{"ً":{"ٌ":37783,"ٍ":"شرح الواسطية - يوسف الغفيص","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: شرح الواسطية\nالمؤلف: يوسف بن محمد علي الغفيص\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ٢٤ درسا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2362,"ٕ":1,"ٖ":1770155895,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12","13","14","15","16","17","18","19","20","21","22","23","24"],"ٚ":[{"title":"شرح العقيدة الواسطية [١]","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة شرح العقيدة الواسطية","level":2,"page":2},{"title":"خصائص الرسالة الواسطية","level":3,"page":3},{"title":"شرح مقدمة الواسطية","level":2,"page":4},{"title":"مسألة تقسيم الدين إلى أصول وفروع","level":2,"page":5},{"title":"مسألة تقسيم السنة إلى متواتر وآحاد","level":2,"page":6},{"title":"فقه الأسماء الشرعية","level":2,"page":7},{"title":"شروط أولي التحقيق والفقه للأسماء الشرعية","level":2,"page":8},{"title":"الشرط الأول: الفقه","level":3,"page":9},{"title":"الشرط الثاني: الاتباع","level":3,"page":10},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [٢]","level":1,"page":11},{"title":"افتراق المسلمين إلى فرق ومذاهب","level":2,"page":12},{"title":"الفرقة الناجية من فرق المسلمين","level":3,"page":13},{"title":"شرح قول المصنف: (إلى قيام الساعة)","level":3,"page":14},{"title":"شرح قول المصنف: (أهل السنة والجماعة)","level":3,"page":15},{"title":"أصول أهل السنة والجماعة في أصول الإيمان","level":2,"page":16},{"title":"الطريقة المثلى لتدريس العقيدة","level":2,"page":17},{"title":"صور ورود الإيمان في النصوص","level":2,"page":18},{"title":"ما اجتمع عليه أهل القبلة وما اختلفوا فيه","level":2,"page":19},{"title":"امتزاج التصوف بعلم الكلام","level":2,"page":20},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [٣]","level":1,"page":21},{"title":"منهج ابن حزم في أسماء الله وصفاته","level":2,"page":22},{"title":"من أصول أهل السنة أن الله سبحانه موصوف بصفات الكمال منزه عن صفات النقص","level":2,"page":23},{"title":"ظهور الخلاف في مسائل أصول الدين","level":2,"page":24},{"title":"ظهور الخوارج","level":3,"page":25},{"title":"ظهور الشيعة","level":3,"page":26},{"title":"أقسام البدع التي ظهرت في الإسلام","level":2,"page":27},{"title":"القسم الأول: بدع غير منقولة","level":3,"page":28},{"title":"القسم الثاني: بدع منقولة","level":3,"page":29},{"title":"الشبهات التي قامت عليها بدعة نفي الصفات","level":2,"page":30},{"title":"معنى التحريف والتعطيل","level":2,"page":31},{"title":"معنى التكييف والتمثيل","level":2,"page":32},{"title":"عظم مسألة الأسماء والصفات","level":2,"page":33},{"title":"قاعدة في إثبات الأسماء والصفات والفرق بينها وبين باب الإخبار","level":2,"page":34},{"title":"باب التنزيه (النفي) وقواعده","level":2,"page":35},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [٤]","level":1,"page":36},{"title":"التأويل ومعانيه","level":2,"page":37},{"title":"قاعدة التأويل عند المبتدعة وسبب القول بها","level":2,"page":38},{"title":"فساد التأويل الذي حرف به المبتدعة النصوص شرعا وعقلا ولغة","level":2,"page":39},{"title":"فساد التأويل شرعا","level":3,"page":40},{"title":"فساد التأويل عقلا","level":3,"page":41},{"title":"فساد التأويل من جهة اللغة","level":3,"page":42},{"title":"مسألة الحقيقة والمجاز","level":3,"page":43},{"title":"تنزيه الله سبحانه عن التمثيل والتكييف","level":2,"page":44},{"title":"التكييف والتمثيل والفرق بينهما","level":3,"page":45},{"title":"الجمع بين التنزيه وإثبات الصفات","level":3,"page":46},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [٥]","level":1,"page":47},{"title":"وجه إثبات الصفات عند أهل السنة","level":2,"page":48},{"title":"أقسام الصفات من حيث حكم العقل بها","level":2,"page":49},{"title":"معنى الإلحاد في أسماء الله","level":2,"page":50},{"title":"الاشتراك بين الخالق والمخلوق في الاسم أو الصفة إنما هو اشتراك في الاسم المطلق","level":2,"page":51},{"title":"تنزيه الله عن السمي والكفء والند وعن أن يقاس بخلقه","level":2,"page":52},{"title":"وجه نفي المصنف للقياس","level":3,"page":53},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [٦]","level":1,"page":54},{"title":"قبول ما ورد في القرآن من أسماء الله وصفاته","level":2,"page":55},{"title":"معنى الرسول ومعنى النبي","level":2,"page":56},{"title":"ما يوجبه اتباع الرسل من قبول ما أخبروا به عن الله","level":2,"page":57},{"title":"ما يقتضيه اكتمال الدين من إعراض عن علم الكلام","level":2,"page":58},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [٧]","level":1,"page":59},{"title":"قواعد النفي والإثبات إجمالا وتفصيلا","level":2,"page":60},{"title":"ما ورد في سورة الإخلاص من الأسماء والصفات","level":3,"page":61},{"title":"ما ورد في آية الكرسي من الأسماء والصفات","level":3,"page":62},{"title":"مسألة الكرسي","level":3,"page":63},{"title":"فضل آية الكرسي","level":3,"page":64},{"title":"الحي الذي لا يموت","level":3,"page":65},{"title":"الإطلاق والتقييد في ذكر أسماء الله وصفاته","level":2,"page":66},{"title":"مسألة تسلسل الحوادث","level":2,"page":67},{"title":"إثبات صفتي العلم والحكمة","level":2,"page":68},{"title":"العلم بالأشياء كليها وجزئيها","level":3,"page":69},{"title":"مفاتيح الغيب","level":3,"page":70},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [٨]","level":1,"page":71},{"title":"إثبات صفتي السمع والبصر","level":2,"page":72},{"title":"إثبات مشيئة الله وإرادته","level":2,"page":73},{"title":"إثبات صفة المحبة","level":2,"page":74},{"title":"تأويل صفة المحبة عند أهل البدع","level":3,"page":75},{"title":"تميز أهل السنة في العبودية لله من فقههم لصفات الله","level":3,"page":76},{"title":"إثبات صفة الرحمة وأن الله غفور رحيم ودود","level":2,"page":77},{"title":"إثبات صفة الرضا","level":2,"page":78},{"title":"قاعدة في الصفات الفعلية","level":2,"page":79},{"title":"مسألة لعن المعين","level":3,"page":80},{"title":"مسألة قبول توبة