{"ً":{"ٌ":37780,"ٍ":"شرح كتاب الإيمان - يوسف الغفيص","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: شرح كتاب الإيمان\nالمؤلف: يوسف بن محمد علي الغفيص\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ١١ درسا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2362,"ٕ":1,"ٖ":1770155895,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11"],"ٚ":[{"title":"شرح كتاب الإيمان [١]","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة شرح كتاب الإيمان للإمام أبي عبيد","level":2,"page":2},{"title":"أهمية كتاب الإيمان للإمام أبي عبيد","level":3,"page":3},{"title":"طرق التأليف في مسائل الإيمان عند الأئمة المتقدمين","level":3,"page":4},{"title":"الفروع التي تندرج تحت قول السلف: الإيمان قول وعمل","level":3,"page":5},{"title":"شرح باب نعت الإيمان في استكماله ودرجاته","level":2,"page":6},{"title":"أسباب أهمية مسألة الإيمان عند السلف","level":3,"page":7},{"title":"ظهور البدع في الإسلام","level":2,"page":8},{"title":"ظهور الخوارج والمعتزلة","level":3,"page":9},{"title":"ظهور المرجئة","level":3,"page":10},{"title":"منهج الأئمة في تقرير الأقوال والمذاهب","level":2,"page":11},{"title":"خطأ بعض الباحثين في تسمية الخلاف بين أهل السنة وبين أهل البدع خلافا مقارنا","level":3,"page":12},{"title":"بماذا يعتبر الرجل مبتدعا؟","level":3,"page":13},{"title":"الخلاف بين السلف في تفسير الإيمان خلاف لفظي","level":2,"page":14},{"title":"الألفاظ المنقولة عن السلف في مسمى الإيمان","level":2,"page":15},{"title":"معنى قول السلف الإيمان قول وعمل","level":2,"page":16},{"title":"قول القلب","level":3,"page":17},{"title":"قول اللسان","level":3,"page":18},{"title":"عمل القلب","level":3,"page":19},{"title":"عمل الجوارح","level":3,"page":20},{"title":"زيادة الإيمان ونقصانه","level":2,"page":21},{"title":"تعلق الزيادة والنقصان في الإيمان","level":3,"page":22},{"title":"شرح كتاب الإيمان [٢]","level":1,"page":23},{"title":"قول مرجئة الفقهاء أن الإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان","level":2,"page":24},{"title":"الفرق بين قول السلف وبين قول مرجئة الفقهاء","level":3,"page":25},{"title":"مرجئة الفقهاء طائفتان","level":3,"page":26},{"title":"أقسام الجمل التي يستعملها الأئمة في حكاية مذاهب الطوائف","level":2,"page":27},{"title":"شرح كتاب الإيمان [٣]","level":1,"page":28},{"title":"ترجيح مذهب السلف القائل بأن الإيمان قول وعمل","level":2,"page":29},{"title":"الدخول في الإيمان بالنطق بالشهادتين","level":3,"page":30},{"title":"الجواب عن شبهة المرجئة: لو كان العمل أصلا في الإيمان لما أمكن ثبوت الإيمان قبل فرض العمل","level":3,"page":31},{"title":"أثر الامتناع عن العمل في الإقرار والفرق بينه وبين ترك العمل","level":3,"page":32},{"title":"التلازم بين تصديق القلب وعمل الجوارح","level":2,"page":33},{"title":"قول المرجئة بأن التصديق إيمان يلزمهم به إدخال الأعمال في مسمى الإيمان","level":3,"page":34},{"title":"من الأدلة على أن الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإيمان","level":2,"page":35},{"title":"القتال الذي وقع في زمن أبي بكر ﵁","level":2,"page":36},{"title":"حكم تارك الزكاة","level":2,"page":37},{"title":"شرح كتاب الإيمان [٤]","level":1,"page":38},{"title":"من الأدلة على أن الإيمان قول وعمل: أنه كلما نزلت شريعة التحقت باسم الإيمان","level":2,"page":39},{"title":"استعمال الإيمان مطلقا ومقيدا","level":2,"page":40},{"title":"إذا اقترن الإيمان بالعمل فهو من باب عطف الخاص على العام","level":2,"page":41},{"title":"الرد على جميع فرق المرجئة والوعيدية بأن الإيمان يستعمل مطلقا ومقيدا","level":2,"page":42},{"title":"استدلال المرجئة على مذهبهم بحديث الجارية والجواب عنه","level":2,"page":43},{"title":"من الأدلة على أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان","level":2,"page":44},{"title":"المتواتر والآحاد","level":2,"page":45},{"title":"من الأدلة على أن العمل يدخل في مسمى الإيمان: حديث وفد عبد القيس","level":2,"page":46},{"title":"من الأدلة على أن العمل يدخل في مسمى الإيمان حديث: (بني الإسلام على خمس)","level":2,"page":47},{"title":"من الأدلة على أن العمل يدخل في مسمى الإيمان: حديث: (إن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق)","level":2,"page":48},{"title":"مسائل تتعلق بترك العمل","level":2,"page":49},{"title":"حكم ترك الصلاة","level":2,"page":50},{"title":"القول بأن ترك الصلاة كفر بالإجماع","level":3,"page":51},{"title":"وجود الخلاف في حكم ترك الصلاة","level":3,"page":52},{"title":"تنبيه على الكلام عن حكم ترك الصلاة","level":3,"page":53},{"title":"ذكر الخلاف في حكم ترك الصلاة","level":3,"page":54},{"title":"القول الراجح في حكم ترك الصلاة","level":3,"page":55},{"title":"مسألة حكم ترك الصلاة وعلاقتها بمذهب المرجئة","level":3,"page":56},{"title":"حكم ترك الزكاة والصوم والحج","level":2,"page":57},{"title":"حكم ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج جميعا","level":2,"page":58},{"title":"أحاديث تدل على أن العمل يدخل في مسمى الإيمان","level":2,"page":59},{"title":"تفاضل الإيمان بالأعمال الظاهرة والباطنة","level":2,"page":60},{"title":"شرح كتاب الإيمان [٥]","level":1,"page":61},{"title":"باب الاستثناء في الإيمان","level":2,"page":62},{"title":"حكم الاستثناء في الإيمان","level":3,"page":63},{"title":"السبب في اختلاف السلف في مسألة الاستثناء في الإيمان","level":3,"page":64},{"title":"مذهب المرجئة في مسألة الاستثناء في الإيمان","level":2,"page":65},{"title":"كلام أبي عبيد عن مسألة الاستثناء في الإيمان وعرضه لأقوال السلف","level":2,"page":66},{"title":"من أوجه الاستثناء أن الإنسان لا يدري بماذا يختم له","level":2,"page":67},{"title":"كلام أبي عبيد عمن قال إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل","level":2,"page":68},{"title":"شرح كتاب الإيمان [٦]","level":1,"page":69},{"title":"باب الزيادة في الإيمان والانتقاص منه","level":2,"page":70},{"title":"الأدلة على أن الإيمان يزيد وينقص","level":3,"page":71},{"title":"مذهب المرجئة والخوارج في تفسير الآيات الدالة على زيادة الإيمان","level":3,"page":72},{"title":"تفسير المرجئة والخوارج للآيات الدالة على زيادة الإيمان بدعة محدثة","level":3,"page":73},{"title":"الرد على المرجئة القائلين بأن زيادة الإيمان هي ازدياد اليقين","level":3,"page":74},{"title":"شرح كتاب الإيمان [٧]","level":1,"page":75},{"title":"باب تسمية الإيمان بالقول دون العمل","level":2,"page":76},{"title":"الطائفة التي تقول بأن الإيمان هو الإقرار والشهادة","level":3,"page":77},{"title":"طوائف المرجئة عند المتأخرين","level":2,"page":78},{"title":"قول طائفة من المرجئة بأن الإيمان هو الإقرار والشهادة","level":2,"page":79},{"title":"الأدلة الشرعية والعقلية على أن الإيمان يزيد وينقص","level":2,"page":80},{"title":"شرح كتاب الإيمان [٨]","level":1,"page":81},{"title":"باب من جعل الإيمان المعرفة بالقلب وإن لم يكن عمل","level":2,"page":82},{"title":"قول غلاة المرجئة والجهمية أن الإيمان هو العلم والمعرفة","level":3,"page":83},{"title":"أنواع العلم","level":3,"page":84},{"title":"ما هو العلم الذي أراده الجهم في قوله أن الإيمان هو العلم والمعرفة","level":3,"page":85},{"title":"حقيقة الخلاف بين مرجئة الفقهاء وبين السلف في مسألة الإيمان","level":2,"page":86},{"title":"الفروق بين مذهب مرجئة الفقهاء ومذهب السلف في مسألة الإيمان","level":3,"page":87},{"title":"مسألة عدم تكفير الإمام مالك والشافعي لتارك الصلاة","level":2,"page":88},{"title":"شرح كتاب الإيمان [٩]","level":1,"page":89},{"title":"باب ذكر ما عابت به العلماء من جعل الإيمان قولا بلا عمل وما نهوا عنه من مجالستهم","level":2,"page":90},{"title":"مسائل متعلقة بذم السلف لأهل البدع","level":2,"page":91},{"title":"شرح كتاب الإيمان [١٠]","level":1,"page":92},{"title":"باب الخروج من الإيمان بالمعاصي","level":2,"page":93},{"title":"أنواع الذنوب والمعاصي المخالفة للإيمان","level":3,"page":94},{"title":"مذاهب المخالفين للسلف في نصوص الوعيد","level":3,"page":95},{"title":"المذهب الأول: من يفسر نصوص الوعيد بأنها من باب كفر النعمة","level":3,"page":96},{"title":"المذهب الثاني: من يحملها على التغليظ","level":3,"page":97},{"title":"المذهب الثالث: من يجعلها من باب كفر أهل الردة","level":3,"page":98},{"title":"المذهب الرابع: من يذهبها كلها ويردها","level":3,"page":99},{"title":"مذهب السلف في مرتكب المعصية","level":2,"page":100},{"title":"المراد بنفي الإيمان عمن ارتكب بعض المعاصي","level":3,"page":101},{"title":"الأدلة على أن المراد بنفي الإيمان عمن ارتكب بعض المعاصي نفي كماله لا أصله","level":3,"page":102},{"title":"المراد بالكفر والشرك المذكور عن بعض المعاصي التي ليست كفرا ولا شركا","level":3,"page":103},{"title":"حكم ترك الحكم بما أنزل الله","level":2,"page":104},{"title":"تضعيف البعض لأثر ابن عباس: أن ترك الحكم بما أنزل الله كفر دون كفر","level":3,"page":105},{"title":"تسمية الشارع لبعض الأعمال كفرا أو نفاقا مع عدم كفر فاعلها","level":2,"page":106},{"title":"حكم تسمية بعض الكبائر كفرا أو نفاقا قياسا على تسمية الشارع لبعض المعاصي كفرا أو نفاقا","level":3,"page":107},{"title":"شرح كتاب الإيمان [١١]","level":1,"page":108},{"title":"باب ذكر الذنوب التي تلحق بالكبائر بلا خروج من الإيمان","level":2,"page":109},{"title":"مسالك العلماء في تسمية بعض الكبائر كفرا قياسا على تسمية الشارع لبعض المعاصي كفرا","level":3,"page":110},{"title":"تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر","level":2,"page":111},{"title":"بماذا تكفر الصغائر والكبائر؟","level":3,"page":112},{"title":"الأعمال التي تكفر بها الكبائر","level":3,"page":113},{"title":"الطوائف التي خالفت السلف في باب الإيمان","level":2,"page":114},{"title":"أقوال الطوائف المخالفة للسلف في باب الإيمان","level":3,"page":115}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"2,1":23,"2,2":24,"2,3":25,"2,4":26,"2,5":27,"3,1":28,"3,2":29,"3,3":30,"3,4":31,"3,5":32,"3,6":33,"3,7":34,"3,8":35,"3,9":36,"3,10":37,"4,1":38,"4,2":39,"4,3":40,"4,4":41,"4,5":42,"4,6":43,"4,7":44,"4,8":45,"4,9":46,"4,10":47,"4,11":48,"4,12":49,"4,13":50,"4,14":51,"4,15":52,"4,16":53,"4,17":54,"4,18":55,"4,19":56,"4,20":57,"4,21":58,"4,22":59,"4,23":60,"5,1":61,"5,2":62,"5,3":63,"5,4":64,"5,5":65,"5,6":66,"5,7":67,"5,8":68,"6,1":69,"6,2":70,"6,3":71,"6,4":72,"6,5":73,"6,6":74,"7,1":75,"7,2":76,"7,3":77,"7,4":78,"7,5":79,"7,6":80,"8,1":81,"8,2":82,"8,3":83,"8,4":84,"8,5":85,"8,6":86,"8,7":87,"8,8":88,"9,1":89,"9,2":90,"9,3":91,"10,1":92,"10,2":93,"10,3":94,"10,4":95,"10,5":96,"10,6":97,"10,7":98,"10,8":99,"10,9":100,"10,10":101,"10,11":102,"10,12":103,"10,13":104,"10,14":105,"10,15":106,"10,16":107,"11,1":108,"11,2":109,"11,3":110,"11,4":111,"11,5":112,"11,6":113,"11,7":114,"11,8":115},"ٜ":{"1":[1,22],"2":[1,5],"3":[1,10],"4":[1,23],"5":[1,8],"6":[1,6],"7":[1,6],"8":[1,8],"9":[1,3],"10":[1,16],"11":[1,8]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","9,1","9,2","9,3","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","11,7","11,8"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80],"81":[81],"82":[82],"83":[83],"84":[84],"85":[85],"86":[86],"87":[87],"88":[88],"89":[89],"90":[90],"91":[91],"92":[92],"93":[93],"94":[94],"95":[95],"96":[96],"97":[97],"98":[98],"99":[99],"100":[100],"101":[101],"102":[102],"103":[103],"104":[104],"105":[105],"106":[106],"107":[107],"108":[108],"109":[109],"110":[110],"111":[111],"112":[112],"113":[113],"114":[114],"115":[115]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>شرح كتاب الإيمان [١]</span>\nمعتقد أهل السنة والجماعة في الإيمان أنه قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان، ويعتقدون أن هذا الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وقد اهتم سلف هذه الأمة بمسألة الإيمان اهتمامًا عظيمًا لأنها أول مسألة اختلف فيها أهل القبلة، ولم يكن قبلها نزاع في شيء من مسائل الأصول، وإنما كان الخلاف في مسائل الفروع والفقه.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة شرح كتاب الإيمان للإمام أبي عبيد</span>\nالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.\nأما بعد:","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>أهمية كتاب الإيمان للإمام أبي عبيد</span>\nفإن هذه الرسالة للإمام العالم المحدث اللغوي أبي عبيد القاسم بن سلام، وهي رسالةٌ شائعةٌ بين أهل العلم، ولها اختصاص:\n١ - من جهة مصنِّفها، وما له من الإمامة وفقه حقائق الأقوال في هذا الباب.\n٢ - ومن جهة موضوعها؛ فإنها في أصل من أصول الدين أشكل شأنه ليس على أهل البدع والكلام فقط، وإنما على طائفةٍ من متقدمي أهل السنة والجماعة ومتأخريهم أيضًا.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>طرق التأليف في مسائل الإيمان عند الأئمة المتقدمين</span>\nعُني بالتصنيف في باب الإيمان جملة من أعيان أئمة السنة والجماعة، حتى إن كثيرًا من المحدِّثين فيما صنفوه من حديث النبي ﷺ قد صدروا جملة من كتبهم بهذا الاسم-أي: باسم كتاب الإيمان-.\nوالمراد بهذه التسمية في الجملة أحد وجهين:\nالوجه الأول: أن يُراد بكتاب الإيمان الجملة من مسائل أصول الدين، وعلى هذا المراد يًذكر القول في مسمى الإيمان وغيره من المسائل، كالقول في الصفات، والقدر، والشفاعة، ومسائل الكبائر\nإلى غير ذلك.\nوهذه طريقة جماعة من أئمة السنة من المصنفين في الحديث وغيرهم.\nوعلى هذه الطريقة صنف الإمام مسلم ﵀ كتاب الإيمان من صحيحه، فقد وضع في صدر صحيحه كتاب الإيمان، وأراد به القول في جملة مسائل أصول الدين، وكأن المراد بالإيمان هنا: الإيمان العام الشرعي الذي ذكره النبي ﷺ في قوله: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله، وتؤمن بالبعث، وتؤمن بالقدر كله).\nالوجه الثاني: أن يراد بكتاب الإيمان مسماه، والمسائل المتعلقة به، كالقول في زيادته ونقصانه، والفرق بين اسم الإيمان والإسلام، وما يتعلق بمسألة الاستثناء.\nوقد وضع الإمام البخاري ﵀ كتاب الإيمان في صحيحه على هذه الطريقة.\nوممن استخدم هذا الوجه مَنْ يُدخل على ذلك ما يكون فرعًا عن هذا الأصل، وهو: القول في باب الأسماء والأحكام.\nولهذا يجد الناظر في كتاب الإيمان من صحيح مسلم وكتاب الإيمان من صحيح البخاري فرقًا بيّنًا؛ فإن مسلمًا ﵀ ذكر أحاديث التوحيد والشفاعة والصفات وأحاديث من القدر، بخلاف البخاري؛ فإنه قصد إلى تقرير اسم الإيمان وأنه قول، ودخول العمل فيه، والقول في زيادته ونقصانه، والرد على المرجئة\nإلى غير ذلك من المسائل.\nوقد وضع الإمام المصنف كتابه هذا على المراد الثاني، فإنه لم يقصد بكتاب الإيمان جملة المسائل في أصول الدين، وإنما قصد هذه المسألة الخاصة، وما يلتحق بها من المسائل أصولًا كانت أو فروعًا.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الفروع التي تندرج تحت قول السلف: الإيمان قول وعمل</span>\nمن المعلوم أن الذي درج عليه السلف أن الإيمان قولٌ وعمل.\nويتفرع عن هذا القول ثلاث مسائل أصول:\nالمسألة الأولى: أنه يزيد وينقص، وهذه مسألة ملتحقة -ولابد- بتقرير مسمى الإيمان.\nثم ثمة مسألتان أصول قد تذكران في حال وتؤجلان في حال، وهما:\nأولًا: مسألة الأسماء، ويراد بها أسماء أهل الإيمان والدين، والعصاة من المسلمين، وما يتعلق بشأنهم في دار الدنيا من تسميتهم مؤمنين أو فساقًا أو غير ذلك.\nوهذه المسألة فرعٌ عن القول في مسمى الإيمان كما سيأتي تفصيله.\nثانيًا: مسألة الأحكام، ويراد بها أحكام أهل الملة في الآخرة من جهة الثواب والعقاب.\nوهذه المسألة -أيضًا- فرعٌ عن القول في مسمى الإيمان.\nوثمة مسألتان تذكران على هذا التقدير في حال وتتركان في حال، وهما ليستا من الأصول على التحقيق، وهما:\nأولًا: الفرق بين اسم الإيمان والإسلام.\nثانيًا: الاستثناء في الإيمان، وقول الرجل: هو مؤمنٌ إن شاء الله ..\nوهاتان المسألتان من حيث الإجمال نَزَعَ بعض أهل السنة من المتأخرين إلى تقوية شأنهما، وجعلهما في مسائل الأصول والإجماع.\nوالصواب: أنهما ليستا كذلك، فإن جمهور الخلاف فيهما بين السلف إما خلاف لفظي أو خلاف تنوع، ولم يحفظ عن أحد من الأكابر من السلف مادة من خلاف التضاد فيهما، وإن كان حكي ذلك عن بعض أعيانهم، إلا أن النقل يسقط أو يتأخر على أحد وجهين:\nالوجه الأول: أن النقل لا يكون مثبتًا، كما نقل عن سفيان الثوري ﵀ في ذلك.\nالوجه الثاني: أن يكون فهم بعض المتأخرين لمراد بعض المتقدمين فيه غلط، كما فهم جملة من أصحاب الإمام أحمد ﵀ بعض أجوبته على غير وجهها في هذه المسألة.\nوعلى هذا تكون المسائل الأصول في باب الإيمان والتي عُني الأئمة بتقريرها:\n١ - القول في مسماه.\n٢ - القول في زيادته ونقصانه؛ فهي مسألة أصل، والخلاف فيها مع المرجئة وغيرهم معروف ومثبت.\n٣ - القول في باب الأسماء والأحكام كفرعٍ عن القول في مسمى الإيمان.\nهذه جملة لابد لطالب العلم من اعتبارها في فهم مراد المصنفين من أهل السنة والحديث.\nوقد تقدم أن لهذه الرسالة اختصاصًا من جهة فقه مؤلفها لحقائق الأقوال، وهذه مسألةٌ أنبه إليها في صدر هذه الرسالة؛ لأن كثيرًا من المتأخرين قد فاتهم هذا الفقه؛ فإن مؤلفها -كما سيأتي في صدرها- ينزع إلى أن المخالفين من المرجئة الفقهاء أتباع حماد بن أبي سليمان ﵀ هم في دائرة السنة والجماعة، ومن المعدودين في أتباع السلف.\nوهذا من فقهه؛ فإن هذا هو التحقيق في شأن هذا القول كما سيأتي بيانه.\nلكن إذا قيل: إنه قولٌ لطائفة من أهل السنة فإن هذا لا يستلزم أن لا يقال فيه: إنه بدعة، ولا يستلزم أن لا يقال فيه: إنه مخالفٌ للإجماع، بل يقال: إنه قول لطائفة من أهل السنة، ومع ذلك هو قولٌ بدعة، وقولٌ مخالفٌ للإجماع، كما سيأتي تقريرة وبيانه.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>شرح باب نعت الإيمان في استكماله ودرجاته</span>\n[قال أبو عبيد: أما بعد: فإنك كنت تسألني عن الإيمان، واختلاف الأمة في استكماله وزيادته ونقصه، وتذكر أنك أحببت معرفة ما عليه أهل السنة من ذلك، وما الحجة على من فارقهم فيه، فإن هذا -رحمك الله- خطبٌ قد تكلّم فيه السلف في صدر هذه الأمة وتابعيها ومن بعدهم إلى يومنا هذا، وقد كتبت إليك بما انتهى إليَّ علمه من ذلك مشروحًا مخلَّصًا وبالله التوفيق].","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>أسباب أهمية مسألة الإيمان عند السلف</span>\nذكر المصنف ﵀ في مقدمته أن هذه المسألة فيها خطب عند السلف، أي: أنها مسألةٌ كبيرة عظيمة الشأن؛ وإنما كان أمرها كذلك لسببين:\nالسبب الأول: أنها أول مسألة تنازع فيها أهل القبلة، ولم يكن قبلها بين المسلمين نزاع في شيء من مسائل أصول الدين، إنما كانوا يختلفون في مسائل الفروع ومسائل الفقه وما يتعلق بذلك.\nالسبب الثاني: أن حماد بن أبي سليمان، ومن وافقه من الفقهاء لم يستعملوا في الاستدلال على قولهم شيئًا من الطرق المحدثة المبتدعة، بل كان طريقهم في الاستدلال هو طريق الأئمة المعروفين، وإنما اشتبه عليهم مقام في كتاب الله، وهو ما ذكر في القرآن كثيرًا في قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وكذلك جملة من أحاديث النبي ﷺ يأتي التنبيه إليها.\nوسوف نتكلم في هذا المقام عن السبب الأول، بذكر شيء من تتابع ظهور البدع، أما الكلام عن السبب الثاني فسيأتي في ثنايا الكتاب عند الحديث عنه.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>ظهور البدع في الإسلام</span>\nتقدم أنه إذا اعتبرت المسائل التي حدث فيها نزاع بين أهل القبلة أمكن القول أن أول نزاع وقع في اسم الإيمان، وتحقيق القول في مسماه، وقد حدث هذا في آخر خلافة الخلفاء الراشدين ﵃.\nوفي آخر عصر الصحابة ﵃، وبعد إمارة معاوية بن أبي سفيان ﵁ حدث النزاع في القدر، وذلك زمن الفتنة التي كانت بين ابن الزبير ﵁ وبين بني أمية.\nوقد ظهر القول في القدر في البصرة، ثم شاع في بلاد الشام، ودخل على بعض مدن الحجاز، وظهرت القدرية بقوليهم الغالي وما دونه.\nوقد تقلد القول بنفي خلق أفعال العباد المعتزلةُ وجملةٌ من أصحاب الرواية، وإن لم يكونوا من كبار المحدثين، وإنما هم من رواة الحديث، وفرقٌ بين أعيان الرواة وبين أئمة الرواية، وعن هذا قال الإمام أحمد: \"لو تركنا الرواية عن القدرية لتركنا أكثر أهل البصرة\".\nوينبه -وإن كان الباب ليس في القدر- إلى أن ثمة فرقًا بين قول هذا النفر من رجال الإسناد في القدر، وبين قول المعتزلة، وإن كانت النتيجة في الجملة واحدة، فإن الفريقين يقولون بأن أفعال العباد ليست مخلوقة لله؛ لكن المعتزلة بنوها على مقدمات كلامية وأصول نظرية، وطردوا لها فروعًا أخرى في مسائل التكليف والتحسين والتقبيح وتحكيم العقل\nإلى غير ذلك، بخلاف هذه الجملة من أهل الحديث؛ فإن قولهم لم يبن على علم الكلام، ولم يتفرع عنه كثير من النظر والفروع، وإن كانوا متأثرين بالمعتزلة في نتيجته الكلية.\nهذه هي ثاني مسألة من المسائل الأصول التي حدث فيها نزاع.\nوقد انقرض عصر الصحابة ولم يحدث نزاعٌ بين أهل القبلة في مسائل الإلهيات، أي: القول في أسماء الرب ﷾ وصفاته وأفعاله.\nوفي المائة الثانية ظهرت بدعة التعطيل لأسماء الرب ﷾ وصفاته على يد الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وأمثال هؤلاء من أئمة التعطيل، وظهر ما يقابله من قول غلاة المشبهة من أتباع الشيعة الإمامية، وأخصُّ مَنْ ذُكِر عنه مثل هذا القول هو هشام بن الحكم الشيعي الرافضي.\nثم شاعت الأقوال في مسائل الصفات، وظهر أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي، وانتسبوا إلى السنة والجماعة، وظهر في أقوال أهل التشبيه أتباع محمد بن كرام السجستاني من الحنفية، وقد كان مائلًا إلى شيءٍ من طرق التشبيه.\nثم شاعت هذه الأقوال وانتشرت، وإن كان قول السلف بقي محفوظًا بعد الأئمة على يد المحققين من أصحاب الأئمة الأربعة؛ فإنه ما من طائفة من أتباع الأئمة الأربعة إلا وفيها محققون حافظون لمذهب الأئمة، وإن لم يكن أتباع الأئمة الأربعة -أعني: من انتسب إليهم من الفقهاء- على درجة واحدة؛ فإن منهم المنتحل لطريقٍ بدعيٍ معروف كبعض معتزلة الحنفية، والغلاة من متكلمة الأشعرية النظّار، ومنهم من هو متأثر بعلم الكلام تأثرًا عامًا، ومنهم المبالغ في تقرير السنة الزائد على كلام السلف إلى قدرٍ من الغلو، كما هي طريقة أبي إسماعيل الأنصاري الهروي في مسائل التكفير؛ فإنه يبالغ في مسائل التكفير ويزيد فيها بما لم يعرف عن السلف والأئمة كـ أحمد وغيره\nإلى غير ذلك من الطرق التي ليس هذا موضعًا لذكرها.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>ظهور الخوارج والمعتزلة</span>\nبهذا يتبين أن أول مسألة حصل فيها نزاعٌ بين أهل القبلة هي القول في اسم الإيمان، وأول من أحدث الخلاف في هذا الأصل، بل وفتح باب الخلاف في مسائل أصول الدين: هم الخوارج.\nهم قومٌ حدّث النبي ﷺ بشأنهم، حتى قال الإمام أحمد ﵀: \"صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه\".\nوقد روى الإمام مسلم في صحيحه هذه العشرة وأخرج البخاري طرفًا منها، وهي مخرَّجة في الصحاح والسنن والمسانيد، وقد تلقاها أئمة الحديث بالقبول.\nوقد ورد حديثهم من رواية أبي سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وأبي أمامة وطائفة من الصحابة، وهو يعد عند أهل العلم في الحديث من المتواتر، لكن على معنى المتواتر عند المحدّثين وأهل الأصول من أئمة السلف كـ الشافعي ﵀، وسيأتي بيانه إن شاء الله.\nومن أوجه روايته الثابتة في الصحيحين: (أن النبي ﷺ جاءه قسم فقسمه بين أربعةِ نفر، فقام رجل غائرُ العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار فقال: اعدل يا محمد! فإنك لم تعدل.\nفقال خالد بن الوليد -وفي وجهٍ عمر بن الخطاب، وكلاهما في الصحيح-: دعني أضرب عنقه.\nفقال ﷺ: لعله أن يكون يصلي.\nقال: وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه.\nقال: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم.\nثم نظر إليه النبي ﷺ وهو مُقفٍّ؛ فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا -أي: من صلبه، قيل: حقيقةً، وقيل: كنايةً وهذا هو الأقرب- قومٌ تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وقراءتكم مع قراءتهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية؛ لأن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) وفي وجهٍ: (قتل ثمود) وفي وجهٍ: (قاتلوهم؛ فإن لمن قاتلهم أجرًا عند الله) وفي وجهٍ: (لو يعلم المقاتل لهم ما أعد له لنكل عن العمل).\nوقد ذكر ﷺ آيتهم فقال: (آيتهم: رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة) وذكر ﷺ شدة مروقهم من الدين فقال: (كمروق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله -أي: الرامي- فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجدُ فيه شيء، سبق الفرث والدم).\nومع هذا الوجه من كلامه ﷺ، والتشديد والتغليظ على هؤلاء، كقوله ﷺ: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) إلا أن الصحابة لم يفهموا منه أنهم كفار؛ ولهذا لما ظهر الخوارج في خلافة علي بن أبي طالب ﵁، وقاتلهم في النهروان، ورأى آيتهم، مع هذا كله فإن الصحابة لم يمضوا فيهم بسنة الكفار.\nوقد جاء أن علي بن أبي طالب قيل له: \"يا أبا الحسن! أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا.\nقيل: أمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا\".\nولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: \"والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالًا للأمة وتكفيرًا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم، لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين\".\nفهم قومٌ ظالمون لأنفسهم من أهل البدع، وإن كان قد يقع في أعيانهم من هو منافق أو من قد غلب عليه وجه من الكفر، وهذا علمه وشأنه عند الله ﷾.\nوقد استطالوا على المسلمين بما أحدثوه في هذا الأصل، فإنهم فهموا أن الإيمان هو جميع الواجبات الشرعية الظاهرة والباطنة، ولكنه شيءٌ واحد إذا ذهب شيءٌ منه فقد ذهب جميعه، وعن هذا قالوا: إن مرتكب الكبيرة من المسلمين كافر، وإذا كان كافرًا فإنه يكون مخلدًا في النار.\nوعلى هذا درج أئمة الخوارج إلا الإباضية منهم الذين قالوا: إنه كافرٌ كفر نعمة، مع قولهم بأنه خالد مخلدٌ في النار.\nهذا هو مبتدأ هذا النزاع، ومنه بدأ الأئمة -﵏- يطعنون على أهل البدع ويذمون أهل الأهواء.\nوقد قارب الخوارج في قولهم طائفةٌ وهم المعتزلة، والفرق بين المعتزلة والخوارج فرق يسير؛ فإن المعتزلة تقول عن مرتكب الكبيرة: إنه فاسق، ولا تسميه مؤمنًا، بينما تقول الخوارج: إنه كافر.\nأما في الآخرة فقد اتفقتا على أنه مخلد في النار.\nفجمهور الفرق بين المعتزلة وبين الخوارج هو في دار الدنيا؛ فإن المعتزلة يرونه فاسقًا، والخوارج تراه كافرًا.\nوأما أصل القول في اسم الإيمان: أنه قولٌ وعملٌ، ظاهرٌ وباطنٌ لا يزيد ولا ينقص ..\nفهذا متفق عليه بين الطائفتين، وإن كان قول الخوارج أشد غلوًا.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>ظهور المرجئة</span>\nقابل الخوارجَ والمعتزلةَ المرجئةُ، فقد قالوا قولًا على الضد من قول الخوارج والمعتزلة.\nوهم طوائف، فقد ذكر أبو الحسن الأشعري ﵀ في المقالات أن المرجئة ثنتا عشرة طائفة، أشدهم إرجاءً الجهم بن صفوان وأبو الحسين الصالحي وأمثال هؤلاء من غلاة المرجئة، الذين يقولون: إن الإيمان هو العلم والمعرفة.\nوأما أخفهم إرجاءً فهم من سموا بمرجئة الفقهاء، وهم قومٌ من علماء السنة والجماعة خرجوا في مسألة العمل عن المعروف عند سلفهم، فقالوا: إن الأعمال الظاهرة- أي: أعمال الجوارح- لا تدخل في اسم الإيمان، وإن كانت ركنًا وأصلًا وواجبًا في الدين؛ ولهذا لا يرون أن الصلاة داخلة في اسم الإيمان، وإن كانوا يعتبرونها ركنًا من الإسلام وأصلًا في الدين، وهذا الاعتبار لا يعني أنهم يكفرون بتركها؛ فإن هذه مسألة أخرى لا يلتزم بها جميع من أخرج العمل من مسمى الإيمان.\nوالمقصود من هذا: أن أول من أحدث القول في الإيمان على خلاف طريقة السلف هم الخوارج، ثم شاعت البدعة، وأول من خرج من أهل السنة عن قول سلفهم هو حماد بن أبي سليمان تلميذ إبراهيم النخعي، وهو من كبار أعيان فقهاء الكوفة، ومن العلماء والعباد والنساك العارفين بالسنن والآثار ومقاصد الشرع، لكنه في هذه المسألة خالف سلفه، وخرج بقوله: إن الأعمال الظاهرة لا تدخل في اسم الإيمان، وتبعه على هذا قومٌ من فقهاء الكوفة، وأخص من تقلد هذا القول واشتهر به هو الإمام أبو حنيفة ﵀، وإن كان هناك تردد بين بعض أهل العلم والمقالات في صحة القول عن أبي حنيفة، لكن الصحيح أنه قولٌ معروفٌ للإمام أبي حنيفة ﵀.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>منهج الأئمة في تقرير الأقوال والمذاهب</span>\n[اعلم رحمك الله أن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين:].\nظاهرٌ في كلام المصنف ﵀ أنه لم يقصد هنا ذكر أقوال أهل القبلة؛ ولهذا لم يذكر قول الخوارج ولا أقوال جماهير المرجئة، وإنما ذكر أقوال أهل العلم والعناية بالدين، ويقصد بهم أهل السنة والجماعة، وهذا فقهُ حسن.\nفإن هذه الطريقة منهج في تقرير الأقوال، فإن أقوال أهل البدع تؤخر، ولا تُجعل مقارنة لأقوال أئمة السلف ﵏.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>خطأ بعض الباحثين في تسمية الخلاف بين أهل السنة وبين أهل البدع خلافًا مقارنًا</span>\nوقد درج بعض الباحثين من المعاصرين على تسمية الخلاف بين أهل السنة وبين أهل البدع خلاف مقارنة، وهذه اللفظة فيها بعض التردد؛ فإن مادة التقارن في اللغة توحي بشيء من التشاكل، والموازنة، والبحث عن الأرجح ..\nإلى غير ذلك، وهذا غير حاصل بين أقوال أهل السنة وبين أقوال أهل البدع.\nأما إذا استخدم الباحث في مسائل الفقه هذه اللفظة فقال: هذا فقهٌ مقارن أو هذه كتبٌ في الفقه المقارن، فهذا استعمال لا بأس به؛ لأن هذه المقارنة بين مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد وأمثالهم من الفقهاء والأئمة، وهذه المذاهب لا يجوز أن يجزم أن أحدها أرجح من الآخر على الإطلاق، لأن المسائل التي اختلفوا فيها قد اختلف فيها الأئمة قبل هؤلاء الأربعة.\nوبهذا يتبين أن تسمية الخلاف بين أهل السنة والجماعة وأهل البدع خلافًا مقارنًا فيه بعض التردد، وهي ليست طريقةً معروفةً عند السلف، فإنهم إذا ذكروا اختلاف الفقهاء ذكروه على طريقة من التقارب، وإذا ذكروا أقوال أهل البدع ذكروها على طريقة من الخروج عن الإجماع، والتنبيه إلى تركها، والتحذير من شأنها.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>بماذا يعتبر الرجل مبتدعًا</span>؟\nمن فقهه ﵀ أنه جعل مرجئة الفقهاء وعلى رأسهم حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة رحمهما الله في دائرة أهل السنة والجماعة؛ فإن هذا هو الصحيح، وعلى هذا لا يجوز أن يُعد أمثال هؤلاء في أهل البدعة.\nوهذا يدل على قاعدة؛ وهي: أن من وقع في شيء من الأقوال البدعية وعامة أمرهِ على السنة والجماعة فإنه لا يسمى مبتدعًا عند السلف، وإنما المبتدع -وهو اسم فاعل- من غلب عليه حالٌ من البدعة:\nإما أن يكون هذا الحال يغلب على دلائله -أي: في المنهج- كمن ينتحل علم الكلام، ويجعله هو المعتبر في تقرير مسائل أصول الدين.\nوإما أن يغلب على حاله كثرة الاستعمال لأقوال أهل البدع، كأن يوافق أهل البدع في القدر والأسماء والأحكام والإيمان ومسائل أخرى.\nوإما أن يغلب عليه بدعة ولو واحدة لكنها مغلظة، كمن قال في مسألة الصفات قولًا من التعطيل واستقر عليه، فهذا وإن استقر أمره في الإيمان والأسماء والأحكام والقدر على مذهب السلف إلا أنه يسمى مبتدعًا.\nوإذا اعتبر هذا التحقيق فإننا لا نجد في أعيان الناس من استقر على بدعة مغلظة في أصل وحقق مذهب السلف في أصولٍ أخرى، فإن الباحث عمن يقول بتمام قول المعتزلة -مثلًا- في تعطيل صفات الرب ﷾، والذي قال عنه السلف: إنها أقوالٌ كفر، كالقول بخلق القرآن، وإنكار العلو وأمثال ذلك لا يجد واحدًا من الأعيان يستقر على تحقيق هذه البدعة المغلظة، ومع ذلك يحقق السنة وقول السلف في مسائل الأصول الأخرى.\nوإنما الذي يعرض أن بعض الأعيان من المنتسبين إلى السنة والجماعة قد يغلطون في شيء من مسائل الصفات، أو القدر أو الإيمان وإن كان أصل بابها عندهم على طريقة السلف.\nوقد عرض هذا لإمام الأئمة ابن خزيمة -وهو من كبار أعيان أصحاب الشافعي ﵀ - فقد قال في مسألة حديث الصورة قولًا لم يُتابع عليه، وقد قال الإمام أحمد عن هذا القول لما سأل عنه: \"هذا قول الجهمية\"؛ ومع ذلك لا يجوز أن ينسب ابن خزيمة إلى الجهمية، ولا أن يخرج عن السنة والجماعة بوجهٍ ما، وإن كان قوله غلطًا.\nومن أمثلة ذلك أيضًا: أن الإمام أحمد لما تكلم الجهمية باللفظ بالقرآن قال قوله المشهور في رواية أبي طالب: \"من قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوقٍ فهو مبتدع\".\nومع ذلك ثبت القول بمسألة اللفظ على مرادٍ صحيح عن جملة من أئمة السلف؛ فإن محمد بن يحيى الذُهلي كان يقول: \"إن اللفظ بالقرآن ليس مخلوقًا\" ويشنع على من يقول: إنه مخلوق.