ثم في آخر أمره رجع عن طريق التأويل وغلطها، ونزع إلى مذهب التفويض.","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>حقيقة التفويض</span>\nالتفويض ليس له معنى، بل هو ممتنع في الحقيقة؛ فإن كل عاقل يعرف لسان العرب إذا قرأ قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، عرف من هذا أن الله سبحانه موصوف بالعلو، وإذا قرأ قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، عرف أن الله موصوف باليدين، وإذا قرأ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، عرف أن الله متصف بالسمع والبصر، ولا يلزم من ذلك التشبيه، فإن الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] كما هو متحقق في الشرع والعقل.\nفمذهب التفويض مذهب متعذر، ولهذا قال شيخ الإسلام: (ما وقف واقف على حقيقة مذهب التفويض إلا وهو في نفس الأمر يعتقد مذهب النفاة، قال: فإنه ما صرح بحرف التفويض إلا لما كان الظاهر عنده ممتنعًا، فصار هذا التفويض من الألفاظ التي لا معنى تحتها، فهذا قول متناقض في العقل، ولهذا ترى أن أساطين المعتزلة، ومتقدمي المتكلمين -وهم أدرى بالأصول العقلية ومسالكها- لم يستعملوا هذه الطريقة.\nوعليه فعبارات أبي جعفر الطحاوي ﵀ لا بأس بها، فتُفسر على وجه صحيح، ولكن ينتبه لمثل هذا الإطلاق الذي يطلقه كثير من المتأخرين وينسبونه إلى السلف ويريدون به معنى باطلًا، وهو في نفس الأمر كلام مجمل يحتمل حقًا ويحتمل باطلًا.","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>أصل القانون الكلي</span>\nقال المصنف ﵀: [فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ﷿ ولرسوله ﷺ ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه].\nالتسليم أصل في الإيمان، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، ولكن التسليم لا يفهم منه أن مذهب السلف -فضلًا عن الدلائل الشرعية النقلية- يقع فيه ما يكون معارضًا للعقل.\nوهذا يرد على القانون الكلي الذي ذكره المتكلمون، وأصله من كلام الجهمية وأساطين المعتزلة، فإن هؤلاء استعلموا طائفة من المقدمات الفلسفية المأثورة عن ملاحدة اليونان كـ أرسطو وأمثاله، في مسائل صفات الله، وتحصّل بما جعلوه من الدلائل الكلامية المولّدة من المقدمات الفلسفية نفي الصفات، وصار معتبرهم في نفي الصفات ما يسمى بدليل الأعراض، وهو دليل مركب من مقدمات فلسفية، ومبني على قياس الشمول أو قياس التمثيل، ومعلوم ببداهة العقل والشرع، أن الله ﷾ منزه عن قياس الشمول، وقياس التمثيل، بل له المثل الأعلى، وهو معنى قوله ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ومعنى قوله: ﴿وَلله الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠].\nوجاء من بعدهم من أظهر الفلسفة على التصريح كـ ابن سينا فاستعمل دليل التركيب، وجاء طائفة بعد ذلك من مضطربة الأشعرية أبو المعالي الجويني، فإنه مضطرب الحال، فاستعمل دليل الاختصاص، وصارت هذه الأدلة الثلاثة -دليل الأعراض، ودليل التركيب ودليل الاختصاص- هي الدلائل التي عليها مدار القول عند نفاة الصفات من متكلمين وفلاسفة.\nوهي أدلة محدثة مبتدعة مخالفة للعقل والشرع، وأصولها أصول فلسفية، فعارضت هذه الأدلة ظاهر القرآن وظاهر الحديث، وعن هذا التأصيل البدعي المخالف لما بعث به الرسول ﵌ ظهر هذا القانون في كلام المتكلمين وقد ذكره متقدمو أئمة الجهمية والمعتزلة، ثم لما جاء الأشعري، ومع كثرة انتسابه للسنة والجماعة، صار يتباعد عن التصريح بهذا القانون، ويعظم النصوص والآثار، ويكثر من الرد إليها، ولكن لما جاء أصحابه من بعده صرحوا بما صرحت به المعتزلة.\nبل إن التصريح بهذا القانون، ليس مقصورًا على متأخري الأشاعرة، فقد استعمله طائفة من متقدميهم كالقاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني، ولكن عناية أبي المعالي ومحمد بن عمر الرازي وأمثالهما به أظهر.","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>معنى القانون الكلي</span>\nومحصل هذا القانون أنهم يقولون: إذا تعارضت الأدلة العقلية والأدلة النقلية فإما أن نقدم العقل، وإما أن نقدم النقل، وإما أن نعملهما معًا، وإما أن نسقطهما معًا.\nوهذا ما يُسمى في الطرق الكلامية بطريقة السبر والتقسيم، وهي مستعملة في تحصيل الأقوال، وتحصيل المسائل عند كثير من الأصوليين، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في درء التعارض أنها من أضعف الطرق في العقل، وإن كان كثير من المتأخرين يجعلونها من يقين العقليات، فهذه الطريقة انتظمت هذا القانون، كما يذكره أبو حامد الغزالي، أو أبو المعالي الجويني، أو محمد بن عمر الرازي، كما في كتابه (تأسيس التقديس)، الذي نقده شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه (نقض التأسيس).\nقالوا: أما جمعهما فممتنع، لأنه جمع للنقيضين، وأما رفعهما فممتنع؛ لأنه رفع للنقيضين، فسقط الثالث والرابع، قالوا: فلم يبقَ إلا أن يقدم النقل على العقل أو يقدم العقل على النقل، قالوا: وتقديم النقل على العقل ممتنع، لأن أصل قبول النقل هو العقل، فلو قدمناه عليه لطعنَّا فيما ثبت به النقل، وهو العقل، فلما تعذرت الثلاثة لم يبقَ إلا أن يقدم العقل، والنقل إما أن يؤول وإما أن يفوض.\nقال الرازي حماقةً: (وإن اشتغلنا بتأويله فعلى سبيل التبرع).\nوصحيح أن الرجل قد أفضى إلى ما قدم، ولكن المشكلة في هذه الخرافات التي كتبها، فهو وأمثاله وإن كانوا كبارًا في علوم أخرى، ولهم فضائل في أبواب من العلم، لكن أغلاطهم هذه التي قالوها في أصول الدين وفي دلائلها تستعمل من بعدهم، وتقرر من بعدهم، وكأنها أقوال أئمة كبار، ولهذا يسمى الواحد منهم بحجة الإسلام، أو بصدر الدين، إلى غير ذلك من الألقاب التي توحي بإمامتهم في مسائل أصول الدين، والأمر ليس كذلك، لا بشهادة غيرهم عليهم، بل بشهادتهم هم على أنفسهم، فإن الرازي صاحب هذا القانون، قد صنف في آخر حياته كتابًا سماه (أقسام اللذات)، وقال: (إن لذة العقل هي العلم، وهي أشرف اللذات، وإن العقل هو أشرف ماهية في الإنسان، وأشرف لذاته هي العلم، وأشرف العلم هو العلم بالله، ثم قال: والعلم بالله: علم بذاته، وعلم بصفاته، وعلم بأفعاله، ثم قال: وعلى كل واحدة منها عقدة لم تنحل، ثم أنشد أبياته المعروفة:\nنهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال\nولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا\nثم قال: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن)، فرجع إلى طريقة القرآن، لكن رجوعًا مجملًا وليس رجوعًا مفصلًا.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>أوجه رد القانون الكلي وإبطاله</span>\nوإبطال هذا القانون شأن واسع، لكن نشير إلى خمسة أوجه في رده.\nالوجه الأول: أن يُقال: إن هذا القانون مبني على إمكان تعارض العقل والنقل، فإن القانون يقول: إذا تعارض العقل والنقل.\nومعلوم أن النقل حسب القانون يعد دليلًا، والدليل إذا وردت عليه المعارضة من كل وجه لم يصح أن يكون دليلًا في المقام الذي وردت عليه المعارضة فيه.\nوبعبارة أخرى: الدليل هو ما يستدل به على المدلول، فإذا قيل: إنه في هذا المقام ليس دليلًا حيث يقدم العقل عليه، دل على أنه ليس بدليل صحيح؛ لأن الدلائل الصحيحة في نفسها يمتنع أن تكون متعارضة.\nولا شك أن هذا القول لا يلتزم حقيقته إلا خارج عن ملة الإسلام، فإن على هذا لا يكون النقل دليلًا ولا سيما أن النقل باتفاق الطوائف لم يسكت عن ذكر أصول الدين، وذكر الأسماء والصفات، وكتاب الله ﷾ مليء بذكر أسماء الرب وصفاته، فيلزم من هذا أن ما ذكر في الكتاب يكون معارضًا للحق الذي فرضه العقل، ولهذا قال شيخ الإسلام في نقضه لهذا القانون: (فيلزم من هذا القانون أن يكون ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى؛ لأن الكتاب والسنة أتت بما يخالف الحقيقة العقلية التي يزعم هؤلاء أنها هي المعتبر في مسائل الأصول).\nالوجه الثاني: أن كل دليل له جهتان، الجهة الأولى: جهة الثبوت، والجهة الثانية: جهة الدلالة، ومن أراد تقديم دليل على آخر فلا بد أن ينظر في ثبوته وفي دلالته، فيقدم الأقوى ثبوتًا والأقوى دلالة، فيقال: إن الدليل القطعي الثبوت القطعي الدلالة يقدم على ما هو ظني الثبوت، أو ظني الدلالة، ومعلوم أن هذا تقديم صحيح عند سائر العقلاء، فيعاد السبر والتقسيم من وجه آخر فيقال: الدليل العقلي والدليل النقلي، إما أن يكونا قطعيين، وإما أن يكونا ظنيين وإما أن يكون أحدهما قطعيًا والآخر ظنيًا.\nأما كونهما قطعيين في الدلالة والثبوت، فهذا ممتنع إلا إذا فرض اتفاقهما، وأما على فرض تعارضهما فهذا ممتنع؛ لأنه يلزم عليه تعارض قطعي الثبوت والدلالة مع قطعي الثبوت والدلالة، وهذا مخالف لأصول الحقائق العقلية، فإن الجمع بين النقيضين ممتنع.\nوكون الدليل النقلي والدليل العقلي كل منهما ظني الثبوت ظني الدلالة؛ هذا أيضًا وإن فرض العقل جوازه ممتنع، لأنه يلزم عليه أن تكون المعرفة والتوحيد لا تتعدى ولا تتجاوز الظن، وأن لا يكون هناك علم في أصول الدين، ولا شك أن هذا ممتنع عقلًا وشرعًا، فلم يبقَ إلا أن يكون الدليل العقلي والنقلي أحدهما قطعي الثبوت والدلالة والآخر ظنيًا، ومعلوم أن القرآن قطعي الثبوت بإجماع المسلمين، ومن نازع في قطعية ثبوته فقد كفر وخرج من ملة الإسلام، لا يقبل منه صرف ولا عدل.\nومعلوم أن القرآن قطعي الدلالة، ووجه كونه قطعي الدلالة: لأنه لا أفصح عند العرب من الإسناد في ذكر الصفة أو ذكر الفعل، فإنك إذا أردت -ولله المثل الأعلى- أن تخبر بأنك قمت، أو بأن زيدًا قد قام، فإنه ليس هناك أفصح في لسان العرب من أن تقول: إن زيدًا قد قام، وإن زيدًا يتكلم، وإن زيدًا انصرف .. إلخ ذلك من إسناد الفعل أو إسناد الحال.\nومعلوم أن أسماء الرب وصفاته جاءت مسندةً صريحة، وليس هناك موجب لدعوى أن الدلالة في اللسان ظنية، ويمكن أن يلخص هذا المعنى بطريقة أخرى فيقال: من زعم أن دلالة القرآن ظنية، فإنه يقال له: إذا أردنا الدلالة القطعية فبماذا يعبر عنها باللسان؟ فإذا كان قول الله تعالى: ﴿﵃﴾ [المجادلة:٢٢] ظني الدلالة على إثبات صفة الرضا، فما هو التعبير الذي يكون به قطعي الدلالة؟\nلا يوجد في لسان العرب أفصح وأصرح في إثبات الصفة من إسنادها إلى موصوفها.\nفإذا ثبت أن القرآن قطعي الثبوت قطعي الدلالة، فيلزم من ذلك أن غيره مما يسميه هؤلاء عقلًا ليس كذلك، وأحسن أحواله أن يكون ظنًا، ولا شك أنه في نفس الأمر ليس ظنًا بل هو وهم، وحقيقة الوهم كذب كما هو مجمع عليه، وكما نص عليه أئمة هؤلاء، كـ ابن سينا في (الإشارات)، فإنه قال: (أجمعت الحكماء على أن حقيقة الوهم كاذبة)، أي: لا حقيقة لها.\nالوجه الثالث: أن يقال: إن معارضة الدليل النقلي لما يسمى عقليًا يدل على أن النقل مجرد عن الحكم والدلالة العقلية، والأمر ليس كذلك، قال شيخ الإسلام ﵀: (وأئمة هؤلاء يلتزمون هذا المعنى فيقولون: إن الدليل النقلي دليل خبري مبني على صدق المخبر)، أي: ليس فيه ما يفيد الحكم العقلي، إنما هو مجرد تصديقات، وليس مخاطبةً للعقول، ولا شك أن هذا غلط، بل الدليل النقلي منه ما هو خبري محض، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وكقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وكقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف:٥٩].\nومنه ما هو خبري باعتباره قرآنًا منزلًا على الرسول ﵊، وعقلي باعتباره مخاطبًا لأصل العقل، ولهذا يصححه من آمن بالقرآن ومن لم يؤمن، كقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] وكقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ الله مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، وكقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨]، فكان الجواب: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩]، وهذا رد عقلي، ولهذا قال شيخ الإسلام: (والقرآن مملوء بذكر الدلائل العقلية الموجبة لصحة الإيمان واستقامته).\nقال: (والدليل الذي تسميه الفلاسفة بالدليل البرهاني، وهو الذي يزعمون أن نتيجته يقينية؛ الصواب منه مذكور في القرآن، وهو ما يسمى في القرآن بالأمثال المضروبة، كقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ [يس:٧٨] وقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم:٢٨] في تقرير التوحيد إلى غير ذلك.\nفالأمثال المضروبة في القرآن هي الدلائل العقلية اليقينية، مع أنه يعلم أنه ليس كل ما زعمه المتفلسفة دليلًا عقليًا يقينيًا -وهو القياس البرهاني- يكون كذلك، لأن المتفلسفة كـ ابن سينا وابن رشد وأمثالهم ممن هم على طريقة أرسطو في منطقه، زعموا أن القياسات خمسة: القياس البرهاني، والقياس الجدلي، والقياس الخطابي، والقياس الشعري، والسفسطي.\nوزعموا أن الحكماء -أي: الفلاسفة- هم المختصون وحدهم بالدلائل البرهانية المفيدة لليقين.\nولا شك أن المتكلمين خير منهم؛ فإن كل من كان إلى الكتاب والسنة أقرب كان قوله ودليله أقوم وأصدق.\nفكان الصواب أن يقال: الدليل النقلي إذا عارضه دليل بدعي؛ لأن النقل يراد به الشرع، ومعلوم أن الذي يعارض ذلك يسمى في حكم الله ورسوله دليلًا بدعيًا.\nوأما أن يقال: الدليل النقلي إذا عارضه دليل عقلي، فهذا مبني على مقدمة كاذبة وهي: أن النقل بريء من الأحكام العقلية؛ وهذا لم يقله إلا أئمة الجهمية الغالية، ولا يلتزمه عارف بأدلة القرآن وبيانه وأحكامه، فإن الله ذكر من الحجج العقلية ما يصحح الإيمان ويهدي العقول.\nالجواب الرابع: أن يقال لهم: ماذا تقصدون بالدليل العقلي؟ إن زعموا أن المراد بالدليل العقلي هو نظر كل عاقل وحده -أي: نظر زيد وحده ونظر عمرو وحده- فهو على كل تقدير: الدليل الذي عارض عندهم نصوص الأسماء والصفات.","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>التعبير الأحكم أنه لا تعارض بين النقل والعقل</span>\nوهذا قانون يطول البحث فيه، والصواب أن يقال: إن العقل ليس معارضًا للنقل، ولا يقال: إن مذهب السلف هو تقديم النقل على العقل، فهذه الجملة وإن أطلقها بعض أصحاب السنة والجماعة على مراد أن من خالف عقله شيئًا من الوحي فإنه يقدم الوحي على عقله، وهو تعبير لا بأس به على هذا التفسير، إلا أن التعبير الأحكم أن يقال: إنه ليس ثمة تعارض بين العقل والنقل، وكل من زعم أن العقل عارض شيئًا من النقل فإن العقل الذي زعمه وهمٌ ليس بصحيح، والله ﷾ سمَّى مثل ذلك ظنًا، وسماه خرصًا، إلى غير ذلك من الأسماء التي ذكرها الله في كتابه عن مثل ذلك، وإلا فالعقل ذُكر في الشرع على مقام شريف، وذكر موجبًا للإيمان ومصححًا له، كما في قول الكفار في آخر أمرهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠]، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩].","vol":"8","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>التسليم لا يكون إلا بعلم ويقين</span>\nقول أبي جعفر ﵀: (ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام).\nلا يفهم منه أن طريقة السلف مبنية على التسليم الذي ليس تحته علم، وأنه تسليم بمعنى التفويض، بل التسليم لا يكون إلا عن علم، والتسليم الحق هو التسليم الذي يكون مبنيًا على اليقين؛ ولهذا جمع الله ﷾ بين ذلك وبين العلم في قوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥] وهذا رد إلى العلم ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].\nوبعبارة أخرى: فإنه يمتنع في الوجود أن يتحقق التسليم مع الجهل أو مع المعارضة؛ لأن المعرفة والعلم اليقين مقدمةٌ للتسليم، والتسليم نتيجة، ومعلوم أن عدم المقدمة الموجبة يستلزم عدم النتيجة، فعدم المعرفة والعلم اليقيني يستلزم عدم التسليم؛ ولهذا قال هرقل في سؤالاته عن نبوة النبي ﷺ: (ومن يتبعه؛ أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟\nثم قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطةً له؟ فقال أبو سفيان: لا.\nفقال هرقل فيما بعد: وسألتك هل يرتد أحد منهم فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب).\nولهذا لا نجد مؤمنًا ثبت على الإيمان والإسلام فيزيغ إلا بسبب من الضلال انتحله إلى نفسه، ولهذا قال الله ﷾: ﴿وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم:٢٧] بمعنى: أن الضلال الذي يعقب الهدى لا يكون إلا بجهة من العدل، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة:١١٥].","vol":"8","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>اضطراب منهج المتكلمين وبعده عن السنة</span>\nقال المصنف ﵀: [فمن رام علم ما حُظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة].\nالأمر كذلك؛ فإن أهل السنة من الصحابة وأئمة السلف هم أصدق هذه الأمة علمًا وإيمانًا، وهم المحققون للتوحيد -توحيد المعرفة وتوحيد العبادة- بخلاف الذين كثر فيهم الخرص من المتكلمين ومن طاف على مذهبهم أو قاربه، أو طوائف من أرباب الأحوال المخالفة من المتصوفة، فهم في أمر مريج، وكما قال الله تعالى: ﴿لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات:٨ - ٩]، وهذا شائع في كلامهم وتحصيلاتهم، فهم من أكثر الناس جهلًا بالسنن والآثار، ولا أدل على ذلك من أن بعض فضلائهم المقاربين والمعظمين لطريقة السلف كـ أبي حامد الغزالي يذكر هو عن نفسه أنه مزجي البضاعة في الحديث، وترى أنه في إحيائه -مع أن كتاب (الإحياء) بالنسبة لكتب أبي حامد يعد من أجودها- يستدل فيه بالموضوع، ويستدل بما في صحيح البخاري، ولا يفرق بين هذا الدليل وهذا الدليل.\nفهم قد ابتعدوا عن السنن والآثار، واشتغلوا بهذه العلوم التي زعموها علومًا عقلية، وكان من فقه السلف ﵏ أنهم كانوا لا يسمون علم الكلام علمًا عقليًا، ولا يجعلون دليله دليلًا عقليًا، بل يسمونه علم الكلام، وتواتر عن السلف ذم هذا العلم ولم ينقل عنهم ذم العقل، فإن العقل لا يذم مطلقًا، وإن كان يصح أن يذم شيء منه إذا كان مقيدًا، فإن المقيد يختلف حكمه عن المطلق، والله في كتابه لم يذم العقل.\nفأولى المذاهب بالجمع بين العقل والنقل هو مذهب السلف، ومن فقه شيخ الإسلام أن سمَّى كتابه: (درء تعارض العقل والنقل)، أي: أنه لا تعارض بين العقل والنقل، وكل عقل زعم صاحبه أنه عارض النقل فالشأن في عقله، إلا إذا فرض أن النقل ليس صحيحًا، كحديث يروى ولا يصح عن الرسول ﵌.","vol":"8","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>الجمع بين النفي والإثبات في مذهب السلف</span>\nقال المؤلف عليه رحمة الله: [ومن لم يتوق النفي والتشبيه زلَّ ولم يصب التنزيه، فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية].\nهذه الجملة التي ساقها الطحاوي ﵀ هي استتمام لتعليقه على توحيد الأسماء والصفات.\nوقوله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه)، إشارة إلى أن مذهب سلف الأمة مبني على الجمع بين الإثبات والنفي، ولهذا ذكر الله ﷾ في كتابه الأسماء والصفات على جهة الإثبات المفصل والمجمل، وذكر ﷾ تنزهه عن مشابهة غيره أيًا كان هذا الغير.\nوإن كان المصنف ﵀ استعمل لفظ النفي مقاربًا للفظ التشبيه، إلا أن لفظ النفي أشرف من لفظ التشبيه؛ فإن لفظ التشبيه منفي على الإطلاق وإن لم يصرح بنفيه في القرآن، وإنما صرح في القرآن بنفي التمثيل، ولكن نفي لفظ التشبيه مستعمل في كلام السلف.\nوأما النفي فإنه معنىً يقابل الإثبات في العربية، ويراد به هنا نفي الصفة، ونفي الصفة مجملًا أو مفصلًا مستعمل في القرآن، فالمجمل كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] والمفصل كقوله: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].\nولا شك أن مراد أبي جعفر ﵀ بالنفي هنا النفي الذي تستعمله الجهمية والمعتزلة ومن شاركهم في طريقتهم من متكلمة الصفاتية، فإن هذا النفي هو النفي المذموم عند السلف، والأولى ألا يعبر بالنفي مقابلًا للتشبيه، فإن السلف برآء من طريقة التعطيل والتشبيه والتمثيل، فيكون المقابل على التحقيق لطريقة المشبهة والممثلة هي طريقة المعطلة، إلا أن النفي لصفات النقص مجمع عليه بين السلف، وهم يستعملون في ذلك طريقة القرآن، فلا يفصلون في صفات النفي؛ لأن كل إثبات مفصل في القرآن فإنه يستلزم بضرورة العقل نفي ما يقابله.\nولو أن الطحاوي ﵀ لم يستعمل لفظ النفي واستعمل لفظ التعطيل أو ما يقاربه مما ذم السلف لكان أولى.","vol":"8","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>الكلام عن الفرق بين صفات الله تعالى وصفات مخلوقاته</span>\nقال: (فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية).\nهذه جمل مجملة يتفق المسلمون عليها، فليس أحد من المسلمين ينازع في جمل التوحيد الأولى، ومن نازع فيما هو من جمل التوحيد الكلية فإنه لا يكون مسلمًا؛ لأنها من شرط عقد الإسلام، وإن كان لا يلزم من ذلك أن يكون مناط هذه الجمل محققًا عند سائر أهل القبلة، فمن هذه الجمل المتفق عليها: أن الله موصوف بالكمال منزه عن النقص، وعن مشاركة أحد له في كماله.\nولكن لا يلزم من هذا الاتفاق المجمل أن يكون هناك تحقيق عند سائر الطوائف للمناط الصحيح لهذه الجملة، فالمعتزلة مثلًا سمت نفي الصفات توحيدًا، وصار من أخص أصولهم ومقدمها التوحيد، ويريدون به نفي الصفات.\nوأيضًا: عدم مشاركة أحد له تعالى في صفات كماله، جملة يتفق المسلمون عليها، وإن كان غلط من غلط من طوائف المشبهة في بعض أحرف هذه المسألة، وقابلهم أهل التعطيل الذين بالغوا في التفريق بين صفاته وصفات خلقه إلى حد التعطيل، وإلا فإن التفريق ثابت بالإجماع.","vol":"8","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم المماثلة</span>\nصار لفظ المشاركة بين الصفات اللائقة بالخالق واللائقة بالمخلوق لفظًا يقع فيه إجمال عند المتأخرين، حيث صار يستعمل فيما هو من المعاني الحقة التي صحت بالكتاب والسنة والإجماع، فيكون المعنى حقًا لكن لا يصح تسميته مشاركةً، والغلط الذي انتظم عند عامة طوائف المتكلمين من النفاة المحضة أو من يقاربهم وأخذه عنهم متكلمة الصفاتية، هو ظنهم أن الاشتراك في الاسم المطلق يستلزم التماثل عند الإضافة والتخصيص.\nوبعبارة أخرى: هو ظنهم أن الاشتراك في الاسم المطلق هو التشبيه الذي نفته النصوص، فيمتنع أن يوصف الله ﷾ عندهم بصفة الرضا؛ لأن المخلوق يتصف بذلك، ويمتنع أن يوصف بالمحبة -على طريقة الأشعري وأصحابه- لأن المخلوق يتصف بذلك.\nإلا أن الأشعري لا يطرد هذا المذهب، بل يتناقض هو وأصحابه فيثبتون الإرادة والعلم والقدرة، إلى غير ذلك، وأما الذين ثبتوا على طريقة التعطيل فينفون سائر الصفات.\nومعلوم بضرورة العقل فضلًا عن الشرع أن التشبيه الذي نفته النصوص ليس هو الاشتراك في الاسم المطلق؛ لأنه لو كان كذلك للزم تعطيل الباري ﷾ حتى عن صفة العلم، فإن المخلوق موصوف بالعلم، بل للزم تعطيل الباري ﷾ حتى عن الوجود، فإن المخلوق ببديهة العقل والشرع والحس والفطرة له وجود، فهذا يستلزم تعطيل الباري عن صفة الوجود.","vol":"8","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>سبب اعتناء شيخ الإسلام بتقرير مسألة وجود الله تعالى</span>\nومن هنا عُني شيخ الإسلام ﵀ بتقرير مسألة الوجود، وتكلم بعض المعاصرين فقالوا: إن عناية شيخ الإسلام بمسألة الوجود كأنه أثر من أثر متكلمة الصفاتية عليه، وإن السلف ما كانوا ينتظمون التوحيد على تقرير مسألة الوجود؛ لأنها مسألة فطرية، ولم يكن من هدي السلف الاستدلال النظري على الفطريات، أي: الأشياء المعلومة بأصل الفطرة.\nولا شك أن أقل أحوال هذا الكلام أنه عدم فقه لطريقة شيخ الإسلام ﵀، لأنه إنما عُني بمسألة الوجود؛ لأن مبنى تقرير هذا الباب عند سائر الطوائف هو على هذه الصفة، ولأن طريقتهم تستلزم تعطيل هذه الصفة.","vol":"8","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>الاشتراك في الاسم المطلق بين الخالق والمخلوق ليس اشتراكًا لفظيًا</span>\nوبهذا يعلم أن صفاته ﷾ ليست مقولةً بالاشتراك اللفظي في الاسم المستعمل بين الخالق والمخلوق؛ لأن المشترك اللفظي لا يقع به جزء من الاشتراك في المدلول بوجهٍ من الوجوه، سواء كان هذا المدلول مدلولًا مطلقًا أو مدلولًا إضافيًا مقيدًا، مثال ذلك: أنك إذا قلت: سهيل بن عمرو، وسهيل النجم، فهذا اسم للنجم وهذا اسم لابن عمرو، فهذا يعده كثير من أهل المنطق مثالًا للمشترك اللفظي، بمعنى: أن يكون الاسم المطلق واحدًا ولا يكون هناك اشتراك لا في الإطلاق ولا في التعيين من جهة المدلول.\nيقول شيخ الإسلام ﵀: (ويمتنع أن يكون باب الصفات من هذا الوجه؛ لأنه لو كان كذلك لامتنع فهم الخطاب، فالله ﷾ قال في كتابه: ﴿إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩] ﴿إِنَّ الله كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]، فيفهم المسلمون وكل من يقرأ القرآن أو يسمعه أن الله موصوف بالسمع، فيفرقون بين معنى السمع ومعنى البصر، وبين معنى العلم ومعنى الكلام، وبين الرحمة وبين الغضب، وهذا مبني على قدر من التواطؤ، وليس هو التشبيه الذي نفته النصوص وأجمع على نفيه السلف؛ لأنه قدر كلي لا وجود له في الخارج مختصًا إلا مضافًا لموصوف، وإنما هذا قدر كلي يُفهم به الخطاب).\nولهذا لما ناظر شيخ الإسلام ﵀ في مسألة الوجود على هذا الوجه قال: (إن من عطَّل صفةً من الصفات لزمه التسلسل في التعطيل حتى يعطل الباري عن العلم، ومن التزم نفي صفة العلم -كما التزمه غلاة المعطلة- فإنه يلزمه أن يعطل الباري حتى عن الوجود؛ لأن المخلوق موجود، وقد لزم هذا السؤال سائر مذاهب التعطيل، فكان لهم جوابات متناقضة في العقل فضلًا عن بطلانها في الشرع.\nومن إجاباتهم قول من يقول بأن لفظ الوجود بين الخالق والمخلوق مقول بالاشتراك اللفظي.\nوهذا الجواب الذي زعم الرازي في كتبه أنه منتهى الأجوبة العقلية الصحيحة على هذه المسألة، لا شك أنه أفسد الأجوبة، لهذا أعرض عنه حذاق المعتزلة المتقدمين، وأعرض عنه متقدمو الأشاعرة؛ لأنه إن قال: إن لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي لزم من ذلك عدم العلم بوجوده سبحانه، وما من دليل يُذكر في الوجود إلا ويراد به الوجود المعروف عند العقلاء وهو قيام الشيء في الخارج.\nفإذا ما قيل: إن لفظ الوجود في حقه مقول بالاشتراك اللفظي صار هذا تعطيلًا للوجود من وجه أخص.","vol":"8","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>كل ممثل معطل وكل معطل ممثل</span>\nفهذه المذاهب تستلزم التعطيل المطلق؛ وكذلك تستلزم التشبيه، وعن هذا قال من قال من أهل السنة: إن كل ممثل معطل، وكل معطل ممثل، وبهذه الطريقة قرر شيخ الإسلام ﵀ بأن مذهب هؤلاء ينتهي إلى تعطيل الباري عن صفات الكمال وهو السلب المحض، والسلب المحض تشبيه له بالمعدومات، بل إن المعدوم منه ما يقبل الوجود، ومنه ما لا يقبل الوجود وهو الممتنع لذاته، وهم يلتزمون أن صفات الإثبات ممتنعة، فيلزم من ذلك تشبيهه ﷾ بالممتنعات، وهذا الإلزام الذي استعمله حذَّاق أهل السنة في جوابهم وردهم لطرق المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومن شاركهم من متكلمة الصفاتية كـ ابن كلاب وأتباعه، والأشعري وأتباعه، وأبي منصور الماتريدي وأتباعه، إلزام محكم في العقل.","vol":"8","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>تعطيل الصفات فرع عن مذهب الفلاسفة الملحدين</span>\nقد يقول قائل: إن هذا من باب لازم المذهب، وإن لازم المذهب ليس مذهبًا.\nفيقال: أما من جهة الأحكام المعادية فإن هذا من لازم المذهب، بمعنى: أنه لا يُحكم على أحد حكمًا معاديًا من جهة لازم مذهبه، ولكن عند التحقيق العلمي فإن هذا المعنى هو حقيقة مذهب هؤلاء، فإن تعطيل الصفات لم يكن معروفًا حتى في مشركي العرب، فليس هو فرعًا عن سائر أنواع الكفر، وإنما هو فرع عن كفر ملاحدة الفلاسفة كـ أرسطو وأمثاله الذين ما كانوا يثبتون ربًا خالقًا للعالم، وإنما كانوا يثبتون ما يسمونه علة غائية يقارنها معلولها، وتقدم العلة على المعلول عندهم إنما هو في الشرف والعلية وليس بالزمان، وهو مذهب إلحادي، ولم يكن أرسطو على دين سماوي بل ولا حتى على دين محرَّف، فإنه كان قبل المسيح ابن مريم ﵊ بثلاثمائة سنة، وكان رجلًا ملحدًا كافرًا متفلسفًا خرج عن طريقة أستاذه أفلاطون المثالية إلى طريقة زعم أنها طريقة عقلية تقوم على التجريد العقلي، وتقوم على تعطيل الباري ﷾ عن خلقه ووجوده وصفاته.","vol":"8","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>الاعتراض على الطحاوي في استعماله ألفاظ المتكلمين</span>\nقال ﵀: [وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان الأعضاء والأدوات، ولا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات].\nهذه العبارات التي استعملها أبو جعفر الطحاوي ﵀ ليست جملًا حسنة، وإن كنت إذا نظرت فيها قلت: إنه سبحانه منزه عن الأعضاء على إرادة أن الأعضاء هي التركيب الذي يقع للمخلوق، وهو افتقار كل جزء منها للآخر وأنه لا قيام له من جهة نفسه، لكن ليته لم يعبِّر بها لوجهين:\nالأول: أن الله ﷾ وإن كان متعاليًا ومنزَّهًا عن سائر صفات النقص، ومتعاليًا ومنزَّهًا عن الصفات التي تستلزم مشابهته أو مماثلته لخلقه، فإن هذه الأحرف ما كان أحد من السلف يعبر بنفيها، وإنما كانوا يستعملون طريقة القرآن في ذلك.\nالوجه الثاني: -وهو الأخص- أن كثيرًا من أئمة التعطيل من المتفلسفة كـ ابن سينا في كتبه (كالإشارات والتنبيهات أو التعليقات)، وكذلك في كتب المعتزلة وكتب متأخري الأشاعرة كـ أبي المعالي في (الإرشاد والشامل)، والشهرستاني في (نهاية الإقدام)، ومحمد بن عمر الرازي في (المطالب العالية) وغيره من كتبه، إذا تكلموا في مسألة العلو وغيرها من الصفات، عبروا عنها بما عبر به الإمام الطحاوي ﵀.\nومعنى الصفات الخبرية: هي الصفات التي اتصف الله ﷾ بها.\nوقد قال بعض المتأخرين في تعريفها: ما هي بالنسبة للمخلوقين أجزاء وأبعاض كاليدين والوجه.\nوهذا التعريف فيما يظهر ليس مناسبًا، ولا محتاجًا إليه، وإنما يُعبر عنها بأنها الصفات التي دل عليها الخبر، فإذا قيل: إن هذا التعريف ليس جامعًا مانعًا.\nقيل: أصل التقسيم للصفات إلى خبرية وغير خبرية تقسيم مُحدث، فإذا انغلق تعريفه رُدَّ التقسيم من أصله، فإنه يصح بإجماع السلف أن تقول: إن سائر صفات الله ﷾ خبرية؛ لأن صفاته ﷾ معلومة بالخبر، وإن كان منها ما يكون معلومًا مع ذلك بالعقل كالعلم والقدرة والعلو وغير ذلك.\nفمثل هذه التقاسيم -كما أشار شيخ الإسلام - لا تلزم من كل وجه، ولما ذكر شيخ الإسلام مصطلح الصفات الاختيارية قال: (إنه قد يُشكل عند بعض الناظرين فيه، فيرى أن بعض الصفات كأنه خبري أو نحو ذلك.\nقال: فكل لفظ وقع فيه إشكال فإنه لا يلزم طرده واستعماله).\nفالمعطلة إذا تكلموا عن هذه الصفات عبروا عن نفيها بما هو من جنس هذه الأحرف التي ذكرها أبو جعفر، ولا يعني هذا إثبات ما نفاه أبو جعفر من الألفاظ، فلا يقال: إن الله موصوف بالحد، أو بكونه في جهة، أو بأنه تحويه الجهات، بل الإثبات هنا أشد غلطًا من النفي، وإنما المقصود هنا أن ما كان من الحق فإنه يعبر عنه بما هو من الحق.\nفهذه الأحرف أحرف مجملة تحتمل حقًا وتحتمل باطلًا وهي محدثة.","vol":"8","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>قاعدة في الألفاظ المجملة في باب الأسماء والصفات</span>\nالقاعدة: أن كل لفظ أو جملة تقع مجملة حادثة فإنها لا تطلق لا إثباتًا ولا نفيًا.\nهذا إذا لم يكن يعبر بها في كلام أهل التعطيل عن مرادات تخالف عقيدة السلف، وأما إذا اقترن معها هذا المعنى فيكون التباعد عنها والنهي عن استعمالها من باب أولى، ومن المعلوم أن الطحاوي ﵀ من مثبتي العلو، ومن مثبتي الصفات الخبرية كالوجه واليدين، ولكنه نقل تعبيرًا معروفًا في كلام بعض الحنفية من الماتريدية والأشعرية، وفي كلام الأشعرية الشافعية، فكأن هذا دخل عليه من بعض كتب الحنفية، وخاصة أن جمهور كتب الحنفية المكتوبة في أصول الدين بعد أبي حنيفة يقع فيها أوجه من الغلط كثيرة.\nومحصل المراد هنا عند الطحاوي ﵀: أنَّ الله ﷾ مع إثبات صفات الكمال له منزه عن صفات المخلوقين، فليس معنى كونه متصفًا بصفة اليدين أن تكون كأيدي المخلوقين، وليس معنى كونه متصفًا بالعلو أن جهةً من الجهات تحويه، فإن الله منزَّه عن التحيُّز في مكان يحويه ويحيط به.\nومن المعلوم أن لفظ التحيز والجهة وأمثالها هي من الألفاظ المجملة التي لا تطلق إثباتًا ولا نفيًا، لكن نقول: إن السلف ﵏ في تقرير مسألة العلو أجمعوا على أن الله ﷾ موصوف بالعلو، وأنه فوق سماواته، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وهذا مجمع عليه بين الصحابة وأئمة التابعين ومن تبعهم بإحسان، وهذا هو قول سائر المرسلين وأتباعهم، ولهذا قال بعض الأئمة: (أول من عُرف عنه إنكار العلو فرعون)، وإن كان قد يكون سبقه غيره إلى إنكاره ولكن هذا يراد به العلم المعروف، فإنه قال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]، وهذا دليل على أن موسى ﵊ كان يخاطب فرعون وقومه بأن الله في السماء.\n- صفة العلو ثابتة بالعقل والفطرة والشرع:\nصفة العلو معلومة بالعقل والفطرة والشرع.\nوالفرق بين دليل العقل ودليل الفطرة: أن الفطرة هي ما فطر الله الخلق عليه، فلا يحتاج معها إلى نظر ولا إلى استدلال، كفطرته ﷾ لخلقه على إثبات ربوبيته ووجوده وعلى أصل التوحيد، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢].\nوأما الدليل العقلي فيراد به هنا الدليل النظري، وهو المذكور في مثل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ الله مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف:١٨٥] فإذا تحصَّل بهذا النظر وصول إلى بعض الحقائق، فإن هذا يسمى استدلالًا عقليًا، وله صور أخرى ولكن هذا هو المثل الذي يذكر كثيرًا في القرآن وهو: ربط الاستدلال العقلي بما خلق الله ﷾ وبملكوت السماوات والأرض.\nوأما دلالة الشرع فمتواترة، حتى قال بعض أصحاب الإمام الشافعي: (إن في الكتاب والسنة على مسألة العلو أكثر من ألف دليل).\nوأيضًا: فإن جماهير المشركين ما كانوا معطلين لهذه الصفة وأمثالها، وترى في شعر الجاهليين أنهم يثبتون أن الله ﷾ في السماء، ولذلك كان من الطرق التي يستعملها بعض أهل السنة أن يقول: أنه لو كان إثبات الصفات معارضًا للعقل لكان أولى بالاعتراض العقلي أهل الشرك، لأنهم لما عارضوا رسالة النبي ﵌ لم يكن عندهم دليل عقلي يطعن في الرسالة، وغاية ما استعملوه أن اتهموا النبي بأنه كاهن، وأنه ساحر، وأنه مجنون، وقالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل:١٠٣]، مع أنهم من أعلم الناس ببطلان هذه المقالات التي يقولونها، ولو كان إثبات هذه الصفات مخالفًا عندهم للعقل لكان أولى بأن يستخدموه في الطعن في رسالة النبي ﷺ.","vol":"8","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>إنكار المعطلة لصفة العلو</span>\nالذين عطلوا صفة العلو عن الله ﷾ فإنهم يستعملون لتعطيلها طرقًا، فغلاتهم كالمتفلسفة ومن اقتدى بهم من المعتزلة ومتأخري الأشاعرة يقولون: لا داخل العالم ولا خارجه، وبعض من ينتسب منهم للسنة والجماعة وهو ليس كذلك كمتأخري الأشاعرة يعبرون بنفي الجهة، وهذا تعبير عبَّر به طوائف من المعتزلة.\nوهذه المقالات ليس لها أثر في دين الرسل، وليس عليها مسحة الأنبياء، ولا يفقه العقل منها إلا الحكم على هذا الموصوف بالعدم، فإن ما لا يكون داخل العالم ولا يكون خارجه لا يكون إلا عدمًا، فإذا قالوا: يمتنع أن يكون داخل العالم ويمتنع أن يكون خارجه فهذا هو الممتنع.\nولهذا قال شيخ الإسلام وغيره: (إن طريقة هؤلاء أنهم يشبِّهون الباري بالممتنعات؛ لأنهم يقولون: يمتنع أن يكون داخل العالم ويمتنع أن يكون خارجه).","vol":"8","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>خلاصة أدلة منكري العلو</span>\nكل دليل ذكره المتفلسفة الإسلاميون -أي: من ينتسبون للإسلام كـ ابن سينا وابن رشد وأمثالهم- أو ذكره أئمة الجهمية -كأئمة المعتزلة ونحوهم- أو ذكره المتأخرون من الأشاعرة كـ أبي المعالي ومحمد بن عمر الرازي وأبي الحسن الآمدي وأمثال هؤلاء، أو ذكره الماتريدية؛ كل دليل ذكره هؤلاء موجبًا لنفي العلو من العقل فإنه يرجع إلى دليل واحد وهو: أن إثبات العلو يستلزم إثبات الجهة، والجهة تستلزم التحيُّز، أي: أن يكون الله في مكان معين يحوزه، سواء عبروا عنها بدليل المقابلة، أو استلزام المقابلة، أو استلزام الانطباع، أو كما زعم المعتزلة أن أخص صفات الباري القدم، ولو أثبتنا العلو أثبتنا الجهة، فيلزم أن نكون أثبتنا قديمًا آخر مع الله، وهو ما يسميه بعض أئمتهم المتاخرين: دليل الغيرية.","vol":"8","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>معنى أن الله في السماء</span>\nلا شك أن السلف مجمعون على أن الله ﷾ بائن عن خلقه، حتى قال أبو حنيفة ﵀: (من زعم أن الله في السماء على معنى كون الكرسي في السماء فقد كفر)، ومعنى هذا: أن قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وقوله ﵌ في حديث معاوية بن الحكم للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء) ليس المقصود منه أنه في إحدى السماوات السبع أو غيرها من المخلوقات، وقد قال عن كرسيه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فكيف بعرشه.\nوقول المعطلة مبني على أنهم فسروا كلام السلف وظاهر القرآن: أن الله في السماء، بمعنى أنه داخل مخلوق من مخلوقاته سواء السماء السابعة أو غيرها، وليس معنى قول السلف: إن الله في السماء، مساويًا لقولك: إن الملائكة في السماء.\nبمعنى: أنهم في المكان المخلوق يحيط بهم ويحتاجون إليه، ولا كمعنى قولك: إن بني آدم في الأرض، أي أنهم مستقرون بها محتاجون إليها، فيكون وجودهم مرتبطًا بوجودها؛ لكن معنى كونه في السماء، أي: أنه فوق سماواته.","vol":"8","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>الرد على منكري علو الله تعالى</span>\nلقد ذكر الله تعالى في سبعة مواضع من كتابه استواءه على عرشه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] والعرش هو سقف المخلوقات، والله فوق عرشه، ولهذا فسَّر السلف الاستواء بالعلو، وإذا كان عليًا على عرشه فإن غير العرش من المخلوقات يكون من باب أولى؛ لأن العرش هو سقف المخلوقات وهو أعظمها، فقول السلف هو القول الذي لا يمكن لعاقل -حتى ولو لم يكن مسلمًا- إذا استعمل عقله الذي آتاه الله إياه إلا أن يصححه.\nيقول شيخ الإسلام في (منهاج السنة) و(درء التعارض)، وغيرها: (وأما قولهم: لو كان متصفًا بالعلو لكان في جهة، فإنا نقول: إن لفظ (الجهة) لفظ مجمل حادث، فإن أريد بالجهة الجهة الوجودية -أي: الجهة المخلوقة- فإن الله منزه عن سائر مخلوقاته؛ لأنه بائن عن خلقه، وإن أريد بالجهة معنىً عدميًا، وهو أنه فوق العالم؛ فإن الله ﷾ بائن عن خلقه، فوق سماواته، مستو على عرشه).\nومن باب الاستطراد يقول ﵀: (ومن زعم أن سائر ما يكون موجودًا يلزم أن يكون في جهة مخلوقة فقد غلط، قال: فإن العالم متناهٍ من جهة كونه مخلوقًا، قال: ومعلوم أن سقف العالم ليس في جهة أخرى، وإلا لزم التسلسل، فإذا صح ذلك فيما هو مخلوق على جهة الإمكان العقلي ففي حق الخالق من باب أولى، بل يكون هذا في حقه واجبًا، وهو لتنزيهه ﷾ عن سائر مخلوقاته).\nوقد كان الجاهليون فضلًا عن أتباع الرسل إذا ذكروا كونه ﷾ في السماء يقصدون أنه في العلو، أي: فوق السماوات.\nوقد استعمل بعض أئمة المثبتة للعلو كـ أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب؛ وأبي الحسن الأشعري دليل العقل على إثبات هذه الصفة، واستعمله أيضًا الإمام أحمد كما نص عليه شيخ الإسلام، قال: (فإن الإمام أحمد قال لبعض أئمة الجهمية في هذه المسألة: إن الله لما خلق العالم خلقه بائنًا عن ذاته، أوحالًا في ذاته؟ ومعلوم أنه لا بد أن يكون بائنًا عن ذاته، قال: فإما أن يكون الله فوقنا وإما أن يكون محايزًا لنا وإما أن يكون تحتنا، والله منزَّه عن السفل وعن المشاكلة والمحايزة، فلم يبق من ضرورة العقل إلا أن يقال: إن الله فوق العرش).\nولهذا كان من فقهه وأدبه ﵌ مع ربه لما ذكر الدعاء: (اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، قال: وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي) ولم يقل: واحفظني من تحتي.\nقال شيخ الإسلام: (وهذا من أدب الأنبياء مع ربهم؛ لأن الله ﷾ منزَّه عن السفل، وإن كان محيطًا بكل شيء ولا يخفى عليه شيء؛ فإنه الباطن الذي ليس دونه شيء).","vol":"8","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>إثبات العلو يلزم منه إثبات سائر الصفات</span>\nكل من أثبت صفة العلو فإنه يلزمه عند التحقيق أن يثبت سائر الصفات؛ ولهذا ترى أن أئمة المعطِّلة لما عطَّلوها رتبوا على تعطيلها التعطيل لعامة الصفات، بل يمكن أن يقال: إذا انغلق تعطيل صفة من الصفات على المعتزلة ردوا تعطيلها إلى كون إثباتها يستلزم إثبات العلو، وهو ما يسمونه في كتبهم بالجهة، والجهة عندهم منتفية.\nومن مثال ذلك: صفة الرؤية؛ فإنه انغلق عليهم امتناعها من جهة العقل، فلم يجعلوا لمنعها من جهة العقل إلا أن إثباتها يستلزم إثبات الجهة الذي هو إثبات العلو، وهذا ما يسمى عندهم بدليل المقابلة.","vol":"8","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>السؤال عن الله تعالى بـ (أين)</span>\nإن سائر المنكرين لهذه الصفة مجمعون على أنه لا يصح أن يسأل عنه سبحانه بالأين، ويقولون: إن من سأل عنه بأين لزم أن يقوم في عقل الجاهل ما هو من التشبيه.\nفيقال لهم: إنه ﵌ لما أراد إثبات إيمان الجارية قال لها في أول سؤال: (أين الله؟ فقالت: في السماء.\nقال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله.\nقال: أعتقها فإنها مؤمنة).\nوقد استوعب محمد بن عمر الرازي سائر الأدلة التي أوردها أئمة الجهمية والمعتزلة وابن سينا وأمثاله، وأوردها بعض أصحابه الذين شاركوه كـ أبي المعالي وغيره؛ استوعبها في كتبه المطولة كـ (المطالب العالية)، و(نهاية العقول)، و(أساس التقديس)، وزعم محمد بن عمر الرازي أنه لم يقل بإثبات هذه الصفة إلا الحشوية وأتباع محمد بن كرام المشبهة، وهذا جهل أو كذب، وأحسن أحواله الجهل، فإنه يعلم أن هذا ليس مذهبًا مختصًا بهؤلاء وحدهم، وليس هناك طائفة معروفة يقال بأنها الحشوية.\nوإن كان مراده بذلك المثبتة للصفات، فهذا تشبيه أو استعمال دخل عليه من المعتزلة، بل إنه قال في (أساس التقديس): (ولم يثبت هذه الصفة إلا الحنبلية والكرامية).\nوأريد بالحنبلية أتباع الإمام أحمد؛ لأنه يزعم أن إثباتها مختص به، وهذه دعوى قالها الرازي وجماعة حين زعموا أن هذا المذهب الذي قرره شيخ الإسلام وأمثاله هو مذهب مختص بالإمام أحمد، وبعض هؤلاء يقول: هو مذهب للإمام أحمد وأهل الحديث، حتى لا يضيفوه إلى الشافعي وأبي حنيفة وأمثالهم من الفقهاء وغيرهم.\nوقد استعمل بعض المفكرين من المعاصرين مثل هذا الكلام، فصار يخصص ما ذكره شيخ الإسلام بطريقة أهل الحديث، ويعني بأهل الحديث: أحمد وأمثاله، ويجعلون الشافعي وأبا حنيفة من الفقهاء.\nوكل هذه طرق متكلفة، ولا شك أن السلف عُبَّادهم وفقهاؤهم ومحدثوهم، بل وعامة المسلمين على هذه الأصول، ولا يزيغ عنها إلا مخالف لأصولهم وطريقتهم، ومن يكون قد تلقى علمه ودينه عن الأصول الكلامية التي يعلم أنه من الممتنع في العقل فضلًا عن الشرع أن يعلق الإيمان والتوحيد بها.\nقال شيخ الإسلام في درء التعارض: (ولو كان الناس محتاجين في أصول دينهم إلى غير ما ذكره الرسول ﵌ وما نزل عليه، لما كان هذا القرآن بيانًا وهدىً للناس).","vol":"8","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>شرح العقيدة الطحاوية [٩]</span>\nأكرم الله ﷾ نبيه ﷺ بالإسراء إلى بيت المقدس، ثم بالمعراج إلى السماوات العلى، ليرى من آيات ربه الكبرى، فآمن أهل السنة بما جاءهم عنه في كتاب ربهم وسنة نبيهم، دون زيادة على ذلك أو نقصان.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>ثبوت المعراج بشخص النبي ﷺ يقظة</span>\nقال المصنف ﵀: [والمعراج حق، وقد أسري بالنبي ﷺ وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى (ما كذب الفؤاد ما رأى) فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى].\nالمعراج حق، وقد أجمع عليه السلف وعامة المسلمين، وإنما الذي حصل فيه الخلاف بين أهل القبلة هو: هل كان المعراج يقظةً أم منامًا؟\nأما سائر أهل السنة والجماعة فإنهم مجمعون على أنه كان في اليقظة وليس رؤيا منامية، وقيل: إن المعراج كان رؤيا منامية ولم يكن يقظة، وهذا وإن قاله بعض الفقهاء المتأخرين، فإنما دخل عليهم من المتكلمين، وقد نسبه بعض المتأخرين إلى بعض المتقدمين، بل إلى بعض الصحابة، ولا يصح عن أحدٍ من الصحابة أنه جعل الإسراء والمعراج رؤيا منامية.","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>الفرق بين القول بأن المعراج رؤيا منامية وأنه عروج بالروح</span>\nنقل عن بعض المتقدمين أنهم قالوا: إنما عرج بروحه، إلا أن هناك فروقًا بين قول من يقول: إنها رؤيا منامية، وبين من يقول: إنه عرج بروحه، فإن المعراج بالروح يكون على التمام لها.\nوالذي عليه عامة الصحابة والسلف، أن الإسراء والمعراج كان على الحقيقة بروحه وجسده، وهو الذي دلَّ عليه ظاهر القرآن وصريح السنة، فإن النبي ﵊ كما في الصحيحين وغيرهما ذكر استفتاح جبريل للسماوات وأن معه محمدًا ﷺ، وأنه كان يقال له: (من؟ فيقول: جبريل، فيقال: ومن معك؟ فيقول: محمد ﷺ،\nإلخ).\nواستبعاد أن يعرج بشخصه وجسده جهل لا يكون إلا فرعًا عن عدم الفقه لمعنى كونه عرج به، فإن الذي قدَّر ذلك وشاءه وأحكمه هو الله ﷾، والله على كل شيء قدير، وإذا كان قد جاء في كتاب الله قول عفريت من الجن: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ [النمل:٣٩] أي: عرش بلقيس ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ [النمل:٣٩ - ٤٠] مع أن هذا لم يتدخل فيه جبريل، فكيف إذا كان الله ﷾ قد قدَّر أن جبريل ﵊ هو الذي يقوم بهذا الأمر الذي أمره الله ﷾ به؟!\nفلا شك أنه لا يوجد في مقتضى العقل ما يعارض ذلك، والذي يزعم مخالفة شيء من القرآن للعقل فإن زعمه مبني على القياس الحسي الذي يرتبط بقدرات بني آدم وخصائصهم الممكنة الناقصة المحتاجة.","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>وصول النبي ﷺ إلى السماء السابعة</span>\nوقوله: (ثم إلى حيث شاء الله)؛ قد وصل ﵊ إلى السماء السابعة، فإنه ذكر أنه لقي آدم في السماء الأولى، ثم عيسى ويحيى بن زكريا في السماء الثانية، ثم يوسف في السماء الثالثة، ثم إدريس في السماء الرابعة، ثم هارون في السماء الخامسة، ثم موسى في السماء السادسة، وتراجع مع موسى في فرض الصلاة، ثم ذكر أنه رأى إبراهيم ﵊ في السماء السابعة، ثم ظهر لمستوىً مختص الله ﷾ أعلم به، لكنه لم ير ربه ببصره.\nوقوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] ﷺ مختلف في تفسيرها؛ هل المقصود رؤية الله بالفؤاد أم هي رؤية جبريل؟ والخلاف فيها شأنه يسير، وإن كان الظاهر أنه جبريل.","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>شرح العقيدة الطحاوية [١٠]</span>\nأعطى الله ﷾ نبيه المصطفى ﵊ الحوض المورود ليشرب منه هو وأتباعه ﵊، ويذاد عنه من كفر به وارتد عن دينه.","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>إثبات حوض النبي ﷺ</span>\nقال المصنف ﵀: [والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثًا لأمته حق].\nالأحاديث في الحوض متواترة، وفي الصحيح من حديث أنس ﵁ قال: (بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءةً، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟! قال: أنزلت علي آنفًا سورة، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم.\nقال: فإنه نهر وعدنيه ربي ﷿ عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة ..) إلى آخر الحديث.