القاتل","level":3,"page":81},{"title":"مسألة قتل المسلم لنفسه","level":3,"page":82},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [٩]","level":1,"page":83},{"title":"إثبات الصفات الفعلية","level":2,"page":84},{"title":"صفة السخط والكره والمقت والغضب","level":3,"page":85},{"title":"صفة الإتيان والمجيء","level":3,"page":86},{"title":"كيفية ذكر المذاهب المخالفة عند طائفة من علماء أهل السنة","level":2,"page":87},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [١٠]","level":1,"page":88},{"title":"إثبات الصفات الخبرية","level":2,"page":89},{"title":"إثبات صفة الوجه","level":3,"page":90},{"title":"إثبات صفة اليدين","level":3,"page":91},{"title":"إثبات صفة البصر وصفة العين","level":3,"page":92},{"title":"إثبات صفة السمع وأن الله يسمع ويرى","level":3,"page":93},{"title":"إثبات أن الله شديد المحال","level":3,"page":94},{"title":"إثبات مكر الله بالكافرين وكيده لهم","level":3,"page":95},{"title":"إثبات صفة العفو والمغفرة","level":3,"page":96},{"title":"إثبات صفة العزة","level":3,"page":97},{"title":"تنزيه الله عن السمي والكفء والند والولد والشريك","level":2,"page":98},{"title":"اختصاص الله ﷾ بعلم الغيب","level":2,"page":99},{"title":"حرمة القول على الله بغير علم","level":2,"page":100},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [١١]","level":1,"page":101},{"title":"صفة الاستواء","level":2,"page":102},{"title":"من عقيدة أهل السنة: أن الله سبحانه فوق عباده","level":3,"page":103},{"title":"بطلان القول بأن الله في كل مكان","level":3,"page":104},{"title":"معنى (أن الله في السماء)","level":3,"page":105},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [١٢]","level":1,"page":106},{"title":"وسطية أهل السنة","level":2,"page":107},{"title":"حجية الإجماع والرد على من استشكل ذلك","level":2,"page":108},{"title":"وسطية أهل السنة في صفات الله","level":2,"page":109},{"title":"وسطية أهل السنة في أفعال العباد","level":2,"page":110},{"title":"قاعدة مهمة في الخلاف العقدي","level":2,"page":111},{"title":"وسطية أهل السنة في الوعد والوعيد","level":2,"page":112},{"title":"وسطية أهل السنة في باب أسماء الإيمان","level":2,"page":113},{"title":"وسطية أهل السنة في الصحابة","level":2,"page":114},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [١٣]","level":1,"page":115},{"title":"علو الله على خلقه ومعيته لهم بعلمه والأدلة على ذلك","level":2,"page":116},{"title":"أدلة علو الله على خلقه","level":2,"page":117},{"title":"دليل العقل","level":3,"page":118},{"title":"دليل الفطرة","level":3,"page":119},{"title":"الفطرة تدل على عامة الأصول الشرعية أو تقتضيها","level":2,"page":120},{"title":"الجمع بين مقامي العلو والمعية","level":2,"page":121},{"title":"إثبات أن الله قريب من المؤمنين","level":2,"page":122},{"title":"إثبات القرب والمعية لا ينافي إثبات العلو والفوقية","level":2,"page":123},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [١٤]","level":1,"page":124},{"title":"القرآن كلام الله غير مخلوق","level":2,"page":125},{"title":"الأدلة على اتصاف الله سبحانه بالكلام","level":3,"page":126},{"title":"الرد على القائلين ببدعة الكلام النفسي","level":3,"page":127},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [١٥]","level":1,"page":128},{"title":"مسائل الرؤية","level":2,"page":129},{"title":"الأدلة على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة","level":3,"page":130},{"title":"رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة","level":3,"page":131},{"title":"أدلة المعتزلة على نفي الرؤية","level":3,"page":132},{"title":"الرد على استدلال المعتزلة","level":3,"page":133},{"title":"مسألة رؤية الكفار والمنافقين لربهم في عرصات القيامة","level":3,"page":134},{"title":"مسألة رؤية النبي ﵊ لربه في ليلة المعراج","level":3,"page":135},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [١٦]","level":1,"page":136},{"title":"الإيمان باليوم الآخر وبما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه ونعيمه","level":2,"page":137},{"title":"الإيمان بما يكون في يوم القيامة من بعث ونشور ووزن للأعمال","level":3,"page":138},{"title":"الإيمان بما يكون يوم القيامة من بعث ونشر ووزن للأعمال","level":3,"page":139},{"title":"اتفاق جميع المسلمين على أكثر مسائل اليوم الآخر بجملتها","level":3,"page":140},{"title":"باب اليوم الآخر يقتصر فيه على ما يطابق النص","level":3,"page":141},{"title":"وزن الأعمال يوم القيامة","level":3,"page":142},{"title":"صحائف الأعمال","level":3,"page":143},{"title":"مناجاة المؤمن لربه","level":3,"page":144},{"title":"مسألة محاسبة الكفار","level":3,"page":145},{"title":"الحوض المورود","level":3,"page":146},{"title":"الصراط","level":3,"page":147},{"title":"وقوف المؤمنين بعد الصراط على قنطرة بين الجنة والنار","level":3,"page":148},{"title":"أول من يدخل الجنة","level":3,"page":149},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [١٧]","level":1,"page":150},{"title":"الشفاعة وأنواعها","level":2,"page":151},{"title":"الشفاعة العظمى","level":3,"page":152},{"title":"الشفاعة لأهل الجنة بدخولها","level":3,"page":153},{"title":"الشفاعة لمن استحق النار أن لا يدخلها ولمن دخلها أن يخرج منها","level":3,"page":154},{"title":"إخراج الله سبحانه أقواما من النار بغير شفاعة","level":3,"page":155},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [١٨]","level":1,"page":156},{"title":"من أصول أهل السنة: الإيمان بالقدر خيره وشره","level":2,"page":157},{"title":"أصول الإيمان بالقدر","level":2,"page":158},{"title":"الأصل الأول: الإيمان بعموم علم الرب ﷾ بكل شيء","level":3,"page":159},{"title":"الأصل الثاني: الإيمان بأن الله سبحانه كتب في الذكر كل شيء","level":3,"page":160},{"title":"الأصل الثالث: الإيمان بعموم خلقه ﷾","level":3,"page":161},{"title":"الأصل الرابع: الإيمان بعموم مشيئة الله تعالى","level":3,"page":162},{"title":"الأصل الخامس: الإيمان بعموم حكمة الرب ﷾","level":3,"page":163},{"title":"الأصل السادس: الإيمان بأن العباد لهم إرادة ومشيئة قائمة بهم","level":3,"page":164},{"title":"الأصل السابع: إحكام القول في القدر مع الشرع","level":3,"page":165},{"title":"الطوائف المخالفة في باب القدر","level":2,"page":166},{"title":"القدرية","level":3,"page":167},{"title":"الجبرية","level":3,"page":168},{"title":"درجات الإيمان بالقدر","level":2,"page":169},{"title":"الدرجة الأولى: العلم والكتابة","level":3,"page":170},{"title":"الدرجة الثانية: المشيئة والتقدير","level":3,"page":171},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [١٩]","level":1,"page":172},{"title":"مسائل الإيمان","level":2,"page":173},{"title":"الدين والإيمان قول وعمل","level":3,"page":174},{"title":"زيادة الإيمان ونقصانه","level":3,"page":175},{"title":"حكم أهل المعاصي عند أهل السنة","level":3,"page":176},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [٢٠]","level":1,"page":177},{"title":"موقف أهل السنة والجماعة من الصحابة","level":2,"page":178},{"title":"الرد على شبهات الرافضة حول الصحابة ﵃","level":2,"page":179},{"title":"تفاضل الصحابة فيما بينهم","level":2,"page":180},{"title":"فضل أهل بدر","level":3,"page":181},{"title":"فضل أهل بيعة الرضوان","level":3,"page":182},{"title":"فضل الخلفاء الراشدين","level":3,"page":183},{"title":"تفضيل عثمان على علي ﵄","level":3,"page":184},{"title":"ترتيب الخلافة","level":3,"page":185},{"title":"خطأ من جعل عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين","level":3,"page":186},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [٢١]","level":1,"page":187},{"title":"من أصول أهل السنة: محبة أهل البيت رضوان الله عليهم","level":2,"page":188},{"title":"المقصود بالثقلين","level":3,"page":189},{"title":"عدم تحقق الإيمان إلا بمحبة آل البيت","level":3,"page":190},{"title":"معنى الاصطفاء في حديث: (إن الله اصطفى بني إسماعيل)","level":3,"page":191},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [٢٢]","level":1,"page":192},{"title":"موقف أهل السنة من أزواج رسول الله ﷺ","level":2,"page":193},{"title":"المفاضلة بين خديجة وعائشة وفاطمة ﵅","level":3,"page":194},{"title":"براءة أهل السنة من الروافض والنواصب","level":2,"page":195},{"title":"الإمساك عما شجر بين الصحابة","level":3,"page":196},{"title":"كرامات الأولياء","level":2,"page":197},{"title":"إنكار المعتزلة للكرامات وشبهتهم في ذلك","level":3,"page":198},{"title":"الرد على شبهة المعتزلة في إنكار الكرامات","level":3,"page":199},{"title":"الولاية اسم تابع للإيمان","level":3,"page":200},{"title":"حال الصحابة رضوان الله عليهم مع الكرامات","level":3,"page":201},{"title":"من بدع الصوفية في الكرامات","level":3,"page":202},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [٢٣]","level":1,"page":203},{"title":"اتباع أهل السنة لآثار النبي ﷺ وما كان عليه السلف الصالح","level":2,"page":204},{"title":"منهج الاستدلال عند أهل السنة والجماعة","level":2,"page":205},{"title":"خطأ بعض المنتسبين للسلف في إنكار التمذهب مطلقا","level":2,"page":206},{"title":"التمذهب المحمود والتمذهب المذموم","level":3,"page":207},{"title":"الإجماع المنضبط عند أهل السنة","level":2,"page":208},{"title":"شرح العقيدة الواسطية [٢٤]","level":1,"page":209},{"title":"أهل السنة والجماعة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر","level":2,"page":210},{"title":"السلفية منهج في العقائد والعلم والعمل","level":2,"page":211},{"title":"ترك الاستطالة على الخلق بحق وبغير حق","level":2,"page":212},{"title":"التسمي باسم الإسلام هو الأصل","level":2,"page":213},{"title":"حكم أهل البدع","level":2,"page":214}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"2,1":11,"2,2":12,"2,3":13,"2,4":14,"2,5":15,"2,6":16,"2,7":17,"2,8":18,"2,9":19,"2,10":20,"3,1":21,"3,2":22,"3,3":23,"3,4":24,"3,5":25,"3,6":26,"3,7":27,"3,8":28,"3,9":29,"3,10":30,"3,11":31,"3,12":32,"3,13":33,"3,14":34,"3,15":35,"4,1":36,"4,2":37,"4,3":38,"4,4":39,"4,5":40,"4,6":41,"4,7":42,"4,8":43,"4,9":44,"4,10":45,"4,11":46,"5,1":47,"5,2":48,"5,3":49,"5,4":50,"5,5":51,"5,6":52,"5,7":53,"6,1":54,"6,2":55,"6,3":56,"6,4":57,"6,5":58,"7,1":59,"7,2":60,"7,3":61,"7,4":62,"7,5":63,"7,6":64,"7,7":65,"7,8":66,"7,9":67,"7,10":68,"7,11":69,"7,12":70,"8,1":71,"8,2":72,"8,3":73,"8,4":74,"8,5":75,"8,6":76,"8,7":77,"8,8":78,"8,9":79,"8,10":80,"8,11":81,"8,12":82,"9,1":83,"9,2":84,"9,3":85,"9,4":86,"9,5":87,"10,1":88,"10,2":89,"10,3":90,"10,4":91,"10,5":92,"10,6":93,"10,7":94,"10,8":95,"10,9":96,"10,10":97,"10,11":98,"10,12":99,"10,13":100,"11,1":101,"11,2":102,"11,3":103,"11,4":104,"11,5":105,"12,1":106,"12,2":107,"12,3":108,"12,4":109,"12,5":110,"12,6":111,"12,7":112,"12,8":113,"12,9":114,"13,1":115,"13,2":116,"13,3":117,"13,4":118,"13,5":119,"13,6":120,"13,7":121,"13,8":122,"13,9":123,"14,1":124,"14,2":125,"14,3":126,"14,4":127,"15,1":128,"15,2":129,"15,3":130,"15,4":131,"15,5":132,"15,6":133,"15,7":134,"15,8":135,"16,1":136,"16,2":137,"16,3":138,"16,4":139,"16,5":140,"16,6":141,"16,7":142,"16,8":143,"16,9":144,"16,10":145,"16,11":146,"16,12":147,"16,13":148,"16,14":149,"17,1":150,"17,2":151,"17,3":152,"17,4":153,"17,5":154,"17,6":155,"18,1":156,"18,2":157,"18,3":158,"18,4":159,"18,5":160,"18,6":161,"18,7":162,"18,8":163,"18,9":164,"18,10":165,"18,11":166,"18,12":167,"18,13":168,"18,14":169,"18,15":170,"18,16":171,"19,1":172,"19,2":173,"19,3":174,"19,4":175,"19,5":176,"20,1":177,"20,2":178,"20,3":179,"20,4":180,"20,5":181,"20,6":182,"20,7":183,"20,8":184,"20,9":185,"20,10":186,"21,1":187,"21,2":188,"21,3":189,"21,4":190,"21,5":191,"22,1":192,"22,2":193,"22,3":194,"22,4":195,"22,5":196,"22,6":197,"22,7":198,"22,8":199,"22,9":200,"22,10":201,"22,11":202,"23,1":203,"23,2":204,"23,3":205,"23,4":206,"23,5":207,"23,6":208,"24,1":209,"24,2":210,"24,3":211,"24,4":212,"24,5":213,"24,6":214},"ٜ":{"1":[1,10],"2":[1,10],"3":[1,15],"4":[1,11],"5":[1,7],"