\nوعن هذا هجر البخاري، وحصل بينه وبين الإمام البخاري ما حصل في المسألة المعروفة.\nوكان مراد الذهلي من قولته تلك: أن القرآن ليس مخلوقًا.\nفمراد محمد بن يحيى الذُهلي من هذا اللفظ مرادٌ صحيح، وإن كان الجمهورُ من أئمة السنة كـ أحمد وغيره يرون أنه لفظ محدث.\nوقد نقل عن الإمام البخاري وثبت عن غيره ثبوتًا جازمًا أنهم إذا سُئلوا عن هذه المسألة أجابوا بقولهم: اللفظ بالقرآن مخلوق.\nفـ البخاري كان مراده صحيحًا، فإنه لما قال: \"اللفظ بالقرآن مخلوق\" أراد أفعال العباد؛ ومن المعلوم أن الإمام البخاري كان على عناية بمسألة خلق أفعال العباد، وعن هذا صنّف كتابه \"خلق أفعال العباد\" في تقرير هذا والرد على القدرية.\nوهنا فرقٌ لطيفٌ لطالب العلم، وهو أن ثمة فرقًا بين من قال قولًا جوابًا وبين من قاله ابتداءً، فـ البخاري قاله جوابًا وكذلك الذُهلي؛ لأن هذه المسألة ابتلي الناس بالسؤال عنها، وقد سئل عنها الإمام أحمد، فأجاب بقوله: \"من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق؛ فهو مبتدع\".\nوأما أن أحدًا من أعيان أئمة السلف ابتدأ ذكر المسألة فلا.\nفالقصد: أنه لا يجوز أن يقال عن البخاري أو الذهلي: إنه مبتدعٌ أو جهمي؛ وقد قال الإمام ابن تيمية ﵀: \"وأحمد وأمثاله وإن قالوا هذا القول إلا أنه لا يراد بذلك أن الواحد من الأئمة إذا أطلق مثل هذا القول صح أن يسمى كذلك، فضلًا عن أن يعطى حكم الجهمية أو أهل البدع\".\nإذًا: ثمة أقوال في باب الصفات أو القدر أو الإيمان هي أقوالٌ غلط، ويمكن أن يقال: هي أقوالٌ بدعة، ومع ذلك لا يضاف أصحابها إلى أهل البدع.\nوبعبارة أخرى: لا يلزم من وقوع الرجل من أهل العلم في بدعةٍ من البدع اللفظية- أي: بدع الأقوال- أن يسمى مبتدعًا، فإن هذا لو تُكلِّف لزاد الشر والفتنة، ومن غلب حاله على السنة والجماعة اعتبر بها واعتبر بإضافته إليها، ومع هذا يقال: إن هذا القول الذي قاله بدعةٌ مخالفة.\nوقد بين الإمام ابن تيمية ﵀ أن أبا عبيد ﵀ كان يذهب إلى أن قول مرجئة الفقهاء بدعةً؛ ولهذا نقل عن فقهاء الكوفة أكثر من نقله عن غيرهم؛ ليبيّن مفارقة حماد بن أبي سليمان للكوفيين، وأن هذا ليس إجماعًا عند أهل الكوفة.\nوالمقصود بهذا أن عدم إخراج المصنف لـ حماد بن أبي سليمان وأتباعه من دائرة السنة والجماعة لا يلزم منه عدم الحكم على قولهم بأنه بدعة، وتسميته بدعة لا يلزم منه أن يسمى من يقول به مبتدعًا، وهذا كالقول أنه لا يلزم من قول الرجل ما هو كفرٌ أن يسمى كافرًا.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الخلاف بين السلف في تفسير الإيمان خلاف لفظي</span>\n[فقالت إحداهما: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب وشهادة الألسنة وعمل الجوارح ..]\nهذا هو قول السواد من السلف، وألفاظ السلف في القول في مسمى الإيمان متعددة، واختلافها هو من باب الخلاف اللفظي، وهذا أدق من أن يقال: إنه خلاف تنوع.\nفإن الخلاف عند النظّار ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\n١ - خلافٌ لفظي.\n٢ - خلاف تنوع.\n٣ - خلاف تضاد.\nوخلاف التضاد: هو أن يكون بين القولين تضاد، أي: لا يمكن اجتماعهما، كأن يقول قائل: إن العمل يسمى إيمانًا، ويقول الآخر: إن العمل لا يسمى إيمانًا.\nوخلاف التنوع: هو أن تكون المادة المستعملة تختص في قول ما لا تختص في القول الآخر، بمعنى: أن صاحب القول الأول يذكر وجهًا من المعنى لا يذكره صاحب القول الثاني، وصاحب القول الثاني يذكر وجهًا من المعنى لا يذكره صاحب القول الأول، ويكون المعنى الأول والثاني كلاهما صحيح، ويحصل التمام باجتماعهما.\nوغالب ما يكون خلاف التنوع في كلام السلف في التفسير، فإن الناظر في كتب التفسير كتفسير ابن جرير -وهو أخص كتاب في المأثور- يرى أن أقوال الصحابة والتابعين -ولا سيما من انشغل منهم بالتفسير- فيها اختلافٌ كثير، وعامةُ هذا الاختلاف إما لفظي وإما تنوع، بمعنى: أن يذكر أحدهما معنى، ويذكر الآخر معنى آخر، لكن يمكن اجتماعهما، ويكمل أحدهما الآخر.\nإذًا: غالب الاختلاف في الألفاظ المنقولة عن السلف في اسم الإيمان هو خلافٌ لفظي، ولا نقول: إنه خلاف تنوع؛ لأن هذا القول يقتضي أنهم إذا عبروا عن هذه الحقيقة بعد الخلاف فيها يقتصرون على جملة من معناها.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الألفاظ المنقولة عن السلف في مسمى الإيمان</span>\nالألفاظ المنقولة عن السلف كثيرة، أشهرها وأكثرها شيوعًا في كلام الأئمة: أن الإيمان قولٌ وعمل، وإن لم يكن هذا هو الشائع عند المتأخرين؛ فإن الشائع في المختصرات عند المتأخرين هو كلام الشافعي: \"إن الإيمان قولٌ وعملٌ واعتقاد\" وهو مقارب لكلام المصنف.\nوقد نقل عن طائفةٍ كـ البخاري في صحيحه في إحدى الروايتين -فإن لفظ البخاري روي بوجهين-: \"وقال أبو عبد الله: الإيمان قولٌ وعمل\".\nوالرواية المشهورة في صحيح البخاري أن البخاري قال: \"وهو قولٌ وفعل\" وهذا حرفٌ صحيح، وقد بحث الشراح عن وجه الفرق بين الفعل والعمل\nإلخ، وهذا كله تكلف، حيث إنه لا فرق عند البخاري بين قوله: الإيمان قولٌ وعمل، أو الإيمان قولٌ وفعل، وقد يكون أراد مرادًا من التحقيق ..\nوهذا أمر آخر.\nوقال سهل بن عبد الله التستري -وبعض شيوخ العُباد من السلف- لما سئل عن الإيمان ما هو؟ فقال: \"الإيمان قولٌ وعملٌ ونية وسنة\".\nوهؤلاء يعللون قولهم بأن العمل والقول والنية إذا خرج عن السنة صار بدعة.\nلكن هل هذا القيد قيد لازم أو قيدٌ بياني؟\nهو قيد بياني؛ لأن من المقطوع به أن من قال: الإيمان قولٌ إنما يقصد الأقوال الشرعية وليس البدعية والعادية.\nوالقيود البيانية من جنس الاصطلاح، لا مشاحة فيها.\nوإذا قيل: هل الفاضل ذكرها أو تركها؟\nقيل: الأمر متعلقٌ بمصلحة ذكرها، فإن كان ذكرها يقتضي مصلحة كفهم المخاطبين كان ذكرها حسنًا، وإن كان ذكرها يقتضي قدرًا من الاختلاف وإشاعة الخلاف\nوما إلى ذلك فإن ذكرها لا يكون مصلحةً؛ ولهذا العامة والجمهور من السلف لم يزيدوا على قولهم: الإيمان قولٌ وعمل، وقال الشافعي: \"قولٌ وعملٌ واعتقاد\".\nوقال المصنف قوله السابق.\nوهذه كلها أقوالٌ صحيحة، فمن قال منهم: قولٌ وعمل واعتقاد ..\nفقوله واضحٌ، وهو أبين من جهة ذكره للمواضع الثلاثة: أن الإيمان يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بعمل الجوارح.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>معنى قول السلف الإيمان قول وعمل</span>\nأما الكلمة الشائعة عن جمهور السلف وهي قولهم: إن الإيمان قول وعمل فيراد بالقول: قول اللسان وقول القلب، ويراد بالعمل: عمل القلب وعمل الجوارح، وعلى هذا تكون أصول الإيمان من حيث المحل أربعة:","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>قول القلب</span>\nالمحل الأول: قول القلب، وهو تصديقه، وهذا هو أشرف مواضع الإيمان، ولهذا وإن كان السلف يقولون: إن الإيمان قولٌ وعمل، إلا أنهم كما قال شيخ الإسلام ﵀: \"وعامة السلف مع هذا القول يذهبون إلا أن أصل الإيمان مبناه على تصديق القلب\" ولهذا إذا تعذر التصديق سقط الإيمان كله، بخلاف العمل فإنه قد يدخله التفصيل، فإن التصديق يقابله التكذيب، والأمر يقابله المخالفة، ولهذا كان الوعيد الشديد في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] حتى قال الإمام أحمد: \"أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك\".\nوهذا الوعيد ليس في حق من خالف من عصاة المسلمين، أي: من وقع في معصية، وهو على إقرارٍ بكونها معصيةً واستقامةٍ في جملة أمره على الإسلام وأحكامه، ولا يقال: إنه داخل في الآية؛ لأنه قد خالف بترك واجب أو فعل معصية، لأن المراد بالآية -على الصحيح- الإعراض عن شيءٍ من أمر الله وأمر نبيه ﷺ.\nوسبب تفسير المخالفة بالإعراض هو أن الفعل (خالف) يتعدى بنفسه من حيث الأصل؛ فتقول: خالف زيدٌ عمرًا، لكنه في الآية عُدِّي بالحرف فأعطي حكم الفعل اللازم؛ وذلك لأنه ضُمن معنى فعل آخر، وأقرب ما يقاربه الإعراض، وهذا هو المناسب لسياق الآيات في هذه السورة.\nوالمقصود من هذا: أن القول قول القلب هو أشرف مقامات الإيمان، ولهذا لما سمى النبي ﷺ الإيمان قال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ...) إلخ، فجعل مبناهُ على التصديق.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>قول اللسان</span>\nالمحل الثاني: قول اللسان، ويراد به ما هو بيِّن، من الشهادتين وغيرها من شرائع الإسلام والإيمان التي تقال باللسان.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>عمل القلب</span>\nالمحل الثالث: عمل القلب كالخوف، والرجاء، والاستعانة\nإلى غير ذلك.\nفإن قيل: فما الفرق بين قول القلب -الذي هو تصديقه- وبين عمل القلب؟\nقيل: من هدي الصحابة ﵃ أن ثمة أمورًا كثيرة يُعلم الفرق بينها ضرورة، تقوم في نفوس العقلاء، وإن كان كثيرًا من العقلاء قد لا يحسنون ضبط الحد من جهة الكلام في التفريق بينها، أي: هناك أمورٌ كثيرة مستقرة من حيث الفرق أو مستقرة من حيث المعنى، وإذا طلب من الإنسان التعبير عن هذا الفرق قد لا يحسنه، ولربما كان ذكره للفرق مدعاة للشغب عليه من المخالفين، وإلزامه بشيءٍ من اللوازم.\nإذًا: الفرق بين التصديق وبين عمل القلب مستقر عند عامة المسلمين وسوادهم؛ فإنهم يفرقون بين تصديقاتهم وبين ما يقوم في قلوبهم من التعلق بالله ﷾، ومحبته، والخوف منه، والرجاء\nإلى غير ذلك، فهذا فرقٌ من حيث المعنى مستقر.\nوإنما ينبه هذا التنبيه؛ لأن الحد للأشياء -الذي يسمى التعريف، واسمه في المنطق الحد- والمعاني أمرٌ حادث في العلم، ينبغي لطالب العلم ألا يلتفت إليه كثيرًا؛ لأن هذا الحد يقع عنه في كثير من الأحوال جملة من المفاسد، من أخصها:\n١ - التضييق للمعاني.\n٢ - استباق المعاني.\nما معنى استباق المعاني؟\nمثلًا: مسألة السنة والبدعة، هي قبل أن تكون حدًا وتعريفًا هي استقراءٌ في فقه الشرع.\nفإذا نقدنا مسألة الحد، وقلنا: إن الذين بالغوا في تقريرها هم علماء الكلام، فقيل: فما البديل عنها؟\nقلنا: الذي كان عليه السلف -الصحابة والأئمة من بعدهم- هو الاستقراء؛ فيكون تحقيق المعاني باستقراء جميع مواردها.\nمثلًا: إذا قيل: ما هي البدعة؟\nقيل: لقد عرفها الشاطبي -مثلًا- في الاعتصام بأنها: \"طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه\".\nوهذا الحد ليس بالضرورة أن يقال: إنه غلط، لكن نقول: أخذ مثل هذه المسائل الكبرى بحدٍ مختصر يقع لفظه في سطر، ويقع شرحه في صفحة أو صفحتين يظن الآخذ له أنه قد فقه وفهم الفرق بين مدلول السنة ومدلول البدعة، ومتى يسمى القول أو الفعل سنة، ومتى يسمى بدعة، ومتى يكون القائل أو الفاعل على السنة، ومتى يكون على البدعة، ومثل هذه الاستطالات عن طريق الحدود ..\nأمر غير متحقق.\nومن يراجع في كتب المنطق وعلم الكلام يرى أنهم يذكرون الحد ويذكرون الرسم، وقد قال الإمام ابن تيمية: \"إن المحققين من النظار يرون تأخر الحد عن جمهور الأشياء، وإنما يستعملُ معها الرسم\".\nما الفرق بين الحد والرسم؟\nالحد: هو الضبط للماهية نفسها.\nأما الرسم: فهو التمييز للماهية عن غيرها.\nقال الإمام ابن تيمية: \"وهذا هو التحقيق\" فإن الممكن في جمهور المعاني هو التمييز لها عن غيرها، وأما تعيين ماهيتها فهذا في الغالب أنه يتأخر، ويقع عنه ضيقٌ ..\nوما إلى ذلك.\nإذًا يقال: الفرق بين التصديق وعمل القلب هو فرقٌ مستقر؛ فإن أحسن المسلم التفصيل له بلسانه وإلا فكما قال الإمام ابن تيمية: \"وكثيرٌ من المسلمين، يقوم في نفوسهم من العلوم الضرورية في باب الإيمان بالله ورسوله والنبوة والشريعة وغير ذلك ما لا يستطيعون التعبير عنه .. \".\nفهذه مسألة مما ينبغي أن يتفطن له؛ فإن كثيرًا من المسلمين يتأخر عن الإبانة عن فرق مستقر.\nولا يفهم من هذا أننا نقصد إلى أن نقول: إن تعريف البدعة أو استعماله غلط.\nلكن لا ينبغي أن يستطال فيه وأن يعظم شأنهُ.\nفإذا ذكر الفرق بين التصديق وعمل القلب قيل التصديق: هو التصورات التي يقرُ القلب بثبوتها، فهو على باب الإثبات والنفي، ولهذا كان ما يقابل التصديق هو التكذيب.\nوأما عمل القلب فهو حركته بهذا التصديق بأعماله المناسبة له كالخوف والمحبة والرجاء.\nومعنى هذا أن التصديق -وهذا من معاني أهل السنة في تقريرهم للإيمان- يوجبُ بذاته عمل القلب، وهذا هو الفرق بين التصديق الشرعي الإيماني، وبين التصديق المطلق المرادف للمعرفة؛ فإن المعرفة لا تستلزم عمل القلب؛ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] وقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] فمعرفة الكفار هي علم محض، وأما التصديق الشرعي الذي يذكر في الإيمان فهو ما استلزم العمل.\nفإذا كان التصديق لا يستلزمُ عمل القلب فإنه يتأخر عن كونه تصديقًا على التمام الشرعي.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>عمل الجوارح</span>\nالمحل الرابع: أعمال الجوارح.\nفالتصديق الشرعي يستلزم:\nأولًا: العمل الظاهر والباطن.\nثانيًا: الإخلاص لله، فهو تصديقٌ بخبر الله ﷾ أو خبر نبيه عنه؛ فمن فقه المصنف أنه قال: \"الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب\" فذكر مسألة الإخلاص.\nومن هنا يتبين أن الإيمان هو التوحيد؛ لأن الإيمان يراد به الأقوال والأعمال الشرعية المتقرب بها إلى الله ﷾ وحده.\nوشهادة الألسنة أَخَصُها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.\nوبهذا يتبين أن جملة قول السلف: أن الإيمان قولٌ وعمل على هذا التطريد.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>زيادة الإيمان ونقصانه</span>\nويقولون: \"إنه يزيد وينقص\" وهذا المعنى لابد منه، وهو أصل في ذكرِ مسمى الإيمان؛ فإن الغلط الكلي -كما سيأتي شرحه إن شاء الله- الذي خالف به أهل البدع مذهب السلف في اسم الإيمان ومسماه هو أنهم لا يلتزمون أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا الغلطٌ مشترك بين الخوارج والمعتزلة ومن يقابلهم وهم المرجئة؛ فإن كل طائفة من هذه الطوائف جعلوا والتزموا أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وجعلوا مورد الزيادة والنقص فيما حوله من الشرائع التي لا تسمى إيمانًا عندهم كالمرجئة، أو في موردٍ آخر على طريقة الخوارج والمعتزلة.\nفهذه الجملة أصلٌ في مسألة الإيمان؛ لأن مبنى المخالفة للمخالفين إنما تفرع عن عدم تحقيقها، وإلا فإن في كتب الخوارج والمعتزلة أنهم أجمعوا على أن الإيمان قولٌ وعملٌ واعتقاد، ومنهم من يعبر بما يقارب من عبارة أهل السنة فيقول: قول باللسان، واعتقادٌ بالجنان، وعملٌ بالأركان، وإن كانت كتب الخوارج قليلة، لكنَّ الإباضيين منهم يقولون بهذا، لكن الفرق بينهم وبين السلف هو الزيادة والنقصان.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>تعلق الزيادة والنقصان في الإيمان</span>\nيستعمل المتأخرون من أهل السنة في كتبهم عبارة: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهذا التعبير لا بأس به، لكنه ليس فاضلًا، فإنه يوحي -ليس عند العامة بل حتى عند بعض طلبة العلم المبتدئين- أن مورد الزيادة والنقصان هو في الأعمال الظاهرة فقط.\nوهذه المسألة فيها نزاع، فإن أبا محمد بن حزم ﵀ يقرر أن الزيادة والنقصان لا يتعلقان بالتصديق.\nفهو يقرر أن الزيادة والنقصان تدخل أعمال القلوب لكونها أعمالًا، فالمحبة ليست واحدة، والرجاء ليس واحدًا.\nوكذلك تدخل أقوال اللسان، فإن الناس متفاوتون في ذكرهم للشريعة وألفاظها وهديها وتوحيد الله وذكره\nإلى غير ذلك.\nوكذلك تدخل أعمال الجوارح.\nلكنه تأخر فقال: إنه ليس من طريقة أهل السنة أن الزيادة والنقصان متعلقان بالتصديق.\nوعلى هذا يكون التصديق واحدًا.\nوهذا غلطٌ دخل عليه من المرجئة، فإنه بنى هذا على مسألة أن التصديق يقابله التكذيب، وأنه إذا نقص ذهب، فإما أن يصدق الإنسان وإما أن يكذب ..\nفما الوسط بينهما؟ وكيف تحصل الزيادة والنقصان في أمرٍ يدور بين الوجود والعدم؟\nهذه هي شبهة المرجئة التي دخلت على ابن حزم ﵀، ولا وجه لها ألبتة، لا عقلًا ولا شرعًا.\nفإنه يقال: إن التصديق -لاشك- يقابله التكذيب، لكن التصديق عند عامة العقلاء يتفاوت؛ فإن من صدق بشيءٍ بناءً على دليلٍ واحد ليس كمن صدق بهذا الشيء بناءً على عشرة أدلة، ومن صدق بشيءٍ بناءً على حديث يرى أنه حسن، وهو متردد في ثبوته، ليس كمن صدق بهذا الشيء وقد بناهُ على حديثٍ متواتر متفق على قبوله.\nأي: أن تعدد الأدلة يوجب اختلاف التصديق.\nوحتى لو كان الدليل من حيث الثبوت واحدًا، كآيةٍ من القرآن؛ فإن نظر المخاطبين والمكلفين فيها يتفاوت تصديقه.\nمثلًا: قول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] هذه الآية من قرأها من المسلمين يصدق بها، لكن لا يلزم أن كل من قرأها من العلماء والعامة يكونون على درجة واحدة في تصديقهم -هم ليس فيهم مكذب، هذه جملةٌ منتهية؛ لأن من كذب كفر- لأنهم في فقههم لمعناها وتأملهم فيها يتفاوتون، ومن هذا الوجه تفاوت إيمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم، ومن غيره، كأوجه العمل الظاهر والباطن.\nوالمقصود من هذا بيان أن التصديق يتفاضل؛ فإن مما لا شك فيه: أن تصديق أبي بكر بالنبوة والقرآن والحديث ليس كتصديق آحاد الفساق، مع أن الفاسق لا يكذِّب.\nولهذا اعتبر الشارع أن تحقيق التصديق تحقيق لتمام التوحيد، فقال النبي ﷺ كما في الصحيح من حديث عثمان ﵁: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة).\nقد يقول قائل: إن المسلمين يعلمون أنه لا إله إلا الله، إذًا أين وعيد أهل الكبائر؟\nهل نقول: إن هذا حديث مطلق قيّدته أحاديث الكبائر؟\nالجواب: لا؛ فإن الإطلاق والتقييد لا يستعملان في مثل هذه النصوص، والقول بأنهما يستعملان فيها غلط، ومع الأسف هذا الغلط شائع بين العلماء: المعاصرين والمتقدمين؛ لأنه غلب في تقرير مسائل الفقه والنظر في أدلة الشريعة الفقهية مسألة أن المطلق يحمل على ما يقيده، والعام يحمل على ما يخصصه، والعام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص، فصاروا يستعملون هذا في تقرير فقه نصوص الأصول، فصاروا يقولون: إن هذا مطلقٌ قيّدته أحاديث أهل الكبائر وما يلحقهم من الوعيد.\nوهذا الغلط فرع عن الغلط في استعمال الطرق النظرية والحدود والضوابط، وما إلى ذلك من الطرق التي كان المقصود منها تنظيم العلم وليس ذكر حقائق العلم؛ فإن حقائق العلم حقائق تستقرأ من كلام الله ورسوله، وقد ذم الله على أهل الكتاب أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، والبدع إنما نشأت في الإسلام من أخذ بعض النصوص وترك بعضها.\nفالصواب: أن الحديث على ظاهره، ومعناه: أنه من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة، فإن عُدِم العلم الذي هو التصديق لم يدخل الجنة، وإن نقص علمه تأخر دخوله.\nفإذا قيل: لماذا لم يدخل أصحاب الكبائر الجنة ابتداءً مع أنهم يعلمون أنه لا إله إلا الله؟\nقيل: لن نخالف الحديث، هل هم يعلمونها على التمام؟\nالجواب: لا؛ لأنهم لو حققوا العلم لحققوا العمل، لكن لما نقص علمهم أمكن تأخرهم.\nومما يدل على هذا أن الصحابة لم يستشكلوا شيئًا عندما حدث الرسول ﷺ بهذا الحديث، مع أن بعض الأعراب أو من أسلم حديثًا أحيانًا كانوا يسألون عن بعض المشكلات، ولا يمكن أن يكون الصحابة لم يفقهوا المعنى ومع ذلك يسكتوا، كما يعتذر ويبرر بعض الناس هذا بقول أنس كما في الصحيح: (نهينا أن نسأل رسول الله عن شيء) فإن الصحابة لم ينهوا عن السؤال عما يتحقق به إيمانهم، وإنما نهوا عن الاستفصال في أمرٍ قد سُكت عنه، كما هو في قوله تعالى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١]\nوأما ما يتحقق به إيمانهم وتصديقهم فلا يجوز شرعًا ولا عقلًا أن ينهى الصحابة أو غيرهم عن السؤال عنه، بل هذا السؤال مما أمر الله تعالى به، كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]\nوكذلك لم يستشكلوا عندما حدث النبي ﷺ الناس بما قد يظهر على أنه مقابل لحديثه هذا، مثل قوله ﷺكما في حديث ابن مسعود -: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) إنما استشكل رجل فقال: (يا رسول الله! الرجل يحبُ أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا.\nفقال رسول الله ﷺ: إن الله جميل يحبُ الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس) فكان سؤال الرجل عن هذه المسألة اليسيرة يدل على أنه قد فقه المقصود بأصل الحديث، وأنه لا يراد به أن من في قلبه ذرة من كبر يحرم من الجنة على الإطلاق أو أنه يؤبد في النار.\nوسبب هذا الفقه أن الصحابة كانوا على قدرٍ من الاستقراء لفقه الإسلام، وهذا هو الذي ينصح طلاب العلم بتتبعه والقصد إليه.\nوالمقصود من هذا: أن تمام العلم بتمام العمل.\nإذًا: من المسائل الأصول في مسمى الإيمان: القول في زيادته ونقصانه، والزيادة والنقصان تقع في مواردهِ الأربعة:\n١ - في قول القلب الذي هو تصديقه، وقد خالف في هذا ابن حزم وطائفة من أصحاب أحمد والشافعي، وبعض المنتسبين إلى السنة من المتأخرين، وقولهم مخالف لنص الإمام أحمد وغيره من السلف، بل هو مخالف لظواهر الحقائق الشرعية والعقلية، والتي تدل على أن التصديق يتفاضل.\n٢ - في أعمال القلوب، وهذا بيّن؛ فإن محبة المسلمين ورجاءهم لله وخوفهم منه ﷾ ليس واحدًا.\n٣ - في أقوال اللسان وفي أعمال الجوارح على قدرٍ مشهور معروفٍ مدرك بالبديهة.\nومن المسائل الأصول: التلازم بين الظاهر والباطن، ومعناه: أنه إذا عدم الإيمان الباطن عدم الإيمان الظاهر، فمن أظهر شرائع الإسلام أو بعض خصال الإيمان كالصلاة وغيرها ولا باطن معه من الدين فهذا هو المنافق.\nإذًا: إذا عدم الباطن عدم الظاهر حقيقةً وليس حالًا، ومعنى: ليس حالًا: أي قد يظهر حالًا كما ظهر من المنافقين الذين يقع لهم صلاة أو زكاة أو حج أو ما إلى ذلك، ومع ذلك قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] فهم كفارٌ بالكتاب والسنة والإجماع.\nوأما إذا عدم الظاهر فهل يعدم الباطن؟\nهذه المسألة فيها تفصيل ليس هذا محله، إلا أن من أسباب الإشكال فيها عند المعاصرين مسألة الحدود، والألفاظ المتأخرة -ككلمة \"جنس العمل\"- التي بدأت تحاط بها المسائل الكبرى في مسائل أصول الدين.\nويتلخص من هذا أن مسألة مسمى الإيمان تتضمن ثلاثة أصول:\nالأصل الأول: أنه قولٌ وعمل.\nوهذا ينتج عنه أن الإيمان من حيث المحل أربعةُ أصول:\n١ - قول القلب، وهو تصديقه.\n٢ - عمل القلب.\n٣ - قول اللسان.\n٤ - عمل الجوارح.\nالأصل الثاني: أنه يزيد وينقص، وهذه اللفظة أفضل من لفظة: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وإن كان تصديق القلب إذا تحقق سمي طاعة، لكن كلمة الطاعة والمعصية لما تأخر أمر الناس صارت تتبادر إلى الأعمال الظاهرة، ولهذا يقال: يزيد وينقص ظاهرًا وباطنًا.\nالأصل الثالث: التلازم بين الظاهر والباطن.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>شرح كتاب الإيمان [٢]</span>\nاختلف مذهب السلف عن مذهب مرجئة الفقهاء في أن السلف يعتقدون أن الإيمان قول باللسان والقلب، وعمل باللسان والجوارح والقلب، وهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، بينما يعتقد مرجئة الفقهاء أن الأعمال الظاهرة ليست داخلة في مسمى الإيمان، كما يعتقدون أن الإيمان واحد لا يزيد ولا ينقص.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>قول مرجئة الفقهاء أن الإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان</span>\n[وقالت الفرقة الأخرى: بل الإيمان بالقلوب والألسنة، فأما الأعمال فإنما هي تقوى وبر وليست من الإيمان].\nهذا هو المذهب الثاني، وهو مذهب طائفةٍ من علماء السنة، وأول من تقلد هذا المذهب هو حماد بن أبي سليمان، الفقيه الكوفي، وقد أخذه عنه طائفة من الكوفيين وغيرهم، واشتهر هذا المذهب بتقلد أبي حنيفة له، حتى شاع في الحنفية هذا القول، وأصحاب هذا القول هم الذين عُرفوا فيما بعد بمرجئة الفقهاء، وقد ذكر أبو الحسن الأشعري هذا لما ذكر المرجئة، وأنهم ثنتا عشرة طائفة، فقد جعل آخر هذه الطوائف وأخصها الفقهاء كـ أبي حنيفة وأمثاله.\nوهؤلاء يقولون: إن الإيمان يكون بالقلب واللسان، وأما الأعمال فقد أخرجوها عن مسمى الإيمان، وقالوا: هي برٌ وتقوى.","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>الفرق بين قول السلف وبين قول مرجئة الفقهاء</span>\nالفرق بين مذهب جملة السلف وبين مذهب مرجئة الفقهاء يتحصل من جهتين:\nالجهه الأولى: أن هذا المعشر من الفقهاء لا يجعلون الأعمال الظاهرة داخلةً في مسمى الإيمان، بل يجعلونها برًا وإسلامًا وتقوى، ويقول متأخروهم: هي من ثمرات الإيمان.\nولهذا إذا قيل لهم: هل لها أثرٌ في الإيمان؟ قالوا: هي من ثمراته، ولكنها لا تدخل في مسماه.\nالجهة الثانية: أنهم لا يرون أن الإيمان يزيد وينقص، بل يرونه واحدًا.\nهذان الوجهان هما أخص ما يفرق به بين مذهب المرجئة الفقهاء وبين مذهب الجمهور من السلف.\nولزيادة التوضيح نقول:\nأما الفرق الأول: وهو أنهم لا يجعلون العمل داخلًا في مسمى الإيمان، فهذا فرقٌ متحقق بهذا القدر الكلي، ولكن هذا لا يعني عندهم أن إيمان القلب لا يوجب الأعمال، بل ظاهر مذهبهم أنهم يجعلون إيمان القلب يوجب الأعمال، وإن كان هذا الإيجاب لا يستلزم بالضرورة أصل الإيمان.\nوعليه: فإن أصل الإيمان عندهم يثبت بالقلب واللسان، وإن لم يكن معه ثبوتٌ في أعمال الجوارح، لكنهم يجعلون ما يقع من أعمال الجوارح فرعًا عن الإيمان الذي في القلب.\nوهذا فرقٌ قد يكون فيه بعض الدقة لابد من إدراكه، وهو أنهم لا يجعلون الإيمان الباطن أو إيمان القلب يستلزم العمل فضلًا عن كونه يدخل في مسماه -أي: العمل- لأنه لو كان كذلك لكان عندهم من ترك العمل يكون كافرًا.\nفهم لا يجعلونه لازمًا له لزومًا تامًا، بل يرون أن أصل الإيمان يثبت دون الأعمال، وهذا يسلمون به، لكنهم مع ذلك إذا ذكر الإيمان على التمام عندهم جعلوا الأعمال الظاهرة تتفرع عنه، وجعلوه موجبًا للأعمال الظاهرة ومقتضيًا لها.\nوفرق بين مقام الاقتضاء الإيجاب العام وبين مقام اللزوم للأصل.\nوالمحصل من هذا أنه إذا قيل: هل الأعمال الظاهرة لازمة لأصل الإيمان عند حماد والفقهاء ممن وافقه؟\nفالجواب: لا، ليست لازمة، فضلًا عن كونها داخلةً في مسماه.\nوأما إذا قيل: هل الأعمال هي اقتضاء لهذا الإيمان؟\nفالجواب: نعم.\nفهم لم يذهبوا إلى قطع الأعمال وفكها عن الإيمان القلبي من كل وجه، بل وقعوا على هذا القدر من التوسط، ولا يقطع الأعمال عن الإيمان القلبي إلا الغالية من المرجئة.\nوإنما يحسن هذا التنبيه لأن أكثر من تكلم في قول مرجئة الفقهاء -فيما وقفت عليه- يصفونهم بأنهم يقطعون الأعمال عن الإيمان القلبي من كل وجه، وهذا غلط في تقرير مذهبهم؛ فهم لا يجعلون الأعمال داخلةً في مسماه، ولا يجعلون الأعمال لازمةً لأصله، لكنهم يجعلونها من مقتضاه العام الخارج عن مسماه وعن لزوم أصله.\nأما إذا أتينا إلى الجهة الثانية وهي: أن الإيمان عندهم واحد لا يزيد ولا ينقص، فهذا القول قد نسبه إليهم خلق كثير، وممن نَسَبَ إليهم هذا القول الإمام ابن تيمية ﵀، فإنه يقرر بالتصريح أن جميع المرجئة -حتى الفقهاء منهم- يجعلون الإيمان واحدًا، لا يزيد ولا ينقص.\nوهذه الجملة -أي: مسألة أنهم يجعلون الإيمان واحدًا- فيها قدر من الإجمال، فإنه وإن صح أن يقال كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وأصل نزاع هذه الفرق من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا إذا زال بعضه زال جميعه\".\nإلا أن الناظر في كتب الخوارج أو المعتزلة وجمهور كتب المرجئة يجد أن جمهور هذه الطوائف يصرحون بأن الإيمان يزيد، وبعضهم يصرح بنقصه، وإن كان ذكر لفظ الزيادة هو الدارج في كلامهم؛ لكونه حرفًا منصوصًا عليه في كتاب الله ﷾.\nحتى إن أبا حامد الغزالي والبغدادي -وهما من الأشعرية- يحكيان الإجماع عندهم على أن الإيمان يزيد، ومنهم من يحكي الإجماع على الزيادة والنقصان.\nولا شك أن هذا القدر الكلي الذي يحكونه في كتبهم -أعني الطوائف المخالفة- لا يعارض ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية عنهم.\nوالجمع بين الأمرين -أي: بين ما في كتبهم وبين ما ذكره الشيخ عنهم- هو أن الذي يسلِّمون به إنما هو وجه من أوجه الزيادة؛ ولهذا إذا شرحوا الإجماع الذي يحكونه في كتبهم على التفصيل قالوا: ويزيد الإيمان -إذا كان المعين من هؤلاء يفسر الإيمان بالتصديق- بكثرة أدلته، فالمصدق بخبر على دليل واحد ليس كالمصدق به على عشرة أدلة.\nوقالوا: ويزيد الإيمان باستمراره في القلب.\nفهم فسروا زيادة الإيمان بأوجه صحيحة لكنها قاصرة، فهم إذا سئلوا: هل يمكن أن تدخل الإيمانَ الذي يدور بين الإثبات والنفي الزيادةُ والنقصانُ؟\nفالجواب عندهم: لا؛ فإن الإيمان عندهم إذا ما فسر بمقام الإثبات والنفي فهو واحد، إما أن يثبت جميعه وإما أن ينفى جميعه، وحصروا زيادته في مثل هذه الأوجه.\nفقالوا: يزيد بتعدد أدلة الإيمان بين المجتهدين وبين المخاطبين ..\nوهذا لا شك أنه وجه في زيادة الإيمان، لكن مقصود السلف ﵏ بتقرير هذه المسألة ليس هذا الوجه؛ فإن هذا من الأوجه البدهية الثابتة بضرورة العقل، لكن المقصود الأجلّ في تقرير زيادة الإيمان في القرآن وفي كلام السلف هو: أنه يزيد باعتبار مقام الإثبات والنفي، بمعنى أن الشخص قد يترك بعض الواجبات ولا يذهب إيمانه، مع أن هذا الواجب المعين الذي تركه ونفي عنه يسمى إيمانا، ولكنه لا يسمى تاركًا لكل الإيمان، وإنما سماه الشارع تاركًا للإيمان باعتبار المقارنة، على معنى أنه ترك واجبًا فيه، كقول النبي ﷺ في الصحيحين: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) فإن العفاف عن الزنا واجب ..\nوما إلى ذلك.\nوبهذا يتبين أن الوجه الثاني في التفريق بين قول جمهور السلف وبين قول مرجئة الفقهاء هو: أن الإيمان عند الفقهاء واحد لا يزيد ولا ينقص ..\nوهذه الجملة هي مذهب لهم إذا قصد قدرها الكلي، وأما إذا قصد تمامها ولوازمها فهي ليست مذهبًا لهم.\nوالفرق بين الأمرين: أنهم يجعلون ما لزم في أصل الإيمان إذا دار بين الإثبات والنفي فإنه يكون الكفر والإيمان فحسب؛ ولهذا لم يجعلوا العمل داخلًا في مسمى الإيمان؛ لأنه لو دخل في مسمى الإيمان لأمكن نفي بعضه بالترك، وهذا يستلزم عندهم ترك جملة الإيمان.\nوأما إذا قصد أنهم يقولون: إن الإيمان واحد لا يزيد ولا ينقص، وأنهم يذهبون إلى تساوي المؤمنين في درجة الإيمان ..\nفهذا ليس بصحيح كمذهب لـ حماد بن أبي سليمان، ولكنه مذهب لجملة من الأحناف الذين شرحوا قول حماد بن أبي سليمان وما أخذه عنه أبو حنيفة.","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>مرجئة الفقهاء طائفتان</span>\nوعلى هذا يمكن القول: إن مرجئة الفقهاء طائفتان:\nالطائفة الأولى: وهم متقدموهم كـ حماد بن أبي سليمان مؤسس هذا المذهب، فهذا الإمام لا يجعل الأعمال داخلة في مسمى الإيمان ولا يكفر بتركها.\nأما أنه يجعل المؤمنين متساوين في الإيمان فإن هذا لم يثبت عنه، وليس لازمًا لمذهبه.\nوهذا المذهب مذهب لجملة من فقهاء الكوفة.\nالطائفة الثانية: وهم جملة ممن شرحوا مذهب حماد باعتباره مذهبًا للإمام أبي حنيفة، وقد قرر هؤلاء هذا المعنى؛ لأنهم أخذوا هذه المادة من جمل المرجئة الأخرى.\nوعلى هذا فالمتحقق ثبوته عن حماد:\nأولًا: أنه لا يجعل العمل داخلًا في مسمى الإيمان.\nثانيًا: أنه لا يكفر بترك العمل الظاهر كالصلاة ونحوها.\nثالثًا: أنه يجعل الإيمان واحدًا باعتبار الأصل، وأما باعتبار التفاضل فإن المؤمنين يتفاضلون في الإيمان، ولم يقل حماد ﵀ ولا أمثاله من كبار فقهاء الكوفة الذين انتحلوا هذا القول: إن إيمان المؤمنين واحد.\nبل يمكن أن يقال هنا: إن القول بأن المرجئة يذهبون إلى أن إيمان أبي بكر كإيمان أحد الفساق من المسلمين ليس مذهبًا مصرحًا به في كلام أحدهم ولكنه لازم قولهم.","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>أقسام الجمل التي يستعملها الأئمة في حكاية مذاهب الطوائف</span>\nهنا تنبيه لمن يقرأ في كتب المقالات، وهو أن أئمة السنة والجماعة الذين صنفوا في بيان معتقد السنة كـ ابن أبي عاصم وعبد الله بن أحمد والآجري وابن خزيمة وأمثال هؤلاء، أو حتى الإمام ابن تيمية ﵀وإن كان أكثر تفصيلًا في هذا الباب- لهم استعمال قد تراجع عليه أهل العلم، وعلى الناظر في كتبهم أن يكون على فقه لوجهه:\nوهو أنهم إذا حكوا مذهبًا لطائفة، فإنهم يصفونه بجملة من الجمل، وهذه الجملة يمكن تقسيمها على النحو الآتي:\nالجملة الأولى: هي قول مطابق للمذهب الذي نسبت إليه.\nالجملة الثانية: هي قول متضمن في المذهب الذي نسبت إليه.\nالجملة الثالثة: هي قول لازم للمذهب الذي نسبت إليه.\nوأضرب لذلك مثلًا: بعض من يحكي مذهب مرجئة الفقهاء يقول: فعند حماد بن أبي سليمان ومن وافقه كـ أبي حنيفة أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، وأن الإيمان عندهم واحد لا يزيد ولا ينقص، وأن إيمان أبي بكر وأئمة المؤمنين كإيمان آحاد المسلمين والفساق.\nفهل هذا مذهب تام؟\nالجواب: لا.\nبل هذا وصف للمذهب.\nفالجملة الأولى -وهي أنهم لا يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان- مطابقة مطابقة تامة لمذهبهم.\nوالجملة الثانية -وهي أن الإيمان عندهم واحد لا يزيد ولا ينقص- متضمنة في المذهب كقدر كلي، وليس كقدر تفصيلي.\nولهذا نجد أن الجملة المطابقة جملة متحققة في المذهب جملة وتفصيلًا، بخلاف الجملة المتضمنة، فهي تثبت كجملٍ كلية أو مطلقة أو عامة، ولا يلزم بالضرورة أن سائر تفاصيلها تكون متحققة عندهم.\nأما الجملة الثالثة -وهي أنهم يجعلون إيمان أبي بكر وأئمة المؤمنين كإيمان آحاد المسلمين والفساق- فهي جملة لازمة، لكنهم لما جعلوا الإيمان واحدًا لزم أن جميع المسلمين على قدر من التساوي فيه.\nوالمذاهب تضبط بحقائقها المطابقة أو المتضمنة أو اللازمة، لكن يجب أن تبقى المطابقة مطابقة، وأن تبقى المتضمنة متضمنة، ولا يزاد على التضمن إلى درجة التطابق.\nوأما لازم المذهب -وإن كان فيه خلاف يسير عند بعض النظار- فقد حكي جملةُ الإجماع على أن لازم المذهب ليس مذهبًا للطائفة، سواءً من أهل السنة أو من غيرهم، ولكنه طريق يذكر ليظهر به غلط هذه الطائفة المخالفة للسنة والجماعة.\nلأن من قرأ هذه الجمل الثلاث إنما تكون الجملة الثالثة هي الأظهر في نفسه مفارقة للعقل ومفارقة لبدهيات الشرع.\nومثال هذا: لو أن عاميًا قرئت عليه هذه الجمل فإنه قد لا يستوعب الأولى -وإن كان الإشكال فيها- وربما الثانية، لكن لو قيل له: هؤلاء يقولون: إيمان أبي بكر كإيمان الفساق، لقال: هذا مذهب فاسد ..\nإذًا لوازم المذاهب إنما تذكر لتوزن بها المذاهب، وأما أنها مذاهب تنسب إلى أصحابها فهذا لا يجوز.