\nوقد ذكر الكوثر في كتاب الله في قوله ﷾: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]، وهذا يستدل به على إثبات حوضه ﷺ من باب تفسير القرآن بالحديث، وإلا فإن النبي ﵊ تواتر عنه من حديث ابن عمر وأنس وجابر بن سمرة وثوبان وغيرهم ﵃ ذكره ﵌ لحوضه، وكذلك ذكر النبي ﵊ كما في حديث أبي ذر: (أن آنيته كعدد نجوم السماء، وأن طوله شهر وعرضه شهر، وأنه ما بين صنعاء وأيلة)، وقال: (من مقامي إلى عمان، وكما بين جرباء وأذرح) كما في رواية ابن عمر ﵄، إلى غير ذلك من الروايات المتواترة في الصحيحين وغيرهما، وقد أجمع أهل العلم بالحديث على تواترها، وهي مسألة خبرية.","vol":"10","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>من يذاد عن حوض النبي ﷺ</span>\nهذا الحوض ترده أمته ﷺ، لكن قد حدَّث ﵊ كما في حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيح، قال: (كنا مع رسول الله ﵌ فقال: وددت أنا قد رأينا إخواننا.\nفقلنا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد.\nقالوا: فكيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟! قال: أرأيتم لو أن رجلًا له خيل غر محجلة، بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرًا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض)، وجاء في حديث جابر بن سمرة ﵁: (أنا الفرط لكم على الحوض)، قال: (وأنا فرطهم على الحوض.\nقال: ليذادنَّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلموا.\nفيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا)، وجاء في بعض أحرف الصحيح: (فأقول: أصحابي أصحابي!)، ولهذا الحديث قال من قال من الرافضة: إن الصحابة ارتدوا بعد النبي ﷺ.\nولا شك أن هذا جهل، فإن نصوص الروايات ليس على هذا الوجه، وهذا الوجه إذا ذكر فيمكن أن يوجه على أحد وجهين:\nالأول: أن المقصود بالصحبة المعنى المطلق، أي: المتبع أو المقتدي بوجه عام، أو الموافق في الظاهر، فإن الله لما ذكر المنافقين قال: ﴿وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [التوبة:٥٦] ولما ذكرهم في سورة الأحزاب قال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٨] فالسياقات تختلف.\nالوجه الثاني: أن يقال: إنه قد ارتد بعد وفاته ﷺ من ارتد ممن كان صحابيًا وقت حياته ﷺ.","vol":"10","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>شرح العقيدة الطحاوية [١١]</span>\nيكرم الله ﷾ نبيه ﵊ بعدة شفاعات، يختص ببعضها، ويشاركه غيره من الملائكة والأنبياء والصالحين في غيرها، وأخص تلك الشفاعات: الشفاعة العظمى، التي اختص بها رسول الله ﷺ من بين سائر بني آدم أجمعين، وهي المقام المحمود المشار إليه في الذكر الحكيم.","vol":"11","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>شفاعة الرسول ﵊</span>\nقال المصنف ﵀: [والشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما روي في الأخبار].\nشفاعته ﵌ ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وله في القيامة شفاعات منها ما هو محل إجماع، ومنها ما خالف فيه بعض أهل البدع.\nأما الشفاعة التي هي محل إجماع فهي الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود المشار إليه في قوله سبحانه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، وهي شفاعته لأهل الموقف أن يفصل بينهم.\nوهذه الشفاعة دل عليها القرآن والسنة، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﵌ أُتي بلحم، فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه ..) وهو في سياق طويل ذكر فيه ﵌ أن أولي العزم من الرسل يترادون الشفاعة، حتى ينتهون إليه، قال: (فأنطلق فآتي تحت العرش، فأخر ساجدًا لربي، ثم يفتح الله عليَّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتح لأحد قبلي، ثم يقول: يا محمد ارفع رأسك، واسأل تعط، واشفع تشفع ..) إلى آخر الرواية في الشفاعة العظمى.","vol":"11","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>اختلاف أهل القبلة في الشفاعة لأهل الكبائر</span>\nوأما الشفاعة التي حصل فيها نزاع بين أهل القبلة فهي شفاعته ﷺ لأهل الكبائر، فنفتها الوعيدية؛ لأن أهل الكبائر عند الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم من طوائف الشيعة مخلدون في النار، فلا تصح الشفاعة لمن استوجب عندهم دخول النار فضلًا عمن هو مخلد فيها.\nوقد تواتر عن النبي ﵌ ذكر إخراج قوم من النار بالشفاعة، فإنه لا يخلد في النار إلا من كفر برب العالمين، وأما سائر الفسَّاق والعصاة مهما كان فسقهم وفجورهم وظلمهم فإنهم وإن عذبوا إلا أنهم لا يخلدون في النار؛ لأن سقوط العقوبة عن الذنب والكبيرة له أسباب متعددة يأتي ذكرها في أهل الكبائر.\nوقد احتجت الوعيدية لقولهم بنفي الشفاعة عن أهل الكبائر بقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء:١٠٠] ولا شك أن هذه الآية في سياق الكلام عن الكفار، فلا تحل لهم الشفاعة، والله ﷾ إنما يأذن في الشفاعة لمن يشاء من الشافعين، ويرضى من المشفوعين لهم.","vol":"11","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>شفاعة النبي ﷺ لعمه أبي طالب</span>\nلم يستثن من الكفار في عدم الشفاعة إلا ما جاء في حديث أبي سعيد وابن عباس والعباس ﵃ في شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب، فإنه في ضحضاح من نار، قال: (ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)، فهذه الشفاعة من النبي ﷺ لعمه مختصة به، وهي لا تعني خروجه من النار، بل يخفف عنه العذاب، وإلا فإنه مخلد في النار كغيره من الكفار الذين لم يؤمنوا بالنبي ﵊ وبما جاء به.","vol":"11","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>أدلة ثبوت الشفاعة</span>\nودليل الشفاعة هو القرآن من جهة العموم، ومن جهة التفصيل ما تواتر عن النبي ﵊ من أوجه متعددة كحديث أبي سعيد وجابر بن عبد الله ﵄ في الصحيحين وغيرهما، وقد نص جماعة من أهل العلم والحديث على أن أحاديث الشفاعة متواترة، وكذلك يدل على ثبوتها إجماع السلف من الصحابة والتابعين على أنها كائنة.","vol":"11","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>الخلاف في الشفاعة لمن استوجب دخول النار</span>\nمسألة: النصوص المفصلة صريحة في شفاعته ﷺ لمن دخل النار من أهل الكبائر، وذكر طائفة من أعيان أهل السنة شفاعته ﷺ في قوم استوجبوا دخول النار أن لا يدخلوها.\nقال بعض المتأخرين من أهل العلم: هذا النوع لا دليل عليه، والحق أنه وارد من باب أولى، وذلك من جهتين:\nالجهة الأولى: أنه إذا شفع النبي ﷺ لمن دخل النار فإنه من باب أولى أن تقع شفاعته لمن استوجب دخول النار ولم يدخلها.\nالجهة الثانية: أن الدليل على ذلك هو العموم، ومن ذلك ما جاء عن سبعة من الصحابة ومنهم أنس، أن النبي ﷺ قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وهذا الحديث من حيث آحاد طرقه ليس بذاك لكنه بمجموع جهة طرقه وشواهده يكون حسنًا وجيدًا.\nوكذلك ما ثبت في صحيح البخاري أن أبا هريرة قال: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه)، فإنه يدخل في ذلك من استوجب دخول النار، كما يدخل في ذلك من دخلها.","vol":"11","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>شفاعة النبي ﷺ لأهل الجنة في دخولها ورفع درجاتهم فيها</span>\nمن مقامات الشفاعة: شفاعته ﷺ لأهل الجنة في دخولهم الجنة ورفع درجات بعضهم، وهذه الشفاعة دلت عليها السنة ودل عليها الإجماع، بل قال شيخ الإسلام: (إن عامة أهل القبلة يصححون هذه الشفاعة حتى المعتزلة)، وهي الشفاعة بالفضل وزيادته.","vol":"11","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>شرح العقيدة الطحاوية [١٢]</span>\nفطر الله ﷾ العباد على توحيده والإيمان به، وأقام عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم، فكان أول واجب عليهم هو الإقرار له بالعبودية، واتباع رسله المبعوثين بذلك، وذلك معنى شهادة أن لا إله إلا لله وأن محمدًا رسول الله.","vol":"12","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>الميثاق الذي أخذه الله على عباده</span>\nقال المصنف ﵀: [والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق].\nهذا الميثاق هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢].","vol":"12","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>الكلام على الفطرة</span>\nأما مسألة الفطرة فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵌ قال: (كل مولود يولد على الفطرة)، وقد تنوع كلام السلف في الفطرة.\nفبعضهم قال: الفطرة هي التوحيد.\nوقال بعضهم: الفطرة هي الإسلام.\nوقال بعضهم: الفطرة هي الملة.\nإلى غير ذلك.\nوقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد ﵀ في تفسيره للفطرة، وهو اختلاف تنوع أو اختلاف لفظي.\nولا يقول أحد من السلف إن المراد بالفطرة الإسلام المفصَّل، فإن الإسلام المفصَّل لا يمكن أن يعلم بالفطرة، بل لا يتلقى إلا من الوحي، وقد قال الله عن نبيه ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢]، قال أهل التفسير من أئمة السلف: (ولا الإيمان) أي: ولا تفاصيل الإيمان؛ وهو الشرائع، لأن الشرائع إنما تلقاها بالوحي، وكذلك تفصيل دلائل التوحيد، وإلا فإن أصول التوحيد كان النبي ﵊ عليها قبل بعثته.","vol":"12","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>أول واجب على المكلف</span>\nمن أصول المعتزلة: أن العباد لا يثابون إلا على ما يعملون، وأصل مبنى الثواب هو التوحيد، فإذًا أصله لا بد أن يؤخذ بالعلم النظري، ومن هنا قالت المعتزلة: إن أول واجب على المكلف هو النظر.\nوعلى هذا عامة المعتزلة، إلا الجاحظ وأمثاله فإنهم خالفوا في ذلك.\nوجاء الأشاعرة فقالوا: أول واجب على المكلف المعرفة، وبعض من سلك مسلك الاعتزال قال: هو النظر.\nوقال بعضهم: أول جزء من النظر.\nوقال بعضهم: القصد إلى النظر.\nوالخلاف بين سائر هذه الأقوال الكلامية خلاف لفظي كما صرح به الرازي وأبو حامد الغزالي، وكما صرح به شيخ الإسلام ﵀.\nهذا مع أن الأشعري يخالف أصله في القدر أصل المعتزلة، فالأشاعرة يقاربون مذهب الجبر، والقول بأن أول واجب على المكلف هو النظر فرع عن كون العباد لا يثابون على ما يخلق فيهم من العلوم الضرورية، ولهذا قال أبو جعفر السمناني من علماء الأشاعرة ومن أصحاب القاضي أبي بكر ابن الطيب: (إن القول بإيجاب النظر بقي في مذهبنا من مذهب المعتزلة).\nأي: أن الأشعري لما رجع عن الاعتزال لم يتخلص من مسألة المعرفة التي مقدمتها النظر، فالمعرفة نتيجة والنظر مقدمة.\nوأشد إشكالًا من دخول المسألة على الأشعرية مع أن أصولهم تخالف أصول القدرية، دخول هذه المسألة على كثير من الأصوليين حتى من أصحاب الإمام أحمد ﵀، كما فعل المقدسي في كتاب (التبصرة)، وهو كتاب حسن مصنف في الجملة على مذهب أهل السنة، بل وفيه ردود على الأشاعرة، لكنه غلط في هذه المسألة فقال: (اختلف أصحابنا في أول واجب على المكلف، فقال بعضهم: النظر، وقال بعضهم المعرفة ..) إلى آخره، ومقصوده بأصحابه هنا الحنابلة.\nمع أن القول بأن النظر أول واجب على المكلف لم يكن مذهبًا لا لـ أحمد ولا لأئمة أصحابه، فإن السلف مجمعون على أن أول واجب على المكلف هو الشهادة، وبهذا خاطب الرسول ﷺ سائر الناس من كان منهم عارفًا أو جاهلًا أو وثنيًا أو يهوديًا أو نصرانيًا، فقد جاء في حديث ابن عباس ومعاذ ﵄ لما بعث النبي ﷺ معاذًا إلى اليمن أنه قال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)، وقد ثبت في الأخبار والسير أن أهل اليمن إذ ذاك كان فيهم يهود ونصارى وعبدة أوثان.\nإذًا ..\nهذه الأقوال الكلامية كلها ترجع إلى أصل قدري اعتزالي ليس عليه أثر السنة والجماعة لا من قريب ولا بعيد، بل قال الجاحظ كما في بعض كتبه -وهو من أعيان المعتزلة القدرية-: (لا يلزم هذا المذهب حتى على أصولنا المقولة في باب القدر كما زعم أصحابنا).\nوكثيرًا ما يتكلم شيخ الإسلام ﵀ في مسألة ثم يدخل في مسألة أخرى، وقد يظن الظان أن هذه المسألة منفكة عن هذه، والصحيح أنها مبنية عليها، ككلامه في مسألة أول واجب على المكلف، فهو يبنيها على كلامه في مسألة القدر، ويركب هذه على هذه، فهذا ليس من الاستطراد وإنما من باب الرد في المسألة.\nوقد تكلم كثير من أهل العلم في تفسير الفطرة، وذكروا مقالات السلف، ومن أجود ذلك ما ذكره أبو عمر ابن عبد البر الإمام المالكي ﵀ في كتاب (التمهيد)، فإنه ذكر جملة أقوال السلف في تفسيرهم لحديث أبي هريرة ﵁: (كل مولود يولد على الفطرة)، وفي الجملة فالمقصود بالفطرة هي: التوحيد، وذلك بالإقرار بوحدانية الله سبحانه وأصل استحقاقه للعبودية، وإلا فالتفاصيل تتلقى عن الأنبياء والرسل.","vol":"12","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>شرح العقيدة الطحاوية [١٣]</span>\nمن أصول عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الله ﷾ هو العليم بكل شيء، وأنه يعلم ما كان وما سيكون، لا يخفى عليه شيء، وأنه قدر مقادير العباد، فلا يكون في خلقه وملكه إلا ما قدر سبحانه وقضى.","vol":"13","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>عموم علم الله تعالى بعباده وأفعالهم أزلًا</span>\nقال المصنف رحمة الله: [وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملةً واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسر لما خلق له].\nذكر المصنف في هذه الجملة أخص أصول القدر، وهو: أن الله ﷾ يعلم ما كان وما سيكون، وعلم عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار.\nوقوله: (جملةً واحدة) أي: أن هذا العلم أزلي وليس تحصل بعضه تبعًا لبعض، بل الله ﷾ علم أزلًا مقادير الخلائق، والإيمان بعموم علمه هو إجماع للمسلمين، ومن نفاه أو أنكره فإنه كافر بإجماع السلف، بل وجمهور الطوائف؛ فقد نصوا على كفر من أنكر ذلك.","vol":"13","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>قول الفلاسفة في علم الله</span>\nوأما الفلاسفة فينكرون علم الله بالجزئيات، وهذا المذهب ذكره ابن سينا وأمثاله من الفلاسفة في كتبهم، ويزعمون أنهم يؤمنون بالعلم الكلي فقط، وهذا مبني على أصل تعطيلهم لصفات الباري ﷾.","vol":"13","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>أعمال العباد مقدرة عند الله تعالى</span>\nقول المصنف ﵀: [وكل ميسر لما خلق له].\nهذا جواب النبي ﵌ عن هذه المسألة، فقد ثبت في الصحيحين من رواية جماعة من الصحابة- أن النبي ﷺ حين سئل قالوا له: ففيم العمل؟ فكان جوابه ﵌ أن قال: (اعملوا فكل ميسر)، وفي حديث علي ﵁: (فكل ميسر لما خلق له).\nومعنى هذا أن الفعل والعمل وإن كان من العبد، وأن العبد وإن كان له إرادة ومشيئة على الحقيقة، وأنه يفعل بإرادته ومشيئته واختياره، إلا أن الله ﷾ هو الهادي، وهو الذي يضل من يشاء، وهذا هو معنى قوله: (فكل ميسر لما خلق له) أي: أن من كتبه الله من أهل السعادة لعمل أهل السعادة، ومن كتبه الله شقيًا فإنه ييسر لعمل أهل الشقاوة.\nوهذا ليس مشكلًا من جهة العقل، بل كما قال شيخ الإسلام: (إن جوابه ﷺ هو أتم الأجوبة من جهة الشرع ومن جهة العقل)، ووجه ذلك من جهة العقل: أن الله ﷾ كتب مقادير الخلائق، وكتب السعيد والشقي، وإذا ثبت هذا المعنى المتفق عليه فإن الله كتب الأسباب وكتب المسببات، فإذا كتب عبدًا من أهل النار، فلا بد أنه ﷾ كتب أنه يعمل بعمل أهل النار وهو الكفر، وإذا كتب عبدًا أنه من أهل الجنة فقد كتب له عملًا يناسب هذا المقام.\nفليس في قدر الله أن عبدًا يعمل الصالحات والإيمان ويكون شقيًا من أهل النار، فإن الله كما كتب المآلات -أي: أن هذا في الجنة وهذا في النار، وأن هذا شقي وهذا سعيد- فقد كتب الأعمال، وكل مآل له عمل يناسبه، ولهذا فإن الله ﷾ لا يعذب إلا من عصاه؛ إما عذابًا مطلقًا وهو الخلود في النار في حق من كفر به، وإما عذابًا دون عذاب في حق بعض أهل الكبائر.\nوهذا الإشكال لا يزينه الشيطان إلا في باب الشرع ليصد به عن ذكر الله وعن توحيده وعن اتباع رسله، وإلا فإن هذا الإشكال لو كان صحيحًا لكان مطردًا في سائر أحوال بني آدم، ولا يختص بحالهم من جهة الديانة، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: (إنه لم يذهب إلى الاحتجاج بالقدر على الإطلاق أحد من عقلاء بني آدم).\nومراده بذلك أن القدر ليس مختصًا بباب الشرع، فكما أن الشقاوة والسعادة بقدر فكذلك الولد بقدر، وكذلك العدوان الذي يقع على الشخص بقدر، والبر الذي يلحقه بقدر\nوهلم جرًا، فإن الله قدر كل شيء.\nقال شيخ الإسلام: (فلازم من احتج بالقدر على إسقاط الشرع أو معارضته أن لا يلوم من اعتدى عليه، فإن الذي اعتدى عليه إنما اعتدى عليه بقدر، وكذلك من قتل ولده فإنما قتله بقدر) وهكذا في الأكل والشرب، فإنه إن كتب على شخص أنه يموت في هذا اليوم فسيموت أكل أو لم يأكل، ومعلوم أن مثل هذه الأمور لا يصل إليها المجانين من بني آدم، فترى أن قدر الله ﷾ على وفق العقل كما أنه على وفق الفطرة، وإن كان لا يخاض فيه خصومةً أو تفصيلًا لما لم يفصله الله ﷾ أو رسوله.","vol":"13","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>الأعمال بخواتيمها</span>\nقال المصنف ﵀: [والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله].\nأي: أن الله ﷾ إنما يجازي العبد بخاتم عمله، وليس معنى هذا أن من مات على حال حسنة ولم يتب من كبائره أنه يجزم له بأنه لا يوافي ربه بالكبائر، وإنما مراد المصنف: أن من كان كافرًا ثم آمن فإن الاعتبار بالثاني، وهكذا من آمن ثم كفر فإن الاعتبار بالثاني.","vol":"13","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>محبة الله للعبد وبغضه له متعلق بحاله لا بمآله</span>\nومما يتعلق بذلك: أن من أصول أهل السنة والجماعة أن الله ﷾ يحب عبده المؤمن حال إيمانه، وإن علم ﷾ أنه قد يرتد عن الإيمان، فهو حال إيمانه محبوب لله دون حال كفره، وإن علم ﷾ أن الكافر سيؤمن، فإنه حال كفره يكون مبغضًا، وهذا هو قول السلف خلافًا لـ ابن كلاب ومن وافقه كـ أبي الحسن الأشعري وأصحابه الذين قالوا: إن محبته ﷾ مبنية على الموافاة، فمن علم الله أنه سيؤمن فإنه لا يزال محبوبًا عنده حتى حال عبادته الأصنام، ومن علم أنه سيكفر فإنه لا يزال مبغضًا حتى حال إسلامه الأول، ولا شك أن هذا مذهب مخالف لإجماع السلف، فإن كل من كان قائمًا على الصدق والإيمان بعمل صالح، فإن الله ﷾ يحب ذلك العمل منه.","vol":"13","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>مأخذ ابن كلاب والأشعري في الاستثناء في الإيمان</span>\nومن هذا الوجه ذهب ابن كلاب والأشعري إلى الاستثناء في الإيمان، وإن كان الاستثناء في الإيمان موافق لقول جماهير من السلف، إلا أن هذا التعليل الذي قاله ابن كلاب محدث، والتعليل المأثور عن السلف: أنه يستثنى في الإيمان؛ لأن العبد لا يعلم ماذا يختم له.","vol":"13","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>إشكال وجوابه</span>\nوتحت هذه الجملة التي ذكرها أبو جعفر ﵀ ما جاء في الصحيحين من حديث سهل بن سعد وأبي هريرة ﵄ وغيرهما أن النبي ﵌ قال: (إن العبد -وفي رواية: إن الرجل- ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب -أي: القدر الذي كتبه الله- فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).\nأما من جهة من يعمل بعمل أهل النار ثم يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فليس فيه إشكال، فإنه بيِّن في حال المشركين وأمثالهم الذين كانوا على الشرك ثم هداهم الله للإسلام، فكثير منهم إنما هدي للإسلام في آخر عمره فختم له بالإسلام.\nولكن المعنى الذي تكلم كثير من الشرَّاح فيه هو قوله: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، وبهذا احتج من احتج من الأشاعرة على أن الاعتبار بمحض القدر، وأن فعل العبد لا أثر له في المآل، أي: في الشقاوة والسعادة.\nوأما من جهة الثواب فإن سائر المسلمين أجمعوا على أن فعل العبد له أثر في ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب).\nوالصحيح في هذا الحديث أن معنى قوله ﷺ: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة)، أي: فيما يظهر للناس ذلك، بل هذا هو جوابه ﷺ في حديث سهل بن سعد ﵁ حين قال: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس)، فهو صريح في المدلول.\nوكذلك سبب ورود الحديث؛ فإن رجلًا قاتل فقال الصحابة ﵃: (ما أجزأ منا اليوم أحد ما أجزأ فلان، فقال النبي ﷺ: أما إنه من أهل النار، فقال رجل: أنا لكم به! فخرج معه، فجرح جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت فوضع نصل السيف على الأرض وذبابه بين ثدييه ثم اتكأ عليه حتى خرج السيف من ظهره، فقال النبي ﷺ: أشهد أني عبد الله ورسوله، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ..) إلى آخره.\nوعليه: فيكون قوله: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة) محمولًا على أحد حالين:\nالأول: أن يكون منافقًا يُظهر الإيمان ويبطن الكفر، ويختم له في آخر حاله بحال أهل النار كقتل النفس وأمثاله، ولا يعني هذا أن قتل النفس هو الموجب لكفره، بل هو كافر في الباطن، وإنما أظهر ما أظهر من أعمال الإسلام والشريعة نفاقًا.\nالثاني: أنه وإن لم يكن منافقًا النفاق الأكبر إلا أنه ممن يعبد الله على حرف، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ الله عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١] قال شيخ الإسلام: (وكثير ممن يعبد الله على حرف يكون معه قبل هذه الفتنة جملة من الإيمان الصحيح، وإن كان معه مادة من النفاق، فينقلب بهذه الفتنة على وجهه).\nوأما من آمن وصدق في الإيمان، ولم يعبد الله على حرف، بل صار مؤمنًا محققًا لأصول الإيمان وإن كان يعتريه ما يعتريه من المعاصي والكبائر، فإن هذا لا يعرض له هذه الحالة بمحض الإرادة القدرية؛ فإن الله بكل شيء عليم، ولهذا قال ابن رجب وغيره من المحققين: (إنه لم يعلم عن أحد استفاض إيمانه في الناس أنه ارتد على هذه الحال).\nوعليه: فإن كل من ارتد عن الإيمان لا بد أن شيئًا حدث من جهته هو، ولهذا قال الله ﷾: ﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]، فدل على أن أهل الإيمان الصادق يثبتون على أصل الإيمان وإن كانوا قد ينقصون بعض ما هو منه، فإن الله يثبتهم على أصل الإيمان في الحياة الدنيا وفي الآخرة.\nثم قال: ﴿وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] أي: أن من خُتم له بعمل أهل النار فدخل النار، فإن هذا لا بد أن يكون من جهة ظلمه لنفسه: إما لكونه في الأصل منافقًا، وإما لكونه ممن يعبد الله على حرف.\nوقول المصنف ﵀: (والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله)، أي: فقضاؤه ﷾ عدل، وهو مبني على حكمته وعلمه بأحوال عباده وما يوافون به ربهم.","vol":"13","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>شرح العقيدة الطحاوية [١٤]</span>\nيؤمن أهل السنة والجماعة بأن الله ﷾ كتب مقادير كل شيء في اللوح المحفوظ، وأن ما كتبه كائن لا محالة، وأنه لو اجتمعت الأمة على تغيير شيء مما قدره الله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، فعلى المسلم أن يلزم الطاعة ويؤمن بما قدره الله عليه؛ فإن ذلك خير له في عاجله وآجله.","vol":"14","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>مسائل في القدر</span>\nقال المصنف ﵀: [وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين].\nلفظة: (وأصل القدر سر الله في خلقه)، فيها أثر عن علي، ويؤثر عن علي رضي الله تعالى عنه أحرف كثيرة في القدر، وجمهور هذه الأحرف لا تصح عنه، وقد تنسب إليه المعتزلة والشيعة وحتى كثير من الصوفية أحرفًا في أحوالهم ومسائلهم التي يقررونها.\nوهذه الكلمة ليس عليها أثر من أثر الرسل والأنبياء، وعليه: فهذه الجملة إذا أطلقت وفسرت بمراد صحيح كان الأمر فيها واسعًا، وأما أن تعد من عبارات أهل السنة ومقالاتهم أو من آثار الصحابة فلا.\nوجمهور من يستعمل هذه الجملة هم الصوفية في كتبهم، والشارح مع جودته وإتقانه إلا أنه غلط فنقل عن بعض الصوفية في ذلك نقولًا ليست حسنة، ومما نقل عن بعضهم: أن من وقف عن الكشف في ذات الله وأسمائه لزم الأدب، وأن الله يقول: من كشفت له عن حقيقة ذاتي ألزمته العطب.\nفنقل هذا مستحسنًا له قابلًا له، ولا شك أن هذا كله من كلام الصوفية وأغلاطهم؛ بل وترهاتهم.\nوقوله: (لم يطلع على ذلك) أي: على تمام هذا الأصل؛ لأنه من علم الله ﷾، وعلمه لا يحاط به.","vol":"14","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>التحذير من التعمق في القدر</span>\nوقوله: (والتعمق) يدل على قدر من الزيادة، وهو نوع من الغلو، وقد قال ﵊ كما في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ في الصحيح: (هلك المتنطعون)، وقال: (إياكم والغلو في الدين)، إلى غير ذلك.","vol":"14","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>التفصيل في حكم النظر</span>\nوقوله: (والنظر)، أقول: النظر ليس مذمومًا في الشرع، وهو حرف لا يدل على تعدٍ على أمر الله أو دليل الشارع، وإن كان النظر ليس هو أول الواجبات، بل ولا يجب على كل أحد، وإنما ذكر الله ﷾ النظر في حق من شاب توحيده أو معرفته شيء من الإشكال، فإنه يؤمر بالاعتبار والنظر حتى يصحح ما عرض له من الإشكال، كقوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ [الأعراف:١٨٤] ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا﴾ [الأعراف:١٨٥] إلى غير ذلك.\nفالنظر ليس مذمومًا على الإطلاق، وليس واجبًا على كل أحد فضلًا عن أن يقال: إنه أول الواجبات، ولهذا قرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الأصل عدم الوجوب، ولكن من عرضت له حال لا تزول إلا بالنظر، فإنه يكون واجبًا عليه من هذا الوجه، ويكون المشروع هنا هو النظر الشرعي.\nوفرق بين النظر الشرعي والنظر الذي يذكره علماء الكلام؛ فإنهم يذكرون النظر على مقدماتهم الكلامية، وأما النظر الشرعي فهو المذكور في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥]، ومن ذلك ما كان لإبراهيم ﵊ في محاجته لقومه، فإنه أبطل ما هم فيه من الكفر والشرك بحجج من النظر، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥].\nوقوله: (فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا)؛ هذه الكلمة لو لم يعبر بها لكان أجود، فإن النظر في هذا الباب ليس مذمومًا على الإطلاق، وإنما بالغ في ذم النظر بعض الصوفية الذين زعموا أن هذا باب لا يكشف إلا لبعض العارفين، والحق أن الله ﷾ بيَّن أصول القدر وأصول العلم بهذا الباب في كتابه، وبيَّن ذلك النبي ﷺ بيانًا شرعيًا موافقًا للعقل، وهذه أجوبته ﷺ في ذلك، ولما خاصمت قريش رسول الله ﷺ في القدر نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁.\nوقد ثبت في السنن أن النبي ﵊ خرج ذات يوم وطائفة من أصحابه يختصمون في القدر فنهاهم عن ذلك، فقول من قال: إن الصحابة خاصموا رسول الله ﷺ في القدر، غلط بالإجماع، بل إن الذين خاصموا رسول الله ﷺ في القدر هم المشركون، وإذا كان طائفة من الصحابة اختصموا فيما بينهم في بعض مسائل القدر، فلا يعني ذلك أنهم مخاصمون فيها لرسول الله ﵌.\nثم إن مثل هذه الأحوال التي تعرض -كخصومة بعض الصحابة لبعض في القدر- لا تعرض لأئمة الصحابة كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وإنما هي حال تعرض لبعض من هو دونهم في الفقه والإمامة في العلم.","vol":"14","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>خفاء باب القدر مع العلم بأصوله</span>\nوقوله: (فإن الله طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]).\nكلامه من هذا الوجه صحيح، لكن معلوم أن القدر ليس مقصورًا على مسألة السؤال، كما قال الله ﷾ في كتابه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، لكن ثمة أصول من القدر معلومة، ومعلوم أن أبا جعفر ﵀ لا يريد أن يثبت أن هذا الباب مجهول على الإطلاق، ولكنه استعمل هذه التعبيرات التي يعبر بها على هذا الوجه من الإطلاق طوائف من الصوفية، وهذا ليس بحسن، لكنه يختلف عنهم في المقصود.","vol":"14","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>وجوب الوقوف عند ما أوقفنا الله عليه</span>\nقال المصنف ﵀: [فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم، لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود].\nهذه الجملة فيها أثر من أثر الصوفية، فإن لفظ (الولاية) وإن كان لفظًا شرعيًا بالإجماع، لكن يستعمله الصوفية كثيرًا، فإنهم إذا ذكروا ذلك خصوا هذا المقام بالأولياء، ولا يذكرون أهل العلم كما يذكرون الأولياء، ويجعلون الولاية مقامًا من مقامات الأحوال وليست مقامًا من مقامات المعرفة.\nوقوله: (فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر).\nالعلم الموجود هو ما علَّم الله ﷾ رسوله إياه كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣]، فهذا العلم الذي بُعث به ﷺ وعلمه أمته هو العلم الذي إنكاره كفر، وأما ما استأثر الله ﷾ بعلمه من أسمائه، وأفعاله، وقضائه، وقدره، وأحكامه، وحِكمه، فإن هذا علم من زعمه فقد كفر، فإنه لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله، فهذا هو المقصود عند أبي جعفر، وهو حسن صحيح.","vol":"14","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>الإيمان باللوح المكتوب والقلم</span>\nقال المصنف ﵀: [ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رقم، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائنًا لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن، إلى يوم القيامة، وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه].\nاللوح: هو ما كتب الله فيه الذكر، فقد ثبت في حديث عمران ﵁ في البخاري أن النبي ﷺ قال: (وكتب في الذكر كل شيء) واللوح المحفوظ مجمع على الإيمان به؛ فإن الله ذكره في كتابه.\nوكذلك القلم، فإنه مما أجمع السلف على الإيمان به.","vol":"14","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>حقيقة اللوح والقلم</span>\nوأما تفاصيل ماهية اللوح والقلم فإن هذا لم تفصله النصوص، وإنما الذي جاء في النصوص: (أول ما خلق الله القلم.\nفقال له: اكتب.\nقال: ماذا أكتب.\nقال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)، كما في حديث عبادة في سنن أبي داود وغيره.\nوقد اشتغل طوائف من أهل الكلام والصوفية بتفاصيل ماهية اللوح والقلم كما في كلام أبي حامد الغزالي، فإنه تارة يأتي بكلام يأخذه عن المتكلمين الذين أخذوا عن الفلاسفة في هذه المسائل، وهو أنواع من التأويل والتحريف، وتارة يتكلم بطريقة الصوفية، ومعلوم أن أبا حامد الغزالي ﵀ ليس له حال واحدة.\nويخطئ من يخطئ فيقول: إنه رجع إلى مذهب معين، فإنه وإن كان له حال من الفضل في آخر عمره والإقبال على القرآن وحديث الرسول ﷺ، إلا أن أبا حامد له حال مستطيلة في معرفته ودراسته ونظره، فـ أبو حامد هو من أخص من قرر نزعة فلسفية لم تظهر إلا في القرن الرابع وما بعده، وهي: أن المذهب الشخصي ليس واحدًا.\nولهذا قال الغزالي في كتبه المتأخرة: (فإن قيل ما المذهب؟ قال: المذهب ليس واحدًا، فأما الجدل فهو على طريقة المتكلمين، وأما مذهب العامة فهو بالزواجر والدواعي، وأما المذهب السر بين العبد وبين ربه فهو طريقة الصوفية)؛ ولهذا نجد كتب أبي حامد بعضها على طريقة المتكلمين كـ (الاقتصاد) مثلًا وكـ (قواعد العقائد) وغيرها، وهذه يجعلها للمجادلة والمناظرة والمنافحة، وكذلك (تهافت الفلاسفة)، فإنه كتبه على الطريقة الكلامية، ولهذا لما كتبه قال: (ونحن نحتج في هذا المقام على الفلاسفة بقول أصحابنا وقول المعتزلة لدفع صول هؤلاء على الإسلام).\nوهذه هي طريقة المتأخرين من الأشاعرة كـ أبي المعالي وأمثاله، ومعلوم أن أبا حامد ممن أخذ عن أبي المعالي وكان من أصحابه، وأما الحالة المختصة عند أبي حامد الغزالي، فهي الحالة الصوفية، وعليها كتب كتبه الأخرى كـ (كيمياء السعادة)، و(جواهر القرآن)، و(مشكاة الأنوار)، وأمثالها من الكتب التي غلا فيها، وقال فيها أقوالًا بالغةً في الخطأ والضلال، وإن كان طرفًا من هذه الكتب ولا سيما كتاب (المضنون به على غير أهله) يُتكلَّم في صحته عن أبي حامد، لكن مما هو متحقق أن طرفًا من هذه المقالات معروفة لـ أبي حامد وقد قررها في أكثر من كتاب، وهي طرق شديدة في الغلط والمبالغة في التصوف على طريقة متفلسفة الصوفية.\nوأما كتاب (إحياء علوم الدين) فهو من أجود كتب أبي حامد التي كتبها في هذا الباب؛ ولهذا قال شيخ الإسلام: (وأما الإحياء فغالبه جيد، لكن فيه ثلاث مواد فاسدة: مادة من ترهات الصوفية، ومادة فلسفية، ومادة من الأحاديث الموضوعة).\nوالغزالي وإن كفَّر الفلاسفة في كتبه المتأخرة ولا سيما في (التهافت) إلا أنه قد تأثر بهم كثيرًا، فعندما تكلَّم في مقامات العارفين تكلَّم فيها بنفس أحرف ابن سينا في (الإشارات والتنبيهات)، فهو متأثر تأثرًا بالغًا بكلام ابن سينا وأصول الفلاسفة الإشراقية، وإن كان بعيدًا عنهم في المسائل العقلانية النظرية كمسألة قدم العالم ومسألة العلم بالجزئيات إلى غيرها، مع أن أبا الوليد ابن رشد لما رد على أبي حامد قال: (إنك في كتبك لما ذكرت درجات المحسوبين ذكرت أن من أشرف الدرجات من جعل الوجود وجودًا مطلقًا، وأن واجب الوجود ليس داخل العالم ولا خارجه ..\nإلخ، قال: وهذا هو مذهب أرسطو وقد امتدحته في بعض كتبك).\nوالحق: أن أبا حامد لم يمتدحه امتداحًا مطلقًا، ولكنه متأثر بهذه الأصول، فحاله منغلقة، وقد ذكر عن نفسه في كتابه (المنقذ من الضلال) أنه ظل متحيرًا زمانًا، وأن حيرته زالت بنور قذفه الله في قلبه، فله أحوال مختلطة كثيرة، مع أنه كان عظيم العبادة والصدق والإيمان، عظيم العلم بالفقه وأصوله، وله مقامات حسنة في الإسلام.","vol":"14","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>عجز البشر عن تغيير ما في القدر</span>\nقال المصنف ﵀: (فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائنًا لم يقدروا عليه، جفَّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة).\nوهذا كلام جيد، وهو في الجملة وصية الرسول ﵊ لـ ابن عباس ﵄ الثابتة في المسند والسنن في قوله: (احفظ الله يحفظك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).\nقال: (وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه)، أي: فإن كل شيء بقدر الله ﷾.\nقال المصنف ﵀: [وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرًا محكمًا مبرمًا، ليس فيه ناقض، ولا معقب، ولا مزيل، ولا مغير، ولا ناقص، ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة، والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨]، فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيمًا، وأحضر للنظر فيه قلبًا سقيمًا، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرًا كتيمًا، وعاد بما قال فيه أفاكًا أثيمًا].\nأي: أن الله ﷿ علم ما سيكون، وهذا عام في أفعال العباد وغير أفعال العباد، وتقدم أن إنكار هذه الجملة كفر وإلحاد مبين.\nومما ينبه إليه أن الشارح ﵀ في كلامه عن بعض مسائل التكفير أراد أن يبيِّن أن السلف قد يقولون عن قول: إنه كفر ولا يلتزمون تكفير القائل إلا إذا علموا أن الحجة قد قامت عليه بعينه، وهذا المعنى من حيث الجملة حسن وصحيح، لكنه ضرب أمثلة في مقالات السلف، قال: (كقولهم: إن القول بخلق القرآن كفر، وإن إنكار الرؤية كفر، وإن إنكار علم الله بما سيكون كفر)، ولا شك أن هذه الأمثلة الثلاثة ليست حسنة على هذا الحال من الاجتماع.\nفأما القول بخلق القرآن فهو كذلك، فهو وإن كان كفرًا إلا أن قائله لا يُكفَّر ابتداءً، وكذلك من أنكر الرؤية فإنه لا يكفر ابتداءً، وأما من أنكر علم الله بما سيكون، وقال: إنه لا يعلم الأشياء سواء كانت أفعال العباد أو غير أفعال العباد إلا بعد كونها، فهذا لا يُنظر فيه، ولا شك أنه كافر، بل كفره أعظم من كفر أبي جهل.\nوقوله: (فقدر ذلك تقديرًا محكمًا مبرمًا ..\nإلخ).\nفإن القدر كما قال ابن عباس ﵄ وهذا مما صح عنه: (القدر نظام التوحيد) فالقدر من أخص أصول الإيمان بالله ﷾ كما ذكر ذلك الرسول ﷺ في جوابه.\nوقدره سبحانه متعلق بخلقه ومتعلق بأمره، كما قال سبحانه ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤].\nوأول من خاصم ربه في القدر هو إبليس فإنه قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩] فجعل ما حصل من القدر في حقه مخاصمة له ﷾.","vol":"14","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>شرح العقيدة الطحاوية [١٥]</span>\nالعرش والكرسي ثابتان بإجماع أهل السنة والجماعة، وقد تواتر ذكر العرش في الكتاب والسنة، وذكر الله في مواضع كثيرة من كتابه أنه استوى على العرش، والكرسي مذكور في الكتاب والسنة، وهو موضع القدمين، كما قال ابن عباس ﵁، وكعادة أهل البدع في تأويل صفات الله تعالى، فقد أولوا العرش والكرسي يما يتفق مع عقولهم القاصرة الجاهلة بما يليق بالله ﷾ وما لا يليق به.","vol":"15","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>الإيمان بالعرش والكرسي</span>\nقال المصنف ﵀: [والعرش والكرسي حق، وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه].\nالعرش والكرسي ثابتان بإجماع أهل السنة، وإن كان بعض الطوائف يتأولون ذلك، وقد تواتر ذكر العرش في الكتاب والسنة، وذكر الله في سبعة مواضع من كتابه أنه استوى على العرش، فقال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فأهل السنة والجماعة يثبتون استواءه ﷾ استواءً يليق بجلاله، وأن العرش هو أعلى المخلوقات وهو سقفها.","vol":"15","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>أقوال المتكلمين في العرش</span>\nقال طائفة من أهل الكلام: العرش هو الملك، وهذا غلط من جهة اللسان وغلط من جهة أدلة الشريعة نفسها؛ فإن الله ﷾ قال: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧]، ولو كان المراد بالعرش الملك لما صح هذا، وكذلك قال سبحانه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] فلو كان هو الملك لما صح هذا السياق؛ مما يدل على أنه حقيقة ماهيته مخلوقة، وهو أعظم مخلوقاته ﷾.\nوقال طائفة من المتكلمين: إنه مستدير؛ لأنهم جعلوه فلكًا، وقد انعقد الإجماع على أن سائر الأفلاك مستديرة، وإنما النظر في كون العرش فلكًا، فظاهر كلام أهل السنة المتأخرين - وإن كان متقدموهم لم يفصحوا بتفصيل في ذلك - أن العرش هو كالقبة فوق العالم، وأنه ليس مستديرًا من كل جهة.","vol":"15","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>معنى الكرسي</span>\nوقوله: (الكرسي حق): هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] وأجود ما جاء في تفسيره قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (الكرسي موضع القدمين لله ﷾)، وهذا الجواب المأثور عن ابن عباس هو الذي عليه عامة أهل السنة والحديث؛ فإنهم يذكرون في تفسير الكرسي ما نقل عن ابن عباس وأصحابه، وهو المأثور عن جمهور السلف.\nوقوله: (محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه).\nأي: أنه ﷾ محيط بكل شيء، وأنه فوق كل شيء كما جاء صريحًا في كتاب الله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، وفي قوله سبحانه: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] وقد ذكر سبحانه استواءه على عرشه، ومن معاني استوائه: علوُّه عليه، فإذا كان عليًَّا على عرشه فإن غير العرش من المخلوقات من باب أولى.","vol":"15","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>أول المخلوقات</span>\nوالعرش سابق في الخلق للقلم، وأما حديث عبادة ﵁: (أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب)، فإن المراد به: إنه عند أول خلقه أُمر بالكتابة وليس المقصود أن القلم هو أول المخلوقات، كقولك: أول ما دخل زيد قيل له: اجلس.\nأي: أنه عند أول دخوله أُمر بالجلوس.\nوإن كان بعض المعاصرين من أهل العلم يرجحون أن القلم هو أول المخلوقات على الإطلاق، وهو قول طائفة من أصحاب الأئمة من أهل السنة المتأخرين؛ لكن جماهير السلف وعامتهم على أن العرش متقدم عليه، ولهذا قال ابن القيم ﵀:\nوالناس مختلفون في القلم الذي ... سبق القضاء به من الديَّان\nهل كان قبل العرش أو هو بعده ... قولان عند أبي العلا الهمداني\nوالحق أن العرش قبل لأنه ... قبل الكتابة كان ذا أركان\nثم أراد أن يبين معنى حديث عبادة فقال:\nوكتابة القلم الشريف تعاقب ... إيجاده من غير فصل زمان\nأي: أنه عند أول خلقه أمر بالكتابة.","vol":"15","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>شرح العقيدة الطحاوية [١٦]</span>\nمن صفات الله تعالى: صفة المحبة، وصفة الكلام، فقد ذكر الله تعالى في كتابه أنه اتخذ إبراهيم خليلًا، وكلم موسى تكليمًا، وعلى هذا أجمع سلف الأمة، وقد أنكر أهل البدع من الجهمية ذلك فقالوا: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، وهذا فرع عن إنكارهم لصفة المحبة والكلام.","vol":"16","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>إثبات خلة الله لإبراهيم وكلامه لموسى</span>\nقال المصنف ﵀: [ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلًا، وكلَّم الله موسى تكليمًا، إيمانًا وتصديقًا وتسليمًا].\nهذا صريح في القرآن كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥] ..\nوقال: ﴿وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] وعلى هذا أجمع السلف، بل إن هذه المسألة هي من أول مسائل الجهمية مخالفةً للسلف، وكان الجعد بن درهم والجهم بن صفوان يقولون: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلِّم موسى تكليمًا.\nوهذا فرع عن تعطيلهم لصفة الكلام وصفة المحبة.","vol":"16","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>معنى مقام الخلة لإبراهيم</span>\nومعنى كون إبراهيم ﵊ خليلًا: أي أن له من المحبة مقامًا مختصًا، وإلا فإنه ﷾ يحب سائر عباده المؤمنين، وقد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين أنه قال: (إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا)، فإبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام كلاهما خليل لله ﷾.\nوأما قول من يقول بأن الخلة لا تكون إلا لواحد، فهذا من جهة القياس على المخلوقين، وهو قياس فاسد، وأما قوله: إن العرب لا تعرف الخلة إلا لواحد فلا يكون للشخص إلا خليلٌ واحد، فإذا تعدد لم تسم خلة؛ فهذا كلام لا معنى له، فإنه إذا استقام ذلك في كلام العرب فإنما هو مبنيٌ على أحوال بني آدم، وإلا فإن نصوص القرآن صريحة في أن الله اتخذ إبراهيم خليلًا، والسنة الثابتة المحكمة صريحة ذكرت أن الله اتخذ محمدًا ﵌ خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا.","vol":"16","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>أفضلية نبينا وإبراهيم ﵉ على غيرهما من الرسل</span>\nومحمد وإبراهيم هما أفضل أنبياء الله ورسله بإجماع سلف الأمة، وأفضلهما هو نبينا محمد ثم إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، ولم يذكر نبيًا على سبيل التعظيم والاختصاص بعد محمد ﷺ كما ذكر إبراهيم، فإنه سبحانه ذكر له من مقامات التوحيد والإخلاص والإيمان عظيمًا، ولهذا لما عرج بالنبي ﵊ رأى إبراهيم في السماء السابعة، وهذا دليل على عظم منزلته ﵊ عند الله، وقد جاء في الصحيح من حديث أبي موسى قال ﵊: (ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم)، فكان ﵊ مقتديًا بإبراهيم معظِّمًا له، فصلى الله وسلم عليه وعلى سائر أنبيائه ورسله.","vol":"16","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>الإيمان بالملائكة والكتب والنبيين</span>\nقال المصنف ﵀: [ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم على الحق المبين].\nهذه المسائل تسمَّى في كلام كثير من المتأخرين بالسمعيات، أو الأصول السمعية، وهذه التسمية ليست معروفةً في كلام السلف، وإنما أحدثها طائفة من أصحاب الأئمة واستعملها أيضًا طوائف من المتكلمين، وإن كان الجزم بأن أول من استعملها هم علماء الكلام قد لا يكون جزمًا بيِّنًا، وهذه التسمية ليس فيها إشكال، لكن المتكلمين يذكرونها ويريدون بذلك أنها مسائل مقصورة على النقل، بينما يجعلون مسائل المعرفة الإلهية -كسائر الصفات والأفعال- مسائل معروفة بالعقل، ومن استعمل هذه التسمية من أهل السنة فإنهم يقولون عن غيرها بأنها مسائل سمعية أيضًا أو على أقل تقدير يرون أن غيرها من المسائل تثبت بالسمع وبالعقل، فإن أصولها وبعض أعيانها تثبت بالعقل كالصفات مثلًا.\nوعليه: فتخصيص مسائل اليوم الآخر، وأمثالها بأنها هي السمعيات فقط ليس مناسبًا، بل سائر أصول الدين مسائل سمعية، وإن كان منها ما يعلم بالعقل إما إجمالًا وإما تفصيلًا، فهذا التخصيص ليس له ذاك المعنى الحسن، وإن كان لا يلزم أنه غلط على كل تقدير، بل قد يفسر بمراد صحيح.\nقوله: (ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين) أي: الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ونحن نؤمن بالملائكة والأنبياء إيمانًا مجملًا وإيمانًا مفصلًا:\nأما الإيمان المجمل فهو الإيمان المطلق بسائر أنبياء الله ورسله وملائكته، وأما الإيمان المفصل فبحسب من سمِّي منهم وذكر، فنؤمن بجبريل وميكائيل وإسرافيل، ونؤمن بمحمد وموسى وعيسى ونوح ولوط ..\nوغيرهم حسب التفصيل المذكور في كتاب الله وفي سنة نبيه ﵌ من أحوالهم.","vol":"16","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>شرح العقيدة الطحاوية [١٧]</span>\nأجمع أهل السنة والجماعة -ووافقهم جمهور الطوائف- على أن الأصل في أهل الإسلام أن يسموا مسلمين، وإن ارتكب بعضهم كبائر الذنوب فإنه يسمى مسلمًا، ولم يخالف في ذلك إلا الخوارج والمعتزلة.\nويعتقد أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.","vol":"17","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>أسماء أهل الكبائر عند أهل السنة</span>\nقال المصنف ﵀: [ونسمِّي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قال وأخبر مصدقين].\nذكر المصنف مسألة الأسماء، ونعني بها اسم أهل الكبائر والمخالفين من أهل الظلم والفسوق والعصيان والمخالفين للسنة والشريعة، هل يسمون مؤمنين أو مسلمين، أو كفارًا، أو فاسقين؟\nوالأحكام: أي حكم هؤلاء في الآخرة.\nفابتدأ المصنف بمسألة الأسماء، فقال: (ونسمِّي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين)، ثم يذكر بعد ذلك الإيمان، فيقول: (والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان)، ثم يذكر بعد ذلك حكم أهل الكبائر في الآخرة، وهذا لا إشكال فيه، لكن كان الأصل في الترتيب أن يبدأ بمسألة الإيمان، ثم مسألة الأسماء والأحكام لأنها نتيجة لها.\nوقوله: (ونسمِّي أهل قبلتنا) مراده بأهل القبلة أهل الإسلام، وهم من يستقبل القبلة ويصلي إليها.\nوقوله: (مسلمين مؤمنين)، شرط لهذه التسمية أن يتحقق عندهم أصل الإيمان، ولهذا قال: (ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قال وأخبر مصدِّقين).\nوهذه جملة مجملة، وتُفسَّر بأن أبا جعفر ﵀ يقصد أنهم محققون لأصل الإيمان، ومن حقق أصل الإيمان فإنه يستحق عنده هذه التسمية، مع أنه قد يكون في هذا التفسير بعض التردد؛ لأن من المعلوم أن أبا جعفر وأمثاله لا يكفِّرون بالعمل المأمور به على الأعيان كمسألة الصلاة، بل لهم قول حتى في جنس العمل الظاهر كما سيأتي تفصيله.\nلكن إذا فسر مراده بقوله: (ما داموا) أي: محققين لأصل الإيمان، فهذا معنىً مناسب، ثم يرجع إلى تسميته، وهو قوله: (ونسمِّي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين) فإنه إذا كان كذلك، فإن هذه التسمية عنده تكون مستحقةً لكل مسلم، سواء كان برًا أو فاجرًا، وسواء كان من الظالمين لأنفسهم أم من المقتصدين أم من السابقين بالخيرات، ومعنى هذا أن أهل الكبائر عنده يُسمون مسلمين ويُسمون مؤمنين.\nأما أن سائر أهل الإسلام سواء كانوا أبرارًا أو فجارًا، من أهل الكبائر أو غيرها، يُسمون مسلمين، فهذا بالإجماع، ولم يخالف فيه أحد إلا الخوارج والمعتزلة.\nوأما جمهور طوائف الأمة -فضلًا عن إجماع أهل السنة والجماعة المحكم- فهم على أن الأصل في أهل الإسلام أن يسموا مسلمين، وكل واحد بعينه مهما كانت كبائره فإنه يسمى مسلمًا، فاسم الإسلام لا إشكال فيه بوجه، ولا يُنازع في إطلاقه على أهل الكبائر بأعيانهم إلا متأثر بالخوارج.