6":[1,5],"7":[1,12],"8":[1,12],"9":[1,5],"10":[1,13],"11":[1,5],"12":[1,9],"13":[1,9],"14":[1,4],"15":[1,8],"16":[1,14],"17":[1,6],"18":[1,16],"19":[1,5],"20":[1,10],"21":[1,5],"22":[1,11],"23":[1,6],"24":[1,6]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","12,1","12,2","12,3","12,4","12,5","12,6","12,7","12,8","12,9","13,1","13,2","13,3","13,4","13,5","13,6","13,7","13,8","13,9","14,1","14,2","14,3","14,4","15,1","15,2","15,3","15,4","15,5","15,6","15,7","15,8","16,1","16,2","16,3","16,4","16,5","16,6","16,7","16,8","16,9","16,10","16,11","16,12","16,13","16,14","17,1","17,2","17,3","17,4","17,5","17,6","18,1","18,2","18,3","18,4","18,5","18,6","18,7","18,8","18,9","18,10","18,11","18,12","18,13","18,14","18,15","18,16","19,1","19,2","19,3","19,4","19,5","20,1","20,2","20,3","20,4","20,5","20,6","20,7","20,8","20,9","20,10","21,1","21,2","21,3","21,4","21,5","22,1","22,2","22,3","22,4","22,5","22,6","22,7","22,8","22,9","22,10","22,11","23,1","23,2","23,3","23,4","23,5","23,6","24,1","24,2","24,3","24,4","24,5","24,6"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80],"81":[81],"82":[82],"83":[83],"84":[84],"85":[85],"86":[86],"87":[87],"88":[88],"89":[89],"90":[90],"91":[91],"92":[92],"93":[93],"94":[94],"95":[95],"96":[96],"97":[97],"98":[98],"99":[99],"100":[100],"101":[101],"102":[102],"103":[103],"104":[104],"105":[105],"106":[106],"107":[107],"108":[108],"109":[109],"110":[110],"111":[111],"112":[112],"113":[113],"114":[114],"115":[115],"116":[116],"117":[117],"118":[118],"119":[119],"120":[120],"121":[121],"122":[122],"123":[123],"124":[124],"125":[125],"126":[126],"127":[127],"128":[128],"129":[129],"130":[130],"131":[131],"132":[132],"133":[133],"134":[134],"135":[135],"136":[136],"137":[137],"138":[138],"139":[139],"140":[140],"141":[141],"142":[142],"143":[143],"144":[144],"145":[145],"146":[146],"147":[147],"148":[148],"149":[149],"150":[150],"151":[151],"152":[152],"153":[153],"154":[154],"155":[155],"156":[156],"157":[157],"158":[158],"159":[159],"160":[160],"161":[161],"162":[162],"163":[163],"164":[164],"165":[165],"166":[166],"167":[167],"168":[168],"169":[169],"170":[170],"171":[171],"172":[172],"173":[173],"174":[174],"175":[175],"176":[176],"177":[177],"178":[178],"179":[179],"180":[180],"181":[181],"182":[182],"183":[183],"184":[184],"185":[185],"186":[186],"187":[187],"188":[188],"189":[189],"190":[190],"191":[191],"192":[192],"193":[193],"194":[194],"195":[195],"196":[196],"197":[197],"198":[198],"199":[199],"200":[200],"201":[201],"202":[202],"203":[203],"204":[204],"205":[205],"206":[206],"207":[207],"208":[208],"209":[209],"210":[210],"211":[211],"212":[212],"213":[213],"214":[214]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>شرح العقيدة الواسطية [١]</span>\nأول من اشتغل بتقسيم الدين إلى أصول وفروع، وإلى حقيقة ومجاز هم أئمة النظر من المتكلمين ومن اشتغل بشأنهم من الفقهاء ممن كتبوا في أصول الفقه. أما منهج أهل السنة والجماعة في ذلك فهو قبول هذه التقسيمات والحدود باعتبار الاصطلاح اللفظي مع اشتراط أن تنزل هذه الاصطلاحات على معان مناسبة.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة شرح العقيدة الواسطية</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.\nأما بعد:\nفنسأل الله ﷾ بأسمائه وصفاته، وندعوه ونتوسل إليه بأنه الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.\nاللهم لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد.\nاللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.\nاللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﵌ حق.\nاللهم لك أسلمنا وبك آمنا، وعليك توكلنا وإليك أنبنا، وبك خاصمنا وإليك حاكمنا، اللهم فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر، اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.\nاللهم الطف بعبادك المسلمين في قضائك وقدرك، اللهم اكف الإسلام والمسلمين شر أعدائهم، اللهم اجعل الدائرة عليهم، اللهم شتت شملهم، وأذهب أمرهم.\nاللهم يا ذا الجلال والإكرام، يا قوي يا عزيز، اللهم شتت شملهم وأذهب أمرهم، واجعل الدائرة عليهم، واحفظ بلاد المسلمين وثغورهم وأعراضهم ودينهم من شر عدوك وعدوهم يا قوي يا عزيز.\nثم أما بعد:\nفإن دراسة العلم الذي بعث به محمد ﵊ هو قربة لله ﷾، وهو تعظيم لله ﷿ ونصر له؛ فإن الله يقول: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] ومن نصره ﷾ العلم بما بعث به نبيه ﵊، وأشرفه العلم بمسائل أصول الدين التي بعث بها سائر الأنبياء والمرسلين، وبعث بها كذلك خاتمهم محمد ﵊، فإنه لم يختلف عن إخوانه من الأنبياء والمرسلين في تقريرها، لكنه زادها بيانًا، ووضوحًا، وزادها هدىً وقربًا إلى المسلمين، وصارت رسالته ﵊ محفوظة بحفظ الله لكتابه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].\nومن شريف وفاضل كتب السنة والجماعة المصنفة في الاعتقاد الرسالة الواسطية لـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والتي كتبها الشيخ ﵀ إلى بعض علماء واسط، حيث ذكر أنه طلب منه أن يكتب له شيئًا في معتقد أهل السنة والجماعة وفي أصولهم، فكتب هذه الرسالة.","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>خصائص الرسالة الواسطية</span>\nإن الحديث عن هذه الرسالة وعظمها وفائدتها يطول، لكن أحب أن أشير إلى ثلاث خصائص فيها:\nالخاصية الأولى: أنها رسالة جامعة؛ فإن ثمة رسائل في أصول الاعتقاد للشيخ -أي: لـ شيخ الإسلام - وغيره ممن قبله أو بعده من علماء السنة والجماعة لكن كثيرًا من هذه الرسائل مختصة بباب من أبواب أصول الدين، كالرسالة الحموية لـ شيخ الإسلام نفسه، فإنها مختصة بمسائل الأسماء والصفات، وكبعض الرسائل المصنفة في القدر أو مسمى الإيمان أو غير ذلك من مسائل الاعتقاد.\nأما هذه الرسالة فهي رسالة جامعة، ذكر فيها المصنف جمهور مسائل أصول الدين، ولا سيما المسائل التي حدث فيها نزاع بين أهل القبلة، وإن كان ﵀ فصَّل في باب الأسماء والصفات تفصيلًا لم يفعل مثله في غيره من الأبواب، وذلك لعظم شأن هذا الباب ولكثرة الاختلاف فيه؛ ولأن الاختلاف فيه هو أخص مسائل الخلاف بين أهل القبلة، فإن سائر الأغلاط التي وقعت عند الطوائف في مسائل أصول الدين لا يقع لها من الشأن والتغليظ ما وقع لأقوال المخالفين في مسائل الإلهيات -مسائل الأسماء والصفات-.