\nوقد كان ابن حزم ﵀ يقرر هذا الرأي -أن لازم المذهب ليس مذهبًا- لكنه أخذ كثيرًا من الطوائف بلوازم أقوالهم وعن هذا كفرهم، وهذا -أيضًا- موجود عند من عندهم زيادة في التكفير للمخالفين للسلف من أهل البدع في الغالب، حيث يظهر أنهم يعتمدون على اللوازم، ومن اعتمد على اللوازم وفرض أنها مذاهب لأصحابها فإنه لن يسعه في هذا المقام إلا أن يذهب إلى التكفير.\nوالمقصود من هذا: أنه ينبغي لطالب العلم أن يضبط هذه القاعدة، وأن يكون فقيهًا في قراءته لكلام علماء السنة، وهو أنهم يجملون المسائل، فيذكرون المذهب على الوجه المطابق والمتضمن واللازم، وأحيانًا يذكرون المطابق فقط.\nفهذه القاعدة ليس بالضرورة أنها قاعدة مطردة.\nوهذان الوجهان على ما فيهما من التقرير والتقييد هما أخص أوجه الفرق بين مذهب حماد بن أبي سليمان ومن وافقه وبين مذهب جمهور أئمة السلف.\nومن هنا يظهر أن شرح جملة من فقهاء الأحناف لهذا المذهب ليس بالضرورة أنه ممثل له.\nوهذا هو السبب الذي جعل بعض المتأخرين من أهل العلم ينسبون إلى حماد والفقهاء من المتقدمين من أهل الكوفة بعض القول الشديد؛ فقد نُقل عنهم أقوال مجملة ليس فيها التصريح بهذا الكلام، وبعد ذلك جاء الحنفية وعندهم إشكال أن مادتهم مختلفة، فإن من الأحناف كرامية وهؤلاء عندهم مادة تجسيم في الصفات ومبالغة في الإثبات.\nومنهم ماتريدية.\nومنهم أهل حديث.\nومنهم أهل فقه.\nفهم مع تعدد مآخذهم في تقرير مسائل أصول الدين بين علم الكلام والتصوف وبين طريقة الفقهاء وطريقة أهل الأثر إلا أنهم التفوا غالبًا -وليس دائمًا- في مسألة الإيمان على الجملة المروية عن أبي حنيفة، ثم أخذوا يشرحونها ويفرعون عنها، وكل من شرح أو فرَّع من هؤلاء فإنه يتأثر بمادته.\nفالماتريدية يتأثرون بمادتهم، حتى إن منهم -وهذا قول مشهور لـ أبي منصور - من لا يجعلون قول اللسان داخلًا في مسمى الإيمان، بل يجعلون الإيمان هو التصديق كالقول المروي عن أبي الحسن الأشعري؛ فصار الماتريدية يحاولون الجمع بين أقوال بعض أئمة الماتريدية المتكلمين الذين يقولون أن الإيمان هو التصديق وبين قول أبي حنيفة، فيخففون قول أبي حنيفة عن محتواه ويقربونه إلى قول من يقول: إن الإيمان هو التصديق.\nوقد تأثر بمثل هذه التفريعات بعض فقهاء الأحناف أو الأثرية منهم؛ وليس المقصود من هذا أن نعين واحدًا كـ أبي جعفر الطحاوي أو غيره إنما المقصود أن شرح المتأخرين من الأحناف لقول حماد ﵀ ليس بالضرورة أن يكون شرحًا ممثِّلًا لقول حماد نفسه، بل المروي عن حماد جمل عامة، المتحقق منها ما سبق ذكره.\nولهذا لم يذكر عنهم المصنف إلا المجمل فقط، لكنه لما تكلم في آخر كتابه هذا عن أقوال المرجئة المغلظة بيّن ما عندهم من الخروج في مسألة الأعمال، وفي مسألة أن الإيمان واحد، وحقيقة هذه القول عندهم، وأنهم يلتزمونه على قدر من التحقيق.","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>شرح كتاب الإيمان [٣]</span>\nاختلاف أهل السنة والجماعة مع مرجئة الفقهاء في تعريف الإيمان مبني على إنكار المرجئة لدخول العمل في مسمى الإيمان، وبالتالي فهو لا يزيد ولا ينقص عندهم، وأهل السنة والجماعة يردون قولهم هذا مستدلين بما نطق به القرآن، وسنة المصطفى ﵊.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>ترجيح مذهب السلف القائل بأن الإيمان قول وعمل</span>\n[وإنا نظرنا في اختلاف الطائفتين فوجدنا الكتاب والسنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان بالنية والقول والعمل جميعًا، وينفيان ما قالت الأخرى.\nوالأصل الذي هو حجتنا في ذلك: اتباع ما نطق به القرآن؛ فإن الله -تعالى ذكره علوًا كبيرًا- قال في محكم كتابه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩] وإنا رددنا الأمر إلى ما ابتعث الله عليه رسوله صلى الله عليه، وأنزل به كتابه فوجدناه قد جعل بدء الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه، فأقام النبي ﷺ بمكة بعد النبوة عشر سنين أو بضع عشرة سنة يدعو إلى هذه الشهادة خاصة].","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>الدخول في الإيمان بالنطق بالشهادتين</span>\nهذا من شريف فقه المصنف ﵀؛ فإنه أبان أن النبي ﷺ أول ما بعث -وهذا مجمع عليه بين المسلمين- إنما بعث بالشهادتين، فمن قال الشهادتين فإنه يكون مؤمنًا، ولهذا لم يكن ﷺ يكتفي من أحد باعتبارها في قلبه، بل كان لا بد من التصريح بذكرها؛ ونتيجة هذا الاستدلال أن القول بالإيمان أصل فيه، ولهذا كان الشارع ﷺ يعتبر ثبوت الإسلام والإيمان بالنطق بها على يقين وتصديق في معناها.\nوهذا يبين أيضًا: أن أصل الإيمان هو أصل الإسلام، ويبين أن أصل الإيمان هو تصديق القلب، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا الأمر.\n[وليس الإيمان المفترض على العباد يومئذٍ سواها، فمن أجاب إليها كان مؤمنًا لا يلزمه اسم في الدين غيره، وليس يجب عليهم زكاة ولا صيام ولا غير ذلك من شرائع الدين، وإنما كان هذا التخفيف عن الناس يومئذٍ -فيما يرويه العلماء- رحمةً من الله لعباده ورفقًا بهم؛ لأنهم كانوا حديث عهد بجاهلية وجفائها، ولو حملهم الفرائض كلها معًا نفرت منه قلوبهم، وثقلت على أبدانهم؛ فجعل ذلك الإقرار بالألسن وحدها هو الإيمان المفترض على الناس يومئذٍ، فكانوا على ذلك إقامتهم بمكة كلها وبضعة عشر شهرًا بالمدينة وبعد الهجرة، فلما أثاب الناس إلى الإسلام وحسنت فيه رغبتهم زادهم الله في إيمانهم أن صرف الصلاة إلى الكعبة بعد أن كانت إلى بيت المقدس، فقال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] ثم خاطبهم وهم بالمدينة باسم الإيمان المتقدم لهم في كل ما أمرهم به أو نهاهم عنه، فقال في الأمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] وقال في النهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥]].\nوجه هذا الاستدلال أن اقتران خطاب العمل بنداء الإيمان دليل على أن هذه الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وهذا معروف من جهة لسان العرب؛ فإن ما طلب فعله بنداء مختص بصفة داخل في الصفة التي وقع بها هذا الطلب أو لازم لها، ولهذا لزم من مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧] أن يكون هذا الركوع لازمًا للإيمان أو داخلًا في مسماه.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>الجواب عن شبهة المرجئة: لو كان العمل أصلًا في الإيمان لما أمكن ثبوت الإيمان قبل فرض العمل</span>\n[وعلى هذا كل مخاطبته كانت لهم فيها أمر أو نهي بعد الهجرة، وإنما سماهم بهذا الاسم بالإقرار وحده إذ لم يكن هناك فرض غيره.\nفلما نزلت الشرائع بعد هذا وجبت عليهم وجوب الأول سواء، لا فرق بينها؛ لأنها جميعها من عند الله، وبأمره وبإيجابه].\nهذا الكلام فيه رد على شبهة بعض المرجئة، فإن من شبههم وحججهم أنهم يقولون: إن الإيمان كان ثابتًا في أول الإسلام قبل العمل، فلو كان العمل أصلًا في الإيمان لما أمكن ثبوت الإيمان في أول الإسلام.\nوهذا غلط من جهة العقل قبل أن يكون غلطًا من جهة الشرع؛ لأن الإيمان هو ما وجب الإيمان به في كلام الله ورسوله، والعمل قبل فرضه ليس حكمًا شرعيًا.\nوهذه القاعدة التي فرضوها لو طردوها ما صحت لهم؛ فإن هناك تصديقات ذكرت في الكتاب والسنة بعد كلمة الشهادتين -كالتصديق بقصص الأنبياء، فإن من لم يؤمن بقصص الأنبياء والمرسلين في القرآن وكذبها يكون كافرًا- ومع ذلك أصبح التصديق بهذه الأخبار من الإيمان، مع أن إيمان المؤمن قبل بلوغ الخطاب كان ثابتًا.\nفقولهم: لو كان العمل أصلًا في الإيمان لما أمكن ثبوت الإيمان قبل فرض العمل، يرد عليه بأنه لو كان الأمر كذلك لقيل أيضًا: إن ما زاد على أصل الإيمان من التصديقات لا يعد من الإيمان؛ لأن الإيمان الأول ثبت قبل نزولها أو قبل الخبر بها، فكل ما فرضوه على العمل يلزم فرضه على التصديقات التي تأخر الإخبار بها.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>أثر الامتناع عن العمل في الإقرار والفرق بينه وبين ترك العمل</span>\n[فلو أنهم عند تحويل القبلة إلى الكعبة أبوا أن يُصلّوا إليها وتمسكوا بذلك الإيمان الذي لزمهم اسمه، والقبلة التي كانوا عليها لم يكن ذلك مغنيًا عنهم شيئًا، ولكان فيه نقض لإقرارهم؛ لأن الطاعة الأولى ليست بأحق باسم الإيمان من الطاعة الثانية، فلما أجابوا الله ورسوله إلى قبول الصلاة كإجابتهم إلى الإقرار صارا جميعًا معًا هما يومئذٍ الإيمان، إذ أضيفت الصلاة إلى الإقرار].\nوهذا أيضًا فقه منه ﵀، فهو يقرر أنهم لو امتنعوا عن العمل بعد المخاطبة به لبطل إقرارهم.\nوفي مقام العمل هنا مقامان:\nالمقام الأول: الترك الذي لا يصاحبه إباء وامتناع.\nالمقام الثاني: الامتناع عن العمل.\nأما الترك لآحاد الأعمال فإنه لا يستلزم النفي لأصل الإيمان، وأما جملة الأعمال فهذا له تفصيل يأتي إن شاء الله.\nوأما الامتناع فإن المصنف يقرر أن حقيقة الامتناع عن العمل هو الترك للإقرار الأول.\nوقد يقول قائل: باب الامتناع ليس هو باب الترك للعمل؛ فإن الامتناع فوق الترك ..\nوهذا صحيح، لكن لما كان الامتناع عن العمل مسقطًا للإقرار -وهذا وجه بيّن من جهة الشرع- دل على أن هذا العمل داخل في مسمى الإيمان؛ لأنه لو لم يكن داخلًا في مسماه لما أمكن أن يكون الامتناع عن فعله يستلزم إفساد الإيمان الأول؛ فإنه لو كانت الجهة منفكة تمام الانفكاك بين العمل وبين الإيمان الأول -الذي هو الإقرار- لما أمكن أن يكون الامتناع عن هذا موجبًا لإبطال هذا.\nوبعبارة أخرى: إن مما هو متقرر في الشريعة أن الامتناع عن الاستجابة للعمل الذي أمر الله ورسوله به يعد إسقاطًا للإقرار، وهذا يدل على أن الأعمال أصل في الإيمان أو داخلة في مسماه على أقل درجة؛ لأنه لو لم يكن العمل داخلًا في مسمى الإيمان لما كان الامتناع عنه مسقطًا لأصل الإقرار.\nوهذا فقه شريف من الإمام ﵀، ولاسيما أن كلامه يعتبر بوجه؛ لكونه إمامًا في اللغة فضلًا عما له من الإمامة في الشريعة.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>التلازم بين تصديق القلب وعمل الجوارح</span>\nوتمام هذا المعنى يكون بوجه يفصل به كلامه، وهو يحتاج إلى قدر من التأمل؛ فإن من فقهه بان له أن كل من يقول بأن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان قولهم ممتنع في العقل فضلًا عن كونه غلطًا في الشرع.\nوتقرير هذا الوجه يكون بالآتي: أن جميع المرجئة فضلًا عن فقهائهم المقاربين للسنة والجماعة يسلِّمون أن تصديق القلب إيمان وبعضهم يقول: هو الإيمان؟\nإذًا مسألة التصديقات لا خلاف بين المسلمين أنها إيمان ..\nهذه المقدمة الأولى.\nوالطرد لها أن يقال: كل عمل من الأعمال الظاهرة كالصلاة والطواف بالبيت والسعي بين الصفاء والمروة والوضوء ونحوها، مركب من تصديق ومن حركة ظاهرة، فإذا انفك أحدهما عن الآخر امتنع ثبوت العمل في نفس الأمر، وبعبارة أوضح: امتنع ثبوت العمل في الخارج، أي: في الوجود.\nوسوف نبين هذا الكلام بضرب عدة أمثلة:\nالمثال الأول: لو أن إنسانًا قال: أنا أؤمن بالصلاة وأصدق بحديث النبي ﷺ بالأمر بالصلاة.\nلكنه لم يفعل ..\nهل يسمى مصليًا؟\nبإجماع العقلاء أنه لا يسمى مصليًا، ولو كان مصدقًا حافظًا عارفًا بماهية الصلاة.\nالمثال الثاني: لو أظهر شخص الحركة الظاهرة لا نقول: دون تصديق، بل دون نية ..\nهل يسمى فاعلًا للعمل الشرعي؟\nالجواب: لا.\nفمن باب أولى إذًا فعله دون تصديق.\nالمثال الثالث: لو فعل شخص فعل الوضوء، لكنه لم يقصد به الوضوء، بل قصد به التبرد ..\nهل يجزئه؟\nالجواب: لا يجزئه.\nالمثال الرابع: لو أن شخصًا يبحث عن شخص آخر في المسجد الحرام بين الطائفين، وعند بحثه عنه كان يدور حول الكعبة بحثًا عن صاحبه، هل يسمى طائفًا؟\nالجواب: لا يسمى.\nالمثال الخامس: لو أن شخصًا حنى ظهره أمام مدربه من باب الرياضة أو من باب اللعب أمامه ..\nهل يسمى هذا قد فعل الركوع لغير الله؟!\nالجواب: لا؛ لأن هذا العمل أصلًا لم تدخل عليه نية العبادة، فضلًا عن مسألة ارتباط هذا بكونه تصديقًا واستجابة لله ورسوله.\nومن هنا يتضح أن الأعمال الشرعية الظاهرة يمكن أن يفعلها بعض الناس على جهة عادية لا يقصد بها فعل العبادة، وفي هذه الحال لا تسمى أعمالًا شرعية يسقط بها الوجوب ويحصل بها الثواب.\nوبهذا يظهر أن الأعمال الشرعية مركبة من مادتين:\n١ - التصديق والنية وما يتعلق بالقلب.\n٢ - والحركة الظاهرة.\nوأما أن تقوم الأعمال الشرعية بأحد الجهتين فهذا ممتنع، فإنه إذا وُجد التصديق ولم توجد الحركة الظاهرة فإن فاعل هذا لا يسمى مصليًا ولا طائفًا، وإذا وجدت الحركة الظاهرة ولم تكن عن نية وتصديق واستجابة ..\nإلخ، فإنه لا يسمى مصليًا ولا طائفًا ..\nإلى غير ذلك.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>قول المرجئة بأن التصديق إيمان يلزمهم به إدخال الأعمال في مسمى الإيمان</span>\nفإذا كان كذلك فمن يقولون: إن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان.\nيقال لهم: أنتم أدخلتم التصديق في مسمى الإيمان، وحقيقة هذه الأعمال أنها تصديقات، ولكنها تصديقات يلتحق بها ويقترن بها الحركة الظاهرة لإثبات هذا التصديق، ولهذا لا شك أن الفاعل للصلاة أشرف تصديقًا من المصدق بالصلاة بقلبه -حتى لو فرضنا جدلًا أنه لا يكفر-.\nوبهذا يعلم أن الجواب عن قولهم: إن الأعمال الظاهرة هي حركات فكيف تسمى إيمانًا ..\nهو أن الحركات الظاهرة المجردة عن التصديقات لا وجود لها في الأعمال الشرعية.\nفإذا قيل: الصلاة.\nقيل: هي قبل أن تكون حركة ظاهرة هي تصديق، واستجابة، ونية في القلب\nإلى غير ذلك.\nوبهذا يتضح أن إدخال الأعمال في مسمى الإيمان لازم لجميع المرجئة؛ لأنهم أدخلوا التصديق، والأعمال مركبة من التصديق والحركة الظاهرة، وإذا انفكت إحدى الجهتين عن الأخرى امتنع وجود العمل الشرعي في الخارج.\nوبهذه القاعدة يعلم أن الأعمال الظاهرة يلزم بضرورة العقل أن تكون داخلة في مسمى الإيمان، وأن قول السلف ﵏: إن الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإيمان هو ضرورة شرعية لدلالة النصوص عليه، وهو ضرورة عقلية أيضًا.\nوالعجيب قول بعض المرجئة -كالأشاعرة-: هذه حركة ظاهرة، والعرب لا تعرف أن تسمي الحركات الظاهرة العادية إيمانًا!\nفيقال: وهل أحد من علماء السنة يقول: إن مشي الإنسان إيمان، وأكله وشربه إيمان، وكل أعماله الظاهرة إيمان؟!! كلا، بل هم يقصدون الأعمال الشرعية، والأعمال الشرعية حقيقتها التصديقات قبل أن تكون حركة ظاهرة، ولهذا من لم يصدق بالصلاة كفر بالإجماع، بخلاف من تركها وهو مصدق بها، لأن التصديق أشرف من مقام الحركة الظاهرة.","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>من الأدلة على أن الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإيمان</span>\n[والشهيد على أن الصلاة من الإيمان قول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٤٣] وإنما نزلت في الذين توفوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وهم على الصلاة إلى بيت المقدس، فسئل رسول الله ﷺ عنهم فنزلت هذه الآية، فأي شاهد يلتمس على أن الصلاة من الإيمان بعد هذه الآية؟].\n(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: صلاة من صلى إلى بيت المقدس، وعلى هذا درج أئمة التفسير من الصحابة وغيرهم، وهذه الآية من أخص دلائل السلف على أن الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإيمان، وإذا دخل واحد منها -ولو كان هو الأشرف- فإن غيره يكون كذلك.\nوقد أجاب المرجئة عن هذه الآية فقالوا: معنى قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: تصديقكم الأول بالصلاة إلى بيت المقدس.\nومعنى كلامهم أن هناك أمرين وقت الصلاة إلى بيت المقدس:\nالأمر الأول: التصديق بالصلاة إلى بيت المقدس واعتقاد أن هذا حكم.\nالأمر الثاني: العمل.\nفهم يقولون: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: تصديق المصدقين بوجوب الصلاة إلى بيت المقدس.\nفنقول: هذا ليس بصحيح من جهة النظر في سياق الآية لغة وشرعًا وعقلًا؛ لأن التصديق بالصلاة إلى بيت المقدس في تلك المرحلة لم يكن تصديقًا قصد الشارع رفعه، إنما قصد إيجاد حكم آخر من التصديقات؛ فإنه يمتنع أن يتبادر إلى ذهن أحد من المكلفين الذين صلوا إلى بيت المقدس أو من بقي من أقاربهم أن تصديقهم الأول قد فسد، لكن الذي قد يتبادر إلى الذهن هي مسألة العمل، حيث إن هؤلاء اتجهوا إلى بيت المقدس وهؤلاء اتجهوا إلى الكعبة.\n[فلبثوا بذلك برهةً من دهرهم، فلما أن داروا إلى الصلاة مسارعةً وانشرحت لها صدورهم أنزل الله فرض الزكاة في إيمانهم إلى ما قبلها، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:١١٠] وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] فلو أنهم ممتنعون من الزكاة عند الإقرار، وأعطوه ذلك بالألسنة، وأقاموا الصلاة غير أنهم ممتنعون من الزكاة كان ذلك مزيلًا لما قبله، وناقضًا للإقرار والصلاة، كما كان إباء الصلاة قبل ذلك ناقضًا لما تقدم من الإقرار.].\nمن فقه المصنف ﵀ أنه يعبر بالامتناع، وقد تقدم أن هناك فرقًا بين الامتناع وبين الترك، فإن الامتناع يقارنه إباءُ في القلب، بخلاف الترك؛ فإنه من جنس ترك الفساق، ولذا كان الممتنع من الصلاة كافرًا بلا خلاف بين السلف، وكذلك الممتنع من الزكاة على شرط معروف فيه يأتي ذكره إن شاء الله، بخلاف التارك فهو محل نزاع كما سيأتي إن شاء الله.","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>القتال الذي وقع في زمن أبي بكر ﵁</span>\n[والمصدق لهذا جهاد أبي بكر الصديق -رحمة الله عليه- بالمهاجرين والأنصار على منع العرب الزكاة كجهاد رسول الله ﷺ أهل الشرك سواء، لا فرق بينها في سفك الدماء وسبي الذرية واغتنام المال، فإنما كانوا مانعين لها غير جاحدين بها].\nحصل في زمن أبي بكر ﵁ القتال لثلاث طوائف:\nالطائفة الأولى: من ارتد عن أصل الإسلام، وأعلن الكفر بالله وبرسوله ..\nفهؤلاء لا خلاف بين المسلمين أنهم كفار مرتدون.\nالطائفة الثانية: من جحد وجوب الزكاة، ورأى أن الزكاة شريعة في حق رسول الله ﷺ ثم بعد ذلك لا زكاة في الإسلام، فهؤلاء أيضًا بالإجماع المتحقق أنهم كفار؛ لأنهم جحدوا واجبًا معلومًا من الدين بالضرورة بعد قيام الحجة عليهم.\nالطائفة الثالثة: من لم يظهر جحد وجوب الزكاة، وإنما منعوا أداءها، وهم أهل شوكة ومنعة -أي: أهل قتال-.\nوهذه الطائفة يقرر جمهور الفقهاء المتأخرين من أصحاب الأئمة -بعد طبقة الأئمة الكبار، والقرون الثلاثة الفاضلة- في كتب الفقه أنها طائفة باغية، وليست طائفةً مرتدة، وممن ذكر هذا وكرره ونسبه إلى الجمهور من الفقهاء الخطابي والنووي رحمهما الله وغيرهما، وهو موجود في كتب الفقه للمذاهب الأربعة.\nونزع جملة من فقهاء المذاهب الأربعة -وهم المحققون في مذاهب أئمتهم- إلى أن هؤلاء مرتدون.\nأما قول السلف الأول في شأن هؤلاء فإن المشهور، والذي عليه التقرير في نقل أقوال المتقدمين من السلف أنهم كانوا ينزعون إلى أن هذه الطائفة طائفةٌ مرتدة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وقد اتفق الصحابة والأئمة من بعدهم على قتال مانعي الزكاة، وإن كانوا يصلون الخمس ويصومون شهر رمضان، وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة، ولهذا كانوا مرتدين وهم يقاتلون على منعها، وإن أقروا بالوجوب كما أمر الله\".\nوقد غلَّط الإمام ابن تيمية طائفة من الفقهاء كـ الخطابي وغيره فيما قرروه من أن هؤلاء قوم بغاة.\nوبهذا يظهر عدم وجود إجماع صريح على أن الطائفة الممتنعة عن أداء الزكاة كافرة، لكن هذا هو المتقرر في كلام المتقدمين؛ فإنه لم ينضبط عن أحد من المتقدمين أنه جعل هذه الطائفة ليست طائفة مرتدة.\nوقد أشار المصنف ﵀ عند ذكر قصة أبي بكر ومراجعة عمر له إلى الإجماع بقوله: \"والمصدق لهذا جهاد أبي بكر الصديق -رحمة الله عليه- بالمهاجرين والأنصار على منع العرب الزكاة، كجهاد رسول الله ﷺ أهل الشرك سواء\".\nفهو التمس هذا الإجماع التماسًا من القصة، لكن الإجماع الذي أشرت إلى أنه لم يصرح به عند المتقدمين: هو الإجماع الذي عليه تواردُ الكبار حتى تكون المسألة لا تحتاج إلى نظر، كإجماعهم على أن الإيمان قول وعمل\nأما أن بعض المتقدمين فقه من القصة وجه إجماع عند الصحابة فذكره فهذا موجود، ومن أَخَصِ من ذكر هذا المصنف ﵀.\nفكون هؤلاء الممتنعون أهلَ ردة هذا هو المعروف في كلام المتقدمين من السلف كـ مالك وأحمد والأوزاعي وأمثالهم، وهو المذهب الصحيح.","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>حكم تارك الزكاة</span>\nأما مسألة هل يكفر تارك الزكاة أو لا يكفر فإنها مسألة نزاع، ولو سلِّم أن هذه الطائفة الممتنعة عن أداء الزكاة كافرة بإجماع متحقق؛ فإنه لا يلزم من هذا أن ترك الزكاة يكون كفرًا؛ لأن هذه الطائفة ليس أمرها في ترك الزكاة فحسب، بل أمرها في اجتماع ترك الزكاة مع الامتناع والقتال.\nوللأئمة أقوال في كفر تارك الزكاة:\nالقول الأول: أن ترك الزكاة كفر، ولو كان التارك فردًا من المسلمين، فلو أن شخصًا واحدًا وجبت عليه زكاة ماله فترك الزكاة، ولم يؤد من ماله زكاة إلى أن توفي؛ فإنهم يجعلون تركه للزكاة وهجره لها كفرًا مخرجًا من الملة، فيوافي ربه بالكفر على هذا الافتراض، ومن هنا يمكن أن يقام عليه حد الكفر إذا حقق عليه قضاءً\nإلى غير ذلك.\nوهذا المذهب مذهبُ ضعيف، وقد نسب إلى ابن عباس، وإن كان لم ينضبط صحةً عنه، ونسب إلى سعيد بن جبير وبعض كبار فقهاء الحجاز؛ ولهم دلائل على ذلك ليس هذا موضع تفصيلها، لكن أخص ما يستدلون به أن الله ذكر الصلاة والزكاة في القرآن على الاقتران، وهذا وجه ليس بلازم.\nالقول الثاني: أن ترك الزكاة ليس كفرًا.\nوهذا المذهب عليه طائفة من الفقهاء، وهو المشهور في مذهب مرجئة الفقهاء ابتداءً، وعليه غيرهم من الفقهاء.\nالقول الثالث: أن ترك الزكاة ليس كفرًا إلا إذا قاتل عليه، وهذه هي الرواية الراجحة في مذهب الإمام أحمد ﵀، وهو الصحيح.\nوأخص ما يستدل به كثير من الفقهاء الذين ينتصرون لعدم كفر غير المقاتل حديث أبي هريرة في الصحيحين، فقد قال النبي ﷺ: (ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها ...) إلخ، وفيه قول النبي ﷺ: (فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار) وهو دليل على أنه ليس من الكفار، بل من أهل الوعيد.\nوهذا وجه صريح في الاستدلال من جهة السنة، وهناك وجه صريح من القرآن أن هذا مؤمن بالله ورسوله، ومصدق، ومصلِّ، ومؤمن بالله وملائكته ..\nإلخ فلا يكون كافرًا، وهذا الوجه ذكره الإمام مالك ﵀ لما سئل عن مسألة ترك الزكاة.\nوبهذا يتبين أن السلف كانوا يفرقون بين حال من قاتل أبو بكر ﵁ وبين حال من ترك الزكاة من الآحاد؛ فإن الإمام مالكًا يذهب إلى أن تارك الزكاة من الآحاد لا يكفر، ومع ذلك هو نفسه يذهب إلى أن من قاتلهم الصديق كانوا كفارًا مرتدين؛ مما يدل على أن ثمة تفريقًا عند السلف بين ترك الزكاة كآحاد وبين الذين قاتلهم الصديق من الممتنعين المنابذين لحجج الإسلام في القرآن والسنة، والتي استدل بها على وجوب دفع الزكاة\nإلى غير ذلك، فهذه القرائن المجتمعة الظاهرة تدل على إباءٍ في القلب.\nإذًا: تارك الزكاة إذا كان ممتنعًا يكون كافرًا؛ ولذلك من دعي قضاءً إلى فعل الزكاة فامتنع عن أدائها، حتى قيل له: إن عقوبتك القتل ثم صبر على السيف؛ فإن هذا لا يكون إلا عن جحد وإباء، كما أن من دعي إلى الصلاة فلم يصلِّ حتى قتل فبالقطع أن هذا لا يقتل إلا كافرًا مرتدًا؛ لأنه يمتنع أن عاقلًا يصبر على السيف من غير كفر وارتداد وتكذيب في باطنه لهذا الحكم أو ذاك.\nهذا ملخص لمسألة قتال الصديق ﵁ لمانعي الزكاة، وما فيها من الخلاف بين المتأخرين والمتقدمين.\nوهذا يدل على أن ثمة مسائل قد يحكي المتأخرون فيها مذهبًا هو الشائع عند جمهورهم، ويكون مذهب الجمهور من المتقدمين على خلافه.\nوعلى هذا ليس بلازم أن جمهور المتأخرين يوافقون جمهور المتقدمين، بل قد يكون العكس.\nوقد تقدم أنه لم ينضبط عن أحد من السلف أنه صرح أن قتال الصديق لهؤلاء ليس قتال ردة، ومع ذلك لا يعتبر هذا الإجماع إجماعًا قطعيًا ..\nلكن قد صرح بعض الأئمة كالمصنف وغيره بكونه إجماعًا كفهمٍ في الإجماع، والله أعلم.","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>شرح كتاب الإيمان [٤]</span>\nمن الأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة على بطلان قول مرجئة الفقهاء في الإيمان: أن الشرائع في دين الإسلام كلما نزل شيء منها ألحق باسم الإيمان، كما أنهم يردون على قولهم بعدم زيادة الإيمان ونقصه بأن الإيمان ذكر مطلقًا ومقيدًا، وذكره بهذه الصورة دليل على زيادته ونقصه؛ لأن الله أثبت أصله دون الإسلام أو العمل في مقام، وذكره على التمام والكمال في مقام آخر.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>من الأدلة على أن الإيمان قول وعمل: أنه كلما نزلت شريعة التحقت باسم الإيمان</span>\nقال المصنف ﵀: [ثم كذلك كانت شرائع الإسلام كلها، كلما نزلت شريعة صارت مضافة إلى ما قبلها لاحقة به، ويشملها جميعًا اسم الإيمان فيقال لأهله: مؤمنون].\nقوله ﵀: (ثم كذلك كانت شرائع الإسلام كلها) هذا إلحاق بما ذكره في شأن مسألة الزكاة، وهو لا يريد بهذا أن كل شرائع الإسلام تعطى الحكم الذي ذكره في مسألة الزكاة وقتال أبي بكر لمانعيها، وإنما مراده أن الإيمان ابتدأ بذكر الشهادتين، ثم كلما نزلت شريعة من الشرائع فإنها تكون داخلة في مسماه.\nأما أن الشريعة الواحدة إذا تركها قوم، وقاتلوا على تركها، وامتنعوا عنها يكفرون بذلك فإن هذا ليس مرادًا له؛ فإن هذا أمرٌ اختص بمسألة الزكاة وأمثالها من المسائل الكبار.\nوأما ما دونها من المسائل فإن هذا الحكم لا يلزم أن يكون مطردًا فيها.\n[وهذا هو الموضع الذي غلط فيه من ذهب إلى أن الإيمان بالقول، لما سمعوا تسمية الله إياهم مؤمنين، أوجبوا لهم الإيمان كله بكماله، كما غلطوا في تأويل حديث النبي ﷺ حين سئل عن الإيمان ما هو؟ فقال: (أن تؤمن بالله ..) وكذا وكذا، وحين سأله الذي عليه رقبة مؤمنة عن عتق العجمية فأمر بعتقها وسماها مؤمنة، وإنما هذا على ما أعلمتك من دخولهم في الإيمان، ومن قبولهم وتصديقهم بما نزل منه، وإنما كان ينزل متفرقًا كنزول القرآن].\nهذا كله تقرير لاستدلاله الأول: أنه كلما نزلت شريعة من الشرائع التحقت باسم الإيمان.\nوهو بهذه الطريقة يشير إلى أصل عند المرجئة في الجملة -من الفقهاء وغيرهم- في تقريرهم لمسألة الإيمان، وهو أنهم اعتبروا ظاهر جملة من النصوص النبوية وكذلك جملة من الآيات القرآنية التي فيها ذكر الإيمان قبل ورود العمل، فقالوا: إن الله ﷾ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧] فأثبت لهم الإيمان قبل ثبوت العمل، فإن المدعو إلى فعل العمل ثبت له الاسم قبل فعل العمل.\nوقد سبق تقرير استدلال السلف بهذا النوع من الآيات -وهي آيات النداء-.\nومن هنا نقول: إن كثيرًا من الآيات في باب الإيمان هي محل تردد من جهة الاستدلال بين أئمة السلف وبين المرجئة، والفقهاء هم أخص طوائف المرجئة استدلالًا بآيات القرآن، بمعنى أن مرجئة الفقهاء -كـ حماد ومن وافقه من المتقدمين من الفقهاء- ما كانوا يستعملون في الاستدلال على قولهم الجمل الكلامية أو الأصول الكلامية النظرية التي أدخلها غلاة المرجئة فيما بعد، إنما كانوا يعتبرون بعض ظواهر النصوص.\nوأما الجواب عن قول المرجئة: إن الله ناداهم باسم الإيمان قبل فعلهم العمل؛ فدل على ثبوته قبل ذلك.\nفيقال: هذا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، فإنه بإجماع أهل السنة وبإجماع أئمة السلف المخالفين لأئمة المرجئة من الفقهاء وغيرهم، أن الناس قبل فعلهم العمل -الذي ابتدأ ذكره بخطاب مختص- على الإيمان، وإنما الاعتبار بتحقيق هذا الأمر بعد وروده، فمن حققه فقد استكمل الإيمان وزاد إيمانه، ومن لم يحقق الأمر؛ فإن كان الأمر في الأصول فتركه فقد ترك أصل الإيمان، وإن كان من مسائل الفروع فتركه فقد نقص إيمانه.\nوعلى هذا يمكن القول من وجه آخر: إن استدلال المرجئة فرع -وقد أشار إلى هذا المصنف- عن قولهم: إن الإيمان واحد لا يزيد ولا ينقص.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>استعمال الإيمان مطلقًا ومقيدًا</span>\nوهنا قاعدة تطرد، وبها يعرف الجواب عن آيات الإيمان وأحاديثه في كلام الله ورسوله ﷺ، وهي: أن الإيمان يستعمل مطلقًا ويستعمل مقيدًا، فإذا استعمل مطلقًا أريد به مراد، وإذا استعمل مقيدًا أريد به مراد، والمرادان وإن اختلفا باعتبار السياقين إلا أن اختلافهما لا يستلزم اختلاف المراد بمسمى الإيمان في الشرع.\nوالمقصود باستعماله مطلقًا هو ذكره على وجه الإطلاق، إما بذكره باسم الإيمان أو بذكره صفة للمؤمنين.\nفمن الأول: قوله ﷺ فيما رواه مسلم في صحيحه وأصله في البخاري: (الإيمان بضع وسبعون شعبة)، وقوله ﷺ في حديث وفد عبد القيس وهو في الصحيحين: (الإيمان: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم)\nومن الثاني: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢]\nوالمراد بالإيمان في هذا الاستعمال -أي: المطلق- الدين؛ فإن اسم الإيمان في السياقات السابقة تدخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة.\nمثلًا: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] هذا تحقيق للإيمان في القلب.\n﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا﴾ [الأنفال:٢]\nوقوله ﷾: (زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا) هذا الإطلاق يشمل الظاهر والباطن.\nوقوله ﷾: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] هذا من مسائل القلب.\nثم قوله ﷾: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣] هذا من مسائل العمل.\nفهذا بيان كون الإيمان قولًا وعملًا.\nوأما الاستعمال المقيد فهو: أن يقترن بذكر اسم الإيمان اسم الإسلام أو العمل.\nفمن الأول: قول الله تعالى: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] وتفريق النبي ﷺ في حديث جبريل بينهما.\nومن الثاني: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف:١٠٧]\nوهذا الاستعمال يراد به وجه من الاختصاص، كأن يراد به أصل الإيمان الذي هو القلب، وهو الإيمان الذي ذكر مع الإسلام في قول الله تعالى: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] فمن صريح السياق أن الإيمان أشرف من الإسلام، وإنما أريد بالإسلام هنا الظاهر من الأعمال؛ ولهذا قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤].\nفإذا استعمل الإيمان في الكتاب أو السنة مقيدًا فإن ما قارنه أو قيده -وهو الإسلام أو العمل الصالح- يكون خارجًا عن مسماه -أي: عن مسمى الإيمان- في هذا السياق وإن كان لازمًا له، وخروجه عن مسماه في هذا السياق لا يستلزم خروجه عن مسماه في سائر السياقات، والدليل على أنه لا يستلزم: أن الله أدخل الأعمال الصالحة في الإيمان في ذكر الإيمان المطلق؛ فخروجه عن مسماه في هذا السياق لا يستلزم الخروج في سائر السياقات، فضلًا عن الحقيقة الإيمانية الشرعية التي هي مراد الله ورسوله ﷺ، والتي هي مجموع السياقات المطلقة والمقيدة.\nوهذا الأصل من فقهه بان له تفصيل السلف في هذه المسألة، وبان له أن غلط المرجئة من عدم فقههم لهذا الأصل.\nوهذا الأصل هو الطريق المحقق في هذه المسألة، ويتفرع عنه أن الإيمان له أصل وله كمال، وأنه يزيد وينقص.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>إذا اقترن الإيمان بالعمل فهو من باب عطف الخاص على العام</span>\nويوجد جواب لبعض أهل السنة، وهو لا بأس به، لكنه ليس هو الجواب الراجح، حيث يقولون: إذا اقترن الإيمان بالعمل فإن هذا من باب عطف الخاص على العام، أي: إن المراد بالإيمان في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧] القول والعمل.\nفإذا قيل لهم: فكيف قيل: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)؟\nقالوا: هذا من باب عطف الخاص على العام كقولك: جاء الرجال وزيد.\nوهذا جواب لا بأس به، لكنه ليس هو الجواب الراجح؛ لأن المراد هنا: بيان أن الإيمان أصل، وأن له تمامًا وكمالًا وهو الأعمال الصالحة، ولهذا رجح الإمام ابن تيمية ﵀ هذا الجواب في مقام التقييد، سواء قيد بالعمل أو قيد باسم الإسلام.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>الرد على جميع فرق المرجئة والوعيدية بأن الإيمان يستعمل مطلقًا ومقيدًا</span>\nوهذا الفقه لكون الإيمان يستعمل مطلقًا ويستعمل مقيدًا يحصل به الرد على جميع طوائف المرجئة والوعيدية؛ فإن الوعيدية اعتبروا من النصوص السياق المطلق، واستدلوا به على أن الله ﷾ لا يسمي المؤمنين إلا وقد استكملوا الأعمال الظاهرة والباطنة.\nفمن يقرأ في كتب المعتزلة يجد أنهم إذا استدلوا على قولهم يستعملون قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١].\n﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] إلى أمثال ذلك.\nوإذا قيل: ما وجه هذا التنوع في كتاب الله وفي كلام الرسول ﷺ؟\nقيل: إنما تنوع ذكر الإيمان؛ لأن الإيمان ليس واحدًا، ولهذا نقول: إنَّ ذكره مطلقًا وذكره مقيدًا دليلٌ قاطع على كون الإيمان يزيد وينقص؛ لأن الله أثبت أصله دون الإسلام أو العمل في مقام، وفي مقام آخر ذكره على التمام والكمال.\nأما قول المصنف: \"حين سئل عن الإيمان ما هو؟ فقال: (أن تؤمن بالله ...) فهو يشير إلى حديث جبريل، ولا شك أن النبي ﷺ لما ذكر الإيمان في حديث جبريل ذكره في القلب والاعتقاد، وهو الإيمان بالله وملائكته ... إلخ، فنقول: هذا السياق في ذكر الإيمان المقيد؛ لأنه قيد باسم الإسلام، ولهذا إذا ذكر الإيمان مقيدًا فإنما يراد أصله.\nومن تأمل آيات القرآن وأحاديث الرسول ﷺ التي ذكرت الإيمان مقيدًا إما باسم الإسلام وإما باسم العمل، يرى أن الإيمان يذكر في مورد الإيمان القلبي لا في مورد العمل، وهذا دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن له نقصًا وكمالًا، وهو دليل على الحقيقة التي سبق أن أشرنا إليها وهي أن أصل الإيمان في القلب، والسلف وإن قالوا: هو قول وعمل، وجعلوا العمل أصلًا في الإيمان إلا أنهم متفقون أن أصل الإيمان في القلب، وهو محل اتفاق بين السلف: أن أصل الإيمان في القلب.","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>استدلال المرجئة على مذهبهم بحديث الجارية والجواب عنه</span>\nقال: \"وحين سأله الذي عليه رقبة مؤمنة عن عتق العجمية\"\nقوله هذا إشارة إلى حديث معاوية بن الحكم السلمي، وهو حديث رواه مسلم في صحيحه، في قصة معروفة في مجيء معاوية بن الحكم وما تحدث به من القول في الصلاة، فلما طاب له خلق الرسول ﷺ سأل النبي ﷺ عن مسائل، وكان بآخر مسائله أن قال: (وكانت لي جارية ترعى غنمًا لي قبل أحد والجوَّانية، فاطلعت ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكةً.\nفأتيت رسول الله ﷺ فعظّم ذلك علي، قلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها.\nقال: فأتيته بها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء.\nقال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله.\nقال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة).\nوقد استدل بهذا الحديث المرجئة فقالوا: إن النبي ﷺ اكتفى للحكم بإيمانها بمجرد أنها شهدت أن الله في السماء وأنه رسول الله؛ فدل ذلك على أن الإيمان هو التصديق، أو كما يقول فقهاؤهم: فدل على أن العمل لا يدخل في الإيمان.\nوقد أجيب عن هذا الحديث بجوابين:\nالجواب الأول: أن لفظ \"فإنها مؤمنة\" فيه إعلال، ولهذا قال الإمام أحمد في بعض جواباته: \"ليس جميع الناس يقولون: إنها مؤمنة\" يقصد بذلك الرواة.\nالجواب الثاني: على التسليم بصحة هذا الحرف -وهو في مسلم كما تقدم- فإنه ليس مشكلًا، بل هو على القاعدة المطردة، لكن السؤال: هل يعد هذا السياق النبوي من سياق الإيمان المطلق أو من سياق الإيمان المقيد؟\nالجواب: هذا السياق من سياق الإيمان المقيد.\nوقد يقول قائل: أين التقييد؛ فإنه لم يذكر الإسلام ولا العمل؟\nالجواب: ليس بالضرورة أن يقتصر التقييد على هذين؛ فإن التقييد إما أن يكون بالأسماء، وإما أن يكون بالأحوال.\nوفي هذا الحديث المقام ليس مقام ثناء وتزكية، بل هو مقام إجراء لحكم من الأحكام الدنيوية، وهو العتاق.\nوإذا كان الإيمان في مقام إجراء الأحكام الدنيوية، فإنه يعتبر أصله ولا يعتبر كماله، وهذا إبانة لكون الإيمان له أصل وكمال، وإبانة لكونه يزيد وينقص، فقد قال الله ﷾: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] ومع ذلك اتفق الفقهاء: أن المراد بالإيمان هنا الأصل، ولهذا لو أعتق فاسقًا صح عتقه بإجماع أهل العمل.\nفقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] أي: معها أصل الإيمان.\nويظهر هذا واضحًا عند التأمل في تدبير الشارع ﷺ للسياقات، ففي حديث سعد بن أبي وقاص -وهو في الصحيحين- الذي قال فيه: (قسم النبي قسمًا فقلت: يا رسول الله! أعط فلانًا فإنه مؤمن.\nقال: فقال النبي ﷺ: أو مسلم.\nقال سعد: أقولها ثلاثًا ويرددها عليَّ ثلاثًا: أو مسلم.\nثم قال: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليَّ منه، مخافة أن يكبه الله في النار)\nهنا السؤال: لماذا منع النبي ﷺ سعدًا أن يسمي الرجل مؤمنًا، وقد سمى ﷺ الجارية مؤمنة، مع أن الرجل الذي زكاه سعد بالقطع أنه يشهد أن الله في السماء وأن محمدًا رسول الله، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا بقوله: (وغيره أحب إلي منه) فالرجل واضح أنه من المؤمنين بدليل تزكية سعد له وبدليل إقرار النبي لجملة تزكيته، وإبانته ﷺ بأن له قسطًا من محبته واختصاصه؟\nالجواب: لأن المقام يختلف، ففي حديث الجارية المقام مقام تقييد بالحال، ولهذا إذا ذكر اسم الإيمان في مقام إجراء الأحكام الدنيوية كالإرث، والعتاق، والولاية\nوما إلى ذلك فإنه يعتبر أصله.\nوأما إذا اعتبر في مقام الثناء والتزكية، فإنه يعتبر بتمامه؛ ولذلك لما كان سعد ﵁ يريد بقوله: (يا رسول الله! أعط فلانًا فإنه مؤمن) أنه مزكى بالإيمان المحقق، أي أنه من أهل التقوى ومن أهل التحقيق، نهاه ﷺ؛ لأن التزكية على هذا الإطلاق ليست مما قصد الشارع إلى إطلاقه.\nهذا هو وجه تعدد جوابه ﷺ أو تقريره في المقامين.\nفهذا الباب لابد من فقهه حتى لا يقع اختلاط في تقرير مسألة الإيمان وما يتعلق بها من الدلائل.","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>من الأدلة على أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان</span>\n[والشاهد لما نقول، والدليل عليه كتاب الله ﵎، وسنة رسول الله صلى الله عليه، فمن الكتاب قوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤] وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] في مواضع من القرآن مثل هذا].\nفهذا السياق من كتاب الله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣] يدل على أن الأعمال الظاهرة والباطنة تدخل في اسم الإيمان.\n[أفلست ترى أن الله ﵎ لم ينزل عليهم الإيمان جملة كما لم ينزل القرآن جملة؟ فهذه الحجة من الكتاب، فلو كان الإيمان مكملًا بذلك الإقرار ما كان للزيادة إذًا معنى ولا لذكرها موضع].\nأي: لو كان الإيمان هو محض التصديق الأول لما أمكن زيادته ونقصانه، فلما ذكر الله في كتابه -كثيرًا- أن الإيمان يزيد، وأن المؤمنين يزدادون إيمانًا دل على أن جميع الشرائع تدخل فيه.","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المتواتر والآحاد</span>\n[وأما الحجة من السنة والآثار المتواترة في هذا المعنى من زيادات قواعد الإيمان بعضها بعد بعض].\nمراده ﵀ بالتواتر: هو مراد من ذكر لفظ التواتر من الأئمة كـ الشافعي وأمثاله، فهم يريدون بمتواتر الآثار أو بمتواتر الحديث: ما استفاض وانضبط نقله عن النبي ﷺ، وتلقاه أئمة الحديث بالقبول ..\nهذا هو المتواتر في مراد السلف، وهذا هو المتواتر في اقتضاء الشرع، وهذا هو المتواتر في العقل، وهو كثير في سنة النبي ﷺ، وإن كان جملة مما يسمى متواترًا على هذا الوجه قد يكون أصله غريبًا كحديث عمر بن الخطاب ﵁: (إنما الأعمال بالنيات)\nوهنا مسألة لا بد من الإشارة إليها، وهي: مسألة الآحاد والمتواتر، فإن القارئ لكلام المتقدمين يجد أن منهم -كالمصنف والشافعي - مَنْ يذكرون لفظ متواتر السنة أو متواتر الأثر وما إلى ذلك، وهؤلاء مرادهم بالمتواتر ما استفاض وانضبط نقله عن النبي ﷺ، وتلقاه أئمة الحديث بالقبول، وإن كان أصله قد يكون غريبًا أو ما إلى ذلك.\nوعليه فجميع أحاديث أصول الدين: كنزول الله ﷾ إلى سماء الدنيا، وأحاديث الشفاعة، وأحاديث عذاب القبر وأمثاله ..\nهي عند السلف من المتواتر.\nوأما التقسيم الذي ذكر في بعض كتب المصطلح، وهو: أن السنة تنقسم إلى متواتر وآحاد.\nوأن المتواتر هو: ما رواه جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، والآحاد: ما عدا المتواتر، فهذا التقسيم تقسيم بدعي باعتبار حده لا باعتبار لفظه، أما باعتبار لفظه فهو اصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح.\nفإن من قال: السنة آحاد ومتواتر، والمتواتر: هو المستفيض، والآحاد: ما لم يستفض، أو المتواتر: هو ما أجمع على ثبوته، والآحاد: ما تردد في ثبوته عند أئمة الحديث ..\nفهذا التقسيم بهذا الحد لا يعارض؛ لأنه تقسيم على قدر من الاصطلاح والمعاني المناسبة.\nوأما إذا فسر المتواتر بما يوجد في بعض كتب الأصوليين، وكتب المصطلح المتأخرة، وهو: ما رواه جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، وأن الآحاد: ما عدا المتواتر.\nوإذا تأمل الباحث تفصيل حدهم فإنه يجد أنهم قد اختلفوا في عدد الجماعة التي ذكروها في قولهم (ما رواه جماعة) وفي الغالب يستقرون على عشرة تقريبًا، فيلزم أن الحديث لا يكون متواترًا عن رسول ﷺ إلا إذا رواه عن النبي ﷺ من الصحابة عشرة، ورواه عن كل واحد من العشرة عشرة، فتكون الطبقة الثانية مائة، ورواه عن كل واحد من المائة عشرة، فتكون الطبقة الثالثة\nفإذا فسر المتواتر بهذا فهذا حد أصله من المعتزلة، وهو من بدعهم التي أدخلوها على سنة النبي ﷺ.\nوقد كان الطعن في آحاد روايات الصحابة منهج متقدم بدأه الخوارج، لكن لما جاء نظّار المعتزل نظروه على هذه الطريقة، ثم دخل على كتب الأصوليين.\nفإن قال قائل: كيف دخل على كتب الأصوليين وهم يكتبون في أصول فقه الشريعة؟!\nقيل: لا عجب؛ لأن أكثر من كتب في أصول الفقه هم المتكلمون، وأصل مادة المتكلمين المعتزلة، وقدماء النظار من الجهمية والأشاعرة والماتريدية أخذوا علم الكلام عن هؤلاء؛ فإن أبا الحسن الأشعري إنما أخذ علم الكلام عن المعتزلة، فقد كان معتزليًا ما يقارب الأربعين سنة من عمره.\nإذًا لا عجب أن ترى هذا في كتب أصول الفقه كالمعتمد لـ أبي حسين البصري، فهو وإن كان حنفيًا لكنه معتزلي، والبرهان لـ أبي المعالي الجويني، والمحصول لـ محمد بن عمر الرازي، والمستصفى لـ أبي حامد الغزالي\nوهؤلاء كلهم أشعرية شافعية، وهم غالون في علم الكلام، وإن كان الغزالي متصوفًا من وجه آخر، فهذا باب آخر أيضًا.\nوكذلك لا عجب أن يدخل هذا الكلام -أيضًا- على من نقل عنهم ممن يلخص كتب متكلمة أهل الأصول وإن لم يكن هو متكلمًا، كـ الموفق ابن قدامة ﵀، فإن روضة الناظر في الجملة تلخيص من كتاب المستصفى لـ أبي حامد.\nوكذلك علماء المصطلح من الحفاظ المتأخرين الذين قد ابتعد كثير منهم عن علم الكلام إلا أنهم تأثروا بأصحابه، فإنهم وإن اختلفوا عن المتكلمين إلا أنهم يشتركون معهم في النسبة والصحبة الفقهية.\nومثال ذلك: الحافظ ابن حجر، فهو ليس متكلمًا ولا يقول بعلم الكلام، ويرى الميل إلى طرق السلف وآثارهم، لكنه شافعي متأثر بأصحابه الشافعية، الذين هم إما متكلمون أو على تأثر كبير بعلم الكلام.\nفالمقصود: أن هذا الحد بمعناه بدعة في الإسلام؛ لأن أصحابه -أعني علماء الكلام الذين اخترعوه- لم يكونوا من أهل الرواية؛ فإن علماء المعتزلة على ما فيهم من القوة في باب العقليات وأمثاله إلا أنهم لم يكونوا من علماء الرواية، فهم لم يعتبروا حقيقة هذا التقسيم، وهل هو مطابق لواقع السنة وروايتها أم لا؟\nولما جاء من تقلد هذا التقسيم من الحفاظ -كـ ابن حجر وابن الصلاح مثلًا- أرادوا أن يبحثوا له عن مثال من السنة يصدق عليه بحسب أوجه الرواية والأسانيد والطرق أنه حديث متواتر، فكلما أوردوا مثالًا انقطع عليهم، حتى قال بعض الحفاظ المتأخرين العارفين بمخارج الأحاديث وطرقها: إن هذا الحد ليس له مثال.\nومنهم من يقول: له مثال أو مثالان.\nفنقول: هب أن له عشرة أمثلة، فإنه يلزم من هذا أن عامة سنة النبي ﷺ ليست متواترة، ونتيجة هذا أن عامة السنة تفيد الظن ولا تفيد العلم.\nوقد رتب المتكلمون على هذا أن الأحاديث الآحاد لا يعتد بها في العقائد، وحقيقة قولهم هي أن السنة لا يحتج بها في العقائد، وهذا تأخير لمقام النبوة والرسالة؛ لأنه يلزم منه أن النبي ﷺ ما بعث لتقرير مسائل أصول الدين.\nولذا يجب إنكار هذا التعريف، وإن كان موجودًا في كتب ابن الصلاح وابن حجر رحمهما الله، فهؤلاء وإن كانوا أئمة حفاظ، لكن هذا التقسيم ليس من بنات فكرهم، بل هو تقسيم من النظار المتكلمين، وأصله من محدثات المعتزلة.\nأما المتواتر في كلام الأئمة: فهو ما انضبط نقله، وتلقاه أئمة الحديث -الذين لهم اعتبار في ضبط الرواية- بالقبول.\nوكثيرًا ما يُرى الباحثون من أهل السنة وهم يجادلون المخالفين في مسألة الأحاديث المتواترة.\nفنقول: هب أننا لا نحتج بالآحاد، وهب أننا سلمنا أنه لا يحتج إلا بالمتواتر، فالسؤال لمن يقرر هذا الكلام: أين المتواتر؟ أين الأحاديث المتواترة في اليوم الآخر؟ أين الأحاديث المتواترة في عذاب القبر؟ أين الأحاديث المتواترة في صفات الله؟ أين الأحاديث المتواترة حتى في توحيد الألوهية؟\nلكن إذا اعتبر التواتر على معنى السلف؛ فإن الأحاديث في باب توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، والصفات، والقبر، والشفاعة\nوأمثال ذلك تكون على هذه الطريقة جميعها متواترة.","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>من الأدلة على أن العمل يدخل في مسمى الإيمان: حديث وفد عبد القيس</span>\n[ففي حديث منها أربع، وفي آخر خمس، وفي الثالث تسع، وفي الرابع أكثر من ذلك.\nفمن الأربع، حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه: (أن وفد عبد القيس قدموا عليه فقالوا: يا رسول الله! إنا هذا الحي من ربيعة، وقد حالت بيننا وبينك كفار مضر، فلسنا نخلص إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر نعمل به وندعو إليه من وراءنا.\nفقال: آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: الإيمان -ثم فسره لهم-: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم، وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير)\nقال أبو عبيد: حدثناه عباد بن عباد المهلبي قال: حدثنا أبو جمرة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه بذلك].\nهذا الحديث من رواية ابن عباس حديث متفق عليه، وقد أخرجه الإمام مسلم -أيضًا- في صحيحه من رواية أبي سعيد الخدري، وتفرد به.\nوهذا الحديث يعد من أشرف الأحاديث عند أهل السنة والجماعة في تقرير مسألة الإيمان ودخول العمل فيه، فهو صريح في أن النبي ﷺ فسر الإيمان هنا بما فسر به الإسلام في حديث جبريل ﵇، فإنه لما جاء وفد عبد القيس قال: (آمركم بالإيمان بالله وحدة؛ أتدرون ما الإيمان بالله وحدة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم) فلم يقل: أن تؤمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، وإنما قال: (شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان).\nوعليه فمن قال من المرجئة -وهذا يقوله حتى فقهاؤهم-: إن دخول العمل في الإيمان هو من باب المجاز؛ يلزم منه أن النبي ﷺ لم يفسر الإيمان لهم هنا؛ لأن المعاني المجازية يصح نفيها!\nوهذا غلط متين في تقرير المرجئة لمسألة العمل ودخوله في الإيمان، فإنه يلزم منه تفريغ النصوص من حقائقها الشرعية، وأن النبي ﷺ في مثل هذا السياق لم يجبهم في تقرير مسألة الإيمان.\nإذًا: في ذكره ﷺ لهذه الخصال في تقرير اسم الإيمان إبانة لمسألتين:\nالمسألة الأولى: أن العمل داخل في مسمى الإيمان.\nالمسألة الثانية: أن العمل أصل في الإيمان؛ لأن الشارع لما فسر الاسم المطلق جعل مادة تفسيره بالعمل؛ فدل على أن العمل أصل فيه، ولا سيما أن القوم إنما سألوا عن الأصل اللازم الذي تقع به النجاة.\nفإن قيل: إذا كانوا قد سألوا عن الأصل اللازم فلم لم يبين لهم ﷺ المبدأ وهو تصديقات القلب؟\nقيل: لأن القوم قد عرفوا أصول التصديق، وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره فقد كانوا مسلمين، ولهذا أبان لهم الأصل الظاهر وهو العمل.\nأما قوله: (آمركم بأربع) ثم أمرهم بخمس ..\nفهذا مما تتجوز فيه العرب، وإنما أراد أن الأربع هي أصول الإيمان، وما زاد عليها فمن الشرائع، كقوله: (وأن تؤدوا خمس ما غنمتم).\nوقوله: (وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير) هذه منسوخة على الصحيح، وهو مذهب الجمهور وأصح الروايتين عن أحمد، فقد كان هذا التحريم في أول الأمر ثم نسخ بحديث بريدة ﵁: (نهيتكم عن الظروف، وإن ظرفًا لا يحل شيئًا ولا يحرمه، وكل مسكر حرام)","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>من الأدلة على أن العمل يدخل في مسمى الإيمان حديث: (بني الإسلام على خمس)</span>\n[ومن الخمس حديث ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)\nقال أبو عبيد: حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي عن حنظلة بن أبي سفيان عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر عن النبي ﷺ بذلك].\nالاستدلال بهذا الحديث مما يدل على أن للمصنف إشارات فاضلة في الفقه، فإن وجه استدلاله بحديث ابن عمر في مباني الإسلام على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان -مع أن النبي ﷺ قال: (بني الإسلام على خمس) ولم يقل الإيمان؟ - هو أن الإسلام إذا أطلق في كتاب الله أريد به الإيمان، ولهذا لما قال ﷺ: (بني الإسلام على خمس) كان هذا اسمًا للإسلام واسمًا للإيمان.\nولهذا لما ذكر الله ﷾ الأنبياء ذكر إسلامهم، فقال تعالى عن إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨] ومن هنا فضلت طوائف من المرجئة اسم الإسلام على الإيمان، وعللوا ذلك بأن إبراهيم ﵇ سأل ربه الإسلام ولم يسأله تحقيق الإيمان؛ فدل على أن اسم الإسلام أشرف.\nوهذا القول مجانب للصواب؛ لأن الإسلام المطلق يراد به الدين جميعه، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨] وقد يستعمل لفظ الإسلام ويراد به الظاهر فقط من العمل، كقوله تعالى في الأعراب: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤].","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>من الأدلة على أن العمل يدخل في مسمى الإيمان: حديث: (إن للإسلام صوى ومنارًا كمنار الطريق)</span>\n[ومن التسع: حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (إن للإسلام صوى ومنارًا كمنار الطريق -قال أبو عبيد: \"صوى\" هي ما غلظ وارتفع من الأرض، واحدتها \"صوة\"- منها: أن تؤمن بالله ولا تشرك به شيئًا، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم، وأن تسلم على القوم إذا مررت بهم، فمن ترك من ذلك شيئًا فقد ترك سهمًا من الإسلام، ومن تركهن فقد ولى الإسلام ظهره).\nقال أبو عبيد: حدثنيه يحيى بن سعيد العطار عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن رجل عن أبي هريرة عن النبي ﷺ].\nهذا الكلام إبانةٌ لتعدد شرائع الإيمان كما هو في قول النبي ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)؛ ففي هذا الحديث علق الشارع ﷺ اسم الإيمان بالقول، وذلك في قوله: (فأعلاها قول لا إله إلا الله).\nوبعمل القلب، كما في قوله: (والحياء شعبة من الإيمان) وبالعمل الظاهر، كما في قوله: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق).\nوهذا الحديث فيه فضائل في تقرير مذهب السلف، وهو: أنه يمتنع تأويله بالمجاز؛ وذلك لأن الشارع ﷺ قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) فجعل الواحدة من هذه الخصال شعبة مختصة لوحدها.\nوإذا كان الحياء شعبة من الإيمان وهو في القلب فمن باب أولى أن ما هو أجل منه من أعمال القلوب كالمحبة لله ورسوله، والخوف والرجاء\nوأمثال ذلك أنها أصول في الإيمان.\nوإذا كان إماطة الأذى عن الطريق شعبة من الإيمان فمن باب أولى أن يكون ما فوقه من الواجبات -فضلًا عن المباني والأركان- من شعب الإيمان.","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>مسائل تتعلق بترك العمل</span>\nوقد أشار المصنف في قوله: (ومن تركهن فقد ولى الإسلام ظهره) إلى مسائل يكثر الخلاف والنظر فيها، وهي ثلاث مسائل تتعلق بترك العمل:\nالمسألة الأولى: اتفق أهل السنة والجماعة وعامة المسلمين على أن ترك آحاد الأعمال -أي: الأعمال المأمور بها- لا يوجب الكفر والخروج من الإيمان ..\nوهذا كقاعدة كلية مطردة، ولم يعارض في ذلك إلا الغلاة كالخوارج والمعتزلة.\nالمسألة الثانية: من ترك جملة العمل -أي: من ترك جميع الأعمال الظاهرة، وهو ما يسمى في التعبير المعاصر بترك جنس العمل- هل يكون مؤمنًا بما في قلبه أم أنه يكون كافرًا بتركه هذا الأصل وهو الأعمال الظاهرة؟\nهذه مسألة يأتي لها بحث إن شاء الله.\nالمسألة الثالثة: ما يتعلق لا بترك جنس العمل ولا بترك مطلق آحاده، وإنما بالترك لأحد المباني الأربعة، والتي هي: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، مع الإقرار بوجوبها.","vol":"4","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>حكم ترك الصلاة</span>\nالسؤال هنا: هل يوجد إجماع للسلف على أن ترك أحد المباني الأربعة يكون كفرًا وردةً وخروجًا من الإيمان ..\nإلى أمثال هذه العبارات؟\nأجلُّ هذه المسائل الصلاة، فهل تركها مع الإقرار بوجوبها يكون كفرًا؟\nالمسألة من جهة تحقق الإجماع أو عدم تحققه مسألة نزاع.","vol":"4","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>القول بأن ترك الصلاة كفر بالإجماع</span>\nنص إسحاق بن إبراهيم -وهو المعروف بـ إسحاق بن راهويه -وأيوب السختياني وجماعة على أن ثمة إجماعًا عند الأئمة على أن ترك الصلاة يعتبر كفرًا، قال أيوب: \"ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه\".\nوقال إسحاق بن إبراهيم فيما رواه عنه محمد بن نصر المروزي وأبو عمر ابن عبد البر: \"كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا: أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر\".\nومن هنا ذهب جملة من أصحاب أحمد، وبعض أهل العلم من المعاصرين إلى القول بأن ترك الصلاة كفر بالإجماع.\nوهذا القول -أي: القول بكون ترك الصلاة كفرًا مجمعًا عليه بين الصحابة والأئمة من السلف- قولٌ ضعيف.","vol":"4","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>وجود الخلاف في حكم ترك الصلاة</span>\nالصواب: أن المسألة ليس فيها إجماع عند السلف؛ لأن هذا الإجماع الذي ذكره إسحاق بن إبراهيم يعلم بالضرورة أنه ممتنع التحقق؛ فإن من يقولون بالإجماع أو من يكفرون تارك الصلاة لم يتفقوا على أن ترك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها كفر وخروج من الملة، بل عامة أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين على خلاف هذا، وهو الذي تدل عليه سائر النصوص الصريحة.\nوعلى هذا يكون كلام إسحاق فيه تعذر، إلا إذا حمل كلامه على الامتناع، ولهذا من نقلوا كلام إسحاق نقلوه على وجهين:\nالوجه الأول: منهم من يرويه عنه بالوجه السابق.\nالوجه الثاني: ومنهم من يرويه عنه بقوله: \"كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ إلى زماننا هذا: أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذرٍ حتى يذهب وقتها كافر، إذا أبى من قضاءها، وقال: لا أصليها\".\nفإذا حمل -أي قوله: وأبى قضاءها- على الممتنع فلا شك أن من ترك صلاةً ودعي إليها وامتنع عنها إلى حد القتل فإنه يكون كافرًا؛ ولهذا قال شيخ الإسلام: \"من دعي إلى صلاة واحدةٍ أو أكثر فامتنع، فقيل: هذا حده القتل، فصبر على السيف، فهذا كافر باتفاق المسلمين؛ قال: لأنه يمتنع أن يكون قتل على الفسق.\nقال: وأما قول بعض أصحاب الأئمة الثلاثة أن هذا يقتل على الفسق فهذا غلط على الشريعة وعلى أئمتهم\".\nوبهذا يكون الأظهر في هذا أن هذه المسألة مسألة نزاع بين السلف، وإن كان يمكن أن يقال: إن الجمهور من السلف كانوا يذهبون إلى أن تارك الصلاة كافر.\nلكن الخلاف معروف ومشهور ومضاف للأكابر كـ الزهري ومالك والشافعي، فضلًا عن مرجئة الفقهاء، لكن لا يذكر مرجئة الفقهاء هنا؛ لأن الإشكال في أصلهم، وإنما نريد هنا بالسلف الذين يقولون: الإيمان قول وعمل.\nوأما قول عبد الله بن شقيق: \"لم يكن أصحاب النبي ﷺ يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة\" فهو أثر محفوظ عن عبد الله بن شقيق، لكنّ مالكًا والزهري وإن كانوا متأخرين عن عبد الله بن شقيق إلا أنهم أعلم بآثار الصحابة ﵃ وبسننهم وبهديهم من عبد الله بن شقيق، والزهري لا شك أنه فوق عبد الله بن شقيق بمراحل في ضبط آثار الصحابة ﵃، حتى إنه -كما قال الإمام ابن تيمية - لم يحفظ عليه غلط.\nفالمقصود: أن الأكابر كـ الزهري ومالك، وبعض أئمة المدينة، وبعض أئمة العراق ما كانوا يذهبون إلى أن تارك الصلاة كافر، وهذا يفيد أن هذه المسألة مسألة نزاع.","vol":"4","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>تنبيه على الكلام عن حكم ترك الصلاة</span>\nوهنا ننبه إلى أنه قد يكون لدى بعض طلبة العلم عناية بقدر الصلاة وتعظيمها؛ فيحب أن ينزع إلى أن ترك الصلاة كفر بالإجماع، وأن المسألة مغلقة، وهذا ليس بلازم؛ لأن قول إسحاق لو أخذ على ظاهره للزم عنه تكفير كثير من المسلمين، يقول الإمام ابن تيمية ﵀: \"إن كثيرًا من الناس، بل أكثرهم في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس ولا هم بتاركيها بالجملة، بل يصلون أحيانًا ويدعون أحيانًا، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام\".\nوكذلك كلام عبد الله بن شقيق يدل على أن هذا هو ظاهر مذهب الصحابة؛ لكن لا يدل على أن هذا إجماع متحقق للصحابة، وفرق بين المسألتين، فإن معنى القول بإنه إجماع متحقق معناه أنه لا يجوز الاستعلان بخلافه، ولو كان إجماعًا لما أمكن فواته على الزهري ومالك وأمثال هؤلاء، وكذلك اختلفت الرواية عن الإمام أحمد ﵀ في مسألة تارك الصلاة هل يكفر أو لا يكفر، وإن كان الصحيح في مذهبه أن تارك الصلاة كافر، لكن جملة من محققي الحنابلة لا يذهبون إلى كفره، ويحققون أن هذا هو مذهب أحمد.\nفالمقصود أن هذه المسألة لها جهتان:-\nالجهة الأولى: تعظيم قدر الصلاة، وهذا لابد منه.\nالجهة الثانية: تعظيم ديانة المسلمين أيضًا، فلا ينبغي أن يفتات فيها بتسرع إلى درجة أن يقال: إن ترك الصلاة الواحدة يعد خروجًا من الملة، إلا إذا كان العالم قد بان له باجتهاد من الشريعة أن ترك صلاة واحدة يكون كفرًا وخروجًا من الملة فأفتى بذلك فهذا اجتهاد قد سبق إليه أكابر من السلف والخلف، ولكن ليس من مقصود السنة والجماعة أن يقال: إن ترك الصلاة كفر بالإجماع.","vol":"4","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>ذكر الخلاف في حكم ترك الصلاة</span>\nفإن قال قائل: ذكر الخلاف قد يهون من شأن الصلاة عند العامة أو عند من يتساهل بها.\nقيل: هنا قاعدة، وهي: أنه عند الحديث إلى العامة والسواد من المسلمين على المنبر وفي المجالس العامة يقال: قال النبي ﷺ: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وليس من الفقه أن يقال -إذا كان القائل لا يرى كفر تارك الصلاة-: والصحيح أن هذا ليس من الكفر المطلق بل هو كفر دون كفر؛ فإن العامة والسواد من المسلمين يُحدثون بما كان الرسول يحدث به الصحابة؛ لأن حديثه ﷺ لم يكن للصحابة وحدهم، بل هو حديث للأمة جميعها.\nلكن إذا جاء مقام التحقيق أو وجد رجل قد مات وهو يترك بعض الصلوات، وردت مسائل: هل يغسل؟ هل يصلى عليه؟ هل يرث؟ هل يورث؟ هل يدعى له بالرحمة؟ هل يعد من المسلمين؟ ..\nفهذا مقام شديد أيضًا، وليس من السهولة أن يقال: من ترك صلاةً حتى خرج وقتها لا يصلى عليه، ولا يكفن، ولا يدفن في مقابر المسلمين\nأي: يعطى جملة أحكام الكفار.\nوقد استدل الموفق ابن قدامة ﵀ على أن ترك الصلاة ليس كفرًا بالإجماع.\nفقال: \"لا نعلم في عصر من الأعصار أحدًا من تاركي الصلاة تُرك تغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ولا منع ورثتُه ميراثَه، ولا منع من ميراث مورثه، ولا فرّق بين زوجين لترك صلاة من أحدهما، مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كان كافرًا لثبتت هذه الأحكام كلها\".\nوقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على هذا الاستدلال من الموفق وغيره من العلماء فقال: \"إن كثيرًا من يظن أن من قيل: هو كافر، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة، فلا يرث ولا يورث، ولا يناكح، حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل من أهل البدع، وليس الأمر كذلك\".\nفهو يقرر أن هذا الاستدلال غلط من جملة من الفقهاء من أصحاب الأئمة؛ فقد فرضوا أن من قيل عنه: إنه مرتد أنه يلزم أن تطبق أحكام الردة الظاهرة عليه، والصحيح أن هذا غير لازم.\nفإن تطبيق أحكام الردة إنما يكون بحسب قيام الحجة، وفرق بين الكفر الذي يوافي العبد به الله، وبين الكفر الظاهر الذي تقوم عليه الحجة.","vol":"4","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>القول الراجح في حكم ترك الصلاة</span>\nمحصل مسألة ترك الصلاة أن ظاهر مذهب الصحابة أن ترك الصلاة كفر، ومن الممكن أن يقال على تقسيم الأصوليين للإجماع: إن هذا إجماع سكوتي للصحابة؛ لأن النقلة كـ عبد الله بن شقيق وغيره نقلوا أن الصحابة كانوا يذهبون إلى كفر تارك الصلاة، ولم ينضبط عن صحابي واحد أنه ذهب إلى أن تارك الصلاة ليس كافرًا، أو أن ترك الصلاة ليس كفرًا.\nفلهذا يمكن أن يقال: إن هذا قدر من الإجماع السكوتي، ولكن الإجماع السكوتي ليس حجةً قاطعة، وجملة كثيرة من المسائل على هذا القدر ولا تكون من المسائل القاطعة.\nهذا هو أقوى ما يقال في الإجماع على مسألة تارك الصلاة، أما أنه إجماع قطعي بمنزلة الإجماع على أن أفعال العباد مخلوقة، وأن الإيمان قول وعمل وأمثال ذلك فهذا ليس بصحيح، وإذا قيل: نقله إسحاق؛ قيل: خالف مالك.\nوإذا قيل: قال أيوب؛ قيل: خالف الزهري، والزهري أجلُّ من إسحاق وأيوب عند الأئمة ولا شك.\nوبهذا يظهر أن المسألة فيها قدر من الخلاف، وإن كان الراجح أن تارك الصلاة كافر، أما كفره فلحديث بريدة وجابر بن عبد الله، وغيرها من الأدلة.","vol":"4","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>مسألة حكم ترك الصلاة وعلاقتها بمذهب المرجئة</span>\nهنا مسألة وهي: من لم يكفر تارك الصلاة، هل هذا أثر من المرجئة عليه؟\nبعض من ينتصر بقوة لهذه المسألة يقول: إن من لم يكفر تارك الصلاة فقد دخل عليه الأثر من المرجئة.\nوالصحيح عدم ذلك، فقد كان الزهري من أشد الناس على المرجئة، إلى درجة أنه في أحاديث الوعد كقوله ﷺ: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة) وغيره من الأحاديث، كان الزهري يذهب فيها إلى تأويل لم يوافقه عليه الجمهور من الأئمة.\nفقد كان يقول عن هذه الأحاديث التي علق النبي ﷺ فيها دخول الجنة على كلمة الشهادتين: \"إنما كان هذا في أول الإسلام، قبل نزول الفرائض والأمر والنهي\"، وهذا التأويل بعيد؛ لأن النبي ﷺ كان يحدث بهذه الأحاديث في المدينة النبوية.\nولكن الزهري أجاب بهذا الجواب من باب إغلاق الرد على المرجئة؛ لأنه كان من أفطن الناس في مسألة الإرجاء والرد على أصحابها.\nلكن ننبه إلى أن هناك فرقًا بين من لم يكفر تارك الصلاة من الأئمة لكونه لم ير كفره بالأدلة، وبين من يقول إنه ليس بكافر؛ لأن الصلاة عمل، والعمل لا يدخل في مسمى الإيمان ..\nومن هنا يتبين أن هناك فرقًا بين ترك أبي حنيفة لتكفيره، وبين ترك مالك والشافعي لتكفيره، فترك مالك والشافعي اجتهاد، يقال عنه: إنه مرجوح، أما ترك أبي حنيفة لكفر تارك الصلاة فهو بدعة؛ لأنه بناه على أن الصلاة عمل، والعمل لا يدخل في مسمى الإيمان.\nأي: من قال: إن ترك الصلاة ليس كفرًا وكان معتبره أنها عمل والعمل لا يدخل في مسمى الإيمان فهذه بدعة المرجئة، وإن كان معتبره أن الأدلة لم تظهر بذلك فهذا قولٌ مما يسوغ فيه الاجتهاد، وإن كان مرجوحًا ومخالفًا لظواهر النصوص.","vol":"4","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>حكم ترك الزكاة والصوم والحج</span>\nإذا تحقق هذا في مسألة الصلاة فمسألة الصلاة والصوم والحج من باب أولى، بمعنى أنه ليس فيها إجماع.\nفالزكاة لم ينقل إمام من الأئمة الإجماع على كفر تاركها، بخلاف الممتنعة الذين قاتلهم الصديق؛ وهم شيء آخر، فإن من تركوا الزكاة وهم أهل شوكة ومنعة وامتنعوا وقاتلوا كفار، وأهل ردة كما هو ظاهر مذهب الصحابة، وقد حكي الإجماع عليه كما سبق.\nأما إذا ترك واحد من المسلمين الزكاة، ولم يحتسب عليه، فإن هذا الترك هل يعد كفرًا وخروجًا من الملة أولا هذه مسألة نزاع، ولم يقل أحد من السلف أنها إجماع كمسألة الصلاة، وقد تقدم أن الأظهر أنه ليس بكافر إذا تركها لمجرد الترك، لحديث أبي هريرة: (فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار) ولغير ذلك من الأدلة.\nومسألة الصوم من باب أولى؛ لأنه إذا لم يكفر بترك الزكاة فمن باب أولى مسألة الصوم، وإذا كانت مسألة الزكاة مسألة خلاف فمن باب أولى أن الصوم والحج مسائل خلاف.\nوعليه فالقدر المعتدل في هذه المسائل: أن ترك الصلاة كفر، وترك الزكاة كفر إن قاتل عليها، هذا هو ظاهر الأدلة، لكنها ليست من مسائل الإجماع.","vol":"4","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>حكم ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج جميعًا</span>\nوهذا الحكم السابق مقولٌ في ترك آحاد المباني الأربعة، أما من جمع ترك المباني الأربعة:- بمعنى أنه تارك للصلاة، تارك للزكاة، تارك للصوم، تارك للحج- فإن هذا لا يكون إلا عن كفر، ولهذا لا يمكن أن يقال أن مالكًا ﵀ الذي لا يذهب إلى كفر تارك الصلاة لا يذهب إلى كفر من جمع ترك المباني الأربعة ..\nوإن كان هذا تخريجًا لبعض أصحاب مالك وبعض أصحاب الشافعي على مذهبهما في تارك الصلاة، ولكن هذا التخريج ليس بصحيح؛ لأنه يعلم بالشرع والعقل أن من ترك الصلاة وحدها ليس كمن تركها وجمع معها ترك الزكاة والصوم والحج، حيث أن تركها كلها أشد من ترك الصلاة فقط، وعليه فما قاله مالك وغيره في الواحد لا يلزم في المجموع، بل كما قال شيخ الإسلام: \"إن من امتنع عن المباني الأربعة كلها فهذا لا يكون إلا كافرًا\".\nوهنا مقامان لمن بحث هذه المسألة أشير إليهما:\nالمقام الأول: مقام من يقول: إن ترك الصلاة ليس كفرًا ولا الزكاة ولا الصوم ولا الحج، ويقول: إن من عبر من الأئمة بكلمة كفر إنما أراد الكفر الأصغر، أو الكفر العملي، أو كفرًا دون كفر، حتى إن بعضهم يحكي الإجماع على أن ترك الصلاة ليس كفرًا مخرجًا من الملة ..\nوهذا لا شك أنه زيادة وتكلف في تقرير المسألة، فلا شك أن هناك أئمة صرحوا بأن تارك الصلاة كافر على معنى الكفر المخرج عن ملة الإسلام.\nالمقام الثاني: من يقابل المقام الأول من أهل العلم، والذين يقولون: إن ترك الصلاة كفر بالإجماع، وترك الزكاة كفر بالإجماع، وترك الصوم كفر بالإجماع، وترك الحج كفر بالإجماع؛ فيجعلون التارك -أي: من عزم على تركه- لأحد المباني الأربعة مع فعل غيره كافرًا بالإجماع.\nوقد قرر هذا بعض أهل العلم من الباحثين، واستدلوا عليه بآثار كقول عمر ﵁: \"لا يبلغني أن أحدًا وجد سعةً وزادًا فلم يحج إلا فرضت عليه الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين\".\nواستدلوا كذلك بظاهر قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ﴾ [آل عمران:٩٧] قالوا: (ومن كفر) أي: ومن ترك.\nومن أدلتهم أيضًا أن الصحابة أجمعوا على كفر تارك الصلاة كما نقله عبد الله بن شقيق، وعلى كفر تارك الزكاة كما في قصة أبي بكر ﵁.\nفهذا القول إن كان يختاره ويذهب إلى أنه راجح فهذا كاختيار لا يثرب عليه؛ لأن طائفة من السلف كفروا تارك الصلاة، وطائفة من السلف كفروا تارك الزكاة، وطائفة من السلف كفروا تارك الصوم، وطائفة من السلف كفروا تارك الحج، فمن قال: إن هذا قول لطائفة من السلف فقد أصاب، وإن اختار هذا القول فقد اختار ما أداه إليه اجتهاده، وهذه المسألة مما يسوغ فيه الاجتهاد والاختلاف، وإن كان هذا القول ليس راجحًا.\nولكن الذي يقصد إلى التنبيه إلى الغلط فيه: من يقول إن هذا إجماع ..