\nفقول من يقول: نقول عنهم مسلمين على الإطلاق لكن لا نسمي أعيانهم مسلمين، فهذا من أثر الخوارج.\nوإذا قلنا: إنهم يُسمون مسلمين بالأعيان فلا يعني هذا أنه لا يصح فيهم إلا هذا الاسم.\nوأما قول أبي جعفر: (مؤمنين) فإن هذا فرع عن رأيه في مسمى الإيمان؛ فإنه لما كان العمل عنده ليس داخلًا في مسمى الإيمان، والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء، صار أهل الكبائر الذين يقصرون في العمل مؤمنين عنده بناءً على أصله.\nولهذا نقول: هذه النتيجة -وهي قوله: (مؤمنين) - مناسبة لقوله في مسمى الإيمان.\nوإذا قلت على طريقة السلف: إن الإيمان قول وعمل، فإن اسم الإيمان لا يكون مقامه في أهل الكبائر كمقام اسم الإسلام، وهذا ليس معناه أن أهل الكبائر لا يسمون مؤمنين بحال، وإنما معناه أنه لا يطلق عليهم هذا الاسم في سائر الموارد، وهذه مسألة وقع فيها تنازع بين أهل السنة -وإن كان أصلها مجمعًا عليه بينهم-: هل يسمى أهل الكبائر مؤمنين أو لا يسمون؟\n- فمنهم من قال: إنهم يسمون مسلمين ومؤمنين.\n- ومنهم من قال: إنهم يسمون مؤمنين على الإطلاق دون التعيين.\nوهذه أقوال يذكرها بعض أهل السنة والجماعة من أصحاب الأئمة.\nوالذي تدل عليه آثار السلف وجواباتهم في هذه المسألة، بل الذي دل عليه القرآن والسنة، أن اسم الإيمان في حق أهل الكبائر تارة يذكر مطلقًا بدون قيد، وتارة يذكر مقيدًا، وتارة لا يذكر.\nوإذا كان لا يذكر فإما أن يكون منتقلًا عنه وإما أن يكون منفيًا.","vol":"17","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>إطلاق اسم الإيمان على أهل الكبائر وأحواله</span>\nوعليه فيكون لإطلاق الإيمان في حق أهل الكبائر أربعة أحوال:\nالحال الأولى: أن يذكر مطلقًا، أي: بدون قيد، وهو المذكور في مثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] في الكفارة، فإن قوله: (مؤمنة) يدخل فيه الفاسق، بمعنى أنه لو أعتق فاسقًا فإن عتقه صحيح بالإجماع، وهو المذكور في مثل قوله ﷺ للجارية في حديث معاوية بن الحكم: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة).\nالحال الثانية: ألا يذكر مطلقًا بل يذكر مقيدًا، كما إذا سئل عن حكم الفاسق واسمه وقدره من الإيمان، فإنه يقال: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فيسمى مؤمنًا بالتقييد.\nالحال الثالثة: ألا يذكر على الإطلاق، إما انتقالًا إلى غيره أونفيًا له عنه، فانتقاله إلى غيره هو المذكور في حديث سعد ﵁، في الصحيحين قال: (قسم النبي ﷺ قسمًا، فقلت: يا رسول الله، أعط فلانًا فإنه مؤمن، فقال النبي ﷺ: أو مسلم)، فانتقل النبي ﷺ بحق هذا الرجل إلى اسم الإسلام، فهذا انتقال عن اسم الإيمان إلى اسم الإسلام، مع أن الرجل لا شك أنه ممن يؤمن بالله ورسوله، ولا شك أنه ممن يؤمن بأن الله في السماء وأن محمدًا رسول الله، وقد قال رسول الله ﷺ عن الجارية: إنها مؤمنة، لما أخبرت بهذين الأمرين، لكنه ﷺ لم يقر سعدًا لما قال هذا عن الرجل، قيل: لأن المقام والحال مختلف، فـ سعد إنما ذكر ذلك على جهة المدح والثناء، وإذا قصد مقام المدح والثناء فإنه لا يسمى بالإيمان إلا من استفاض هذا الأمر فيه، وإنما يستعمل في الإطلاق وبين عامة المسلمين اسم الإسلام.\nوأما في حديث معاوية وفي قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] فإن المقام مقام عتق، وفي مقام الأحكام الدنيوية كالعتق والمواريث وغيرها فإن الفساق يسمون مؤمنين.\nفإذا قيل: قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] فلو كان فاسقًا؟ قيل: الفاسق مؤمن في هذا المقام؛ لأن معه أصل الإيمان، وقد ينفى الإيمان عن شخص في مقام، كقوله ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، فحال الزنا لا يسمى مؤمنًا، بل يسمى زانيًا، أو يسمى فاسقًا، مع أنه في مقام العتق لو أعتق الزاني فإنه يقال: أعتق مؤمنًا.\nفاسم الإيمان لا يقع على وجه واحد، ولهذا في الأحكام الدنيوية والمخاطبة بالشريعة فإن سائر أهل القبلة من العصاة والفساق وغيرهم يدخلون في اسم الإيمان، ولهذا جاءت في القرآن خطابات كثيرة: (يا أيها الذين آمنوا)، ولا شك أنه يُخاطب بها سائر أهل الإسلام، حتى الفاسق منهم فإنه داخل في هذا، وكذلك يسوغ للخطيب في الجمعة أن يقول: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، ولو كان من بين يديه من هو من أهل الفسق.\nففي مقامات المخاطبة بأحكام الشريعة وفي مقامات أحكام الدنيا كالعتق والمواريث ونحوها فإنهم يسمون مؤمنين، ويدخلون في هذا الاسم، وعليه فأهل الكبائر المجاهرون بها والمظهرون لها يُسمون فساقًا، وهذا مجمع عليه بين السلف.\nفأصحاب الكبائر تارة يسمون مؤمنين، وتارة مسلمين، وتارة فساقًا.\nفإن قيل: ما الأصل في أهل الكبائر؟ هل هم فساق أم مؤمنون أم مسلمون؟ يقال: إن الأصل فيهم أنهم مسلمون، فلا يكون الاسم المطلق لهم في سائر الأحوال والموارد هو الفسق فإن هذا شبهٌ بالمعتزلة، وكونه شبهًا بالمعتزلة ليس من جهة كون مرتكب الكبيرة لا يسمى فاسقًا، فإنه يسمى فاسقًا بإجماع السلف وبصريح الكتاب والسنة، ولكن لا يلتزم معه هذا الاسم في سائر الموارد، بل يكون هذا الاسم مناسبًا لبعض أحواله، كما أن اسم الإيمان قد يناسب بعض أحواله، ويكون الاسم المطلق له هو اسم الإسلام فإنه الأصل فيه.\nومعلوم أن حسنة التوحيد والإيمان الذي عنده، أعظم مما معه من الكبائر، فهي أولى بالاختصاص به.\nهذا هو محصل قول أهل السنة والجماعة في مسألة الأسماء.","vol":"17","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>قول الخوارج والمعتزلة في أهل الكبائر</span>\nجمهور الخوارج يقولون: إن أهل الكبائر كفار كفر ملة، وقال عبد الله بن إباض وأصحابه الأباضية: إنهم كفار كفر نعمة، ويقول: إنهم مخلدون في النار.\nوهذا تناقض، فإنهم إن كانوا مخلدين في النار لزم أن يكونوا كفارًا كفر ملة.\nوقالت المعتزلة: إنهم ليسوا كفارًا وليسوا مؤمنين أو مسلمين، بل هم فساق، ويريدون بالفسق هنا الفسق المطلق الذي لا يصاحبه من الإيمان شيء، وعن هذا قيل: إن من التزم في أهل الكبائر اسم الفسق في سائر الموارد ففيه شبه بالمعتزلة، والمراد بذلك من نفي اسم الإسلام أو اسم الإيمان في بعض موارده عنهم، فإنهم ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى الله أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٠٢] ..\n﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٦].","vol":"17","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>قول المرجئة في أهل الكبائر</span>\nوالمرجئة تقول: إنهم مؤمنون، وجمهور المرجئة مع قولهم بأنهم مؤمنون يقولون: إنهم مؤمنون بإيمانهم فاسقون بكبائرهم، وهذه الجملة وإن كانت صحيحة إلا أنها لا تميز مذهب السلف عن مذهب أكثر المرجئة، فالأشعرية في كتبهم يقولون: إن مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ويكون التحصيل للتمييز هو في الجملة الأخرى التي يستعملها من يستعملها من أهل السنة والجماعة، وهي قولهم: إنه مؤمن ناقص الإيمان، فجملة النقص في إيمانه هي المحصلة للتمييز بين قول السلف وقول جماهير المرجئة، وإلا فالقول بأنه مؤمن مع فسقه يقر به جماهير المرجئة.","vol":"17","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>النهي عن الكلام في الله بغير علم</span>\nقال المصنف ﵀: [ولا نخوض في الله، ولا نماري في دين الله، ولا نجادل في القرآن].\nقوله: (ولا نخوض في الله) أي: لا نخوض في ذلك جهلًا، والجهل خلاف العلم، أي: فيما لم يعلم من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ، فالخوض إنما يطلق على القول بغير علم، وإما إذا تكلم الإنسان بعلم فإن كلامه لا يسمى خوضًا، إلا إذا كان في السياق تقييد، وأما إذا ذكر الخوض مطلقًا فإنه نوع من الذم لحال المتكلم أو حال القائل.\nولهذا قال أبو جعفر: (ولا نخوض في الله) أي: لا نتكلم في هذا الباب بجهل، كالكلام في كيفية ذاته، أو في كيفية صفاته، وهي التي قال فيها مالك وأمثاله: الكيف مجهول، وقال بعض السلف كـ الزهري ومكحول: أمروها كما جاءت، وقال الأوزاعي ومالك والليث بن سعد والثوري: أمروها كما جاءت بلا كيف، فهذا من ترك الخوض في الله، أي: فيما لم نعلمه، بل فيما لا يمكن أن نعلمه، فإنه ﷾ لا يُحاط به علمًا.","vol":"17","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>النهي عن المماراة والجدال</span>\nوقوله: (ولا نماري في دين الله) اتفق أهل الإسلام على أن المماراة في الدين مما أُنكر في حكم الله ﷾ وشرعه، ولكن مع هذا فإنه يقع بين أهل الإسلام إما في المقولات: سواء في الاعتقاد، أو في بعض مسائل الفقه والفروع، أو في بعض أحوالهم المتعلقة بأحوال الدعوة وغيرها، فتقع أنواع كثيرة من المراء في دين الله.\nوينبغي لكل طالب علم أو يتفقه في الدين، ومن معاني الفقه في الدين أن يكون على علم بالحكمة الشرعية التي بعث بها النبي ﷺ، ولهذا سمى الله ما آتى نبيه حكمة، فقال: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة:٢٦٩] قال بعض السلف: هي النبوة، وقال بعضهم: إنها السنة، وقيل: المعنيان صحيحان، فإن سنته مبنية على الحكمة، ومن أخص أوجه الحكمة فيها أنه لا يصح أن تكون هذه السنة سببًا للتفريق بين من صحت أصولهم واستقامت عقائدهم، فيفترقون لموجب من المقالات اليسيرة، وقد كان شيخ الإسلام ﵀ مع أنه من أفقه الناس في هذا الباب من الأصول، يقول: (وإنه لما اختلفت الأشعرية والحنبلية كنت من أعظم الناس تأليفًا، قصدًا لجمع قلوب المسلمين، وأن تفريقهم إنما يحصل به قوة لعدوهم)، هذا مع أنه كان يتكلم عن قوم يراهم من أهل البدع، ولا يرى أنهم من أصحاب السنة القائمين بها المحققين لها، ولما تكلم عن الأشعرية في بعض كتبه -مع أنه ذكر ردًا واسعًا عليهم وألحق كثيرًا من مقالاتهم بأصول الجهمية- قال: (ومع هذا كله فإذا كان الأشعرية في بلد ليس فيه إلا معتزلة، فهم القائمون بالسنة في هذا البلد).\nولما تكلم عن المعتزلة ذكر أن أقوالهم كفر بإجماع السلف، ثم قال: (ومع هذا فإنهم يحمدون بما يدعون إلى الإسلام على مذهبهم، فإن من أسلم على طريقة المعتزلة خير ممن بقي على الكفر والشرك بالله ﷾).\nفهذه أمور من الفقه لا بد لطالب العلم أن يفقهها، وإذا كانت هذه المسألة التي بين يديك وعنها حصل النزاع والافتراق، واجبة في شرع الله ﷾، فإنه لا شك أن الاعتصام بحبل الله ﷾ والاجتماع عليه أوجب منها في شرع الله ﷾، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣].\nولهذا كان من فقه شيخ الإسلام أن قال: وهذه المسألة -وذكر مسألة من المسائل- إنما تركت القول فيها مع إحكامه، لما استلزم القول فيها طرفًا من التفريق بين المسلمين، قال: وأوجب منها الاعتصام بحبل الله والاجتماع عليه، فتركنا ما كان دونه في الوجوب لما هو أوجب.","vol":"17","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>ضرورة معاملة الخطأ بقدره وعدم التجاوز</span>\nفالفقه مطلوب لهذه المسائل؛ لأننا نجد نزاعًا، لا نقول بين أهل السنة وأهل البدع، فهذا شأن وسنة مضى عليها السلف، وهي سنة فاضلة شرعية- وإنما المقصود أننا نرى كثيرًا من الاختلاف بين أهل السنة أنفسهم، وكثير من هذا الاختلاف لا يكون من باب اختلاف الأقوال، فإن اختلاف الأقوال حاصل، ولكن المشكلة هي اختلاف القلوب، ومن اختلاف القلوب الفرح بغلط من يغلط، فإذا غلط غالط تجد من التتبع لهذا الغلط والاستطالة والاستفاضة فيه شيئًا غريبًا مع أن الخطأ إذا وجد من بعض العارفين ومن لهم مقام في السنة والجماعة والعلم والديانة فإنه ينبغي الترفق فيه، وأن يبين على قدر من الحكمة.\nولا شك أن مثل هذا الذي يقع من الاستطالة هو في كثير من الأحوال فرع عن قلة الفقه، فإن من صريح الفقه عند علماء الإسلام أن الإنكار للخطأ من فروض الكفايات، فإذا تحقق الإنكار وزال الخطأ، فإن الازدياد من الإنكار لا يكون محكمًا.\nونجد أنه يستفاض في إنكار خطأ غاية إنكاره أن يكون من فروض الكفايات، مع أن ثمة فروضًا من الأعيان وفروضًا من الكفايات ما قام بها قائم، وبقيت معطلة، ومع ذلك لا يتحرك المتحرك إليها، وكما قال شيخ الإسلام ﵀: وكثير من النفوس عند مقام الرد فيها قدر من القوة والعلو، أي: يحصل عندها نوع من الزيادة، لأن الزيادة أحيانًا لا يملكها هو.\nوهذا الباب من أهم الأبواب التي ينبغي أن يتفقه فيها طلاب العلم خاصة والناس عامة، وقد كان علماء السلف رضي الله تعالى عنهم أصدق الأمة قلوبًا وأكثرها ائتلافًا وبهم تجتمع الأمة، وأما أن يكون العلم موجبًا للتفريق واختلاف القلوب وتنافر النفوس، فلا شك أن هذا من خلق أهل الكتاب دخل على قوم من هذه الأمة، وهذا هو الذي أفسد ملتهم وشغلهم عن عبادات ربهم.\nوقد تجد بعض طلاب العلم قد يشتغلون بأمور يصرفون فيها الأوقات الكثيرة، وليست هي من أصول التوحيد، فإن أعظم غلط تقع فيه الأمة اليوم هو الغلط في توحيد العبادة، فإن الشرك والبدع المخالفة لتوحيد العبادة ما أكثرها في بلاد الإسلام، فأين القيام بهذه الأصول المحكمة؟\nوكثير من المسلمين مقصرون في الصلاة، ومقصرون في أصول الواجبات، بل حتى العبادة المختصة بالمتكلم نفسه، فلأن يشتغل بمحكم العبادات كذكر الله والصلاة والصيام والطواف بالبيت وغير ذلك من الشرائع المحكمة، خير له من أن يشتغل بكلام قد تزين له نفسه أنه من الانتصار لدين الله، ولا شك أن الرد وبيان الحق سنة مضى عليها السلف، لكن السلف كانوا يفعلونها على قدر من العلم والفقه والورع؛ بل وقدر من العقل، فمقام الرد لا ينتصب له إلا عاقل عالم ورع، فمن تحققت فيه هذه الشروط الثلاثة فليكن كذلك، ومن كان كذلك لم يقع منه غلط غالبًا، فمثلًا: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ كان من أكثر الناس تعقبًا للأغلاط، فلا يسمع بغلط أو بمنكر إلا ويكتب في هذا المنكر، ومع ذلك ما سبق أن عرف عنه ﵀ شيء من الاستطالة، ولا حصل برده فتنة وأذية للناس.\nومن فقه شيخ الإسلام ﵀ أنه يقول في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس:٨٥ - ٨٦] قال: (من صدق الإيمان أن يتمنى العبد ألا يكون فتنة لقوم ظالمين، فضلًا عن أن يكون فتنة لقوم مؤمنين)، ومن الفتنة أن يقول قولًا لا معنى له أو لا أهمية له أو لا لزوم له، فيشتغل به كثير من العامة الذين يغلب عليهم الاشتغال بذلك، كالمبتدئين في طلب العلم من الشباب الذي هو في أول درجاته، فيصرف الأوقات التي لو صرفها في حفظ كتاب الله أو في حفظ شيء من السنة أو في حفظ كتاب في التوحيد وأصول العلم لكان أهدى وأنفع.","vol":"17","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>عقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن</span>\nقال المصنف ﵀: [ولا نجادل في القرآن، ونشهد أنه كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين].\nقال: (ولا نجادل في القرآن)، الجدل في القرآن يكون في مدلوله أو في حروفه، والواجب هو الإيمان والتسليم بأنه كلام الله ﷾ حروفه ومعانيه، وأن الله أنزله على نبيه ﷺ، وأن فيه بيان كل شيء، وأن الحق معتبر به، إلى غير ذلك من المعاني والمقاصد المعروفة.","vol":"17","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>القرآن كلام الله غير مخلوق</span>\nقال ﵀: [نزل به الروح الأمين، فعلمه سيد المرسلين محمدًا ﷺ، وهو كلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين، ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين].\nقوله: (ولا نقول بخلقه)، أي: كما قالت الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من الشيعة والخوارج الذين قالوا بخلق القرآن، وهذه بدعة أجمع السلف على بطلانها، وصريح الكتاب والسنة يرد هذه البدعة.\nوالأشعري وابن كلاب وأصحابهم يقولون: إن القرآن ليس مخلوقًا، ويقولون: إنه كلام الله، ولكن مرادهم بذلك أنه عبارة عن كلام الله، وإلا فإن الكلام عند ابن كلاب والأشعري معنى واحد قائم في النفس، والمقصود من هذا أن ما يقع في كتب الأشاعرة من أن القرآن كلام الله مرادهم بذلك أنه عبارة أو حكاية عن كلام الله، وليس معنى هذا أنهم يجعلون الحرف والصوت المسموع من كلامه ﷾، بل هم لا يجعلون كلامه بحرف وصوت مسموع.","vol":"17","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>مسألة اللفظ بالقرآن هل هو مخلوق أم لا</span>\nوأما مسألة اللفظ بالقرآن، هل يقال: إنه مخلوق أو ليس مخلوقًا؟\nفإن هذه جملة أحدثتها الجهمية وتكلمت بها، وكان من طريقة المحققين من أعيان السلف كالإمام أحمد ﵀ النهى عن هذه الجملة مطلقًا، وكان يقول كما في رواية أبي طالب: (من قال لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع)، وهذه الرواية وإن تكلم فيها بعض المتأخرين إلا أنها صواب وثابتة عن الإمام أحمد، وكان متقدمو الحنابلة الكبار يصححونها، وانتصر لها وصححها من متأخريهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وليس فيها ما هو منكر بل هي على قاعدة الأئمة في هذا الباب.\nومراد الإمام أحمد ﵀ أن الإطلاق إثباتًا أو نفيًا كله غلط، فلا يقال: إن اللفظ مخلوق، ولا غير مخلوق، بل يقول: إن القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود، وإنه ليس مخلوقًا، ويقول: وإن أفعال العباد مخلوقة.\nوقال بعض أئمة السنة المتقدمين: إن اللفظ بالقرآن مخلوق، وأرادوا بذلك: اللفظ الذي هو فعل العبد، ومعلوم بالإجماع أن فعل العبد مخلوق، وقد تردد شيخ الإسلام في ثبوت ذلك عن البخاري، مع أنه في ظاهر كتابه (خلق أفعال العباد) كأنه على هذا القول.\nوقال بعضهم: إن اللفظ بالقرآن ليس مخلوقًا، وأرادوا: القرآن نفسه، فمراد محمد بن يحيى الذهلي بقوله: (إن اللفظ بالقرآن ليس مخلوقًا)، مراد صحيح.\nوهذه المسألة ليس لها كبير قدر، سواء صح ما نقل عن البخاري أو لم يصح، وقد قاله بعض المتقدمين، ومرادهم بذلك أن أفعال العباد مخلوقة.\nفهذا مراد وهذا مراد، فليس من الفقه أن يقال عمن قال: إن اللفظ بالقرآن مخلوق، إنه مبتدع ابتداعًا مطلقًا، وإنما يقال: القول بدعة، وكذلك الذهلي لما قال: اللفظ بالقرآن ليس مخلوقًا، لا يقال كذلك: إن الذهلي مبتدع، بل يقال: القول بدعة، وإن كان ابن القيم ﵀ ذكر كلام الإمام أحمد والذهلي والبخاري، وقال: وأحسنه قول أبي عبد الله البخاري، وهذا ليس كذلك، بل أحسنه قول الإمام أحمد ﵀، وهو أن يترك هذا الباب ويعبر بالعبارات الشرعية المحكمة.","vol":"17","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>قول جماعة المسلمين أن القرآن كلام الله</span>\nوقوله: (ولا نخالف جماعة المسلمين) فإن المسلمين قد استقر عندهم أن هذا القرآن كلام الله، ولهذا حتى المعتزلة تقول: إنه كلام الله، ولكن تقول: إن كلامه مخلوق، ولا شك أن هذا من التناقض، فإنه إن كان كلامًا له فهو صفة من صفاته، وأما قياسه على قولهم: ناقة الله وأرض الله وسماء الله وعبد الله، من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، فهذا لا شك أنه جهل باللغة وجهل حتى على قياس العقل، فإنك إن قلت: أرض الله فإن الأرض ليست صفة له، بل هي مفعول له، وكذلك العبد والناقة فإنها مفعولات، وأما إذا قلت: علمه وكلامه وسمعه؛ فإن هذا من باب الصفات، ولهذا فإن الإمام أحمد في مناظراته قال لأئمة الجهمية: القرآن من علم الله، فهل علمه مخلوق؟ أي: أن الكلام تبع للعلم، فإنك إن تكلمت بكلام فإنما تكلمت بهذا الكلام لأنك تعلم ما تكلمت به، فإن قلتم: إن كلامه مخلوق لزم أن علمه مخلوق، فأراد ابن كلاب أن يدفع هذا الوجه، فقال: إن الكلام معنى واحد قائم بالنفس! وهذا جمع بين النقيضين.","vol":"17","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>شرح العقيدة الطحاوية [١٨]</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة: أنهم لا يكفرون أحدًا بذنب -غير الكفر والشرك وما ورد فيه الدليل- إلا أن يستحله، فإذا استحل العبد ذنبًا فإنه يكفر بذلك، ولا يرون أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، كما هي عقيدة غلاة المرجئة.\nومن عقيدتهم: الرجاء للمحسنين، والخوف على المذنبين، وعدم الشهادة لأحد من أهل القبلة بجنة ولا بنار إلا من شهد له الله تعالى ورسوله ﷺ بذلك.","vol":"18","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>حكم التكفير بالذنوب التي دون الكفر</span>\nقال المصنف ﵀: [ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله].\nهذه الجملة يستعملها بعض أصحاب السنة والجماعة، وهي جملة مجملة، يمكن أن تفسرها فيكون تفسيرك لها صحيحًا بأن تقول: (ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب) أي: أن أهل السنة والجماعة لا يكفرون بآحاد الكبائر، ولا بالكبائر، ومراده بالذنب هنا ما دون الكفر، فإن أهل السنة والجماعة لا يكفرون بالكبيرة إلا إن استحل العبد ذلك.\nلكن هذه الجملة ليست محكمة على التمام، فإن العبد قد يكفر بالذنب وهو غير مستحل له، ولهذا جاء في حديث عبد الله بن مسعود كما في الصحيحين قال: (قلت: يا رسول الله! أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تدعو لله ندًا وهو خلقك) فسماه ذنبًا، فهذا الإطلاق ليس حسنًا على كل حال، لكن يعبر به بعض أصحاب السنة والجماعة، وإذا عبروا به فسر مرادهم بأن المقصود بذلك الذنوب التي دون الكفر بالله.","vol":"18","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>معنى الاستحلال الذي يكفر به صاحب الذنب</span>\nوالمقصود بالاستحلال مقام من القول وليس مقامًا من الحال، فإذا أقام شخص على ذنب أو كبيرة من الكبائر مهما كانت إقامته عليها والتزامه لها لا يصح أن يقال: إنه مستحل، إلا إذا أظهر المعتقد وصرح بأنه أحل ما حرم الله ﷾ أو العكس، فإنه يسمى مستحلًا، وأما الملازمة للكبيرة وعدم الاستجابة لنصح الناصحين؛ فإنه حتى لو نصحه من نصحه واستفاض النصيحة له ولم يستجب بل بقي مصرًا على الكبيرة، ولا حجة له في البقاء على هذه الكبيرة، فإنه مع هذا كله لا يجوز أن يسمى مستحلًا.","vol":"18","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>قول المرجئة بأنه لا يضر مع الإيمان ذنب</span>\nقال المصنف ﵀: [ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله].\nهذه الجملة تؤثر عن بعض المرجئة، وإن كان شيخ الإسلام ﵀ يقول: (وهذه الجملة تحكى عن غلاة المرجئة، ولا أعلم أحدًا من الأعيان المعروفين صح عنه القول بهذه الجملة)، ولكن الأشعري في (مقالاته) وأبو محمد ابن حزم في (الفِصل) نسبا هذه الجملة إلى مقاتل بن سليمان، إلا أن هذا لا يصح عنه، فـ شيخ الإسلام ﵀ لم يكن خفيًا عليه ما قاله الأشعري وابن حزم أنها قول لـ مقاتل بن سليمان، ولهذا قال في منهاج السنة النبوية: (وينسب هذا لـ مقاتل بن سليمان عند بعض أهل المقالات ولكنها لا تصح عنه)، فهذه جملة يقال: إنها تنسب لغلاة المرجئة ولا يصح عن معين أنه التزم هذا المذهب.","vol":"18","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>من أصول العبادة: الخوف والرجاء</span>\nقال المصنف ﵀: [ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نقنِّطهم].\nهذا من مقامات العبادة وهو: مقام الرجاء ومقام الخوف، وعبادته ﷾ عند أهل السنة معتبرة بثلاثة أصول:\nالأصل الأول: الاستحقاق، ومن أخص مقاماته المحبة، ومعنى هذا أن الله ﷾ يُعبد ويُسأل ويُدعى ويُتقرب إليه استحقاقًا، أي: لكونه مستحقًا للعبادة، وهذا هو أشرف أصول العبادة.\nالأصل الثاني: الرجاء، وهو أصل واسع.\nالأصل الثالث: الخوف، وهو أصل واسع أيضًا، أي: واسع المتعلق، وعليه: فإن من يفسر الرجاء برجاء الجنة ويكون مدار كلامه إذا ذكر الرجاء على مدار الجنة وثواب الآخرة، فلا شك أن تفسيره يكون قاصرًا، فإن من أخص مقامات الرجاء رجاء محبته ﷾، ورجاء رضاه ﷾، إلى غير ذلك، ومن مقامات الرجاء رجاء الجنة.\nوكذلك الخوف، فكما أن الخوف من النار من الخوف الشرعي الذي شرعه الله ورسوله، إلا أن من مقامات الخوف أيضًا الخوف من سخطه وغضبه ﷾.\nفيكون فقه هذين الأصلين: (الخوف والرجاء) لا يختص بالنعيم أو بالعذاب المادي، بل بما يتعلق بما بين العبد وبين ربه من محبته ورضاه أو سخطه وغضبه ومقته، والعبد كما أنه يرجو النعيم في الجنة فإنه قبل ذلك وأهم من ذلك يرجو محبة الله ﷾ ورضاه، ولهذا قال ﷾ لما ذكر النعيم: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ الله أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢]، فالرضا أعظم من هذا النعيم الذي أعده الله ﷾، وإن كان طلب النعيم والخوف من العذاب مشروعًا.\nومن هدي أهل السنة أنهم يرجون للمحسنين أي: من استقاموا على الإيمان ظاهرًا وباطنًا، ويخافون على المسيئين وهم من حقق أصل الإيمان ولكنهم اقترفوا ما اقترفوا من الكبائر، فهؤلاء المسيئون يُخاف عليهم، ولكن لا يعطلون من مقام الرجاء، وأهل الإحسان وإن كان يُرجى لهم إلا أنهم لا يعطلون من مقام الخوف، ولكن الأصل في أهل الإحسان هو الرجاء، والأصل في أهل الإساءة هو الخوف، وأما أن يقصر أهل الإساءة على مقام الخوف وحده فلا، بل يُخاف عليهم ويرجى لهم، ولهذا لما ذكر الله ﷾ العصاة قال: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى الله أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٢].","vol":"18","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>حكم الشهادة لمعين بالجنة أو النار</span>\nقد يذكر عند هذه الجمل أنه لا يشهد لمعين بجنة أو نار من أهل القبلة، والأمر كذلك، أما النار فلا يصح أن يُشهد لواحد من أهل القبلة بعذاب في النار، وأما الجنة فإنه يُشهد لمن شهد له الرسول ﵊ بالجنة، وهم من عينهم النبي ﷺ بذلك، كالعشرة المبشرين بالجنة وغيرهم، وهذا هو الذي عليه عامة السلف.\nوقالت طائفة من المتقدمين: إن من استفاض ذكره وإمامته وديانته في الأمة شهد له بعينه بالجنة، وهذا قاله بعض المتقدمين من السلف، والجماهير على خلافه، ويحتج أصحاب هذا القول بما ثبت في الصحيحين من حديث أنس ﵁ من قوله ﷺ: (لما مُرَّ بجنازة وأثني عليها خيرًا فقال: وجبت وجبت وجبت، ثم مُرَّ بجنازة فأثني عليها شرًا، فقال النبي ﵊: وجبت وجبت وجبت، ثم قال: أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وأثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار).\nوهذا الحديث ليس فيه دلالة على أن من استفاض الثناء عليه بالخير أنه يعين بالجنة، فإن قوله: (وجبت له الجنة) حكم مطلق، لا يلزم منه العلم المختص الذي يتعلق بغير من أوحي إليه وهو رسول الله ﷺ، وإنما يكون هذا من الموجبات، وأما أن يكون الموجب معينًا فلا، فإن من آمن وصلى وجبت له الجنة، ومع ذلك إذا علمته مؤمنًا مصليًا لا يجوز لك أن تشهد له بالجنة، مع أن الصلاة موجب للجنة أعظم من إيجاب ثناء الناس، وثناء الناس بخير من موجبات الجنة، فإنه نوع من الشهادة بالعدل، ولكن هذا شيء مرده إلى الله ﷾.\nوعليه فالاستدلال بالحديث ليس جيدًا، ولهذا فإن عامة السلف لا يرون ذلك، وهناك خلاف لفظي بين الإمام أحمد ويحيى بن معين، وقد كان يحيى بن معين يقول: أنا أقول عمن قال عنه النبي ﷺ إنه في الجنة كـ أبي بكر: إنه في الجنة، ولا أشهد بذلك، وكان الإمام أحمد يقول له: إنك إن قلت: إنه في الجنة فقد شهدت، فهذا خلاف لفظي، وكأنه تحرز عن كلمة الشهادة بلفظها.","vol":"18","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>التحذير من الأمن من مكر الله، واليأس من روح الله</span>\nقال المصنف ﵀: [والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة].\nالأمن: هو الأمن من مكر الله، والإياس: هو الإياس من روح الله، ومراده بما ينقل عن ملة الإسلام هو: الأمن المطلق، فمن أمن مكر الله مطلقًا فهو كافر، وكذلك من قنط أو يئس من رحمة الله مطلقًا فهو كافر، وأما التقصير في هذا المقام بأن يعرض للعبد قدرٌ من الأمن الذي لا يكون مستحكمًا عنده، ولا يعطِّل عنده مقام الرجاء ومقام الخوف والتعلق بالله، فهذا من كبائر الذنوب، ويكون من أعمال القلوب المخالفة لشرع الله ﷾، ولهذا كان من فقه ابن مسعود أن قال: (إن أكبر الكبائر الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، واليأس من روح الله).\nوكما أن الشرك فيه ما هو أكبر وما هو دون ذلك، فإن الأمن والإياس كذلك، فمن أمن مكر الله مطلقًا فهو كافر ومن يئس من روح الله مطلقًا فهو كافر، ولكن من عرضت له أحوال في هذا المقام أو هذا المقام لا تنازع أصول الإيمان من كل وجه، فإن هذا شيء من أعمال القلوب القاصرة التي يوافي العبد بها ربه على أصل التوحيد والإيمان، وقد يكون بعضها من مقامات المعصية، وبعضها من مقامات الكبائر.\nوقوله: (وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة) أي: الوسط بين مقام الأمن ومقام اليأس هو الأخذ بمقام الخوف والمحبة والرجاء.","vol":"18","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>العمل لا يقع به الكفر عند مرجئة الفقهاء</span>\nقال المصنف ﵀: [ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه].\nظاهر كلام أبي جعفر أن الكفر لا يكون إلا بالجحود، وهذه كلمة مجملة في معنى الجحود المراد هنا، وهي متضمنة لكون العمل لا يقع به الكفر، وهذا بناءً على أصل المؤلف في مسمى الإيمان من أن الإيمان هو: الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، وهذا أحد أقوال المرجئة، وإن كان هو أحسن أقوال المرجئة وأقربها إلى السنة والجماعة، وهو القول الذي قاله حماد بن أبي سليمان، وتبعه عليه أبو حنيفة وطائفة من أصحابه، وبعض من مال عن مذهب الأشعري وجمهور أصحابه من الأشاعرة، فإنهم مالوا إلى مثل هذا المذهب، وكذلك طوائف من الماتريدية الذين مالوا عن مذهب أبي منصور الماتريدي.","vol":"18","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>شرح العقيدة الطحاوية [١٩]</span>\nمذهب سلف الأمة وأئمتها أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن العمل أصل في الإيمان، فمن ترك العمل جملة وتفصيلًا فإنه يكفر، وقد خالفهم في ذلك بعض الطوائف كالخوارج والمعتزلة والمرجئة، وكل طائفة قد خالفت في أصل من أصول الإيمان، وهم على درجات في مخالفتهم لمذهب السلف في هذه المسألة.","vol":"19","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>مذهب السلف في الإيمان والفرق المخالفة فيه</span>\nقال المصنف ﵀: [والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، وجميع ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان كله حق، والإيمان واحد أهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى].","vol":"19","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>قول أبي حنيفة في الإيمان</span>\nفي مقدمة هذه الرسالة التي كتبها الإمام الطحاوي ﵀ ذكر أنه يقرر معتقد أبي حنيفة وصاحبيه، ومعلوم أن أخص ما اختص به أبو حنيفة من هذه المسائل هي مسألة الإيمان، فإن الذي عليه الجماهير من أهل العلم والمقالات أن أبا حنيفة يقول بأن الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان، ومعنى هذا أن العمل ليس داخلًا في مسمى الإيمان، وهذا القول ليس عليه أئمة السنة والحديث، وليس مأثورًا عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، بل المأثور عن الصحابة، وعليه عامة أئمة السلف أن الإيمان قول وعمل، والنزاع في مسألة مسمى الإيمان هو أول نزاع حصل في هذه الأمة في مسائل أصول الدين، وأول من خالف في ذلك الخوارج، ثم تبعهم من تبعهم من المعتزلة في الجملة، وحدث ما يقابل بدعة الخوارج وهي بدعة المرجئة.","vol":"19","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>مذهب السلف في الإيمان</span>\nقول السلف الذي حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة أن الإيمان قول وعمل، وألفاظ السلف في هذا المقام مختلفة، ولكن اختلافها من باب اختلاف الألفاظ، فالذي عبر به الجماهير من أئمة السنة والحديث هو أن الإيمان قول وعمل، وعبر طائفة منهم بأن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وعبر طائفة منهم البخاري في صحيحه بأن الإيمان: (قول وفعل)، وعبر بعضهم بأن الإيمان: (قول وعمل ونية واتباع للسنة)، إلى أمثال ذلك من الجمل المأثورة عن بعض أعيان السلف.\nوهذه الجمل ليس بينها اختلاف عند التحقيق، بل هي جمل متفقة من حيث المعنى، وإن كان المأثور عن جماهير من السلف هو أجود التعبيرات، وهو قولهم: الإيمان قول وعمل، ومرادهم بالقول هنا: قول القلب وقول اللسان، ومرادهم بالعمل: عمل القلب وعمل الجوارح، فأما قول اللسان فبين، وأما عمل الجوارح فبين، وهي الشرائع الظاهرة كالصلاة والصوم والحج وأمثال ذلك، وأما قول القلب -وهو أصل الإيمان عند السلف ومبناه- فمرادهم به: تصديق القلب.\nوأما عمل القلب فهو: حركته بهذا التصديق في أعماله المناسبة له، كالمحبة والرضا والخوف والاستعانة إلى غير ذلك من أعمال القلوب، وعليه فأصول الإيمان على هذا الاعتبار تكون أربعة: تصديق القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح.\nوأما ذكره الشافعي وأمثاله -وهو الشائع في كلام أكثر المتأخرين من أهل السنة- من أنه قول وعمل واعتقاد، فإنهم يريدون بالقول: قول اللسان، ويريدون بالعمل: الأعمال الظاهرة والباطنة، ويريدون بالاعتقاد: التصديق.\nفالقصد أن هذه الجمل المأثورة عن السلف لا خلاف بينها في نفس الأمر.\nوعلى هذا المعنى أجمع السلف ﵏، وأجمعوا على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وزيادته ونقصانه متعلقة بأصوله الأربعة، فليست مختصة بالعمل وحده، بل يزيد وينقص من جهة الأعمال الظاهرة، ومن جهة الأقوال إذا ما فسر قول اللسان بغير الشهادتين، ويزيد وينقص في أعمال القلوب، بل حتى التصديقات متفاضلة.","vol":"19","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>زيادة الإيمان ونقصانه</span>\nليس بين أهل السنة نزاع في كون الزيادة والنقصان متعلقة بالأركان الثلاثة الأولى، وإنما تكلم بعض أهل السنة والجماعة ممن أحسنوا تقرير هذا الأصل في التصديق، ومن ذلك ما ذكره ابن حزم، فإن كلامه في أصول الدين ليس على وجه واحد، فإنه لما قرر مسائل الصفات قال فيها قولًا مباعدًا للقول المأثور عن أئمة السلف، وقوله في هذا من جنس قول طائفة من المعتزلة، وإن كان يذكر جمل الأئمة ﵏، بل إن شيخ الإسلام ﵀ في شرح الأصفهانية يقول: (إن القول الذي قرره ابن حزم مقارب لقول طائفة من الفلاسفة)، فتقرير ابن حزم في مسائل الصفات ليس حسنًا، ولكن كلامه في مسائل الإيمان جيد في الجملة، إلا أن من أغلاطه أنه قرر أن التصديق لا يتفاضل، وقد ثبت عن الإمام أحمد وغيره من أعيان المتقدمين من السلف أنهم ذكروا أن التصديق يتفاضل، وهذا معلوم بالشرع والعقل، فإن التصديق لا يختص بمسائل التصديقات الكلية، بل سائر أحكام الشريعة وإن كانت تكليفًا من جهة، لكنها من جهة أخرى تكون تصديقًا.","vol":"19","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>الخوارج والمعتزلة لا يرون زيادة الإيمان ونقصانه</span>\nقرر الخوارج والمعتزلة أن الإيمان قول وعمل، ولكنهم لم يروا زيادته ونقصانه، وهذا هو محصل الفرق بين مذهب السلف ومذهب الخوارج والمعتزلة، فقالت الخوارج: إن مرتكب الكبيرة يكون كافرًا، وقالت المعتزلة: إنه يكون فاسقًا قد عدم الإيمان، وبنى الخوارج والمعتزلة قولهم في مسمى الإيمان على قولهم في أهل الكبائر، وهذا الترتيب خطأ في الاستدلال فإن مسألة حكم أهل الكبائر فرع عن مسمى الإيمان وليس العكس.","vol":"19","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>أقوال المرجئة في الإيمان والرد عليهم</span>\nوأما من قابلهم وهم سائر طوائف المرجئة، فإنهم أجمعوا على أن العمل ليس داخلًا في مسمى الإيمان، وهذه الجملة هي جامع أقوال المرجئة.\nثم بعد ذلك اختلفت المرجئة على أقوال، وقد ذكر الأشعري في (المقالات): (أن مقالات المرجئة في مسمى الإيمان اثنتا عشرة مقالة)، وقد أجمعوا على أن أشد هذه المقالات غلطًا وبعدًا عن السنة والجماعة هي مقالة الجهم بن صفوان؛ فإنه قال: الإيمان هو المعرفة، ويقاربه في الجملة قول أبي الحسين الصالحي، وأخف مقالات المرجئة هو قول حماد بن أبي سليمان.\nولا يوجد أصل من أصول الدين قد خالف فيه بعض المعروفين بالإمامة والسنة والجماعة من المتقدمين إلا هذا الأصل، وإلا فإن كلام السلف في الصفات والقدر وأمثاله كلام متصل محكم، وإنما نازع في هذا الأصل حماد بن أبي سليمان، وهو إمام من أعيان أئمة الكوفة، ومن تلاميذ إبراهيم النخعي، وقد أجمع أهل العلم على أنه من المعروفين بالسنة والجماعة، ولكنه غلط حين أخرج العمل عن مسمى الإيمان، فهذه البدعة أول من ابتدعها من أهل السنة والجماعة هو حماد بن أبي سليمان، ومن جهته دخلت على أبي حنيفة وجماهير أصحابه.\nوسبب غلطهم في مسمى الإيمان لم يكن موجبه خارجًا عما يصح الاستدلال به الكتاب والسنة، ومعنى ذلك أن هذا القول لم يكن دخل على حماد من أصل خارج عن الاستدلال بالشرع، بل كان يستدل على مقالته هذه بنوع من الاستدلال الشرعي وإن كان استدلاله غلطًا، وذلك مثل استدلاله بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف:١٠٧]، فجعل ذكر العمل مع الإيمان دليلًا على أن العمل ليس داخلًا في مسماه، ولا شك أن هذا إشكال بين يُدفع به عن حماد وأمثاله أنهم كانوا ينتحلون هذا القول على أصول بدعية.\nويتحقق التفريق إذا نظرت في أقوال القدرية أو معطلة الصفات، فإنهم لم يكونوا يبنون تعطيلهم على شيء من الاستدلال بالأصول الشرعية، وإنما مبنى أقوالهم على نوع من الشبهات التي دخلت عليهم من المقالات الفلسفية أو نحوها، وإن كان يستدل بعضهم بما هو من القرآن فهذا ليس هو مبنى أو موجب المقالة في مسائل الصفات والقدر وأمثالها.\nولم يكن حماد بن أبي سليمان ﵀ من المعروفين بشيء من أصول البدع كعلم الكلام ونحوه، ولكنه قال هذه المقالة التي أجمع الأئمة على أنه خالف فيها الإجماع عن غلط في الاستدلال، ويراد بالإجماع هنا الإجماع المتقدم، أي: أن السلف قبل حماد وهم طبقة الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن بعدهم، لم يكن أحد منهم يقول: إن العمل ليس داخلًا في مسمى الإيمان، وعلى هذا قيل: إن قول حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة وأمثالهما مخالف للكتاب والسنة والإجماع، وليس من شرط كونه مخالفًا للإجماع أن لا يُضاف حماد وأمثاله ممن قال بذلك من أصحاب السنة إلى السنة والجماعة، بل الإجماع يتحقق من وجه متقدم.\nولهذا نجد أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تارة يقول: وقد أجمع السلف على أن الإيمان قول وعمل، وتارة يقول: والقول الذي عليه الجماهير من السلف أن الإيمان قول وعمل، وكلا الاستعمالين صحيح، فإنه إن قال: إن السلف أجمعوا فإنه يعني الإجماع المتقدم على حماد، ومخالفة حماد هنا لا تعتبر؛ لكونه خالف الإجماع المتقدم، وإذا قال: إنه قول جماهير السلف، فإنه يعني بذلك أن حمادًا وأمثاله لا يخرجون عن السنة خروجًا مطلقًا، بل هم يعدون في أصحاب السنة والجماعة، وإن كان قولهم بدعة بالإجماع فضلًا عن كونه غلطًا.","vol":"19","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>الجواب على مرجئة الفقهاء في مسألة الإيمان</span>\nوأما دلائل قول السلف: إن الإيمان قول وعمل، فهي متواترة في الكتاب والسنة، فقد ذكر الآجري في الشريعة أن العمل ذكر في بضع وخمسين موضعًا وهو محصل أو داخل في مسمى الإيمان، وهذا استدل به الآجري في الشريعة على أن العمل داخل في مسمى الإيمان وإن كان قد ينازع في بعضه، ولكن الدلائل متواترة في كون العمل داخلًا في مسمى الإيمان.\nويرد اسم الإيمان في الكتاب والسنة مطلقًا تارة ومقيدًا تارة، ويرد به في مقام أصله وفي مقام آخر يراد به تمامه، فهو في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧]، يراد به الأصل على الصحيح من التفسيرين اللذين أجاب بهما أهل السنة والجماعة عن استدلال المرجئة كما سيأتي، وهذه الآية وأمثالها هي أقوى ما استدل به المرجئة ولا سيما الفقهاء منهم، على أن العمل ليس داخلًا في مسمى الإيمان، وعنها جوابان:\nالجواب الأول: أن هذا من باب عطف الخاص على العام، وهذه الطريقة وإن كانت صحيحة في الجملة إلا أنها ليست هي الطريقة الأجود.\nالجواب الثاني: وهو الذي رجحه شيخ الإسلام ﵀: أن الإيمان هنا هو الأصل، وإذا ذكر الأصل فإن العمل يكون لازمًا له، ولزومه له في مقام لا يستلزم عدم دخوله في ماهيته في مقام آخر، فإن ما كان لازمًا يكون تابعًا، ولا يمكن في العقل أن ينفك اللازم عن الملزوم، قال شيخ الإسلام: (وإذا كان العمل لازمًا في مقام لأصل الإيمان أو لمسمى الإيمان لم يلزم أن يكون في سائر الموارد كذلك، ولم يمنع ذلك أن يكون داخلًا في ما هيته في نفس الأمر، لأنه قد جاء إدخاله في ماهيته صريحًا في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال:٢ - ٣]، فجعل من أصل الإيمان إقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلى غير ذلك من الأعمال الظاهرة، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] فإن عامة السلف فسروها بصلاتهم إلى بيت المقدس، والنبي ﵌ قال كما ثبت عنه في صحيح مسلم، وإن كان أصله متفقًا عليه: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).\nفالآثار النبوية والكلمات القرآنية متضافرة على تسمية العمل إيمانًا، وليس في الأدلة الشرعية ما يشكل إلا من هذا الوجه الذي ذكره بعض فقهاء المرجئة وغيرهم، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧].","vol":"19","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>مناقشة متكلمة المرجئة في تفسيرهم الإيمان بالتصديق</span>\nوأما الاستدلال الذي احتج به جمهور متكلمة المرجئة، فهو استدلال من جهة اللغة، فإنهم قالوا: الإيمان في اللغة هو التصديق، وعلى هذا قالوا: الإيمان الشرعي هو التصديق، ثم رتبوا على ذلك أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، وبنوا ذلك على مقدمتين:\nالمقدمة الأولى: أن الإيمان في اللغة مرادف للتصديق.\nالمقدمة الثانية: أنه إن كان في اللغة يراد به التصديق لزم أن يكون في الشرع كذلك ولا يتعداه إلى غيره.\nوكلا المقدمتين مما ينازعون فيه، فإن الإيمان وإن استعمل في كلام العرب مرادفًا للتصديق في بعض السياقات، إلا أنه يقع في بعض السياقات بخلاف ذلك، وبينه وبين التصديق فرق من جهة اللفظ والمعنى ذكره جماعة من أهل السنة.\nوالجواب عن المقدمة الثانية من وجهين:\nالوجه الأول: أنه إذا سلم أن الإيمان في اللغة مرادف للتصديق فإنه لا يلزم أن يكون في سائر موارده في الشريعة كذلك، ومعلوم أن المرجئة يسمون العمل إسلامًا، مع أن هذا مما لا توجبه اللغة، فما كان مسوغًا أو موجبًا عندهم لتسمية العمل إسلامًا من جهة اللغة فيمكن طرده على مسمى الإيمان، فإذا قالوا: إن الصلاة لا تسمى في اللغة إيمانًا، بل الصلاة في اللغة هي الدعاء، والإيمان هو التصديق، قيل لهم: وهل الصلاة والزكاة والحج والأعمال الظاهرة تسمى في اللغة إسلامًا؟\nفالجواب: لا.\nفيقال: فما الذي سوغ أن تسمى إسلامًا مع أن الإسلام اسم شرعي بالإجماع، كاسم الإيمان من جهة كونه اسمًا شرعيًا؟\nفتبين أن هذا مما لا توجبه اللغة بذاتها، بل لا بد فيه من اعتبار تسمية الشارع، فلما كان الأمر كذلك تعلق اسم الإيمان بسائر الأعمال على هذا الوجه.\nالوجه الثاني: أن يقال: إن ما استعمله متكلمة المرجئة -لِمَا دخل في أصولهم الكلامية- من تجريد الماهيات إلى صور يفرضها الذهن لا حقيقة لها في الخارج، ومعنى هذا الكلام: أنهم إذا قالوا: الصلاة عمل، والعمل ليس داخلًا في مسمى الإيمان، إذ الإيمان هو التصديق.\nفإنا نقول: ليس في الأعمال الشرعية الظاهرة كلها عمل ينفك عن التصديق، أما العمل الظاهر من حيث هو عمل ظاهر مجرد عن التصديق فإنه لا يسمى إيمانًا بالإجماع، وهذا مما لا ينازع فيه أحد، والعمل الذي قصد السلف أنه إيمان هو العمل الشرعي، وهو العمل الذي أوجبه الشارع أو ندب إليه، كالصلاة والصيام والطواف بالبيت، إلى غير ذلك، وإلا فالأعمال العادية كلعب بني آدم وحركتهم لا تسمى إيمانًا.\nفالصلاة لا يمكن أن تكون شرعية وهي مجردة عن التصديق بالباطن، وهو التصديق بأن هذه الصلاة أوجبها الله، وأن الله أوجبها أربع ركعات مثلًا كصلاة الظهر، وأنه شرعها في هذا الوقت، وأنه يقال فيها كذا وأركانها كذا، ويتعبد بها إلى القبلة، وأن من شرطها الإخلاص والإيمان؛ فإن هذه وإن كانت أعمالًا ظاهرة كالركوع والسجود والقيام والقراءة إلى غير ذلك إلا أنها متعلقة بالتصديق، ولهذا لو أن أحدًا صلى صلاة الظهر خمسًا فإن عمله يسمى بدعة وضلالًا، ومن صلى صلاة وقال: إن الصلاة ما شرعها الله وإنما هي من أقوال الفقهاء، فهذا يكون كافرًا، ولا تكون صلاته شرعية.\nفتحقق من هذا أن سائر الأعمال الظاهرة الشرعية ليست هي مجرد أعمال ظاهرة منفكة عن التصديق.\nوقد تفطن بعض أئمة المرجئة من المتكلمين لهذا، فقالوا: العمل من حيث هو ليس إيمانًا.\nفيقال: العمل من حيث هو عمل إذا لم يكن له وجود في الخارج لا يمكن أن يسمى إيمانًا عند أحدٍ من المسلمين، فهم يقولون: الصلاة من حيث هي صلاة -أي: كحقيقة مجردة وعمل ظاهر- ليست إيمانًا.\nفيقال: الحقيقة المجردة عن التصديق لا يلتفت إليها، وليس هناك أحد من المسلمين يصلي هذه الصلاة.\nولهذا لو أن الإنسان أثناء لعبه أو رياضته مثلًا أتى بحركة تشاكل حركة الركوع لم يُسمّ راكعًا في الشرع وعمله هذا لا يسمى إيمانًا، لكن لو أدى ذلك داخل ركن من أركان الصلاة فإنه يكون ركوعًا شرعيًا ويسمى إيمانًا، فتحقق من هذا أن الأصول الشرعية والعقلية واللغوية إذا سلمنا أنها تدل على أن الإيمان مرادف للتصديق، فإن كل ما تضمن التصديق وتحقق به فإنه يسمى إيمانًا.\nولهذا فإن الصلاة وإن كانت عملًا ظاهرًا من جهة، إلا أن فيها تصديقات وفيها أعمال قلوب.\nويقال: إذا لم تكن الصلاة إيمانًا امتنع أن تكون إسلامًا، وامتنع أن يكون الإيمان تصديقًا، وعليه فإن قولهم: إن العمل ليس داخلًا في مسمى الإيمان لأن الإيمان هو التصديق، يعتبر مناقضًا للعقل فضلًا عن مخالفته للشرع، فإنه مبني على مقدمة مفروضة يفرضها الذهن، وهي: أن العمل الظاهر الذي سماه السلف إيمانًا يمكن تجريده عن التصديق، وليس الأمر كذلك.\nفإن قالوا: إن التصديق الذي في الصلاة يسمى إيمانًا، والحركة الظاهرة لا تسمى إيمانًا؟\nقيل: هذا فرض يفرضه الذهن ولا وجود له في الخارج، فإنه إذا تجرد هذا العمل عن التصديق لم يسمِّ صلاة ولا ركوعًا ولا سجودًا، ولا يوجد في الخارج إلا حركة يقصد بها التعبد أو حركة لا يقصد بها التعبد، أما وجود حركة في الخارج يقال إن تصديقها إيمان، وأما هي من حيث هي فليست إيمانًا، فهذا، فإن من حنى ظهره إما أن يكون راكعًا لله ﷾ في صلاة من الصلوات، وإما أن يكون فعل ذلك لغرض وموجب احتاجه من أجله.\nومعلوم أن الأول يسمى عمله إيمانًا، والثاني لا يسمى إيمانًا ..","vol":"19","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>الدليل على أن العمل من الإيمان</span>\nومن أخص ما يستدل به السلف على كون العمل داخلًا في مسمى الإيمان، بل إن قلت: إنه أشرف حديث استدل به السلف على هذه المسألة من السنة، فإن الأمر كذلك؛ حديث ابن عباس ﵄ في حديث وفد عبد القيس فإنه ﷺ قال: (آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمسًا من المغنم ..) إلى آخر الحديث، وقد رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مفردًا، واتفق عليه الشيخان من حديث ابن عباس ﵄.\nفهذا الحديث المعروف عند أهل العلم بحديث وقد عبد القيس صريح في أن العمل داخل في مسمى الإيمان، بل صريح في أن العمل أصل في الإيمان كما جعله النبي ﷺ أصلًا في الإسلام، كما في حديث ابن عمر المتفق عليه: (بني الإسلام على خمس) وذكر المباني الأربعة بعد الشهادتين، وكذلك لما ذكر الإسلام في حديث جبريل المتفق عليه، وهنا لما ذكر الإيمان ذكر الشهادتين وذكر بعد ذلك العمل، ففسر الإيمان في حديث عبد القيس بما فسر به الإسلام في حديث ابن عمر وأمثاله.\nوأما فك هذا عن هذا في حال واحد، فهذا من فرضيات الذهن التي لا وجود لها في الخارج.","vol":"19","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>موافقة قول السلف للشرع والعقل واللغة</span>\nقول السلف ﵏ إن الإيمان قول وعمل، هو الذي توجبه اللغة، حتى ولو فسر الإيمان بالتصديق، فإن اللغة توجب ذلك من هذا الوجه، فلا يتحقق التصديق الشرعي إلا بالعلم.