\nالخاصية الثانية: أنها رسالة متأخرة في الجملة، فهي ليست من الرسائل المكتوبة زمن الأئمة المتقدمين، مع أن القراءة في كتب المتقدمين لها اختصاص من وجهٍ آخر ولها فضل السبق، لكن هذه الرسالة كتبها إمام متأخر في الجملة، أي: أنها كتبت بعد استقرار مقالات الطوائف في عقائد المسلمين، ومسائل أصول الدين؛ فإن المقولات المأثورة عن سلف الأمة من المتقدمين لم يقع فيها ذكر لمخالفة متكلمة الصفاتية من الكلابية والماتريدية والأشعرية وغيرهم؛ فجاءت هذه الرسالة منبهةً إلى تميز مذهب السلف، ليس فقط عن المذاهب التي عرف عن المتقدمين أنها مخالفة للسنة والجماعة كالجهمية والمعتزلة والقدرية وغيرها، والتي انضبطت مخالفتها، بل جاءت كذلك مميزة له عن كثير من الأقوال والمذاهب التي انتسب أصحابها إلى السنة والجماعة؛ فإن جمهور متكلمة الصفاتية من المنحرفين عن هدي السلف ينتسبون إلى السنة والجماعة، فجاءت هذه الرسالة مبينةً لهذا الوجه الذي وقع من جهته معظم الانحراف الذي دخل على أصحاب الأئمة الأربعة.\nفإنك إذا نظرت إلى أتباع الأئمة الأربعة من المتأخرين، رأيت جمهور هؤلاء معرضين إعراضًا بينًا عن مقالات البدع المغلظة التي تحدث فيها أئمة السلف ﵏ كبدع الجهمية المحضة، أو بدع المعتزلة المحضة، أو بدع القدرية المحضة.\nمع أنه قد دخلت عليهم مقالات متكلمة الصفاتية في مسائل أصول الدين.\nوهذا الدخول إما أن يكون اتباعًا محضًا لهذه المذاهب، وهذه طريقة متكلمة الفقهاء من الأحناف والشافعية والمالكية، وإما أن يكون تأثرًا عامًا، وهذه طريقة مقتصديهم ممن تأثر بهذه المذاهب المخالفة للسنة والجماعة.\nالخاصية الثالثة: أن مصنفها ﵀ كتبها بلسان الشريعة، أي: تقصد في مسائلها وحروفها ألفاظ الشريعة ومسائلها؛ وقد بين ﵀ ذلك في رسالته، وهذا المنهج بيِّنٌ من خلال قراءة هذه الرسالة.\nوهذه الرسالة يمكن القول فيها: إنها شرحٌ للإيمان الذي ذكره النبي ﷺ في حديث جبريل المتفق عليه، فإن المصنف لما ذكر مقدمته قال: أما بعد ..\nفهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة، قال: وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره.\nوهذا الأصل الجامع للإيمان هو الذي ذكره الرسول ﵊ في حديث جبريل، وهو مجمل ما ذكره الله ﷾ في خواتيم سورة البقرة.\nفجاء المصنف شارحًا لهذه الأحرف الشرعية، وقصد في شرحها أيضًا الأحرف الشرعية، فالرسالة بعيدة عن اللغة الكلامية أو المنطقية، كما أنها بعيدة أيضًا عن لغة الرد، فإن معظم هذه الرسالة بلغة التقرير لمعتقد أهل السنة والجماعة.\nولا شك أن ثمة فرقًا بين لغة الرد وبين لغة التقرير لمسائل الاعتقاد.\nوهنا أنبه إلى أنه قد يقع لبعض من يقرر في مسائل أصول الدين، أو يتحدث عن ذلك في كتاب أو درس، أو من يشتغل من طلبة العلم بدراسة معتقد أهل السنة والجماعة؛ أنه يقع لبعض هؤلاء بعض القصور في إدراك مسائل الاعتقاد، وذلك أن بعضهم يتناول المسائل على لغة الرد، والأصل أن المعتقد يؤخذ تقريرًا، أي: يؤخذ جملًا من كلام الله سبحانه وكلام رسوله ﷺ وإجماع السلف، وأما الرد فإنه لا يتناهى؛ فإن البدع والاختلاف والمعارضة والخروج عن أصول السنة والجماعة لا يمكن أن يتناهى بزمنٍ أو بجملٍ معينة.\nفهذه الرسالة هي رسالةٌ مقررة لمعتقد أهل السنة والجماعة، وأما الرد فإنه درجة ثانية يشتغل به فيما بعد.\nلذلك لم يذكر المصنف أسماء الطوائف إلا على قدر الحاجة؛ وذلك حين يقصد تمييز مقولة أهل السنة والجماعة عن غيرهم.\nوقد قصد المصنف بكتابة هذه الرسالة بلسان الشريعة أن تكون مقربةً للنفوس، فإن في زمنه ﵀ شاع مذهب متكلمة الصفاتية، لكنه مع هذا لم يذكر مذهب الأشعرية بالتصريح، وإنما أبان أن طريقة السلف تختلف عن طريقة هؤلاء المتأخرين، فهو يشير إليهم ببعض الأسماء المجملة التي ليس فيها تخصيص لهم، وقصده من هذا ﵀: أن تكون رسالته جامعة لهم على قول الله ﷾ ورسوله ﷺ، والإجماع الذي يصرح المحققون من الأشاعرة بأنهم يقصدون إليه.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>شرح مقدمة الواسطية</span>\nقال المصنف ﵀: [الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا، أما بعد].\nهذه المقدمة يقع في كتب شروح الواسطية -بل ويقع في كتب الشروح بعامة- تعليق على جمل فيها من جهة اللغة؛ كالباء في قوله: بسم الله الرحمن الرحيم، وتعلق الجار بالمجرور وما إلى ذلك، ثم تفسير الحمد، قالوا: ويكون باللسان وبالقلب وبالجوارح\nوما إلى ذلك؛ ولهذا أرى أن التعليق على هذه المعاني من الأشياء المتداولة المكررة، ولكن أحب أن أنبه أن هذا النظم الذي يقدم به الأئمة في كتبهم أشرفه ما ذكره الرسول ﷺ في خطبه، وهو قوله: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه\nإلخ، هو من النظم الشرعي الذي قد يقع به هداية أقوام من الكفر إلى الهداية؛ فإن ضمادًا -والحديث رواه ابن عباس، كما في الصحيح- قدم مكة وكان من أزد شنوءة، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنون.\nفقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي، قال: فلقيه، فقال: يا محمد إني سمعت ما يقول الناس، وإني أرقي من هذه الريح فهل لك؟ -أي: فهل لك أن أرقيك أو أداويك- فقال النبي ﷺ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ..\nوذكر ﵊ بين يدي حديثه هذه الخطبة، فلما قال: أما بعد، قال له ضماد: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعادها النبي ﷺ مرتين، فقال له ضماد: يا محمد! لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوس البحر، هات يدك أبايعك على الإسلام!\nفهذه الأحرف الشرعية المأخوذة إما اقتباسًا وإما نقلًا من كلام الله سبحانه ورسوله ﷺ لها شأن باعتبار نظمها؛ فإنها جمل شرعية جامعة لمسائل التوحيد ومسائل الحق ونحو ذلك، ولهذا كان ﷺ يستفتح بها.\nويقع في كتب الشروح -ولا سيما المتأخرة- أنهم يعلقون كثيرًا على مسألة الابتداء بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)؛ فمنهم من يقول: إن هذا اتباع لحديث: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر) ثم يأتي التعقيب بأن هذا حديث لا يثبت، ثم يأتي الالتماس بأوجه.\nوهذا فيما أحسب من غريب الحال، فإن هذه المسألة ينبغي أن تتجاوز، فإن البداءة بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) بداءة مناسبة، بل كأنها بداءة فطرية؛ فإن القرآن بدأ بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، بل حتى العرب في جاهليتها كانت تبدأ كتبها ومراسلاتها باسم الله، وإن كانت لا تنطق بهذا التصريح الشرعي.