\nفهذا القول حقيقةً غريب؛ لأنك لا تجد في الكتب أبدًا أحدًا حكى الإجماع على أن ترك الزكاة أو الصوم أو الحج كفر بإجماع الأئمة، إنما الذي نقل فيه أحرف الإجماع هو الصلاة، وأما ما دون ذلك فلا، وقد نبهت في شرح حديث الافتراق إلى أن مذهب السلف لا يجوز أن يؤخذ بالفهم، إنما مذهب السلف يعتبر بنقل الإجماع، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ومن حصل مذهب السلف بالفهم فهذا طريقة أهل البدع ومن شاركهم فيها من أصحابنا من الفقهاء، إنما مذهب السلف هو الإجماع المتحقق أو الإجماع المستفيض بحروفه\".","vol":"4","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>أحاديث تدل على أن العمل يدخل في مسمى الإيمان</span>\n[فظن الجاهلون بوجوه هذه الأحاديث أنها متناقضة لاختلاف العدد منها، وهي بحمد الله ورحمته بعيدة على التناقض، وإنما وجوهها ما أعلمتك من نزول الفرائض بالإيمان متفرقًا، فكلما نزلت واحدة ألحق رسول الله ﷺ عددها بالإيمان، ثم كلما جدد الله له منها أخرى زادها في العدد حتى جاوز ذلك السبعين كلمة، كذلك في الحديث المثبت عنه أنه قال: (الإيمان بضعة وسبعون جزءًا، أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)\nقال أبو عبيد: حدثنا أبو أحمد الزبيري عن سفيان بن سعيد عن سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة بهذا الحديث.\nوإن كان زائدًا في العدد فليس هو بخلاف ما قبله، وإنما تلك دعائم وأصول، وهذه فروعها زائدات في شعب الإيمان من غير تلك الدعائم.\nفنرى والله أعلم أن هذا القول آخر ما وصف به رسول الله ﷺ الإيمان، لأن العدد إنما تناها به، وبه كملت خصاله، والمصدَق له قول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣].\nقال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب: أن اليهود قالوا لـ عمر بن الخطاب رحمة الله عليه: (إنكم تقرءون آية لو نزلت فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، فذكر هذه الآية، فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت، وأي يوم أنزلت، أنزلت بعرفة، ورسول الله ﷺ واقف بعرف).\nقال سفيان: وأشك أقال يوم الجمعة أم لا.\nقال أبو عبيد: حدثنا يزيد عن حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار قال: تلا ابن عباس هذه الآية، وعنده يهودي، فقال اليهودي: لو أنزلت هذه الآية فينا لاتخذنا يومها عيدًا، قال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيد: يوم جمعة ويوم عرفة.\nقال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: نزلت عليه وهو واقف بعرفة حين اضمحل الشرك، وهدم منار الجاهلية، ولم يطف بالبيت عريان.\nفذكر الله جل ثناؤه إكمال الدين في هذه الآية، وإنما نزلت فيما يروى قبل وفاة النبي ﷺ بإحدى وثمانين ليلة.\nقال أبو عبيد كذلك: حدثنا حجاج عن ابن جريج.\nفلو كان الإيمان كاملًا بالإقرار، ورسول الله ﷺ بمكة في أول النبوة كما يقول هؤلاء ما كان للكمال معنى، وكيف يكمل شيئًا قد استوعبه وأتى في آخره؟!\nقال أبو عبيد: فإن قال لك قائل: فما هذه الأجزاء الثلاثة وسبعون؟ قيل له: لم تسم لنا مجموعة فنسميها، غير أن العلم يحيط أنها من طاعة الله وتقواه، وإن لم تذكر لنا في حديث واحد، ولو تفقدت الآثار لوجدت متفرقة فيها، ألا تسمع قوله في إماطة الأذى وقد جعله جزءًا من الإيمان؟ وكذلك قوله في حديث آخر (الحياء شعبة من الإيمان)، وفي الثالث (الغيرة من الإيمان)، وفي الرابع (البذاذة من الإيمان) وفي الخامس (حسن العهد من الإيمان).\nفكل هذا من فروع الإيمان ومنه حديث عمار: (ثلاث من الإيمان: الإنفاق من الاقتار، والإنصاف من نفسك، وبذل السلام على العالم).\nثم الأحاديث المعروفة عند ذكر كمال الإيمان حين قال: (أي الخلق أعظم إيمانًا؟ فقيل: الملائكة، ثم قيل: نحن يا رسول الله، فقال: بل قوم يأتون بعدكم) فذكر صفتهم.\nومنه أيضًا قوله: (إن أكمل -أو من أكمل- المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا) وكذلك قوله: (لا يؤمن الرجل الإيمان كله حتى يدع الكذب في المزاح، والمراء وإن كان صادقًا) وقد روي مثله أو نحوه عن عمر بن الخطاب وابن عمر.\nثم من أوضح ذلك وأبينه حديث النبي ﷺ في الشفاعة حين قال: (فيخرج من النار من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، وبرة من إيمان، ومثقال ذرة) وإلا صولب.\nومنه حديثه في الوسوسة حين سئل عنها فقال: (ذلك صريح الإيمان) وكذلك حديث علي ﵇: (إن الإيمان يبدأ لمظة في القلب فكلما ازداد الإيمان عظمًا ازداد ذلك البياض عظمًا) في أشياء من هذا النحو كثيرة يطول ذكرها تبين لك التفاضل في الإيمان بالقلوب والأعمال، وكلها يشهد أو أكثرها أن أعمال البر من الإيمان، فكيف تعاند هذه الآثار بالإبطال والتكذيب؟!].\nهذا كله تفصيل من المصنف في تقرير الدلائل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان.","vol":"4","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>تفاضل الإيمان بالأعمال الظاهرة والباطنة</span>\n[ومما يصدق تفاضله بالأعمال قول الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤] فلم يجعل الله للإيمان حقيقة إلا بالعمل على هذه الشروط، والذي يزعم أنه بالقول خاصة يجعله مؤمنًا حقًا وإن لم يكن هناك عمل فهو معاند لكتاب الله والسنة].\nهذا دليل على أن الإيمان يتفاضل بالأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة، أي: بأعمال القلوب وأعمال الجوارح، فإن قوله تعالى: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) وقوله: (وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) دليل على تفاضل الإيمان بهذا الوجه، وكذلك قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [المائدة:٥٥] دليل على تفاضل الإيمان بذلك، فإن إقامة الصلاة ليست على وجه واحد بين المكلفين، بل هم متفاوتون في تحقيق إقامتها.\n[ومما يبين لك تفاضله في القلب قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] ألست ترى أنها هنا منزلًا دون منزل: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة:١٠] كذلك ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦] فلولا أن هناك موضع مزيد، ما كان لأمره بالإيمان معنى، ثم قال أيضًا: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣] وقال: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] وقال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤١].\nأفلست تراه ﵎، قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يرض بالإقرار دون العمل، حتى جعل أحدهما من الآخر؟ فأي شيء يتبع بعد كتاب الله وسنة رسوله ف ومنهاج السلف بعده الذين هم موضع القدوة والإمامة؟!\nفالأمر الذي عليه السنة عندنا ما نص عليه علماؤنا مما اقتصصنا في كتابنا هذا: أن الإيمان بالنية والقول والعمل جميعا، وأنه درجات بعضها فوق بعض، إلا أن أولها وأعلاها الشهادة باللسان كما قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي جعله فيه بضعة وسبعين جزءا، فإذا نطق بها القائل، وأقر بما جاء من عند الله لزمه اسم الإيمان بالدخول فيه بالاستكمال عند الله، ولا على تزكية النفوس، وكلما ازداد لله طاعة وتقوى، ازداد به إيمانًا].","vol":"4","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>شرح كتاب الإيمان [٥]</span>\nالخلاف في مسألة الاستثناء في الإيمان إذا كان متعلقًا بأصل يخالف قول السلف في الإيمان وأنه قول وعمل؛ فإنه يكون خلافًا في الأصل، وأما إذا كان على قدر من تعدد المرادات فإنه لا يعد أصلًا، فيكون مدار مسألة الاستثناء على المقاصد، ومنه يعلم سبب تعدد أجوبة أئمة السنة والجماعة عن هذه المسألة.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>باب الاستثناء في الإيمان</span>\nقال المصنف ﵀: [باب الاستثناء في الإيمان].\nالمراد بهذا الباب بيان حكم قول الرجل: هو مؤمن إن شاء الله.\nويراد بالاستثناء: هو التعليق بالمشيئة، وهذا أوسع من الاستثناء في كلام النحاة.","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>حكم الاستثناء في الإيمان</span>\nالخلاف في مسألة الاستثناء في الإيمان إذا كان متعلقًا بأصل يخالف قول السلف في الإيمان -أي: في مبدئه، وأنه قول وعمل- فإنه يكون خلافًا في الأصل.\nوأما إذا كان على قدر من تعدد المراد -من المرادات الصحيحة- فإنه لا يعد من الأصول.\nوتفصيل هذا المعنى: أن من ترك الاستثناء قد يكون مبتدعًا وقد يكون ترك أمرًا سائغًا، فإن من ألزم ترك الاستثناء -أي قال: لا بد أن يقول الرجل هو مؤمن، ولا يصح له أن يقول: هو مؤمن إن شاء الله- على معنى أن الإيمان واحدٌ وهو التصديق؛ فإن هذا التفريع تفريع عن بدعة مخالفة لإجماع السلف.\nوأما من قال بترك الاستثناء في الإيمان -أي: أن يقول الرجل: هو مؤمن ولا يلزمه أن يقول: إن شاء الله- لأن العلم بأصل الإيمان علم ضروري، وكان الإيمان عنده قولًا وعملًا، فهذا الترك للاستثناء ترك واسع.\nإذًا: هذه المسألة قد يتكلم فيها الأعيان فيكون بعضهم مخرجًا قوله على السنة؛ فتكون المسألة ليست من الأصول، وإذا تكلم فيها من خرّج قوله على أصله المخالف لقول السلف في باب الإيمان فإن قوله بدعة.\nفإذا قيل: هل قرر السلف ﵏ وجهًا واحدًا في هذه المسالة؟\nفالجواب: أما باعتبار مراداتها فنعم، وأما باعتبار إطلاق اللفظ فإنهم متوسعون في ذلك، فإن طائفة منهم يميلون إلى ذكر الاستثناء، ومعتبرهم في هذا أن الإنسان المسلم المؤمن لا يجزم لنفسه بالتمام؛ فإن الإيمان المطلق هو فعل الواجبات وترك المحرمات، وهذا لا أحد يجزم باستتمامه، ومن هنا استحبوا وأمروا بالاستثناء على هذا الوجه.\nومنهم من أمر بالاستثناء واستحبه وحسنه على معنى أن تركه فيه تزكية، والله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢]\nفهذان الوجهان هما مراد من استحب الاستثناء من السلف وقصد إليه.\nوطائفة من السلف رخصوا في الاستثناء وتركه، فإذا أمروا بالاستثناء فعلى هذين المرادين، وإذا رخصوا في الترك فعلى مراد أن أصل الإيمان يصح الجزم به؛ لأن كل مسلم ومؤمن يجزم بأن معه الأصل، وهذا لابد من اليقين فيه، وليس هو من التزكية، بل هو من العلم الواجب، ولهذا قال النبي ﷺ: (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله صدقًا من قلبه)، وقال أيضًا: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله) والجملة جملة حال.\nوعلى هذا من ترك الاستثناء على معنى أنه يجزم بأصل إيمانه، وأنه مصدق بالله كافر بالطاغوت، يكون تركه سائغًا.\nأما مسألة هل الحكم بهذين الاعتبارين على الوجوب أم على السعة؟\nفنقول: إذا ما أراد المتكلم بقوله \"هو مؤمن إن شاء الله\" ترك التزكية، فهذا ليس من المسائل الواجبة، بل هو من المسائل الواسعة.\nأما إذا كان قاصدًا لأصل الإيمان فنقول: هناك تفصيل:\nفإن كان تعليقه من باب التردد فلا شك أن هذا إبطال للجزم.\nوأما إن كان على معنى أنه يجوز في الأمور المحققة ذكر مشيئة الرب فهذا سائغ؛ لأن التعليق بمشيئة الله لا يلزم عنه التردد، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] مع أن دخولهم كان متحققًا مجزومًا به.\nوبهذا يتبين أن مدار مسألة الاستثناء على المقاصد؛ فمن كان على باب من السنة والجماعة ويقول: إن الإيمان قول وعمل؛ فإن مسألة الاستثناء في حقه لا تعد من مسائل الأصول، بل يستثني في مقام ويترك في مقام آخر، ويكون ذلك بحسب مقصده، فإذا استثنى تركًا للتزكية فهذا مما يسوغ، وإذا ترك الاستثناء على معنى أنه جازم بأصل الإيمان فهذا أيضًا مما يسوغ، وإذا استثنى على معنى أنه يعلق أمره بمشيئة الرب النافذة في كل شيء -حتى الأشياء المحققة- فإن هذا أيضًا مما يسوغ.\nوبهذا التفصيل يفهم سبب تعدد أجوبة أئمة السنة والجماعة عن هذه المسألة.","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>السبب في اختلاف السلف في مسألة الاستثناء في الإيمان</span>\nإن قيل: فلم كان جملة من السلف ينزعون إلى الاستثناء ويؤكدون شأنه، وجملة من الأئمة ينزعون إلى تركه؟\nقيل: هذا من حكمتهم وفقههم؛ فإن من نزع من السلف إلى تأكيد مسألة الاستثناء فإن مراده بذلك الرد على المرجئة، الذين جمهورهم يحرمون الاستثناء ويمنعونه؛ لكون الإيمان عندهم واحدًا بالتصديق ونحوه ..\nولهذا إذا قيل: صاحب السنة من بعدهم ينزع إلى أي الوجهين في أجوبة السلف؟\nقيل: ينزع إلى جميعها بحسب المقاصد والأحوال؛ ولهذا قال الله للمؤمنين: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة:١٣٦] ولم يلزم من ذلك أن يقولوا: إن شاء الله، والعبد يقول: لا إله إلا الله ولا يقول: إن شاء الله.\nفالقول بأن الاستثناء واجب في الإيمان ليس بصحيح، ومن نُقل عنه الوجوب من السلف فإنه معلق بمقصد من المقاصد الشرعية، وأما أن أحدًا من السلف يوجب الاستثناء في سائر المقامات وباعتبار سائر المقاصد فهذا لا يصح عن واحد من السلف، ومن حكى عن أحد من السلف إيجاب الاستثناء في سائر المقامات، وباعتبار سائر المقاصد فهذا غلط عليه، وإن كان هذا قد حكاه بعض المتأخرين من أهل العلم.\nبل الصواب: أن جوابات السلف هنا هي على مادة التنوع، وليس التضاد أو الخلاف اللفظي؛ لأن الخلاف اللفظي معناه أن لا فرق بين حقيقة الأقوال، وخلاف التنوع: أن يكون لكل معنى، وليس بين المعاني تعارض.\nأي: أن هذا يقصد معنىً فيستثني، ويقصد الآخر معنى آخر فيترك الاستثناء، فمن استثنى قصد ترك التزكية أو قصد أن الإيمان قول وعمل وهو لم يستتم التمام في القول، ومن ترك الاستثناء قصد أن أصل الإيمان مما يجزم به، ولهذا قال النبي ﷺ عن الجارية: (أعتقها؛ فإنها مؤمنة)، ولم يقل ﷺ: إن شاء الله؛ مع أن الجارية لم يستفض إيمانها، حتى كان معاوية بن الحكم مترددًا في شأنها\nإلى أمثال ذلك.","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>مذهب المرجئة في مسألة الاستثناء في الإيمان</span>\nأما أهل البدع فكما أسلفت أنهم تكلموا في هذه المسألة على أصول بدعهم، ومن هنا حرّم عامة المرجئة الاستثناء في الإيمان؛ لأنه يعني الشك، وهذا غلط من جهتين:\nالأولى: أنهم فرعوا هذا القول عن أن الإيمان واحد، والصواب: أن الإيمان يزيد وينقص، وهو قول وعمل.\nالثانية: أنه لو فرضنا جدلًا أن الإيمان واحد، فإن الاستثناء بذكر مشيئة الرب في الأمور المحققة أمر سائغ، بشرط أن يكون المتكلم لا يقصد التردد، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤] ولو كان الإنسان عازمًا وجازمًا في مقصد فعله.","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>كلام أبي عبيد عن مسألة الاستثناء في الإيمان وعرضه لأقوال السلف</span>\n[قال أبو عبيد: حدثنا يحيى بن سعيد عن أبي الأشهب عن الحسن قال: قال رجل عند ابن مسعود: أنا مؤمن.\nفقال ابن مسعود: أفأنت من أهل الجنة؟ فقال: أرجو.\nفقال ابن مسعود: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى؟.\nقال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان بن سعيد عن الأعمش عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: بينا نحن نسير إذ لقينا ركبًا فقلنا: من أنتم؟ فقالوا: نحن المؤمنون! فقال: أولا قالوا: إنا من أهل الجنة؟!.\nقال أبو عبيد: حدثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر كلاهما عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن إبراهيم عن علقمة قال: قال رجل عند عبد الله: أنا مؤمن! فقال عبد الله: فقل: إني في الجنة! ولكن آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله.\nقال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن محل بن محرز قال: قال لي إبراهيم: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله.\nقال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن معمر عن ابن وطاس عن أبيه قال: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله.\nقال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن عن حماد بن زيد عن يحيى بن عتيق عن محمد بن سيرين قال: إذا قيل لك أمؤمن أنت؟ فقل: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ [البقرة:١٣٦]\nقال أبو عبيد: حدثنا جرير بن عبد الحميد عن منصور عن إبراهيم قال: قال رجل لـ علقمة: أمؤمن أنت؟ فقال: أرجو إن شاء الله.\nقال أبو عبيد: ولهذا كان يأخذ سفيان ومن وافقه الاستثناء فيه، وإنما كراهيتهم عندنا أن يبسوا الشهادة بالإيمان مخافة ما أعلمتكم في الباب الأول من التزكية والاستكمال عند الله، وأما على أحكام الدنيا فإنهم يسمون أهل الملة جميعًا مؤمنين، لأن ولايتهم وذبائحهم وشهاداتهم ومناكحتهم وجميع سنتهم إنما هي على الإيمان، ولهذا كان الأوزاعي يرى الاستثناء وتركه جميعًا واسعين.\nقال أبو عبيد: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي قال: من قال: أنا مؤمن فحسن، ومن قال: أنا مؤمن إن شاء الله فحسن، لقول الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] وقد علم أنهم داخلون.\nوهذا عندي وجه حديث عبد الله حين أتاه صاحب معاذ فقال: ألم تعلم أن الناس كانوا على عهد رسول الله ﷺ ثلاثة أصناف: مؤمن ومنافق وكافر، فمن أيهم كنت؟ قال: من المؤمنين.\nإنما نراه أراد أني كنت من أهل هذا الدين لا من الآخرين، فأما الشهادة بها عند الله فإنه كان عندنا أعلم بالله وأتقى له من أن يريده، فكيف يكون ذلك والله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]!\nوالشاهد: (على ما نظن) أنه كان قبل هذا لا يقول: أنا مؤمن على تزكية ولا على غيرها، ولا نراه أنه كان ينكره على قائله بأي وجه كان، إنما كان يقول: آمنت بالله وكتبه ورسله، لا يزيد على هذا اللفظ، وهو الذي كان أخذ به إبراهيم وطاوس وابن سيرين، ثم أجاب عبد الله إلى أن قال: أنا مؤمن؛ فإن كان الأصل محفوظًا عنه فهو عندي على ما أعلمتك، وقد رأيت يحيى بن سعيد ينكره ويطعن في إسناده؛ لأن أصحاب عبد الله على خلافه].\nهذا يبين أن ابن مسعود وأصحابه يميلون إلى الاستثناء ويؤكدون شأنه، ولكن أجوبتهم تدور على المعاني السابقة: أنهم يتركون التزكية ..\nأنهم يقصدون أن الإيمان قول وعمل، وأن الإنسان لا يجزم لنفسه باستمامهما، ولهذا قال للرجل: (أفأنت من أهل الجنة؟) يعني: إن المؤمن المطلق يكون من أهل الجنة، وهذا مما لا يجزم بتحققه، وهكذا نقل بعد ذلك عن أصحاب ابن مسعود كـ علقمة وغيره.\nوهنا مسألة في مسألة الاستثناء، وهي فرق لطيف فات بعض المتأخرين ممن علق على هذه المسألة؛ فقد تبين أن من أوجه السلف في الاستثناء أنهم يستثنون باعتبار ترك التزكية، وباعتبار أن الإيمان قول وعمل، وأن الإنسان لا يجزم بهذا التحقق.","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>من أوجه الاستثناء أن الإنسان لا يدري بماذا يختم له</span>\nهنا وجه ثالث أيضًا في مقاصد السلف في الاستثناء: وهو أن الإنسان لا يعلم ماذا يختم له، فيقول: هو مؤمن إن شاء الله؛ لأنه لا يدري بالخاتمة، والله ﷾ هو العليم بذلك.\nإذًا قد يستثني من يستثني من السلف أو يسّوغ الاستثناء أو يأمر به؛ لكون الإنسان لا يدري ماذا يختم له.\nوهذا الوجه -أعني الثالث- يختلف عن الوجه الذي كان يعلل به ابن كلاب، فقد كان يذهب إلى إيجاب الاستثناء في الإيمان؛ ويعلل ذلك بأن الإنسان لا يدري ما يوافي به ربه.\nفالمؤمن عنده الموافي.\nوالفرق بين اعتبار ختم العمل عند من يستثني من السلف وبين مسألة الموافاة عند ابن كلاب ومن وافقه، أن ابن كلاب كانت عنده قاعدة -وهي قاعدة بدعية- وهي: أن الإيمان هو ما يوافي العبد به ربه، فمن علم الله أنه يوافيه بالإيمان فإنه لا يزال محبوبًا له حتى حال كفره، ومن علم الله أنه لا يوافيه إلا بالكفر فإنه لا يزال مبغَضًا عنده حتى حال إيمانه الذي يعقبه كفر وردة ..\nوهذا الوجه من البدع الحادثة في كلام ابن كلاب؛ ولهذا إذا قال شيخ الإسلام: \"وهذا الوجه في الاستثناء لم ينطق به أحد من السلف\"، فلا بد أن يفرق بينه وبين مسألة الختم؛ فمسألة ختم العمل وجه معروف في كلام السلف، وأما الموافاة فمراد ابن كلاب بها: أن الإيمان هو الموافاة، وأما الإيمان الأول -الذي لا يوافي به، أو يعقبه ردة وما إلى ذلك- فليس إيمانًا، وكذلك الكفر الأول الذي يعقبه إيمان لا يكون صاحبه حال كفره مبغضًا .. !\nولا شك أن هذا غلط، بل الكفار حال كفرهم مع أن الله يعلم أن منهم من يؤمن مبغضون عنده ﷾.","vol":"5","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>كلام أبي عبيد عمن قال إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل</span>\n[وكذلك نرى مذهب الفقهاء الذين كانوا يتسمون بهذا الاسم بلا استثناء، فيقولون: نحن مؤمنون، منهم عبد الرحمن السلمي، وإبراهيم التيمي، وعون بن عبد الله، ومن بعدهم، مثل عمر بن ذر، والصلت بن بهرام، ومسعر بن كدام، ومن نحا نحوهم، إنما هو عندنا منهم على الدخول في الإيمان لا على الاستكمال.\nألا ترى أن الفرق بينهم وبين إبراهيم وبين ابن سيرين وطاوس إنما كان أن هؤلاء كانوا به أصلا، وكان الآخرون يتسمون به.\nفأما على مذهب من قال: كإيمان الملائكة والنبيين! فمعاذ الله، ليس هذا طريق العلماء، وقد جاءت كراهيته مفسرة عن عدة منهم.\nقال أبو عبيد: حدثنا هشيم أو حدثت عنه عن جوير عن الضحاك: أنه كان يكره أن يقول الرجل: أنا على إيمان جبريل وميكائيل ﵉.\nقال أبو عبيد: حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري عن نافع عن عمر الجمحي قال: سمعت ابن أبي مليكة وقال له إنسان: إن رجلًا في مجالسك يقول: إن إيمانه كإيمان جبرائيل! فأنكر ذلك وقال: سبحان الله! والله لقد فضل جبريل ﵇ في الثناء على محمد صلى الله عليه فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١].\nقال أبو عبيد: حدثنا عن ميمون بن مهران: أنه رأى جارية تغني فقال: من زعم أن هذه على إيمان مريم بنت عمران فقد كذب.\nوكيف يسع أحدًا أن يشبه البشر بالملائكة، وقد عاتب الله المؤمنين في غير موضع من كتابه أشد العتاب، وأوعدهم أغلظ الوعيد، ولا يعلم فعل بالملائكة من ذلك شيئًا فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء:٢٩ - ٣٠] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢] وقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦].\nفأوعدهم النار في آية، وآذنهم بالحرب في أخرى.\nوخوفهم بالمقت في ثالثة، واستبطأهم في رابعة، وهو في هذا كله يسميهم مؤمنين، فما تشبه هؤلاء من جبريل وميكائيل مع مكانهما من الله؟! إني لخائف أن يكون هذا من الاجتراء على الله والجهل بكتابه].","vol":"5","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>شرح كتاب الإيمان [٦]</span>\nمعتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، وأن هذه الزيادة والنقصان تكون في الأعمال الظاهرة والباطنة، وهذا محل إجماع عندهم، وإن وجد اختلاف بين بعض السلف في معنى الزيادة والنقصان فإنما هو خلاف ألفاظ، وقد خالف بعض أهل البدع في هذه المسألة ففسروا الزيادة بمعان مخالفة لما جاء في الكتاب والسنة.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>باب الزيادة في الإيمان والانتقاص منه</span>\nيعتبر هذا الباب من المسائل الأصول في الإيمان، فليس هو كمسألة الاستثناء، بل هو من أشرف أصول هذه المسألة، وهو إجماع للسلف.\nوجُمل السلف ﵏ كما أنها تنوعت في مسمى الإيمان، فقالوا فيه أقوالًا هي من باب الخلاف اللفظي، وقالوا في جوابهم في الاستثناء أقوالًا تنوعت هي من باب خلاف التنوع، كذلك نقول هنا: كلام السلف في مسألة الزيادة والنقصان فيها خلاف لفظي، فالجمهور من السلف يقولون: الإيمان يزيد وينقص، ويطلقون هذا.\nومنهم من يقول: الإيمان يتفاضل، وهذا جواب معروف عن عبد الله بن المبارك وأمثاله.\nوقد نقل عن مالك في إحدى الروايتين أنه قال: الإيمان يزيد، وسكت عن لفظ النقصان، وأما المعنى فإنه ثابت عنده.\nفهذه هي أجوبة السلف ﵏، والخلاف بينها من باب الخلاف اللفظي؛ فإن معنى التفاضل في قول بعضهم: إنه يتفاضل، أي: أنه يزيد وينقص، وأن أصحابه على درجات.","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>الأدلة على أن الإيمان يزيد وينقص</span>\nأما دليله: فما جاء ذكره صريحًا في كتاب الله في عدة مواضع من ذكر لزيادة الإيمان، وأما النقصان فإنه كما قال الإمام أحمد وغيره: \"إن الإيمان كما يزيد فإنه ينقص\".\nولم يعبر بلفظ النقصان في القرآن، وإنما نفى الشارع الإيمان عمن ترك بعض الواجبات أو فعل بعض الكبائر، كقول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة في الصحيحين: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) ونفي الاسم أبلغ من ذكر لفظ النقصان في هذا الفعل من الكبائر؛ لأن ذكر لفظ النقصان لا يلزم منه أن يكون الفعل من الكبائر، بخلاف نفي الاسم الشرعي؛ فإن القاعدة -كما نص عليها شيخ الإسلام وغيره-: \"إن الله ورسوله لا ينفي اسم مسمى أمرٍ -أمر الله به ورسوله- إلا إذا ترك بعض واجباته\".\nفلما قال النبي ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) دل هذا على أن الزاني قد فعل كبيرةً من الكبائر، وكذلك قوله: (لا إيمان لمن لا أمانة له)\nإلى أمثال ذلك، ولهذا كان قوله ﷺ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) دليلًا على أن قراءة الفاتحة لازمة في الصلاة إما ركنًا وإما وجوبًا على ما هو معروف.\n[قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال قال: قال معاذ بن جبل لرجل: اجلس بنا نؤمن ساعة -يعني: نذكر الله-.\nوبهذا القول كان يأخذ سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس يرون أعمال البر جميعًا من الازدياد في الإسلام؛ لأنها كلها عندهم منه، وحجتهم في ذلك ما وصف الله به المؤمنين في خمس مواضع من كتابه، منه قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١] وقوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] وموضعان آخران قد ذكرناهما في الباب الأول، فاتبع أهل السنة هذه الآيات وتأولوها أن الزيادات هي الأعمال الزاكية].\nبهذه الأدلة يعلم أن ذكر زيادة الإيمان صريح في كتاب الله ﷾، وقد سبق الإشارة إلى أصل جامع ذكره ابن تيمية ﵀ حيث قال: \"وأصل نزاع هذه الفرق من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا إذا زال بعضه زال جميعه\"، أي: إن الأصل الذي تفرعت عنه جميع البدع في مسألة الإيمان، وخالف أصحابها قول السلف، هو: أنهم اعتبروا أن الإيمان واحد لا يزيد ولا ينقص، فعند الخوارج والمعتزلة أنه قول وعمل، لكنه لا يزيد ولا ينقص، فمن ترك واجبًا فيه فقد كفر -أو فسق عند المعتزلة- وعدم الإيمان.\nوعند المرجئة يجعلونه هو التصديق، أو مع القول، أو القول وحده على حسب أقوال المرجئة، ويكون الإيمان عندهم واحدًا.\nوقد تقدم أن في كتاب الله تصريحًا تامًا بزيادة الإيمان، وإن لم يكن هو الدليل الوحيد الدال على أن الإيمان يزيد وينقص، بل هو نوع من الأدلة، وإلا من الأدلة: الضرورة الشرعية؛ فإن الضرورة الشرعية تدل على أن المؤمنين ليسوا درجة واحدة، وهذا هو اللازم في حكم العقل؛ فإنه ما من شيء يؤمر به بنو آدم من الأمور الشرعية أو الدينية أو الدنيوية إلا ويتفاضلون فيه.\nفهذا التفاضل ضرورة حسية قاطعة، وهي مدركة بضرورة العقل.\nوعلى هذا يكون القول بتساوي الإيمان ممتنعًا في العقل والحس.","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>مذهب المرجئة والخوارج في تفسير الآيات الدالة على زيادة الإيمان</span>\nوقد يرد هنا سؤال: ما هو موقف المخالفين للسلف من هذا التصريح في كتاب الله بزيادة الإيمان؟\n[وأما الذين رأوا الإيمان قولًا ولا عمل فإنهم ذهبوا في هذه الآيات إلى أربعة أوجه].\nهذا التفسير ليس خاصًا بمن يقول: إنه قول، فمن المعروف أن من يقول: إن الإيمان قول فقط هو محمد بن كرام السجستاني، بل هو -أيضًا- تفسير من يقول: إن الإيمان هو التصديق كجمهور المرجئة، ومن يقول: إن الإيمان قول وعمل ولكنه لا يزيد ولا ينقص، كالمعتزلة والخوارج، فإن جميع هؤلاء يفسرون هذه الآيات بما يأتي ..\n[أحدها أن قالوا: أصل الإيمان الإقرار بجمل الفرائض مثل الصلاة والزكاة وغيرها، والزيادة بعد هذه الجمل، وهو أن تؤمنوا بأن هذه الصلاة المفروضة هي خمس، وأن الظهر هي أربع ركعات، والمغرب ثلاثة ..\nوعلى هذا رأوا سائر الفرائض.\nوالوجه الثاني أن قالوا: أصل الإيمان الإقرار بما جاء من عند الله، والزيادة تمكن من ذلك الإقرار.\nوالوجه الثالث أن قالوا: الزيادة في الإيمان الازدياد من اليقين.\nوالوجه الرابع أن قالوا: إن الإيمان لا يزداد أبدًا، ولكن الناس يزدادون منه].\nهذا هو تفسير المرجئة ويشاركهم في بعضه الخوارج، وإن كان الخوارج يرتبونه على قولهم المعروف.\nوهذا التفسير لما ذكر من زيادة الإيمان في القرآن لأهل العلم تجاهه طريقان:\nالطريق الأول: أن هذا التفسير غلط؛ لأنه وإن كان بعضه ممكنًا من جهة جملة المعاني إلا أن تفسير الآيات المعينة به خروج عن السنة ومراد الله ورسوله.\nالطريق الثاني: أن هذا تفسير قاصر، وفيه تحكم.\nأي: قصر للزيادة على هذه المعاني، ولا شك أن الزيادة أجل من هذا المعنى، فهي في الأعمال الظاهرة والباطنة المذكورة في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٢ - ٣]\nفمن هذا السياق وأمثاله أن الزيادة متحققة في الأعمال الظاهرة والباطنة، وأنها متحققة في التصديقات، ولهذا قال: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا) أي: تصديقًا ويقينًا، كما أنها زادتهم بقوله: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) توكلًا، وهذا فعل القلب، وزادتهم فعلًا في الجوارح وهو قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣].\nفبينٌ من سياق الآيات أن الزيادة والنقصان متعلقة بأوجه الإيمان كلها الظاهرة والباطنة، فيكون القصر على هذا من التحكم في تفسير كلام الله ورسوله.","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>تفسير المرجئة والخوارج للآيات الدالة على زيادة الإيمان بدعة محدثة</span>\n[وكل هذه الأقوال لم أجد لها مصدقًا في تفسير الفقهاء ولا في كلام العرب، فالتفسير ما ذكرناه عن معاذ حين قال: (اجلس بنا نؤمن ساعة) فيتوهم على مثله أن يكون لم يعرف الصلوات الخمس ومبلغ ركوعها وسجودها إلا بعد رسول الله ﷺ، وقد فضله النبي ﷺ على كثير من أصحابه في العلم بالحلال والحرام، ثم قال: (يتقدم برتوة) هذا لا يتأوله أحد يعرف معاذًا!\nوأما في اللغة فإنا لم نجد المعنى فيه يحتمل تأويلهم، وذلك كرجل أقر له رجل بألف درهم له عليه، ثم بينها فقال: مائة منها في جهة كذا، ومائتان في جهة كذا، حتى استوعب الألف، ما كان هذا يسمى زيادة، وإنما يقال له: تلخيص وتفصيل، وكذلك لو لم يلخصها ولكنه ردد ذلك الإقرار مرات، ما قيل له زيادة أيضًا، إنما هو تكرير وإعادة؛ لأنه لم يغير المعنى الأول ولم يزد فيه شيئًا.\nفأما الذين قالوا يزداد من الإيمان، ولا يكون الإيمان هو الزيادة، فإنه مذهب غير موجود، لأن رجلًا لو وصف ماله فقيل: هو ألف، ثم قيل: إنه ازداد مائة بعدها، ما كان له معنى يفهمه الناس إلا يكون المائة هي الزائدة على الألف، وكذلك سائر الأشياء، فالإيمان مثلها، لا يزداد الناس منه شيئًا، إلا كان ذلك الشيء هو الزائد في الإيمان].\n\"في تفسير الفقهاء\" مقصوده: في تفسير السلف، أي أن السلف -﵏- ما كانوا يفسرون هذه الآيات بهذه الأوجه، إنما يقولون: إن هذه الآيات تدل على أن الإيمان يزيد في جميع أوجهه وموارده.\nومن هنا يمكن أن يقال: إن هذا التفسير بدعة بهذا الاعتبار، ووجه كونه بدعةً هو كونه مخالفًا لتفسير السلف، لكن لا يلزم أن تكون المعاني المذكورة في هذا التفسير باطلة.\nفإن قول من قال: إن المؤمنين يزدادون إيمانًا بكثرة أدلته -وهذا من تفسير المرجئة لآيات الزيادة- في جملته صحيح، لكن قصر التفسير عليه بدعة مخالفة للسلف، وهو من التحكم الذي لا دليل عليه، وهو من جنس الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض.\nومن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض؛ فإن القدر الذي آمن به من حيث جملته يعتبر إيمانًا، لكنه لم ينفعه؛ لأنه فاسد وباطل؛ لكونه قابله بالكفر بالبعض الآخر.\nومن هنا يصح أن يقال: إن هذا التفسير باعتبار مادته الأصل فيه صحة؛ لأن معنى القول بإن هذا التفسير خطأ من الأصل أن يكون قول من قال: إن الإيمان يزيد بزيادة الأدلة.\nخطأ، وهذا غير صحيح.\nلكنه مع ذلك يسمى بدعةً؛ لكونه مخالفًا لتفسير السلف؛ لأن فيه تحكمًا بتفسير القرآن، وقصرًا على معنى دون معنى.\nومعنى هذا باختصار: أن السلف -﵏- الذين يقولون: الإيمان يزيد وينقص، إذا سئل أحدهم: هل الإيمان يزيد بالطاعة؟ فسيقول: نعم.\nوإذا قيل له: هل الإيمان يزيد بأعمال القلوب؟ فسيقول: نعم.\nولو قيل له: هل الإيمان يزيد بتعدد أدلته؟ فسيقول: نعم.\nمثلًا: من المقطوع به أن الإيمان بعذاب القبر الذي ذكره النبي ﷺ يتفاضل إذا ذكر في عشرة أحاديث عنه بحديث واحد، وهذه ضرورة في عقول بني آدم.\nوكذلك إذا نظر شخص في مسألة من المسائل الفقهية عليها دليل واحد، ومسألة عليها عشرة أدلة، فإن التي عليها عشرة أدلة تكون أقوى في الثبوت.\nوعلى هذا يصح أن يقال: إن تعدد الأدلة يزيد في التصديق، واليقين، والمعرفة، والعلم، والإيمان هو العلم، وإنما أخطأ هؤلاء المفسرون من المرجئة وأمثالهم من جهة مخالفة تفسير السلف، ومن جهة قصر تفسير الآيات على هذه الأوجه التي حدوها، فمن هنا كان تفسيرهم بدعة، وإن كانت أصول معانيه مقبولة، لكن السلف لا يقتصرون عليها، بل يذكرون الزيادة فيها وفي غيرها.","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>الرد على المرجئة القائلين بأن زيادة الإيمان هي ازدياد اليقين</span>\n[وأما الذين جعلوا الزيادة ازدياد اليقين فلا معنى لهم لأن اليقين من الإيمان، فإذا كان الإيمان عندهم كله برمته إنما هو الإقرار، ثم استكمله هؤلاء المقرون بإقرارهم ..\nأفليس قد أحاطوه باليقين من قولهم؟! فكيف يزداد من شيء قد استقصي وأحيط به؟! أرأيتم رجلًا نظر إلى النهار بالضحى حتى أحاط عليه كله بضوئه هل كان يستطيع أن يزداد يقينًا بأنه نهار ولو اجتمع عليه الإنس والجن؟! هذا يستحيل ويخرج مما يعرفه الناس].\nهذا وجه فاضل في الرد.\nوهو الوجه الآخر في الرد على المرجئة الذين فسروا الزيادة بهذا، وهو أن المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان واحد وهو التصديق، يمنعون الاستثناء فيه ويجعلونه واحدًا، فما وجه زيادة اليقين فيه؟!!\nأي: إن معنى القول بأن الإيمان واحد يلزم منه نفي زيادة الإيمان من كل وجه؛ فإذا أُثبتت زيادة الإيمان ولو من وجه تعدد الأدلة أو من وجه تمام اليقين، أو أمثالها من التفسيرات التي أريد بها التخلص من معارضة القرآن فإن هذا يكون من باب التناقض.\nفمن يقول: إن الإيمان واحد، ومع ذلك يقول: يزداد، فإن مجرد تسليمه بزيادته على أي وجه فسر هذه الزيادة يعد تناقضًا؛ فإنه إذا سوغ زيادته باعتبار تعدد الأدلة فمعناه أن أهله تفاضلوا.\nوإن قال: إنه لم يتفاضل إيمانهم وإنما تفاضلت أدلتهم؛ قيل: الدليل يدل على حكم في مدلوله، وهذا الحكم هو الذي يجب الإيمان به، ولهذا يكون الحكم المُؤمَن به -وهو إيمان بالقطع- متفاضلًا بين المخاطبين.