\nوكذلك يوجبه العقل، فإن ما صح تسميته إسلامًا من الأعمال صح تسميته إيمانًا.\nوقد غلط بعض المرجئة فظنوا أن السلف إنما سموا الأعمال إسلامًا لكون المنافق يأتي بها بخلاف الإيمان، ولا شك أن المنافق يسمى مسلمًا ولا يسمى مؤمنًا، ولكن ليس هذا هو الموجب للتسمية بالإسلام ومنع الإيمان، وإنما ذلك من جهة أن الإيمان أصله في القلب وأنه أخص بالأعمال الباطنة، وأن الإسلام أخص بالأعمال الظاهرة.\nفهذا هو محصل ما ذهب إليه أئمة السلف ﵏، وتبين من هذا أن قولهم موافق للشرع وللعقل وللغة.","vol":"19","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>أعمال القلوب داخلة في مسمى الإيمان عند أكثر المرجئة</span>\nومقالات المرجئة المتقدمة والتي تبين أن أشدها بلاء هو قول جهم بن صفوان: أن الإيمان هو التصديق أو المعرفة، تشكل عليهم مسألة أعمال القلوب، وجماهير المرجئة يجعلون ما هو من أعمال القلوب داخلًا في مسمى الإيمان، ولهذا لما فسر الأشعري مقالة جهم بن صفوان ومقالة أبي الحسين الصالحي في مقصودهم بالمعرفة فسر ذلك بما هو من أعمال القلوب مع المعرفة القلبية.\nوإذا كان داخلًا في مسمى الإيمان؛ لزم من هذا أن يكون العمل الظاهر داخلًا في مسمى الإيمان، فإن ما كان موجبًا لدخول الأعمال الباطنة عندهم في مسمى الإيمان، يكون موجبًا لدخول الأعمال الظاهرة، فإن عمل القلب ليس هو التصديق، وإذا قالوا: الإيمان هو التصديق، وجعلوا ما هو من أعمال القلوب داخلًا في مسمى الإيمان، لزم من ذلك أن يجعلوا ما هو من أعمال الجوارح داخلًا في مسمى الإيمان، بل لزم من ذلك أن تكون أعمال الجوارح كلها داخلة في مسمى الإيمان.","vol":"19","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>حقيقة الخلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء في الإيمان</span>\nومن مسائل هذا الباب وأصوله: أن القول الذي قاله حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة رحمهما الله جعل كثيرًا من أهل العلم يتكلمون في نوعية الخلاف بينه وبين القول الذي عليه عامة السلف، فالشارح ابن أبي العز ﵀ يقول: إن الخلاف صوري بين أبي حنيفة ﵀ وجماهير السلف، وهذا باعتبار أن أبا حنيفة وحماد بن أبي سليمان يقولان: إن مرتكب الكبيرة ليس مخلدًا في النار، ويجعلانه تحت المشيئة، ويقران بعذاب من يعذب من أهل الكبائر.\nونقول: نعم.\nقال بعض الحنفية: إنه خلاف صوري، وقال بعضهم: إنه خلاف لفظي، أي: لا ثمرة له، ولهذا يذكر الأصوليون في كتبهم بعض مسائل النظر الخلافية فيقولون: والخلاف لفظي، أي: ليس له ثمرة.\nوقد قال شيخ الإسلام ﵀: (بأن الخلاف جمهوره لفظي)، وقال مرة: (إن أكثر الخلاف بين حماد والجمهور خلاف لفظي)، ومراده بأن أكثره لفظي أي: أن حمادًا يقر بوجوب الواجبات وأصول الشرائع، ويعطيها أحكامها في الدنيا من جهة الحدود، وكذلك في الآخرة على ما قرره أئمة السلف أجمعين، وإنما لا يسمِّي هذه الأعمال الظاهرة إيمانًا، ومن هنا كان أكثر الخلاف لفظيًا، وبهذا يتبين للناظر في هذه المسألة ماذا يقصد بالقول إن الخلاف فيها لفظي.\nوأما من جهة الفرق فهو من وجوه:\nالأول: وهومن أخصها: أن عدم تسمية العمل الظاهر إيمانًا مخالف للكتاب والسنة، فإن الله سماها إيمانًا، ومنع تسميتها إيمانًا مخالفة للكتاب والسنة من حيث التسمية، وعليه فثمرة الخلاف هي أن هذا القول مخالف للكتاب والسنة، ولا يلزم بالضرورة أن تكون الثمرة مسألة عملية من هذا الوجه.\nالوجه الثاني: أن حمادًا وأمثاله يقولون: إن الإيمان واحد، فلا يجعلون العمل مما يحصل به الزيادة والنقصان، وهذا هو المقطوع به في قول حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة رحمهما الله.\nوبعض أهل العلم يعبرون فيقولون: إن حمادًا وأبا حنيفة لا يقولون بأن الإيمان يتفاضل، وهذا مما يكرره شيخ الإسلام ﵀.\nوهناك مسألة دون الأولى في التحقق في كونها مذهبًا لـ حماد بن أبي سليمان، وهي: هل حماد يقول: إن الإيمان واحد مطلقًا، لا يزيد ولا ينقص كما هو قول المرجئة؟\nيجزم شيخ الإسلام ﵀ بذلك ويقول: (ومن الفرق بين قول حماد وقول الجمهور: أن حمادًا وأمثاله لا يجعلون الإيمان متفاضلًا، ويجعلون أهل الإيمان في إيمانهم على حال واحدة).\nوهذا ينبني على صحة النقل عنه، وإلا فإن هذا من لازم قول حماد؛ لكن من المعلوم أن لوازم المذاهب ليس بالضرورة أن تكون مذاهبًا تضاف إلى أعيان القائلين بأصل المذهب، ولهذا يُتردد في هذا الإطلاق، فهو وإن كان يُجزم بكونه لا يجعل العمل موجبًا لزيادة الإيمان، لكن هذه مسألة دون الإطلاق.\nالوجه الثالث: أنه على طريقة حماد وأبي حنيفة لا يكفر العبد بتركه للأعمال الظاهرة، سواء كان تركه لجنس الأعمال الظاهرة، أو كان تركه لبعض أعيانها.\nهذا مع أن الإجماع منعقد على أن من هجر جنس العمل الظاهر فإن هجره له كفر، وهذا مذهب مستقر عند متقدمي أئمة السلف المخالفين لـ حماد بن أبي سليمان، وقد ذكر هذا الفرق من متأخري المحققين الإمام ابن تيمية ﵀.\nوبعض من تكلَّم في هذه المسألة يذكر عن شيخ الإسلام ما هو مخالف لذلك، وليس الأمر كذلك، بل لا شك أنه يرى أن من قامت عنده القدرة والإرادة الموجبة لحصول المقدور والمراد، ومع هذا كله هجر جنس العمل فما ركع لله ركعة، ولا سجد له سجدة، ولا صام له يومًا، ولا أتى البيت الحرام، ولا أدى زكاة، فإن هذا لا يكون إلا كافرًا.\nوقد قال إسحاق بن إبراهيم -وهو من أعيان المتقدمين- كما رواه الخلال وغيره بسند صحيح: (غلت المرجئة حتى كان من قولهم: أن من ترك الصلاة والصيام والزكاة والحج وعامة الفرائض من غير جحود لها لا نكفره، إذ هو مقر -أي: لا يكفر لأنه مقر عندهم- فهؤلاء الذين لا شك عندي أنهم مرجئة)، وكلمة إسحاق هذه هي أحسن كلمة أثرت عن المتقدمين في هذه المسألة التي تكلَّم فيها كثير من المتقدمين والمتأخرين.\nوبنحو هذه الكلمة جاء عن سفيان بن عيينة، وقد حكى الآجري وأبو عبد الله ابن بطة الإجماع على هذه المسألة.","vol":"19","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>مسائل في الإيمان ومنهج السلف</span>","vol":"19","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>طرق معرفة إجماع السلف على تكفير تارك جنس العمل</span>\nوإجماع السلف على هذه المسألة يعرف من عدة طرق:\nالطريق الأول: أن العمل عندهم أصل في الإيمان، ولما كان أصلًا فإن عدمه كفر.\nالطريق الثاني: أن هجر جنس العمل لا يكون إلا مع نوع من الكفر الباطن، وهذا ليس معناه أنه لا يُكفَّر بالأعمال الظاهرة ولكن لدلالتها على كفر باطن؛ لأنه بإجماع المسلمين وبصريح العقل أنه لا يمكن أن نقول: إن هذا كافر في نفس الأمر بعمل ظاهر، ويكون في نفس الأمر مؤمنًا في الباطن، بل من ثبت كفره في نفس الأمر -أي: في الحكم الشرعي- ووافى ربه بالكفر الظاهر فلا بد أن يكون في الباطن كافرًا، وما يبقى معه من العلم والمعرفة الباطنة، فهي من جنس العلم والمعرفة التي تقع لكثير من الكفار في بعض مسائل الربوبية، أو كحالهم إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، إلى غير ذلك.\nالطريق الثالث: أنه جاء عن الجماهير من أهل الحديث أنهم يكفرون تارك الصلاة، فدلّ ذلك من باب أولى على أنهم يذهبون إلى كفر تارك جنس العمل.\nوهذا الوجه وإن لم يلزم به تحقق الإجماع، إلا أنه يُعلم به معنىً مهمًا في هذه المسألة وهو: أن من قال إن ترك جنس العمل ليس كفرًا بإجماع السلف، فإن قوله غلط ولا بد؛ لأنه قد جاء عن كثير من أعيان المتقدمين -ولا سيما من أهل الحديث- التكفير بترك الصلاة، فكيف يقال مع هذا: إن إجماع السلف منعقد على أن ترك العمل مطلقًا ليس كفرًا، مع أنهم كفروا تارك الصلاة؟\nوإنما يتحقق هذا المعنى ولا يتحقق الإجماع به؛ لأنه مبني على مسألة تكفير تارك الصلاة: هل هي من معاقد الإجماع أم لا؟\nوالتحقيق أن بين جنس العمل وبين آحاده فرقًا، فأما جنس العمل وأركانه الأربعة: (الصلاة والزكاة والصيام والحج)، فمن عدم جنس العمل بأصوله الأربعة التي هي أصول الفرائض؛ فهذا لا يكون إلا كافرًا.","vol":"19","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>حكم تارك الصلاة</span>\nوأما من ترك ما دون الفرائض الأربع من الواجبات الظاهرة فإن هذا ليس بكافر، وإنما تنازع السلف ﵏ في الأركان الأربعة، ولم يحك الإجماع منضبطًا أو غير منضبط إلا في مسألة الصلاة وحدها، فإن إسحاق بن إبراهيم كما ذكر ذلك عنه محمد بن نصر المروزي بإسناد متصل إليه، وذكره عن أيوب السختياني؛ كان يحكيان الإجماع على أن ترك الصلاة كفر، وكان إسحاق يقول: (مضت سنة رسول ﷺ وأصحابه من بعده إلى زماننا هذا أن من أدركته فريضة فما أداها إلى أن خرج وقتها فإنه يكون كافرًا)، ويقول أيوب السختياني: (ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه)، ومن هنا قال طائفة من أصحاب الإمام أحمد وبعض أهل العلم: إن ترك الصلاة كفر بالإجماع، وزعموا أنه لم يخالف في ذلك إلا بعض المتأخرين.\nوالصحيح أن الكفر بترك الصلاة ليس من معاقد الإجماع البين، فإن الإجماع إذا استعمل في مسائل أصول الدين أريد به الإجماع التام الذي تكون مخالفته بدعة وضلالة، كقولك: إن السلف أجمعوا على أن الإيمان قول وعمل، وأجمعوا على إثبات الصفات، وأجمعوا على أن الله خلق أفعال العباد، إلى غير ذلك.\nفمن قال: إن ترك الصلاة كفر بالإجماع اللازم القطعي فإن الأمر ليس كذلك؛ لأنه جاء عن طائفة من المتقدمين كـ مكحول والزهري ومالك والشافعي أنهم ما كانوا يرون ترك الصلاة كفرًا، وأما قول عبد الله بن شقيق: (كان أصحاب محمد لا يرون شيئًا من العمل تركه كفر إلا الصلاة)، فهذا صحيح عن عبد الله بن شقيق، ولكن لا شك أن الزهري ومالكًا رحمهما الله أعلم بالسنن والآثار من عبد الله بن شقيق، وإن كان متقدمًا عليهما، فهذا اجتهاد وتحصيل حصله عبد الله بن شقيق، وهذا الإجماع الذي يذكره عبد الله بن شقيق ويذكره غيره، إذا سمِّي إجماعًا سكوتيًا كان ممكنًا، ومعلوم أن الصحيح من مذاهب الأصوليين أن الإجماع السكوتي حجة، ولكنه ليس حجة قطعية.\nفالقول الراجح هو أن ترك الصلاة كفر، ودليل هذا القول ظاهر الكتاب وظاهر السنة، وإن كانت دلالة السنة أخص من دلالة الكتاب، ومن أخص دلائل السنة قول النبي ﷺ: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة).\nوأيضًا من دلائل كون ترك الصلاة كفرًا أنه ظاهر مذهب الصحابة، فلم يصح عن صحابي من الصحابة أنه صرَّح بأن ترك الصلاة ليس كفرًا، ولكن تحقق أن جماعة من الصحابة صرَّحوا بكون ترك الصلاة كفرًا، وذكر ابن شقيق أنه لم يخالف فيه أحد، فيكون هذا استدلالًا حسنًا، ويسمى إجماعًا سكوتيًا لا قطعيًا؛ لأن الإجماع القطعي يكون حجة لازمة، ومن اجتهد بخلافه فقد قال بدعة، وإذا اجتهد مجتهد بخلافه سمي اجتهاده غلطًا وبدعة، ولا يجوز لأحدٍ من بعده أن يقلده فيه، وعلى هذا يلزم أن قول من يقول إن ترك الصلاة ليس كفرًا؛ أن يكون قوله بدعة، وأنه قول مخالف لصريح الكتاب والسنة، ويلزم أن يكون هذا القول لا تجوز متابعته ولا اعتباره كسائر البدع.\nولم يكن قدر هذه المسألة عند جماهير السلف كذلك، وإن كان إسحاق قد نقل الإجماع لكنه شاذ في تحصيل الإجماع، ولا سيما أنه قال: من زمان رسول الله إلى زماننا هذا، مع أنه يعلم أن مالكًا والزهري ومكحولًا قد خالفوا، ولا يصح قصر المخالفة على المتأخرين، ثم لو كانت المسألة من معاقد الإجماع لشاع ذلك في كلام أئمة السنة، كالإمام أحمد وغيره، فإنه لم ينطق بالإجماع أبدًا، بل الرواية عنه مختلفة في تكفير تارك الصلاة.\nوقد غلط بعض المالكية والشافعية على الشافعي ومالك رحمهما الله في هذه المسألة في بعض مواردها، لكنهم لم يغلطوا في أصلها، فإن الأصل في مذهب الشافعي وأصح قوليه: أن ترك الصلاة ليس كفرًا، وإذا قيل هذا فإن الجماهير من أهل الحديث على أنه كفر، وهو الراجح من جهة الاختيار، وعليه ظاهر الكتاب والسنة، وظاهر مذهب الصحابة.","vol":"19","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>الخلاف في تكفير تارك الزكاة</span>\nأما مسألة الزكاة فلم يذكر أحد من السلف أن فيها إجماعًا، ودعوى الإجماع فيها غلط، وقد دخل على بعض المتأخرين من أهل العلم من أصحاب أحمد وغيره، فقالوا: إن فيها إجماعًا، ومأخذهم في هذا الإجماع قتال أبي بكر رضي الله تعالى عنه لمانعي الزكاة، وما ذكره أبو عبيد وأمثاله من المتقدمين: أن الصحابة أجمعوا على قتال هؤلاء وأنهم كانوا يرونهم مرتدين، وهذا خلط في المسألة، فإن ترك الزكاة المجرد عن الجحد لها أو القتال عليها لم يجمع السلف على كونه كفرًا، وذلك كترك آحاد الناس أن يؤدي زكاة ماله.\nوثمة فرق بين من ترك الزكاة، وبين من تركها وقاتل على تركها، ولهذا كان أئمة المدينة النبوية كالإمام مالك والزهري وأمثالهم، وأئمة العراق كـ الثوري والإمام أحمد وأمثالهم، وأئمة الشام كـ الأوزاعي وأمثاله، يذهبون إلى أن ترك الزكاة ليس كفرًا، ولكنهم قرروا أن المقاتلين على منعها كفار.\nوقد حكى أبو عبيد وجماعة الإجماع على ذلك، وهذا الإجماع ليس في المأثور عن السلف ما يشكل عليه، وهو التفريق بين ترك الزكاة وبين تركها مع المقاتلة، فمن تركها مع المقاتلة فهو كافر.\nفإن قيل: هل كفر بالترك، أم كفر بالمقاتلة؟ فإن قلت: إنه كفر بالمقاتلة، لزم تكفير كل من قاتل من البغاة، وإن قلت: كفر بالترك، قيل: فالمقاتلة ليست شرطًا.\nفيقال: هذا فرض يفرضه الذهن، وهو إنما كفر بهما، أي: باجتماعهما، وإلا فإن المقاتلة وحدها لا تستلزم الكفر، والترك وحده كترك آحاد المسلمين الذين لم يقاتلوا لا يستلزم الكفر، نعم.\nهذا ذهب طائفة من السلف إلى كونه كفرًا، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وذهب جماهير السلف إلى أنه ليس كفرًا، ويقول الإمام أحمد ﵀ في الرواية الأخرى: (ليس شيء من العمل تركه كفر إلا الصلاة)، والمقصود من هذا: أنه لم يقل أحد من أهل العلم: إن ترك الزكاة تركًا مجردًا عن المقاتلة كفر بالإجماع، ولكن لا يُنتقد من جعله كفرًا، فإن القول بكونه كفرًا قاله طائفة من السلف وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵀.","vol":"19","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>الخلاف في تكفير تارك الصوم والحج</span>\nوأما الصوم والحج فقد ذهب طائفة من السلف إلى أن ترك الصوم كفر، وذهب طائفة من السلف إلى أن ترك الحج كفر، والجماهير من السلف والخلف على أن ترك الصوم وحده أو ترك الحج وحده ليس كفرًا.\nولا شك أن مسألة الإيمان قد حصل فيها خفض ورفع عند كثير من المتأخرين، فصار بعضهم وإن سموا العمل إيمانًا لكنهم لا يجعلونه أصلًا في الإيمان، فلا يكفرون تارك جنس العمل، فمن ترك الصلاة والصيام والزكاة والحج مجتمعة لا يجعلونه كافرًا، وفوق ذلك يقع من بعضهم أنهم يجعلون هذا مذهبًا لسائر السلف.\nولا شك أن هذا من الغلط، إذ كيف يقال إن هذا مذهب لسائر السلف مع شهرة النزاع بين السلف في هذه المباني الأربعة كل على حدة؟! وهذا النزاع المأثور إنما هو في ترك الواحد منها، وأما من جمع تركها فلم ينقل عن أحد من السلف أنه لم ير كفره، ولو أن أصحاب هذا القول قالوا: إن هذا هو أحد القولين لأهل السنة أو لأئمة السلف لكان هذا مما يمكن أن يقع فيه بعض التأويل، لكن أن يقال: إن تركها مجتمعة ليس كفرًا عند السلف، مع أنه قد صرَّح طوائف من السلف بأن ترك الواحد منها يكون كفرًا، كقول جماهيرهم: إن ترك الصلاة كفر، وقول طائفة منهم: ترك الزكاة كفر، إلى غير ذلك؛ فهذا قول لا شك أن فيه شيئًا من الزيادة.\nوقابل هذا القول قول من يقول: ترك الصلاة كفر بالإجماع، وقول من يقول: ترك الزكاة كفر بالإجماع، أو من يقول: ترك الصوم أو الحج كفر بالإجماع.","vol":"19","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>طرق تحصيل مذهب السلف</span>\nوهنا مسألة مهمة وهي: كيف يمكن تحصيل مذهب السلف؟\nوالجواب: أن الطريقة المعتبرة عند المحققين من أرباب السنة والجماعة هي أن مذهب السلف يُعرف بأحد وجهين، واستعمل بعض المتأخرين من متكلمة الصفاتية المعظمين للسنة والجماعة وبعض الفقهاء طريقًا ثالثًا هو الذي يستعمله المعاصرون.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فإن قيل: بمَ يُعرف مذهب السلف، ليعلم أن مذهب السلف الذي يضاف إليهم يكون لازم الاتباع، وإذا قيل في مسألة: إنها مذهب للسلف، فإن معنى هذا أنها من معاقد إجماعهم، وأن هذا من الدين اللازم الذي لا تجوز مخالفته أو الاجتهاد بخلافه، ويكون سائر ما خالفه بدعة.\nثم قال: ومذهبهم على هذا الوجه يُعرف بأحد طريقين:\nالطريق الأول: إما بالنقل المتواتر عن أعيانهم، ولا يُعلم عن أحد من الأعيان ما يخالف هذا النقل.\nبمعنى: أن يستفيض عن أعيان السلف التعبير بجملة، كقولهم مثلًا: الإيمان قول وعمل، وكقولهم: أفعال العباد مخلوقة، وكقولهم: القرآن ليس مخلوقًا، فهذه جمل مستفيضة عن السلف، ولم ينقل عن السلف في ذلك خلاف.\nالطريق الثاني: بذكر علماء الإسلام الكبار -أي: المعتبرين والمحققين- عن شيء من هذه المسائل أنه مذهب للسلف، ولا شك أن هذا الوجه إنما ينتظم إذا لم يُعرف عن أحد من السلف مخالفة لما ذكره بعض الكبار، وإلا صار هذا من التحصيل المظنون، كقول إسحاق: (أجمع الناس من زمان رسول الله إلى زماننا هذا)، ومعلوم أن إسحاق من الأكابر، لكن لم نقل: إن نقله للإجماع قطعي؛ لكون المخالفة قد ظهرت ممن هم أجل كـ الزهري وأمثاله).\nفهذان الطريقان بهما يُعرف مذهب السلف.\nثم قال شيخ الإسلام ﵀: (واستعمل كثير من المنتسبين إلى السنة والجماعة من أصحاب الكلام، وبعض الفقهاء من أصحاب الأئمة طريقًا ثالثًا لتحصيل مذهب السلف، وهو أنهم يعتبرون دلائل الكتاب والسنة، فإذا انتظم عندهم مقام الاستدلال على قول ولزم، جعلوا ما انتظم عليه مقام الاستدلال ولزم مذهبًا للسلف، لكون السلف لا يخرجون عما لزم من دلائل الكتاب والسنة، وهذا مما يمكن أن نعبِّر عنه بأنه تحصيل مذهب السلف بالفهم).\nوكتلخيص لهذه المسألة نقول: إما أن يكون مذهب السلف محصلًا بالنقل، وإما أن يكون محصلًا بالفهم.\nأما تحصيله بالنقل فمن وجهين:\nالوجه الأول: إما النقل المتواتر المستفيض عن أعيانهم، بأن يصرحوا بعبارات تدل على مذهبهم، كما جاء عنهم في مسألة القرآن أو الرؤية أو غيرها، ولا ينقل مع ذلك خلاف عن أحد من أعيانهم.\nالوجه الثاني: بتنصيص العلماء المحققين الكبار أن على هذه المسألة إجماع للسلف، أو أنها مذهب للسلف.\nأما تحصيل مذهب السلف بالفهم: فذلك بأن يجتهد في نصوص الكتاب والسنة، فيرى أن النصوص تحصل مذهبًا واحدًا لا ثاني له، فيرى أن هذا المذهب الذي تحصل باجتهاده هو وحده الممكن في المسألة ولا يمكن غيره فيجعله مذهبًا للسلف؛ لأن الأدلة من الكتاب والسنة لا تدل إلا على هذا القول، والسلف لا يخرجون عن الكتاب والسنة.\nوالتحصيل على هذا الوجه لا شك أنه غلط، ومعلوم أن القول إذا قيل: إنه مذهب للسلف، فمعناه: أن خلافه يكون بدعة.","vol":"19","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>خطأ نسبة المذهب المعين للسلف بمجرد الفهم</span>\nمن فروع الوجه الثالث وهو تحصيل مذهب السلف بطريقة الفهم -وهي طريقة غير مناسبة كما ذكر شيخ الإسلام - أن بعض الناظرين في بعض مسائل فقه الشريعة إذا رجح عندهم قول بما استعملوه من الأدلة النبوية المفصلة قالوا: إن من هدي السلف ذلك، فجعلوا تلك المسألة من المسائل التي يحصل بها تمييز للسلفي من غيره، كمسألة وضع اليدين على الصدر بعد القيام من الركوع، فيجتهد بعض أهل العلم من السلفيين فيجعلون السنة في وضعها، طردًا لحديث سهل بن سعد، ويجتهد آخر فيرى أن السنة في عدم وضعها.\nفلا شك أن كلا الاجتهادين صحيح، ومعنى كونه صحيحًا مع أن الحق في نفس الأمر لا بد أن يكون واحدًا، أن كلا القولين من الأقوال الفقهية الممكنة المعروفة عند الفقهاء، لكن الإشكال أن تُجعل السنة اللازمة السلفية هي أحد الوجهين، فمعناه: أن من ترك وضعهما يكون عند طائفة مخالف لهدي السلف، ومن وضعهما يكون عند الطائفة الأخرى مخالف لهدي السلف.\nولا شك أن هذا منهج غلط؛ لأنه يلزم على ذلك أن كل من اجتهد في مسألة فقهية، فرجح قولًا هو الظاهر عنده من دلائل الكتاب والسنة؛ أن يجعله هو مذهب السلف، ولا تجد إمامًا واحدًا من أئمة السلف في مسائل النزاع التي كانوا يتنازعون فيها يطرد هذه الطريقة، أي: يجعل ما خالف قوله يكون بدعة؛ لأنك إن قلت: إن هذا القول هو قول السلف أو هو المذهب السلفي لزم أن يكون خلافه بدعة.\nفلن تجد أن أحمد كان يعد من خالفه من الفقهاء على بدعة، ولا الشافعي ولا مالكًا ولا أبا حنيفة ولا غيرهم، وإنما تستعمل عبارة: (مذهب السلف) و(الذي عليه أئمتنا) و(الإجماع) إلى غير ذلك في مسائل الأصول، وأما مسائل الفقه المفصلة التي تنازع فيها المتقدمون من السلف، فلا يصح لواحد إذا اختار قولًا من أقوالهم أن يجعله مذهبًا للسلف، وهو يعلم أن بعض أئمة السلف يخالفونه في هذا، وإنما يقول: هو أحد قولي السلف، بل لكون مسائل الفقه المختلف فيها بعيدة عن هذه الإضافة السلفية، ترى أن أكثر تعبيرهم يقع باسم الفقه، فيقولون: اختلف الفقهاء، والذي عليه الفقهاء، وأحد قولي الفقهاء، إلى غير ذلك.","vol":"19","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>منزلة العمل من الإيمان</span>\nقال المصنف عليه ﵀ ﵎: [والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، وأن جميع ما أنزل الله في القرآن وجميع ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان كله حق، والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى].\nهذا الموضع في رسالة الطحاوي ﵀ هو أشد المواضع إشكالًا، وإلا فإن في هذه الرسالة بضعة عشر موضعًا مشكلًا، وليس بالضرورة أن تكون هذه المواضع مما يؤخذ على الطحاوي ﵀ من جهة مقاصده، فإنه في كثير من هذه المواضع يكون مقصوده صحيحًا، وإن كانت عبارته غير مناسبة.\nوهذه المسائل تُعدُّ من مواضع النزاع في بعض مواردها حتى بين أهل السنة والجماعة، وإن كان عامة ما يتنازع فيه المتأخرون من أهل السنة والجماعة من المسائل هي في الجملة محكمة عند السلف.\nولا يلزم من ذلك أن السلف أجمعوا على سائر هذه المسائل، وإنما المقصود أنهم عرفوا قدر المسألة وأحكموها إما من الإجماع وإما من الخلاف، ومعنى هذا: أنه قد يقول بعض المتأخرين من أهل السنة والجماعة عن مسألة إنها من مسائل الإجماع، ويكون الأمر على خلاف ذلك، وقد يقع العكس: كأن تكون المسألة هي من محل الإجماع عند السلف، فيتكلم بعض المتأخرين بما يقرر به أن هذه المسألة من مسائل النزاع، وهذا كله يرجع علاجه إلى حقيقة واحدة وهي: لزوم إحكام مذهب السلف في ذكر هذه المسائل وغيرها.\nالأعمال الظاهرة بإجماع أهل السنة هي أصل في الإيمان، وقول المتقدمين في هذا متواتر كما تقدم.\nوإذا قيل: إن العمل أصل في الإيمان، فإن المراد بذلك أن عدمه يلزم منه عدم الإيمان، ولا يلزم من ذلك أن يكون العمل نفسه ليس أصلًا، فإن المراد بذلك لزوم عدم العمل الظاهر لعدم الإيمان الباطن.","vol":"19","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>امتناع اجتماع الإيمان الباطن مع الكفر الأكبر</span>\nوهذا مبني على مسألة، وهي أن كل من ثبت كفره ظاهرًا في نفس الأمر، لزم أن يكون في الباطن كافرًا؛ لامتناع اجتماع الكفر الأكبر مع شيء من الإيمان الصحيح.\nحتى ولو أريد بالإيمان الأصل، فإنه معلوم أن من كان كافرًا عند الله ﷾ كفرًا أكبر، أنه يمتنع أن يكون معه شيء من الإيمان الصحيح، وهذه من بدائه المسائل المعروفة بأوائل الشرع وأوائل العقل، وهي حقيقة مجمع عليها.\nوهذا بخلاف العلم أو المعرفة القلبية، فإن العلم في سائر موارده لا يلزم أن يكون هو الإيمان الذي بعث الله به رسوله ﷺ، وليس كل وجه من أوجه العلم والمعرفة هو الإيمان الذي يحصل به الاستجابة لله ورسوله ﵌.\nوعليه فإذا قيل: إن العمل أصل في الإيمان وأن تارك العمل مطلقًا يكون كافرًا، لزم من هذا أن يكون كافرًا ظاهرًا وباطنًا، ذلك أن من كان كافرًا ظاهرًا يمتنع أن يكون في الباطن مؤمنًا، ويمتنع أنه يوافي ربه بكفر ظاهر يوجب الخلود في النار، وبإيمان باطن يوجب النجاة من النار، بخلاف من يكون في الباطن كافرًا، فإنه قد يكون في الظاهر على الإسلام، كحال المنافقين الذين أظهروا الإسلام، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: اتفق العلماء على أن المنافقين يدخلون في اسم الإسلام، ولا يدخلون في اسم الإيمان.","vol":"19","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>التلازم بين الظاهر والباطن</span>\nفإذا قيل: كيف يكفر بترك العمل، مع أنه في الباطن مؤمن بالله ورسوله؟\nقيل: ما يقع في الباطن من المعرفة مع ترك العمل، هو من جنس المعرفة التي تعرض لجمهور بني آدم المخالفين للرسل، وليست هي المعرفة النبوية التي سماها الشارع إيمانًا صحيحًا، فهذه الحقيقة التي سماها الإمام ابن تيمية ﵀ بالتلازم بين الظاهر والباطن، لا بد من فقهها، وإن كان بعض الناظرين من أهل السنة في المسألة ينازعون في قدر هذا التلازم، ولكن من المحقق ببداهة الشرع والعقل، أن ثمة تلازمًا باعتبار الأصل، فالكفر الظاهر الذي هو كفر في حكم الله ورسوله لا بد أن يصاحبه في الباطن كفر، ولا يمكن أن يكون شخص في الباطن مؤمنًا إيمانًا صحيحًا، ويكون في الظاهر كافرًا كفرًا على حكم الله ورسوله، فهذه صورة قد يفرضها العقل، وليس لها وجود في الخارج.\nوأما من كان في الباطن كافرًا فقد يظهر ما يظهر من شرائع الإسلام ليحقن دمه وماله وولده، ومما يقرب هذا أنه بإجماع السلف وبصريح القرآن أن بني آدم -كما ذكرهم الله في أوائل سورة البقرة- ثلاثة أصناف، من كان مؤمنًا ظاهرًا وباطنًا، ومن كان كافرًا ظاهرًا وباطنًا، ومن كان في الظاهر مؤمنًا أو مسلمًا وفي الباطن كافرًا.\nوليس ثمة صنف رابع، وهم المؤمنون باطنًا الكفار ظاهرًا إلا في حال واحدة تعرض وليست أصلًا مطردًا، وهي حال الإكراه المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] كما حدث لبعض أصحاب النبي ﵌، وكَسَبِّ بعضهم للرسول ﷺ بين يدي بعض اليهود ليطمأن إليه اليهودي حتى يتمكن من قتله، كقول: عبد الله بن أنيس في الحديث الثابت في الصحيح: (يا رسول الله! ائذن لي فلأقل، قال له النبي ﷺ: قل) فذكر النبي ﷺ بكلامٍ يفارق به الإيمان لو كان قاصدًا له، فهذه حال تعرض كحال الإكراه.","vol":"19","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>هل يقع الإكراه بالفعل</span>؟\nوقد أجمع السلف على أن الإكراه قد يكون بالقول، وتنازعوا في كون الإكراه يقع بالفعل على قولين: فجماهيرهم على أن الإكراه يقع بالفعل كما يقع بالقول، وذهب ابن عباس وطائفة إلى أن الإكراه مختصٌ بالقول، والصحيح هو مذهب جماهيرهم، فهذه حال تعرض وليست حالًا مطردة.","vol":"19","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>النزاع في الكفر هل هو بالعمل نفسه أم بلزومه لكفر الباطن</span>\nوالمؤمن ظاهرًا وباطنًا قد يكون ظالمًا لنفسه، وقد يكون مقتصدًا، وقد يكون سابقًا بالخيرات، وعليه فمن ظن أنه قد يكون كافرًا ظاهرًا، ويحكم عليه بالكفر مع أنه في الباطن مؤمن، فإن هذا لا شك أنه من الغلط.\nثم هنا طرفٌ من النزاع، قد يكون في نظر الكثيرين من النزاع اللفظي وهو: هل الكفر تحقق بالعمل من حيث هو أم تحقق بالعمل من حيث هو لازم لكفر الباطن؟ هذه مسألة من الجدل اللفظي أو من الفرض الذهني، ربما لا يتحقق بها كثير نتيجة.","vol":"19","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>حكم المجتهد بتكفير معين ليس حكمًا قطعيًا</span>\nمن لم يجعل العمل أصلًا في الإيمان، أي: أن عدمه لا يكون كفرًا، معتبرهم في الجملة هو أن هذا المعين يكون معه إيمانٌ في الباطن، ومعلوم أن من صح إيمانه باطنًا امتنع كفره ظاهرًا إلا على وجه من الاجتهاد، وما كان وجهًا من الاجتهاد قد يكون غلطًا كسائر أحكام المجتهدين، أي: أنه قد يحكم بعض المجتهدين من أهل العلم على معينٍ من أهل القبلة لبدعةٍ قالها أو نحو ذلك بالكفر، ويكون في نفس الأمر عند الله ليس بكافر، بل له شبهة أو تأويل أو غير ذلك من الموانع التي منعت كفره.\nويذكر شيخ الإسلام تحت هذا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قالا: (إن رجلًا قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم ذروا نصفي في البر ونصفي في البحر، فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذبني عذابًا لم يعذبه أحدًا من العالمين)، وفي أول الحديث قصة معروفة.\nفالشاهد من هذا أن هذا الرجل قال ما هو كفر بالإجماع، فإنه شك في المعاد، وأنكر عموم القدرة.\nقال شيخ الإسلام: والظاهر من حاله أنه كان مقرًا بأصل المعاد وأصل القدرة، وإنما شك في عموم القدرة وفي المعاد نفسه على هذه الحال، قال: ومع هذا فإن قوله هذا في هاتين المسألتين كفرٌ بالإجماع، ومع ذلك غفر الله له، وهذه واقعة عين، وإنما يُعلم بها أنه قد يكون القول كفرًا في الظاهر، ولا يلزم أن يكون صاحبه في الباطن كافرًا، فمن كفره من المجتهدين إذا فرضنا أنهم قارنوه في عصره، لم يلزم بذلك أن يكون حكمهم هو الحكم الذي يوافي العبد به ربه يوم القيامة.\nفهذا من أخص فقه هذا الباب، وهو العلم بالتلازم بين الظاهر والباطن.\nفالمآل في الآخرة معتبر بما عليه المرء في الحقيقة وفي نفس الأمر، والمراد من ذلك أن أحكام الاجتهاد لا يلزم بالضرورة أن تكون أحكامًا موجبة، وعليه فإذا قيل عن مقالة من المقالات إنها كفر، فكفّر أحدٌ من الأعيان من أهل القبلة من قبل أحد المجتهدين، لم يلزم من ذلك أن نجزم بأن هذا العبد يوافي ربه بالكفر، بل قد يكون على خلاف ذلك، وقد يكون كافرًا في نفس الأمر.\nفهذه مسألة ليس فيها اطراد، أي: ليس هناك تلازم بين الحكم الذي يقوله مجتهدٌ في أحد أعيان المخالفين من أهل البدع في الظاهر، وبين الحكم الذي يكون في الباطن، فإن أهل البدع الذين خالفوا أصول السنة والجماعة بأقوالٍ كفرية -كما يقول شيخ الإسلام - جمهورهم من أهل الإسلام، وفيهم من يكون منافقًا في نفس الأمر.","vol":"19","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>التعبير بـ (جنس العمل) في باب الإيمان</span>\nوقد عبر كثير من المتأخرين في مقام العمل بلفظ الجنس، فقالوا: إن جنس العمل أصل في الإيمان، ومعلوم أن هذا اللفظ ليس لفظًا سلفيًا، أي ليس مأثورًا عن أحدٍ من السلف، ومعلوم أن الجنس في كلام أهل الحد والمنطق ونحوهم يراد به سائر أفراد المعية على كل وجه، وكأنه يلزم من ذلك أنه لو فعل أدنى مستحب من المستحبات الظاهرة، لما سمي تاركًا للجنس، كمن أماط الأذى عن الطريق ولو مرة؛ لأنه داخل في جنس العمل، ولا شك أنه لا يراد بالعمل ذلك، فليس من أتى بواحدٍ من المستحبات صار مؤمنًا، ومن ترك هذا المستحب صار كافرًا، وإنما يراد بالعمل هنا: أصله، الذي هو أصول الشرائع، وأخصها المباني الأربعة، ولهذا فالمباني الأربعة وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج، باعتبار آحادها يوجد نزاع بين السلف في كفر تاركها، وهذا هو القول المحقق في هذه المسألة.","vol":"19","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>الخلاف في تكفير تارك الصلاة</span>\nالخلاف في مسألة الصلاة مشهور، وإن كان أيوب وإسحاق قد حكوا الإجماع على كفر تارك الصلاة، ولكن المحفوظ هو المخالفة، وكذلك قول عبد الله بن شقيق، فإنه ليس مما يُجزم به، وقد كان بعض أهل العلم قالوا: إن ثمة فرقًا بين قول إسحاق وعبد الله بن شقيق، فإن عبد الله بن شقيق كان يحكي إجماع الصحابة، ومكحول والزهري ومالك والشافعي جاءوا بعدهم فلا تكون مخالفتهم خارقة لإجماع الصحابة، كما لم تكن مخالفة حماد بن أبي سليمان خارقةً لإجماع الصحابة.\nوالحق أن التسوية بين المسألتين يعوزها التحقيق، وذلك أن كون الإيمان قولًا وعملًا، أمرٌ مستقر في دلائل الكتاب والسنة، ولكن ليس من المستقر في دلائل الكتاب والسنة المتواترة أن ترك الصلاة كفر، بل إذا نظرت في دلائل القرآن لم تجد أن الله ذكر الصلاة وحدها وسمى تركها كفرًا، وسائر ما يستدل به الحنابلة ومن استدل من المتقدمين من أهل الحديث على المسألة هو مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]، وفي السياق الآخر: ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]، إلى أمثال ذلك، ومعلوم أن الاستدلال بهذا يقع على أحد وجهين:\nالأول: أن يراد بالتوبة هنا التوبة من أصل الكفر، مع الإتيان بالعمل، ولا شك أن هذا هو الذي يقع به الإسلام بالإجماع.\nالثاني: أن يراد أن كل ما ذكر في الآية فإنه يكون تركه كفرًا، فيلزم من ذلك أن يكون تارك الزكاة كافرًا، فمن جعل الآية دليلًا على أن ترك الصلاة وحدها كفرٌ لزمه أن يجعلَ ترك الزكاة وحدها كفرًا.\nولا يصح هنا أن يقال: إن الزكاة خرجت بدليل آخر، فإن الدليل هنا خاص، والخاص لا يمكن أن يعارضه خاصٌ مثله، فيلزم من هذا أن يكون الاستدلال بالآية ليس جازمًا أو قاطعًا، ولا يعني أيضًا أن الاستدلال بالآية المذكورة في سورة براءة ونحوها من الآيات غلط، بل يُراد أنه ليس استدلالًا صريحًا بينًا جازمًا يبعث على أن يقال: إن الصحابة كانوا آخذين بصريح القرآن وصريح السنة.\nوأما قوله ﵌: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)، فهو أظهر في الاستدلال من الاستدلال بالقرآن، فإن النبي ﵊ ذكر الكفر معرفًا، وجعل الصلاة هي الفاصل بين الشرك والكفر وبين الإيمان والإسلام، ولهذا فإن الأظهر في الاستدلال على كفر تارك الصلاة هي دلائل السنة.\nولأجل هذا يقال: إن الراجح في مسألة تارك الصلاة أنه كافر بظاهر السنة، وبما يستدل به من القرآن، وبظاهر مذهب الصحابة، فإنه لم يصح عن صحابي من الصحابة أنه جعل ترك الصلاة ليس كفرًا، وهذا قد يسمى إجماعًا سكوتيًا، وجمهور ما يستدل به الفقهاء من الإجماعات في المسائل المفصلة هي من الإجماعات السكوتية، والإجماع السكوتي يكون حجةً ظنية، كما قرر المحققون كـ شيخ الإسلام وأمثاله.\nإذا تحقق أن ترك الصلاة كفر عند الجمهور من أهل الحديث، وأنه ظاهر الكتاب والسنة، وظاهر مذهب الصحابة، فيبقى أن القول الآخر قاله طائفة من أهل العلم المعتبرين ولا يصح أن يكون هذا القول بدعةً وضلالًا، ومعلوم أن الزهري أعلم بآثار الصحابة وبإجماع أهل الحديث من عبد الله بن شقيق، وإن كان ابن شقيق أقرب حالًا منه من جهة الزمن والتاريخ، ولكن لو كان في المسألة إجماع لما خفي على الزهري وأمثاله.","vol":"19","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>الفرق بين الجمهور وبين المرجئة في عدم تكفير تارك الصلاة من جهة الاستدلال</span>\nوهنا مسألة: وهي أن من لم يكفر تارك الصلاة على قسمين: منهم من لم يكفر تارك الصلاة، لكون الدلائل عنده لم تقم على كفره، ومنهم من لم يكفر تارك الصلاة لكونه لا يرى أن العمل يدخل في مسمى الإيمان، كما هي طريقة مرجئة الفقهاء، وهذا فرق معتبر، فمن جعل تارك الصلاة غير كافر لعدم ثبوت الدلائل الموجبة لكفره عنده، فهذا قول مأثور ولا يجوز تسميته بدعة، وإن كان مرجوحًا.\nوأما من جعل تارك الصلاة ليس كافرًا، وموجب ذلك عنده أن العمل ليس داخلًا في مسمى الإيمان، والصلاة من آحاده، فلا شك أن هذا الموجب بدعة، بإجماع السلف، وبهذا كان يُعلِل طوائف من المرجئة أن ترك الصلاة ليس كفرًا، ولكن لا يجوز بحال أن يقال: إن من لم يكفر تارك الصلاة، فقد دخل عليه قول المرجئة، أو أنه تأثر بهم، أو أخذ بلوازم أقوالهم، أو غير ذلك من الإطلاقات والأقوال التي ليس عليها تحقيق.\nوكيف يقال عن الزهري وأمثاله: إنه على مثل هذا الوجه، مع أن الزهري من أشد الناس كلامًا في الإرجاء وذمه، بل إنه لما ذكر أحاديث فضل التوحيد كقوله ﷺ في حديث عثمان في الصحيح: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة)، وأمثاله من الأدلة التي قال ﵊ فيها: إن الكلمتين أو إن الشهادة توجب دخول الجنة كان جوابه عن هذه الأحاديث: إنها أحاديث قالها الرسول ﷺ قبل نزول الفرائض.\nوكل هذا يريد به الزهري ﵀ المباعدة عن مذهئ المرجئة، وإلا فلا شك أن التوجيه لهذه الأحاديث ليس كذلك؛ لأن النبي ﷺ كان يحدث بهذه الأحاديث في المدينة النبوية، بعد نزول الفرائض، فجوابه ليس محكمًا، ولكنه يُذكر ليعرف به أن الزهري كان من أبعد الناس عن الإرجاء، ومن أكثرهم ذمًا له، حتى قال في هذا النوع من الأحاديث والآثار ما قال بموجب المباعدة عن الإرجاء وأهله.","vol":"19","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>حكم تارك المباني الأربعة</span>\nالمأثور عن الأئمة في المباني الأربعة من الخلاف في كون تركها كفرًا أو ليس كفرًا هو باعتبار آحادها، فمن لم يكفر تارك الصلاة، لم يلزم من ذلك أنه يرى أن من جمع ترك الصلاة مع الزكاة مع الصوم مع الحج، لا يكون عنده كافرًا.\nفمن حكى عن الشافعي أو مالك أن من ترك المباني الأربعة مجتمعة لا يكون كافرًا، ومعتبره في ذلك أن مالكًا والشافعي لا يكفرون تارك الصلاة؛ فقد غلط، فإن حكم الواحد يختلف عن حكم المجموع، وبإجماع العقلاء وأهل الحقيقة الشرعية، أن من ترك الصلاة وحدها في الإثم والغلط ليس كمن تركها وجمع مع ذلك ترك الزكاة والصوم والحج، فإن هذه حال مختلفة، ويعلم بهذا التنازع في آحاد المباني الأربعة غلط من يقول: بأن من ترك المباني الأربعة مجتمعة لا يكون كافرًا بإجماع السلف، فإن هذا الإجماع ما قاله أحدٌ من السلف البتة.\nومن كفر تارك الصلاة وهم الجماهير من أهل الحديث، فلا بد أنهم يكفرون تارك المباني الأربعة مجتمعة، ويكون القول بأن ترك المباني الأربعة مجتمعة كفر، هو قول الجماهير من أهل السنة والحديث على أقل تقدير، والقول الآخر لو صح -ولا أقول: إنه مأثور عن السلف- وهو أن ترك المباني الأربعة مجتمعة ليس كفرًا؛ لكان أحد القولين للمتقدمين، ولكان قول الجماهير على خلافه.\nفعلى هذا: فقول من يقول بأن من ترك العمل كله، أو بما يعبر عنه بجنس العمل، فإنه في مذهب السلف لا يكون كافرًا؛ هذا لا شك أنه ممتنع من حيث النقل المجرد، وإلا فلا شك أن الصواب أن ترك المباني الأربعة مجتمعة مع أصول الشرائع كفر بإجماع السلف.\nوقد كان السلف يعدون القول بعدم تكفير تارك المباني الأربعة مع أصول الشرائع من مقالات المرجئة، قال إسحاق كما ثبت عنه بسند صحيح عند الخلال وغيره: (غلت المرجئة حتى كان من قولهم: إن من ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج وعامة الفرائض من غير جحود لها لا نكفره إذ هو مقر) ومن فقه إسحاق أنه ما ذكر مسألة المستحبات.\nوالإشكال عندهم أنهم يقولون: كيف نكفره وهو مقر في الباطن مؤمن، والجواب: أنه إذا كفر ظاهرًا في نفس الأمر، لزم أن يكون في الباطن كافرًا.\nقال إسحاق: (فهؤلاء الذين لا شك عندي أنهم مرجئة)، ويقارب قوله قول لـ سفيان بن عيينة ﵀، وقد حكى الآجري وأبو عبد الله بن بطة، والإمام ابن تيمية الإجماع على هذا المعنى، وهو: أن من هجر أصول الشرائع فما ركع لله ركعة ولا سجد له سجدة، ولا صام يومًا ولا أتى البيت ولا طاف طوافًا، وهجر أصول الشرائع الواجبة مع وجود الإرادة والقدرة، أن هذا لا يكون إلا عن كفرٍ في الباطن، وهذا ما صرح به شيخ الإسلام ﵀.\nوأما المنازع في أحد المباني الأربعة فما كان السلف يعدونه مرجئًا، ولا عليه أثر الإرجاء كانت المنازعة معروفة، والصحيح من مذاهبهم، وهو المحقق في مذهب الإمام أحمد ﵀، أن العبد لا يكفر بترك واحد من المباني الأربعة إلا الصلاة، وأما غيرها كالزكاة والصوم والحج، فضلًا عما دونها من الواجبات والشرائع، فلا شك أن تركها ليس كفرًا.","vol":"19","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>الحكم بغير ما أنزل الله وحكمه</span>\nويذكر كثير من أهل العلم في هذا المقام مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، وهي مسألة طويلة، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] فإن للسلف في هذا تفسيرين:\nالأول: أنه كفرٌ دون كفر، والثاني: بأنه الكفر المفارق للإيمان، فترى أن طوائف من السلف قالوا: هو كفرٌ دون كفر، وترى أن طوائف من السلف جعلوه كفر الملة المفارق للإيمان.\nوهذا أيضًا من الإشكالات التي يقع فيها بعض المعاصرين، فتجد من ينتصر انتصارًا مطلقًا للقول بأن هذه المسألة من باب الكفر دون كفر، ويدعي إجماع السلف على ذلك، وتجد من ينتصر للقول بأنها من الكفر الأكبر مطلقًا، وربما غلَّط سائر الروايات المأثورة عن ابن عباس وأصحابه من جهة إسنادها، أو أعلها، أو غير ذلك من الطرق التي يستعلمها من ينتصر لترجيح أن هذه المسألة من الكفر البين المخرج من الملة.\nوالصواب: أن كلا التفسيرين مأثورٌ عن السلف، والإسناد الذي ذكره ابن جرير وغيره عن ابن عباس وإن كان فيه كلام، لكن هذا من الأقوال الشائعة المعروفة عن ابن عباس، وقد كان الإمام أحمد والبخاري يذكرون في تفسير هذه الآية في مسائلهم وكتبهم أنه كفرٌ دون كفر، ويسندون ذلك إلى ابن عباس، مما يدل على أنه قول شائع عند السلف ومنهم ابن عباس وأصحابه، وإذا ضعف إسناد أو تكلم في إسناد بعينه، لم يلزم أن يكون القول المأثور عن ابن عباس في سائر موارده كذلك.\nفالمحصل: أن كلا القولين مأثور عن السلف، وليس ذلك من اختلاف التناقض والتضاد، وإنّما من باب أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرًا دون كفر، وقد يكون كفرًا أكبر، وذلك يرجع إلى حال المسألة وصورتها، بل ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن ما يسمى كذلك في كلام الفقهاء وغيرهم قد يكون معصيةً، وقد يكون كبيرةً، وقد يكون كفرًا دون كفر، وقد يكون كفرًا مخرجًا من الملة، مع أن سائر هذه الصور الأربع تسمى حكمًا بغير ما أنزل الله.\nوبيان ذلك: أن القاضي لو قضى في رجل وجب عليه حد السرقة بقطع يده، فلم يَقطع يده وإنما اكتفى بجلده لموجب عرض له، فإن مثل هذا عند السلف ليس هو الكفر المخرج من الملة، بل يكون هذا من الكبائر ونحو ذلك، وبعض الصور قد تكون فوق ذلك.\nفهذه مسألة من الفقه لا يستعجل فيها، ولا ينبغي أن يخفض فيها ولا يرفع الناظر المبتدئ من طلبة العلم بحكمٍ قولي فضلًا عن حكم فعلي، بأن يتقحم شيئًا من الأفعال بناءً على قاعدةٍ أو نظرٍ رآه في كون هذا من الكفر المخرج من الملة، فإن الأصل في المسلمين هو الإسلام، ومن أظهر الإسلام وأظهر أصول الشرائع كالأذان والإِقامة والنّسك إلى بيت الله ﷾ ونحو ذلك؛ فإن هؤلاء لا يزالون على الإسلام، ولا يصح أن يتقحّم عليهم بحال إلا إذا تحقق كفرهم بمقتضيات الشريعة ولوازمها على ما يعلمه من آتاه الله علمًا وفقهًا في شرع الله ﷾.","vol":"19","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>أصل الإيمان في القلب</span>\nمن المسائل أيضًا: مسألة قد يتردد فيها البعض من المتأخرين، وربما أطلق البعض أنها من أثر الإرجاء، وليست كذلك، وهي أن من أصول السلف أن أصل الإيمان في القلب، وهذا باتفاق السلف، وهو يرجع إلى مسألة التلازم بين الظاهر والباطن.\nوإذا قيل أصل الإيمان في القلب، فمعنى هذا أن العمل الظاهر من حيث هو ليس إيمانًا، وإن كان إذا فعله العبد مجردًا عن التصديق في الباطن قد يحصل به نجاته في مسألة الأحكام الدنيوية، ولهذا كان المنافقون يصلون ويظهرون بعض الشرائع، فكان ذلك موجبًا لحقن دمائهم ونحو ذلك.\nولهذا قال شيخ الإسلام: (والمنافقون زمن النبوة مع أنهم كفارٌ في الباطن، كان الأصل فيهم تحريم الدماء، وكانوا يتوارثون مع المسلمين، إلى غير ذلك من الأحكام)؛ فالأعمال الظاهرة مبنية على الباطن، وعليه فيقال: إن الإيمان أصله في القلب.\nوهذا صريح في كلام الله وكلام رسوله ﷺ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، وللسلف في هذا قولان: فمنهم من قال: إنهم قالوا: (آمنا)، فنهاهم سبحانه وقال: (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا): أي استسلمنا خوف القتل، وكان البخاري وطائفة يذهبون إلى أن هؤلاء الأعراب من أهل النفاق، وأنهم استسلموا خوف القتل، فمنع الله ﷾ أن يقولوا: (آمنا) وقال: (قُولُوا أَسْلَمْنَا)؛ لأن لفظ الإسلام إذا أطلق يدخل فيه المنافق.\nولكن الجماهير من السلف يقولون: إن هؤلاء الأعراب من أهل الإيمان، أي: أن معهم أصل الإيمان، وأنهم مسلمون ظاهرًا وباطنًا وليسوا منافقين، لكن الإيمان لا يضاف إلا لمن استقامت حاله ظاهرًا وباطنًا على الإطلاق، ولهذا قال النبي لـ سعد: (أو مسلم)، عندما كان يقول: (أعط فلانًا فإنه مؤمن)، مع أن معه أصل الإيمان.","vol":"19","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>الفرق بين الإيمان والإسلام</span>\nوعن التفسير الذي ذكره البخاري ﵀، قال بعض الشراح كـ ابن حجر وغيره بأن البخاري يذهب إلى أن الإيمان والإسلام سواء، وأنه لا فرق بين الإيمان والإسلام، وهي مسألة نزاعٍ بين أهل السنة، وجمهور النزاع فيها نزاعٌ لفظي أو من نزاع التنوع، ولكن نُسب إلى البخاري وسفيان الثوري أنهم يقولون: إن الإيمان والإسلام سواء، وهذا القول لم يثبت عن الإمام البخاري ﵀ أنه صرح به، وإنما فُهم من تبويب ذكره في صحيحه، فإنه قال: (باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام خوف القتل) وذكر قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات:١٤]، وذكر حديث سعد: (أعط فلانًا فإنه مؤمن، فقال النبي: أو مسلم)، قال: فإذا كان على الحقيقة فهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، ففهم من ترجمته ﵀، أنه يرى أن الإيمان والإسلام سواء، وكذلك فهم من تفسيره.\nولا شك أن الأمر ليس كذلك، فلم يعرف عن أحدٍ من السلف أنه سوى بين الإيمان والإسلام، والدلالة الشرعية بينة في أن منزلة الإيمان أعظم من منزلة الإسلام، بل إن ابن كثير والسمعاني وجماعة ذكروا إجماع أهل السنة على أن الإيمان والإسلام ليسا على درجةٍ واحدة، بل درجة الإيمان أخص، بل ذكر ابن كثير أن التسوية بينهما هي من أقوال المعتزلة.\nوعلى كل حال فعامة السلف على أن الإيمان والإسلام ليسا على درجة واحدة، بل الإيمان أخص وأولى، وإن كان كل ما كان إسلامًا صحيحًا، فلا بد أنه معه إيمان، وأما إظهار الإسلام الذي يعرض لبعض المنافقين، فلا شك أنه متجردٌ عن الإيمان.","vol":"19","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>شرح العقيدة الطحاوية [٢٠]</span>\nمن المسائل التي حصل فيها خلاف كبير بين الطوائف المنتسبة للإسلام: مسألة الإيمان، فقد تكلمت فيها كثير من الطوائف بكلام مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وهدى الله أهل السنة والجماعة إلى القول الحق في هذه المسألة، فقالوا: إن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأهله فيه متفاضلون.\nوأهل السنة مع ذلك لا يتسرعون في الحكم على المخالف لمجرد مخالفته؛ بل إن هناك أصولًا وقواعد يسيرون عليها عند حكمهم على أهل البدع والمقالات المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.","vol":"20","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>قواعد الحكم على المقالات البدعية</span>\nهناك قواعد في الحكم على المقالات البدعية التي ابتدعها من ابتدعها من المخالفين لإجماع السلف، فعند النظر في هذه المقالات وأربابها ينبغي أن تُعتبر بعض القواعد.","vol":"20","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>القاعدة الأولى: لا يلزم من كون المقالة كفرًا أن يكفر قائلها</span>\nفمن القواعد في ذلك: أن كون المقالة كفرًا لا يلزم منه أن يكون القائل كافرًا، وهذه الجملة قد حكى شيخ الإسلام ﵀ الإجماع عليها، كما في بعض رسائله، ولكن يقع في فقهها بعض الغلط، حتى تجد بعض من يتكلم من طلاب العلم، فيقول: كان السلف لا يكفرون الأعيان.\nولا شك أن هذا غلط، فإن القول إذا قيل: إنه كفر، فمعناه أن الأصل فيمن قاله أن يكون كافرًا، وإنما امتنع كفره لمانع، وعليه فمن رتب على هذه الجملة المجمع عليها أن السلف كانوا لا يكفرون الأعيان فقد غلط، بل لا شك أن من ثبت كفره لزم أن يسمى كافرًا، ومعلوم أن المسلمين يكفرون اليهود والنصارى وأمثالهم من أهل الشرك والكفر والإلحاد.