\nفمثل هذه التعليقات -فيما أرى- لا ينبغي لطالب العلم كثرة الاشتغال بها وكأنها من التحقيق؛ بل ينبغي في مثل هذه المسائل البينة الواضحة تجاوز النظر فيها إلى المسائل التي لها الأهمية والأولوية لينصرف إليها التأمل والبحث والنظر.\nقول المصنف: (فهذا اعتقاد) هذه اللفظة -اعتقاد- ليست مستعملة في الأحرف الشرعية النبوية فضلًا عن أحرف القرآن، ولكن درج كثير من أهل السنة والجماعة -بل وغيرهم من الطوائف- على تسمية ما يختص بمسائل أصول الدين بالمعتقد.\nوهذه الكلمة من جهة اللغة تدل على ما يقع في القلب من المعاني والعلم، فإن الاعتقاد محله القلب.\nونحن نعلم أن الأصول الشرعية التي يقال: إنها أصول الدين، ليست بالضرورة مقصورةً على المحال القلبية وحدها.\nوهذا يستدعي أن نعلق على مسألة شاعت في كتب المتأخرين ممن كتب في أصول الدين أو مسائل أصول الفقه ونحوها، وهي تقسيم الدين إلى أصول وفروع.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>مسألة تقسيم الدين إلى أصول وفروع</span>\nنذكر قاعدة بين يدي هذا التقسيم، وهي أن جمهور التقاسيم سواء كانت في باب الاعتقاد أو باب الشريعة فضلًا عن مسائل العلم الأخرى كمسائل اللغة ونحوها، جمهور هذه التقاسيم اصطلاح، فينظر إليها باعتبار المعاني، أما باعتبار الألفاظ، فإن الأصل أنه لا مشاحة في الاصطلاح.\nولكن الشأن يكون باعتبار معانيها، فهل هذه الألفاظ والمصطلحات وضعت لها معانٍ مناسبة للمعاني الشرعية التي بعث بها النبي ﵊ أم لا؟\nهناك أمثلة كثيرة: كتقسيم الدين إلى أصول وفروع، وكمسألة الحقيقة والمجاز، والآحاد والمتواتر، وغير هذه التقاسيم، وإنما ذكرت هذه التقاسيم الثلاثة؛ لأنه يقع خلط كثير بين القول فيها باعتبارها ألفاظًا ومصطلحات، وباعتبار كونها من عوارض المعاني.\nفنقول: تقسيم الدين إلى أصول وفروع، أو القول بمسألة الحقيقة والمجاز، أو القول بمسألة تقسيم السنة إلى آحاد ومتواتر، النظر في هذا باعتباره من عوارض الألفاظ يقال: إن الأصل أنه لا مشاحة في الاصطلاح، ولكن النظر يكون باعتبارها من عوارض المعاني؛ فمن قسم الدين إلى أصول وفروع، قيل له: هذا مصطلح أمره يسير، أما من جهة المعاني، فإن ثمة إجماعًا بين المسلمين أن الدين ليس درجةً واحدة، بل منه مسائل كلية، ومنه ما دون ذلك، ومنه ما هو ركن، ومنه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، وأن ثمة مسائل تسمى أصول الدين، ومثل هذا المعنى متفق عليه بين سائر المسلمين على اختلاف طوائفهم؛ فإن النبي ﷺبل وجميع الأنبياء والمرسلين- بيّن هذا الأمر.\nوقد تكلم شيخ الإسلام وطائفة في نقض هذا التقسيم، لكن هذا لا يعني أنهم لا يصوبون أن تسمى مسائل توحيد الألوهية والأسماء والصفات وإثبات أن الله فوق سماواته مستوٍ على عرشه بمسائل أصول الدين؛ فإن تسميتها بمسائل أصول الدين مجمع عليه بين المسلمين، ولا ينازع فيه أحد.\nوإنما تكلم شيخ الإسلام في نقض هذا التقسيم باعتباره من عوارض المعاني، فإن من استعمله وضع له حدًا -أي معنى- ليس مناسبًا للاعتبار الشرعي، وإن شئت فقل: ليس مناسبًا للحد الشرعي.\nوذلك أن أول من اشتغل بهذا التقسيم ليس أئمة السنة والجماعة، بل طوائف من أئمة النظر من المتكلمين ومن اشتغل بشأنهم من الفقهاء ممن كتبوا في أصول الفقه أو في فقه الشريعة، فصاروا يقولون: إن الأصول هي المسائل المعلومة بالسمع والعقل، ويقصدون بالسمع الكتاب والسنة، والفروع هي المسائل التي دليلها السمع وحده.\nومن الحدود المشهورة في كتبهم -أيضًا- أنهم يقولون: إن مسائل الأصول هي المسائل العلمية، ومسائل الفروع هي المسائل العملية\nإلى غير ذلك من الحدود.\nفهذه الحدود لا شك أنها حدود باطلة؛ فإنه لا يصح أن يقال: إن مسائل الأصول هي ما دل عليه السمع والعقل، والفروع هي ما دل عليه السمع وحده، فإن ثمة مسائل في أصول الدين لم تعلم إلا بالسمع وحده، والعقل لا يحيلها، ولكنه لا يدل عليها كمسائل الغيب المحضة، فإنها مسائل علمت بالسمع، والعقل لا يدل عليها، فإن النبي ﵊ لو لم يحدث بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، لم نعلم ذلك؛ لأن هذه المسألة لا يدركها العقل ولا يعلمها قبل ورود خطاب الشرع.\nإذًا: ثمة مسائل في أصول الدين في باب الأسماء والصفات والشفاعة والغيب واليوم الآخر والقدر وما إلى ذلك ليست معلومةً إلا بالسمع، والعقل لا يدل عليها، وإن كان لا يجحدها.\nوالعكس كذلك؛ فإن ثمة مسائل معلومة بالسمع والعقل وهي لا تعد من مسائل الأصول، بل تعد من مسائل الفروع أو مما هو دون الأصول.\nأما قول من قال: إن مسائل الأصول هي المسائل العلمية -وهذا يوافق التعبير الذي يقول: هي مسائل الاعتقاد- وأن المسائل العملية لا تكون داخلةً في مسائل أصول الدين ..\nفهذا غلط أيضًا؛ لأنه لا يطرد، فإن ثمة مسائل علمية -أي: مسائل محلها عقد القلب- ومع ذلك ليست من الأصول بإجماع السنة والجماعة، بل بإجماع المسلمين أنها ليست من مسائل أصول دينهم، ومن ذلك مثلًا: الاختلاف الذي وقع بين الصحابة في سماع الميت لصوت الحي، فإن هذه مسألة علمية محلها عقد القلب، ولكن بالإجماع لا تعد من مسائل أصول الدين.\nوثمة مسائل عملية تعد بإجماع المسلمين من مسائل أصول الدين كمسألة الصلاة والزكاة والحج، فإنها أركان في الدين وأركان في الإسلام.\nفهل يصح أن يقال: إن الدين ينقسم إلى أصول وفروع؟\nالجواب: التقسيم باعتباره اصطلاحًا لفظيًا لا بأس به، لكن بشرط أن ينزل على معنىً مناسب، وحين يقال: لا بأس به ..\nفهذا من باب الجواز، وليس من باب أن هذا التقسيم يقصد إلى تقريره وذكره في مسائل أصول الدين أو في تقرير طريقة أهل السنة والجماعة أو منهجهم، لكنه أمر واسع لا ينبغي الإغلاظ في شأنه.\nوأما أن هذا التقسيم بدعة، فنقول: إنه لا يكون بدعة إلا إذا قصد منه معنىً لا يكون مناسبًا؛ وإلا فهو من حيث الجملة لا بأس بإطلاقه، وإن كان لا يقصد إليه، فإن السلف لم يقصدوا إلى ذكره والتحدث بلغته.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>مسألة تقسيم السنة إلى متواتر وآحاد</span>\nتقسيم السنة إلى متواتر وآحاد هو تقسيم وارد في الكتب المتأخرة لعلم مصطلح الحديث.\nوقد وقع في كلام بعض المتقدمين كالإمام الشافعي ﵀ ذكر متواتر السنة، ولكن التقسيم الذي وجد في كتب أصول الفقه ودخل على كتب المصطلح المتأخرة هو تقسيم باعتبار حده لا أصل له.\nذلك أنهم يقولون في حد المتواتر: هو ما رواه جماعةٌ عن جماعةٍ يستحيل تواطؤهم على الكذب.\nواختلفوا في هؤلاء الجماعة كم يكون عددهم، لكن جمهور ما يذكرونه يقارب العشرة، فعلى قولهم: لا يكون الحديث متواترًا عن النبي ﷺ إلا إذا رواه عنه من الصحابة عشرة، ورواه عن كل واحد من العشرة عشرة، إما من صغار الصحابة وإما من التابعين، ورواه عن كل واحد من هؤلاء المائة عشرة بحيث يصل العدد إلى ألف.\nوالسوء في هذا الحد في نتيجته أيضًا، فإنهم قالوا: إن الاعتقاد لا يحتج فيه إلا بمتواتر.