\nفمقصود هذا الوجه: أن من قال: إن الإيمان واحد -وهو قول كل من خالف السلف- يمتنع أن يقر بزيادة الإيمان بأي وجه من الأوجه، فمن أقر بذلك كان متناقضًا.\nوخلاصة هذا الرد هي: أنه إذا كان الإيمان واحدًا سواء كان هو التصديق أو الإيمان أو المعرفة أو ما إلى ذلك فقد استكملوه بالأول، فما وجه الزيادة؟!\nومن المعلوم في النظر العقلي أن من يقول: إن هذا الشيء واحد، يمتنع عليه أن يقول: أنه يزيد، بأي وجه فسر الزيادة.\nوهذا من باب تناقض أهل البدع.","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>شرح كتاب الإيمان [٧]</span>\nطائفة من المرجئة يذهبون إلى أن الإيمان شهادة باللسان، وإقرار بالقلب، وهذا القول المنسوب إلى المرجئة قال به بعض فقهائهم ومتكلميهم، من المعروفين بالسنة ومن الخارجين عنها، وهذا الاتفاق إنما هو اتفاق في جملة القول وقدره الكلي وليس في تفصيله.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>باب تسمية الإيمان بالقول دون العمل</span>\n[قال أبو عبيد: قالت هذه الفرقة: إذا أقر بما جاء من عند الله وشهد شهادة الحق بلسانه، فذلك الإيمان كله؛ لأن الله ﷿ سماهم مؤمنين، وليس ما ذهبوا إليه عندنا قولًا، ولا نراه شيئًا، وذلك من وجهين:-\nأحدهما: ما أعلمتك في الثلث الأول أن الإيمان المفروض في صدر الإسلام لم يكن يومئذ شيئًا إلا إقرار فقط.\nوأما الحجة الأخرى: فإنا وجدنا الأمور كلها، يستحق الناس بها أسماءها مع ابتدائها والدخول فيها، ثم يفضل فيها بعضهم بعضًا، وقد شملهم فيها اسم واحد، من ذلك أنك تجد القوم صفوفًا بين مستفتح للصلاة، وراكع وساجد ..\nوقائم وجالس، فكلهم يلزمه اسم المصلي، فيقال لهم: مصلون، وهم مع هذا فيها متفاضلون].","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>الطائفة التي تقول بأن الإيمان هو الإقرار والشهادة</span>\nهذه الطائفة التي أراد المصنف ﵀ ذكرها في هذا الباب هم من يقولون بأن من أقر وشهد فقد آمن.\nوكلمة \"أقر\" تعني: إقرار القلب، و\"شهد\" أي: بلسانه.\nوقد تقدم أنه يقرر أن المرجئة من الفقهاء يذهبون إلى أن الإيمان يكون بإقرار القلب وتصديقه وبقول اللسان، ومع ذلك ذكرهم على أنهم طائفة من أهل العلم والديانة، أما من ذكرهم في هذا الباب فمن الملاحظ أنه مغلظ في ذكره لهم، فهو لم يذكرهم على أنهم طائفة من أهل العلم والديانة كما سبق في مرجئة الفقهاء.\nوهو يريد بهذا إحدى طائفتين:\nإما من يقول بأن الإيمان هو القول، وهذا القول قاله محمد بن كرام السجستاني، وهو متأخر في التاريخ عن المصنف، وعلى هذا يكون هذا القول قد قاله طوائف من قدماء المرجئة الذين أدركهم المصنف فنَسَبَ هذا القول على إطلاق عام، ونسبه المتأخرون إلى محمد بن كرام؛ لأنه هو الذي نظمه وشهره، وليس بالضرورة أن يكون هو الذي ابتدعه واخترعه ..\nفهذا وجه التفسير لكلامه.","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>طوائف المرجئة عند المتأخرين</span>\nقبل أن نتكلم عن التفسير الصحيح لكلام المصنف نريد أن نبين أن المتأخرين إذا ذكروا المرجئة فإنهم يقسمونهم إلى طوائف، فيقولون:\nمنهم من يقول: الإيمان المعرفة ..\nوهذا قول الجهم بن صفوان، وأبي حسين الصالحي وأمثالهم.\nومنهم من يقول: هو التصديق، وهذا القول لـ بشر المريسي وجماعة.\nفإذا قالوا: ومنهم من يقول: إنه قول اللسان وتصديق القلب، جعلوا هذا القول قول مرجئة الفقهاء، وكأن هذا القول هو قول المرجئة الفقهاء فقط.\nوالصحيح: أن القول بأن الإيمان شهادة باللسان وإقرار بالقلب هو قول لكثير من المرجئة، من فقهائهم ومتكلميهم، من المنتسبين إلى السنة كـ حماد بن أبي سليمان، وممن هو خارج عن السنة والجماعة ممن عرفوا بالابتداع، والخروج عن طريقة الأئمة.\nلكن الاشتراك بين فقهائهم كـ حماد بن أبي سليمان وبين غيرهم من متكلميهم أو من خرج عن السنة والجماعة هو اشتراك في قدره الكلي.","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>قول طائفة من المرجئة بأن الإيمان هو الإقرار والشهادة</span>\nإذًا نقول: إن طائفة من المرجئة يذهبون إلى أن الإيمان شهادة باللسان، وإقرار بالقلب.\nوهذا القول هو قول طائفة من المرجئة من فقهائهم ومتكلميهم، من المعروفين بالسنة والخارجين عنها، وهذا الاتفاق اتفاق في جملة القول وقدره الكلي وليس في تفصيله؛ فإنه من حيث التفاصيل ثمة فرق.\nوقبل تقرير الفرق نورد تقريرًا لمقدمة أخص، وهي: أن فقهاء هذا النوع من المرجئة المعروفين بالسنة والجماعة كـ حماد أقرب في تقرير هذا القول ومرادهم به إلى السنة والجماعة من متكلمة هذا القول، فإن هؤلاء يبتعدون في تقريرهم عن كلام الأئمة من جهة الدلائل ومن جهة تقرير الحقائق.\nوالفرق بين فقهائهم ومتكلميهم الذين يشتركون في تقرير هذه الجملة من وجهين:\nالوجه الأول: من جهة الدلائل وطرق الاستدلال، فإن حمادًا وأمثاله لم يخرجوا في طرق الاستدلال عن المعروف عند السلف، وهو الاعتبار بكلام الله ورسوله في الدليل.\nأي: لم يستعملوا علم الكلام وغيره من الطرق المبتدعة في الاستدلال، بخلاف متكلمة المرجئة؛ فإنهم استعملوا هذا العلم.\nوكذلك حماد بن أبي سليمان وأمثاله، لم يطعنوا في شيء من سنة النبي ﷺ من جنس ما يطعن متكلمة المرجئة، كطعنهم في أخبار الآحاد.\nالوجه الثاني: من جهة المعاني؛ فإن تقرير حماد بن أبي سليمان لمقام العمل أشرف من تقرير متكلمة المرجئة، وإن كان حماد وأبو حنيفة رحمهما الله لا يدخلون العمل في مسمى الإيمان، إلا أنهم يعظمون شأنه، ويعظمون شأن الواجبات، ويذكرون مسألة الوعيد ..\nوما إلى ذلك؛ ولهذا هم في مسألة وعيد أهل الكبائر لا يخالفون جملة السلف.\nإذًا: تقرير حماد لمسألة العمل وإن كان خارجًا عن السنة والجماعة، باعتباره لا يجعل العمل داخلًا في مسمى الإيمان، إلا أنه أشرف من تقرير متكلمة المرجئة.\nوإذا تبين أن هذا القول: -وهو أن الإيمان إقرار بالقلب وقول باللسان- هو قول لكثير من المرجئة، وليس مختصًا بفقهائهم؛ تبين ما سبق الإشارة إليه، وهو أن كثيرًا من شراح الحنفية -ولا سيما متكلمة الحنفية- لمقالة أبي حنيفة التي أخذها عن حماد، إنما ينسب عند التحقيق إلى الحنفية المتكلمين به، ولا يلزم أن ينسب إلى حماد وأمثاله.\nولسنا هنا نقصد إلى المدافعة عن قول حماد؛ فقد تقدم أن قول حماد بدعة بإجماع السلف، وخارج عن السنة والجماعة بإجماع السلف، ولكن الزيادة أيضًا على الأعيان في الأقوال مما لا ينبغي أن يصار إليه، فقد شرح المتأخرون كثيرًا من الأقوال وزادوا عليها، كزيادة بعض الحنابلة الذين قصدوا السنة والجماعة على أقوال الإمام أحمد في الصفات، كزيادات أبي عبد الله بن حامد مثلًا، ومنهم من تأولوا أقواله إلى شيء من التعطيل كـ ابن الجوزي وابن عقيل في أول أمره، وكذلك القاضي أبو يعلى في أول أمره.\nومن هنا يتبين أن شرح أصحاب الأئمة لكلام الأئمة لا يلزم أن يكون جميعه صوابًا.\nهذا ليس من مسائل الأصول التي قد يتعذر على كثير منهم الضبط لها، ولا سيما أصحاب أبي حنيفة، فإنهم مختلفون في ضبط عقيدته اختلافًا واسعًا، فصوفيتهم يميلون إلى الصوفية، والكرامية يميلون إلى التشبيه، والماتريدية يميلون إلى طريقتهم، وأشعريتهم كذا\nومن المعروف أن أكثر ما استعمل من المذاهب الفقهية مذهب الأحناف ..\nفهذا المذهب فيه إشكال من هذا الوجه.\nوكذلك فيه إشكال من جهة أن أبا حنيفة ﵀ رجل اختلف عليه كثيرًا، وروي عنه أشياء، وبلغت الأئمة الكبار كـ أحمد وأمثاله عنه بلاغات شديدة، لو صحت عنه لكان من كبار أهل البدع، كما يذكر ذلك عبد الله بن أحمد والخطيب البغدادي وابن عدي وأمثال هؤلاء.\nوقد يقول قائل: إن بعض الأسانيد في السنة لـ عبد الله بن أحمد أسانيد صحيحة عن فلان وفلان من الأئمة ..\nفنقول: صحة الإسناد لا تعني أن المتكلم أخذ هذا القول أو سمعه من أبي حنيفة، إنما هذا الإمام الذي صح الإسناد إليه بحسب إسناد عبد الله بن أحمد بلغه هذا القول عن أبي حنيفة فقاله، وهذه بلاغات، فليس الشأن مقتصرًا على الطعن في أسانيد ثابتة إلى فلان وفلان من الأئمة، بل الشأن في المقدمة التي هي أهم من هذا، وهي: أن هذا المتكلم -في الغالب- لم يسمع هذا القول من أبي حنيفة، وإنما بلغه بلاغًا، ولهذا لم ينضبط عن أبي حنيفة شيء ثابت، ولو انضبط لشاع عند الأئمة، ولهذا يجعل شيخ الإسلام ابن تيمية أبا حنيفة على السنة والجماعة، وإنما نستثنيه في مسألة الإيمان، وهذا هو التحقيق.\nولو فرض جدلًا أن أبا حنيفة كان عنده بدع ما بلغت فهذا بينه وبين ربه، وليس من المقصود في السنة أن يتهم أحد أو يجزم له بشيء لم ينضبط عنه.","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الأدلة الشرعية والعقلية على أن الإيمان يزيد وينقص</span>\n[وكذلك صناعات الناس، لو أن قومًا ابتنوا حائطًا ..\nوكان بعضهم في تأسيسه، وآخر قد نصفه، وثالث قد قارب الفراغ منه، قيل لهم جميعًا: بناة، وهم متباينون في بنائهم.\nوكذلك لو أن قومًا أمروا بدخول دار، فدخلها أحدهم، فلما تعتب الباب أقام مكانه وجاوزه الآخر بخطوات، ومضى الثالث إلى وسطها، قيل لهم جميعًا: داخلون، وبعضهم فيها أكثر مدحًا من بعض.\nفهذا الكلام المعقول عند العرب السائر فيهم، فكذلك المذهب في الإيمان، إنما هو دخول في الدين، قال الله ﵎: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر:١ - ٣] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] فالسلم الإسلام، وقوله: (كافة) معناها عند العرب الإحاطة بالشيء.\nقال رسول الله ﷺ: (بني الإسلام على خمس) فصارت الخمس كلها هي الملة التي سماها الله سلمًا مفروضًا.\nفوجدنا أعمال البر وصناعات الأيدي ودخول المساكن كلها تشهد على اجتماع الاسم وتفاضل الدرجات فيها، هذا في التشبيه والنظر، مع ما احتججنا به من الكتاب والسنة، فهكذا الإيمان هو درجات ومنازل، وإن كان سمى أهله اسمًا واحدًا وإنما هو عمل من أعمال تعبّد الله به عباده وفرضه على جوارحهم، وجعل أصله في معرفة القلب، ثم جعل المنطق شاهدًا عليه، ثم الأعمال مصدقة له، وإنما أعطى الله كل جارحة عملًا لم يعطه الأخرى، فعمل القلب الاعتقاد، وعمل اللسان القول، وعمل اليد التناول، وعمل الرجل المشي، وكلها يجمعها اسم العمل، فالإيمان على هذا التناول إنما هو كله مبني على العمل، من أوله إلى آخره، إلا أنه يتفاضل في الدرجات على ما وصفنا.\nوزعم من خالفنا أن القول دون العمل، فهذا عندنا متناقض، لأنه إذا جعله قولًا فقد أقر أنه عمل، وهو لا يدري بما أعلمتك من العلة الموهومة عند العرب في تسمية أفعال الجوارح عملا.\nوتصديقه في تأويل الكتاب في عمل القلب واللسان، قول الله في القلب: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] وقال: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤] وقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:٣٥] وقال رسول الله ﷺ: (إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وهي القلب) وإذا كان القلب مطمئنًا مرة، ويصغى أخرى، ويوجل ثالثة، ثم يكون منه الصلاح والفساد، فأي عمل أكثر من هذا، ثم بين ما ذكرنا قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة:٨] فهذا ما في عمل القلب.\nوأما عمل اللسان فقوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء:١٠٨] فذكر القول ثم سماه عملًا، ثم قال: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٤١] هل كان عمل رسول الله ﷺ معهم إلا دعاؤه إياهم إلى الله، وردهم عليه قوله بالتكذيب، وقد أسماها هاهنا عملًا؟ وقال في موضع ثالث: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات:٥١] * ﴿يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات:٥٢] إلى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] فهل يكون التصديق إلا بالقول، وقد جعل صاحبها هاهنا عاملًا؟! ثم قال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣] فأكثر ما يعرف الناس من الشكر أنه الحمد والثناء باللسان، وإن كانت المكافأة قد تدعى شكرًا.\nفكل هذا الذي تأولنا إنما هو على ظاهر القرآن وما وجدنا أهل العلم يتأولونه، والله أعلم بما أراد، إلا أن هذا هو المستفيض في كلام العرب غير المدفوع، فتسميتهم الكلام عملًا، من ذلك أن يقال: لقد عمل فلان اليوم عملًا كثيرًا، إذا نطق بحق وأقام الشهادة، ونحو هذا، وكذلك إن أسمع رجلٌ صاحبه مكروهًا، قيل: قد عمل به الفاقرة، وفعل به الأفاعيل، ونحوه من القول، فسموه عملًا، وهو لم يزده على المنطق.\nومنه الحديث المأثور: (من عد كلامه من عمله، قلّ كلامه إلا فيما ينفعه).\nفوجدنا تأويل القرآن، وآثار النبي ﷺ، وما مضت عليه العلماء، وصحة النظر، كلها تصدق أهل السنة في الإيمان، فيبقى القول الآخر، فأي شيء يتبع بعد هذه الحجج الأربع؟!\nوقد يلزم أهل هذا الرأي ممن يدعي أن المتكلم بالإيمان مستكمل له، من التبعة ما هو أشد مما ذكرنا، وذلك فيما قص علينا من نبأ إبليس في السجود لآدم، فإنه قال: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ﴾ [ص:٧٤] فجعله الله بالاستكبار كافرًا وهو مقر به غير جاحد له، ألا تسمع: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] وقوله: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩] فهذا الآن مقر بأن الله ربه، وأثبت القدر أيضًا في قوله: (أَغْوَيْتَنِي) وقد تأول بعضهم قوله: (وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ) أنه كان كافرًا قبل ذلك! ولا وجه لهذا عندي، لأنه لو كان كافرًا قبل أن يؤمر بالسجود لما كان في عداد الملائكة، ولا كان عاصيًا إذا لم يكن ممن أمر بالسجود.\nوينبغي في هذا القول أن يكون إبليس قد عاد إلى الإيمان بعد الكفر لقوله: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩] وقوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] فهل يجوز لمن يعرف الله وكتابه وما جاء من عنده أن يثبت الإيمان لإبليس اليوم؟!].\nهذا هو ما سبق: وهو أن زيادة الإيمان دليلها آيات في القرآن، وأيضًا دليلها الضرورة الشرعية والضرورة العقلية، فإن تماثل بني آدم في فعل ما شرعي أو غير شرعي تماثل ممتنع، ولهذا لا يوجد فعل من الأفعال، إلا وأهله القاصدون إليه يتفاضلون فيه، وهذا هو مقصود المصنف لما قال: \"وكذلك صناعات الناس\".\nأي: أن من قصدوا إلى صناعة شيء لابد أن يتفاضلوا، ولهذا يكون هذا في مبدأ الصناعة، وهذا في وسطها، وهذا في منتهاها، وهذا تقدم على هذا، وهذا أتقن من هذا ..\nإلى غير ذلك.\nفالقول: بأن الإيمان لا يتفاضل قول ممتنع في العقل ..\nممتنع في الخارج، ولهذا كان من فقه السلف أنهم ألزموا الذين لا يقولون بتفاضل الإيمان، وزيادته ونقصانه بلازم يلزمهم، وإن كان عند التحقيق ليس مذهبًا لهم، قالوا: يلزم من هذا القول أن يكون إيمان جبريل كإيمان آحاد الناس، وأن يكون إيمان أبي بكر كإيمان الفساق ..\nوهذا فعلًا لازم، يدل على بطلان هذا المذهب، لأن من يقول: إن الإيمان واحد، يلزمه أن إيمان أبي بكر كإيمان الحجاج بن يوسف، أو أمثال هؤلاء ممن اشتهر بشيء من القتل أو الفجور أو الفسوق.\nفهذا القول يعلم بديهةً بضرورة العقل أنه ممتنع، وعلى هذا يكون أصل هذا القول ممتنعًا عقلًا وشرعًا.","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>شرح كتاب الإيمان [٨]</span>\nمعتقد غلاة المرجئة والجهمية في الإيمان أنه العلم والمعرفة، ولازم قولهم هذا أن أغلظ الكفار كفرًا- كفرعون وإبليس- مؤمنون؛ لأنهم عرفوا الله وعرفوا دينه، وهذا قول باطل ترده العقول السليمة والفطر المستقيمة، فالعلم الإداركي المعرفي لا يحصل به الإيمان، وإنما يحصل الإيمان بعلم القبول.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>باب من جعل الإيمان المعرفة بالقلب وإن لم يكن عمل</span>\n[قال أبو عبيد: قد ذكرنا ما كان من مفارقة القوم إيانا في أن العمل من الإيمان، على أنهم وإن كانوا لنا مفارقين، فإنهم ذهبوا إلى مذهب قد يقع الغلط في مثله.\nثم حدثت فرقة ثالثة شذت عن الطائفتين جميعًا ليست من أهل العلم ولا الدين، فقالوا: الإيمان معرفة بالقلوب بالله وحده، وإن لم يكن هناك قول ولا عمل! وهذا منسلخ عندنا من قول أهل الملل الحنفية؛ لمعارضته لكلام الله ورسوله ﷺ بالرد والتكذيب، ألا تسمع قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة:١٣٦].\nالآية، فجعل القول فرضًا حتمًا، كما جعل معرفته فرضًا ولم يرض بأن يقول: اعرفوني بقلوبكم.\nثم أوجب مع الإقرار الإيمان بالكتب والرسل كإيجاب الإيمان\nولم يجعل لأحد إيمانا إلا بتصديق النبي ﷺ في كل ما جاء به فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِه﴾ [النساء:١٣٦] وقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] يعني النبي ﷺ، فلم يجعل الله معرفتهم به إذ تركوا الشهادة له بألسنتهم إيمانًا؛ ثم سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله) في أشياء كثيرة من هذا لا تحصى.\nوزعمت هذه الفرقة أن الله رضي عنهم بالمعرفة! ولو كان أمر الله ودينه على ما يقول هؤلاء ما عرف الإسلام من الجاهلية، ولا فرقت الملل بعضها من بعض، إذ كان يرضى منهم بالدعوى على قلوبهم، غير إظهار الإقرار بما جاءت به النبوة والبراءة مما سواها، وخلع الأنداد والآلهة بالألسنة بعد القلوب، ولو كان هذا يكون مؤمنًا ثم شهد رجل بلسانه أن الله ثاني اثنين كما يقول المجوس والزنادقة، أو ثالث كقول النصارى، وصلى للصليب، وعبد النيران بعد أن يكون قلبه على المعرفة بالله لكان يلزم قائل هذه المقالة أن يجعله مؤمنًا مستكملًا الإيمان كإيمان الملائكة والنبيين! فهل يلفظ بهذا أحد يعرف الله أو مؤمن له بكتاب أو رسول؟ وهذا عندنا كفر لم يبلغه إبليس فمن دونه من الكفار قط!].","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>قول غلاة المرجئة والجهمية أن الإيمان هو العلم والمعرفة</span>\nهذا القول -وهو أن الإيمان هو العلم، أو الإيمان هو المعرفة- هو قول غالية المرجئة، وهو مضاف إلى الجهم بن صفوان الرجل المعروف باختراع البدع، وهو من كبار أئمة الضلال الذين أجمع السلف على ذمهم وتبديعهم، بل وذهب طائفة إلى تكفيره، وقد قتل، وإن كان اختلف السبب في قتله، ويضاف ما يقارب هذا القول إلى أبي الحسين الصالحي وهو من كبار المرجئة.","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>أنواع العلم</span>\nهنا سؤالان:-\nالسؤال الأول: أليس العلم يعد إيمانًا في كتاب الله ﷾؟\nأليس قد عظم الله شأن العلم به، وقال ﷺ: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، دخل الجنة) وفي قول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]\nوالجواب: أن العلم ينقسم إلى نوعين:\nالنوع الأول: علم إدراك.\nالنوع الثاني: وعلم قبول.\nوالذي عظمه الشارع ووصف المؤمنين به هو علم القبول، وهذا هو الذي وصِف أهل الإيمان به في قول الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨] فالمقصود بالعلم هنا علم القبول لا علم الإدراك، وهو العلم الإيماني.\nوأما علم الإدراك فإنه يقع لغير المسلمين، وهو التصور المحض للشيء، والذي لا يتبعه إذعان وقبول، وهو المذكور عن الكفار في مثل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] فهذه معرفة إدراك لا معرفة قبول، وهذا هو المذكور في قول الله تعالى عن أغلظ الكفار كفرًا وهو فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤]\nوبهذا يتبين ضرورة اعتبار الأسماء في كتاب الله بسياقاتها.\nوقد يقول قائل -مثلًا-: إن الجهل ليس عذرًا في مسألة التكفير؛ لأن الله كفّر الكفار وقد وصفهم بالجهل في آيات كثيرة في كتابه، فقد وصفهم بأنهم أهل جاهلية\nإلى غير ذلك، مما يدل على أن علمهم ليس بلازم، وأن الجهل ليس عذرًا في التكفير، وليس مانعًا من التكفير.\nوهناك أيضًا من ينظر على العكس في هذه المسألة، فيقول: إن الله لم يكفر الكفار إلا بعدما قام عليهم العلم، ولهذا وصفهم بقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]\nفنقول: ألا يصح أن يقال عن القوم الذين قال الله عنهم: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] أو قال عنهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] فأثبت لهم شديدًا من قدر العلم الإدراكي أن هؤلاء في كتاب الله هم أهل الجهل والجاهلية؟\nأليس الله يقول: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] واليهود يدخلون في هذا السياق؟\nإذًا: لهم قلوب لا يفقهون بها، ومع ذلك هم في السياق الآخر يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.\nإذًا: الله ﷾ وصف المشركين بالجهل في مقام، ووصفهم بالإدراك في مقام آخر، فهو ﷾ قد نفى عنهم تحقيق علم القبول، أما علم الإدراك فهو موجود، وإلا لو كان علم الإدراك غير موجود فإن الحجة لن تقوم عليهم، وإذا كان الرسل يبعثون، ولا يقوم على المكلفين العلم الإدراكي، فما معنى أن الرسل بعثت؟! وما معنى أن الحجة قامت؟!\nولهذا لما بعث الله الرسل قامت بهم الحجة؛ لأن المخاطبين حصلوا علم الإدراك، وهذا قول النبي ﷺ: (ما من الأنبياء من نبي إلا قد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر) أي: ما مثله يجب أن يؤمن البشر به.\nوهذه المسألة -وهي اختلاف مورد الأسماء في كتاب الله- يأتي إن شاء الله ذكرها في كتاب شرح حديث الافتراق؛ لأنه يقع عنها كثير من الاختلاف.\nإذًا: العلم الإدراكي يقع للكفار، وأما علم القبول فهو العلم الإيماني.","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>ما هو العلم الذي أراده الجهم في قوله أن الإيمان هو العلم والمعرفة</span>\nالسؤال الثاني: هل أراد الجهم بن صفوان لما قال: إن الإيمان هو المعرفة العلم الإدراكي، أم أراد العلم القبولي ولكنه أخرج العمل منه؟\nهذا أمر متردد فيه، والرجل ليس نزيهًا عن الأخذ عن الفلسفة، ومن المعلوم أن أساطين المتكلمين لخصوا كثيرًا من كلامهم في مسائل أصول الدين عند المسلمين من فلسفة الفلاسفة إما فلسفة اليونان أو غيرهم، وقد كان يقال عند الفلاسفة: إن العلم هو أشرف المقاصد.\nويريدون بالعلم العلم الإدراكي، وليس العلم الذي عنه قبول؛ لأنهم لا يؤمنون بمقام العبودية لله ﷾.\nفإذا قيل: ماذا أراد جهم بقوله هذا؟\nقيل: هذا متردد، ف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يميل في تقاريره -وإن كان لا يصرح به- أن الجهم بن صفوان يذهب إلى أن العلم هنا هو العلم الإدراكي، ولهذا يعريه عن أعمال القلوب والقبول، ويرى أن الإيمان محض معرفة ..\nفهذا فهم لكلام جهم.\nوالفهم الثاني: فهم أبي الحسن الأشعري، فقد قال الأشعري في مقالاته: \"إن جهمًا يقول: الإيمان هو المعرفة والعلم\".\nلكن لما فسر أبو الحسن الأشعري مقالة جهم ضمنها -كما في كتاب مقالات الإسلاميين- معانٍ قلبية كالمحبة والخضوع، فقال: \"فإذا عرف محبةً وخضوعًا كان عنده مؤمنًا\".\nفواضح من تفسير الأشعري لمقالة جهم أن الأشعري يفسر العلم عند الجهم بعلم القبول، ولكنه يغلو في تضييقه حتى يخرج جملة أعمال القلوب منه، ويخرج الأعمال الظاهرة منه.\nفهذا هو التردد في تفسير كلام الجهم.\nوقد تقدم أن شيخ الإسلام إذا أراد تفسير قول الجهم وحده فكأنه يميل في تقريره إلى أن جهمًا يذهب إلى أنه علم إدراكي، ولكن يشكل عليه في كلام شيخ الإسلام نفسه أنه إذا تكلم عن مذهب أبي الحسن الأشعري فإنه يقول: \"إن قول أبي الحسن هذا -أي: أن الإيمان هو التصديق- أصله قول جهم بن صفوان \".\nمع أن أبا الحسن الأشعري قطعًا لا يقصد بالتصديق العلم الإدراكي، وإنما يريد علم القبول، فهل أراد ابن تيمية بهذا التردد في تفسير كلام جهم، أم أنه أراد أن الأشعري يشارك الجهم في الأصل دون التحقيق للقول؟\nهذه مسألة تردد.\nوقد يقول قائل: فما هو الراجح؟ أقول: لا يلزم العلم بالراجح، فـ الجهم أقل من أن نهتم بترجيح إلى أي المذهبين يذهب، لكن المهم أنه يذهب إلى مذهب باطل بدعي\nإلخ؛ فالسلف كـ وكيع وأحمد وعبد الرحمن بن مهدي وأمثالهم جعلوا مقالة جهم بن صفوان كفرًا، وقد نقل هذا شيخ الإسلام وغيره، وهذا ما أشار إليه المصنف في قوله: \"وهذا منسلخ عندنا من قول أهل الملل الحنفية\".","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>حقيقة الخلاف بين مرجئة الفقهاء وبين السلف في مسألة الإيمان</span>\nقبل أن ننتقل عن تقرير الفرق بين قول مرجئة الفقهاء وقول السلف، يمكن أن يلخص هذا الفرق من أوجه؛ لأن هذا الفرق يتلخص عند المتأخرين بجملة من الألفاظ، والمعتبر هو أن تذكر الحقائق المتضمنة لهذا الفرق، فإن بعض الحنفية المنتصرين لقول أبي حنيفة يقولون: إن الخلاف بين أبي حنيفة وأمثاله، وبين العامة من السلف خلاف لفظي، ومنهم من عبر بأن هذا الخلاف من الخلاف الصوري، أما الإمام ابن تيمية ﵀ فإنه يقول: \"إن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي\".\nويقول: \"إن بدعة حماد بن أبي سليمان ومن وافقه من الفقهاء من بدع الأقوال وليست من بدع العقائد\".\nوهذه التعبيرات في حقيقتها ليست تقريرًا للفرق بقدر ما هي أوصاف لهذا المذهب وحقيقة مخالفته.\nأما القول بأن الخلاف لفظي، فهذا تعبير حنفي لم ينتصر له إلا من يعظم قول أبي حنيفة من الأحناف، وهو مائل إلى الإرجاء.\nوهذا التعبير لا شك أنه غلط؛ فإن الخلاف بين الجمهور من السلف، وبين أبي حنيفة وحماد وأمثالهم ليس خلافًا لفظيًا، ولاسيما أن السلف الأول لم يعرفوا هذا المصطلح -وهو مصطلح الخلاف اللفظي- وإنما درج على هذا المصطلح أهل النظر، حيث يعبرون به عن المسائل التي لا ثمرة للخلاف فيها؛ أي: إنما اختلفت الألفاظ ..\nوهذا لا شك أنه غلط، بل الخلاف اللفظي في هذه المسألة إنما هو في جمل الأئمة في تعريف الإيمان، فإن منهم من يقول: الإيمان قول وفعل، ومنهم من يقول: قول وعمل، ومنهم من يقول: قول وعمل ونية ..\nفهذا هو الذي يصح أن يقال: إنه خلاف لفظي؛ لأنه لا ثمرة له، بل المعنى متفق على التمام.\nوأما قول حماد ومن وافقه كـ أبي حنيفة وقول العامة من السلف فإن الخلاف بينهما ليس لفظيًا على هذا التقرير.\nولهذا من عبر بأنه لفظي أو صوري وأطلق فإن قوله هذا غلط وفيه توهم كثير.\nوأما شيخ الإسلام ﵀ فإنه لم يعبر بهذا في شيء من كتبه، وإنما قال: \"إن أكثر الخلاف لفظي\".\nومراده بهذا أن الفقهاء كـ حماد وأمثاله يوافقون السلف في مسألة الأحكام في الآخرة من جهة وعيد أهل الكبائر، ويوافقون السلف في مسألة لزوم الواجبات، وفي الطعن على أهل الكبائر بالفسق\nوأمثال هذه المسائل، ولم يرد الإمام ابن تيمية ﵀ أن الخلاف لا ثمرة له من كل وجه.\nوكذلك قوله ﵀: \"إن بدعتهم -يعني: الفقهاء- هي من بدع الأقوال وليست من بدع العقائد .. \" إنما هو مصطلح متأخر ينبغي أن يفقه على وجهه، فإنه يمكن أن يقال باعتبار آخر: إن بدعة حماد بدعة عقدية، فإنه تكلم في مسألة تعد من أصول العقائد، وإخراج العمل من الإيمان يعد غلطًا صريحًا على الشريعة، وعلى إجماع السلف الأول قبل ظهور مقالة حماد.\nومثل هذه التعبيرات من شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيها نفس متأخر لا يقصد إلى نقدها أو عدم التحقيق لها، وإنما يقصد إلى ضرورة ولزوم فقهها على وجهها؛ حتى لا يفهم من قول شيخ الإسلام ويتبادر إلى ذهن ما أن هذه المسألة مما يسوغ فيها الخلاف أو الاجتهاد، أو أنه لا ينكر على حماد ومن وافقه، أو أن هذا ليس من باب الأصول وإنما هو من باب الفروع ..\nفهذه التبادرات الذهنية لم يردها شيخ الإسلام ﵀، فإننا نجد أن شيخ الإسلام مع أقواله السابقة إلا أنه في مقام آخر يشنع على هذا القول ويقول: \"إن أصحابه خالفوا السنة والكتاب والإجماع الأول -إجماع الصحابة- في إخراجهم العمل عن مسمى الإيمان\"، وقال: \"إن السلف ممن شارك هؤلاء في العصر أو سبقهم قد نصوا على أن العمل أصل في الإيمان ... \" إلى غير ذلك.\nأي: أن ابن تيمية ﵀ يعارض هذا المذهب بشدة.\nفتعبيره السالف في وصفه لهذا المذهب هو وصف يفقه على وجهه، ويمكن أن يقال: إنه يفقه من كلام شيخ الإسلام نفسه في مواضع أخرى.\nوعليه فهذا اصطلاح حين يقال: إن هذا من بدع الأقوال، فمن قال: إن هذه من بدع الأقوال وأراد بذلك أن من قال هذا القول لم يخرج به عن مسمى السنة والجماعة من كل وجه، ولم يصبح من أئمة أهل البدع، فهذا مراد صحيح، وإن أراد به أن المسألة من الفروع، أو مما يسوغ فيه الاجتهاد، أو أنها لم تخالف إجماعًا منضبطًا\nأو ما إلى ذلك فهذا كله غلط.\nوعلى هذا يصح أن يقال: إنها -أي بدعة الفقهاء- من بدع الأقوال، ويصح أن يقال أيضًا: إنها من بدع العقائد.\nومن قال: إنها بدعة عقدية؛ فإنه لا يمكن أن ينازع في قوله هذا، وإنما المهم أن يضبط هذا المراد.\nإذًا تلخص لنا: أن تسمية بدعة حماد بن أبي سليمان ومن وافقه -أو ما يسمى بقول مرجئة الفقهاء- بدعةً قولية أو بدعة عقدية التحقيق فيه أن هذا اصطلاح وصفي، وإنما المهم في شأنه المراد به.\nفمن قال: إنها بدعة قولية، وفسرها من جنس تفسير شيخ الإسلام فهذا صحيح.\nومن قال: إنها بدعة قولية، وأراد بذلك أنها من مسائل الفروع أو مما يسوغ فيه الاجتهاد، أو لم ينضبط للسلف فيها إجماع، أو ما إلى ذلك من الافتراضات، فهذا قول غلط وإن كان اللفظ قد يكون مشتركًا.\nوبعبارة أخرى: أن وصف بدعة الفقهاء بكونها بدعة قولية أو بدعة عقدية، يقال فيه: هذه ألفاظ أو أوصاف مشتركة، فقد يصح في مقام أن يقال: إنها بدعة قولية، وقد يمنع ذلك في مقام آخر، وكذلك تسميتها بدعة عقدية قد يصح في مقام ويمنع في مقام بحسب مراد من تكلم به.\nولهذا ليس المهم عند طالب العلم أن يحرر: هل نقول إنها بدعة قولية أو نقول: إنها بدعة عقدية، إنما المهم أن يحرر المعاني المرادة بهذه الأوصاف.","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>الفروق بين مذهب مرجئة الفقهاء ومذهب السلف في مسألة الإيمان</span>\nأما الفروقات بين مذهب حماد بن أبي سليمان وبين مذهب العامة من السلف فهي كالتالي:\nأولًا: قد تقدم أن في المسألة إجماعًا قطعيًا من السلف قبل ظهور مقالة حماد، ولهذا نقول: هو قول السواد أو الجمهور من السلف باعتبار، ولكن إذا قررنا الإجماع قيل: القول بأن الإيمان قول وعمل، وأن العمل داخل في مسمى الإيمان، هو إجماع للسلف.\nأي: إذا أردنا تقرير الدلائل على هذا القول؛ فإن الدلائل على أن الإيمان قول وعمل وأن العمل داخل في الإيمان، الكتاب والسنة والإجماع القطعي، وليس الإجماع الظني أو السكوتي.\nفإن قيل: لقد سُمي حماد ومن وافقه من أهل السنة ومن السلف!\nقيل: هم كذلك، وهم مخصومون بالإجماع المنضبط الصريح قبلهم؛ ولهذا كان قولهم بدعة، وإلا لو لم يخصموا بالإجماع قبلهم ما كان قولهم بدعة، بل كان من مسائل النزاع والخلاف بين السلف.\nثانيًا: أن حمادًا ومن وافقه لا يذهبون إلى أن العمل أصل في الإيمان، ولا يُدخلون العمل في مسمى الإيمان، فهم لم يدخلوه في مسمى الإيمان فضلًا عن أن يجعلوه أصلًا، وعلى هذا فإن حمادًا ومن وافقه لا يذهبون إلى التكفير بترك العمل سواء كان ترك آحاد من العمل أو ترك جملة العمل.\nوهذا الفرق باعتبار جملة العمل هو فرق لازم، أما باعتبار آحاد العمل فإن فيه تفصيلًا تقدمت الإشارة إليه.\nثالثًا: أن حمادًا خالف صريح الكتاب والسنة؛ فإن الله ورسوله ﷺ أدخلا العمل في مسمى الإيمان.\nفإن قيل: إن هذه مخالفة لفظية.\nقيل: بل هي مخالفة على الحقيقة، فإن تسمية العمل إيمانًا ليس أمرًا لفظيًا، بل له حقيقة شرعية دينية.\nرابعًا: أن السلف يذهبون إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وحمادًا ومن وافقه يجعلون الإيمان على قدر متوحد، وإن لم يكن قولهم هذا مطردًا من جنس اطراد في قول المتكلمين الذين يجعلون الإيمان واحدًا\nإلى أمثال ذلك من الفروقات.\nومن نتائج بعض هذه الفروقات أن أبا حنيفة والأحناف لا يكفرون تارك الصلاة؛ لأن الصلاة عمل.\nومن هنا قيل: إن من لم يكفر تارك الصلاة ينظر في مبنى قوله:\nفإن كان مبنى قوله أن الصلاة عمل والعمل لا يكفر تاركه، فهذا القول بدعة.\nوإن كان معتبر النظر في الأدلة فهذا دائر بين الراجح والمرجوح.","vol":"8","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>مسألة عدم تكفير الإمام مالك والشافعي لتارك الصلاة</span>\nمن المهم هنا أن ننبه إلى مسألة وهي: أن القول بأن مالكًا والشافعي -كما يقول بعض أهل العلم من المعاصرين- لم يثبت عنهما أنهما لم يكفرا تارك الصلاة وأنه من غلط المتأخرين من أصحابهما، قول ليس بصحيح؛ لأمرين:\nالأمر الأول: أن لدى أصحاب مالك إطباقًا -في الجملة- على أن مالكًا لا يكفر تارك الصلاة، فمن المتعذر أن الأصحاب بجملتهم ومحققيهم وطبقاتهم يجمعون على غلط على مالك، بل هذا فيه تكلف وزيادة، وهم علماء وأجلاء وعقلاء، ولاسيما أن كبارًا من المالكية القدماء كانوا يذهبون إلى ذلك ويجعلونه مذهبًا لإمامهم، فمن المتعذر عقلًا أن يطبق المالكية على قول ومالك بريء منه براءة تامة، بل إن مالكًا يجعله إجماعًا على خلافه.\nالأمر الثاني: أن من هو خبير بأقوال الفقهاء والأئمة، وهو من المتقدمين في الجملة، وهو محمد بن نصر، والذي يعتبر من أضبط الناس للخلاف، وقد أشاد به ابن تيمية ﵀ وقال عنه: \"إنه من أضبط الناس لأقوال الأئمة وخلافهم\" يقرر أن هذا قول معروف لـ مالك وجملة من السلف؛ وهو أنهم لا يذهبون إلى كفر تارك الصلاة.\nإذًا من يقول: إن هذا غلط من متأخري المالكية ..\nقوله هذا ليس بصحيح، بل هو توارد عند المالكية وتوارد عند الشافعية، وإن كان هذا المذهب مرجوحًا، لكنه مذهب محفوظ وباق؛ مما يجعل المسألة لا يمكن أن تعد من الأصول التي يبدع فيها المخالف.\nويلزم من يقول: إن الصلاة مجمع عليها أن يكون مالك خالف إجماع السلف، وأن يكون قوله فرعًا عن قول المرجئة\nوما إلى ذلك؛ كما قيل عن حماد بن أبي سليمان.\nوهذه اللزومات ما نطق بها أحد من المحققين لا عن مالك ولا عن الشافعي.\nوكذلك الإمام ابن تيمية ﵀ لم ينكر الخلاف، مع أنه ينتصر لكون ترك الصلاة كفرًا، إلا أنه يقر في الجملة بهذا الخلاف، ولا يطعن فيه، وإنما يطعن في مسألة واحدة، وهي: أن من ترك الصلاة -عند الشافعي ومالك - ودعي إليها فإن أبى قتل.\nقال: \"إن المتأخرين من أصحاب مالك قالوا: يقتل فاسقًا.\nقال: وهذا غلط على مالك، بل هذا إذا قتل لابد أن يقتل كافرًا كضرورة عقلية، فإنه يمتنع أن يصبر على السيف مقابل أن يؤدي صلاة أو صلاتين مما حضر وقتها .. \".\nفهذا ما يقال في هذه المسألة.","vol":"8","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>شرح كتاب الإيمان [٩]</span>\nذم السلف لأهل البدع سنة سلفية ماضية، وهم عند ذمهم لهم إنما يريدون الطعن على بدعتهم، وبيان أحوالهم وما إلى ذلك، لا التقرير لمآلهم في الآخرة، فإنه لم يكن من منهج السلف الاشتغال بمسألة تقرير المآلات في الجملة، وإنما كانوا يكفرون الأعيان الذين استقر وظهر كفرهم.