\nوأما أهل القبلة الذين قالوا مقالات كفرية، كمقالات من قال في الصفات وغيرها؛ فإن هذا المقالات تسمى كفرًا، ولكن القائل بها لما كان مظهرًا للصلاة والشعائر الظاهرة لا يكفر إلا إذا علم أن الحجة قد قامت عليه؛ لأنه إذا أصر فإن كفره لا يكون إلا عن نفاق في الظاهر، ويكون في الباطن كافرًا، وعليه: فإن الأقوال تنقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: من المقالات ما يعلم أنها كفر ابتداءً، كمن قال: إن الله لا يعلم ما سيكون، تعالى الله عن ذلك، فهذا قول لا يقوله إلا كافر، وكمن سب الله وسب رسوله ﷺ، فإن هذا لا يكون إلا كافرًا.\nالقسم الثاني: كالقول بخلق القرآن، وإنكار الرؤية، فهي كفرٌ في نفس الأمر، لكن قائلها لا يكون كافرًا إلا إذا علم أن الحجة قامت عليه.","vol":"20","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>القاعدة الثانية: الذي يُكفَّر من أهل الشرائع الظاهرة لا يكون إلا منافقًا</span>\nومن القواعد التي وذكرها شيخ الإسلام أن قال: إن الواحد من أهل الصلاة لا يكون كافرًا في نفس الأمر إلا إذا كان ما يظهره من الصلاة ونحوها على جهة النفاق، وهذا يرجع إلى التقسيم المذكور في القرآن، من أن الناس إما منافق، وإما مؤمن ظاهرًا وباطنًا، وإما كافر ظاهرًا وباطنًا، قال: (فإذا كُفّر أحد أعيان أهل البدع المظهرين للصلاة ونحوها، فإن هذا لا بد أن يكون منافقًا، قال: ولهذا كان بعض أئمة السنة المتقدمين، إذا كفروا واحدًا من هؤلاء سموه زنديقًا، والزنديق هو المنافق في لسان الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإن كان اسم الزنديق استعمل فيما هو أوسع من ذلك، كمن صرح بالردة والإلحاد وأظهر ذلك، فإن مثل هذا يسمى في كلام الفقهاء زنديقًا، ولهذا اختلفوا في قبول توبته وعدمه).","vol":"20","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>القاعدة الثالثة: في بيان من هو المعذور بالخطأ</span>\nأما القاعدة الثالثة: فهي ما ذكره شيخ الإسلام في في أكثر من موضع، ومنها في درء التعارض: أن كل من أراد الحق واجتهد في طلبه من جهة الرسول ﷺ، فأخطأه فإن خطأه مغفورٌ له، وهذه لها ثلاثة شروط:\nالشرط الأول: أن يريد الحق: فمن لم يرد الحق في هذه الأبواب -كأبواب الصفات- وإنما أراد الباطل؛ فإنه يكون كافرًا.\nالشرط الثاني: أن يجتهد في طلبه: أي في تحصيله، فمن عدم الاجتهاد وإنما قال بالخرص والظن فإنه لا يعذر.\nالشرط الثالث: أن يطلب الحق من جهة الرسول ﷺ: فمن طلب الحق من جهة غيره، كاليهود والنصارى وأمثالهم لم يعذر، فمن الأحبار والرهبان من يزعمون أنهم يطلبون الحق، ولكن طلبهم للحق واقع من غير جهته ﷺ، فلا يعتبر طلبه وإرادته.\nقال شيخ الإسلام: (وأهل البدع من أهل القبلة في الجملة هم مريدون للحق مجتهدون في طلبه من جهة الرسول، ولكنهم في هذه المقامات الثلاثة مقصرون:\nفإنهم في مقام الإرادة يعرض لهم من الانتصار لأقوالهم وأقوال أئمتهم ما ينقص مقام الإرادة.\nوفي مقام الاجتهاد يعرض لهم من الاشتغال بالطرق العقلية وأمثالها ما ينقص مقام الاجتهاد.\nوفي مقام الاتباع للرسول ﷺ يعرض لهم من الموجبات الكلامية وغيرها ما يؤخر مقام الاستدلال عندهم بكلام الله ورسوله.\nقال: فمن صاحبه حال من التقصير فهو من الظالمين لأنفسهم، وهذه حال عامة أهل البدع، وإن كان يقع فيهم من هو من الزنادقة الكفار، وإن كانوا في الظاهر مسلمين، وهذا يقع في بعض أهل البدع من الجهمية وغيرهم، قال: وقد كفّر السلف بعض أعيانهم، ولا يلزم أن من كان كافرًا في نفس الأمر من أهل البدع أن يكون السلف قد علموه أو قد عينوا كفره، بل قد يكون ليس معلومًا كما كان طرف وأعيان من المنافقين زمن النبوة ليسوا معلومين لجماهير الصحابة، وربما لم يشتغلوا بتعيين كفره لأنهم مشتغلون عن هذه المجادلة وهذا الخوض بتقرير الحق وغير ذلك).","vol":"20","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>القاعدة الرابعة: لا بد من مراعاة درجة المخالفة وسببها</span>\nوهي مما ينبغي الاعتناء به: وذلك أنه إذا نُظر في مقالة وقائلها فإنه يعتبر في هذه المقالة والقائل بعض المعتبرات:\nالأول: النظر في حال المقالة عند السلف، ودرجة مخالفة هذه المسألة لمذهب السلف.\nالثاني: أن ينظر في موجب هذه المقالة عند صاحبها.\nفمثلًا: من نفى صفة قد يشترك هو وبعض أهل البدع في نفيها، لكن موجب النفي أهل البدع شيء، وموجب النفي عنده شيء آخر، كالحال التي عرضت لـ ابن خزيمة وبعض أهل العلم في بعض مسائل الصفات كمسألة إثبات الصورة، فمثل هؤلاء لا يخرجون عن مسمى السنة والجماعة، وإن كان الإمام أحمد لما سُئل عن حديث: (خلق الله آدم على صورته) قالوا: يا أبا عبد الله: إن قومًا يقولون على صورة آدم أو على صورة المضروب .. إلخ، قال الإمام أحمد: هذا قول الجهمية.\nفمع قول الإمام أحمد فيمن منع تفسير حديث الصورة بما هو معروف عن السلف أنه قول الجهمية، فلا يلزم من هذا أن يكون ابن خزيمة جهميًا، ومثله قول الإمام أحمد: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ونسب للبخاري أنه يقول ذلك، وقصته مع الذهلي مشهورة، فلا يجوز بحال أن يقال: إن البخاري جهمي، فهذا كلامٌ لا يقوله إلا ساقط الفقه، وعليه أن ينفقه في هذا الباب موجبات المقالات.\nوإنما كان السلف يقصدون بالتجهم والكفر وأمثال ذلك من الإغلاظ، مَنْ كان موجب هذه المقالات عنده أصولًا من الغلط البين، وعلامته أن يطرد على أصوله الفاسدة، وأما من كانت حاله على السنة والجماعة في الجملة، فإنه قد يقع في كلامه من الأقوال البدعية التي تكون مخالفةً للإجماع، بل قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى في المجلد التاسع عشر: (وكثيرٌ من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، لكنهم لم يعلموا أنها من البدعة المخالفة لسنة الرسول ﵌، بل كانوا يظنون أنهم موافقون للسنة، فمثل هؤلاء لا شك أنهم معذورون).\nوحتى في مقالات الجهمية الكُفرية، يقول: (ومع هذا فهذه المقالات الكفرية تعرض لبعض أهل الإيمان فيقولها، ويكون عند الله مؤمنًا ظاهرًا وباطنًا، ويكون قوله هذا غلطًا قد يغفره الله له).","vol":"20","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>حكم سب الله ورسوله</span>\nأحيانًا تقع الإشكالات عند بعض المعاصرين في مسائل بينة، كمسألة سب الله أو سب نبيه، يكثر بعضهم من الجدل والخوض الذي لا معنى له في مسألة شرط الاعتقاد أو عدم شرط الاعتقاد، وهذا كله قدرٌ من التكلف.\nومعلوم أن سب الله أو سب رسوله ﵊ كفرٌ بإجماع المسلمين، ولكن من الغلط أن يُقال: إن من لم يكفّر من سب الله أو سب نبيه فهو على قول المرجئة؛ لأن المرجئة كانوا يكفرون بذلك، وقد حكى أبو المعالي الجويني -وهو من المرجئة الأشعرية- والرازي وغيرهما إجماع المسلمين على أن هذا كفر، وليس هناك أحدٌ في المسلمين يخالف ذلك.\nوإنما قد يقع بعض الإشكال في بعض الصور التي يتردد فيها في مسألة ثبوت العلم عند القائل في كون الكلام من السب مثلًا، أو في كون هذا هو القرآن، أو نحو ذلك على صورٍ يفرضها من يفرضها في بعض أحوال الجدل أو المناظرة أو المباحثة؛ فهذه مسائل لا ينبغي كثرة شغل الناس بها؛ لأنها مسائل محكمة، ومعلومٌ أن من نطق عاقلًا فسب الله أو سب رسوله ﷺ؛ أنه يكون كافرًا ولا بد.\nوأما إذا كان في حالٍ من الإغماء أو في حال من فقد العقل، أو غير ذلك من الصور التي تعرض؛ فمن البدهي في العقل والشرع أن مثل هذه الأحوال لا يؤاخذ بها العبد، فإن الكفر لا يكون إلا على قدرٍ من التكليف المصاحب لحال العبد عند وقوعه، أو عند الحكم به عليه.","vol":"20","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>التعبير بأن العمل شرط صحة في الإيمان</span>\nيقول البعض: إن العمل شرط صحة في الإيمان.\nولا شك أنها من التعبيرات المتأخرة، وأن الأولى تركها، لأن الشرط إذا اعتبر في الاصطلاح كان خارجًا عن ماهية المشروط وإن كان ملازمًا له، كأن تقول: إن من شروط الصلاة الطهارة مثلًا، فإنه من صلى بغير طهارة فلا شك أن صلاته تكون باطلة، كما قال ﷺ: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، فهذا من باب هل هذا داخل في الماهية أم أنه ملازمٌ للماهية.\nوشيخ الإسلام أشار إلى أن هذه مسألة فيها طرف من النزاع، والصواب أن بعض الدلائل تدل على أن العمل لازم وشرط، وبعض الدلائل تدل على أن العمل داخل في الماهية، والقول بأن التعبير بالركن أولى لأن الركن داخل في الماهية، قول حسن، والأولى إذا ذكر مذهب السلف، أن تستعمل التعبيرات المأثورة عن السلف، فعند الكلام على الإيمان نترك استعمال لفظ الجنس ولفظ الركن ولفظ الشرط.","vol":"20","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>الفرق بين مذهب المعتزلة ومذهب السلف في الإيمان</span>\nبعد أن تقرر أن العمل أصلٌ في الإيمان، استشكل بعض الشراح الفرق بين مذهب أهل السنة والمعتزلة عند من يقول بأن العمل أصلٌ في الإيمان، فنقول:\nالفرق بَيِّن، وذلك من جهة أن المعتزلة فضلًا عن الخوارج، يلتزمون أن الواحد من الواجبات يكون تركه موجبًا لعدم الإيمان، إما بالكفر عند الخوارج، وإما بالفسق المطلق عند المعتزلة، أما السلف فإنهم يخالفونهم في ذلك، ويجعلون الأصل في الواجبات الظاهرة أن ترك الواحد منها ليس كفرًا ولا يوجب عدم الإيمان، ولم يتنازعوا في الواجبات الظاهرة إلا في المباني الأربعة على الخلاف المتقدم، فهذا هو جهة الفرق.\nوأما من فرق بينهما فقال: إن المعتزلة يجعلون العمل أصلًا في الإيمان، وأهل السنة أو السلف يجعلون العمل ليس أصلًا، فلا شك أن هذا غلط، وإنما الفرق باعتبار الآحاد، وأما باعتبار الأصل فإن السلف مجمعون على أن من ترك سائر العمل مطلقًا مع وجود الإرادة والقدرة فإنه يكون كافرًا.\nولا يعترض على هذا بأن يقال: رجل قال: لا إله إلا الله ثم مات، فإن قلتم: إنه مات مسلمًا لزم أن العمل ليس أصلًا في الإيمان.\nولا شك أن هذا إذا نظرته نظرًا عقليًا مجردًا وجدت أنه ليس له قوة، لأنك إذا قلت: إن العمل ليس أصلًا في الإيمان، قلنا: فما حكمه؟ فإن قلت: واجب، من تركه يكون آثمًا يوافي ربه بالإثم، قيل لك: فهل من قال: لا إله إلا الله ومات -على قول من يقول: إن العمل ليس أصلًا في الإيمان- يوافي ربه بالإثم؟\nفالجواب: أنه لا أحد يلتزم بهذا.\nويقال: العمل أصل إذا تركه مع وجود الإرادة والقدرة، أي: أنه يشترط تحقق الاستطاعة وتحقق القدرة، وهذا هو الأصل في سائر أحكام التكليف الشرعية.","vol":"20","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>أصل مقالات المخالفين للسلف في الإيمان واحد</span>\nقال: [والإيمان واحد]، يقول شيخ الإسلام ﵀: (البدعة التي تفرعت عنها سائر مقالات المخالفين للسلف في مسمى الإيمان هي بدعة واحدة، وهي اعتقادهم أن الإيمان واحدٍ لا يزيد ولا ينقص، قال: فالخوارج والمعتزلة يجعلونه القول والعمل، ويجعلونه واحدًا، فترك الواحد من الواجبات يوجب عندهم بطلان سائر العمل والقول، والمرجئة يجعلون الإيمان هو التصديق، أو يقول بعضهم: التصديق مع القول، ثم يجعلونه واحدًا، ويكون ما عداه من الإسلام أو التقوى أو البر أو غير ذلك).","vol":"20","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>أقوال المخالفين للسلف متحدة في الأصول مختلفة في النتائج</span>\nوهذا يجرنا إلى الكلام عن مسألة في موجبات البدع وأصولها، ففي مسائل الإيمان والقدر والصفات، تجد أن الطوائف المخالفة للسلف طوائف كثيرة، وتجد أنها أيضًا طوائف متضادة، كالمشبهة مع المعطلة، والقدرية مع الجبرية، والمرجئة مع الخوارج والمعتزلة، ومع هذا فإنك إذا اعتبرت التحقيق، فإن أصول هذه البدع مع تضاد نتائجها هي أصول واحدة، فمثلًا في مسألة الصفات: تجد أن المشبهة كـ هشام بن الحكم وداود الجواربي، وأئمة التجسيم كـ محمد بن كرام، وأئمة المعتزلة نفاة الصفات، ومتكلمة الصفاتية كـ ابن كلاب والأشعري والماتريدي، كل هؤلاء مع تضاد نتائجهم أو اختلافها يعتبرون مبنىً أساسًا في قولهم في مسألة الصفات، وهو دليل الأعراض، فمذهب المعتزلة يعتبرونه نتيجة لدليل الأعراض، والمشبهة يعتبرون مذهبهم نتيجة لدليل الأعراض، والأشاعرة يجعلون مذهبهم نتيجة لدليل الأعراض، والماتريدية كذلك، وإذا نظرت في كتب هذه الطوائف، وجدت أنهم يستدلون بدليل الأعراض، فإن قيل: فكيف تحصل بدليل واحدٍ هذه النتائج المتضادة أو المختلفة على أقل تقدير؟\nقيل: هذا يرجع إلى أحد موجبين:\nالموجب الأول: هو الخلاف في بعض المقدمات، مثلًا الصفات أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم .. إلخ.\nجاءت المعتزلة فجعلت العرض ما يقابل الجوهر، وعن هذا قالوا بنفي سائر الصفات، وجاء الأشعري وقبله ابن كلاب فقال: والعرض هو ما يعرض ويزول ولا يبقى زمانين، وعن هذا ترى أن ابن كلاب والأشعري والماتريدي التزموا نفي الصفات الفعلية التي سموها الحوادث، وأما أصول الصفات فهي عندهم ثابتة على خلاف بينهم؛ لكونها لا تسمى أعراضًا، لأن حد العرض عندهم ما يعرض ويزول.\nوهذا كله تكلف، إذ بأي عقل وبأي نظام وبأي منطق وبأي قانون لزم أن العرض هو ما يزول ولا يبقى زمنين، إنما هو نوع من الحد لا أقل ولا أكثر، وهو من التحكم على لغة المنطق، لأنه حدٌ على غير موجب.\nالموجب الثاني: من جهة اللوازم، فمثلًا: الإشكال القائم بين نظرية الجبر ونظرية القدر، كنظرية فلسفية هو إشكال واحد، وهو أن الأثر لا يصدر عن مؤثرين، وهذا ليس كلامًا فلسفيًا يقوله ابن سينا أو غيره فقط، بل يقوله أيضًا الغزالي والرازي، وأبو المعالي الجويني، فضلًا عن أئمة المعتزلة.\nفقالت الجبرية: المؤثر هو الله، وشاركهم في هذا في الجملة الكسبية من الأشعرية ونحوهم، وقالت القدرية: المؤثر هو العبد.\nوقد تقدم في مسائل القدر التعليق على أن متكلمة القدرية يختلفون عمن قال بأن أفعال العباد ليست مخلوقة من بعض رجال الرواية والإسناد، فإن من قال ذلك من بعض رجال الرواية الذين قال الإمام أحمد فيهم: (لو تركنا الرواية عن القدرية تركناها عن أكثر أهل البصرة) لم يكن موجب المقالة عنده هو الموجب عند أبي الهذيل العلاف أو واصل بن عطاء من المعتزلة، بل الموجب مختلف، مع أن المقالة قد تكون في الجملة مقالة واحدة، وإذا التزمت تفصيل النتائج، وجدت أن النتائج يلحقها قدرٌ من الاختلاف.\nفالقانون الذي يعتمده المتكلمون قانون عقلي، والحقيقة أنه رأي فلسفي لا أقل ولا أكثر، وهو مبني على قياس الله بخلقه، وهو قياسٌ فاسد بإجماع المسلمين، أنه لا تكون للعبد إرادة ومشيئة على الحقيقة، لأن الله هو الخالق لفعل العبد، ولم يفقهوا الفرق بين كونه خالقًا وكونه فاعلًا، فلا أحد من السلف يقول: إن الله هو الفاعل لأفعال العباد بل الأفعال أفعال العبد، ولكن الله هو الخالق.","vol":"20","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>اعتماد المتكلمين على العقل دون السمع</span>\nثم بعد هذا تأتي المعتزلة تبحث في دلائل القرآن فتجد قوله تعالى: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، فيقولون: هذا دليل على خلق القرآن، ويأتون لمسألة الرؤية فيتمسكون بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فيقولون: هذا دليل عدم رؤية الله، مع أن هاتين الآيتين ليستا هما الموجب للمذهب، ومثلهم الأشاعرة لما نفوا الصفات الفعلية، فإنه لم يكن الموجب لذلك دليلًا من القرآن، وقد صرح بذلك الرازي فقال: (اتفق أصحابنا أن نفي حلول الحوادث ليس معلومًا بالسمع، بل ظاهر السمع عليه، ولهذا اشتغل أصحابنا إما بتأويله أو تفويضه، واستدلوا بدلائل العقل، قال: والصواب، هو الدليل المركب من السمع والعقل).\nثم أتى بدليل زعم أنه هو النهاية، واستعمله الأشاعرة إلى عصرنا هذا في مختصراتهم، ويرون أنه هو الدليل القاطع المحكم، وهو دليل من نظره بأدنى عقل، عرف أنه دليل ساقط في العقل، فضلًا عن كونه ساقطًا في الشرع، فإنه قال: إن هذا النوع من الصفات، إما أن يكون كمالًا وإما أن يكون نقصًا، فإن كان نقصًا فالله منزه عن النقص، فلزم أن يكون إذا أثبت كمالًا قال: وإذا كان كمالًا، فإنه حادث، فيلزم أن يكون هذا الكمال فات من قبل، وفوات الكمال نقصٌ والله منزه عن النقص بالإجماع.\nوالإجماع هو مقصوده بالدليل السمعي.\nولا شك أن هذا دليل ساقط حتى في العقل، فمثلًا: ﴿وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، يقول: إذا كان كلام الله لموسى كمالًا، لزم أن يكون هذا الكمال فاته قبل خلق موسى، وفوات الكمال نقص، والله منزه عن النقص بالإجماع.\nومن أخص أغلاط الرازي أنه يزعم أن تنزيه الله ﷾ عن النقص علم بالإجماع، والصحيح أنه معلوم بالعقل ومعلوم بالشرع الذي هو والكتاب والسنة والإجماع، مع أن تنزيه الله ﷾ عن النقص معلوم بالعقل قبل ورود الشرع.\nثم استدلال الرازي عنه جوابات، ومن بدهي الجواب أن يعارض الرازي بنفس الحال فيقال له: الأرض محدثة بعد أن لم تكن، والله هو الخالق لها بإجماع المسلمين وجماهير بني آدم، فخلقه لها كمالٌ أو نقص؟ إن قال: نقص فقد كفر، وإذا قال: إنه كمال، لزم على قاعدته أن يكون الكمال فاته من قبل، وما يقوله في الأفعال اللازمة المتعلقة بقدرته ومشيئته، يقال في الأفعال المتعدية كخلق السماوات والأرض ونحو ذلك، ثم إن ما كان حادثًا وهو تكليمه لموسى امتنع أن يكون قديمًا، وما كان ممتنعًا لم يكن عدمه نقصًا، لأن الكمال والنقص متعلق بمسائل الإمكان والوجود.","vol":"20","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>تفاوت أهل الإيمان في أصل الإيمان</span>\nقوله: [وأهله في أصله سواء]، يقال: بل أهله في أصله مختلفون، حتى لو سلمنا جدلًا أن الإيمان هو التصديق، فإن التصديق يتفاضل، وبهذا تعلم أن التفاضل عند أهل السنة والجماعة في الإيمان ليس مقصورًا على الأعمال الظاهرة، بل التفاضل بالأعمال الظاهرة، وبالأعمال الباطنة، وبالتصديق نفسه، كما صرح به الإمام أحمد، وهو إجماع للسلف خلافًا لـ ابن حزم.","vol":"20","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>التعبير بالتفاضل وبالزيادة والنقص في الإيمان عند السلف</span>\nوقد عبر الجمهور من السلف بأن الإيمان يزيد وينقص، وعبر ابن المبارك وبعض المتقدمين بأن الإيمان يتفاضل، والإمام مالك ﵀ يقول: الإيمان يزيد وينقص، وفي بعض جواباته يقول: الإيمان يزيد.\nويسكت عن ذكر لفظ النقص، وقد ذكر بعض المالكية وبعض الشراح من المتأخرين أن لـ مالك في مسألة نقص الإيمان قولين:\nالقول الأول: أنه ينقص.\nالقول الثاني: أنه لا ينقص، وهذا غلط على مالك، بل مالك ﵀ تارةً يقول: يزيد وينقص، وتارةً يقول: يزيد، ثم يسكت أو ويتوقف عن لفظ النقصان، ومعلوم أن من أقر بزيادة الإيمان، لزمه بضرورة العقل فضلًا عن الشرع أن يقر بنقصه، ولهذا ترى أن السلف أطبقوا على أن الإيمان يزيد وينقص مع أن النقص لم يذكر في القرآن، بل ليس في القرآن إلا لفظ الزيادة.\nوقد قيل للإمام أحمد: (يا أبا عبد الله، الإيمان يزيد وينقص؟ قال: نعم.\nقيل: فأين هو في كتاب الله؟ قال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦]، قيل: وينقص.\nقال: إذا كان يزيد فإنه ينقص)، وعليه فمن حكى عن مالك أنه ينفي نقص الإيمان ولو في أحد قوليه، فحكايته غلط، بل سكت في مقام لحكمة أو لمعنىً مختص.\nقال شيخ الإسلام: (ولعله كان في بعض مناظراته أو جواباته للمرجئة، فترك اللفظ الذي لم يذكر في القرآن إغلاقًا لباب الجدل)، أي: فإن مالكًا ﵀ كان من أكثر الأئمة بُعدًا عن الجدل والخوض في ذلك، فتكلم بالألفاظ المحكمة التي لا يتمكن سائل من أن يقول له: ما دليلك على لفظ النقص.\nوأما في السنة فإن الأمر كذلك، فلم يرد لفظ النقص إلا في مثل قوله ﷺ كما في الصحيح: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أغلب للب الرجل منكن)، وإن كان النقص المذكور هنا ليس هو النقص المراد الذي هو بترك المأمور أو بفعل المحظور ونحوه، وإنما هو نقص من حيث الأصل في العقل وفي الدين على ما فسره ﷺ بكونها تمكث الليالي لا تصلي إلى آخره، ولكن استدل به طوائف من أهل السنة على نقص الإيمان، وذلك أن النبي ﷺ إذا جعل الدين ينقص بما قُدّر في حكم الله وقضائه الكوني وإسقاطه الشرعي، فلأن يكون من تفريط العبد من باب أولى، فهذا استدلال حسن وهذه المسألة مسألة محكمة عند السلف وهي: زيادة الإيمان ونقصانه في موارده الأربعة.","vol":"20","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>زيادة الإيمان عند المرجئة والمعتزلة</span>\nقال: [والتفاضل بينهم بالخشية والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى] نعم هم يتفاضلون من هذه الأوجه، لكنهم أيضًا يتفاضلون باعتبار الإيمان نفسه.\nوعامة الطوائف بزيادة الإيمان حتى المرجئة والمعتزلة، ولكنهم يقصدون بالزيادة صورًا هي في نفس الأمر من الزيادة الشرعية، ويقصرون الزيادة عليها، فيقولون يزيد الإيمان بكثرة الأدلة، فمن علم مسألة من الشريعة بدليل فليس إيمانه بها كمن عرفها بخمسة أدلة، ويقولون: ويزيد بالاستمرار فإن التعاقب من زيادة الإيمان.\nفنقول: هذا يسلم أنه من أوجه زيادة الإيمان، لكن قصر زيادة الإيمان على هذه الأوجه هو المخالف لإجماع السلف، وإلا فإن كثيرًا من الصور التي يذكرها هؤلاء تكون صورًا صحيحة، وإن كانوا يذكرون صورًا هي مبنية على أصول باطلة.","vol":"20","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>بيان قول أبي الحسن الأشعري في الإيمان</span>\nمحصل قول أبي الحسن الأشعري في مسمى الإيمان، أن الإيمان عنده هو التصديق، وهذا الذي ذكره الأشعري في اللمع وذكره جماهير أصحابه وانتصروا له، كالقاضي أبي بكر بن الطيب في التمهيد، وكـ أبي المعالي ومحمد بن عمر الرازي وغيرهم، وهذا هو الذي عليه جماهير الأشعرية، يحكونه مذهبًا لـ أبي الحسن، وقد نص عليه أبو الحسن في كثير من كتبه، وإن كان طائفة من الأشاعرة قد مالوا عن هذا القول إلى قول مرجئة الفقهاء.\nوقد صرح بعض الأشعرية كصاحب المواقف بأن مذهبهم أن الإيمان هو التصديق، وأن مذهب أهل الأثر أنه قول وعمل، فكان قول أئمة السلف معروفًا عند كثير من علماء الأشاعرة، وأبو الحسن نفسه في مقالات الإسلاميين لما ذكر أقوال الناس ذكر قول أهل السنة والحديث في مسائل أصول الدين على طريقة من الإجمال، وفي آخر ما ذكر من مذهب أهل السنة والحديث، قال: إنه بكل ما يقولون نقول، فذكر أنه يقول بسائر الجمل التي ذكرها عن أهل السنة والحديث، ولكن علم أبي الحسن الأشعري بمقالة السلف كان علمًا مجملًا.\nولا أدل على ذلك من أنه في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين) ذكر قول المعتزلة في مسائل الدين كالصفات والقدر، والأسماء والأحكام وغيرها، بطريقة مفصلة عن أعيان المعتزلة، فذكر الفرق بين أبي هاشم وأبي علي أبيه، وذكر الفرق بين النظام والعلاف، وذكر أقوال أئمة المعتزلة والفرق بين البصريين والبغداديين من المعتزلة، لكن لما جاء إلى قول أهل السنة والحديث جعله في سياق مجمل لا يتجاوز الصفحتين أو الثلاث، مع أن مذهب المعتزلة أخذ من كتاب المقالات حيزًا كبيرًا؛ فهذا دليل على أن علمه بالاعتزال ومقالات المعتزلة كان علمًا مفصلًا لأنه كان معتزليًا، بل كان علمه واسعًا في غير مذهب المعتزلة كمقالات المرجئة ومقالات الشيعة والخوارج، بخلاف علمه بمقالات أهل السنة والحديث.\nوذلك لأنه لما كان معتزليًا ما كان ملتفتًا إلى مذهب السلف، وكان على طريقة شيوخه كـ أبي علي الجبائي وغيره، يسمون مذهب السلف: الحشوية والنابتة، .. إلخ، ولا يلتفتون إلى تفصيله وحقائقه، فلما رجع أخذ هذا المذهب مجملًا عن بعض حنبلية بغداد، وصار يذكره في كتبه، ويقول: إنه يقول به، وإنه ينتمي إلى أهل السنة والحديث.\nومن بين الجمل التي ذكر في المقالات أنه يقول بها: أن الإيمان قول وعمل، فهذا يخرج على أحد طريقين:\nالأول: أن يقال: إن الأشعري كان له في مسألة الإيمان قولان، القول الأول: أنه التصديق، والقول الثاني: أنه قول وعمل، وهو قول أهل السنة والحديث، وهذه طريقة يلجأ إليها كثير ممن تكلم في مذهب أبي الحسن.\nوربما قال بعضهم: إنه كان يقول بأنه التصديق، ثم رجع وقال بأنه قول وعمل، ويجعلون هذا رجوعًا، لكون الأشعري عندهم رجع إلى قول أهل السنة والحديث في آخر عمره.\nوهذه الطريقة غير صحيحة، فليس القول بأن الإيمان هو التصديق هو قوله القديم، بل قوله القديم هو قول الاعتزال، والمعتزلة يقولون: إن الإيمان قول وعمل، وكان يقول: إنه لا يزيد ولا ينقص على طريقة المعتزلة المعروفة، والمذهب الثاني: أن الأشعري يرى أن الإيمان هو التصديق.\nوأما طريقة السلف فهو يتأولها، كما أنه ذكر عبارات توافق مذهب السلف، ولما أراد التفصيل تأول كلامهم إلى ما لا يتعارض مع مذهبه، وهذا الذي جعل بعض الباحثين يقولون بأن الأشعري رجع في مسألة الصفات الفعلية، وليس الأمر كذلك، فإن الأشعري أحيانًا يقول: ونؤمن بأن الله مستوٍ على العرش كما ذكره الله، ونؤمن بنزوله كما حدث بذلك رسول الله ﷺ، فهو يؤمن بالنزول كحديث؛ لأنه يرى أن أئمة السنة والحديث ذكروا حديث النزول وصححوه، فهو يصحح هذا الحديث لكنه لو سئل عن تفصيل معناه لتأوله.\nولما كان أبو الحسن معتزليًا لم يكن يقبل الحديث أصلًا، فلما تأثر بأهل السنة وانتسب إليهم، فرأى أنهم يصححون حديث النزول مثلًا، فصار يذكره ويصححه ويستعمله، لكنه إذا أراد تفسيره فسره بما لا يعارض قوله في مسائل الصفات الفعلية، فالقصد أن هذا الوجه هو الأقوى، وأعني أن الأشعري يتأول قول السلف، ولهذا فعامة الأشاعرة من بعده يطبقون على أن مذهب أبي الحسن هو أن الإيمان هو التصديق، وأما قول السلف فإنه يذكره ولكن يتأوله، وقد ذكر شيخ الإسلام أن طائفة المتكلمة الصفاتية يذكرون قول السلف في الإيمان ويتأولونه بما لا يعارض قولهم بأنه التصديق، وهذا هو محصل قول أبي الحسن، ولا يقال إنه قول الجهم بن صفوان كما فهم البعض، بل يقال: إنه قول ينزع إلى قول جهم بن صفوان؛ لأن جهمًا يقول: إن الإيمان هو العلم والمعرفة، والأشعري يقول بأنه التصديق، فبين القولين فرق وإن كان بينهما نوع من التشابه.","vol":"20","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>ضبط الخلاف في مسائل الإيمان وعدم التجاوز فيها</span>\nمما ينبغي التنبه له: أنه كما يجب الاعتناء بمعرفة مذهب السلف في باب الإيمان، ألا تتحول بعض الفروع الذي يقع الخلاف فيها بين السلفيين أنفسهم إلى نوع من الاختصاص الذي ما كان السلف يجعلونه اختصاصًا، ويُقصد بهذا أنه من غير السائغ شرعًا أن يقع الخلاف بين السلفيين أنفسهم في مسائل قد لا تكون عند السلف من الأصول الموجبة للمخالفة، بل يجب أن يكون هناك اتفاق، فإن المذهب السلفي قائم على أصل عظيم وهو الاجتماع، وهو من أخص أصول السلف ﵏، ولهذا ينبغي حسم مادة الخلاف قدر المستطاع، إلا في المسائل التي هي خلاف بين السلف، ومع ذلك فإن مثل هذا الخلاف لا ينبغي أن يكون موجبًا للتفريق، وأما الخلاف الذي يقع به التفريق والتضاد، فإنه غير موجود في مذهب السلف؛ لأن السلف في مثل هذه المسائل مجتمعون على قول واحد، فلا بد أن قولهم في مسمى الإيمان، مثلًا قول واحد.\nأما المسائل التي قد تكون من محال نزاعهم، ككفر تارك الصلاة، أو كفر تارك الزكاة، فهذه مسائل لا ينبغي التشديد فيها، سواء فرض أن السلف أجمعوا على كفر تارك الصلاة، أو أجمعوا على عدم كفره، وهذا التنبيه لا يقصد به بأي حال من الأحوال التعليق على مقالات بعض الأعيان من المعاصرين، إنما المقصود أن تقرر الحقائق العلمية، وهذا هو المنهج الذي ينبغي أن يكون عند طالب العلم، وهو أن يقرر الحقائق العلمية الشرعية، وألا يلتفت إلى مسألة الأعيان قدر المستطاع، وإلا فقد يقول ببعض الأقوال أناسٌ لهم قدر وإمامة وعلم، ولكن يقع في كلامهم ما هو من مورد الإشكال، وقد يقولون قولًا مجملًا لا بد فيه من التفصيل.\nوخصوصًا ما قد يقع فيه البعض من طلاب العلم، الذين يقررون مسألة الإيمان والعمل، وأنه أصل، وربما قرروا أن ترك الصلاة كفر بالإجماع، ثم اشتدوا في هذا التقرير، وأكثروا من التعليق أو الاعتراض على الأقوال التي قررها الشيخ الألباني ﵀، ولا شك أن مثل تلك المبالغات غير صحيحة، خاصة عندما يصف بعض المتعجلين إمامًا كالشيخ الألباني بأنه مرجئ، فهذا غلط صريح، وما كان السلف ﵏ يعدون حماد بن أبي سليمان مبتدعًا على الإطلاق، مع أن الشيخ الألباني ﵀ ما كان يقول بقول حماد بن أبي سليمان وأمثاله من الفقهاء، بل يجعل العمل داخلًا في مسمى الإيمان وله تقرير حسن في مسائل الإيمان معروف، ولكن بعض التفاصيل قد يكون فيها نوع من الخلاف بين الشيخ الألباني ﵀ وغيره، وربما يقال في بعض المسائل: إن تقريره فيها ليس مناسبًا على الإطلاق.\nولكن مع هذا كله فإنه يجب أن يحفظ لهذا الإمام العالم قدره وأن تحفظ له إمامته، وأن يحفظ له أيضًا مقامه في السنة، وإمامته السلفية العالية، ودرجته في علم الحديث بوجه خاص، وسائر علوم الشريعة بوجه عام، وفقهه ﵀ في هذا مشهور، فبعض الأقوال التي قالها إذا كانت محل تعقب أو منها ما هو محل تعقب، فإنه ينبغي أن يتعقب على طريقة الأدب وعلى طريقة التنبيه، وأن لا يُفتات على هذا الإمام وهذا العالم في كلام لا يناسب مقامه، فإنه بإجماع علماء عصره إمام من أئمة السلفية، بل هو أخص أئمة السلفية في كثيرٍ من الأقطار الإسلامية، فله مقام معروف ينبغي حفظه واعتباره.\nوكذلك من ينتصر لأقواله ﵀، ينبغي أن يكون مترفقًا وأن لا يشقق على أقواله ولوازم أقواله أقوالًا قد تضاف إليه أو قد يضيفها من يضيفها إليه، ولا يكون الشيخ ﵀ رحمةً واسعة قد نطق بها وصرح بها، فمثل هذه المسائل لا ينبغي ربطها بواحدٍ من الأعيان، لا بسماحة الإمام الشيخ الألباني ﵀، ولا بغيره من أهل العلم المعاصرين، وإنما تُربط هذه المسائل الشرعية إذا ذكرت بأصولها من الدلائل المذكورة في كلام الله أو كلام رسوله أو كلام السلف ﵏، وإذا وقع أحد من الأعيان الكبار في الغلط، فإنه لا ينبغي أن يكون ذلك موجبًا أو مسوغًا للاستطالة أو التعنيف أو الإضافات البدعية أو نحو ذلك من الكلام الذي قد يقال.\nولا يفهم من هذا التعليق أن الحقائق العلمية لا تقرر، فالحقائق العلمية الشرعية التي تظهر من كلام الأئمة ﵏ يجب أن تقرر حتى وإن خالفت الشيخ الألباني أو غيره من الشيوخ والعلماء، لكن مع هذا فإن مثل هذه المخالفة ينبغي أن تقرر على طريقة الأدب والاعتذار والاستدلال، وليس على طريقة الذم والتجريح، أو إطلاق الأقوال بالتبديع أو التضليل، أو الإخراج عن السنة والجماعة، فإذا كان الشيخ الألباني ﵀ ليس على طريقة سنية، أو ليس سلفيًا فمن يكون السلفيّ إذًا؟!\nفهذا كلام يجب تركه، ولا يجوز لأحد أن يستطيل على أحدٍ من آحاد خلق الله، فضلًا عن أئمة العلم والدين والتقوى والعبادة الذين ندر وجودهم في مثل هذا الزمن، كالشيخ ﵀ وأمثاله، وكسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، ونحن نعلم أنهما قد اختلفا في بعض هذه المسائل، ومن المسائل التي كانا يختلفان فيها مسألة مسمى الإيمان، ومع هذا فإنا نعلم أن هذين الإمامين العالمين عليهما رحمة الله أعظم أئمة السلفية في هذا العصر بلا إشكال، وما معهما من الإمامة والفقه والعلم يجب حفظه واعتباره، ويجب الاقتداء بما قرروه من العلم والتقوى والإيمان والورع الذي قل كثيرًا في الناس اليوم، ونسأل الله ﷾ أن يرحمهما رحمةً واسعة.\nوالأئمة ﵏، قرروا مسائل كانت تخالف قول كثير من الصحابة ﵃، بل قرروا مسائل قد كانت تخالف قول أبي بكر، أو قول عمر، أو قول علي، أو قول ابن عباس وغيرهم، وما كان هذا مستنكرًا، وينبغي لطالب العلم أن يكون لديه استعدادٌ لتقبل ما دل عليه الدليل مهما خالف من يحبه أو ينتصر له الألباني ﵀، أو لغيره فإن الحقائق الشرعية يجب أن تكون هي الأساس.\nفمثلًا: لو قام في المسجد رجل عامي يقول: من أكل لحم الإبل فإنه يجب عليه الوضوء، فقوله هذا على خلاف قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، إلا أن الصحيح عند أحمد أنه ناقض، فيجب أن تقبل هذا القول وإن كان مخالفًا للأئمة الثلاثة، والمقصود أنه قد يقول قائل من آحاد الناس وربما من عامتهم أقوالًا ويقر عليها، مع أنها تخالف أئمة كبارًا كـ مالك وأحمد والشافعي وأبي حنيفة، وعلى طالب العلم ألا يكون ضيق الأفق، ولا يكون انتصاره لإمام أو لعالم ملزمًا في سائر الفروع والمسائل، فإن هذا هو الاقتداء المذموم الذي كان المتقدمون من السلف ومن يقتدي بهم كسماحة الإمام الألباني ﵀ وغيره يذمونه.\nولا ينبغي لمن يذم التمذهب لـ مالك أو للشافعي أو لـ أحمد أن يقع فيما هو مثله أو أبعد منه في تعصبه لبعض الأعيان من المعاصرين، بل المقصود هو الانتصار لقول الله ﷾ وقول رسوله ﷺ، وما أجمع عليه السلف.","vol":"20","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>شرح العقيدة الطحاوية [٢١]</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة: أنهم يوالون عباد الله المؤمنين، ويرون أن الناس في الولاية متفاضلون، فمن حقق الإيمان كاملًا كانت له الولاية الكاملة المطلقة، ومن ارتكب بعض الذنوب والمعاصي كانت له الولاية بحسب إيمانه وتقواه لربه سبحانه.\nويعتقدون أن أركان الإيمان هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.","vol":"21","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>ثبوت الولاية لجميع المؤمنين</span>\nقال المصنف ﵀: [والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن].\nبعد ما ذكر المصنف ﵀ مسألة الإيمان ومسماه، وتبين ما في كلامه في هذا الموضع من الإشكال، ألحق بهذه المسألة بعض المسائل المتعلقة بهذا الباب، فقال: (والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن)، أما على إطلاق الإيمان فإن الأمر كذلك، فإنه إذا ذكر المؤمنون وأريد بهم أهل الإيمان المطلق الذين ذكرهم الله ﷾ في قوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ الله لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] فإن الأمر كذلك، سواء كان هذا متعلقًا بجملتهم أو متعلقًا بأعيانهم.\nوأما إذا أريد بالإيمان ما ذكره الطحاوي ﵀ أنه الإقرار والتصديق، أو على قول العامة من السلف بأن أصل الإيمان لا يستلزم البراءة من الكبائر، خلافًا للخوارج، فإن مرتكب الكبيرة على هذا الوجه لا يسمى وليًا بإطلاق، وليس معنى هذا أنه بريء من الولاية، أو لا ولاية له ألبتة، بل محصل درجة الولاية أن يقال: إنها فرع عن إيمان العبد، فبقدر إيمانه تكون ولايته، وإذا صح بإجماع السلف أن مرتكب الكبيرة معه أصل الإيمان، فلا بد أن يكون معه قدر من ولاية الله ﷾، وتكون ولايته بحسب إيمانه، وقد تقرر أن مرتكب الكبيرة لا يسمى مؤمنًا على الإطلاق، ولكن يسمى في بعض المقامات مسلمًا، ويسمى في بعض المقامات فاسقًا، ويسمى في بعض المقامات مؤمنًا، كالفاسق في مقام العتق فإنه يدخل في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢].","vol":"21","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>أهل الإيمان المطلق هم أهل الولاية المطلقة</span>\nوإذا كان مرتكب الكبيرة لا يسمى وليًا بإطلاق، لم يلزم من هذا نفي مقام الولاية عنه من كل وجه، وفي سائر الموارد، فتكون النتيجة أن مسألة الولاية تبع لمسألة الإيمان، فمن سمي مؤمنًا على الإطلاق -وهم السابقون بالخيرات- فهم أولياء على الإطلاق في أي في عامة مقاماتهم وأحوالهم.\nفتقول مثلًا: إن أبا بكر مؤمن وإنه ولي من أولياء الله، سواء كان هذا في مقام الأحكام، أو في مقام الثناء، أو في أي مقام من المقامات، لأن حاله رضي الله تعالى عنه كانت كذلك، أي أنه من السابقين للخيرات، ومثل ذلك إذا قلت عن عمر أو عثمان أو علي ونحوهم من الصحابة، وأعيان الأئمة.","vol":"21","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>أهل الكبائر لهم قدر من الولاية بحسب إيمانهم</span>\nوأما الآحاد من المسلمين فضلًا عن أهل الكبائر المظهرين لكبائرهم، فإنهم لا يسمون مؤمنين في سائر المقامات، ولا سيما المقامات التي لم يصوب ﵊ التسمية فيها كمقام الشهادة والتزكية، وذلك لأنه يقع فيهم من الظلم لأنفسهم، أو الظلم لغيرهم، سواء وصل هذا إلى منزلة الفسق أو لم يصل، وليس من سمي وليًا في مقام يلزم أن يسمى وليًا في سائر المقامات.\nوعليه فإن الفساق وهم من أهل الملة أهل الكبائر، معهم من الولاية بقدر ما يثبت لهم من الإيمان، فمقام الولاية يزيد وينقص كما أن مقام الإيمان يزيد وينقص، ومنه ما هو مطلق ومنه ما هو مقيد.","vol":"21","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>أركان الإيمان والتقيد بالعدِّ النبوي فيها</span>\nقال: [والإيمان: هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وحلوه ومره من الله ﷾].\nهنا مسألة: وهي أن النبي ﷺ إذا ذكر الإيمان أو ذكر الإسلام أو غيرها من الأصول، فجعلها أركانًا بالعدد، كما في قوله ﵊ من حديث ابن عمر: (بني الإسلام على خمس ..)، فمن السنة اللازمة ألا يعبر بأن الإسلام بني على غير ذلك.\nوهذا يقع من بعض المتأخرين، كقول من قال: إن الإسلام بني على خمس، وزاد معها سادسًا، وهو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم علل تعليلات كثيرة، ومنها أدلة من الشريعة، أن هذه الأمة هي أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن هذا أصل في الإسلام، وأنه سياج الدين، إلى غير ذلك، وكل هذا الكلام لا إشكال فيه، لكن ما دام أن النبي ﷺ قال: (بني الإسلام على خمس)، فإن من عدم الأدب معه أن يقال: إن الإسلام بني على ست أو إن أركان الإسلام ستة، حتى ولو كان المزيد أصل بإجماع أهل العلم، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوعليه: فلما ذكر النبي ﷺ: (أن الإيمان: هو أن تؤمن بالله وملائكته ...) الحديث، وذكر الإيمان في حديث عبد القيس وفسره بما فسر به الإسلام، فإن هذه من السنن المقتفاة، فإذا قيل: ما هو الإيمان؟ قيل: الإيمان هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه .. إلخ.\nوإذا قيل: ما الإسلام؟ قيل: هو: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة .. إلخ.","vol":"21","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>خطأ من تجاوز العَد النبوي للأركان</span>\nفالاقتفاء أصل في هذه الأحرف النبوية، ولذا فإن من يزيد شيئًا من ذلك، على جهة العدد الصريح المخالف لعدده أو لحده أو لذكره ﷺ، يقع في غلط من وجهين، الأول: من جهة أنه خالف الاعتبار الشرعي، والثاني: من جهة أنه خالف اللفظ الشرعي أنه لم يفقه ذلك، وإلا فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل في شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهو داخل في إقام الصلاة، فإن النبي ﷺ قال: (وإقام الصلاة)، وإقامتها يستلزم التواصي بها، وكذلك إيتاء الزكاة، إلى غير ذلك.\nفليس ركن من هذه الأركان إلا وهو يتضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه مسألة مما ينبغي الوقوف عندها.","vol":"21","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>الفرق بين الإسلام والإيمان</span>\nوهذه الأركان التي ذكرها النبي ﵊، وجعلها هي الإيمان، استدل بها المرجئة على أن الإيمان في القلب، وأنه لا يكون في الظاهر، وأن العمل ليس إيمانًا، قالوا: لأن النبي ﷺ لما ذكر الإيمان جعل مورده القلب، ولما ذكر الإسلام جعل مورده الأعمال الظاهرة.\nوهذه مسألة الفرق بين الإسلام والإيمان، وقد اختلف فيها السلف اختلافًا لفظيًا أو اختلاف تنوع، وقد تقدم أن مذهب عامة السلف، إلا ما حكي عن البخاري والثوري: أن الإيمان أخص، والسند عن الثوري لا يصح كما ذكره ابن رجب، وكذلك البخاري إنما حُصِّل مذهبه بالفهم.\nولهذا يقال: إن المستقر عند السلف وهو ظاهر الكتاب والسنة، أن الإيمان أخص، واستدل من المرجئة على كون الإسلام أفضل، بأن الأنبياء سألوا الإسلام، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨] قالوا: فدل على أن الإسلام أفضل.\nواستدل من استدل على التسوية بينهما، بمثل قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦]، قالوا: هذا يدل على أن الإيمان والإسلام سواء.\nولا شك أن سائر هذه الأدلة لا تدل على ذلك، فإن الإسلام الذي سأله إبراهيم وإسماعيل، لا شك أنه الاستسلام لله، والانقياد له ظاهرًا وباطنًا، وهو الدين الذي ذكره الله بقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وما قال أحد من السلف إن الإسلام ظاهر لا باطن له، فإن الظاهر الذي لا باطن معه هو النفاق، وإذا سمي إسلامًا في بعض المقامات، فإنه يراد به الاستسلام الذي يمنع القتل ويمنع عدم إجراء الأحكام الظاهرة على صاحبه، وإلا فإن الإسلام الشرعي الذي امتدح الله ﷾ أهله، كقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، إلى غير ذلك، لا بد له من باطن.\nومعلوم أن الأعمال الظاهرة التي ذكرها ﷺ بقوله: (الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ..) الحديث، مبنية على الباطن، كما أن لها ظاهرًا، فمن قال: لا إله إلا الله، ولم يرد بذلك التوحيد والبراءة من الشرك، فإن شهادته لا تنفعه عند الله بإجماع المسلمين، ومثله من قال: إن محمدًا رسول الله، ولم يكن ذلك صدقًا من قلبه، فإنه شهادته لا تنفعه، ومثله من صلى أو أدى الزكاة نفاقًا، فإن مثل هذا العمل لا ينفعه بالإجماع وبصريح الكتاب والسنة، والمقصود من هذا أن الإسلام الذي هو دين الله ﷾، له ظاهر وباطن بالإجماع، وإذا كان الإسلام ظاهرًا لا باطن معه، فإنه النفاق الأكبر الذي ذكر الله كفر أهله في كتابه.\nوعليه: فإن الإسلام المطلق يتضمن الإيمان، ولهذا دعا به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كمثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨].\nوأما قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦] فإنه دليل على أن الإيمان أخص، وليس دليلًا على التسوية.\nووجه ذلك: أن الله ﷾ قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥] فلما ذكر الإيمان، ذكره في مقام المخرجين، أي أن الذين أخرجوا منها هم فقط أهل الإيمان، ولا شك أن الذين خرجوا جميعهم من أهل الإيمان ظاهرًا وباطنًا.\nثم قال: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦] لأن هذا البيت فيه امرأة لوط، وامرأة لوط مسلمة في الظاهر كافرة في الباطن، ولهذا قال: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦] فسماهم مسلمين لأن فيهم من هو منافق، وهي امرأة لوط ﵊.\nقال شيخ الإسلام: (وأقوى ما استدل به من سوى بين الإسلام والإيمان من المتأخرين، هذا السياق من القرآن، قال: وهو عند التحقيق يدل على التفريق، أو على أن مقام الإيمان أخص، فإن المخرجين لم يكن معهم امرأة لوط، كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف:٨٣]، ولهذا لما ذكرهم الله سماهم مؤمنين، وأهل البيت سماهم مسلمين؛ لأن المرأة فيهم وهي منافقة)، وهذا استدلال متين وتحقيق بيَّن.\nوهذه الأركان التي ذكرها النبي ﷺ كل ركن منها قد يتضمن غيره أو يستلزمه، فإذا قلت: إن الإيمان بالله يتضمن أو يستلزم الإيمان بالملائكة، وكتبه .. إلخ، كان هذا صحيحًا، ولهذا فإن سائر موارد الشريعة وأحكامها الظاهرة والباطنة تعود إلى هذا التفسير.","vol":"21","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>العلاقة بين الإسلام والإيمان</span>\nمن قال إن النبي فسر الإيمان بالأعمال الباطنة، وهذا يدل على أن العمل ليس داخلًا في مسمى الإيمان، قيل: هذا غلط من وجهين:\nالوجه الأول: أن النبي ﷺ ذكر هذا في مقام ذكر الإسلام معه، فإن هذا جاء في حديث جبريل، وإذا ذُكر الإيمان والإسلام، ذكر الإيمان بأخص مقاماته، وهو القلب، وتقدم أن من أصول السلف أن الإيمان أصله في القلب، ولما ذكر الإسلام معه جعل الإسلام في الأعمال الظاهرة، لأن المنافق يسمى مسلمًا، ولهذا لما ذكر الإيمان وحده في حديث عبد القيس ولم يذكر معه الإسلام، فسر الإيمان بالأعمال الظاهرة، ولما ذكر الله سبحانه الإيمان وحده ولم يذكر معه الإسلام، ذكره ﷾ بأعمال باطنة وأعمال ظاهرة، كقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، وهذه كلها مقامات قلبية، ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣] فجعل ﷾ الأعمال الظاهرة والأعمال الباطنة من الإيمان.\nالوجه الثاني: أن يقال: إن الإيمان المذكور في حديث جبريل وهو ما ذكره المصنف هنا، يستلزم الأعمال الظاهرة، فإن من الإيمان بالله إقام الصلاة، بإجماع المسلمين.\nوكل أصل من هذه الأصول الستة يتضمن أو يستلزم الأعمال الظاهرة، فإن من صلى فقيل له: لِمَ صليت؟ فقال: إيمانًا بالله، فإن قوله صواب بالإجماع، وكذلك من صلى وقال: إنما صليت استجابة لكتاب الله؛ لأن الله أمر بإقام الصلاة، وكذلك من صام وقال: إنما صمت استجابة لكتاب الله؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣]، ومن أماط الأذى عن الطريق وقال: إنما فعلته استجابة لرسول الله ﷺ، فإنه يدخل في الإيمان بالنبي ﷺ؛ لأن الاستجابة فرع عن الإيمان، وكذلك سائر الأعمال الظاهرة.","vol":"21","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>الإيمان ليس هو مجرد العلم</span>\nومما ينبه عليه، أن الإيمان عند التحقيق ليس هو مجرد العلم، بل لا بد أن يصحب الإيمان انقياد، فإنه لا يسمى مؤمنًا إلا من عرف وانقاد، أما إذا عرف ولم يكن منقادًا فإنه لا يسمى مؤمنًا، وإنما يسمى عالمًا أو عارفًا، ولهذا فبعض أجناس الكفار أثبت الله لهم قدرًا من العلم والمعرفة في بعض السياقات، كإتيانهم الكتاب، أو إتيانهم العلم، ولكن لم يثبت لهم مقام الإيمان، مما يدل على أن الإيمان ليس هو محض العلم والمعرفة.\nوكذلك أركان الإسلام المذكورة في حديث جبريل هي متضمنة أو مستلزمة للأعمال الباطنة، فإن إقام الصلاة مستلزم للإيمان بالله وملائكته .. الخ.\nولهذا أجمع المسلمون على أن من أظهر الصلاة ولم يكن مؤمنًا بالله أو ملائكته أو كتبه أو رسله أو اليوم الآخر أن صلاته لا تنفعه.\nوعليه فيمكن أن يقال: إن سائر الأعمال الظاهرة المذكورة في تفسير الإسلام هي متضمنة أو مستلزمة لما فسر به الإيمان، وإن سائر الأعمال الباطنة المذكورة في تفسير الإيمان، متضمنة أو مستلزمة للأعمال الظاهرة التي تقع على جهة التعبد والانقياد لله ﷾.\nولهذا إذا تجردت الأعمال الظاهرة عن هذه الأصول الإيمانية الستة المذكورة في تفسير الإيمان، أصبحت الأعمال الظاهرة من النفاق الذي لا يقبله الله ﷾، فليس في هذا المورد شيء من الإشكال لمن تتبعه وعرف فقهه.","vol":"21","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>شرح العقيدة الطحاوية [٢٢]</span>\nمن أركان الإيمان: الإيمان بالرسل، وقد ذكر الله تعالى في كتابه عددًا منهم، ولم يذكر أكثرهم، وإنما ذكرهم إجمالًا، وأخبر أنه يجب الإيمان بهم جميعًا، وإنما يعلم بكون النبي نبيًا والرسول رسولًا بإخبار الله ﷾ بذلك، وبالأخبار الصحيحة الثابتة عن الأنبياء ﵈.","vol":"22","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>من أصول الإيمان: الإيمان بالرسل</span>\nقال: [ونحن مؤمنون بذلك كله، لا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ما جاءوا به].\nأي أن من أصول الإيمان: التصديق بالرسالات السماوية وقد تقدمت مسألة النبوة، وقوله: (لا نفرق بين أحد من رسله): هذا مذكور في القرآن ومعناه: أنه لا ينقص أحد من الأنبياء والرسل عن مقام النبوة والرسالة، بل يؤمن بهم على ما ذكره الله إما مجملًا وإما مفصلًا.","vol":"22","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>معرفة نبوة الأنبياء إنما تكون بالأخبار الصحيحة</span>\nوتحت هذا يشار إلى مسألة مهمة، وهي: أن العلم بكون النبي نبيًا أو بكون الرسول رسولًا إنما يعلم بإخبار الله ﷾، والأخبار الثابتة الصحيحة عن الأنبياء، وقد وقع في كلام طائفة من المفسرين، وكذلك في كتب أهل الكتاب، سواء في التوراة المحرفة، أو الأسفار الموجودة عند اليهود أو الإصحاحات الموجودة عند النصارى، وقع فيها ذكر لأعيان من الأنبياء، وأقوال تضاف إليهم، مع أن هؤلاء لم تنضبط نبوتهم، حتى يمكن أن يقال: إن أقوالهم تصح أو لا تصح.\nبل قد يكون بعضهم من الأنبياء، وقد يكون بعضهم من الأحبار والرهبان الذين ذكرهم الله في كتابه، كمثل قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله﴾ [التوبة:٣١] فإن التسمك بهذا المقام ومحاكاة النبوة كان شائعًا في أحبار اليهود ورهبان النصارى.","vol":"22","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>ضابط التحديث عن بني إسرائيل</span>\nالكتب الموجودة اليوم في اليهود والنصارى لا يصح اعتبارها في تقرير الحقائق الشرعية، أو الحقائق العلمية، فضلًا عن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ﷾، وإذا ثبت عن النبي ﷺ كما في الصحيحين أنه قال: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) وقوله: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) فإن المراد بذلك، ما كان موجودًا في كتبهم المأثورة.