\nوهذا الكلام الذي وضعه أئمة النظار من المعتزلة ومتكلمة الصفاتية، حقيقته إبعادٌ للسنة في الجملة عن الاستدلال في مسائل أصول الدين ..\nفإنه لا ينطبق شرط المتواتر اللفظي إلا على عدد قليل جدًا من الأحاديث، لهذا نجد أن أهل المصطلح -كـ ابن الصلاح ونحوه- البعيدين عن شر هذا العلم الكلامي المقاربين للسنة والجماعة لا يتعرضون لذكر هذا الحد؛ لأن مثاله إن لم يكن معدومًا، فإنه يسير جدًا.\nوهذا يلخص نتيجة: أنه ليس هناك متواتر لفظي من كلام الرسول ﷺ إلا جملة يسيرة من الأحاديث، وهذا على أحسن تقدير إن لم نقل: إنه لا مثال له من جهة السنة، فهو إن ثبت فله مثال أو مثالان أو أمثلة ليست بالكثيرة، وهذا يستلزم أن جمهور كلام النبي ﵊ الذي اتفق المحدثون عليه، واتفق عليه الصحابة، بل واتفقت عليه الأمة -لولا مخالفة هؤلاء النظار- والذي هو مبنى معتقدها مع كلام الله ﷾؛ أنه لا يصلح حجة في مسائل الاعتقاد ومسائل أصول الدين.\nونحن إذا بحثنا عن أصل الانحراف الذي وقع في مسائل أصول الدين عند المسلمين وجدناه في الإعراض عن سنة النبي ﷺ.\nفإن أول انحراف وقع في مسائل أصول الدين هو قول الخوارج الذين ظهروا في آخر خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، والذين حدث النبي ﵊ بشأنهم، وذكرهم الرسول ﵊ فيما تواتر عنه، حتى قال الإمام أحمد: (صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه).\nوقال شيخ الإسلام: (إن حديث الخوارج متواتر).\nوقال فيهم النبي ﷺ: (إنه يخرج من ضئضئ هذا -أي: ذي الخويصرة - قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وقراءتكم مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) وكان أول هؤلاء ظهورًا هو هذا الرجل الذي قام بين يدي النبي ﵊ وطعن في السنة، والسنة هنا هي قسمه ﷺ للذهب الذي بعثه علي بن أبي طالب ﵁ من اليمن، فقام هذا الرجل وطعن في قسم النبي ﷺ، لما قسمه الرسول ﷺ بين أربعة نفر، وحقيقة هذا الطعن أنه طعنٌ في السنة النبوية.\nكذلك لما ظهر هؤلاء القوم الذين حدث النبي بشأنهم، كان أخص ما فارقوا به أصول المسلمين أو استوجب مخالفتهم لمعتقد الصحابة ﵃ هو عدم أخذهم بسنة النبي ﷺ، فإنهم أخذوا جملًا مجملةً من القرآن كقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢] وكقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة:٢٠] ونحو ذلك، وتركوا مفصل السنة الذي ذكره الرسول ﷺ بشأن الجهنمية، مع أن الصحابة كانوا يحدثون به بين ظهرانيهم.\nوهذا يقود إلى نتيجة: وهي أن نظرية تقسيم السنة إلى آحاد ومتواتر، والتي هي مذكورة في كتب أصول الفقه وكتب المتكلمين في أصول الدين، ودخلت على الكتب المتأخرة في علم مصطلح الحديث ..\nهذه النظرية يظهر تطبيقها جليًا في أفعال الخوارج وأقوالهم؛ فإن الخوارج لم يعتبروا هذه النصوص، وإنما اعتبروا القرآن وحده، فكأنهم يقولون: إنه لا يحتج بهذه النصوص التي رواها الصحابة لكونها ليست قطعية ..\nولأنه قد يدخلها الخطأ\nإلى غير ذلك.\nفلما ظهر علم الكلام في قرن التابعين، وظهر النظار، كتبوا هذه النظرية التي رافقت بعض ألفاظها ألفاظًا تكلم بها أئمة الحديث من المتقدمين، فإن لفظ التواتر ولفظ الواحد من الألفاظ المستعملة في كلام متقدمي أئمة الحديث، فلما تشابهت الألفاظ لم يتبين كثيرٌ من المتأخرين الحد الذي يقصده المتقدمون من أئمة الحديث بلفظ الواحد من الحديث أو ما رواه الواحد، فإنهم لا يقصدون بما رواه الواحد ما تقصده أئمة النظار بالآحاد، وكذلك المتواتر الذي ذكره الشافعي وغيره لا يقصدون به المعنى الذي يذكره النظار من المتكلمين.\nإذًا: هذا الحد لا شك أنه حد باطل؛ لأنه يستلزم أن جمهور السنة النبوية لا يصح أن يحتج بها في مسائل الاعتقاد، وهذا مبني على مسألة، وهي أن مسائل الاعتقاد لا بد أن تكون قطعية، وأن القطعي: هو الذي يثبت بعلمٍ قطعي، وأن العلم القطعي لا يثبت إلا بالمتواتر الذي شرطه أن يكون رواه جماعةٌ عن جماعة\nإلخ، وأما ما عدا ذلك من الرواية والبلاغ والخبر فإنه يكون ظنيًا، والظن لا يناسب أن يكون معتقدًا للمسلمين.\nولا شك أن هذه الحدود وهذه التقارير لا تصح؛ فإن سائر معتقد أهل السنة والجماعة -ولا شك- ثبت بعلمٍ قطعي، ولكن الاختلاف مع هؤلاء النظار ليس في هذا، وإنما فيما يثبت به العلم، وما يكون دون ذلك من الظن، فإن المتفق عليه بين السلف أن الحديث إذا اتفق عليه المحدثون، وجرى عليه الصحابة ﵃، ولم يقع بشأنه اختلاف، فإنه يفيد علمًا ضروريًا قطعيًا، وإن كان مخرجه من جهة الرواية عن الرسول ﵊ من جهة رجل أو رجلين أو نحو ذلك.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>فقه الأسماء الشرعية</span>\nمسألة الأسماء -ولا سيما الأسماء الشرعية فضلًا عن الأسماء الاصطلاحية- لا بد لطالب العلم أن يفقهها.\nفإن جمهور الاختلاف -كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀- الذي وقع في مسائل أصول الدين؛ بل وفي مسائل الشريعة بين كثير من المتأخرين يرجع إلى عدم فقه الأسماء الشرعية.\nأن المتتبع لنصوص القرآن يجد فيها إشارة إلى أن العلم ليس بلازم لقيام الحجة، وإنما يكفي مجرد السماع والبلاغ، فإن الله ﷾ وصف المشركين بالجهل، وبأنهم لا يسمعون، فقال ﷾: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠] فهذه النصوص تبين: أن قيام الحجة على الكافر لا يلزم له العلم، وإنما مجرد السماع، وأما فقه النص وفهم المراد من الخطاب فإن هذا ليس بلازم؛ لأن الله كفر المشركين من العرب ووعدهم سقر مع أنه وصفهم بأنهم لا يعلمون وبأنهم لا يسمعون ولا يعقلون\nإلى غير ذلك.\nثم نجد أن الله ﷾ في القرآن نفسه يقول عن هؤلاء الكفار: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] وهذا يدل على أن القوم ليس فقط عندهم معرفة مجملة، بل -أيضًا- معرفة مفصلة.\nويقول الله تعالى عن أخص من أظهر الكفر برب العالمين وهو فرعون ومن معه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] فكيف يوصف من عندهم اليقين -يقين النفس- ومن عندهم المعرفة التي كمعرفتهم لأبنائهم بأنهم لا يعلمون؟!\nفقد يظن باعتبار فساد ذوق اللغة وعدم فقه الأسماء الشرعية وسياقها في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ أن هذا من باب التناقض، وأن وصف الإنسان بكونه مستيقنًا يتناقض مع وصفه بكونه جاهلًا لا يسمع، ولا يعقل.\nوبعض الناظرين من غير أولي التحقيق قد يظن أن قيام الحجة لابد فيه من الإدراك والفهم والفقه، ويستدل بمثل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] وبقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤].\nوبعضهم يذهب إلى الرأي الآخر، فيقول: إن الله سبحانه قال عن المشركين: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ﴾ [الفرقان:٤٤] فمعناه: أنه لا يلزم لقيام الحجة على الكافر أن يكون يسمع.