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>باب ذكر ما عابت به العلماء من جعل الإيمان قولًا بلا عمل وما نهوا عنه من مجالستهم</span>\n[قال أبو عبيد: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي عمرو السيباني قال: قال حذيفة: إني لأعرف أهل دينين، أهل ذينك الدينين في النار، قوم يقولون: الإيمان قول، وإن زنا وإن سرق، وقوم يقولون: ما بال الصلوات الخمس؟! وإنما هما صلاتان! قال: فذكر صلاة المغرب أو العشاء وصلاة الفجر.\nقال: وقال ضمرة بن ربيعة يحدثه عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن حميد المقرائي عن حذيفة قارن حديث حذيفة هذا قد قرن الإرجاء بحجة الصلاة، وبذلك وصفهم ابن عمر أيضًا:\nقال أبو عبيد: حدثنا علي بن ثابت الجزري عن ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر قال: صنفان ليس لهم في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية.\nحدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن سلمة بن كهيل قال: اجتمع الضحاك وميسرة وأبو البختري، فأجمعوا على أن الشهادة بدعة، والإرجاء بدعة، والبراءة بدعة.\nقال أبو عبيد: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن الزهري قال: ما ابتدعت في الإسلام بدعة أعز على أهلها من هذا الإرجاء.\nقال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن مهدي بن ميمون عن الوليد بن مسلم قال: دخل فلان (قد سماه إسماعيل ولكن تركت اسمه أنا) على جندب بن عبد الله البجلي فسأله عن آية من القرآن؟ فقال: أحرج عليك إن كنت مسلمًا لما قمت، قال: أو قال: أن تجالسني أو نحو هذا القول).\nقال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب قال لي سعيد بن جبير غير سائله ولا ذاكرًا له شيئًا: لا تجالس فلانًا (وسماه أيضًا) فقال: إنه كان يرى هذا الرأي.\nوالحديث في مجانبة الأهواء كثير، ولكنا إنما قصدنا في كتابنا لهؤلاء خاصة.\nوعلى مثل هذا القول كان سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس، ومَنْ بعدهم من أرباب العلم وأهل السنة الذين كانوا مصابيح الأرض وأئمة العلم في دهرهم، من أهل العراق والحجاز والشام وغيرها، زارين على أهل البدع كلها، ويرون الإيمان قولًا وعملًا].\nفي هذا الباب يذكر المصنف ﵀ ذم السلف لأهل البدع، الذين خالفوا في مسألة الإيمان، وهو مستعمل في كلام السلف ﵏، ومرادهم بذلك:\n١ - الذم لأقوالهم.\n٢ - الذم لأحوالهم.\n٣ - الذم لطوائفهم.\nوإن لم يكن هذا الذم مرادًا به بالضرورة إبانة المآل.\nأي: إن ذم الأئمة لأهل البدع ذمٌ متواتر، وإنما يراد به الطعن على بدعتهم، وبيان أحوالهم وما إلى ذلك، لا التقرير لمآلهم في الآخرة؛ فإن مسألة التقرير للمآلات لم يشتغل بها السلف في الجملة، وإنما كانوا يكفرون الأعيان الذين استقر وظهر كفرهم.\nوننبه إلى أن البعض قد يقول: السلف لا يكفرون الأعيان ..\nوهذا غلط، بل الأعيان هم الواحد من الناس، وكل من ظهر كفره واستقر وبان عليه أمر الله ورسوله الموجب لكفره فإنه يسمى كافرًا، ولا يصح القول: إن السلف لم يكن من طريقتهم التكفير للأعيان، بل يقال: من كفره الله ورسوله، أو ظهر كفره بدليل الشرع فإنه يجب العلم بتكفيره.","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>مسائل متعلقة بذم السلف لأهل البدع</span>\nذم السلف لأهل البدع سنة سلفية ماضية، لكن ينبه فيه إلى مسائل، سواء كان الذم في مسألة الإيمان أو غيرها:\nالمسألة الأولى: أن بعض الناقلين لأقوال السلف زادوا عليها في الذم، كنقل أبي إسماعيل الأنصاري الهروي ﵀ في كتابه: ذم الكلام، فإنه زاد في بعض كلام السلف، أو في النقل عنهم، وهو لم يزد عليهم كذبًا ولكنه زاد عليهم تفسيرًا.\nوهذا يبين أن بعض المتأخرين المنتصرين لمذهب أهل السنة، ممن لم يحقق طريقة الأئمة في هذا الباب، يزيدون بفهمهم لمذهب السلف في ذم المخالفين، وقد نص ابن تيمية ﵀ على أن أبا إسماعيل قد زاد في ذم المخالفين من الجهمية وغيرهم وتكفيرهم.\nالمسألة الثانية: أنه درج في ذم السلف لأهل البدع لفظ التكفير، ولا سيما إذا تكلموا في ذم المخالفين في باب الإلهيات -باب الأسماء والصفات- كالجهمية ومن أنكر الصفات أو عطلها، وعلى جملة من المخطئين في مسائل أخرى من مسائل القدر أو مسائل الإيمان، كتكفيرهم لقول جهم بن صفوان في مسألة الإيمان ونحو ذلك ..\nفهذا التكفير حكم على هذه المذاهب في الجملة بأنها كفر، وإن كان لا يلزم من ذلك أن أصحابها يكونون كفارًا.\nوسيأتي شرح هذه المسألة -إن شاء الله- مستوفى في شرح حديث الافتراق.\nالمسألة الثالثة: أن بعض المصنفين من أهل السنة يذكر بابًا في مصنفه لمثل هذا القول -وهو الذم لأهل البدع أو للمخالفين- ويروي في صدره شيئًا يُرفع إلى النبي ﷺ، كحديث: (القدرية مجوس هذه الأمة) وغيرها من الأحاديث المرفوعة إلى الرسول ﷺ، والتي صرحت باسم بعض طوائف أهل البدع كالقدرية، أو الرافضة، أو المرجئة ..\nوالتحقيق فيها أنه لم يصح عن الرسول ﷺ حديث واحد في تسمية أية طائفة بدعية، لا القدرية ولا المرجئة ولا الرافضة ولا المعتزلة ولا الجهمية، ولهذا لم يعتبرها الأئمة كـ أحمد وأمثاله في ذم أهل البدع، إنما يرويه بعض المتأخرين وبعض من هو دون هذا القدر ممن صنف في السنة والجماعة.\nأما ما ورد من ذم عن بعض الصحابة فلاشك أن بعضه صحيحًا، ولاسيما ذم القدرية؛ فإنه محفوظ عن عبد الله بن عمر وأمثاله.\nوالمقصود: أن هذه الأحاديث من حيث هي مرفوعة إلى النبي ﷺ لا يصح منها شيء، إنما الثابت في وصف النبي ﷺ هو وصفه للخوارج، وهو حديث متواتر متفق عليه.","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>شرح كتاب الإيمان [١٠]</span>\nمعتقد أهل السنة أن مرتكب المعصية لا يصرف عنه مسمى الإيمان، ولا يطلق عليه مسمى الكفر، حتى وإن كان المقصود به كفر النعمة، وقد فرع أهل السنة على مسألة زيادة الإيمان ونقصه أن نفي الإيمان عن مرتكب المعصية لا يقصد به نفي الأصل وإنما نفي الكمال.","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>باب الخروج من الإيمان بالمعاصي</span>\n[قال أبو عبيد: أما هذا الذي فيه ذكر الذنوب والجرائم، فإن الآثار جاءت بالتغليظ على أربعة أنواع:].\nأراد ﵀ بهذا الباب بيان الأوصاف الشرعية في الكتاب والسنة في ذكر الذنوب المخالفة للإيمان؛ فإن الشارع وصفها بأربعة أوصاف سيذكرها المصنف ﵀، ويبين المذاهب في تفسيرها، ثم يبين الصواب عند السلف، وهذا باب فاضل، ولا سيما أن بعض المذاهب التي ذمها المصنف عند ذكره لها قد دخلت على كثير من متأخري أهل السنة، ففسروا ما هو من هذه الأحاديث بها.","vol":"10","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>أنواع الذنوب والمعاصي المخالفة للإيمان</span>\n[فاثنان منها فيها نفي الإيمان، والبراءة من النبي صلى الله عليه، والآخران فيها تسمية الكفر وذكر الشرك وكل نوع من هذه الأربعة تجمع أحاديث ذوات عدة.\nفمن النوع الذي فيه نفي الإيمان حديث النبي صلى الله عليه: (لا يزني الرجل حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن) وقوله: (ما هو بمؤمن من لا يأمن جاره غوائله) وقوله: (الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن) وقوله: (لا يبغض الأنصار أحد يؤمن بالله ورسوله).\nومنه قوله: (والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا) وكذلك قول أبي بكر الصديق ﵁: (إياكم والكذب، فإنه يجانب الإيمان) وقول عمر ﵁: (لا إيمان لمن لا أمانة له) وقول سعد: (كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب).\nوقول ابن عمر: (لا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وإن كان محقًا، ويدع المزاحة في الكذب).\nومن النوع الذي فيه البراءة، قول النبي ﷺ: (من غشنا فليس منا) وكذلك قوله: (ليس منا من حمل السلاح علينا) وكذلك قوله: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا) في أشياء من هذا القبيل.\nومن النوع الذي فيه تسمية الكفر قول النبي ﷺ حين مطروا فقال: (أتدرون ما قال ربكم؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما الذي يقول: مطرنا بنجم كذا وكذا، كافر بي مؤمن بالكوكب، والذي يقول: هذا رزق الله ورحمته مؤمن بي وكافر بالكوكب) وقوله ﷺ: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) وقوله: (من قال لصاحبه: كافر فقد باء به أحدهما) وقوله: (من أتى ساحرًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول أو أتى حائضًا أو امرأة في دبرها فقد برئ مما أنزل على محمد ﷺ، أو كفر بما أنزل على محمد ﷺ) وقول عبد الله: (سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر)، وبعضهم يرفعه.\nومن النوع الذي فيه ذكر الشرك قول النبي ﷺ: (أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر؛ قيل: يا رسول الله! وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء) ومنه قوله: (الطيرة شرك، وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل)، وقول عبد الله في التمائم والتيولة: (إنها من الشرك)، وقول ابن عباس: (إن القوم يشركون بكلبهم! يقولون: كلبنا يحرسنا، ولولا كلبنا لسرقنا)].\nفالنوع الأول: أدلة شرعية ورد فيها نفي الإيمان لموجب عمل.\nومثاله: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة - وهو في الصحيحين-: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)\nوالنوع الثاني: أدلة شرعية ورد فيها البراءة من النبي ﷺ.\nومثاله: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة أيضًا -وهو في مسلم -: (من غش فليس منا).\nوالنوع الثالث: أدلة شرعية ورد فيها تسمية الكفر.\nومثاله: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة أيضًا -وهو في مسلم -: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت) وقوله ﷺ في حديث ابن مسعود -وهو في الصحيحين-: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) وقوله ﷺ في حديث جرير بن عبد الله -وهو في مسلم -: (أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم) وأمثال ذلك.\nوالنوع الرابع: أدلة شرعية ورد فيها تسمية الشرك.\nومثاله: قوله ﷺ في حديث عمر -وهو في الترمذي وغيره-: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).\nفهذه أربعة أوصاف: نفي الإيمان ..\nالبراءة ..\nتسمية العمل كفرًا ..\nتسمية العمل شركًا.","vol":"10","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>مذاهب المخالفين للسلف في نصوص الوعيد</span>\n[فهذه أربعة أنواع من الحديث، قد كان الناس فيها على أربعة أصناف من التأويل، فطائفة تذهب إلى كفر النعمة، وثانية تحملها على التغليظ والترهيب، وثالثة تجعلها كفر أهل الردة، ورابعة تذهبها كلها وتردها.\nفكل هذه الوجوه عندنا مردودة غير مقبولة، لما يدخلها من الخلل والفساد، والذي يرد المذهب الأول ما نعرفه من كلام العرب ولغاتها، وذلك أنهم لا يعرفون كفران النعم إلا بالجحد لأنعام الله وآلائه، وهو كالمخبر على نفسه بالعدم، وقد وهب الله له الثروة، أو بالسقم وقد منَّ الله عليه بالسلامة.\nوكذلك ما يكون من كتمان المحاسن ونشر المصائب، فهذا الذي تسميه العرب كفرانًا إن كان ذلك فيما بينهما وبين الله، أو كان من بعضهم لبعض إذا تناكروا اصطناع المعروف عندهم وتجاحدوه.\nينبئك عن ذلك مقالة النبي ﷺ للنساء: (إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير- يعني الزوج- وذلك أن تغضب إحداكن فتقول: ما رأيت منك خيرًا قط)\nفهذا ما في كفر النعمة.\nوأما القول الثاني المحمول على التغليظ فمن أفظع ما تأول على رسول الله ﷺ وأصحابه أن جعلوا الخبر عن الله وعن دينه وعيدًا لا حقيقة له، وهذا يؤول إلى إبطال العقاب، لأنه إن أمكن ذلك في واحد منها كان ممكنًا في العقوبات كلها.\nوأما الثالث الذي بلغ به كفر الردة نفسها فهو شر من الذي قبله، لأنه مذهب الخوارج الذين مرقوا من الدين بالتأويل، فكفروا الناس بصغار الذنوب وكبارها، وقد علمت ما وصفهم رسول الله ﷺ من المروق وما أذن فيهم من سفك دمائهم.\nثم قد وجدنا الله ﵎ يكذب مقالتهم، وذلك أنه حكم في السارق بقطع اليد، وفي الزاني والقاذف بالجلد، ولو كان الذنب يكفر صاحبه ما كان الحكم على هؤلاء إلا القتل، لأن رسول الله ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه) أفلا ترى أنهم لو كانوا كفارًا لما كانت عقوباتهم القطع والجلد؟ وكذلك قول الله فيمن قتل مظلومًا: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:٣٣] فلو كان القتل كفرًا ما كان للولي عفو ولا أخذ دية، ولزمه القتل.\nوأما القول الرابع الذي فيه تضعيف هذه الآثار فليس مذهب من يعتد بقوله، فلا يلتفت إليه، إنما هو احتجاج أهل الأهواء والبدع الذين قصر عملهم عن الاتساع، وعييت أذهانهم عن وجوهها، فلم يجدوا شيئًا أهون عليهم من أن يقولوا: متناقضة.\nفأبطلوها كلها!].\nأحاديث الوعيد تأتي على جهتين:\n١ - وعيد في الآخرة.\n٢ - وعيد اسمي.\nفالوعيد في الآخرة كقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠] وقول النبي ﷺ: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار)، وقوله ﷺ: (ما أسفل من الكعبين ففي النار).\nوأما الوعيد الاسمي فهو: إخراج مرتكب المعصية عن مسمى اسم شرعي، أو عدم إضافته إلى المسلمين أو إلى المؤمنين أو ما إلى ذلك.\nوهو كقوله ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) وما إلى ذلك.","vol":"10","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>المذهب الأول: من يفسر نصوص الوعيد بأنها من باب كفر النعمة</span>\nالمذهب الأول: هو قول من يذهب إلى تفسير هذه النصوص بأنها من باب كفر النعمة، وقد اعترض المصنف على هذا بأن العرب لا تعرف هذا الطرد ..\nوهذا صحيح؛ فلا يجوز أن تفسر جميع هذه النصوص في جميع مواردها بأنها من باب كفر النعمة؛ لأن كفر النعمة هو الجحد للآلاء\nأو ما إلى ذلك، هذا هو الذي تعرفه العرب.\nولكن ينبه إلى أن المصنف ﵀ لم يرد إبطال هذا التفسير في جميع الموارد، وإنما أراد إبطال الطرد له، وإلا فإن الله يقول: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٢ - ٣] فلا شك أن من خالف فقد كفر شيئًا من النعم.\nإذًا أراد المصنف أن بعض الأحاديث لا تناسب هذا التفسير لغة ..\nوهذا صحيح، أما أن هذا حكم على جميع مواردها ..\nفهذا لم يرده المصنف، وإنما الذي أراد نفيه: أن هذا يسمى في باب كفران النعم.\nوكأن المصنف إنما رفض هذا التفسير طردًا؛ لأنه من جنس تفسير الإباضية من الخوارج؛ فإنهم يحملون أحاديث الوعيد على تفسير واحد، وهو أنها تدل على كفر النعمة، فالجمهور من الخوارج يقولون: مرتكب الكبيرة كافر كفر ملة.\nوالإباضية منهم يقولون: كافر كفر نعمة؛ فالتزموا تفسير جميع هذه الأحاديث بكفران النعمة.\nوهذا الطرد مخالف للغة، ومخالف لطريقة السلف، فقد كان السلف يفسرون كل وعيد من الوعيد الاسمي بحسب ما يقتضيه السياق، فقد يكون السياق يقتضي أنه كفر نعمة فيجعلونه كفر نعمة، وقد يكون السياق يقتضي غير ذلك فيفسرونه بموجبه.\nوقد يقال: إن كل من عصى الله ﷾ فإنه يلزمه أن يكون كافرًا لشيء من نعمه.\nفيقال: إن هذا من باب اللوازم صحيح، ولكن فرق بين تفسير الاسم بحقيقته وتضمنه وبين تفسيره بلازمه؛ فإن الأسماء تفسر بحقائقها المطابقة أو المتضمنة، وأما اللوازم فإنها باب آخر.\nفصحيح أن كل من أتى كبيرة من الكبائر فقد كفر؛ لأن الله لم يجعل الناس إلا أحد شخصين: إما شاكرًا وإما كفورًا، ولكن هذا من باب اللوازم في بعض الموارد، وقد يكون من باب المطابقة في بعض الموارد، وأما جعله مطردًا مطابقًا، فهذا هو الذي أراد المصنف عيبه.","vol":"10","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>المذهب الثاني: من يحملها على التغليظ</span>\nالمذهب الثاني: وهو مذهب من يحملها على التغليظ، وهذا المذهب قد شاع عند بعض المتأخرين من أهل السنة كذلك، ونسبوه إلى السلف، فقالوا: إن السلف يذهبون إلى أن هذه الأحاديث في الوعيد الاسمي -وبعضهم طرد هذا حتى في وعيد الآخرة- إنما هي من باب التغليظ والترهيب، وليست على ظاهرها أو حقيقتها ..\nوهذا القول أيضًا بدعة لم ينطق بها السلف، وإنما موجب إضافتها إلى طائفة من السلف: أنه جاء عن بعض السلف أحرف قد كانت زمن السلف من المفصل، وصارت زمن المتأخرين من المجمل ..\nفقد قال طائفة من السلف -مثلًا-: أمروها كما جاءت.\nوهذا كما قالوا في الصفات، أي: ترك تفسير أحاديث الوعيد، ولما سئل بعضهم عنها قال: هي على ما قال الله ورسوله، وعلى ما أراد الله ورسوله ﷺ.\nفكان بعضهم -أحيانًا- يترك التفسير لها، ففهم من هذا بعض المتأخرين أنهم ما كانوا يذهبون إلى أنها على حقيقتها وظاهرها، فقالوا: إذًا يراد بها الترهيب والتغليظ ..\nفتفسير هذه النصوص بهذا المذهب طردًا وقصرًا هو من باب تفسير المرجئة، بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: \"من التزم أنها ترهيب محض فهذا من جنس تفسير الفلاسفة\".\nأي: من جنس قول المتفلسفة الذين عطلوا الوعيد عن حقيقته، وأنكروا حقيقة الثواب والعقاب الجسماني.\nإذًا هذا قول منكر على هذا الوجه، وإن كانت هذه النصوص -بلا شك- تسمى ترهيبًا، ويراد بها الترهيب والتغليظ، ولكن الذي قصد المصنف وغيره من أئمة السنة إبطاله هو أنه لا يصح أن تقصر على مجرد الترهيب الذي معناه أنها لا حقيقة لها في نفس الأمر.\nومثال ذلك: أن نفي الإيمان الذي ورد في قول الشارع ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) له حقيقة؛ فالزاني لا يسمى مؤمنًا.\nفإن قيل: كيف لا يسمى مؤمنًا؟\nقيل: لأن الإيمان هو ما ذكره الله بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] ومن صفاتهم: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٥] وهذا لم يحفظ فرجه؛ فلا يسمى مؤمنًا، فهذا تطابق مع القرآن وليس مخالفةً له.\nإذًا لا شك أنها تغليظ وترهيب، لكن من قصد أنها تغليظ وترغيب بمعنى أنها لا تفسر، أو أن معانيها غير معلومة، أو أنه لا حقيقة لها ..\nفكل هذه المعاني بدعة من بدع المرجئة، ومن نسبها إلى أحد من السلف فقد غلط عليه.","vol":"10","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>المذهب الثالث: من يجعلها من باب كفر أهل الردة</span>\nالمذهب الثالث: وهو مذهب من يجعلها في باب كفر أهل الردة.\nوهذا المذهب لم يختلط على أحد من أهل السنة؛ فهو معروفٌ أنه قول الجمهور من الخوارج، وقولهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"لم يدخل شيء من مادته على أئمة السنة والجماعة، أو من انتسب إليهم، وإنما الذي دخل شيءٍ من مادته على بعض أئمة السنة ومن اشترك معهم، ونصر مذهبهم، فهو قول المرجئة\".\nإذًا تفسيرها بأنها من باب كفر الردة ..\nهذا لم يقل به أحد من أئمة السنة، ولا أشكل على أحد؛ لأنه مذهب معروف لجمهور الخوارج، وهو قولٌ بدعي، بخلاف التفسير الأول والتفسير الثاني فإن فيهما اشتباهًا كثيرًا، وموجب اشتباههما أنهما ليسا غلطًا محضًا، وإنما الغلط في طردهما أو في القصر عليهما، أو ما إلى ذلك.","vol":"10","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>المذهب الرابع: من يذهبها كلها ويردها</span>\nالمذهب الرابع: وهو مذهب من يذهبها كلها ويردها.\nوهذا قولٌ أشد نكارة من سابقه.\nفإن قيل: فمن الذي يذهب إلى هذا القول؟\nقيل: لم يعرف عن طائفة معينة في المسلمين أنها تبطل سائر الوعيد، حتى من يقول بترك أخبار الآحاد وعدم الاستدلال بها لا يقولون هذا؛ لأن هذا الوعيد مستعمل في القرآن، وقد ذكر المصنف مثالًا له من القرآن، وهو قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]\nإذًا: من هي الطائفة التي ترد كل هذه الأحاديث؟\nهنا يفسر كلام المصنف على أحد وجهين:\nالوجه الأول: أنه أراد الأحاديث؛ لأن أمثلته في الجملة من الأحاديث، وهو في مبدأ كلامه يقول: \"فهذه أربعة أنواع من الأحاديث ... \" إلى أمثال ذلك.\nفإن أراد الأحاديث فكأنه قصد من طعن في هذه الأحاديث، فلا معنى أنها ليست من المتواتر.\nالوجه الثاني: أنه أراد بهذا النوع حتى ما دخل فيه من نصوص القرآن، فالطائفة التي ترد هذا كله ليست طائفة معينة، وكأنه أراد الطوائف البدعية التي لم تحقق هذه الأحاديث، ولم تعتبر حقائقها، وخالفتها في أقوالها\nوما إلى ذلك؛ فيكون من باب المرادات العامة، وليس من باب المرادات الخاصة.\nوننبه هنا إلى أن مسألة تعيين الطوائف ليست أمرًا مقصودًا لذاته.\nونضرب مثالًا على هذا: أنه شاع عن غلاة المرجئة أنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، وأن مرتكب الكبيرة في الآخرة إلى الجنة، وأنه ليس هناك وعيد لأهل الكبائر\nإلى غير ذلك.\nمع أنه لم ينضبط قولًا لأحد من الأعيان، وقد نص الإمام ابن تيمية على هذا في منهاج السنة، وإن كان الأشعري في المقالات وكذلك ابن حزم قد نسبا هذا القول إلى مقاتل بن سليمان، لكن ابن تيمية يقول: \"إن من أهل المقالات من ينسبه إلى مقاتل بن سليمان، ولا يصح ذلك عنه\".","vol":"10","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>مذهب السلف في مرتكب المعصية</span>\n[وإن الذي عندنا في هذا الباب كله أن المعاصي والذنوب لا تزيل إيمانًا، ولا توجب كفرًا].\nقوله: \"لا تزيل إيمانًا\" أي: لا تزيل أصل الإيمان.\n\"ولا توجب كفرًا\" أي: لا توجب كفر الردة، ولا توجب اسم كفر النعمة على الإطلاق، وهذا من فقه المصنف؛ فإنه أراد أن مرتكب الكبيرة لا يصح أن يسمى كافرًا، حتى لو أريد بالكفر كفر النعمة.\n[ولكنها إنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه الذي نعت الله به أهله واشترطه عليهم في مواضع من كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] إلى قوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١١٢] وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:٩ - ١١] وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢ - ٤].\nقال أبو عبيد: فهذه الآيات التي شرحت وأبانت شرائعه المفروضة على أهله ونفت عنه المعاصي كلها، ثم فسرته السنة بالأحاديث التي فيها خلال الإيمان في الباب الذي في صدر هذا الكتاب، فلما خالطت هذه المعاصي هذا الإيمان المنعوت بغيرها، قيل: ليس هذا من الشرائط التي أخذها الله على المؤمنين ولا الأمانات التي يعرف بها أنه الإيمان، فنفت عنهم حينئذ حقيقته ولم يزل عنهم اسمه].\nأي: الإيمان الفاضل الكامل المطلق، المذكور في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] وفي قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] وفي قول النبي ﷺ: (الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة) وقال: (أدناها إماطة الأذى).\nفهذا الإيمان الكامل الفاضل المطلق يتضمن الأركان والواجبات والمستحبات، فلا شك أن مرتكب الكبيرة ينفى عنه هذا الاسم، فهو لا يعتبر ممن قام بالإيمان على التحقيق والتمام.\nوإذا قيل: ما المراد من هذا النفي؟\nقيل: المراد أنه تارك لواجب من واجبات الإيمان، فإن الاسم الشرعي كاسم الإيمان لا ينفى إلا إذا كان المخاطب قد ترك ما هو واجبٌ فيه، وأما تفسير هذا النص بأنه نفي الكمال؛ فإن ابن تيمية يقول: \"إن هذا تفسيرٌ غلط\".\nوقد ذكر ابن تيمية قاعدة وانتصر لها -وهي مستقرأة من كلام السلف- فقال: \"إن الله ورسوله لا ينفي اسم مسمى أمر -أمر الله به ورسوله- إلا إذا ترك بعض واجباته\nثم قال: أما إذا كان الفعل مستحبًا في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب، فإن هذا لو جاز لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج، لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه، وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي ﷺ، بل ولا أبو بكر ولا عمر، فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه لجاز أن ينفي عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل\".\nولهذا يقول: \"فمن قال: أن المنفي هو الكمال.\nفإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة فقد صدق، وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله\" قال: \"والعرب لا تعرف نفي اسم إلا لترك ما هو واجبٌ فيه\".\nوهذا الكلام من شيخ الإسلام كأنه مفرع عن كلام المصنف ﵀؛ فإن المصنف كان يميل إلى هذه القاعدة، كما سيأتي توضيحه.","vol":"10","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>المراد بنفي الإيمان عمن ارتكب بعض المعاصي</span>\n[فإن قال قائل: كيف يجوز أن يقال: ليس بمؤمن، واسم الإيمان غير زائل عنه؟].\n\"غير زائل عنه\" أي: من جهة أصله وليس من جهة كماله، وهذا فرع عن قول السلف: \"إن الإيمان يزيد وينقص\".\n[قيل: هذا كلام العرب المستفيض عندنا غير المستنكر في إزالة العمل عن عامله إذا كان عمله على غير حقيقته، ألا ترى أنهم يقولون للصانعِ إذا كان ليس بمحكمٍ لعمله: ما صنعت شيئًا، ولا عملت عملًا، وإنما وقع معناهم هاهنا على نفي التجويد، لا على الصنعة نفسها، فهو عندهم عاملٌ بالاسم، وغير عامل في الإتقان، حتى تكلموا به فيما هو أكثر من هذا، وذلك كرجلٍ يعق أباه ويبلغ منه الأذى، فيقال: ما هو بولد، وهم يعلمون أنه ابنه من صلبه.\nثم يقال مثله في الأخ والزوجة والمملوك وأنما مذهبهم في هذا المزايلة من الأعمال الواجبة عليهم من الطاعة والبر.\nوأما النكاح والرق والأنساب، فعلى ما كانت عليه أمكانها وأسماؤها، فكذلك هذه الذنوب التي ينفى بها الإيمان، إنما أحبطت الحقائق منه الشرائع التي هي من صفاته، فأما الأسماء فعلى ما كانت قبل ذلك ولا يقال لهم: إلا مؤمنون، وبه الحكم عليهم].\nهذا الكلام يبين أن سبب استشكال كثير من المتأخرين -حتى من أهل السنة- لقول النبي ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) وأمثاله من النصوص إنما هو فساد اللغة، ولهذا وقفوا عند هذا الحديث على قدرٍ من التخريجات، وكل تخريج يُورَد عليه سؤالات وإشكالات ومعارضات، حتى لا يبقى إلا وجه مقارب.\nوالأصل في شرح هذه الأسماء: أنها لا تقال بنوعٍ من الترجيح والظن والاحتمال والتقوية، بل تقال بتفسيرٍ واحدٍ صحيحٍ، فليس هناك مادة لمسألة التردد والاحتمال من جنس ما يقع في تفسير المسائل الفقهية الواقعة في باب العبادات والمعاملات وأمثال ذلك؛ لأن هذه الأسماء أسماء محققة المعاني وليست من محتمل المعاني، ولهذا لم يكن الصحابة يستشكلون مثل هذه الأحرف.\nوهذه قاعدة لابد لطالب العلم أن يتفطن لها، وهو أن الصحابة قد سألوا سؤالات في مواضع للنبي ﷺ، وأما ما نهوا عنه من سؤال رسول الله ﷺ فإنه لم يكن لما يتحصل به الفقه للدين.\nفمن يقول: إن معنى قول أنس وغيره: (نهينا أن نسأل رسول الله عن شيء)، أنهم كانوا ينهون عن السؤال مطلقًا ..\nفهذا غلط على الصحابة.\nفالصحابة إنما نهوا عن السؤال عما سُكت عنه، أو عما لم يأت أمره\nإلى أمثال ذلك، أما أنهم نهوا عن السؤال في أمرٍ لم يفقهوه، بل يسمعون الأحاديث أو يسمعون القرآن ويترددون في المعاني، ويستشكلونها، ومع ذلك أمروا ألا يستفصلوا ولا يتفقهوا ..\nفهذا ليس بصحيح، ولا يجوز أن يضاف إلى نبوة نبي من الأنبياء فضلًا عن نبوة محمدٍ ﷺ.\nإذًا: كان سكوت الصحابة في هذه الأحرف لأنها أحرف بينة، وليست مشتبهة، فهم سكتوا عندما قال رسول الله ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) لأنهم عرب، والعرب يقولون عن الرجل: ليس بشجاع، مع أنه شجاع، أو ليس بعادل مع أنه يعدل أحيانًا، لكن لما ترك العدل في هذه القضية قيل: ليس بعادل ..\nوهلم جرا.\nإذًا: مسألة اللغة أصل في التفسير.","vol":"10","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>الأدلة على أن المراد بنفي الإيمان عمن ارتكب بعض المعاصي نفي كماله لا أصله</span>\n[وقد وجدنا مع هذا شواهد لقولنا من التنزيل والسنة، فأما التنزيل فقول الله جلّ ثناؤه في أهل الكتاب حين قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران:١٨٧]\nقال أبو عبيد: حدثنا الأشجعي عن مالك بن مغول عن الشعبي في هذه الآية قال:\n(أما إنه كان بين أيديهم، ولكن نبذوا العمل به).\nثم أحل الله لنا ذبائحهم ونكاح نسائهم فحكم لهم بحكم الكتاب إذا كانوا به مقرين، وله منتحلين، فهم بالأحكام والأسماء في الكتاب داخلون، وهم لها بالحقائق مفارقون، فهذا ما في القرآن.\nوأما السنة فحديث النبي ﷺ الذي يحدث به رفاعة في الأعرابي الذي صلى صلاة، فخففها فقال له رسول الله صلى الله عليه: (ارجع فصل، فإنك لم تصل) حتى فعلها مرارًا كل ذلك يقول: (فصل) وهو قد رآه يصليها، أفلست ترى أنه مصلٍ بالاسم، وغير مصل بالحقيقة، وكذلك في المرأة العاصية لزوجها، والعبد الآبق، والمصلي بالقوم الكارهين له أنها غير مقبولة.\nومنه حديث عبد الله بن عمر في شارب الخمر: (أنه لا تقبل له صلاة أربعين ليلة) وقول علي ﵇: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) وحديث عمر ﵁ في المقدم ثقله ليلة النفر: (أنه لا حج له) وقال حذيفة: (من تأمل خلق امرأة من وراء الثياب وهو صائم أبطل صومه).\nقال أبو عبيد: فهذه الآثار كلها وما كان مضاهيًا لها فهو عندي على ما فسرته لك وكذلك الأحاديث التي فيها البراءة، فهي مثل قوله: من فعل كذا وكذا فليس منا، لا نرى شيئًا منها يكون معناه التبرؤ من رسول الله ﷺ ولا من ملته].\nقوله: \"فهو عندي على ما فسرته لك\" أي: أنها نفي لتمام الإيمان الواجب.\n[إنما مذهبه عندنا أنه ليس من المطيعين لنا، ولا من المقتدين بنا، ولا من المحافظين على شرائعنا\nوهذه النعوت وما أشبهها.\nوقد كان سفيان بن عيينة يتأول قوله: (ليس منا) أي: ليس مثلنا وكان يرويه عن غيره أيضًا، فهذا التأويل وإن كان الذي قاله إمام من أئمة العلم فإني لا أراه، من أجل أنه إذا جعل من فعل ذلك ليس مثل النبي ﷺ، لزمه أن يصير من يفعله مثل النبي ﷺ، وإلا فلا فرق بين الفاعل والتارك وليس للنبي ﷺ عديل ولا مثل من فاعل ذلك ولا تاركه.\nفهذا ما في نفي الإيمان وفي البراءة من النبي ﷺ إنما أحدهما من الآخر وإليه يؤول].\n\" يتأول\" أي: يفسر، \"ليس مثلنا\" أي: أنه ليس على شريعتنا المحققة الواجبة، ولم يرد سفيان بقوله: \"ليس مثلنا\" أي: أنه ليس كالنبي ﷺ في التمام والإيمان، فإنه لا أحد -حتى من لم يغش- يكون مثل النبي ﷺ، وإنما مراده وأمثاله من السلف: أن هذا التارك لهذا العمل أو الفاعل لهذه الكبيرة قد خرج عن الولاية النبوية العامة، ولهذا أصبح لا يضاف إليه في مثل هذا المقام، وهذا يدل على أن هذه الفعلة كبيرة، أو أنها تركٌ لواجبٍ من واجبات الشريعة.","vol":"10","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>المراد بالكفر والشرك المذكور عن بعض المعاصي التي ليست كفرًا ولا شركًا</span>\nقال: [وأما الآثار المرويات بذكر الكفر والشرك ووجوبهما بالمعاصي، فإن معناها عندنا ليست تثبت على أهلها كفرًا ولا شركًا يزيلان الإيمان عن صاحبه].\nإذًا: ليس المراد بقوله ﷺ: (اثنتان في الناس هما بهم كفر) أي: أنهم كفروا وارتدوا ككفر أبي جهل؛ فإن هذا مجمع على بطلانه.\n[إنما وجوهها أنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركون].\nولا يقال: إنها كفر النعمة باطراد؛ لأنه قد لا يكون المقام مناسبًا، وإنما الغالب على مناسبتها: أن هذه من خصال الكفار، وهذا أضبط من قول: إنها من خصال الكفر.\nفهي من سننهم وأخلاقهم وأفعالهم، أي أنها ليس من سنن المؤمنين، ولا من هدي المرسلين، ولا من طرائق المسلمين، وإنما هي من أفعال الكفار وسننهم، والواجب على المسلمين الهجر لهذا الجنس: وهو ما كان من سنن الكفار وطرائقهم المباينة لسنن المؤمنين، فإن هذا هو تحقيق الولاء والبراء.\nوتسمية النبي ﷺ لهذه الأفعال كفرًا تدل على أن هذه الأفعال من الكبائر المفارقة لتمام السنة ووجوبها.\n[وقد وجدنا لهذين النوعين من الدلائل في الكتاب والسنة نحوًا مما وجدنا في النوعين الأولين.\nفمن الشاهد على الشرك في التنزيل قول الله ﵎ في آدم وحواء عند كلام إبليس إياهما: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف:١٨٩] إلى: ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠]\nوإنما هو في التأويل أن الشيطان قال لهما: سميا ولدكما عبد الحارث.\nفهل لأحدٍ يعرف الله ودينه أن يتوهم عليهما الإشراك بالله مع النبوة والمكان من الله، فقد سمي فعلهما شركًا، وليس هو الشرك بالله.\nوأما الذي في السنة، فقول النبي ﷺ: (أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر) فقد فسر لك بقوله: (الأصغر) أن هاهنا شركًا سوى الذي يكون به صاحبه مشركًا بالله، ومنه قول عبد الله: (الربا بضعة وستون بابًا، والشرك مثل ذلك) فقد أخبرك أن في الذنوب أنواعًا كثيرة تسمى بهذا الاسم وهي غير الإشراك التي يتخذ لها مع الله إله غيره، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فليس لهذه الأبواب عندنا وجوه إلا أنها أخلاق المشركين وتسميتهم وسننهم وألفاظهم وأحكامهم ونحو ذلك من أمورهم.\nوأما الفرقان الشاهد عليه في التنزيل فقول الله جلّ وعز: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] وقال ابن عباس: (ليس بكفرٍ ينقل عن الملة).\nوقال عطاء بن أبي رباح: (كفر دون كفر).\nفقد تبين لنا أنه كان ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باقٍ على حاله وإن خالطه ذنوب، فلا معنى له إلا خلاف الكفار وسنتهم، على ما أعلمتك من الشرك سواء؛ لأن من سنن الكفار الحكم بغير ما أنزل الله، ألا تسمع قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:٥٠] تأويله عند أهل التفسير: أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية، إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون].\nهنا مسألتان في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤].","vol":"10","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>حكم ترك الحكم بما أنزل الله</span>\nالمسألة الأولى: هل ترك الحكم بما أنزل الله كفر مخرج من الملة أم ليس مخرجًا من الملة؟\nهذه المسألة -كما هو معلوم- عند المتأخرين -ولاسيما المعاصرين- مسألة خفض ورفع، فمنهم من يقول: إن ترك الحكم بغير ما أنزل الله كفرٌ بالإجماع، ويستدلون على ذلك ببعض كلام إسحاق بن إبراهيم ﵀ في مثل قوله: \"أجمع أهل العلم أن من دفع شيئًا أنزله الله على نبيه أنه كفر\".\nوهذا كلام لا جدال فيه، وليس هو من المشكلات، بل هو من بدهيات الإسلام، فإن قوله: \" من دفع شيئًا\".\nبمعنى: أباه ورده وطعن فيه أو كذبه، وهذا لا شك أنه كافر؛ ولهذا قال إسحاق ﵀: \"من دفع شيئًا\".