\nوأما الكتب التي انتحلوها من بعد وعلم انتحالها، فإن مثل هذه الكتب لا يصح اعتبارها ولا يُحدَّث بها، ولكن بما في التوراة أو في الإنجيل، فإن مثل هذا هو المراد في قوله ﷺ: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)، وأما ما كان متأخرًا حادثًا، ويعلم أنه ليس عليه أثر الأنبياء، فإن هذا مما يلزم اطراحه ولا يجوز اعتباره بحال من الأحوال.\nوقوله ﷺ: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) ليس المراد بذلك أن تبنى التفاسير لبعض كلام الله في القرآن، أو بعض الأخبار التي ذكرها النبي ﵊، على أخبار بني إسرائيل التي عليها أثر التحريف، فضلًا عن الأخبار التي ليست من أخبار أنبيائهم وإنما كتبها فلاسفتهم، أو رهبانهم أو كفارهم، فهذا باب ينبغي تضييقه، وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم من أبعد الناس عن الأخذ عن بني إسرائيل حتى حدث بعض التابعين، ثم صار من بعدهم يذكرون كثيرًا من الروايات عنهم.\nوما يذكر عن عبد الله بن عمرو وغير من الصحابة أنهم أخذوا بعض الروايات عن بني إسرائيل فهي على الوجه المأذون فيه في الجملة، وإن كان ما ذكر الله ﷾ في القرآن مجملًا كقصة آدم مثلًا مع زوجه، لا يجوز أن تفسر تفسيرًا مفصلًا بآثار عن بني إسرائيل لا يعلم أهي صحيحة أو ليست صحيحة، ولا يصح إدخال ذلك في قوله: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)، فإن النبي نهى عن تصديقهم، ونهى عن تكذيبهم في مثل هذه المقامات، لأنه إما أن يصدق باطل، وإما أن يكذب حق؛ هذا في الأمور المحتملة للتصديق والتكذيب.\nأما ما ابتدعوه في دينهم، وقالوه إفكًا وافتراءً فإنه يرد ولا كرامة له، بل يرد ولا يعتبر بحال.","vol":"22","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>شرح العقيدة الطحاوية [٢٣]</span>\nاختلف أهل السنة والجماعة مع المرجئة والخوارج والمعتزلة في حكم أهل الكبائر، فذهب أهل السنة إلى أنهم تحت مشيئة الله من شاء عذبه ومن شاء غفر له، وأنه لا يخلد أحد منهم في النار، وأن طائفة منهم غير معينة يدخلون الجنة ولا يعذبون في النار، وطائفة يدخلون النار ثم يخرجون منها إما بمحض رحمة الله، أو برحمته مع سبب من الشفاعة ونحوها، أما من خالفهم من الفرق في ذلك فقد ذهبوا في ذلك إلى مذاهب شتى، معرضين عن الكتاب والسنة اللذين فيهما النور والهدى.","vol":"23","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>حكم أهل الكبائر في الآخرة</span>\nقال: [وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار، لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما ذكر ﷿ في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله تعالى مولى أهل معرفته، ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته الذين خابوا من هدايته، ولم ينالوا من ولايته، اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكنا بالإسلام حتى نلقاك به].\nذكر المصنف أهل الكبائر من جهة حكمهم في الآخرة، وهي مسألة الفاسق الملي، وقد تقدم أن الخوارج والمعتزلة يجعلونهم برآء من الإيمان، فالخوارج تقول: إنهم كفار، والمعتزلة تقول: إنهم فساق قد عدموا الإيمان.\nوقد اتفقت الخوارج والمعتزلة على أن أهل الكبائر يخلدون في النار، وأنهم ليس لهم حظ من رحمة الله ﷾ وثوابه وفضله، وهو مذهب واضح وبين الضلال، ولأجل هذا الأصل أنكروا شفاعة النبي ﷺ وشفاعة الأولياء والصالحين لأهل الكبائر؛ لأنهم يرون أن أهل الكبائر مخلدون في النار.","vol":"23","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>مذاهب المرجئة في حكم أهل الكبائر</span>\nوأما المرجئة فإن أقوالهم في أهل الكبائر ليست مفصلةًَ كأقوالهم في الإيمان، ومذاهب المرجئة في حكم أهل الكبائر ثلاثة:\nالقول الأول: وهو قول غاليتهم، أنهم لا يعرضون لشيء من العذاب البتة، فيجزمون ببراءة سائر أهل الكبائر من عذاب الله ﷾، وهذا القول كما يقرر شيخ الإسلام ﵀ يذكر في كتب المقالات عن غالية المرجئة، ولم يحفظ عن أحد من الأعيان المعروفين منهم أنه كان ينص على هذا القول وينتصر له، ولكن جاء في كتب المقالات أن هذا هو قول غالية المرجئة، وقد نسبه ابن حزم وأبو الحسن الأشعري إلى مقاتل بن سليمان ولا يصح ذلك عنه، ولكن يطلق ويقال: هذا قول الغالية من المرجئة؛ لأن هذا شائع في كتب المقالات.\nالقول الثاني: ويسمى قول الواقفة من المرجئة، وهم الذين قالوا: إن أهل الكبائر تحت المشيئة، ولما كانوا ينكرون حكمة الله ﷾ في أفعاله، أو ما يسمونه التعليل، فإنهم قالوا: إن أهل الكبائر تحت مشيئة الله ﷾.\nوهذه الجملة من حيث الإجمال لا إشكال فيها، فإن الله ﷾ قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، ومن أصول أهل السنة والجماعة أن أهل الكبائر في الآخرة تحت مشيئة الله.\nولكن جهة الغلط عند واقفة المرجئة، أنهم قالوا: تحت مشيئة الله، ووقفوا على هذا ثم قالوا: قد يعذب سائرهم بالنار، ثم يخرجون منها، وقد يغفر لسائرهم، فلا يدخل أحد من أهل الكبائر في النار، وقد يعذب الأكثر حسنات ويغفر للأكثر سيئات، وهذا معنى كونهم واقفة، أي أنهم يقولون: إنهم تحت المشيئة، ثم مع ذلك يفصلون تفصيلًا يقع على سائر الفروضات العقلية في المشيئة، ولم يراعوا في ذلك أخبار الشارع فضلًا عن حكمته.\nوهذا القول يقوله طوائف من المرجئة، وهو قول أبي الحسن الأشعري وجمهور أصحابه، وإن كان الأشعري يذكر في كتبه ما يوحي أنه يخالف هذا القول، لكن على أقل تقدير هو أحد قولي أبي الحسن وجمهور أصحابه، وإلا فـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يجزم بأن الأشعري على هذا المذهب وأنه لا يذكر في كتبه إلا مسألة المشيئة.\nويمكن أن يقال: إن للأشعري في هذا قولين: الأول: هو القول الموافق لقول مقتصدة المرجئة، والثاني: وهو المعروف عنه في الكتب الكلامية، هو هذا القول.\nالقول الثالث: هو قول مقتصدة المرجئة، وهؤلاء يوافقون السلف في حكم أهل الكبائر، ومن هؤلاء الفضلاء من أصحاب أبي الحسن الأشعري، فيقال: إن هؤلاء، وهم المقتصدة من المرجئة يوافقون السلف في حكم أهل الكبائر.","vol":"23","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>أصول مذهب السلف في حكم أهل الكبائر في الآخرة</span>\nوقول السلف ﵏ في حكم أهل الكبائر مبني على ثلاثة أصول:\nالأصل الأول: أنهم تحت المشيئة.\nالأصل الثاني: أنه لا يخلد أحد منهم في النار، بل مآلهم إلى الجنة، إما ابتداءً قبل عذاب، وإما مآلًا بعد العذاب، وهذان الأصلان في الجملة لا يخالفان قول الواقفة من المرجئة، وإنما يتميز مذهب السلف، بالأصل الثالث.\nومحصل الأصل الثالث: الإيمان والجزم بأن طائفة من أهل الكبائر غير معينين يدخلون الجنة ولا يعذبون في النار، وأن طائفة منهم يعذبون في النار ثم يخرجون منها، إما برحمته المحضة، أو برحمته مع سبب من الشفاعة أو نحوها.\nوهذا الأصل يميز قول السلف عن قول المرجئة الواقفة؛ لأن السلف يجزمون بأن قدرًا من أهل الكبائر لا يدخلون النار، ويجزمون بأن قدرًا آخر من أهل الكبائر يدخلون النار.\nوهذا القدر الذي لا يدخل النار، والقدر الذي يعذب في النار ثم يخرج منها، ليس مبنيًا على محض المشيئة فقط، بل هو مبني على مشيئته مع حكمته ﷾ وعدله، ولهذا ذكر الله ﷾ في كتابه الموازين، وهي المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، فلا شك أن الذين يعذبون في النار هم أكثر إتيانًا للكبائر وأكثر فسقًا وأكثر فجورًا ممن لا يعذبون في النار؛ لأن الله ﷾: ﴿لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠]، والموازنة مجمع عليها بين السلف، وقد ذكرها الله في كتابه، وذكرها الرسول ﷺ إما مجملة وإما مفصلة.\nوخذ هذه الموازنة أن الله لا يظلم مثقال ذرة، وأن حكمه عدل، فلا يعذب الأكثر حسنة ويغفر للأكثر سيئة، هذا لا يكون في عدل الله ﷾ وقضائه؛ فإنه ﷾ حكم عدل.\nولهذا وصفت الموازنة المطلقة في القرآن بكونها عدلًا ولم يميز لها أحدًا، ولما ذكر الله ﷾ الموازنة بين الإيمان والكفر قيدها بنوع من المقدار والحد، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٥].\nفصريح في سياق سورة المؤمنون وسورة الأعراف وسورة القارعة أن الموازنة المذكورة هي في حق أهل الإيمان وأهل الكفر.\nوأما إذا ذكر الله الموازنة المطلقة المتعلقة بسائر خلقه، فإنه يذكرها ذكرًا مطلقًا ويقيدها بعموم عدله وقسطه ﷾، ففي قوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧] ما ذكر الله فيها إلا أنها قسط وأنه سبحانه ﴿لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء:٤٠] إلى غير ذلك من سياقات القرآن.\nولهذا كان إعراب قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧] القسط: صفة، والأصل أن الصفة تتبع الموصوف في الإفراد والجمع، وهنا لم تتبعه، فجاءت الصفة مفردة والموصوف جمع لأنها مصدر، ولهذا قال ابن مالك في الألفية:\nونعتوا بمصدر كثيرًا ... فلزموا الإفراد والتذكيرا","vol":"23","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>تفصيل ابن حزم في الموازنة ونقده</span>\nوهنا تنبيه في هذه المسألة؛ وهو أن الإمام ابن القيم ﵀ نقل عن ابن حزم أنه يقول: (إن الموازنة في حق أهل الكبائر في هذه الأمة تكون مفصلة، قال: فمن ثقلت: أي فمن زادت حسناته على سيئاته بواحدة فإنه لا يعذب في النار، بل يدخل الجنة، وإن من زادت سيئاته على حسناته واحدة فإنه لا بد أن يعذب في النار ثم يخرج منها، وأما من استوت حسناته مع سيئاته، فإنه يحبس عن دخول الجنة شيئًا ثم يؤذن له بدخول الجنة، قال ابن القيم: وهذا هو قول الصحابة والتابعين، وكثير من الناس لا يعرفونه، بل لا يعرفون إلا قول المرجئة).\nوالصحيح: أن القول بهذا التفصيل، لا تصح إضافته إلى الصحابة والتابعين على هذا الإطلاق، فإنه لا دليل عليه، إنما دل الدليل على غلط قول المرجئة الواقفة، ودل على أن الله ﷾: (لا يظلم مثقال ذرة) وأما الجزم بأن من زادت سيئاته واحدةً أنه يدخل النار، أو أن الذين ذكر النبي ﷺ أنهم قد دخلوا النار في حديث الشفاعة من هذه الأمة، هم من زادت سيئاتهم على حسناتهم بواحدة فما فوق، فهذا ليس بلازم.\nفمن زادت سيئاته على حسناته بواحدة، يمكن أن يغفر له قبل دخول النار، وليس هناك دليل يمنع أن يغفر له؟ والمغفرة هي محض حقه ﷾، ولو غفر لسائر أهل الكبائر لكان ذلك ممكنًا، لكن لما أخبر النبي ﵊ أن طائفة منهم يعذبون ويخرجون بالشفاعة أو بمحض رحمة الله، وجب أن يقال: إنه من الإيمان، الإيمان بأن طائفة منهم يدخلون النار، ثم يخرجون منها، وإلا فإن الله ﷾ يغفر لمن يشاء، ولولا أخبار الشفاعة لما صح لأحد أن يجزم بهذا.\nفهذا الجزم الذي جزم به الإمام ابن القيم ﵀ ليس جزمًا مناسبًا، وليس عليه دليل.","vol":"23","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>الخلاف حول أهل الأعراف من هم</span>\nوالقول بأن من استوت حسناتهم مع سيئاتهم فإنهم يوقفون عن دخول الجنة ثم يدخلونها، لم يجد الإمام ابن القيم ﵀ والإمام ابن حزم مع جلالتهما دليلًا واضحًا عليه، ولم يستدلوا على هذا إلا بآية الأعراف في ذكر أصحاب الأعراف: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًاّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف:٤٦]، فظاهر القرآن أن أهل الأعراف ينتظرون ثم يدخلون، لكن يبقى أن أهل الأعراف ما فسرهم النبي ﷺ بذلك، وألفاظ السياق القرآني بحكم كلام العرب لا يفهم منها ذلك، وإنما هذا اجتهاد قاله بعض السلف.\nوقد نقل عن ابن عباس وابن مسعود وجابر أن أهل الأعراف: هم من تساوت حسناتهم مع سيئاتهم، إلا أن هذه الآثار لا يصح منها شيء عن الصحابة.\nومعلوم أن القاعدة: أنه إذا اختلف في تفسير آية، وللصحابة فيها قول، ولمن بعدهم قول، فإنه يؤخذ بمذهب الصحابة، وقاعدة ابن جرير في ذلك معروفة، إلا أنه لما ذكر تفسيرهم لأهل الأعراف، ذكر هذا عن ابن عباس وغيره، وذكر أقوالًا، ثم غلط قول من يقول بأنهم ملائكة، ورجح أنهم قوم من بني آدم، ولكنه ذهب إلى التوقف فيهم، فما جزم بأنهم من استوت حسناتهم مع سيئاتهم، مع أنه نقل هذا عن بعض الصحابة، وهذا موجبه أنه لم يصح عند ابن جرير شيء من هذه الروايات عن الصحابة.\nثم إنه لو سلم جدلًا أن هذه الرواية صحيحة عن ابن عباس، فلا يلزم من هذا أن يقال: إن هذا مذهب سائر الصحابة والتابعين.\nثم إذا وقف الله ﷾ قومًاَ من هؤلاء، لم يلزم أن يوقف سائرهم، فهذه كلها لوازم وتحصيلات ليست دقيقة.\nوسائر الأدلة التي استدل بها ابن حزم وابن القيم رحمهما الله هي آيات الموازنة المذكورة في سورة الأعراف والمؤمنون وفي سورة القارعة، وهي في ذكر الكفر والإيمان كما هو صريح من سياقها، واستدلالهم بآية الأعراف استدلال مجمل، يحتاج إلى تفصيل من الشارع في حدهم، وعليه فنقول: هذا القول هو قول لطائفة من أهل السنة، وقد رد بعض أهل السنة والجماعة على الإمام ابن حزم ردًا مشهورًا؛ لأن هذه المسألة أول من قررها بهذا الوجه هو أبو محمد ابن حزم في كتبه، وانتصر لها أبو عبد الله الحميدي صاحبه، وانتصر لها الإمام ابن القيم في طريق الهجرتين وغيره، فهؤلاء الثلاثة هم أشهر من قررها من أهل السنة من المتأخرين.\nولا ترى في كتب السلف المتقدمة كالشريعة للآجري والتوحيد لـ ابن خزيمة، والإيمان لـ ابن منده وغيرها، لا ترى أن فيها ذكرًا لهذا الكلام على وجه من الوجوه؛ فالسلف أجمعوا على الإيمان بالموازنة لكن ليس على هذا التفصيل، فعليه يقال: إن هذا التفصيل قول طائفة من أهل السنة والجماعة.\nوهذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: (وهذه المسألة فيها وجهان للمتأخرين من أهل السنة والجماعة من أصحابنا وغيرهم) ثم ذكر القول الذي ذكره ابن القيم، وذكر قولًا آخر، فهذه مسألة متأخرة لا ينبغي الجزم فيها، وأصول السلف مبنية على الأصول الثلاثة المتقدمة.\nوهذه الآية: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] صريحة في إبطال مذهب الخوارج، وإبطال مذهب المعتزلة، الذين قالوا: إن أهل الكبائر يخلدون في النار.","vol":"23","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>مسقطات العقوبة</span>\nوقال المصنف: (وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته، وشفاعة الشافعين)، أي: وإن كانت شفاعتهم من رحمته، كما هو صريح من النصوص أنه يخرج قوم من النار بمحض رحمته ﷾ بغير شفاعة أحد.\nوقد ذكر أهل العلم ومنهم الإمام ابن تيمية ﵀: أن مسقطات العقوبة، بضعة عشر مسقطًا حسب الاستقراء الشرعي، الأول: التوبة، وقد أجمع المسلمون أن من تاب من الكبيرة، فإنه يغفر له.\nالثاني: الاستغفار، والاستغفار هنا مقامه أخص من مقام التوبة، والاستغفار تارةً يذكر ويراد به التوبة، وتارةً يذكر ويراد به ما هو أخص من ذلك.\nالثالث: الحسنات، فإن الله ﷾ قال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].\nالرابع: دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب.\nالخامس: المصائب المكفرة.\nالسادس: ما يقع في القبر من الهول.\nالسابع: العذاب الذي يقع في القبر، فلا يوافي ربه بكبيرته، بل يزول أثرها بعذاب القبر.\nالثامن: مقامات الآخرة وعرصات القيامة، فهذه جملة من المسقطات.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فإذا عدمت هذه الأسباب، المسقطة لعقوبة الكبيرة، قال: ولن تعدم إلا في حق من عتى وتمرد وشرد على الله شرود البعير الضال على أهله، فهنا يعذب في النار ثم يخرج منها).\nوهذا من سعة فقهه ﵀، فإن الله ﷾ يغفر لعباده المؤمنين؛ لأن معهم حسنة التوحيد، ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يعنى بهذه الحسنة، فقهًا ودعوةً وتعليمًا، والمسلمون مهما كان فيهم من المعصية، ما دام أنهم محققون لأصل التوحيد، فإنهم على خير كثير، وهم قريبون من رحمته ﷾، وفضله وإحسانه.","vol":"23","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>إسقاط الكبائر بالمكفرات</span>\nالسبب الأخف، وهو المذكور في قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، فيه بحث مهم، وهو أنه قد جاء عن النبي ﵌ كما هو مشهور في السنة: أن من الأعمال الصالحة ما يكفر الذنوب، كقوله ﷺ: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن)، وكقوله: (أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه خمس مرات ..)، كما في الصحيح من حديث أبي هريرة في الصحيح، إلى غير ذلك من النصوص، فهنا المشهور في كلام أهل السنة أن هذه الأعمال الصالحة، سواء كانت واجبة أو كانت مستحبة، إذا ذكر تكفيرها للذنوب، فإن المقصود بذلك أنها تكفر الصغائر.\nوقد حكى أبو عمر ابن عبد البر إجماع أهل السنة، على أنها تكفر الصغائر دون الكبائر.\nوهذا الإجماع الذي ذكره أبو عمر ابن عبد البر ينبغي فقهه، فإنه قد يفقه على أحد وجهين، الأول: أن يفقه أن السلف أجمعوا على أن الأعمال الصالحة، كالصلاة والحج وغيرها، لا يمكن أن تكفر أو أن تمحو ما هو كبيرة.\nولا شك أن هذا الوجه من الفقه غلط، وإن أضافه من أضافه بعض المتأخرين للسلف، فهو إضافة غلط.\nالوجه الثاني من الفقه: أن يفهم منه أن هذه الأعمال الصالحة، قد تكفر ما هو من الكبائر، ولكن ذلك لا يطرد، إنما يطرد في الصغائر، وفقه الإجماع على هذا الوجه، هو الفقه الصحيح.\nوهو مذهب السلف ولا شك، وهذا هو الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تقريرًا مفصلًا، وقرر أنه هو المذهب المعروف عن سلف الأمة.\nويكون هذا الفهم وسطًا بين قول من يقول: إن هذه الأعمال الصالحة تكفر الكبائر باطراد كما تكفر الصغائر، فإن هذا خلاف كثير من النصوص وخلاف الإجماع، وبين قول من يقول: إنها لا تكفر إلا الصغائر ولا يمكن أن تكفر الكبائر، ويجزم بذلك، فهذا غلط أيضًا ولا يقوله أحد من السلف، وإن نقل بعض المتأخرين في هذا الإجماع فهو إجماع غلط كما يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.","vol":"23","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>الدليل على تكفير الحسنات للكبائر</span>\nوالدلائل النبوية صريحة في هذا، ففي حديث عمرو بن العاص الذي أخرجه مسلم وغيره من طريق عبد الرحمن بن شماسة المهري المصري عن عبد الله بن عمرو عن أبيه عمرو بن العاص، وفيه قول عمرو لما أتى النبي ﷺ ليبايعه على الإسلام، قال: (فبسط النبي ﷺ يده لأبايعه، قال: فقبضت يدي فقال: ما لك يا عمرو؟! قلت: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قلت أشترط أن يغفر لي، أما علمت يا عمرو! أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبل) فتأمل قوله: (يهدم ما كان قبله) فإنه من سياق العموم، ولا شك أن هذا يمتنع معه أن يقال: إن الحج لا يمكن أن يكفر ما هو كبيرة.\nومثله قوله ﷺ: (أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم ..) وقوله: (من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ..)، ولا يمكن أن يجتمع السلف على أن من أتى هذا البيت فقام قيام السنة، واقتدى برسول الله ﷺ فما رفث ولا فسق وتعبد لله، ووجل قلبه، وأدى الأركان على سنة رسول الله ﷺ مع تمام الإخلاص وتمام المتابعة، ولكن عنده بعض الكبائر السالفة أن كبائره لا تغفر، فهذا تضييق لرحمة الله ﷾، ولا يمكن أن فقه السلف يقف مع هذا، والرسول ﷺ يقول: (رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه).","vol":"23","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>الجواب على إشكال المانعين من تكفير الحسنات للكبائر</span>\nوالذي أشكل على أكثر المتأخرين هو الذي جاء في حديث أبي هريرة ﵁ وغيره: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، قالوا: فهذا يدل على أن الكبائر لا تغفر، ولا شك أن هذا الاستدلال ليس استدلالًا صحيحًا، فإن الصلاة وسائر الأعمال الظاهرة، وحتى الأعمال الباطنة يقع فيها تفاضل، وليست صلاة النبي ﷺ، كصلاة أصحابه مع أنهم كانوا يصلون معه، وليست صلاة أبي بكر كصلاة آحاد الصحابة، وليست صلاة الصحابة كصلاة من بعدهم.\nفتكون الصلاة باعتبار أصل القيام بها مكفرة للصغائر إذا اجتنبت الكبائر؛ أما الكبائر فلا يتعلق تكفيرها بإقامة الصلاة حتى ولو لم تكن الإقامة التامة الموافقة لهدي النبوة من كل جهة، والتي ذكر الله عن أهلها أنهم في صلاتهم خاشعون، فلا يلزم أن كل عمل ذكره الشارع واجبًا كان أو مستحبًا يكفر الكبائر باطراد كما يكفر الصغائر.\nفإنه لو قيل إن التكفير يقع بمجرد إقامة الصلاة ولو غير تامة، لصح الاعتراض عليه بهذا الحديث، فإن الحديث معارض لهذا الفهم تمامًا.\nولكن إذا قيل إن الأعمال المكفرة يقع بها تكفير بعض الكبائر في بعض الأحوال، فإن هذا لا يكون معارضًا، ويمكن أن يقال: إن هذه الأعمال باعتبار أصولها، تكفر الصغائر، ولكن من حققها على وجه التمام، وكانت حالته في الجملة على قدر من الاستقامة والانقياد، ولكن كان معه يسير من الذنب والكبيرة، فإن هذه الأعمال تكون سببًا للتكفير.\nومن إجماع السلف أن الله قد يغفر لأهل الكبائر بغير سبب من العبد، فمن باب أولى أن يكفر عنه وأن يغفر له بسبب منه وهو الحسنة، فإن الله قال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] وقال النبي ﷺ: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها).\nوإذا كان الله يغفر لبعض أهل الكبائر بسبب من غيرهم وهو دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب، أو بشفاعة الشافعين، فيمكن أيضًا أن يغفر له بسبب من أعماله الصالحة، ومن عرف مقام الصلاة ومقام الحج، ومقام الجهاد، ومقام الصيام عند الله ﷾، عرف أنه يمكن أن يغفر بها ما هو من الكبائر، ألم يقل الله سبحانه كما في الحديث القدسي: (الصوم لي وأنا أجزي به).\nفتعليق هذه الأمور على التوبة لا شك أنه تعليق ضيق، بل يقال: إن هذه الأعمال كفارات للصغائر، وقد يقع في هذه الأعمال كأصول الواجبات من الحج والجهاد والصيام والصلاة، ما هو مكفر لبعض الكبائر، وهذه أحوال لا تطرد، وإنما يختص الله ﷾ برحمته وتوفيقه من يشاء من عباده.","vol":"23","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>حكم الصلاة خلف البر والفاجر من أهل القبلة</span>\nقال المصنف ﵀: [ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم، ولا ننزل أحدًا منهم جنة ولا نارًا].\nقوله: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم):\nأما من مات منهم فقد أجمع السلف على أن من مات من الأبرار أو الفجار فإنه يصلى عليه، مهما كان فسقه، وإن كان الإمام ابن تيمية ﵀ ذكر مقامًا -إنما أذكره ليفقه- قال: (ومن استفاض شره وظلمه وبغيه وعدوانه، فلو تخلف عن الصلاة عليه بعض الأعيان من الأئمة أو الأكابر حتى ينزجر الناس عن مثل هذا الظلم ويكفوا عنه، وحتى لا تكون حالته سنة لمن بعده، لكان هذا من الفقه الذي يقع في قدر من الاجتهاد المأذون فيه).\nوهذه العبارة بينة في أن هذا لا يفعله الآحاد من الناس، وإنما قد يجتهد في مثل هذا المقام واحدٌ من الأكابر من أهل العلم والفقه، ومع هذا فإن مقام الموت ينبغي ألا يعزر الناس أو يؤدبوا في مثله، بل ينبغي أن تكون هذه المقامات محلًا لاجتماع قلوب المسلمين، والظلم قد يكف بغير هذا الوجه، وإنما ذكرت ذلك لأن البعض قد ينقل عن شيخ الإسلام أنه يجوز ترك الصلاة على من استحكم فسقه، ولم يكن هذا من رأيه البتة، بل يرى أن ترك الصلاة عليه من آحاد الناس من الفسق والتكلف الذي لم يأذن به الله، وفيه شبه بطريقة الخوارج والوعيدية.","vol":"23","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>التفصيل في الصلاة خلف الفاجر</span>\nوأما الصلاة خلفهم، والاقتداء بهم في الصلاة، فهذا له وجهان:\nأما إن كان هذا الفاجر وليًا للأمر: فإن الإجماع منعقد على أنه يصلى خلفه ولو كان فاسقًا، وأما إن كان من الآحاد فقد كره كثير من السلف الائتمام بالفاسق، وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد، والمشهور عند متأخرة الحنابلة، وهو الذي يقررونه في كتب المذهب أن الصلاة خلف الفاسق لا تصح، وهذا لا يصح في مذهب أحمد، بل المحقق في مذهبه عند متقدمي أصحابه أنه كان يكره الصلاة خلف الفاسق، إلا إن كان وليًا للمسلمين.\nولهذا صلى الإمام أحمد خلف المعتصم، مع أن المعتصم أقل أحواله أنه فاسق، فإنه كان مظهرًا لنشر البدعة والانتصار لها، وإن كان مقتديًا بأخيه، فإن أخاه ليس صاحب سنة حتى يقتدى به، وتعليله: حتى لا تسقط هيبة الخلافة .. إلخ، ليس مسوغًا من جهة الشريعة، فمع فسق المعتصم إلا أن الإمام كان يرى الصلاة خلفه.\nوعليه فإن الصلاة خلف الفاسق: إن كان وليًا للأمر كأمير العامة ونحوه، فإن الصلاة خلفه تكون مشروعة، ومن الاقتداء الذي كان عليه السلف جمعًا للكلمة، وأما إن كان من آحاد الناس، فإن الصلاة خلفه صحيحة عند عامة السلف، ولكن كره بعض أئمة أهل الحديث الصلاة خلف الفاسق ولا سيما إذا كان إمام الحي، أي: إمامًا راتبًا، مع هذا كله فإنه إذا دخل المسجد، لا سيما بعد انقضاء جماعة الإمام الراتب، فوجد من عليه أمارة الفسق يصلي بقوم ممن لم تدركوا صلاة الإمام، فلا يجوز هنا بحال أن يتخلف عن الاقتداء به لما ظهر عليه من الفسق، بل يصلي خلفه، فإنه في هذه الحال ليس مختارًا لإمامته، ولا يصلي وحده، إلا إذا اجتهد على معنى آخر من الفقه، فإن الأئمة الثلاثة - مالكًا والشافعي وأبا حنيفة - لا يرون إعادة الصلاة في المسجد، بل المشهور في مذاهب الأئمة الثلاثة، أنه إذا صلى إمام الحي ودخل من دخل فإنهم يصلون فرادى.\nبل حتى الحنابلة مع أنهم يرون إعادة الجماعة في المسجد إلا أن متأخريهم يقولون: إن مذهب أحمد أن ذلك مأذون فيه إلا مسجد مكة والمدينة، أي المسجد الحرام والمسجد النبوي قالوا: فإن إعادة الصلاة فيه جماعة مكروهة، ولهذا قالوا في مختصراتهم: (ولا تكره إعادة الجماعة في غير مسجد مكة والمدينة)، ولا شك أن هذا مذهب مرجوح، وأن الراجح هو أن صلاة الجماعة تعاد في أي مكان وتشرع في أي مكان، ولو صلى إمام الحي، وإن كان حديث: (من يتصدق على هذا) فيه كلام، فإن الاعتبار في هذه المسألة ليس بهذا الحديث، وإنما الاعتبار بعموم الأدلة التي شرعت صلاة الجماعة، فإنها أدلة ليس لها مخصص، وقد تتفق المذاهب الأربعة على قول ليس هو قول الجمهور من فقهاء السلف وأئمتهم، وهنا في مسألتنا هذه ظاهر مذهب أكثر السلف أنهم يرون إعادة الصلاة، وقد كانوا يصلون في رحالهم، ويصلون حيث أدركتهم الصلاة، وصلاة الجماعة مشروعة، بإجماع المسلمين، فلا يخص منها حال.","vol":"23","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>عدم الشهادة لأحد من أهل القبلة بجنة ولا بنار إلا بنص</span>\nقال: (ولا ننزل أحدًا منهم جنة ولا نارًا).\nأي: لا نشهد لأحد من أهل القبلة بجنة أو نار، إلا لمن شهد له الرسول ﷺ بالجنة، وتقدم أن هذا إجماع، وقال بعض أهل العلم من المتقدمين: يشهد لمن استفاض ذكره، وهذا مرجوح، والراجح أن هذا مقصورٌ على شهادته ﷺ.","vol":"23","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>الشرك الأكبر والشرك الأصغر</span>\nقال: [ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى].\nالشرك والكفر والنفاق، مستعملة في النصوص ويراد بها الأكبر، ويستعمل الكفر أو الشرك أو النفاق ويراد به ما دون ذلك مما يجتمع مع أصل الإيمان، ولهذا فإن السلف أجمعوا على أنه يجتمع في العبد طاعة ومعصية، خلافًا للخوارج والمعتزلة، وأجمع السلف خلافًا لجماهير المخالفين من المرجئة وغيرهم أنه يجتمع في العبد كفر وإيمان، ومرادهم بالكفر هنا الكفر الذي سماه الشارع كفرًا وليس هو الكفر المخرج من الملة، كقوله ﷺ في حديث أبي هريرة كما في الصحيح: (اثنتان بالناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت)، وقوله ﷺ في حديث ابن مسعود: (أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم) ومثل هذا ليس كفرًا أكبر بإجماع أهل العلم.\nوأيضًا الشرك، كقوله ﷺ مثلًا: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، فإن الحلف بغير الله لا يلزم أن يكون شركًا أكبر، فقد يكون شركًا أكبر، كحال الجاهليين عندما كانوا يحلفون باللات والعزى؛ لأنهم كانوا يعظمونها التعظيم الذي لا يجب إلا لله ﷾، وأما أهل القبلة والإسلام إذا حلف الواحد منهم بغير الله، فإنهم في الجملة يقعون في الشرك الأصغر، وأنهم لا يقصدون بذلك أن يعظموا غير الله كتعظيمهم لله.","vol":"23","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>هل يقال: الشرك الأصغر</span>؟\nوالشرك الأصغر هكذا يسمى عند المتأخرين، والأولى أن يقال: الشرك الذي ليس هو الشرك بالله، والكفر الذين دون كفر، وهذه العبارات هي المأثورة عن السلف، ومثله النفاق الذي ليس هو النفاق المخرج من الملة، وقد سمى له الشارع أعمالًا كقوله في حديث عبد الله بن عمرو: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا)، وقوله في حديث أبي هريرة: (آية المنافق ثلاث) فما حدها؟","vol":"23","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>لا يطلق الشرك إلا على ما أطلق الشرع عليه ذلك</span>\nتوسع بعض المتأخرين من أهل العلم فصاروا يسمون كثيرًا من الكبائر شركًا؛ لأن الكبيرة تنقص تمام التوحيد، ولا شك أن هذه التسمية فيها نظر، والصواب أنه لا يسمى عمل أو قول كفرًا أو شركًا أو نفاقًا إلا إذا كان الشارع قد سماه كذلك؛ لأن هذه التسمية معتبرة بالقدر والصفة، فليست معتبرة بالقدر وحده؛ لأنها لو كانت معتبرة بالقدر وحده للزم من ذلك أن العمل الذي دلت الدلائل الشرعية على أنه أعظم من هذا العمل الذي سماه الشارع نفاقًا أنه من باب أولى أن يسمى نفاقًا.\nمثلًا: سمى الشارع الكذب نفاقًا: (إذا حدث كذب)، ولم يُسَمِّ قتل النفس نفاقًا، مع أن قتل النفس أعظم من الكذب، فلو اعتبرنا مسألة القدر، لقلنا من باب أولى أن يسمى قتل النفس نفاقًا، إلا أن الصفة قضاء شرعي لا يجوز الاجتهاد فيه، ولهذا لما ذكر ﷺ النفاق، ذكر من الأعمال المخالفة ما هو مناسب لماهية النفاق، كالكذب والغدر والفجور في الخصومة، ونحو ذلك.\nوأيضًا سمى إباق العبد كفرًا، لكن لو أن العبد قتل نفسه ما سماه الشارع كفرًا، مع أنه سمى مقاتلة المسلمين بعضهم لبعض كفرًا كما قال في حديث أبي بكر وعمر: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض)، ومن حديث ابن مسعود: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)، وقتل النفس أعظم من قتل الغير، فقد قال ﵊ فيمن قتل نفسه: (خالدًا مخلدًا فيها أبدًا)، وإن كان هذا الحرف -أبدًا- ليس محفوظًا كما ذكره الإمام الترمذي، وإن أخرجه الشيخان.","vol":"23","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>الشرك الأصغر أعظم من كبائر الذنوب بالجنس لا بالآحاد</span>\nيشكل على بعض طلاب العلم أحيانًا أن يقع في كلام بعض أهل العلم من أهل السنة، أن يقولوا: إن الشرك الأصغر أعظم من كبائر الذنوب، وإنما سماه الشارع كفرًا لكونه أعظم من غيره مما لم يسمه كفرًا، وهذا باعتبار الجنس، وليس باعتبار الآحاد، فإنك لا تستطيع أن تقول: إن إباق العبد أعظم عند الله من قتل النفس، أو إن إباق العبد، أعظم من زنا هذا العبد بموليته، أو بحليلة جاره أو نحو ذلك، فإن غاية الإباق أنه فوات لشيء من المال وإن سعي كفرًا، والقصد أنه لا يلزم أن الذنب إذا سماه الشارع كفرًا أن يكون أعظم من سائر الذنوب، وإنما هذه الجملة إذا عبر بها بعض من أهل السنة فمرادهم الجنس، وقول ابن مسعود: (لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أحلف بغيره صادقًا)، صحيح، لكن لا يلزم أن يكون هذا مطردًا في كل ما سماه الشارع نفاقًا، فتقول: إن الكذب أعظم من الزنا، وإنما يعتبر الأمر إذا أمكن بالجنس وليس بسائر الآحاد على الإطلاق.","vol":"23","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>شرح العقيدة الطحاوية [٢٤]</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة: أنهم لا يرون القتل والسيف على أحد من الأمة إلا من وجب عليه ذلك، كإقامة الحدود ونحوها.\nومن عقيدتهم: عدم جواز الخروج على الأئمة والولاة وإن كانوا ظالمين.\nومن عقيدتهم: اتباع السنة والجماعة، ونبذ الخلاف والشقاق والفرقة، ومحبة أهل العدل والدين والإيمان، وبغض أهل الفسوق والعصيان، ويرون الحج والجهاد مع ولاة الأمور برهم وفاجرهم، خلافًا للرافضة الذين لا يرون الجهاد إلا مع غائبهم المنتظر المزعوم.","vol":"24","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>السيف مرفوع عن أمة محمد إلا بحق</span>\nقال المصنف ﵀: [ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد ﷺ، إلا من وجب عليه السيف].\nمن وجب عليه السيف قد يكون معينًا وقد يكون جماعةً، أما المعين فإنه يجب عليه السيف فيه أحوال: منها: من بدل دينه كما في حديث ابن عباس: (من بدل دينه فاقتلوه)، ومنها الثلاث المذكورة في حديث: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) فهذه من موجبات السيف، وهي من الحدود الشرعية، أو يكون السيف موجبه الكفر.","vol":"24","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>لا يلزم من القتال التكفير</span>\nولكن ينبه إلى مسألة أن القتل والمقاتلة لا يستلزمان الكفر، فقد يلزم السيف في حق جماعة أو فرد لا يكون كافرًا، كقتال البغاة، فإن البغاة مسلمون، وكقتل القاتل، فإن القاتل مسلم كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:١٧٨] ومع ذلك يقتل.\nوقد يكون كافرًا معينًا أو جماعة يحرم في حقها السيف، كأهل الكتاب إذا دفعوا الجزية، فإنهم حال قيامهم بالجزية وشروطها تحرم مقاتلتهم، وكالمعاهد وكالمستأمن ونحو ذلك، فلا تلازم بين السيف وبين الكفر.","vol":"24","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>عدم جواز الخروج على ولاة الأمور واجتناب الفرقة والشقاق</span>\nقال: [ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله ﷿ فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة].\nقوله: (ولا نرى الخروج على أئمتنا)، أي: على أئمة المسلمين، وهم سلاطينهم الذين أقاموا أصل الإسلام.\n(وإن جاروا) أي: وإن ظلموا، فسواء كان هذا السلطان مؤمنًا برًا راشدًا قائمًا بالعدل والقسط، أو كان مسلمًا ولكنه ظالم ومقصر، وسواء كان التقصير من جهة نفسه، أو من جهة رعيته، فإن تقصيره وظلمه لا يكون مسوغًا للخروج عليه، بل الأصل طاعته بالمعروف.\nوهذه جملة يعبر بها أهل السنة كثيرًا وهي: أنه لا يجوز الخروج على أئمة الجور، ومن باب أولى على أئمة العدل، وهذه الفتنة تعرض للمسلمين في بعض أحوالهم، وقد سبق في التاريخ أن خرج البعض على نوع من الاجتهاد، لدفع ظلم فصار بهذا من الخروج من الشر والفساد ما هو أكثر من ذلك، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يعظم هذه المسألة كثيرًا ويجزم بأن من أصول أهل السنة والجماعة، أنهم يرون وجوب السمع والطاعة لأولي الأمر سواء كانوا أبرارًا أو كانوا فجارًا.\nوالطاعة كما هو معلوم مقيدة بالمعروف، وهذه المسألة ينبغي لطالب العلم أن يفقهها، وهي مقام من مقامات الديانة التي يجب على المسلم أن يتدين بها، فإنه إذا كان ولي الأمر مسلمًا محققًا لأصل الإسلام قائمًا به، لزم طاعته وحرم الخروج عليه بالسيف، أو حتى بالقول.","vol":"24","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>الدعاء لولاة الأمور</span>\nقوله: (ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله ﷿ فريضة ما لم يأمروا بمعصية).\nونرى طاعتهم بالمعروف من طاعة الله، لقوله ﷺ: (من يطع أميري فقط أطاعني، ومن يعص أميري فقد عصاني) كما في حديث أبي هريرة في الصحيح.\nقوله: (وندعو لهم بالصلاح والمعافاة).\nأي: وندعو لهم بالصلاح والاستقامة والمعافاة والهداية، ونحو ذلك مما هو موجب لمصلحتهم ومصلحة الرعية.","vol":"24","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>اجتناب الفرقة والاختلاف من أصول السنة</span>\nقال المصنف ﵀: [ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة].\nوهذا من أصول أهل السنة وأئمة السلف، وهو أصل ذكره الله في كتابه كثيرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، ولهذا يجب حسم مادة الافتراق والتنازع، ولاسيما إذا كان الافتراق على مسائل ما كان السلف يجعلونها أصلًا.\nهذا وقد شاع كثير من الافتراق بين أهل السنة والجماعة اليوم لمسائل ما كان السلف يعدونها أصلًا، ومن هدي السلف والاقتداء بهم أن يكون الإجماع إجماعًا، وأن يكون الخلاف خلافًا، وأن يبقى الاجتهاد اجتهادًا، وأما أن تحول مسألة هي محل نزاع بين السلف، إلى أصل يجب فيه اختيار أحد القولين، ويعد هذا هو مذهب السلف، فلا شك أن هذا من المخالفة لمذهب السلف.\nوعليه فلا يجوز بحال أن يقال: إن هذا لا يصلي الصلاة السلفية، لأنه إذا رفع من الركوع وضع يده على الصدر والسلفيون لا يفعلون ذلك؛ فهذا غلط، لإن كثيرًا من أئمة السلف ومنهم الإمام أحمد كانوا يرون وضع اليدين على الصدر بعد الركوع، وأكثر الفقهاء وكثير من السلف لا يرون وضع اليدين على الصدر بعد الركوع، بل يرون الإسدال.\nوليس المقصود هنا الانتصار لهذا القول أو الانتصار لهذا القول، لكن مثل هذه المسألة لا يجوز أن يميز بها السلفي من غير السلفي، فهذا التمييز لا شك أنه غلط، وما كان الأئمة يميزون أهل السنة باجتهاداتهم واختياراتهم، مع أنهم أفقه للدليل من المتأخرين، وإن كان البعض قد يتأول فيقول: إن هذا مخالفة للسنة والسلفي لا يخالف السنة، فنقول: هذه كلمة مجملة، وتحقيق أن وضع اليدين على الصدر أو خلاف ذلك مخالفة للسنة؛ هذا دونه خرط القتاد.","vol":"24","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>دقة الاستدلال عند السلف</span>\nومقام الاستدلال عند السلف مقام دقيق.\nنضرب مثلًا في مسألتين على الاختصار:\nالعامة من أئمة السلف من الفقهاء والمحدثين يذهبون إلى أن طلاق الثلاث ثلاث، مع أنه جاء في صحيح مسلم من حديث طاوس عن ابن عباس أنه قال: (كان الطلاق على عهد رسول الله وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم).\nفحديث ابن عباس هذا الذي رواه مسلم من رواية طاوس، صحيح في أن طلاق الثلاث في زمن النبوة وأبي بكر وفي صدر من خلافة عمر واحدة، فإذا أردنا الأخذ بالمقدمات الذهنية المبدئية للسيرة قلنا: السنة صريحة بأن طلاق الثلاث واحدة، مع أن العامة من السلف يرون أن طلاق الثلاث ثلاث، حتى قال ابن رجب: (واعلم أنه لم يصح عن أحد من الصحابة أو التابعين أو الأئمة المتبوعين، أنه جعل طلاق الثلاث واحدة)، مع أن هذا الإجماع الذي ذكره ابن رجب يخالف فيه شيخ الإسلام ابن تيمية ويذكر أن هذا قول طائفة من السلف، وليس المقصود بسط المسألة هنا.\nوروى أبو داود وغيره عن ابن عباس في مسألة المناسك أنه قال: (من ترك نسكًا فليهرق دمًا)، فهذه اللفظة مجملة في مراد ابن عباس بالنسك.\nاستقر عند عامة السلف من الفقهاء وأهل الحديث، أنهم يرون أن من ترك واجبًا في الحج وجب عليه دم، وهذا مستقر عند المذاهب الأربعة وغيرهم، وإن كان البعض يقول: خالف في ذلك عمر لأنه سُئل عن المبيت في المزدلفة قال: (افعله ولا حرج)، أو قال: (لا شيء عليك)، أو قال: (استغفر الله)، وهذا ليس تحصيلًا للمخالفة؛ لأن واجبات الحج فيها خلاف كثير، فالمبيت بمزدلفة فيه خلاف، منهم من قال: هو ركن، ومنهم من قال: هو واجب، ومنهم من قال: هو سنة، فمثل جوابات عمر وغيره لا يلزم أن تكون دليلًا على أن عمر كان يرى أن ترك الواجب لا شيء فيه.\nفالمقصود أن العامة من السلف استقر عندهم أن من ترك واجبًا فعليه دم وإن اختلفوا في تعيين الواجبات، ودليلهم قول ابن عباس: (من ترك نسكًا فليهرق دمًا).\nالسؤال: لماذا يستدلون بهذا الأثر هنا وقد تركوا قوله الذي قاله في الطلاق، مع أن قوله في الطلاق أضافه إلى النبوة، فقال: (على عهد رسول الله)، وهذا كأنه قاله اجتهادًا؟\nفيمكننا أن نقول: إنه هنا أضافه إلى السنة فنقتدي به، وهذا اجتهاد من ابن عباس، والأصل عدم الوجوب وبراءة الذمة، وابن عباس مأجور على اجتهاده، ولكن لا يجب اتباعه؛ لأنه ليس مشرعًا، والشرع قال الله قال رسوله، وننتهي من المسألتين بطريقة مختصرة.\nلكن يبقى السؤال: لماذا أئمة السلف، والجماهير من الفقهاء المتقدمين ما انتهوا بنفس النمط؟\nوالجواب: أن هذا يدل على أن مسألة الاستدلال، ومسألة فقه الدليل مسألة مطولة ولا يكفي أن تحسن إسناد قد حكم بشذوذه عامة أهل العلم، ثم تلزم الناس بما دل عليه، وتجعل ذلك هي الطريقة اللازمة، وأن من خالفها فقد ترك السنة وأعرض عنها.\nأيضًا مثلًا: من مذهب الحنابلة أن القود لا يكون إلا بالسيف، واستدلوا بحديث: (لا قود إلا بالسيف)، وذهب مالك إلى أنه يكون بغير السيف على تقييد مشهور في مذهب الإمام مالك، والراجح مذهب مالك؛ لأنه هو المعتبر بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]، وأما دليل الحنابلة فهو حديث ضعيف، فيقال: إن الإمام أحمد لما قال: القود بالسيف ليس هذا هو دليله فقط، فإن الإمام أحمد نفسه رد هذا الحديث.","vol":"24","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>موالاة المؤمنين والبراءة من الفاجرين</span>\nقال: [ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة].\nومن الإيمان محبة أهل الإيمان لحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وحديث: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا)، وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٥٥] إلى غير ذلك، فهذا من أصول الإيمان، وهو الولاء للمؤمنين والبراءة من أهل الشرك والكفر والنفاق والإلحاد.","vol":"24","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>ردُّ العلم إلى الله فيما اشتبه علينا علمه</span>\nقال: [ونقول: الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه].\nوهذه كلمة يجمع عليها أهل الإسلام، ولكن الكثير منهم لا يفقهونها، فكم تكلم من تكلم فيما لم يحكم علمه، بل قال بالجهل، أو قال بالظن، وقد قال الله ﷾: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦]، ولاسيما إذا كان المقام مقام حكم على الأعيان، أو حكم على الطوائف أو الجماعات أو غيرها، فإنه يجب هنا القيام بالعدل، والقيام بالعلم.","vol":"24","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>الكلام على تقسيم الدين إلى أصول وفروع</span>\nقال المؤلف عليه رحمة الله ﵎: [ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر].\nقوله: (ونرى المسح على الخفين) مسألة المسح على الخفين هي من مسائل الفروع في الأصل، وإن كان هذا التقسيم وهو تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وقد تكلم فيه غير واحد، ومن أخص من تكلم فيه الإمام ابن تيمية ﵀.\nولكن ينبَّه إلى أنه إذا ذُكر هذا التقسيم على معنى أن الدين منه ما هو أصل ومنه ما هو دون ذلك، فإن هذا صحيح ومجمع عليه ولا خلاف فيه، حتى ولو سمي الذي دون ذلك فرعًا فإن هذا مما يسوغ، وقد كان شائعًا في كلام أهل العلم من المتأخرين، وإنما الذي ينتقده شيخ الإسلام ﵀ الطريقة الكلامية التي دخلت على بعض الأصوليين والفقهاء حين يقسمون الدين إلى أصول وفروع، فيرتبون على ذلك كثيرًا من النتائج، فيقول كثير منهم: إن الأصول هي المسائل العلمية، والفروع هي المسائل العملية، أو يقول بعضهم: إن الأصول هي ما يعلم بالسمع والعقل، والفروع هي ما يعلم بالسمع وحده.\nثم يرتب على ذلك نتائج، منها: أن المخالف في الأصول يبدع، وربما يقول بعضهم: المخالف في الأصول يكفر، والمخالف في الفروع لا يكون كذلك .. إلخ.\nمع أن هذه الحدود ليست مناسبة وليست موافقة لهدي السلف ﵏؛ بل ولا لآحاد النصوص وصريحها، فإن قلنا: إن الأصول هي العلميات، فهناك من المسائل العلمية مسائل لا تعد أصلًا، وقد تنازع أهل السنة في رؤية الكفار والمنافقين لربهم ﷾، وهذه المسألة بإجماع السلف وأهل العلم ليست من الأصول التي يبدع ويضلل فيها المخالف، وتنازع الصحابة رضي الله تعالى عنهم في سماع الميت صوت الحي، وتنازع الصحابة ﵃ كـ ابن عمر مع عائشة وعمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، مع أن هذه المسائل تعد من العلميات.\nوبالمقابل فإن ثمة مسائل من العمليات هي بإجماع المسلمين من الأصول: كالصلوات الخمس، فإنها فعل وعمل ومع ذلك هي أصل في الإسلام بإجماع المسلمين.\nومثله حين يقول بعضهم: الأصول هي ما علم بالسمع والعقل، والفروع ما علم بالسمع وحده، فهناك مسائل كثيرة، هي بإجماع السلف من الأصول، بل ربما بإجماع المسلمين، وهي مع ذلك لم تعلم إلا بالسمع وحده ولم تعلم بالعقل، فمثل هذه لا يجوز أن تسمى فرعًا.\nوهذا الحد وما يترتب عليه من النتائج مشكل، ولهذا قرر شيخ الإسلام الإعراض عن هذا التقسيم من أصله، ولا يفهم من هذا أن شيخ الإسلام يمنع أن تسمي مسألة القدر أو مسألة الشفاعة أو مسألة الصفات ونحوها مسائل أصول، فإن هذا لا شك أنه غلط في فهم كلامه، فهو في كتبه يسمي هذه المسائل أصولًا، ولا شك أن في الدين ما هو أصل وما هو دونه، وإنما الإشكال طرد هذا التقسيم وما يستعمل فيه من الحد.\nوالقصد أن مثل هذه المسألة لم يكن محلها في الأصل مثل هذه المختصرات المقولة في الاعتقاد وأصول الدين، وإنما ذكرها من ذكرها من أهل السنة لكون الخوارج وطوائف من أهل البدع لا يرون المسح على الخفين، ولكونه حصل وانعقد إجماع السلف على أن المسح على الخفين سائغ بل سنة، أي مضت به السنة النبوية، وإن لم يكن مستحبًا على الإطلاق، لهذا الموجب ذكروا هذه المسألة في كتبهم أو في بعض كتبهم.\nومن هنا ذهب بعض الفقهاء إلى أن المسح على الخفين أولى من غسل القدمين، وهذا القول قاله طائفة ولكنه ليس راجحًا والذي عليه الجماهير من السلف والخلف أن هذا ليس مشروعًا على الإطلاق، بل المشروع هو الحال المناسبة للإنسان، فلا يتكلف لبس الخفين ولا يتكلف أن يكون بضد ذلك، بل تكون حاله على المناسبة.","vol":"24","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>الخلاف في جواز المسح على الجوارب</span>\nوهنا تنبيه إلى مسألة: وهي أن الذي أجمعوا عليه هو المسح على الخفين، وكما قال الإمام أحمد: (فيه أربعون حديثًا عن الرسول ﷺ) وأما الجوارب التي تسمى عند الناس اليوم بالشراب ونحوها فإن الإجماع لم ينعقد عليها، بل إن الأئمة الثلاثة: الشافعي ومالكًا وأبا حنيفة، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد، لا يرون المسح عليها، وإن كان الصحيح وهو المحفوظ في مذهب الإمام أحمد أنه يمسح على الجوارب كما يمسح على الخفين، لأن هذا جاء عن تسعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وفيه حديث متكلم فيه، والراجح ضعفه ولكن الحجة في ذلك هو عمل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولم يحفظ لهم مخالف كما قال الإمام أحمد في جواباته.","vol":"24","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>الحج والجهاد مع ولاة الأمور</span>\nقال: [والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم، إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما].\nمراده بذلك الرد على الرافضة الذين يرون أن الحج والجهاد أو الجهاد بوجهٍ خاص يكون مع الإمام، وهذه من أصولهم وأغلاطهم المعروفة، ومعلوم أن هذا الإمام الذي يتكلمون عنه قد غاب أو لم يوجد، بل قد مات من سنوات وهو في حال صباه، ويزعمون أنه منتظر، ومثل هذه المسائل قد عفا الزمن والعقل على الوقوف عندها، وإنما هذا نوع من الجهل والجاهلية التي ابتلي من ابتلي بها من الجهال.","vol":"24","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>شرح العقيدة الطحاوية [٢٥]</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان بالموت وبما بعده، فيؤمنون بملك الموت وأنه موكل بقبض الأرواح، ويؤمنون بعذاب القبر ونعيمه، وأن القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران، وأن العذاب في القبر يكون على الروح والجسد ... وغير ذلك مما بينه ربنا ﵎ ورسوله ﷺ.","vol":"25","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>الإيمان بما بعد الموت</span>\nقال المؤلف عليه رحمة الله ﵎: [ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين].\nالكرام الكاتبون هم الملائكة الموكلون بكتابة أعمال العباد، وهم المذكورون في مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢]، وقوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ومثل قوله ﷺ في الصحيح عن أبي هريرة: (يتعاقبون عليكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)، فهؤلاء الكرام الكاتبون، يكتبون أعمال العباد حسنها وسيئها.","vol":"25","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>النزاع في المباحات هل تكتبها الملائكة أم لا</span>؟\nوقد تنازع أهل العلم في المباحات من الأقوال هل تكتب أو لا تكتب، على قولين مأثورين عن طائفة من الصحابة والأئمة: فمنهم من قال: إن كل شيء يكتب؛ لعموم قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ [ق:١٨].\nومنهم من قال: لا يكتب إلا ما كان من الحسنات والسيئات؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]، فهذان قولان مأثوران والمسألة فيها سعة.","vol":"25","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>الإيمان بملك الموت</span>\nقال: [ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين].\nالله أعلم بماهية قبضه للأرواح، وإنما يؤمن أهل السنة والجماعة والجماهير من المسلمين بأن الله سبحانه قد وكل بالموت ملكًا يقبض أرواح العباد، وقد ثبت ذكر ملك الموت في السنة المتواترة عن النبي ﵌.","vol":"25","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>الإيمان بعذاب القبر وفتنته</span>\nقال: [وبعذاب القبر لمن كان له أهلًا، وسؤال منكرٍ ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ، وعن الصحابة رضوان الله عليهم].\nقوله: (على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة رضوان الله عليهم):\nعذاب القبر مذكور في القرآن، ولكنه ذكر في القرآن مجملًا، وهو المذكور في مثل قوله تعالى إخبارًا عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر:٤٦]، وكأن مراد الطحاوي ﵀ بقوله: (على ما جاء عن رسول الله) أي: مفصلًا، فإن النبي ﷺ فصل عذاب القبر.\nوالأحاديث في عذاب القبر متواترة عن النبي ﷺ في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها، ومن ذلك حديث أنس المتفق عليه: (إن أحدكم إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، قال: فيأتيه ملكان ..).\nوجاء عند ابن حبان: (أن أحدهما منكر والآخر نكير ..) ولهذا ذكر المصنف ذلك بقوله: (وسؤال منكر ونكير) وهذان اسمان للملكين، ولم يخرج في الصحيح تسميتهما، ولكن الأئمة ذكروا ذلك، وممن ذكر ذلك الإمام أحمد ﵀، واحتج على هذه التسمية بهذا الحديث، فهذا الحديث مستعمل في كلام الأئمة ﵏ ومحتجٌ به.\nومن ذلك أيضًا ما جاء في حديث زيد بن ثابت الثابت في الصحيح قال: (كنا مع رسول الله ﷺ، ونحن بضعة نفر، وهو على بغلة إذ جالت به وكادت أن تلقيه، وإذا أقبر خمسة أو ستة أو أربعة فقال: من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا، قال: من هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك، ثم قال ﷺ: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع به).\nوأيضًا في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير)، وفي روايةٍ في الصحيح: (وإنه لكبير) .. إلخ.\nوأيضًا جاء من حديث ابن عمر ﵄ في الصحيح: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة ومقعده بالعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار)، فأحاديث عذاب القبر وكذا نعيمه متواترة عن النبي ﵌، وقد أجمع عليها السلف، وخالف في ذلك طوائف من المعتزلة، فأنكروا عذاب القبر أو أنكروا بعض تفاصيله.","vol":"25","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>عذاب القبر ونعيمه على الروح والجسد</span>\nوعند أهل السنة والجماعة أن عذاب القبر ونعيمه يكون على الروح والجسد، وأما قول من يقول: بأنه على الروح فقط، فإن هذا قول منكر مخالف لإجماع السلف، بل تعذب الروح متصلة بالجسد، ويقع العذاب عليهما معًا.\nوالروح لها أحوال مختلفة، ولهذا ذكر النبي ﷺ أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تطير في الجنة، وأن أرواح الأنبياء في عليين ..\nولكنها وإن كانت تنعم في الدرجات العليا فإنها تكون متصلة بالجسد نوع اتصال، وهذا هو المقصود من قولهم: إن العذاب يقع على الروح والجسد، فالمقصود بذلك ما يقع بالاتصال، وإن كانت الروح قد تفارق مفارقة ما، إما إلى نعيم وإما إلى عذاب.\nوقد يكون العذاب أو النعيم على الروح والجسد مع أنهما في القبر، أي أن الروح تكون في القبر، فهذه أحوالٌ تختلف بحسب حال العبد، وذكر النبي ﷺ عن أهل الإيمان: أنه يفسح لهم في قبورهم، وما إلى ذلك، ولهذا قال في دعائه للموتى: (اللهم افسح لهم في قبورهم، ونور لهم فيها)، فالقصد أن أهل السنة أجمعوا على أن العذاب يكون على الروح والجسد، وقول من يقول: بأن الجسد لا علاقة له البتة، وإنما النعيم أو العذاب على الروح فقط، قول مبتدع وإن ذكره بعض المتأخرين من أهل السنة.","vol":"25","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>القبر روضة من الجنة أو حفرة من النار</span>\nقال: [والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران].\nالقبر إما أن يكون روضة من رياض الجنة، وذلك في حق أهل الإيمان والإسلام، وإما أن يكون حفرة من حفر النار، وذلك في حق أهل الكفر، وأما فساق أهل الملة فقد يعرض لهم في قبورهم ما هو من العذاب، ولكن لا يلزم أن يستمر هذا العذاب أو التضييق، بل يكون مآلهم إلى خيرٍ ورحمة من الله سبحانه.","vol":"25","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>الإيمان بالسمعيات</span>\nقال: [ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب، والصراط والميزان].\nجمهور الأصول السمعية متفق عليها بين عامة طوائف المسلمين، وإن كانت هناك مخالفات عند المبالغين في التأويل كبعض الغلاة من المعتزلة، أو من تأثر بالفلسفة من الأشاعرة، أو دخل في شيء من ذلك، أو في التصوف الإشراقي كـ أبي حامد الغزالي، حيث يعرض له في كلامه ما هو من التأويل لبعض هذه المسائل كمسألة الميزان ونحوه، وإلا فإن الأصل عند جماهير أهل القبلة -فضلًا عن إجماع أهل السنة والجماعة- هو الإيمان بهذه المسائل وأنها حقائق وماهيات الله أعلم بكيفيتها وماهيتها.","vol":"25","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>شرح العقيدة الطحاوية [٢٦]</span>\nالإيمان باليوم الآخر من أصول الإيمان عند أهل السنة والجماعة، فهم يؤمنون به وبما يجري فيه من الأحوال والمشاهد والمواقف والحساب والعرض مما أخبر به الله سبحانه في كتابه، أو رسوله ﷺ في سنته، ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالجنة والنار، وأنهما مخلوقتان، وأنهما لا تفنيان ولا تبيدان.","vol":"26","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>الإيمان بالبعث</span>\nقال المصنف ﵀: [ونؤمن بالبعث].\nوهو بعث الناس من قبورهم، فإن الناس يبعثون من قبورهم، ويصيرون إلى الحساب يوم القيامة، وهذا أصلٌ من أصول الإيمان مجمع عليه بين المرسلين، وقد كان البعث مذكورًا في كلام الأنبياء وسائر المرسلين، وجميع أهل القبلة يقرون بهذا، فإن من أنكر هذا لا يكون إلا كافرًا.\nوزعمت المتفلسفة الذين ينتسبون إلى الإسلام كـ ابن سينا وغيره، أن البعث إنما هو للأرواح دون الأبدان، وهذا من كلام الفلاسفة، وليس عليه أثر الأنبياء أو هديهم.","vol":"26","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>حساب الكفار يوم الحساب</span>\nوكذلك الحساب: فإن الناس يحاسبون، وقد تنازع المتأخرون من أهل السنة، في محاسبة الكفار، هل يحاسبون أو لا يحاسبون؟ والصواب التفصيل فإن أريد بمحاسبتهم الموازنة بين الحسنة والسيئة فإن الأمر لا يكون كذلك؛ لأن الكفار لا يوافون ربهم بحسنة، وإن أريد بالمحاسبة الإقرار والإشهاد وما إلى ذلك من المقاصد والمعاني، فإن هذا لا شك أنه يقع، وقد ذكره الله في كتابه وذكره الرسول ﵌ في سنته.\nوالكافر قد يقع منه ما هو من عمل الخير، ولكنه إذا لم يبتغ به وجه الله ﷾، فإنه لا يوافي ربه به بحسنة، بل يجزى بها في الدنيا، ولهذا جاء قوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] فسماه خيرًا، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤]، وفي الصحيح عن أنس أن النبي ﵌ قال: (إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا)، فسماها حسنات، وهي أعماله من الخير، كالصدقة أو العتق، أو صلة الرحم، أو نحو ذلك.\nقال: (وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنةٌ يُجزى بها)، فلا يوافي الكافر ربه بحسنة يثاب عليها، بل ما يقع له من الخير والحسنة فإنه يطعم بها في الدنيا، كما ذكر رسول الله ﷺ.","vol":"26","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>قراءة الكتاب</span>\nوكذا قراءة الكتاب وتقرير المؤمن بذنوبه، كما جاء في حديث ابن عمر وغيره في الصحيحين، فإن العبد يقرر بذنوبه، ثم يضع الله ﷾ على عبده المؤمن كنفه؛ أي: ستره، ويقرره بما عمل.","vol":"26","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>الإيمان بالثواب والعقاب</span>\nقوله: (والثواب والعقاب) أي: ثواب أهل الإيمان، وأخص ثوابهم هو رؤيتهم لربهم ﷾ في الجنة وفي عرصات القيامة قبل ذلك، فهذا من ومقدمات ثوابهم، ثم إذا دخلوا الجنة وصاروا فيما فيها من النعيم، أمكنهم الله ﷾ من رؤيته وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].\nوكذلك العقاب فإن الكفار يعاقبون في قبورهم، وكذا يعاقبون يوم القيامة وبعدها، فيدخلون النار على ما ذكر في الكتاب والسنة، وهذا العقاب والثواب يقع للروح والجسد بإجماع أهل السنة وعامة المسلمين، ولم ينازع في ذلك أحدٌ من أهل القبلة المعتبرين.","vol":"26","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>الإيمان بالصراط</span>\nقوله: (والصراط)، أي: فإن الناس يمرون عليه، وقد ذكر النبي ﷺ حال الناس ومرورهم على الصراط، وبين أنهم على أحوال فقال: (وأن الصراط مدحضة مزلة، وعليه كلاليب وحسك مثل شوك السعدان، ثم قال: هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: فإنها مثل شوك السعدان تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المؤمن بقي بعمله ومنهم المجاز حتى ينجى ..) إلخ.\nوذكر النبي ﷺ: أن منهم من يمرون كالبرق، وذكر ﷺ أن أول زمرة يحشرون إلى الجنة على صورة القمر، إلى غير ذلك من التفاصيل النبوية التي ذكر فيها ﷺ مقام الصراط وما يقع عنده من الشفاعة، وأن الرحم والأمانة تقومان على جنبتي الصراط، فكل هذه أحوال يقر بها أهل السنة والجماعة على حقيقتها وعلى مراد الله ﷾ على ما حدث بذلك الرسول ﵌.","vol":"26","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>الإيمان بالجنة والنار وأنهما مخلوقتان</span>\nقال المصنف ﵀: [والجنة والنار مخلوقتان].\nوهذا بإجماع أهل السنة، وقد عُرض ذلك للنبي ﷺ في المنام، ورأى ﷺ بعض أحوال العصاة ثم ذكر بعض أحوال أهل النعيم، وصريح الكتاب والسنة يدلان على أن الجنة والنار مخلوقتان، والآثار بذلك مستفيضة عن رسول الله ﷺ، وعلى هذا أجمع السلف.","vol":"26","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>بقاء الجنة والنار وعدم فنائهما</span>\nقال المصنف ﵀: [لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان].\nأي أنهما في دوامٍ مستمر، وهذا قد اتفق عليه السلف خلافًا للجهم بن صفوان وأمثاله ممن لم يثبتوا دوام الجنة، أو دوام النار، أو ممن بقول أبي الهذيل العلاف، بأن أهل الجنة وأهل النار تنقطع حركاتهم ويظلون في سكونٍ دائم؛ لأن التسلسل عندهم في المستقبل ممتنع، فهذه أصول باطلة في العقل فضلًا عن بطلانها في الشرع.","vol":"26","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>نسبة القول بفناء النار إلى ابن تيمية</span>\nنسب لـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ القول بفناء النار.\nفنقول:\nأولًا: يجب أن يفرق بين هذا القول -على ما فيه من التعقب -من حيث هو ومن حيث كونه قولًا لـ شيخ الإسلام، فيجب أن يفرق بين هذا القول، وبين قول جهم بن صفوان، فإن الجهم بن صفوان يقول بفناء العذاب مع بقاء النار، والذي نسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، هو القول بأن النار تفنى، أي: تنتهي، وأما القول بأن النار تبقى وينقطع عذاب أهلها، فهذا قول لم يؤثر عن أحدٍ البتة.\nوهذه المسألة ذكرها ابن القيم في كتابه حادي الأرواح، وذكر أن طائفة من السلف، بل نسب لبعض الصحابة، أنهم كانوا يقولون بفناء النار، وذكر أن في المسألة قولين لأهل السنة، وكأنه يميل إلى القول بالفناء، ولكنه لم يجزم به جزمًا صريحًا.\nوعلى كل حال فنسبة هذا القول للإمام ابن القيم، فيه نوع من المقاربة، وإن كان كلامه في بعض كتبه يوحي بأنه يخالف هذا القول، ولكن إضافة هذا القول لـ ابن القيم له حظٌ من النظر أو الاعتبار؛ لأن هذا هو ظاهر كلامه.\nأما الإمام ابن تيمية ﵀، فإن نسبة هذا القول إليه لا تصح، وهناك رسالة صرح فيها بهذا القول، وهي منسوبة لـ شيخ الإسلام وقد حققت، ولكن الظاهر أنها لا تصح عنه ﵀، بل ظاهر كلامه في أكثر من موضع من كتبه، أنه يقرر هذه الحقيقة المجملة التي ذكرها أهل السنة، وهي أن الجنة والنار لا تفنيان، ولا يستثني من ذلك العذاب في النار أو ما إلى ذلك من الاستثناءات التي أضيفت إليها، ولو صحت هذه الرسالة لكان هذا مما يُجزم به قولًا لـ شيخ الإسلام، لكن هذه الرسالة وإن حققت ونسبت إليه إلا أن الأظهر أنها لا تصح عنه.","vol":"26","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>دخول الجنة فضل ودخول النار عدل من الله</span>\nقال ﵀: [فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه].\nمن دخل الجنة فهو بفضل الله تعالى ورحمته، خلافًا للمعتزلة الذين قالوا بأن هذا على طريقة المجازاة المحضة، وأنه واجب على الله.\nوكذلك من دخل النار فإنه يدخلها بعدله ﷾، فإن العبد إنما كفر بعد ما جاءته البينات والهدى.","vol":"26","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>شرح العقيدة الطحاوية [٢٧]</span>\nقدّر الله ﷾ كل شيء من الأحوال الكونية والأوامر الشرعية، فإن الكون كله بيد الله، والخلق كله لله، وكل شيء يجري بمشيئة الله سبحانه وعلمه وقضائه.","vol":"27","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>أعمال العباد مقدرة</span>\nقال ﵀: [وكل يعمل لما قد فُرغ له، وصائر إلى ما خلق له].\nأي أن العبد يعمل ما يسره الله ﷾ له، كما في الحديث: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، وقوله: (قد فرغ له) أي ما مضى به القدر.","vol":"27","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>الخير والشر من تقدير الله</span>\nقال: [والخير والشر مقدران على العباد].\nقدر الله ﷾ متعلق بكل شيء من الأحوال الكونية والأوامر الشرعية، فإن الأمر كله لله، والخلق كله لله، كما في قوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقدره سبحانه متعلق بسائر أمره وخلقه.","vol":"27","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>التفصيل في الاستطاعة</span>\nقال: [والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به، تكون مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع التمكين وسلامة الآلات، فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]].\nقول أبي جعفر في مسألة الاستطاعة قول محقق؛ فإن لأهل الكلام قولين مشهورين في مسألة الاستطاعة، فمنهم من يقول: إن الاستطاعة تكون مع الفعل، ومنهم من يقول: إن الاستطاعة تكون قبل الفعل، وهذان القولان هما المشهوران عند المعتزلة والأشاعرة؛ والقول المحفوظ عند أهل السنة هو هذا التفصيل، وبهذا التفصيل يعلم أن الطحاوي ﵀ مجانبٌ لمذهب الأشعرية؛ فإن عامة الأشعرية لا يقررون هذا المذهب.","vol":"27","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>نقد تعبير الطحاوي بأن الأفعال كسب من العباد</span>\nقال: [وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد].\nوهذه جملة متعقبة في كلام الطحاوي، فإنه قال: (وأفعال العباد هي خلق الله) وهذا لا إشكال فيه، ولكنه قال: (وكسبٍ من العباد)، وقوله: (وكسب) هو من باب العطف، أي: فهي بخلق وكسب، فهذا التعبير بالكسب تعبير أشعري، وإن كان لفظ الكسب من حيث هو مستعمل في الكتاب وفي السنة أيضًا مثل قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [المدثر:٣٨]، وقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، فأفعال العباد سميت بالشرع أو في كلام الله سبحانه كسبًا، لكن تسمية أفعال العباد كسبًا على الاختصاص بهذا اللفظ وحده هو الطريقة التي استعملها أبو الحسن الأشعري، وعامة أصحابه، ولهذا فإن تعبير المصنف هنا ليس بحسن.\nولو عبر المصنف بالعبارات المأثورة عن السلف لكان أولى، فلم يكن السلف يخصون هذا اللفظ بأفعال العباد، وإن كان أصله مستعملًا في كلام الله ﷾، ولكن الأشاعرة يطلقون أن أفعال العباد كسبٌ ويريدون بذلك أن العبد يفعل بإرادة مسلوبة التأثير، وبإرادة -كما يعبر بعضهم- يقع الفعل عندها لا بها.\nفالقصد أن هذا موضع يتعقب فيه أبو جعفر الطحاوي لأنه خص ذلك بالكسب، وهذا التخصيص هو من أحرف الأشعرية في الأصل.","vol":"27","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>نقد قول الطحاوي: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم)</span>\nقال: [ولا يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، وهو تفسير: (لا حول ولا قوة إلا بالله) نقول: لا حيلة لأحد، ولا تحول لأحد، ولا حركة لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله تعالى].\n- قوله: (ولا يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون):\nهذه جملة أشعرية صريحة، بل يقولها الغلاة من الأشاعرة، والحق أن الله ﷾ كلف العباد ما يطيقون، وأما قوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) فإن الأمر ليس كذلك، بل تفضل ﷾ ورفق بهم وكلفهم، مع أنهم يطيقون فوق ما كلفوا به، فالصلاة فرضت خمسين صلاةً، ثم راجع النبي ﷺ ربه إلى أن جعلها الله ﷾ خمس صلوات، وهذا إنما أطلقه والتزمه بعض أئمة الأشاعرة المتكلمين الذين غلوا في تقرير مسألة تكليف ما لا يُطاق، وهذه المسألة ما كان السلف يذكرونها.\nبل إن تسمية أحكام الشريعة تكليفًا ليس مأثورًا عن أحدٍ من السلف، وهذا مما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، قال: (صريح في القرآن أن الله سمى العمل تكليفًا، أو سمى التشريع تكليفًا، لكن أن تسمى سائر مسائل الشريعة الواجب منها والمستحب والمباح تكليفًا، وكذلك أن تكون المنهيات من باب التكليف فهذا الإطلاق إنما حدث في اصطلاح المتأخرين).\nهذا فضلًا عن تكليف ما لا يطاق، فإن هذه ما نطق بها السلف أصلًا، والعبد إنما يكلف ما يطيق، وهذا بالإجماع لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].","vol":"27","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>هل يطيق العبد فوق ما كلف</span>؟\nوأما هل يطيق العبد فوق ما كلف، فإنه بيّن بالضرورة العقلية والحسية أن العبد يطيق أكثر مما كلف؛ فإن العبد يصلي هذه الخمس الصلوات مع أنه يطيق أن يصلي ست صلوات وعشر صلوات في اليوم والليلة، وهذه مسائل معروفة بينة الوضوح.\nوهذه النتائج من مسائل تكليف ما لا يطاق، ومسائل التعديل والتجوير التي توجد في كتب الأصوليين، فضلًا عن كتب أصول الدين عند المتكلمين، هي في الغالب نتائج في مسألة القدر.\nوهنا تنبيه: وهو أن هذه المسائل إذا ذكرت في كتب أصول الدين، يقول علماء الأشاعرة: هذا قول أصحابنا -يعنون الأشعرية-، والمعتزلة يقولون بأن هذا قول أصحابنا -يعنون المعتزلة- فيكون بينًا أن هذا قولٌ للمعتزلة وهذا قولٌ للأشاعرة، ولكن إذا ذكرت في كتب الأصول الكلامية، فمعلوم أن جمهور المتكلمين من الأصولين على طريقة أبي الحسن الأشعري هم من الشافعية، ومتكلمة الحنفية كثير منهم أو بعضهم على الاعتزال، فإذا ما ذكر معتزلة الحنفية هذه المسائل في مسائل أصول الفقه وقالوا: وقول أصحابنا كذا، فُهِم أن هذا مذهب الحنفية، في حين أن الغزالي أو الآمدي أو الرازي من أشعرية الشافعية إذا ذكروا هذه المسائل فقالوا: وقول أصحابنا، فيفهم أن هذا مذهب للشافعية.\nفهذه المسألة التي حقيقتها خلاف بين المعتزلة والأشعرية قد تنصب في كتب أصول الفقه الكلامية خلافًا بين الحنفية والشافعية، والحقيقة أنها ليست كذلك، بل هي خلاف بين المعتزلة والأشاعرة، وليست خلافًا بين سائر الحنفية مع سائر الشافعية أو المالكية.","vol":"27","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>تفسير الطحاوي للحوقلة</span>\nقال: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم، فهو تفسير: لا حول ولا قوة إلا بالله).\nأما المسألة فمن أصلها غلط، وأما كونها تفسيرًا لهذه الكلمة فكذلك هو غلط آخر، بل قوله ﷺ لـ أبي موسى -كما في صحيح البخاري -: (ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة قال: بلى يا رسول الله! قال: لا حول ولا قوة إلا بالله)، أي: أنه لا يكون شيء ولا تقع قوة من العبد ولا قدرة من العبد ولا تمكين من العبد إلا بقوة الله ﷾ وحوله وطوله وتمكينه، فهذا من الاستعانة، وهذه أحد جمل الاستعانة، وأحد جمل التوحيد المحكمة، ولهذا جعلها النبي ﷺ كنزًا من كنور الجنة.\nقال: (نقول: لا حيلة لأحد ولا تحول لأحد، ولا حركة لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحدٍ على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله تعالى).\nأما أن هذا بمعونته وتيسيره وتوفيقه فهذا صحيح، وهذا انفكاك عن كونها تفسيرًا لمسألة تكليف ما لا يطاق.","vol":"27","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>تعلق الحوادث بمشيئة الله تعالى</span>\nقال: [وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه، وقدره].\nأي: سواء كان ذلك في أفعال العباد، أو غير أفعال العباد، فسائر ما يقع فإنه بمشيئة الله ﷾ وحكمته.\nقال: [غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا].\nهذه الجملة مرادها صحيح، لكن التعبير بها ليس له تمييز، إلا على توجيه أن مراده ﵀ أن مشيئته ﷾ هي النافذة، وأن مشيئة العباد تبع لها، فهذا صحيح، ولكن لو عبر بغير ذلك لكان أولى.","vol":"27","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>تنزيه الله تعالى عن كل نقص</span>\nقال: [تقدس عن كل سوء وحَيْن، وتنزه عن كل عيب وشين ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]].\nوهذا من التنزيه المجمع عليه بين المسلمين.","vol":"27","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>انتفاع الأموات بدعاء الأحياء وصدقاتهم</span>\nقال المصنف ﵀: [وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعةٌ للأموات].\nذكر هذه المسألة في مسائل أصول الدين والاعتقاد ليس محكمًا، وإن كان أبو حنيفة ﵀ يذهب هذا المذهب، وهذه المسألة فيها نزاع مأثورٌ عن السلف، إلا أن المصنف خصص فقال: (وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم)، وبهذا التخصيص يكون كلامه صحيحًا، فإن الإجماع عند السلف منعقد على أن الدعاء والصدقة تنفعان الميت؛ لما جاء في ذلك من الآثار الصريحة في سنة النبي ﵌، وأما ما عدا ذلك من القرب كقراءة القرآن فهي موضع نزاع بين السلف.\nوذكر المصنف لهذه المسألة هنا ليس له مقصودٌ بين، فهو وإن لم يكن مما ينتقد لكنها ليست من مسائل العقيدة، ولهذا ترى أن كتب أصول الدين لا تذكرها، فلو قُررت في مسائل الإجماعات الفقهية لكان أولى، وإن كان قد يستثني أحيانًا فيقال: إن طوائف من أهل البدع يخالفون في هذا الإجماع ولهذا تذكر هذه المسألة في أبواب العقيدة، ولكن لا يطرد هذا؛ لأن هذا يستلزم في إجماع فقهي عند السلف خالف فيه طوائف من أهل البدع؛ أن يدخل في هذه المسائل، والأمر ليس كذلك.","vol":"27","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>الدعاء سبب لحصول المقدور</span>\nقال: [والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات].\nالدعاء من قدر الله، وهو سبب لحصول المقدور، وليس كما قال طوائف من الصوفية وبعض المتكلمين، إن الدعاء يقع على جهة التعبد المحض، أي أنه لا أثر له في حصول المقدور، وحجتهم في ذلك أنه قد سبقت الكتابة.\nوالجواب: أن يقال: نعم قد سبقت الكتابة، ولكن كما أن الله كتب المقدر أو المسبب فقد كتب السبب، فالدعاء هو سبب من الأسباب، كما أن صلاة العبد قد قدرها الله وكتبها، فكذلك دعاؤه قد قدره الله وكتبه، فكما أن الصلاة سبب لدخول الجنة، فكذلك الدعاء سبب لحصول المقدور والمدعو به.","vol":"27","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>افتقار الخلق إلى الله</span>\nقال: [ويملك كل شيء، ولا يملكه شيء].\nأي: لأنه ﷾ له الملك.\nقال: [ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين].\nهذا مما ينبغي تأديب المسلمين بفقهه، ولاسيما في التعبيرات والألفاظ، كتعليق المشيئة على مشيئة العبد ومشيئة الرب، فمن شرك الألفاظ قول: (ما شاء الله وشئت) والحلف بغير الله، فإن الإنسان عند حلفه إنما يريد التعظيم، أو العزم ونحو ذلك من المقاصد، فيشيع في كثير من المسلمين الحلف بالنبي أو بالأمانة، أو بغير ذلك، فهذا مما ينبغي تأديب المسلمين في فقهه، وهذا من فقه التوحيد.","vol":"27","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>إثبات صفتي الغضب والرضا لله</span>\nقال: [والله يغضب ويرضى لا كأحدٍ من الورى].\nوهذه جملةٌ حسنة في كلام أبي جعفر، وهي صريحة في مخالفة مذهب الأشعرية، فإن الأشاعرة لا يثبتون صفة الغضب والرضا، وإذا ذكروه فإنهم يتأولونه، فـ الأشعري في بعض كتبه يذكر الغضب والرضا ولكن يتأول ذلك بالإرادة.\nوالإمام الطحاوي لما قال: (والله يغضب)؛ فإن الأصل في كلامه أنه يريد الحقيقة، ومن تأوله من الشراح الأشعرية بأن مراده إرادة الانتقام أو إرادة الإنعام فإن هذا يقال: إنه تأويل لكلام المصنف على خلاف ما أراد.\nوكان ابن كلاب يثبت لله غضبًا ورضا، ومن هنا فإن ابن كلاب أجود حالًا من الأشعري في الصفات، لكنه مع هذا يجعل الغضب الذي يثبته واحدًا أزليًا كما يجعل الكلام واحدًا أزليًا، ومن هنا فارق ابن كلاب السلف في صفة الرضا والغضب، وأما الأشعري فإنه دونه؛ حيث يتأول الغضب وما في معناه من الصفات على الإرادة، وإن كان الأشعري في الجملة أحسن حالًا من متأخري أصحابه؛ لأن الأشعري هو والمحققون من الأشاعرة، كالقاضي أبي بكر ونحوه يفسرون ذلك بالإرادة، فيفسرونه بصفة، وأما المتأخرون ممن تأثر بالاعتزال كثيرًا فإنهم يفسرون ذلك بالمفعولات على طريقة المعتزلة كـ أبي هاشم الجبائي ونحوه.","vol":"27","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>شرح العقيدة الطحاوية [٢٨]</span>\nأصحاب رسول الله ﷺ هم صفوة الخلق الذين اختارهم الله سبحانه لصحبة نبيه ونصرته واتباعه، ورفع راية الدين من بعده، فكان لزامًا على كل من يأتي بعدهم موالاتهم ومحبتهم واتباع آثارهم.","vol":"28","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>موالاة أصحاب النبي ﷺ ومحبتهم</span>\nقال المصنف ﵀: [ونحب أصحاب رسول الله ﷺ].\nهذا من أصول أهل السنة، ولهذا قال شيخ الإسلام في الواسطية: (ومن أصول أهل السنة والجماعة، سلامة قلوبهم وألسنتهم من أصحاب رسول الله ﷺ)، وهذه جملة جامعة، لأن الإيمان يتحقق بسلامة القلوب وسلامة الألسنة، وأما من أظهر سلامة اللسان مع ما في قلبه من الطعن والبغي أو الانتقاص، فإن هذا من النفاق الباطن، ومن مرض القلب، وهذا لا يختص بالشيعة، بل يقع فيه كثير من المنتسبين إلى التسنن العام في مقابل الشيعة، كما يقع في ذلك بعض الكتاب، أو بعض المفكرين أو نحوهم، ممن يتكلمون في بعض مقامات الصحابة وأحوالهم، ولاسيما موقف الصحابة من مسألة الخلافة كموقف أبي بكر وموقف عمر مع الأنصار، أو الخلاف الذي حصل بين علي ومعاوية، فترى أنهم يعرضون ويطعنون في بعض الصحابة الأكابر، مع أنهم ليسوا على مذهب من التشيع معروف، بل هم مباعدون لهذه المذاهب، فهؤلاء وإن أجملوا أو حسنوا بعض العبارات فإن ما يكون في القلب يعلمه الله ﷾.\nفالقصد أن عبارة شيخ الإسلام في الواسطية عبارة محكمة، فإنه قال: (ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم)، فلا بد أن يكون ذلك محققًا في القلب.\nوالصحابة هم السادة الذين أثنى الله ﷾ عليهم في كتابه، ومن الممتنع في العقل والشرع أن يكون هؤلاء السادة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، قد انحرفوا أو ضلوا أو نافقوا في زمنه ﷺ، أو ارتدوا من بعده، إلى غير ذلك من الأكاذيب التي يكذبها العقل قبل الشرع، ويقولها أهل البدع والضلال، ومقام الصحابة مقام مجمع عليه بين السلف، وقد ﵃، ورضوا عنه، ولهم درجة الصحبة التي لا يبلغها أحد.\nقال: [ولا نفرط في حب أحدٍ منهم ولا نتبرأ من أحدٍ منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دينٌ وإيمانٌ وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان].","vol":"28","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>ترتيب الخلافة بعد النبي ﷺ</span>\nقال المصنف ﵀: [ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ، أولًا لـ أبي بكر الصديق ﵁، تفضيلًا له، وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لـ عمر بن الخطاب ﵁، ثم لـ عثمان بن عفان ﵁، ثم لـ علي ﵁، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون].\nهذا مجمع عليه، حتى آل البيت من أصحاب السنة والجماعة يجمعون على ذلك، وإن كان علي بن أبي طالب -كما هو معروف- قد تأخر عن بيعة أبي بكر زمنًا، وبعض أهل التاريخ ينازعون في هذه المسألة، وهي مسألة طويلة.","vol":"28","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>موقف علي بن أبي طالب من بيعة أبي بكر</span>\nلكن الذي جاء في الصحيح من حديث عائشة ﵂ أن عليًا ﵁ لم يبايع أبا بكر ﵁ إلا بعد ستة أشهر، وهذه على كل حال مسألة مختصة، فإنه ثبت في الصحيح وغيره أن عليًا بايع بعد ذلك، وبيعة علي لـ أبي بكر متفق عليها.\nوبيعة أبي بكر رضي الله تعالى عنه مجمع عليها بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم حتى علي، فإنه قبل بيعته لـ أبي بكر ما كان خارجًا عليه، فلا يفهم من عدم مبايعة علي لـ أبي بكر ﵄ في بداية الأمر أنه كان خارجًا على أبي بكر، ومعلوم أنه لا يلزم سائر الأعيان من أهل الحل والعقد أن يأتوا بأعيانهم للمبايعة، فقد يكون هناك موجبات وأسباب، أو حتى تقصير في الإتيان، لكن مع هذا لا يسمى هذا رفضًا أو إبطالًا من علي لبيعة أبي بكر أو تحريضًا للناس على الخروج عليه.\nوإذا كان بعض المبتدعة قد سمى هذا رفضًا من علي ﵁، فكل هذا لم يكن، فضلًا عن كون علي رضي الله تعالى عنه جاء بعد ذلك وبايع أبا بكر ﵁، فهذه بيعة متفقٌ عليها.\nثم إن الكثيرين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما بايعوا عليًا بالتعيين مع أن بيعة علي ﵁ وخلافته مجمع عليها بين أهل السنة والجماعة، فإذا كان فعل علي ﵁ يعد طعنًا في بيعة أبي بكر ﵁، لزم أن يكون فعل هؤلاء الصحابة طعنًا في بيعة علي، فإن المتخلفين عن بيعة علي أكثر، ولم ينقل أن أحدًا تخلف عن بيعة أبي بكر إلا عليًا ثم جاء وبايع، وأما من عداه فإنهم بايعوه وأقروه، سواء جاءوا بالتعيين، أو أقروا إقرارًا، أو اتخذوا طاعته وسمعوا له، ومعلوم أن من سمع وأطاع فإنه يعد مبايعًا ولا يلزم بالضرورة أن يأتي بعينه، والإلزام من تكلف أهل البدع في التشكيك بخلافة إمام الأمة وصديقها رضي الله تعالى عنه.\nثم الخلافة من بعد أبي بكر في عمر رضي الله تعالى عنه، ثم الخلافة من بعده في عثمان ﵁، ثم الخلافة من بعده في علي ﵁، وخلافة الخلفاء الأربعة مجمع عليها بين السلف.\nوالحقيقة أن المسألة الممكنة التي لو فرض جدلًا أن فيها مثارًا من الإشكال والسؤال -ولهذا كان السلف يدرءون القول فيها، ويحققون الجزم بها- هي خلافة علي ﵁، فإن الناس كانوا فيها متفرقين حتى الصحابة وحتى حصل القتال، وأما بيعة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فإنها بإجماع أهل العلم كانت أحكم من بيعة علي ﵁، مع أن بيعة علي رضي الله تعالى عنه بيعة شرعية بإجماع السلف، وخلافته خلافة نبوية.\nوقد كان الإمام أحمد وأمثاله يقولون: (من لم يربع بـ علي في الخلافة فهو أضل من حمار أهله)، مع أن طائفة من الصحابة كانوا مقاتلين لـ علي، ولهذا قيل للإمام أحمد: فكيف بمن قاتله؟ فقال: (أنا لست من حربهم في شيء)، وقيل له أيضًا: قد كان لا يربع به من لا يقال له: إنه أضل من حمار أهله، يعنون بذلك من قاتله من الصحابة، كـ معاوية وغيره، فقال الإمام ﵀: (أنا لست من حربهم في شيء).\nفالإمام أحمد ﵀ وغيره من أئمة السنة جزموا بخلافة علي وأنها خلافة راشدة بالسنة؛ لأن النبي ﷺ قال: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة)، كما في حديث سفينة ﵁ المخرج في المسند وغيره، وهو حديث صحيح ذكره الإمام أحمد واحتج به وكذا غيره من أئمة السنة، فهذا هو الموجب عندهم.\nومعنى قوله: (أنا لست من حربهم في شيء)، أي أنه إذا اجتهد مجتهدٌ ولو كان صحابيًا فأخطأ في اجتهاده ولم يتبع عليًا رضي الله تعالى عنه، فإن اجتهاده وخطأه لا يمكن أن يكون موجبًا لترك ما ذكره الرسول ﷺ من البيان في هذه المسألة.","vol":"28","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>حكم التخميس بعمر بن عبد العزيز في الخلافة</span>\nذكر بعض المتأخرين من أهل السنة، ونسبوا هذا القول لبعض المتقدمين -وكأنه لا يصح عن أحد من المتقدمين- أن عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الخامس، ولما بلغ الإمام أحمد عن بعض أهل العراق أنه كان يقول بأن عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الخامس، كان ينكر ذلك إنكارًا شديدًا، وموجب ذلك: أن الخلافة الراشدة التي قال فيها ﵊ في حديث العرباض في السنن والمسند: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء) هي خلافة الخلفاء الأربعة الراشدين فحسب، وأما عمر بن عبد العزيز فهو مقتدٍ بهم، ولا يعد خليفةً راشدًا على معنى الحديث النبوي، لأن الخليفة الراشد له سنة متبعة.\nوأما تسمية عمر بن عبد العزيز ﵁ ورحمه خليفة راشدًا، فمعنى ذلك أنه على منهاج الخلافة الراشدة، وهذا لا إشكال فيه، كما أنه يسوغ عند عامة أهل العلم أن يسمى السلاطين من المسلمين إذا جمعوا كلمة المسلمين خلفاء، وقد كان شائعًا تسمية بني أمية وسلاطين بني العباس بالخلفاء، فمن سمي خليفة على هذا الوجه فلا إشكال فيه، حتى عمر بن عبد العزيز، إذا قيل: إنه خليفة راشد، أي أنه مقتدٍ بهم، فنعم، أما إذا قيل: خليفة خامس، والخلفاء الراشدون خمسة، فهذا لا شك أنه غلط مخالف للسنة.","vol":"28","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>المفاضلة بين معاوية وعمر بن عبد العزيز</span>\nوعمر بن عبد العزيز ليس له سنة متبعة، بل إن معاوية بإجماع أهل العلم أفضل منه، وعمر بن عبد العزيز حقيقته أنه ملك، قال شيخ الإسلام ﵀: (وكان الخلفاء الراشدون، خلفاء الرسول ﷺ في الأمة، هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وما بقي من إمارة الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه، ثم جاء معاوية، فـ معاوية هو أول ملوك المسلمين وهو بإجماع أهل السنة والجماعة أفضل ملوكهم).\nأي: فهو أول ملوك المسلمين، وسائر من بعده يسمون ملوكًا، وإذا سموا خلفاء فعلى المعنى العام، الذي هو إمارة المسلمين والقيام على شئونهم، أما الخلفاء الراشدون، فإن المقصود بكونهم خلفاء ليس هو خلافة المسلمين والقيام على شئونهم فحسب، بل هذا المعنى حاصل لهم مع كونهم خلفاء رسول الله ﷺ في الأمة، وهذه المنزلة خاصةٌ بـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، ولا تكون لـ معاوية فضلًا عن كونها لـ عمر بن عبد العزيز، قال شيخ الإسلام: (وإن كان حصل في زمن عمر بن عبد العزيز من مقامات العدل ما لم يتحقق في زمن معاوية، ومع هذا فإن معاوية أفضل منه بالإجماع).\nوتفضيل عمر بن عبد العزيز على معاوية ليس محكمًا من أوجه كثيرة، حتى في مسألة العدل، لأن عمر بن عبد العزيز جاء في زمن فيه قدر من الاستقرار، بخلاف الزمن الذي جاء فيه معاوية رضي الله تعالى عنه، فإنه ما كان زمنًا مستقرًا، بل كان فيه منازعة بعض آل البيت، وكان معاوية يقابله مجتهدون أكابر كـ عبد الله بن الزبير والحسين بن علي، بخلاف عمر بن عبد العزيز فلم يكن يعارضه إلا معارض لا قيمة له، ولهذا لا ينبغي الطعن على معاوية بأي مسألة من المسائل أبدًا.\nوأما قتاله لـ علي فقد خالف فيه، والحق مع علي رضي الله تعالى عنه، وقد جاءت الدلائل من السنة على أن عليًا أولى بالحق، وأن عمارًا تقتله الفئة الباغية، كما في حديث أم سلمة ﵂، فدل هذا على أن اجتهاد معاوية ﵁ كان خطأً، ولكنه خطأٌ مغفور من إمامٍ هو صاحب مقام في الاجتهاد.","vol":"28","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>حال يزيد بن معاوية</span>\nالطعن الذي يمكن أن يصح هو في شأن يزيد بن معاوية، ومعلوم أن يزيد بن معاوية ليس صحابيًا ولا له درجة الصحبة، وله بعض المحاسن التي تذكر، إلا أن له بعض الأغلاط الكبار، وأشد أغلاطه وأخسها حاله مع الحسين بن علي ﵁، وحاله مع أهل المدينة، ومع هذا فقد كان فيه قدرٌ واسع من العدل، ولكنه كان حريصًا على تصفية خصوم الدولة الأموية إذا ذاك، ولم يكن مباليًا بمقام ابن الزبير ومقام الحسين بن علي وما حصل من أهل المدينة، مع أن الظاهر في أهل المدينة أنهم أخطئوا فيما فعلوه، ولكن مع ذلك فإن تصرفه معهم خطأ، فإنه أرسل مسلم بن عقبة المري وأمره إن لم يستجب له أهل المدينة أن يستبيح المدينة ثلاثة أيام، ففعل، فكان هذا من أكبر الأغلاط التي وقع فيها يزيد، وإن كان هو لم يفعل بنفسه، ولكنه أرسل قائدًا يعرف حاله.\nوكذلك الحسين بن علي لما اضطره ابن زياد إلى القتل صبرًا، مع أن الحسين بن علي تراجع مع جيش ابن زياد أن يذهب إلى يزيد بن معاوية في الشام، أو يذهب إلى أحد الثغور، أو يرجع إلى مكة، فرفض ابن زياد ومن معه فقتلوه ومن معه صبرًا، ولما بلغ الأمر يزيد بن معاوية أظهر التأسف وأكرم النساء اللاتي وصلن إلى الشام من أهل البيت، لكن هذا كله حتى الكفار يفعلونه، ولا يمكن أن يعتذر عن يزيد بن معاوية بكونه لما جاءه نساء الحسين ومن معهن أكرمهم وقدرهم فهذا لا بد أن يفعله؛ إذ لا يمكن أن يقتل نساء الحسين بن علي ومن معهن.\nفالقصد أنه لا شك أن يزيد بن معاوية مؤاخذ، لا نقول عند الله، ولكن لا شك أنه غلط واستحق الطعن فيه بسبب ما تصرف به في مسألة المدينة ومسألة الحسين بن علي، فإنه صحابي من أشرف الصحابة، وابنٌ لرسول الله ﷺ، وقتل صبرًا وفي أنواع من الظلم متوالية ومتواترة، فلا ينبغي أن يستحي أهل السنة من ذكر يزيد بن معاوية بهذا مع ما له من الحسنات والفضائل والعدل في مقامات متعددة، فأحسن ما يكون حال يزيد بن معاوية مع الحسين بن علي، ما قال أبو سفيان في يوم أحد: (ما أمرت بها ولم تسؤني)، مع أن الظاهر أنه أمر بها بشكل آخر، فإنه أرسل رجلًا يعرف حاله وهو ابن زياد، والدليل على هذا أنه ما قتل ابن زياد ولا عاقبه معاقبة بينة.\nوكانت طريقة بني أمية أن يجعلوا أكثر المشاكل في وجه القادة، مثل الحجاج بن يوسف لما قتل ابن الزبير، ومثل مسلم بن عقبة لما استباح المدينة، ومثل ابن زياد لما قتل الحسين، فيجعلون هذا في وجه القادة، ثم يظهرون الندم والتأسف، وهذه طريقة شائعة في سياسة بني أمية.","vol":"28","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>العشرة المبشرون بالجنة</span>\nقال: [[وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ، وبشرهم بالجنة، نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله ﷺ وقوله الحق، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة، ﵃ أجمعين]].\nمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة ليس محصورًا في هؤلاء العشرة، بل هناك غيرهم.\nوسعد هنا هو ابن أبي وقاص، وسعيد هو ابن زيد.","vol":"28","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>بغض الصحابة من النفاق</span>\nقال: [ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ، وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس؛ فقد برئ من النفاق].\nأي: لأن النبي ﷺ ذكر ذلك، ومنه قوله ﷺ في حديث البراء: (لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق)، فحب الصحابة ﵃ أنصارًا كانوا أو مهاجرين إيمان، وبغضهم نفاق، والمهاجرون كما هو معلوم جنسهم أعظم وأفضل من جنس الأنصار؛ لأن الله قدمهم لما معهم من الهجرة والنصرة، وإن كان الأعيان لا يلزم أن يطرد فيهم هذا.\nأحيانًاَ يستدل بعض الشيعة على نفاق بعض الصحابة بأنهم قاتلوا عليًا، ويذكرون في هذا قول النبي ﷺ لـ علي -وهو حديث صحيح مخرج في صحيح مسلم وغيره- عن علي ﵁: (إنه لعهد النبي الأمي إلي، أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق)، قالوا: ومن قاتله فقد أبغضه، وأي بغضٍ أشد من رفع السيف في وجهه .. إلى غير ذلك.\nفيقال: لا شك أن هذا ليس طريقًا للتحصيل، وإلا لو كان كذلك للزم أن من قاتل أنصاريًا يكون متصفًا بذلك، وقد ذكر كثير من أهل الأخبار والسير أنه كان في جيش معاوية بعض الأنصار، فيلزم أن الحكم ينطبق على علي ومن معه، ولا شك أن هذه طريقة ليست من طرق الفقه المأثورة عن سلف الأمة، وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع اقتتالهم متوالين في قلوبهم، أي: بينهم قدرٌ من الموالاة والمحبة في قلوبهم، وإن اجتهدوا فيما اجتهدوا فيه فأخطئوا، وهذا بين في كلام علي رضي الله تعالى عنه.","vol":"28","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>الكلام على القتال بين علي ومعاوية</span>\nوقد تنازع أهل السنة والحديث في القتال بين علي وأهل الشام، أي: بين معاوية ومن معه، فمنهم من قال: إن الصواب كان مع علي، ومنهم من قال: إن الصواب كان في ترك القتال، وكلا القولين مأثور عن السلف ﵏.\nوأما من صوب قتال معاوية فإن هذا قولٌ غلط لم يقله أحدٌ من السلف، وكذلك من قال: إن هذا الزمن ليس فيه إمام أو خليفة شرعي، وإنما هو زمنٌ فتن، فهذا قول لطائفة من المتكلمين وبعض الفقهاء؛ وإنما القولان المأثوران عن السلف إما تصويب القتال من جهة علي، وإما تصويب ترك القتال.\nوشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: (إن جمهور أهل السنة والحديث يذهبون إلى أن الصواب هو ترك القتال؛ لأن معاوية ومن معه غاية الأمر أن يكونوا بغاةً، ولم يؤمر لا في الكتاب ولا في السنة بقتال الطائفة الباغية ابتداءً، وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ..﴾ [الحجرات:٩]، فإن قتال الطائفة الباغية إنما شُرع بعد الصلح، قال: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)، فالمشروع هو الصلح وليس البدء بالقتال.\nويستدل لذلك أيضًا بما ثبت في صحيح البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال عن الحسن: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، قال شيخ الإسلام: (ولو كان القتال مشروعًا لما كان من امتنان الله وفضله على المسلمين أن يرفع عنهم ما هو مشروع)، أي: لكانت النعمة في بقاء هذا المشروع واستمراره، فهذان الدليلان هما أخص ما استدل به شيخ الإسلام، وقال: إن هذا هو القول الذي عليه جمهور أهل السنة والحديث، وذكر أنه الراجح في مذهب الإمام أحمد.\nوالحقيقة أن المسألة فيها إشكال، ولا يلزم أن يجزم فيها عند طالب العلم بجزم؛ لأن الاستدلال بالآية مشكل من جهة، وهي أنه وإن كان القتال إنما يشرع بعد الصلح؛ لكن إذا كان الصلح متعذرًا أو لم يكن ممكنًا، فهل يبقى أن القتال لا يشرع بحال؟ وهل علي رضي الله تعالى عنه أمكنه الصلح وتركه؟ هذه مسألة لا يمكن الجزم بها، أو يجزم بأن عليًا ما كان يمكنه الصلح، لكن على أقل تقدير نقول: لا يمكن لأحدٍ أن يقول: إن عليًا كان يمكنه الصلح، ولكنه أعرض عنه.\nوكذلك قوله ﷺ: (إن ابني هذا سيد)، يقال: إن هذا كان في حق الحسن، ومعلوم أن الحسن ليس كأبيه، فلو كان القتال من أبيه مشروعًا لم يلزم أن تكون مواصلة القتال من قبل الحسن مشروعة، فإن مقام علي ليس هو مقام الحسن، فالمسألة ليس فيها شيء بين، وإن كان الرسول ﷺ قال: (تقتل عمارًا الفئة البغية)، فهذه مسألة اجتهاد.\nومما يدل على أن المسألة مسألة اجتهاد: أن الصحابة ﵃ كانوا مختلفين فيها، ومن ترك القتال لا يلزم أنه لم يكن مع علي، فإن أسامة بن زيد، كما ثبت عنه في الصحيح قال لـ علي: (يا أبا الحسن! لو كنت في شق الأسد، لأحببت أن أكون معك فيه) أي أنه كان مواليًا تمامًا لـ علي، قال: (ولكن هذا أمرٌ لا أراه) وحتى علي نفسه، فقد كان متبرمًا من القتال، وكان يمتدح مقام سعد بن أبي وقاص، وامتداحه له مشهور معروف، فالقصد أن هذه المسألة ليست بينة، بل هي من مسائل الاجتهاد، ومن اجتهد من الصحابة فله أجران ومن أخطأ فله أجر.","vol":"28","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>شرح العقيدة الطحاوية [٢٩]</span>\nالأنبياء هم أفضل خلق الله سبحانه، اصطفاهم على خلقه وزكاهم، وأكرم كثيرًا ممن اتبعهم بأنواع من الكرامات، فضلًا منه ومنة؛ فكان لزامًا اقتفاء آثارهم واتباع طريقتهم، وحفظ مقامهم والثناء عليهم.","vol":"29","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>حفظ مقام أئمة السلف والثناء عليهم</span>\nقال المصنف ﵀: [وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر؛ لا يُذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوءٍ فهو على غير السبيل].\nبعد أن ذكر المصنف رحمه الله تعالى قول أهل السنة والجماعة في أصحاب النبي ﵌، ذكر مقام أئمة السلف، وأن من الهدي المأثور حسن القول في هؤلاء الأئمة، والمصنف عبر هنا بعبارات فيها سعة، فقال: (وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين)، فإما أن يعني بالسابقين: الصحابة ومن بعدهم ممن اتبع الصحابة، وإما أن يعني بالسابقين: من أخذ عن الصحابة من التابعين ومن بعدهم في طبقة القرون الثلاثة الفاضلة، ولا يعني الصحابة لأنه قد ذكر الصحابة من قبل، ويعني بالتابعين: من اقتدى بأئمة السلف من أهل السنة والجماعة من أصحاب الأئمة، فهذا وهذا كلاهما مما يمكن أن يفسر به كلام المصنف.\nإلا أن قوله: (ومن بعدهم من التابعين) إلخ، يدل على أن مراده من جاء بعد القرون الثلاثة الفاضلة، وهم أتباع السلف من الفقهاء وأهل الحديث وغيرهم، وهذا التوجيه هو الأظهر في كلام المصنف؛ لأنه قد ذكر الصحابة من قبل.","vol":"29","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>أهل العلم فقهاء ومحدثون</span>\nوقوله: (أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر):\nأما أهل الأثر: فيراد بهم أهل الحديث، الذين يعتبرون الرواية ويستدلون بها ويشتغلون بها علمًا.\nوأما أهل الفقه والنظر فمراده بالفقهاء من يختص بهذا الاسم، وإن كانوا مقتدين مقتفين، إلا أنهم اشتغلوا بالفقه ولم يشتغلوا بالرواية على جهة العلم المختص، وهذا تقسيم شائع معروف، فإن من أهل العلم من غلب عليه الاشتغال بالرواية علمًا، ومنهم من غلب عليه التفقه، وإن كان هؤلاء وهؤلاء يقال: إنهم من أهل الحديث باعتبار أنهم مقتفون متبعون، ولفظ الفقه تعبير شرعي مستعمل زمن الأئمة ومستعمل في كلام النبي ﷺ، وكلام الصحابة.","vol":"29","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>تسمية العلماء: (أهل النظر) اصطلاح حادث</span>\nوأما التعبير بلفظ النظر، فالنظر الذي ذكر في القرآن لم يوصف به أهل الإيمان في سائر الموارد، وإنما ذكر الله ﷾ النظر في مقام الإثبات لبعض مقامات الربوبية أو بعض مقامات الألوهية، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥].\nوكأن مراد المصنف بلفظ النظر، ليس اللفظ المذكور في القرآن، وإنما مراده بأهل النظر من اشتغل بهذا الوجه من التحصيل والاستدلال، وهذا المصطلح على هذا المعنى أضيف لكثير من علماء الكلام، والمتكلمون يسمون (أهل الكلام) ويسمون (النظار)، وإن كان مصطلح النظار أوسع من مصطلح المتكلمين، ولهذا يضاف إلى النظار كثيرٌ من الفقهاء، وكثيرٌ من الأصوليين إذ هم من اشتغلوا بالدلائل النظرية.\nبخلاف المتكلمين، فهم من اشتغلوا بالدلائل الكلامية، فسائر المتكلمين يسمون نظارًا ولا يلزم أن سائر النظار يسمون متكلمين، ومع هذا فإن الأصل أن هذا الإطلاق لم يكن معروفًا في كلام الأئمة إلا بعد حدوث الفرق والأهواء ولاسيما بعد ظهور علم الكلام، فإن هذه التسمية لم تكن مضافة لأئمة السنة والجماعة في مرحلةٍ من مراحل التاريخ، إنما كانوا يعرفون بأهل الحديث، أو يعرفون بالفقهاء أو نحو ذلك من الأسماء المأثورة.\nوأما (أهل النظر) فإنه من الأسماء المحدثة إذا أضيفت على هذا الوجه، ولو قال قائل: إن (أهل النظر) يفسر بما ذُكر على معنى النظر في القرآن، فيقال: حتى على هذا الوجه ليس مأثورًا، وما كان الصحابة يسمون أهل النظر ولا يسمون نظارًا، وإنما غلب هذا الاسم على من اشتغل بعلم الكلام أو انتحل شيئًا من طرقه.","vol":"29","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>عدم إشارة الطحاوي إلى ذم طريقة متكلمة الصفاتية</span>\nوالمصنف في خاتم رسالته ذكر البراءة من الطرق البدعية، فذكر الطرق البدعية التي نص أئمة السلف على ذمها، كالجهمية والمعتزلة والقدرية والمشبهة كما سيأتي، لكنه لم يشر إلى ذم طريقة متكلمة الصفاتية كطريقة عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبي الحسن الأشعري، ومن وافقهم من النظار، وإن كان قد تحقق في جمهور الجمل التي ذكرها المصنف في رسالته أن المصنف ليس على جادة الكلابية أو جادة الأشعرية بل هو في الجملة على الاقتفاء والسنة، وإن كان غلط في بعض المسائل إما لفظًا وإما لفظًا ومعنى.\nوهذا يشير إلى مسألة نبَّه عليها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما ذكر أصحاب الأئمة؛ فقد بين أنهم من جهة الأخذ بعلم الكلام ينقسمون إلى أقسام؛ فأما من اشتغل بعلم الكلام فهذا قسم بيِّن، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ذكر أن بعض الفضلاء من أصحاب الأئمة أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة، كانوا يذمون البدع والأهواء وكانوا معرضين عن علم الكلام، فما كانوا يشتغلون به، وكانوا يرون أن طريق السلف والأئمة أهدى وأقوم، إلا أنهم يرون هذا الطريق الذي انتحله من انتسب إلى السنة والجماعة كـ ابن كلاب والأشعري طريقًا مصححًا في الجملة، وإن كان عندهم ليس راجحًا ولا فاضلًا.\nومن هذا ما قرره بعض أصحاب الأئمة من أن السلف إنما ذموا علم الكلام لما فيه من الألفاظ المحدثة، كلفظ الجسم والجوهر والعرض ونحو ذلك، بل بعضهم يقول: ومثل هذا الذم معتبر بالمصلحة، قالوا: فإن المتأخرين لما كثر شقاق أهل البدع وكثر شرهم، كان لا بد لأهل السنة والجماعة من الاشتغال بهذه الطرق من باب دفع صول المخالفين، وعن هذا سوغ أبو حامد الغزالي مثلًا -مع أنه ليس من هذا الصنف بل هو منتحل لعلم الكلام مستعملٌ له- الاشتغال بعلم الكلام من هذا الوجه، قال أبو حامد في الإحياء: (وإن كان السلف ذموه إلا أن ذمهم له لحدوث ألفاظه، ومثل هذا الوجه من الذم قد يزول بالمصلحة)، وضرب مثلًا لذلك بما لو أن الكفار غزوا بلاد المسلمين فما تمكن المسلمون من ردهم إلا أن ينتحل بعض المسلمين ما هو من لباس الكفار أو ما هو من لغتهم إلى غير ذلك، فيرى أن هذا مما يتعلق بمسألة المصلحة.\nفـ أبو جعفر ﵀ لم يعرف أنه اشتغل بعلم الكلام، ولكن فيما يظهر والله تعالى أعلم، أنه لم يكن ذاك المباين لسائر الطرق الكلامية، أعني أنه لم يكن له نزع بيّن في الرد أو إبطال طرق متكلمة الصفاتية، ولهذا لما ذكر من بعد القرون الثلاثة الفاضلة، قال: (أهل الفقه والنظر)، فجعل النظار يدخلون في هذا الاستعمال.\nوقد يقول قائل: إن مراده بالنظر هنا ما هو مستعمل في كلام بعض الأصوليين، أي: أهل الفقه وأهل الأصول، وهذا صحيح، فالأصوليون الذين اشتغلوا بعلم أصول الفقه يسمون نظارًا في الجملة، لكن مع هذا فظاهر أن أبا جعفر ﵀ ما كان يقصد إلى إسقاط وإبطال مذهب متكلمة الصفاتية بالتصريح، وإنما يستعمل في ذلك الجمل المجملة غالبًا.","vol":"29","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>تفضيل الأنبياء على الأولياء</span>\nقال ﵀: [ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحدٍ من الأنبياء ﵈، ونقول: نبيٌ واحد أفضل من جميع الأولياء].\nمن فضل وليًا على نبي من الأنبياء فقد كفر؛ لأن هذا يخالف صريح القرآن وصريح السنة، ولم يقل ذلك أحدٌ من أهل الإسلام، إلا ما كان من شذاذ وغلاة بعض الصوفية، كبعض الاتحادية كـ ابن عربي مثلًا، فإنه في الفتوحات المكية -فضلًا عن كلامه في الفصوص- يذكر أن مقام الولاية أعظم من مقام النبوة، ولما ذكر حديث النبي ﷺ: (مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجلٍ بنى بنيانًا ...) جعل النبي على لبنة فضة، وجعله هو على لبنة الذهب، وقال: (إن المراد بلبنة الفضة: من أخذ الأحكام الظاهرة، ومن أخذ العلم المكتوم وعلم السر، فهو لبنة الذهب)، وهلم جرا.\nفمثل ابن عربي وأتباعه كـ ابن سبعين والتلمساني وأمثال هؤلاء الاتحادية، يطلقون مثل هذا الكلام، وهؤلاء متفلسفة، وليسوا مجرد صوفية عباد انحرفوا في بعض أوجه العبادة، فزادوا أو نقصوا أو غلوا في بعض أوجه الذكر والعبادة أو الصوم وما إلى ذلك، كما يقع فيه كثيرٍ من الصوفية؛ بل هؤلاء متفلسفة، وهم أئمة الباطنية.","vol":"29","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>أصناف الباطنية</span>\nوالباطنية صنفان: إما باطنية الشيعة، وإما باطنية الصوفية، وهذه الطريقة الباطنية الغالية هي طريقةٌ مخالفة لأصل العلم الذي بُعث به الرسول ﷺ، وحقائقها مبنية على مفارقة دين الإسلام، وأرباب هذه الطرق الباطنية، انتحلوا في الظاهر أحد المذهبين، إما مذهب التشيع وإما مذهب التصوف، ومع ما في التشيع والتصوف من البدع والضلال إلا أن حالهم هذه هي الأخف، وأما حقيقة مذهبهم في نفس الأمر، فهو شر من ذلك كثيرًا، فمن أئمة باطنية الصوفية من تقدم ذكرهم، كـ ابن عربي وابن سبعين والعفيف التلمساني وابن الفارض والسهروردي وأمثال هؤلاء، وأما باطنية الشيعة، فجمهورهم من الإسماعيلية، كـ ابن سينا وأمثاله.\nولـ ابن عربي كلام حسن في الفتوحات المكية، في ذكر بعض مقامات العبادة، أو ذكر بعض مقامات الإيمان، أو نحو ذلك، وكذلك ابن سينا له كلام حسن في بعض المقامات، ولكنه لا يكتفي به ولا يقف عليه، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكنت -يعني بذلك أنه كان في أول عمره- مع إخوة لنا نقرأ في كلام ابن عربي في الفتوحات المكية، ونقرأ في كلامه شيئًا حسنًا مما ينفع السالك، حتى نظرنا حقيقة كلامه وما ذكره في الفصوص فتبين مذهبه، وأنه يقول بقول الاتحادية).","vol":"29","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>أسس نظرية وحدة الوجود</span>\nوأما حقيقة مذهب ابن عربي وأمثاله فهو القول بوحدة الوجود، وهذا مبناه ليس على نوع من العرفان المحض أو التعبد أو نحو ذلك، إنما هي نظريةٌ فلسفية بناها ابن عربي في كتبه على مقدمتين:\nالأولى: التفريق بين الوجود والثبوت.\nالثانية: مسألة العدم، وهل العدم شيء أو ليس بشيء؟ وهذه نظرية فلسفية معروفة قبل أرسطو، بل إن الإمام ابن تيمية ﵀ قال: (وقد وقع لي في كلام لـ أرسطو ما هو من الرد على قوم من الفلاسفة قبله كانوا يقولون بوحدة الوجود).","vol":"29","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>الفرق بين قول ابن عربي وقول ابن سينا في وحدة الوجود</span>\nوكذلك ابن سينا لما قال بأن واجب الوجود، هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، أي أنه مجرد عن الأمور الثبوتية، ولا يوصف إلا بالسلوب والإضافات، أو ما ركب من السلب والإضافة، هذه نظرية فلسفية كان أرسطو طاليس يقررها، وابن عربي وأمثاله يقولون: هو الوجود المطلق لا بشرط، أي: أنه ليس متعينًا، فيجعلون الوجود واحدًا، ولا يمكن أن نقول: إن ابن عربي إنما كان يسمي الأعيان باسم الله؛ لأنهم يجعلونه هو الوجود المطلق لا بشرط، أي أنه لا يقبل التعيين، وإن كان متوحدًا في سائر الوجود، وقد كان أرسطو طاليس وأمثاله مع إلحاده ينكر هذه النظرية ويردها.","vol":"29","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>المقالات المبتدعة والفلسفية هي نظريات منقولة</span>\nوينبغي أن يفهم أن كثيرًا من البدع المغلظة التي قالها بعض غلاة المتكلمين، فضلًا عن المقالات التي قالها المتفلسفة، إما متفلسفة النظار، وإما المتفلسفة الباطنية، سواء كانوا ممن ينتسبون للتشيع أو ينتسبون للتصوف؛ كثيرٌ من هذه المقالات التي ذكروها في مقام الوجود، أو في القدر، أو في الصفات، أو في أفعال الرب أو في حدوث العالم، ومسألة الصدور أو الفيض التي يذكرها ابن سينا، وأمثال هذه النظريات ينبغي أن يعلم أنها نظريات منقولة، وأنها ليست نتيجة اشتباه اشتبه عليهم في بعض النصوص، فأدى نظرهم في بعض النصوص إلى هذه المقالات.\nبل هناك موجبات أوجبت عندهم هذه الأقوال، إما من الفلسفة المنقولة، أو ما هو مركب منها ومولد منها، كما هو شأن الغالب من المتكلمين، وإن كان هؤلاء مع هذا يستعملون كلمات من كلمات الشريعة، وينتسبون إلى الإسلام، فنظرية الجبر بصورتها الجبرية الغالية التي كان يقولها الجهم بن صفوان، ونظرية القدر بصورتها الغالية التي كان يقولها غلاة القدرية الذين ينكرون علم الرب بما سيكون؛ هذه نظريات منقولة، وكانت نظريات فلسفية سابقة، والرازي وأمثاله من النظار الذين كتبوا في النظريات المتقدمة كانوا يذكرون هذا عن أقوام من الفلاسفة.\nبل إن الرازي يقول: (إن فلاسفة فارس كانوا يذهبون إلى مذهب القدرية، حتى إنهم جعلوا الألعاب التي وضعوها -وذكر منها: لعبة الشطرنج- مبنية على مذهب القدر، قال: والفلاسفة من الهند كانوا مشتغلين بنظرية الجبر، قال: حتى أنهم لما وضعوا لعبة النرد وضعوها على طريقة الجبر) ذكر الرازي هذا في بعض كتبه ومنها (المطالب العالية).\nويجب أن يُعلم أن كل متشيع وكل متصوف يستعمل مثل هذا، فلا بد أنه متفلسف من وجه، وإن كان ظاهره التشيع أو التصوف، إلا أن ابن عربي لا يعرفه كثير من العامة، بل كثير من الناظرين لا يعرفون إلا أنه مجرد صوفي، كما أنهم يقولون -مثلًا- عن بعض العباد كـ الجنيد بن محمد، أو الفضيل بن عياض: إنه صوفي، فيجعلون مسالك الصوفية بها اشتملت عليه من أنواع من التعبد والعرفان قادتهم إلى مثل هذه الكلمات.","vol":"29","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>أقسام الفلاسفة قبل الإسلام</span>\nويمكن أن نلخص المسألة بطريقة أخرى فنقول: إن الفلاسفة قبل الإسلام كانوا على قسمين: الفلسفة النظرية، والفلسفة العرفانية، بمعنى أن الفلاسفة كانوا يتعاملون مع جهتين، إما جهة العقل، وهذه هي التي تمثلها الفلسفة النظرية العقلية، وإما جهة النفس، وهذه هي التي تمثلها الفلسفة العرفانية، القائمة على الغنوص والتجريد المقامات.\nفبعض الفلاسفة كـ أفلاطون، حاول أن يركب، بل بدأ هذا التركيب من زمن سقراط، ولهذا إذا قسموا الفلسفة قالوا: الفلسفة قبل السقراطية، والفلسفة بعد السقراطية، وكانت هناك محاولة للجمع أو التركيب بين العقل والنفس، والمقصود أن الفلسفة ليست مقصورة على النظريات العقلية، بل حتى كثير من النظريات العرفانية المقولة في الأحوال والتعبدات، وكيفية سلوك السالك ونحو ذلك، كثير منها إما أن يكون منقولًا وإما أن يكون متأثرًا، وليس معنى هذا أن سائر الصوفية كذلك، بل يعلم أن جماهير الصوفية مع ما عندهم من البدع ليسوا على هذا الوجه الفلسفي، وإن كان يقع عندهم بدع وانحراف وغلط؛ لكن الذين يضافون إلى هذه المقامات هم فلاسفة الصوفية كمن ذكرت أسمائهم.\nفالمقصود أن المصنف قال: (ولا نفضل أحدًا من الأولياء) لهذا الموجب.","vol":"29","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>الإيمان بكرامات الأولياء</span>\nقال ﵀: [ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم].\nقوله: (ونؤمن بما جاء من كراماتهم)؛ وهذا من أصول أهل السنة والجماعة، فإنهم يؤمنون بكرامات الأولياء، وجمهور المتكلمين لا يثبتون كرامات الأولياء، وموجب ذلك عندهم أنهم جعلوا دليل النبوة هو المعجزة، والمعجزة هي الآيات، ولا شك أنها دليل، بل قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ ..﴾ [الإسراء:١٠١]، فلا شك أن هذه دلائل، لكن دليل النبوة ليس مقصورًا عليها، فلما جعل جمهور المتكلمين دليل النبوة مقصورًا على المعجزات منعوا كرامات الأولياء حتى لا تختلط الكرامة بالمعجزة.\nولا شك أن هذا مخالف حتى لنظام العقل؛ لأن الكرامة تكون لولي، ومعلوم أنه يمتنع على الولي أن يدعي النبوة، فلو ادعى النبوة، أو استعمل ما أوتي من الكرامة على نوع من الالتفات إلى شخصه، لكان هذا مسقطًا لولايته، إذ استعمل ما أوتيه من الكرامة على وجه من الغلط المخالف للسنة والشريعة، فمثل هذه الشبهة لا ينبغي الالتفات إليها.","vol":"29","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>الكرامة ليست من شرط الولاية</span>\nوالكرامة كما هو متقرر ليست ملازمة لمقام الولاية، فليس من شرط الولي أن يؤتى كرامة، وليس من أوتي كرامة من الأولياء يكون أولى وأفضل ممن لم يؤتَ، بل قد تكون الكرامة فضلًا وقد تكون معالجةً، وقد تكون تثبيتًا من الله ﷾ لهذا الولي، ويكون غيره من الأولياء لما معهم من مقامات الإيمان لا يحتاجون إلى مثل هذه الكرامة، وهذا مما نص عليه بعض أئمة السنة كـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، قال: (إن بعض الكرامات قد تكون فضلًا ورفعةً، وبعضها قد يكون تثبيتًا لنوع من النقص الذي اقترن بحال الولي، فيثبت بمثل هذا).\nفالقصد أن الولاية لا تستلزم الكرامة، فليس من شرط الولي أن يؤتى كرامة، بل الجماهير من الصحابة ما أوتوا كرامةً، ومن غلط كثير من أئمة الصوفية حتى بعض الفضلاء منهم، أنهم يلتفتون إلى طلب مقام الكرامة، وهذا الالتفات والتحري لا شك أنه لم يكن من هدي السلف الأول، ولم يكن من هدي الصحابة، وأئمة الإسلام من أهل العلم، بل هو مخالف للسنة والأثر.\nوهذه الخوارق التي تقع لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام توزن بميزان الشرع، فإن كانت لولي فإنها تسمى كرامةً، وإن كانت لغير ولي فهي من الخوارق الشيطانية.","vol":"29","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>شرح العقيدة الطحاوية [٣٠]</span>\nيؤمن أهل السنة والجماعة بما جاء في كتاب ربهم وسنة نبيهم من أشراط الساعة، ومن أصولهم التي يعتقدونها: القصد إلى الجماعة، واجتناب الفرقة والاختلاف؛ فهم يزنون كل شيء بميزان الكتاب والسنة، فهما الميزان العدل الذي لا حيف فيه ولا جور.","vol":"30","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>الإيمان بأشراط الساعة</span>\nقال المصنف ﵀: [ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵇ من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من موضعها].\nأشراط الساعة: هي مقدماتها التي تقع قبل وقوعها، والمشهور في كلام المتأخرين من أهل العلم أنهم يقسمون هذه الأشراط إلى الكبرى والصغرى، وإن كان بينهم نزاع في تحديد الكبرى، وأكثرهم يقولون: إن الكبرى هي العشر التي ذكرها النبي ﷺ في حديث حذيفة بن أسيد الذي رواه مسلم وغيره، قال: (اطلع علينا رسول الله ﷺ، ونحن نتذاكر، قال: فما تذاكرون؟ قلنا: الساعة.\nقال: إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر: الدخان والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاث خسوف، خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نارٌ تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم)، فهذه الآيات العشر، وقد ذكر المصنف جملة منها، هي المشهورة عند كثير من أهل العلم بالآيات الكبرى، أو بالأشراط الكبرى، وإن كان هذا التقسيم لم يرد في النصوص أصلًا.\nوهذه الأمة المحمدية جاءت بين يدي الساعة، وقد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح، أنه قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين) وجاء عند الترمذي أن النبي ﷺ قال: (بعثت أنا والساعة نستبق، كادت أن تسبقني فسبقتها)، فإذا كان كذلك، علم أن هذه الأمة بين يدي الساعة، وعليه؛ فما ذكره النبي ﷺ مقدمة لها فإنه يسمى آية لها، أو شرطًا من اشتراطها، وأما تسميتها بالكبرى والصغرى فهذه من الأسماء الإضافية، فيراد بالكبرى ما بين يدي الساعة قريب منها، وهذا مما لا إشكال فيه، وهذا استنبطه أهل العلم من دلالات النصوص، فالنبي ﷺ مع أنه ذكر أنه بعث بين يدي الساعة، إلا أنه كان يخصص بعض الآيات بنوع من التخصيص، وهذا كمثل حديث حذيفة بن أسيد لما قال: (إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات)، فذكر آيات مقاربة لقيام الساعة.\nفهذا التقسيم، وهو أن أشراطها تنقسم إلى صغرى وكبرى، لا ينبغي إنكاره، كما فعل بعض الباحثين والمعاصرين، كما لا ينبغي الالتفات إليه كثيرًا، فهو نوع من التقسيم العلمي إذا فسر بمراد صحيح فلا إشكال فيه، فمن تركه ولم يستعمله؛ فلأن النصوص لم تستعمله على هذا الوجه، ومن استعمله، فلكونه ظاهرًا من طرفٍ من نصوص السنة أن هناك آيات لها اختصاص، كهذه الآيات العشر، ولا شك أن بعض الآيات كنزول عيسى بن مريم، لا يمكن أن يقارن ببعض الآيات التي وقعت من سنوات مضت، وعن هذا قيل بهذا التقسيم بالصغرى والكبرى.","vol":"30","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>عدم جواز تحديد وقت الساعة</span>\nوقوله ﷺ: (بعثت أنا والساعة نستبق)، الساعة تعرب على أنها: مفعول معه، وهذا دليل على المعية والمقارنة بين النبوة وبين الساعة، وقد تكلم بعض العلماء على أن الساعة لا يعلم وقتها إلا الله ﷾، وهذا صريح في القرآن وفي كلام النبي ﷺ، ومع هذا فإن بعض العلماء في القرن التاسع ونحوه تكلم عن قيام الساعة، ولم يحددوها، وإنما تكلموا في قربها، وأنها قد تكون في قرنهم، أو في آخر قرنهم ..\nإلخ، والحق أن التحديد للمسائل الخبرية، سواء كان تحديدًا للساعة، أو ما هو دون ذلك، كبعض الملاحم، والقتال الذي يكون مع اليهود أو غير ذلك؛ تحديد هذه الأمور بوقت معين وزمن معين وسنة معينة، لا شك أنه لا يجوز.\nولا شك أنه من الافتيات على الغيب، سواء استعمل لهذا التحديد بعض الاستقراءات من الآثار التي جاءت عن بعض أهل الكتاب أو غيرهم، أو ما يقع فيه بعض الناس -وهو أشد- من اعتبار هذه الأمور بالمنامات، فيفسرون بعض الرؤى بأنها هذه تدل على أنه سيقع القتال بين المسلمين واليهود في تاريخ كذا وكذا، وأن هذه هي الفتنة أو الملحمة التي ذكرها النبي ﷺ، ولا شك أن هذا بدعةٌ لا أصل لها، بل يجب في هذه الأمور أن يؤمن بما حدث به الرسول ﷺ، فضلًا عما جاء في كتاب الله، وأما مرسى هذه الأمور ووقتها وزمنها، فإن ذلك إلى الله ﷾ لا ينبغي التكلف بالبحث عنه.","vol":"30","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>تحريم تصديق من ادعى علم الغيب</span>\nقال ﵀: [ولا نصدق كاهنًا ولا عرافًا].\nالكاهن والعراف: هو من ادعى معرفة شيء من الغيب، وقد تكلم العلماء في الفرق بين العراف والكاهن، إلا أن هذه التقاسيم ليس بالضرورة أن تكون مطردة على كل حال، وقد يقال: إن مثل هذه الأسماء بينها عموم وخصوص، وإنها تقترن في مقام وتفترق في مقام، وأن العراف يسمى كاهنًا وأن الكاهن يسمى عرافًا، وهذا هو أجود التحصيلات لها.\nويشترك الكاهن والعراف في ادعاء علم الغيب، وقد يختلفون في بعض الطرق والأدوات والوسائل، ومن ذلك الرمال أيضًا.\nفالمقصود هنا: أن كل من ادعى علم الغيب من جهة نفسه، أو جهة غيره، سواء كان هذا الغير آدميًا أو كان جنيًا، فهو كاهن أو عراف أو رمال.","vol":"30","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>حكم إتيان الكهان والعرافين</span>\nوالنبي ﷺ لما ذكرهم كما في حديث صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي ﷺ، قال: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاةٌ أربعين يومًا).\nوجاء في مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من أتى كاهنًا أو عرافًا، فسأله عن شيء فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد)، وهذان الحديثان لا تعارض بينهما، فمن أتى كاهنًا أو عرافًا فسأله ولم يصدقه، فإن إتيانه يعد محرمًا، ووعيده قوله ﷺ: (لم تقبل له صلاة أربعين يومًا)، وأما من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه، فقد كفر، والمراد بالكفر هنا: الكفر الأكبر المخرج من الملة؛ لأن من صدق الكافر في كفره كان كافرًا، فإن الكاهن إنما كفر بدعوى علم الغيب، فمن صدقه في كفره فقد شاركه في الكفر.","vol":"30","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>حكم إتيان الساحر</span>\nوأما الساحر، فإنه يختلف عن الكاهن والعراف من وجه، ويشاركهم من وجه، أما مشاركته إياهم فبالكفر، والسحر الذي ذكر في القرآن -وهو المقصود عند العرب بالسحر- لا يكون إلا بنوع من الكفر، وهو أنه لا بد أن يصاحبه خضوع لشياطين الجن، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ..﴾ [البقرة:١٠٢].\nوالغالب على السحرة أنهم كهان وعرافون، ولكن من كان ساحرًا فأخبر عن محل سحر المسحور، فإن من سأله وصدقه لا يكون كافرًا، والفرق أن من أتى كاهنًا أو عرافًا، أو حتى ساحرًا فسأله عن شيء من الغيب فصدقه فإنه يكفر؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله، أما محل السحر، فليس هو من الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا الله، فالساحر الأول الذي سحر زيدًا يعلم مكان السحر، فيمكن أن بعض بني آدم يعلمون هذا المكان، فهذه مسألة لا بد من التفريق فيها، فالذي يقع من كون السحرة قد يخبرون عن محل السحر، هو كما يقرر الإمام ابن تيمية ﵀ أن الساحر لا بد أن يكون له معين وشيطان من الجن، وهذا الكبير من الجن الذي خضع له الساحر، يكون له جنودٌ وأعوان، ومعلوم أن الجن عندهم من سرعة الانتقال والمراقبة والحركة شيء كثير، ومن ذلك ما ذكر في قصة سليمان قال: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ..﴾ [النمل:٣٩]، فيقع في أعوان هذا الساحر من يراقب ويتابع، فقد يرى سحر أحد السحرة، فيعلم مكانه، فيحدث كبيره من الجن بذلك، وكبيره من الجن يحدث من خضع له من السحرة.\nفإذا سحر شخص وجاء إلى هذا الساحر يسأله عن مكان السحر لم يكفر؛ لأن السحر ليس من الغيب المطلق، إلا إن كان تصديق زيدٍ لهذا الساحر لاعتقاده أن علمه بهذا علم سرٍ مختص، وأن هذا الساحر يمكن أن يعلم الأشياء الخفية، وأن عنده القدرة على النفوذ والعلم بهذا السر، فإنه يكفر حينئذٍ؛ لأنه اعتقد فيه أنه يعلم الغيب.","vol":"30","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>حكم النشرة</span>\nولهذا فكثير من الفقهاء من الحنابلة وغيرهم رخصوا في مسألة النشرة، وهي فك السحر، ومعلوم أن هذا يتضمن سؤال الساحر عن محل السحر، ولو كان كفرًا لما كان من مورد النزاع بين أهل العلم، ومعلوم أن مسألة النشرة فيها خلاف، وإن كان المنسوب إلى جماهير السلف هو النهي عنها.\nولا شك أن الأولى والأقوى من قول العلماء هو تركها والبعد عنها؛ لما يقارنها من الفتن والشر إلى غير ذلك، فليس المقصود أن الراجح هو قول من يقول من الحنابلة أو غيرهم بجوازه، بل الراجح هو عدم ذلك، ولكن المقصود أن يعلم من هذا الخلاف أن سؤال الساحر عن محل السحر لا يلزم أن يكون كفرًا، بل قد يكون كفرًا مخرجًا من الملة، وقد لا يكون كذلك.","vol":"30","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>تحريم قراءة الكف</span>\nومما يجب إنكاره، ما ابتلي به كثير من المسلمين من سؤال بعض الكهان والعرافين عن بعض مستقبلهم وأحوالهم من جهة الرزق، أو الولد أو غير ذلك، ويقرءون لهم الطالع، فيقول ولدت في أي نجم وفي أي برج؟ فيقول: ولدت في برج الأسد مثلًا، وفي طالع كذا، وربما قال له: ارفع يدك، فيقرأ كفه، فمن سأله وصدقه فلا شك أن هذا من الكفر الأكبر، وإن كان كثير من المسلمين يجهلون ذلك، ولا شك أن من ادعى العلم الطالع، أو ادعى العلم بقراءة الكف، أنه كاهن عراف كافر، وهو المقصود بكلامه ﵌، وإن سُمي باسمٍ معاصرٍ قد يزينه كثير من الناس.","vol":"30","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>وزن المقالات بالكتاب والسنة والإجماع</span>\nقال ﵀: [ولا من يدعي شيئًا يخالف الكتاب والسنة، وإجماع الأمة].\nيعني: ولا نصدق من يدعي شيئًا يخالف الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، فهذه الأصول الثلاثة هي أصول العلم، وبها توزن مقالات الناس.\nأما الكتاب فبينٌ، وأما السنة فهي كل ما صح عن النبي ﷺ عند أئمة السنة والحديث، فما تلقاه أئمة السنة والحديث بالقبول، فإنه من اللازم اعتباره، واللازم هنا له جهتان:\nالجهة الأولى: التصديق، وهذه جهةٌ مطردة.\nوالجهة الثانية: الاستدلال، وهذه بحسب حال الناظر.\nفقد يكون الحديث عنده صحيحًا لكن لا يستدل به على مسألة ما لكونه يرى أنه ليس دليلًا عليها.","vol":"30","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقائد</span>\nوينبه في هذه المسألة إلى مسألة تقسيم السنة إلى متواتر وآحاد، وسبق الإشارة إلى ذلك، فإن التقسيم المستعمل عند علماء الكلام الذي قالوا به: أن الآحاد لا يستعمل في العقائد، وحقيقة هذا المذهب أن السنة كلها لا تستعمل في العقائد؛ لأنهم قالوا: إنما يستعمل المتواتر.\nوجمهورهم يعرفون المتواتر بأنه: ما رواه جماعة عن جماعة بإسناد متصل يستحيل تواطؤهم على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس، وصفة المتواتر على هذا الوجه: أن يرويه من الصحابة عشرة، وعن كل واحدٍ من العشرة عشرة، فيكون الرواة عن الصحابة مائة، وعن هؤلاء المائة، عن كل واحدٍ عشرة وهكذا، وهذا قد صرح كثير من الحفاظ كـ ابن الصلاح ونحوه بأنه لا مثال له، وبعضهم يقول: إنه لا ينضبط له إلا حديثٌ أو حديثان.\nفعلى هذه الطريقة لا يستدل بشيء من السنة إلا في محلٍ أو محلين، هذا إذا سلم هذا المحل أو ذاك، وعليه فحقيقة قول من يقول من المتكلمين وأهل البدع: إنه لا يستدل إلا بالمتواتر؛ أنه لا يستدل بالسنة في العقائد؛ إلا إذا فسر المتواتر بما هو معروف في كلام السلف، وهو ما تلقاه الأئمة بالقبول، فإن هذا إذا التزموا به لزم من ذلك بطلان عقائدهم وبدعهم، كأحاديث الرؤية والشفاعة وغيرها.\nولهذا فأهل البدع يقولون عن أحاديث الرؤية: إنها آحاد، ويقولون عن أحاديث الشفاعة: إنها آحاد، مع أنها في الحقيقة متواترة على المعنى المعروف في كلام الشافعي وبعض المتقدمين من أهل العلم، فالقصد أن ما صح عن النبي ﷺ، وتلقاه العلماء بالقبول، فإنه يجب التزامه.\nوأما الأحاديث التي تنازع فيها المتقدمون من السلف، من أئمة السنة والحديث، ككثير من الأحاديث المنقولة في الأحكام، فإن هذه مقامها على قدر من الاجتهاد باعتبار صحتها، فمن صححها فإنه يعتبرها، ومن لم يصححها لنوع من النظر والعلم رآه في هذه الرواية أو هذا الإسناد، فإنه لا يجوز أن يضاف إلى مخالفة السنة والجماعة.\nوكذلك الإجماع، يقول الإمام ابن تيمية ﵀: (والإجماع المنضبط هو إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم)، فإن الإجماع يُذكر في كلام أهل العلم، ويراد به إما الإجماع المنضبط، وهو الحجة اللازمة التي مخالفته بدعة وضلال، وإما أن يراد الإجماع السكوتي، وهو في الجملة حجة ظنية، وإن كان بين الأصوليين نزاع في حجية الإجماع السكوتي.","vol":"30","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>القصد إلى الجماعة من أصول السنة</span>\nقال: [ونرى الجماعة حقًا وصوابًا، والفرقة زيغًا وعذابًا].\nالمراد بالجماعة هنا: الجماعة المقتفية أثر النبوة، وهم المهتدون بهدي رسول الله ﵌، وهذا من مقاصد الشريعة الكلية.\nومن أصول السنة، القصد إلى الجماعة، والبعد عما يوجب افتراق القلوب، وهذا من الأدب الواجب، ومن أخلاق النبوة التي يجب على طالب العلم أن يعلمها وأن يفقهها، وأن يربي نفسه عليها.\nومع كثير من الأسف، فإن كثيرًا من النفوس عندها نوع من الاستعداد للافتراق، وأحيانًا قد يكون بعض طلاب العلم عنده هذا الاستعداد أكثر مما عند العامة، أي: ترى في قلوب بعض العوام من الاستقرار أكثر مما في نفوس بعض طلبة العلم، وهذا مما يجب على طالب العلم أن ينظره في نفسه، وليس صحيحًا أن تفسر سائر الواردات التي ترد على النفس بكونها من تتبع الحق، فقد يكون هذا تتبعًا للحق، وقد يعرض لبعض الناس -ولو كان من أولي العلم- ما يفرق به ولا يكون موجب ذلك من الحق اللازم.\nوشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما تكلم عن هذه المسألة، قال: (ومعلوم أنه يعرض لكثيرٍ من أهل العلم الكبار، بعض مقامات الغلط حتى ما هو من الهوى الخفي، فمثل هذا يقع لبعض الأكابر من أهل العلم، بل يقع لبعض الصحابة، وقد يعرض لبعض النفوس درجة من درجات الهوى الخفي، ولهذا كان من فقه السلف، أنهم كانوا يسمون من خرج عن السنة والجماعة: أهل الأهواء، مع أن بعضهم قد يكون خروجه في مسألة ما غير صادر عن هوى محض، ولكن لا بد أن يقارن من خالف المتواتر شيء من الهوى، قد يكون هذا الهوى بينًا وهذا يسلم منه طلاب العلم في الجملة؛ لما هم فيه من العلم والتقوى .. إلخ).\nولكن الشأن في الهوى الخفي، والنفوس فيها إرادات كثيرة، وفيها متعلقات كثيرة، وليس من الصواب أن يكون طالب العلم ليس له حال إلا الاشتغال بإخوانه من أهل العلم الذين قد يخالفونه في بعض المسائل، مع أن إنكار المنكر -لو كان- فرض كفاية، فتكفي مرة أو مرتان أو ثلاث، بينما تجد أن البعض تمضي عليه سنوات لا يردد في مجالسه إلا قضية أو قضيتين، وهذه القضية قد لا تتعلق إلا بكتاب أو بشخص، أو تكون قضية نسبية أو اجتهادًا سائغًا.\nومعلوم أن فروض الكفايات كثيرة، وهناك أيضًا فروض الأعيان التي تجب على المسلم وهي أولى، فينبغي لطالب العلم، أن يكون فقيهًا وأن يكون مهتديًا حقًا ومقتفيًا أثر السلف ﵏ فيما كانوا عليه من السعي إلى اجتماع القلوب والنفوس والحرص على السنة، ويعلم أن الناظر لا بد أن يخطئ، وقد يغلط فيقول قولًا يخالف ظواهر الأدلة وإن كان من أهل السنة.\nومثل هذا لا شك أنه يجب إنكاره، ويجب تحقيق السنة، وتحقيق سبيل السلف، لكن الإنكار على مثل هذا لا بد أن يكون على قدرٍ من الفقه والحكمة والاعتدال، وأما تخبيب النفوس وتقوية الإرادات النفسية التي تقوم على الانتصار، والاختصاص، والاصطفاء الذي ليس عليه أثر؛ هذا كله مما ينبغي لطالب العلم أن يبتعد عنه، وأن يدرك أن هذا العلم الذي بعث به رسول الله ص، متضمن للرحمة، وهكذا العلم الذي آتاه الله أولياءه، ومن كان علمه لا رحمة معه، فما أوتي العلم الذي رضيه الله - لعباده.\nولهذا لما ذكر الله ﷾ الخضر قال: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥]، قال شيخ الإسلام: (وعلم الأنبياء والأولياء الذين اقتدوا بهم يجمع هذا المقام وهذا المقام؛ لأن العبد إذا تعطل عن مقام الرحمة قوي في نفسه بعض الإرادات التي تبعثه على الانتصار، فاتخذ العلم بغيًا)، والذي يشكل حقيقة هو الاستطالة بالحق، وأول بدعة حدثت في الإسلام وهي بدعة الخوارج استطال أهلها بالحق؛ لأنهم ادعوا الحق دليلًا على بدعتهم -أي جعلوه شعارًا لبدعتهم- فقالوا لـ علي: (حكمت الرجال في دين الله، ولا حكم إلا لله)، فالكلمة حق، وعلي نفسه قال: (كلمة حق أُريد بها باطل)، فينبغي لطالب العلم أن ينتبه من كلمة حق أريد بها باطل، بل ينبغي لطالب العلم أن ينتبه من كلمة حق أريد بها حق لكن الكلمة ليست في محلها، فقد تكون الكلمة حقًا والشخص يريد حقًا، لكن المقام ليس هو المقام المشروع.","vol":"30","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>الإسلام هو دين الله</span>\nقال ﵀: [فدين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ف﴾ [المائدة:٣]].\nالإسلام يطلق ويراد به المعنى الخاص، وهو شريعة محمد ﷺ، وهذا معنى قوله ﷺ: (بني الإسلام على خمس ..) فالمراد بالإسلام في حديث ابن عمر هذا المتفق عليه الإسلام بمعناه الخاص، وهو شريعة رسول الله ﷺ، ويذكر الإسلام مطلقًا ويراد به التوحيد، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨]، ولهذا نقول: إن نوحًا ولوطًا وموسى ﵈ كانوا على الإسلام، وعن هذا قال الله ﷾ عن إبراهيم: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران:٦٧]، أي: موحدًا.\nفدين الله في الأرض والسماء هو الإسلام، ولهذا قال ﵊ كما في حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه: (نحن معاشر الأنبياء أولاد علات وديننا واحد)، وأولاد العلات: هم الأخوة الذين أبوهم واحد وأمهاتهم مختلفة، فشرائع المرسلين تختلف، ولكن توحيدهم واحد، وهو إفراد الله ﷾ بالعبادة، وهذه هي أحكم كلمةٍ أرادها الله ﷾ من عباده، أي: التوحيد.\nولهذا ينبغي لطالب العلم أن يوظف جهده لتقرير هذا الأصل، ولتقرير فقهه، والعناية بأصول الدين، وأخصها توحيد الله ﷾ والدعوة إليه.","vol":"30","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>اعتدال دين الإسلام بين الغلو والتقصير</span>\nقال المصنف ﵀: [وهو بين الغلو والتقصير].\nالغلو: هو الزيادة، ثبت عنه ﷺ كما في الصحيح أنه قال: (هلك المتنطعون)، وهذا معنى الغلو، أي التكلف، ومن هدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنهم كثيرًا ما يقولون لأقوامهم: ﴿وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]، ومن معنى هذه الآية، أنهم لم يأتوا بهذا من جهة أنفسهم، وهذا المعنى وإن كان بينًا إلا أنه ينبغي لطالب العلم أن يفقهه، وأن الأصل، أن الإنسان لا يتكلم ويخاطب غيره بأمرٍ ونهي شرعي، إلا إذا تحقق عنده أن هذا الأمر وهذا النهي قد جاءت به الشريعة.\nفالمسائل منها ما محل إجماع، وهي مسائل بينة، ومنها ما هو محل نزاع بين السلف، ومسائل النزاع تنقسم إلى قسمين:\nالأول: مسائل فيها آثار من السنة، ولكن خالف من خالف لموجب من الموجبات، إما لعدم بلوغ النص إليه أو لغير ذلك.\nالثاني: مسائل هي في أصلها ليس فيها آثار مختصة، وإنما مبناها على مقام من الاجتهاد والفقه ونحو ذلك.\nفينبغي لطالب العلم أن يعرف قدر كل مسألة، فالأصل يجب أن يكون أصلًا، والخلاف يبقى خلافًا، والاجتهاد يبقى اجتهادًا، وأما أن يتكلف بعض طلاب العلم في المسائل ليحسم في كل مسألة حسمًا تامًا فهذا وجه من الغلط في دراسة الفقه، بخلاف مسائل الأصول.\nمثال ذلك: من يدرس مسألة الرؤية وهي من مسائل أصول الدين، ومن الطريقة السنية الصحيحة اللازمة النظر إلى أدلة المعتزلة، والرد على جميعها وإبطالها؛ لأن إثبات الرؤية هو قول السلف، وهو الحق المطلق، وما ضاد هذا القول أو ناقضه فهو باطل ولا بد، ولا يمكن أن يكون حقًا، بل يقضى بكونه باطلًا وضلالًا.\nلكن إذا كانت المسألة من مسائل النزاع بين الأئمة الأربعة، تجد أن البعض يذكر الأقوال وأدلتها، ويرى أن الترجيح غير ممكن إلا إذا استطاع أن يقضي قضاءً مبرمًا وتامًا على كل دليل في الأقوال الأخرى التي لم يرجحها، فمثلًا: إذا قال: الراجح قول الحنابلة قال: الجواب عن أدلة المالكية، فما يدع دليلًا من أدلتهم إلا ويجعل الاستدلال به متعذرًا، وهكذا ..\nوهذا لا شك أنه غلط؛ لأن هذه مسائل مقولة بالأحرى والأخلق والأظهر والأرجح، ومقام الاستدلال مقام دقيق عند الأئمة، كما قدتقدمت الإشارة لهذا.\nوالمجتهدون ينقسمون إلى أقسام: فهناك المجتهد المطلق، وهناك المجتهد في المذهب، ويريدون بالمجتهد في المذهب من يستدل بأقوال الإمام، وكثير من أصحاب الأئمة الأربعة من هذا القبيل، كما أنهم قد أضافوا إلى مذاهب أئمتهم بعض الأقوال التي ما كانت محققة عن الأئمة الأربعة، وأيضًا فإنهم استدلوا لمذاهب أئمتهم، فالاستدلال الذي يستدل به حنبلي متأخر لقول الإمام أحمد، ليس بالضرورة أن يكون هو الدليل الذي كان الإمام أحمد يعتبره، ولا يقال على هذا: إن ما في كتب الحنابلة ليست هي دليل المذهب الحنبلي، بل لابد أن ما في كتب الحنابلة ينتهي إلى دليل المذهب الحنبلي، وهكذا بقية المذاهب.\nوالذي ينبغي لطالب العلم هو أن يمحص وأن ينظر في كلام الأئمة وفي مسائلهم الأولى وفي كلام كبار أئمتهم ماأمكن، وأما التعجل بهذا الوجه، فليس طريقة مناسبة.","vol":"30","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>عدم التشديد في مسائل الخلاف والاعتدال فيها</span>\nالمقصود: أن المسائل الخلافية ينبغي ألا يشدد فيها، فالصحابة كانوا يختلفون وما كان يضيق بعضهم على بعض في قوله، إلا إذا قال -ولو كان فقيهًا أو إمامًا أو كان مجتهدًا- قولًا ظاهر المخالفة للسنة والآثار، كإنكار الصحابة على ابن عباس في مسألة العول مع أن ابن عباس كان يقول: هاتوا دليلًا من كلام الله أو من كلام رسوله، لكن فقه جماهير الصحابة في مسألة العول هو الصواب.\nفإذا قال إمامٌ متقدم أو معاصر قولًا يخالف صريح الكتاب أو ظاهر الأدلة والمأثور عن عامة الصحابة، فهذا ينكر، وأحيانًا بعض طلاب العلم ينكرون أقولًا ويقولون: إنها مخالفة للسنة، مع أن عليها العامة من السلف، مثلًا: الحائض إذا طهرت في وقت العصر، لا شك أنها تصلي العصر، لكن هل تصلي الظهر؟ المسألة فيها نزاع، فمن العدل أن يقال: المسألة فيها نزاع، وتبقى مسألة خلافية، لكن الإشكال أن ترى بعض طلاب العلم أحيانًا يقرر أن القول بأنها تقضي الظهر قول لا دليل عليه، مع أن الإمام أحمد يقول: عامة التابعين على هذا القول إلا الحسن، أي أنها تصلي الظهر والعصر، فكيف يقال: بأن هذا القول لا دليل عليه وعامة التابعين على هذا القول؟ ولو كان القائل واحدًا لقلنا: إنه اجتهد فأخطأ، ولكن هذا قول الجماهير.\n- وكذلك مسألة اعتبار طلاق الثلاث واحدة، فكونك تقول بأن الراجح أن طلاق الثلاث واحدة لحديث ابن عباس عند مسلم، هذا لا إشكال فيه، وقد أفتى به شيخ الإسلام، وأفتى به بعض الأكابر من المعاصرين، لكن الإشكال هو أن تقول: إن القول بأن طلاق الثلاث ثلاث لا دليل عليه، فهل يطبق عامة أهل العلم على مسألة ليس فيها دليل؟!\nوليس المقصود من هذا الكلام أن يقال: إنه ينبغي لطالب العلم أن يتبع الجمهور، بل يجب على طالب العلم أن يتبع الدليل، لكن يجب أن يتأدب، فإذا اختار قولًا فلا يقول عن القول الآخر إنه لا دليل عليه، فهذا إنما يقال في مسائل البدع، أو في مسائل ظاهرة الشذوذ عن السنة والفقه، وأما الأقوال التي عليها أكابر العلماء، فلا شك أنه من غير الممكن ذلك.\nيقول شيخ الإسلام: (وقد اعتبرت مسائل الشريعة في الجملة، فما وقع عليه النظر، فإن القول الذي يذهب إليه الجمهور من السلف يكون هو الصواب في الجملة)، وعلل ذلك بقوله: (لأنه من المتعذر أن السنة في المسألة تخفى على جمهور أئمة سلف الأمة، ولاسيما إذا اختلفت أمصارهم)، فإذا رأيت العراقيين والحجازيين والشاميين يقولون قولًا، فهنا ينبغي أن تنتبه.\nكذلك أيضًا إذا رأيت الليث بن سعد في مصر، ومالكًا في المدينة، والثوري في العراق، والأوزاعي في الشام -وهؤلاء الأربعة كما قال شيخ الإسلام وغيره: هم أعلم الأئمة في طبقة تابع التابعين- إذا رأيت مثل هؤلاء الأربعة أجمعوا على قول فيجب ألا تقول عن مثل هذا القول إنه لا دليل عليه.","vol":"30","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>وسطية أهل السنة في الأسماء والصفات والقدر</span>\nقال المصنف ﵀: [وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس].\nالتشبيه: هو تشبيه صفات الله، والذين أحدثوا هذه البدعة هم أئمة الرافضة كـ هشام بن الحكم وهشام بن سالم وداود الجواربي، ثم انتقل الرافضة من بعد ظهور المعتزلة البغدادية في الجملة إلى مذهب المعتزلة، والتعطيل هو تعطيل صفات الله بالتحريف الذي سموه تأويلًا على طريقة الجهمية والمعتزلة، ويدخل في ذلك ما استعمله طائفة من متكلمة الصفاتية في الصفات الفعلية وغيرها.\nقوله: (وبين الجبر والقدر)، الجبر: هو القول بأن العبد مجبور على فعله، والقدر: هو نفي القدر، والقدرية على قسمين: غلاةٌ، وغير غلاة، وقد تقدم الكلام عليهم.\nقوله: (وبين الأمن والإياس)، هذا في مسائل الأحوال، وتقدم التعليق على هذه المسألة.","vol":"30","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>الكلام عن مصطلح الظاهر والباطن</span>\nقال المصنف ﵀: [فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرًا باطنًا].\nقوله: (ظاهرًا وباطنًا) الدين لا ينقسم إلى ظاهر وباطن، باعتبار أن الشريعة الظاهرة تخالف الحقيقة الباطنة، وأما أن الأعمال منها ما هو ظاهر، ومنها ما هو باطن، فلا شك أن هذا صحيح، وقد قال الله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام:١٢٠]، فالذنوب منها ما هو باطن ومنها ما هو ظاهر، والأعمال الصالحة كذلك، فمنها ما هو ظاهر ومنها ما هو باطن، وإنما المنكر جَعْلُ الدين شريعة ظاهرة، وحقيقة باطنة، ثم التفريق بينهما، كقول من يقول: إن العامة يكلفون بالظواهر، وأما الخاصة فيكلفون بالباطن، ونحو ذلك من الطرق التي أحدثها الباطنية من الصوفية أو المتشيعة.","vol":"30","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>شرح العقيدة الطحاوية [٣١]</span>\nيتبرأ أهل السنة والجماعة من جميع من خالف ما قطع بمجيء النبي ﷺ به، وهو أصول الدين، كالجهمية والمعتزلة والمشبهة والقدرية، الذين نبذوا الكتاب، واتبعوا الأهواء، وفارقوا جماعة المسلمين، وأصروا على ما هم فيه من الزيغ والضلال.","vol":"31","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>براءة أهل السنة من المخالفين لهم في الأصول</span>\nقال المصنف ﵀: [ونحن براءٌ إلى الله من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه، ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الردية، مثل المشبهة، والمعتزلة، والجهمية، والجبرية، والقدرية، وغيرهم من الذين خالفوا السنة والجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم براء، وهم عندنا ضلال وأردياء، وبالله العصمة والتوفيق].\nقوله: (ونحن براءَ)، البراءة من المخالف لا تكون إلا فيما علم أن النبي ﷺ جاء به بالقطع فخالفه من خالفه، فهذا المخالف لما علم بالضرورة مجيء الرسول ﷺ به كأصول الدين؛ يتبرأ منه، وأما من خالف فيما هو دون ذلك، ولو كان مخالفًا لظاهر السنة أو لقول العامة من أهل السنة؛ ما دام أن قوله مأثور في كلام المتقدمين كالأقوال المرجوحة، فلا يطلق فيه لفظ البراءة، وإنما البراءة تكون في مسائل الأصول المعلومة من الدين بالضرورة عند أهل السنة.","vol":"31","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>التعريف بأصول المعتزلة</span>\nقول المصنف ﵀: (والمذاهب الردية مثل المشبهة والمعتزلة).\nتقدم التعريف بالمشبهة: تقدم، وأما المعتزلة: فهم أتباع واصل بن عطاء الغزال، وعمرو بن عبيد، وقد تكلموا في أول أمرهم في مسألة الكبائر، ثم صار للمعتزلة من بعد أصولٌ خمسة:\nالأصل الأول: التوحيد، وأرادوا به نفي الصفات.\nالأصل الثاني: العدل، وأرادوا به نفي القدر.\nالأصل الثالث: المنزلة بين المنزلتين، وهي أن مرتكب الكبيرة عديم الإيمان، وهو فاسق بين الكفر والإيمان، وهي منزلة الفسق المطلق.\nالأصل الرابع: إنفاذ الوعيد، ومعناه عندهم: أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار.\nالأصل الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعناه عندهم: الخروج على أئمة الجور.\nوالمعتزلة منهم بصرية، ومنهم بغدادية، ومن أخص أعيانهم وأئمة متكلميهم بعد عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء، بل هو منظر المذهب في مسائل الصفات: أبو الهذيل العلاف، ومن أصحابه: أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام، وإن كان بين العلاف والنظام خلاف واسع في بعض المسائل، ولكنهم يتفقون على جمهور هذه الأصول المعروفة، وقد ذكر الأشعري وغيره الخلاف في مقالات المعتزلة.","vol":"31","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>نسبة الجهمية والجبرية</span>\nقوله: (والجهمية والجبرية، والقدرية).\nالجهمية: إضافة إلى الجهم بن صفوان الترمذي، وكان من الجند والجيش، ولكنه تلقى بدعته عن بعض الفلاسفة، وقررها وأظهرها فنسبت إليه، وقيل: إنه أخذها عن جعد بن درهم، فالله أعلم بذلك.\nوالجبرية: هم القائلون بالجبر، وهذه الألفاظ والمصطلحات التي يستعملها المصنف، بعضها عبارة عن مدارس، كالمعتزلة، فهي عبارة عن تنظيم مدرسي، وبعضها عبارة عن نظريات مضافة، إما إلى الحقيقة النظرية، وإما إلى معينٍ قال بها، كالجبرية، فالجبرية ليست عبارة عن مدرسة منتظمة، إنما هي عبارة عن نظرية الجبر.\nوكذلك الجهمية: فهي تسمى بهذا نسبة إلى أن الجهم بن صفوان هو المنظر لهذه البدعة، ومراد السلف بالجهمية: معطلة الصفات، مع أن جمهور من عطل الصفات ما كانوا موافقين للجهم في كثيرٍ من أصوله كالمعتزلة.","vol":"31","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>عدم تعرض المصنف للمتكلمة الصفاتية</span>\nوالمصنف ﵀ لم يذكر متكلمة الصفاتية من الكلابية والأشعرية والماتريدية، مع أنه متأخر، والغالب على المحققين من أهل السنة والجماعة أنهم يذكرون غلط متكلمة الصفاتية، وهذا لا يلزم منه أن أبا جعفر ﵀ كان موافقًا لهم، لكن يفهم منه درجة من عدم الامتياز والمباينة التامة، ولهذا سبقت الإشارة إلى أنه استعمل بعض حروف الأشعرية في بعض المسائل، كمسألة الكسب ونحوها، ومع هذه التعقبات التي قيلت في رسالة أبي جعفر ﵀، سواء كانت تعقبات لفظية، أو لفظية ومعنوية كما في مسألة الإيمان، إلا أن هذه الرسالة رسالة فاضلة في أصول أهل السنة والجماعة، ذكر فيها المصنف ﵀ أصول أهل السنة والجماعة، وقيد جملًا حسنة، وقال قولًا حسنًا في مسائل أصول الدين، فينبغي الاعتناء بها، وتفصيلها على طريقة سلف الأمة رحمهم الله تعالى.","vol":"31","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>الحكم على أهل البدع والضلال</span>\nقوله: [ونحن منهم براء، وهم عندنا ضلال وأردياء، وبالله العصمة والتوفيق].\nأي: وهم عندنا ضلال؛ لأن أقوالهم بدع، كما قال ﷺ: (وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة)، جاء في الصحيح من حديث جابر، وجاء في سنن أبي داود وغيره: (وكل ضلالة في النار)، وطائفة كـ شيخ الإسلام ابن تيمية يقولون بأن هذا الحرف ليس محفوظًا، ومعتبر شيخ الإسلام ومن يأخذ على طريقته أن الضلالة قد تكون مغفورةً، وأن البدعة قد تكون مغفورةً للعبد، أو قد تسقط عقوبتها بغير العذاب، ومن هنا قال شيخ الإسلام: إن هذا الحرف ليس محفوظًا عن الرسول ﷺ، يعني قوله: (وكل ضلالة في النار).\nوهذا المعنى الذي قرره شيخ الإسلام وجعل به هذا الحرف ليس محفوظًا ليس لازمًا فيما يظهر، بمعنى أن هذا الحرف إذا لم يكن مشكلًا من جهة الرواية نفسها، فإنه من جهة المتن ليس مشكلًا، وإن كان المعنى الذي قرره شيخ الإسلام صحيحًا، لكن يقال: إن قوله: (كل ضلالة في النار)، يثبت كسائر النصوص التي جاءت في الوعيد، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا﴾ [النساء:١٤] مع أنه لا يلزم أن سائر العصاة كذلك، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠].\nوقد يقال: إن معتبر شيخ الإسلام ﵀ هو التصريح بالعموم، فإنه قال: (وكل ضلالة في النار)، لكن يقال: إن السياق في قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ الله)، أيضًا هو من سياقات العموم، والسياق في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، هو من سياقات القصر والحصر، فالذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن إعلال هذا الحرف بهذا الوجه ليس لازمًا، وإن كان المعنى الذي قصده شيخ الإسلام من المعاني البينة المحكمة، والله أعلم.\nوصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.","vol":"31","page":6}]}