\nأي: ولو كان شيئًا واحدًا.\nومعلوم أن ترك الحكم في مسألةٍ واحدة لم يذهب أحد من السلف ولا الخلف إلى أنه كفر يخرج من الملة.\nفتفسير كلام إسحاق لابد أن يكون على وجهه، وهو أن مراده بالدفع هنا الطعن وما إلى ذلك من أوجه الكفر الأكبر كالتكذيب ونحوه، وليس مجرد الترك؛ لأن آحاد الترك بالإجماع ليس كفرًا.\nبقي إجمالٌ في هذه المسألة وليس تفصيلًا: هل الحكم بغير ما أنزل الله يعد كفرًا مخرجًا من الملة، أم أنه كفر دون كفر؟\nيقال: هذا المعنى -وهو الحكم بغير ما أنزل الله- معنى له إطلاقٌ وله تقييد، وفيه قدرٌ يخرج من الملة، وقدرٌ لا يخرج من الملة.\nوالنتيجة من هذا: أن الإطلاق في هذه المسألة ليس فاضلًا، وإنما كان السلف يطلقون على مراداتهم من المعاني، بمعنى: أن ثمة صورًا من الحكم بغير ما أنزل الله يُعلم ضرورةً أنها كفر مخرجٌ من الملة، وثمة صور تسمى حكمًا بغير ما أنزل الله، ومع ذلك نعلم إجماع السلف على أنها ليست من الكفر المخرج من الملة كبعض الآحاد وأمثال ذلك.\nوهنا صور قد تكون من باب التردد والمشتبه الذي يتردد المجتهدون في إلحاقه: هل يسمى كفرًا مخرجًا من الملة أو ليس كذلك؟\nولذلك يوجد في تفسير السلف ﵏ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] وما شابهه من الآيات في سورة المائدة يوجد فيه بعض التعدد، وهذا من باب التنوع؛ فإن من السلف من حمل ذلك على الكفر الأكبر وعلقوه بالاستحلال وأمثال ذلك ..\nوهذا من باب أن ثمة صورًا من الحكم بغير ما أنزل الله تعد من الكفر المخرج من الملة، وأن الاستحلال أحد هذه الصور، وثمة صور أخرى تعرف بالدلائل الشرعية.\nلكن ثمة صور من الحكم بغير ما أنزل الله تسمى حكمًا بغير ما أنزل الله هي بإجماع السلف وبدلائل الشريعة لا تعد من الكفر المخرج من الملة.\nوثمة صور -أيضًا- هي محل تردد واجتهاد، وقد يقع لها قدرٌ من الاشتباه، وهذا بحسب مقامات العلماء.\nوعليه: فالقصد إلى التزام حرفٍ واحد، وهو: أن الحكم بغير ما أنزل الله مخرج من الملة، وهذه طريقة السلف، ثم يأتي مقابل ذلك من يقرر من السلفيين الفضلاء أن الحكم بغير ما أنزل الله ليس مخرجًا من الملة عند السلف، يؤدي إلى مثل هذا التعارض ..\nفإذا قيل: إن من السلف من حمل تفسير الآية على المخرج من الملة، ومنهم من حمله على غير المخرج من الملة.\nقيل: هذا بحسب فهم السلف للمراد من السياق، فمنهم من فهمه على مراد لا يخرج من الملة فسر الآية به، ومنهم من حمله على مراد يخرج من الملة ففسر الآية به.\nولو فرُض جدلًا أن السياق المراد في كلام الله على أحد الصورتين، فإن هذا لا ينفي وجود الصورة الأخرى.\nأي: لو فرض أن السياق في ذكر الكفر الأكبر، قيل: لا شك أن ثمة حكمًا بغير ما أنزل الله يسمى كفرًا أكبر، فإن اليهود والنصارى كفار، وهم لا يحكمون بغير ما أنزل الله، ويسمى فعل اليهود والنصارى حكمًا بغير ما أنزل الله مخرجًا لهم من ديانة المسلمين وديانة المرسلين، وهو كفرٌ بالكتاب\nإلى غير ذلك.\nوقد يراد بالآية ما هو من أخلاق المشركين أو ما إلى ذلك، فهذا هو الكفر الذي دون كفر، ولهذا تعدد تفسير السلف.\nوعليه إذا قيل: هل تفسير السلف لهذه الآية من باب خلاف التضاد؟\nقد يقال: ظاهره أنه من باب خلاف التضاد؛ لأن منهم من يقول: كفرٌ دون كفر، ومنهم من يقول: كفرٌ أكبر -وهو الكفر بالله-.\nلكن الصواب: أنه خلاف تنوع؛ لأن من يقول: إنه كفرٌ دون كفر أراد به صورًا لا ينازع الآخر أنها ليست من الكفر بالله، ومن قال: إنه كفرٌ بالله في من استحل أو كذّب أو أنكر أو عظمَّ شرع غير الله على شرع الله، أو نحو ذلك من الصور، فهنا لا يمكن أن يقال: إن ابن عباس وأصحابه الذين قالوا: كفرٌ دون كفر ينازعون في أن هذا كفرًا أكبر، ويلتزمون فيه أنه كفرٌ دون كفر.\nإذًا: إنما صار وجه الخلاف كالتضاد؛ لأن المرادات مختلفة، وهذا يبين لك أن المسألة عند السلف -وبحسب أدلة الشريعة- لها صور، بعضها كفر أكبر كحكم اليهود والنصارى، أو غيرهم من أجناس الكفار الذين يكذبون شرع الله، أو يعظمون غيره عليه، أو يستحلون، أو ما إلى ذلك من الصور.\nوبعضها -كآحاد المسائل- ليس من الكفر بإجماع أهل العلم، وهذا كالقاضي أو الحاكم إذا حكم في مسألة واحدة، كأن أتاه قريب له سارقٌ فما قطع يده، وقال: يكفي فيه التعزير ..\nفإن هذا حكم بغير ما أنزل الله لكنه بالإجماع لا يكفر، إلا إذا كان مكذبًا للنص، وهذه مسألةٌ أخرى.\nوهناك صور -كما تقدم- محل تردد، وهذه الصور التي هي محل تردد أهم ما يقال من الواجب فيها: أنه لا ينبغي أن يخوض فيها بالتقرير إلا أهل العلم والبصيرة العارفون بالسنن والشرائع وهدي السلف والمصالح وما إلى ذلك.","vol":"10","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>تضعيف البعض لأثر ابن عباس: أن ترك الحكم بما أنزل الله كفر دون كفر</span>\nالمسألة الثانية: وهي أن بعض من تكلم عن هذه المسألة -ولا سيما ممن ينزع إلى أن المقصود بالآية الكفر الأكبر المخرج من الملة- إذا ورد عليه ما روي عن ابن عباس أنه كفرٌ دون كفر، قال: هذا لم يصح عن ابن عباس، ومعتبره في عدم الصحة: أن الأسانيد التي روى بها ابن جرير في تفسيره هذه الآثار عن ابن عباس وأصحابه أسانيد منقطعة، وفيها إعلال من وجهٍ آخر.\nوعلى هذا يقول من يقول ممن يفسر الحكم بغير ما أنزل الله أنه كفر أكبر: إن هذا لم يصح عن أحدٍ من السلف، ونسبته إلى ابن عباس وأصحابه غير صحيحة لانقطاع إسنادها.\nوهذا غلط، بل الصواب: أن هذا قولٌ معروفٌ لـ ابن عباس.\nفإن قيل: فالإسناد عند ابن جرير ليس بصحيح أو منقطع أو ما إلى ذلك من التعبيرات.\nقيل: وليكن ذلك، ومن قال إن مدار أقوال ابن عباس على إسناد ابن جرير.\nفإن قيل: فيلزم على هذا أن إثبات إسناد آخر غير ما ذكر ابن جرير يصح إلى ابن عباس.\nقيل: إما أن يلزم هذا أو يكتفى بتصريح الأئمة بأن هذا قول لـ ابن عباس ..\nوهذا هو الذي يجزم به، فإنه لم يقع لي إلى الآن أن أتأكد من وجود أسانيد أخرى لـ ابن عباس.\nلكن الذي يجزم به أن هذا قولٌ معروف ل ابن عباس.\nووجه الجزم به: أن الأئمة الكبار كانوا يعتبرونه قولًا لـ ابن عباس، فالإمام أحمد كان يقول بهذا القول في بعض تفسيره للآية وينسب هذا القول إلى ابن عباس.\nوالإمام البخاري يفسر الآية بهذا التفسير ويضيف هذا القول إلى ابن عباس، والمصنف كذلك -وهو من أهل الحديث والفقه واللغة- يرويه إلى ابن عباس.\nوبهذا يظهر أن جملة من السلف نصوا على أن هذا قولٌ لـ ابن عباس، وأن الإسناد الذي عند ابن جرير إنما هو أحد الأسانيد، ومن المعلوم أن بعض الأحاديث لها عند بعض المحدثين أسانيد مظلمة، مع أن الحديث قد يكون من الأحاديث المتفقة عليها بين أهل الحديث.\nإذًا: إسنادٌ واحد ليس مقياسًا للصحة أو للضعف كما هو معروفٌ عند أهل العلم.\nثم إنه في الجدل والنظر: من الذي يمنع أن ابن عباس يريد هذا؟ هل ابن عباس أراد أن الحكم بغير ما أنزل الله في جميع صوره ليس كفرًا مخرجًا من الملة؟ هذا ليس مراده، ويمتنع أن ابن عباس وغيره من أهل العلم دونه يريدون ذلك، إنما أراد أن منه صورًا ليست مخرجة من الملة، وهذا ليس محل جدل.\nفهذه الصور التي ليست مخرجة من الملة، وهي حكم بغير ما أنزل الله هذا لا يوجب إلا شيئًا واحدًا، وهو أنها تسمى كفرًا، ولهذا قال ابن عباس: كفر دون كفر.","vol":"10","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>تسمية الشارع لبعض الأعمال كفرًا أو نفاقًا مع عدم كفر فاعلها</span>\n[وهكذا قوله: (ثلاثةٌ من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة، والأنواء) ومثله الحديث الذي يروى عن جرير وأبي البختري الطائي: (ثلاثةٌ من سنة الجاهلية: النياحة، وصنعة الطعام، وأن تبيت المرأة في أهل الميت من غيرهم) وكذلك الحديث: (آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعدَ أخلف، وإذا اؤتمن خان)، وقول عبد الله: \"الغناء ينبت النفاق في القلب\"].\nتحصّل من هذا أن النبي ﷺ سمى بعض الأعمال كفرًا أو نفاقًا، كقوله: (آية المنافق ثلاث) في حديث أبي هريرة في الصحيحين، وفي وجه عند مسلم: (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم)، وفي حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه: (أربعٌ من كُنّ فيه كان منافقًا خالصًا).\nوليس مراده ﷺ بالمنافق هنا المنافق النفاق الأكبر الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥].\nفإن قيل: قوله ﷺ: (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم) مشكل؛ لأن هذا اللفظ كأنه إخراج له عن الإسلام، أو حكمٌ عليه بالنفاق.\nقيل: لكن الواقع ليس كذلك؛ فإن الأسماء قد تتوارد على مسمىً واحد ويكون المقامُ مختلفًا؛ ولهذا صاحب الكبيرة نسميه مؤمنًا في مقام، ونسميه مسلمًا في مقام، ونسميه فاسقًا في مقام آخر.\nفإنه إذا ما أريد العتاق أو التوارث -مثلًا- قيل عن مرتكب الكبيرة: إنه مؤمن، على قول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] فإنه لو أعتق فاسقًا صح بالإجماع، وهو معنى قول النبي: (أعتقها؛ فإنها مؤمنة).\nوإذا أريد بيان ما هو عليه من الكبيرة، والمفارقة للسنة والشريعة، وبيان الطعن عليه لإسقاط عدالته أو لذمه أو لذم فعله أو أمثال ذلك سمي فاسقًا.\nوإذا اعتبر الأصل فيه سمي مسلمًا.\nوإذا تبين أن هذه الأسماء الثلاثة تستعمل في حق صاحب الكبيرة؛ فإنه يقال بعد ذلك: الأصل فيه اسم الإسلام.\nوأما من يقول: الأصل فيه اسم الفسق، فهذا خطأ؛ فإن الصحابة ما كانوا يلتزمون تسمية كل من أتى جرمًا أو كبيرةً باسم الفسق، حتى لا يذكر بالإسلام في شيء.\nلكنه يسمى فاسقًا إذا اقتضى الأمر ذلك؛ وذلك إما بيانًا لعدالته أو ذمًا له أو لفعله أو ما إلى ذلك.\nوكذلك يسمى مؤمنًا إذا اقتضى الأمر ذلك أو دخل في جملة الخطاب، كقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:١٠٤] فإنه يدخل في ذلك كل مسلم ولو كان فاسقًا.","vol":"10","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>حكم تسمية بعض الكبائر كفرًا أو نفاقًا قياسًا على تسمية الشارع لبعض المعاصي كفرًا أو نفاقًا</span>\nهنا مسألة، وهي: أن الشارع سمى بعض الأعمال نفاقًا أو كفرًا، فهل يصح أن تسمى بعض الكبائر كفرًا أو نفاقًا من باب الطرد للتسمية، أم أنه يجب الاقتصار على تسمية الشارع؟\nمثلًا: لو أن قائلًا قال: إن النبي ﷺ قال: (أيما عبدٍ أبق من مواليه فقد كفر) وهنا كبائر مثل إباق العبد أو أشد منه، فكما سمى الشارع إباق العبد كفرًا ساغ لنا أن نسمي ما كان أشد منه مخالفة لله ولرسوله كفرًا؟\nقيل: هذا لا يصح؛ لأن الشارع إنما سمى ما سماه من الأقوال أو الأعمال كفرًا أو نفاقًا مع عدم خروج صاحبها من الملة؛ لأنه اعتبر في ذلك القدر والمناسبة.\nويظهر اعتبار الشارع للقدر - أي: لقدر الذنب- بعدم تسميته صغيرة من الصغائر كفرًا أو نفاقًا، بل كل ما سماه كفرًا أو نفاقًا هو من الكبائر.\nأما وجه اعتبار المناسبة فالمقصود مناسبة العمل للاسم الذي سمي به، ولهذا نرى المناسبة واضحة في تسمية الإباق كفرًا؛ وذلك لأن على العبد لأهله نعمة، وهو ملك لهم\nإلى غير ذلك.\nإذًا الشارع إنما سمى ما سماه اعتبارًا للقدر واعتبارًا للمناسبة، وفي هذا التقرير منعٌ للقياس والطرد كما يستعمله ابن القيم ﵀؛ فإنه ليس بصحيح.\nومما يبين ذلك أن النبي ﷺ استخدم التفصيل في حديث ابن مسعود في الصحيح فقال: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر).\nولهذا خالف العامة من السلف الحسن البصري فيما روي عنه أنه يسمي الفاسق منافقًا، وإن أراد بذلك أنه منافق النفاق الأصغر.\nوبهذا يتبين أن الصواب هو الاقتصار على تسمية الشارع، فلا يسمى عملٌ أو قولٌ أنه كفرٌ أو نفاق إلا إذا كان الله أو رسوله ﷺ سماه كذلك، وأما القياس فليس بصحيح؛ لأن مبنى ذلك على القدر والمناسبة، والعلم بالمناسبة هو من خصائص صاحب الشريعة، فهو الذي يضبط المناسبات.\nوأما الناس فإنهم يسمون الأعمال بمطلقها، وإذا انغلق هل يسمى نفاقًا أو يسمى كفرًا أو ما إلى ذلك؟\nقيل: لقد أورد الشارع أسماء مطلقة في الكبائر كاسم المعصية، والفسق، فيصح أن تسمى أي كبيرة معصية أو فسقًا، أما تسميتها كفرًا ونفاقًا فهذا مختص بتسمية الشارع.\n[ليس وجوه هذه الآثار كلها من الذنوب أن راكبها يكون جاهلًا ولا كافرًا ولا منافقًا وهو مؤمن بالله وما جاء من عنده، ومؤدٍ لفرائضه، ولكن معناها أنها تتبين من أفعال الكفار محرمة منهي عنها في الكتاب وفي السنة، ليتحاماها المسلمون ويتجنبوها فلا يتشبهوا بشيء من أخلاقهم ولا شرائعهم، ولقد روي في بعض الحديث: (إن السواد خضاب الكفار) فهل يكون لأحد أن يقول: إنه يكفر من أجل الخضاب؟! وكذلك حديثه في المرأة إذا استعطرت ثم مرت بقوم يوجد ريحها (أنها زانية) فهل يكون هذا على الزنا الذي تجب فيه الحدود؟ ومثله قوله: (المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان).\nأفيتهم عليه أنه أراد الشيطانين الذين هم أولاد إبليس؟! إنما هذا كله على ما أعلمتك من الأفعال والأخلاق والسنن.\nوكذلك كل ما كان فيه ذكر كفر أو شرك لأهل القبلة فهو عندنا على هذا، ولا يجب اسم الكفر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبه للردة إلا بكلمة الكفر خاصة دون غيرها، وبذلك جاءت الآثار مفسرة.\nقال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية عن جعفر بن برقان عن ابن أبي نشبة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: (ثلاث من أصل الإسلام: الكف عن من قال لا إله إلا الله، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض من يوم بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار كلها).\nقال أبو عبيد: حدثنا عباد بن عباد عن الصلت بن دينار عن أبي عثمان النهدي قال: دخلت على ابن مسعود وهو في بيت مال الكوفة فسمعته يقول: (لا يبلغ بعبد كفرًا ولا شركًا حتى يذبح لغير الله أو يصلي لغير الله).\nقال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان قال: (جاورت مع جابر بن عبد الله بمكة ستة أشهر، فسأله رجل: هل كنتم تسمون أحدًا من أهل القبلة كافرًا؟ فقال: معاذ الله! قال: فهل تسمونه مشركًا؟ قال: لا)].","vol":"10","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>شرح كتاب الإيمان [١١]</span>\nالذنوب والمعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر، أما صغائر الذنوب فإنها تكفر بأمور مطردة، من أهمها: ترك الكبائر، ومحض المغفرة، وآحاد الأعمال الصالحة وغيرها، وأما الكبائر فإنها تكفر بالتوبة، ويمكن أن تكفر بالأعمال الصالحة أيضًا، ولكن ليس على إطلاقه، بل بحسب تحقيقها وبحسب حال صاحب الكبيرة.","vol":"11","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>باب ذكر الذنوب التي تلحق بالكبائر بلا خروج من الإيمان</span>\nقال المصنف ﵀: [باب ذكر الذنوب التي تلحق بالكبائر بلا خروج من الإيمان].\n[قال أبو عبيد: حديث النبي ﷺ: (لعن المؤمن كقتله) وكذلك قوله: (حرمة ماله كحرمة دمه) ومنه قول عبد الله: (شارب الخمر كعابد اللات والعزى) وما كان من هذا النوع مما يشبه فيه الذنب بآخر أعظم منه، وقد كان في الناس من يحمل ذلك على التساوي بينهما، ولا وجه لهذا عندي، لأن الله قد جعل الذنوب بعضها أعظم من بعض فقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١] في أشياء كثيرة من الكتاب والسنة يطول ذكرها، ولكن وجوهها عندي أن الله قد نهى عن هذه كلها وإن كان بعضها عنده أجل من بعض، يقول: من أتى شيئًا من هذه المعاصي فقد لحق بأهل المعاصي، كما لحق بها الآخرون، لأن كل واحد منهم على قدر ذنبه قد لزمه اسم المعصية، وإن كان بعضهم أعظم جرمًا من بعض، وفسر ذلك كله الحديث المرفوع حين قال: (عدلت شهادة الزور الإشراك بالله، ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠]) فقد تبين لنا الشرك والزور، وإنما تساويا في النهي نهى الله عنهما معًا في مكان واحد، فهما في النهي متساويان وفي الأوزار والمأثم متفاوتان، ومن هنا وجدنا الجرائم كلها، ألا ترى السارق يقطع في ربع دينار فصاعدًا وإن كان دون ذلك لم يلزمه قطع؟ فقد يجوز في الكلام أن يقال: هذا سارق كهذا، فيجمعهما في الاسم وفي ركوبهما المعصية، ويفترقان في العقوبة على قدر الزيادة في الذنب، وكذلك البكر والثيب يذنبان فيقال: هما لله عاصيان معًا، وأحدهما أعظم ذنبًا وأجل عقوبة من الآخر، وكذلك قوله: (لعن المؤمن كقتله) إنما اشتركا في المعصية حين ركباها، ثم يلزم كل واحد منهما من العقوبة في الدنيا بقدر ذنبه، ومثل ذلك قوله: (حرمة ماله كحرمة دمه) وعلى هذا وما أشبه أيضًا.\nقال أبو عبيد: كتبنا هذا الكتاب على مبلغ علمنا، وما انتهى إلينا من الكتاب، وآثار النبي ﷺ، والعلماء بعده، وما عليه لغات العرب ومذاهبها، وعلى الله التوكل، وهو المستعان].\nهذا الباب إشارةٌ من المصنف إلى أن الكبائر درجات وليست واحدة، وهو إشارة من وجهٍ آخر إلى أن ما سماه الشارع كفرًا أو نفاقًا، أو نفى اسم الإيمان عن صاحبه، أو ذكر البراءة منه في الجملة أعظم من غيره، وهذا حكمٌ مجمل، ولا يلزم منه أن يكون حكمًا مفصلًا.\nوأما ما قرره بعض المتأخرين من أن ما سماه الشارع نفاقًا أو سماه كفرًا أعظم مما كان من الكبائر مما لم يسم في كلام الله أو رسوله بهذا الاسم، فهذا خطأ.","vol":"11","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>مسالك العلماء في تسمية بعض الكبائر كفرًا قياسًا على تسمية الشارع لبعض المعاصي كفرًا</span>\nبهذا التفصيل يظهر أن الأحاديث التي فيها تسمية بعض الأقوال أو الأفعال كفرًا أو نفاقًا فيها مسلكان -كلاهما فيه نظر- لبعض أصحاب السنة المتأخرين:\nالمسلك الأول: هو طرد التسمية على باب القياس، وهذا المسلك ليس بصحيح.\nالمسلك الثاني: هو التزام أن ما سميّ من الأعمال كفرًا أو نفاقًا يكون في الشدة والتحريم والتغليظ أعظم مما لم يسم كذلك.\nوهذا -أيضًا- خطأ، وهو فرعٌ عن الخطأ الأول؛ لأن هؤلاء اعتبروا أن تسمية الشارع عملًا ما كفرًا إنما هي لاعتبار القدر فقط، لكن إذا عُلم أن الشارع إنما سمى هذا لاعتبار القدر والمناسبة ظهر أنه لا يلزم أن ما لم يسم كذلك يكون بالضرورة أخف.\nمثلًا: قال النبي ﷺ: (أيما عبدٍ أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم) لكنه لم يسم من قتل نفسه منافقًا أو كافرًا -وإن كان سمى قتل الآخرين من المسلمين، فقال: (لا ترجعوا بعدي كفارًا) - مع أن قتل المؤمن أو المسلم لنفسه -بلا شك- أعظم من إباق العبد أو من الكذب الذي سمي نفاقًا، ومثل هذا أكل الربا\nوما شابهه.\nوالمقصود: أن هذا الالتزام ليس بصحيح، فهذه أسماء، والأسماء معتبرة بمقاماتها في كلام الله ورسوله، والوعيد يقدر قدره بحسب تغليظ الشارع عليه في الدنيا والآخرة.","vol":"11","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر</span>\nأما تقسيم الذنوب فإنها تنقسم إلى صغائر وكبائر، وهذا هو صريح القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء:٣١] وقوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] إلى غير ذلك.\nأما قول بعض المتكلمين من أصحاب أبي الحسن: إن الذنوب جميعها كبائر -وقد نسب هذا القول إلى بعض أهل السنة- فإن أرادوا به الإبطال لمقام الذنوب، وأن منها ما هو صغائر ومنها ما هو كبائر على ما ذكر في الكتاب والسنة فهو بدعة لفظًا ومعنى.\nوان أرادوا أن الذنوب جميعها كبائر باعتبار أنها خطأ أو تقصير في مقام الله ﷾ ومخالفة له إلى غير ذلك ..\nفهذا المعنى صحيح، لكن اللفظ خطأ.\nوالصواب -وهو الذي حكيّ الإجماع عليه، وهو الصريح في كتاب الله-: أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر.","vol":"11","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>بماذا تكفّر الصغائر والكبائر</span>؟\nأما ما تكفّر به الذنوب الصغائر تكفر بأمورٍ مطردة، من أهمها: ترك الكبائر، ومحض المغفرة، وآحاد الأعمال الصالحة، وغير ذلك ..\nوهذه مسألة بينة.\nأما الكبائر فإنها تكفر بالتوبة، وهذا محل إجماع، لأن التوبة تكفر ما هو أشد من ذلك وهو الكفر والشرك.\nلكن بقي سؤال: هل الكبائر تكفر بالتوبة فقط، أم أنها قد تكفر بغير ذلك؟\nهنا مقامان:\nالمقام الأول: مقام الموافاة.\nويقصد بالموافاة أي: موافاة العبد لربه بكبيرته.\nالمقام الثاني: مقام الجزاء.\nوأما مقام الجزاء فقد اتفق أهل السنة -متقدموهم ومتأخروهم- على أن أصحاب الكبائر تحت المشيئة، وقد أجمع السلف وأئمة السنة على أن طائفةً من أهل الكبائر يعذبون، وأن طائفةً أخرى يغفر لهم ..\nوهذا هو الفرق بين مذهب السلف وبين مذهب المرجئة الواقفة كـ أبي الحسن وجمهور أصحابه؛ فإن المرجئة الواقفة يقولون: إن أهل الكبائر تحت المشيئة، لكن قد يغفر لجميعهم، وقد يعذب جميعهم ثم يخرجون إلى الجنة، وقد يغفر لطائفة وتعذب طائفة، ويقول غلاتهم: قد يعذب الأكثر حسنات، ويغفر للأكثر سيئات.\nلكن الصواب: أنهم تحت المشيئة، مع القطع أن طائفة تعذب، وطائفة لا تعذب، بل يغفر لها، إما بمحض مغفرة الله أو بشفاعة النبي ﷺ أو نحو ذلك، وهذا مثبت في أحاديث الشفاعة الصريحة المتواترة.\nوهذا الفرق محل إجماع عند السلف نص عليه شيخ الإسلام وغيره.\nأما باعتبار الموافاة: فهل كلُ من لم يتب من كبيرته يقال: إنه يوافي ربه بالكبيرة ثم قد يغفر الله له وقد يعذبه، أم أن هذه الكبيرة قد تغفر بغير التوبة ولا يوافي العبد بها ربه؟\nالمشهور في تقرير كثيرٍ من متأخري أهل السنة ويحكون الإجماع عليه: إنه يوافي ربه بالكبيرة، ثم قد يغفر الله له وقد يعذبه، حتى إن ابن عبد البر مع إمامته وجلالته وتحقيقه يحكي الإجماع على ذلك.\nوالصواب: أن الذي دلت عليه الدلائل وانتصر له الإمام ابن تيمية هو: أن الكبيرة قد لا يوافي العبد بها ربه وإن لم يتب منها.\nقال: \"وعقوبة الذنب والموافاة به تسقط بالتوبة بالإجماع، ولكن قد تكفر الكبيرة بغير التوبة\".","vol":"11","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>الأعمال التي تكفّر بها الكبائر</span>\nما هي الأمور التي قد تكفر بها الكبائر؟\nالحسنات الماحية، ويرادُ بها الأعمال الصالحة: كالصلاة، والجهاد، والحج ..\nوأمثال ذلك.\nأما الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر في التمهيد وغيره، حيث قال: \"أجمع أهل العلم على أن المراد بتكفير الصلاة والحج وأمثالها أنها تكفر الصغائر\".\nفهذا الإجماع إذا أريد به أن الذي يطرد تكفيره بالأعمال الصالحة كالصلاة وغيرها هو الصغائر ..\nفهو إجماعٌ صحيح.\nأما إذا أريد به أن الأعمال الصالحة كالصلاة وغيرها لا يمكن أن تكفر كبيرة من الكبائر ..\nفهذا الجزم غير صحيح.\nأليس الله ﷾ يغفر الكبيرة للعبد وإن لم يتُب منها إنما بمحض رحمته وسعة فضله؟\nإذًا: من باب أولى إذا اقترن بها سببٌ من العبد وهو أعمالٌ صالحة.\nوقد تكلم النبي ﷺ بكلام لا يفقه في اللسان العربي إلا على مراد، فقد قال النبي ﷺ: (من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) فإذا جاء البيت رجلٌ صالح في جمهور أمره، أي: هو على التمسك بالسنة والشريعة والحدود وما إلى ذلك، ولكن عرضت له كبيرة، ثم حقق الحج تحقيقًا فاضلًا، وتقرب إلى الله رغبًا ورهبًا، فهل يمكن أن يقال: أجمع أهل السنة والجماعة على أن هذا يوافي ربه بكبيرته ما لم يتب منها، وأن الحج لا يمكن أن يكفرها؟\nلا يمكن هذا الجزم، بل هو تكلف وقدر من الزيادة في الجزم بأحكام الله ﷾، وبأحكام نبيه ﷺ.\nومن المعلوم أن عمرو بن العاص -كما ثبت في الصحيح من حديث عبد الرحمن بن شماسة - لما جاء إلى النبي ﷺ مبايعًا على الإسلام، وبسط يده لمبايعة النبي ﷺ، قال: (فقبضتُ يدي.\nفقال النبي: ما لك يا عمرو؟ قال: أردتُ أن أشترط.\nقال: تشترط ماذا؟ قلتُ: أشترط أن يغفر لي) ومن الواضح أن عمرًا ﵁ لم يكن يتكلم عن الصغائر؛ لأنه لم يكن في قاموس الجاهليين صغائر، بل كان يتكلم عن الجرائم ..\nوالكبائر الموبقات، فقال له رسول الله ﷺ: (يا عمرو! أما علمت أن الإسلام يهدم -وفي رواية: يجُب- ما كان قبله، وأن الحج يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها) فمن الذي يستطيع أن يقول: الحج لا يمكن أن يكفر كبيرة؟\nوكذلك قول النبي ﷺ في الصلوات الخمس كما في الصحيح: (أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم ...) وهذا هو قاعدة في القرآن، أليس الله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] فبأي حكم وبأي قضاء وبأي حجة يقال: هذا فقط في الصغائر؟! بل فضل الله ﷾ واسع.\nوهذه أسبابٌ شرعية تدفع غضب الرب، والتوبة ليست إلا سببًا من الأسباب الشرعية.\nوكذلك من الأسباب الشرعية: تعظيم الشخص لحرمات الله ولشرعه، فهذا السبب قد يدفع ويسقط عقوبة الكبائر والموافاة بها.\nفالسلف يقولون: الذي يطّرد تكفير الكبائر به هو التوبة، أي: من تاب من كبيرة تاب الله عليه، أما القول بأن الحسنات يطرد التكفير بها، بمعنى أن من صلى الصلوات الخمس أو صام رمضان أو حج البيت تكفر كبائره ولا يحتاج إلى توبة فهذا القول ما قاله أحد من السلف، وحكاية الإجماع على هذا النفي صحيحة.\nلكن الذي أراد شيخ الإسلام ﵀ إثباته -وهو ظاهر النصوص النبوية والقرآنية- هو: أن الأعمال الصالحة الكبرى -كأركان الإسلام، والجهاد، والهجرة- قد تكفر ما هو من الكبائر، وإن كان لا يلزم الاطراد كما يلزم في التوبة.\nوبهذا يكون الفرق بين القول بأن التوبة مكفرة، وبين القول بأن: الحسنات مكفرة، هو أن التوبة تكفر اطرادًا، فكل من تاب تاب الله عليه، أما الأعمال الصالحة فإن إطلاق القول بتكفيرها للكبائر أو عدم تكفيرها ليس بصحيح، بل الصواب أن يقال: إن الأعمال الصالحة ولا سيما الشرائع الكبرى -كالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والهجرة وأمثالها- قد تكفر ما هو من الكبائر.\nوهذا بحسب تحقيقها وبحسب حال صاحب الكبيرة.\nففرقٌ بين من أدى الحج أداءً يسيرًا ونقص منه قدرًا كثيرًا، وهو عليه جرائر من الكبائر، وبين من أدى الحج على التحقيق وليس عليه إلا أفرادٌ من الكبائر فعلها على تخوف.\nإذًا: لا نقول: إن الأعمال الصالحة ولا سيما الكبرى تكفر الكبائر، بل نقول: إنها قد تكفر ما هو من الكبائر.\nفإن قيل: متى نعلم هذا؟\nقيل: لا يلزم أن نعلم، الذي يعلم الله ﷾.\nفإن قال قائل: إنه يريد أن يعلم هل يتوب أو لا يتوب؟\nقيل: التوبة واجبة في الحالين، أي: إذا قيل: إنها قد تكفر فهذا لا يعني إسقاط التوبة، فمع هذا التقرير إلا إنه يقال: إن التوبة واجبة.\nفإن قيل: إن النبي ﷺوهذا حديث في الصحيح عن أبي هريرة - قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارةٌ لما بينهما إذا اُجتُنِبَت الكبائر) فأخرج الكبائر.\nقيل: إنما ذكر الرسول ﷺ هنا التكفير الاطرادي وليس العارض، والذي ذكرناه في تكفير الأعمال الصالحة للكبائر إنما هو العارض.\nفقوله: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ...) يعني الاطراد.\nإذًا: الأعمال الصالحة إذا أريد اطراد تكفيرها فهي تكفر الصغائر، وإذا أريد العروض بحسب فضل الله وحكمته وعدله فإنها قد تكفر ما هو من الكبائر، ولا يلزم من هذا أن يكون تكفيرها مطردًا.\nوهنا أنبه: إلى أن الحكاية عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يقول: إن الأعمال الصالحة كالصلاة تكفر الكبائر كما تكفرها التوبة على الإطلاق ..\nغلطٌ عليه، وعدمُ فقهٍ لقوله، وهذا لا شك أنه مخالف للإجماع.\nوإنما الصواب: أن هذه قاعدة الله أعلم بما يترتب على العباد، وهذا كله يؤمن به على عدل الله وفضله ورحمته، وإلا فالله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] والحسنات هنا الكبار والسيئات هي الكبار، وإن دخلت فيها الصغائر فإن الكبائر ليس أولى منها بالدخول.\nثم إن هذا القول فيه توسيع على المسلمين، وتحبيب لهم بهذه الشرائع والقيام بها.\nومما يشار إليه هنا: أن هذه الشرائع لها فضل عظيم عند الله، بل هي من أخص نعمه على العباد، فلا ينبغي أن يهون شأنها وكأنها نوع من الأداء الواجب الذي لا ثمرة له على حال العبد ونفسه في الدنيا والآخرة، بل الله يقول: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] وهذا كأنه إشارة إلى أن صاحب المنكر ينقطع بالصلاة عنها، ومن جملة انقطاعه أنه يباعد عنها، وإذا بُوعد عنها فإن هذا وجه من أوجه مغفرة الله ﷾.\nوقد بسط شيخ الإسلام هذه المسألة في المجلد السابع والعاشر من الفتاوى، وفي رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام، بل ذكر ما هو أقل من هذا، فقال: \"دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب، والمصائب المكفرة قد تكفر أحيانًا بعض المقارنات لها من الذنوب .. \" إلى غير ذلك.\nفمذهبه في هذا مذهب محقق وليس مذهبًا غلطًا، وهو لا يعارض قولًا للسلف فضلًا عن كونه يعارض آيةً في كتاب الله ﷾ أو حديثًا عن نبيه.","vol":"11","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>الطوائف التي خالفت السلف في باب الإيمان</span>\nقال أبو عبيد: [ذكر الأصناف الخمسة الذين تركنا صفاتهم في صدر كتابنا هذا].\nعني المصنف فيما تقدم بذكر من عندهم قدر من الفضيلة من مرجئة الفقهاء وما عندهم من الاستدلال، ثم ذكر الأقوال المغلظة من أقوال المرجئة وأقوال الوعيدية على خمسة أقوال.\n[من تكلم به في الإيمان هم الجهمية].\nأتباع الجهم بن صفوان، وهو رجلٌ من أئمة الضلال والشر والبدع في الإسلام، وقد أجمع السلف على ذمه، وذهبت طائفة إلى تكفيره، وهو يقول: إن الإيمان هو المعرفة.\nوتنسب الجهمية إليه في باب الصفات.\n[والمعتزلة].\nأتباع واصل بن عطاء الغزال، وعمرو بن عبيد، وهذان كانا على عناية بمسألة الكبائر وأفعال العباد، ثم جاء منظروهم وشرحوا مسألة الصفات والإلهيات، وإن كان أصلها عند هذين، لكن منظّر مسألة الإلهيات والصفات عند المعتزلة هو أبو الهذيل العلاف، ومن بعده إبراهيم بن سيار النظام، ثم انقسمت المعتزلة إلى طوائف.\n[والإباضية].\nأتباع عبد الله بن إباض المري المقاعسي، وهذه الفرقة هي التي بقيت من فرق الخوارج، وهم في الجملة أخف فرق الخوارج، وإن كانوا يقولون بأن صاحب الكبيرة مخلد في النار، لكنه في الدنيا يسمى كافرًا كفر نعمة.\nومما ينبه إليه من شأن الإباضية: أنهم دخلت عليهم بدع المعتزلة.\nفهم إحدى طائفتين نقلنا كلام المعتزلة في القدر والصفات.\nوالأخرى هي الشيعة الإمامية.\nفقد نقل الإمامية مذهب المعتزلة في الصفات وفي القدر ودخل عليهم؛ لأن مسألة القدر والصفات مسألة عقلية نظرية، إما أن تؤخذ بالآثار كما هو طريق السلف، أو تؤخذ بالعقل والنظر، والشيعة ليسوا من أهل الآثار ولا من أهل العقل، ولهذا اقتبسوا هذا من المعتزلة.\nأما قصة هذا الاقتباس -مع أن أحد أئمة الشيعة وهو هشام بن الحكم كان مشبهًا على خلاف طريقة المعتزلة- فهي أن بدعة المعتزلة بدأت بصرية، ثم ظهر نوع من المعتزلة في بغداد، ثم إن هؤلاء البغداديين تشيعوا وانتصروا لفضيلة علي بن أبي طالب، حتى فضله من فضله من المعتزلة على أبي بكر وعمر، فقاربتهم الشيعة لشأن الانتصار لـ علي بن أبي طالب في القتال، وأنه أفضل من غيره، ثم حصل اندماج بين المعتزلة وبين الشيعة، وخاصةً المعتزلة البغدادية، فأخذت الشيعة عنهم مسألة القدر بتفاصيلها.\nوبهذا يعلم أنه إذا ذكر بعض أئمة الشيعة النظار باب القدر والصفات ودخلوا في العقليات وعلم الكلام والمنطق وما إلى ذلك أنه ليس لهم فيه كبير علم، بل هذا كله نقل من أئمة المعتزلة وتلخيص من كتبهم.\nومثلهم الإباضية، فقد أصبحوا في الجملة يقولون بقول المعتزلة في الصفات.\nقال: [والصفرية والفضلية].\nوهاتان الطائفتان من الخوارج، ولا قيمة لهما؛ فقد هلكتا في الدهر.","vol":"11","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>أقوال الطوائف المخالفة للسلف في باب الإيمان</span>\n[فقالت الجهمية: الإيمان معرفة الله بالقلب، وإن لم يكن معها شهادة لسان، ولا إقرار بنبوة، ولا شيء من أداء الفرائض! احتجوا في ذلك بإيمان الملائكة فقالوا: قد كانوا مؤمنين قبل أن يخلق الله الرسل.\nوقالت المعتزلة: الإيمان بالقلب واللسان مع اجتناب الكبائر، فمن قارف شيئًا كبيرًا زال عنه الإيمان، ولم يلحق بالكفر، فسمي فاسقًا ليس بمؤمن ولا كافر، إلا أن أحكام الإيمان جارية عليه!\nوقالت الإباضية: الإيمان جماع الطاعات، فمن ترك شيئًا كان كافر نعمة وليس بكافر شرك، واحتجوا بالآية التي في إبراهيم: ﴿بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم:٢٨].\nوقالت الصفرية: مثل ذلك في الإيمان أنه جميع الطاعات، غير أنهم قالوا في المعاصي صغارها وكبارها كفر وشرك ما فيه إلا المغفور منها خاصة.\nوقالت الفضلية: مثل ذلك في الإيمان أنه أيضًا جميع الطاعات، إلا أنهم جعلوا المعاصي كلها ما غفر منها وما لم يغفر كفرًا وشركًا، قالوا: لأن الله جل ثناؤه لو عذبهم عليها كان غير ظالم لقوله: ﴿لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٥ - ١٦].\nوهذه الأصناف الثلاثة من فرق الخوارج معًا، إلا أنهم اختلفوا في الإيمان، وقد وافقت الشيعة فرقتين منهم، ووافقت الرافضة المعتزلة، ووافقت الزيدية الإباضية.\nوكل هذه الأصناف يكسر قولهم ما وصفنا به (باب الخروج من الإيمان بالذنوب)، إلا الجهمية؛ فإن الكاسر لقولهم قول أهل الملة، وتكذيب القرآن إياهم حين قال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤] فأخبر الله عنهم بالكفر إذ أنكروا بالألسنة، وقد كانت قلوبهم بها عارفة، ثم أخبر الله ﷿ عن إبليس أنه كان من الكافرين، وهو عارف بالله بقلبه ولسانه أيضًا، في أشياء كثيرة يطول ذكرها، كلها ترد قولهم أشد الرد، وتبطله أقبح الإبطال].\nأي: أن قول الجهمية شر الأقوال؛ ولهذا قال شيخ الإسلام: \"إن شر قولٍ قيل في مسألة الإيمان هو قول الجهمية\".\nحتى عده من عده من السلف كفرًا، كما ذكر ذلك ابن مهدي ووكيع والإمام أحمد وغيرهم.\nوفي ختم هذه الرسالة أوصي الإخوة القراء بالعناية بهذه الرسالة، وإننا لنعجب من بعض طلبة العلم، حيث قد يقرأ بعض المختصرات المتأخرة في العقيدة، ولربما أعادها على أكثر من شيخ، ولربما قرأ لها أكثر من شرح وأطال النظر فيها، مع أنها قد تكون حقائق مجملة عامة.\nوهذه الرسالة -ولا سيما في هذه المسألة- تعد من أشرف الرسائل السلفية؛ لأن إمامها ذو علم بالحديث، وكذلك هو إمام في اللغة، وهذه مسألة أصل في مسألة الإيمان؛ لأن مبناها على لغة العرب مهم.\nفهذا الإمام:\nأولًا: إمام سلفي متقدم.\nثانيًا: إمام أحسن التوصيف لهذه المسألة، وكذلك التفصيل للفرق بين قول مرجئة الفقهاء وقول غيرهم.\nثالثًا: إمام في اللغة\nإلى آخر ذلك.\nفهذه الرسالة من الرسائل التي ينبغي لطلبة العلم أن يعتنوا بها قراءةً وشرحًا وتدبرًا.\nوصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"11","page":8}]}