\nوقال بعض المعاصرين ممن تكلم في هذه المسألة: إن الله سبحانه يقول: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ [الفرقان:٤٤] كما لو أن بعضهم عنده إدراك، وبعضهم ليس عنده الإدراك للفقه، لكن مع ذلك قضى بكفر الجميع؛ لأن السياق: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ [الفرقان:٤٤] فمعناه: أن ثمة معشرًا منهم يسمعون ويعقلون.\nوكل هذا الاختلاف والاضطراب وتوهم التناقض في الآيات القرآنية راجع إلى عدم فقه المصطلحات القرآنية: (لا يعلمون) (لا يفقهون) (لا يسمعون).\nفهذه الأسماء الشرعية لابد من فقهها، وجمهور الاختلاف إنما دخل على الناس في مسائل أصول الدين بل وفي غيرها من عدم فقههم لها.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>شروط أولي التحقيق والفقه للأسماء الشرعية</span>\nهذه الأسماء الشرعية لا يكون التحقيق فيها إلا لمن اجتمع له شرطان:","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الشرط الأول: الفقه</span>\nالشرط الأول: الفقه، أي: يكون فقيهًا، حسن النظر، حسن التأمل، ولا يقع هذا إلا لمن أحسن التدبر لكتاب الله ﷾ ..\nفإن هذه المسائل ليست مسائل جزئية مصنفة في كتب الفقه: كمسألة الوضوء من لحم الإبل، أو زكاة الحلي، أو الوقوف في عرفة إلى الغروب، فهذه مسائل يسهل النظر فيها، والخطأ فيها يسير، والوصول إلى محصل الأقوال والدليل فيها يقع ببحث يسير.\nلكن هذه المسائل الاستقرائية كمسائل الأسماء الشرعية وسياقها في كتاب الله ﷾، وفي سنة نبيه ﷺ لابد فيها من فقه، ومن لم يكن له فقه فإنه يختلط ولا بد.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الشرط الثاني: الاتباع</span>\nالشرط الثاني: الاتباع، فمن كان من أولي الفقه ولكنه ليس من أهل الاتباع فإنه يختلط، وأحيانًا تنغلق عليه النصوص، فلربما ألزم نفسه بفقهٍ انتحله لنفسه؛ لأنه يرى أن هذا هو الاقتداء بقول الله سبحانه ورسوله ﷺ، وإن خالف من خالف.\nوهذا المزلق من أخص مزالق الانحراف.\nفإنه -لا شك- أن الاعتبار بكلام الله سبحانه ورسوله ﷺ، لكن يمتنع شرعًا أن يكون ما يجب اعتباره من كلام الله ورسوله مخالفًا لهدي الصحابة وهدي السلف ﵃.\nولهذا نجد أن حماد بن أبي سليمان لما قصر في مسألة الاتباع، وتأمل بنفسه مسألة الإيمان، وجد أن الله في القرآن يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧] ففرق بين الإيمان وبين العمل، فظن أن هذا يعني أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان.\nقد يقول قائل: إن هذا ليس بحجة له؛ لأن هذا من باب عطف الخاص على العام.\nأقول: هذا جواب معروف ذكره جماعة من علماء السنة، لكنه إن لم يكن ضعيفًا فإنه ليس قاطعًا في الحجة.\nوشيخ الإسلام ابن تيمية نفسه لا يستحسن هذا الجواب عند التحقيق، ويرى أن التحقيق في غيره، وسيأتي -إن شاء الله- الجواب المحقق عن هذا في مورده.\nوإذا نظرت إلى كلام النبي ﵊ وجدت مواضع لا يفهمها إلا أهل التحقيق من أولي الفقه والاتباع؛ ففي حديث جبريل يقول ﷺ: (هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره).\nلكنه ﷺ لما جاءه وفد عبد القيس -كما في حديث ابن عباس في الصحيحين وجاء من رواية أبي سعيد عند الإمام مسلم - قال: (آمركم بالإيمان بالله وحده، هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم).\nفذكر لهم ما فسر به الإسلام في حديث جبريل، وهذا يدل أن جوابه ﷺ يقع فيه هذا التنوع.\nأيضًا يقول ﷺكما في حديث عثمان ﵁ في الصحيح-: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة).\nأيضًا جاء في الصحيحين عن أبي ذر ﵁، أنه قال: (أتيت النبي ﷺ وهو نائم عليه برد أبيض، فأتيته فإذا هو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ فجلست إليه، فقال: ما من عبد قال: لا إله إلا الله -وفي لفظ: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله- إلا حرم الله عليه النار، قلت: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر) وفي رواية: (وإن شرب الخمر).\nوفي حديث محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك في الصحيحين لما دخل النبي ﷺ دار عتبان وقد ضعف بصره واتخذ مكانًا يصلي فيه، فطلب من الرسول أن يصلي فيه تبركًا بأثره الحسي في حياته ﵊، فجاء النبي يصلي فيه ومعه معشر من الصحابة، والرسول في صلاته في بيت عتبان، قال: فوقعوا في مالك بن الدخشم، وهو رجل طعن فيه بعض الصحابة بالنفاق، ثم برأه الرسول ﷺ، قال: ودوا أنه دعا عليه فهلك، وودوا أنه أصابه شر، فلما قضى النبي ﷺ صلاته لم يقل: إني أعرف الرجل، ولم يشر إلى حقيقة تختص بـ مالك بن الدخشم، وإنما قال: (أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: بلى يا رسول الله.\nقال: لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تطاله).\nفذكر ﵊ في سنته وعدًا.\nولما ذكر الوعيد قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) وفي حديث ابن مسعود ﵁: (لا يدخل الجنة قتات) وفي الصحيح: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة) وفي الحديث في البخاري: (عبدي بادرني بنفسه -لما قتل نفسه- حرمت عليه الجنة) بل في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) وإن كان لفظ التأبيد ليس محفوظًا على الصحيح.\nفي حديث سعد بن أبي وقاص في الصحيحين لما قال: (يا رسول الله! أعط فلانًا فإنه مؤمن.\nقال النبي ﷺ: أو مسلم؟!) لا تقل: مؤمن: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤].\nومع ذلك يقول الله تعالى في من قتل عمدًا: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:١٧٨].\nويقول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] ويدخل فيها الفاسق بإجماع المسلمين.\nوقد ذكر الله المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار، فقال تعالى عنهم في سورة التوبة: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [التوبة:٥٦] وفي سورة الأحزاب قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٨] فأدخلهم في سورة الأحزاب بالإضافة وأخرجهم في سورة التوبة، لم يدخلهم في سورة الأحزاب فحسب؛ بل قال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأحزاب:١٨].\nوالمقصود: أن هذه السياقات الواردة في الوعد والوعيد والأسماء والأحكام وأسماء الإيمان والدين لابد من فقهها.\nومن التمس وجهًا واحدًا، فإنه يقع إما في الإفراط إن أخذ بعض النصوص التي تقوده إلى الإفراط، كمن لم يعرف من كلام الله سبحانه وكلام نبيه ﷺ في الوعيد إلا مثل قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:١٤] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠] وما إلى ذلك من أحاديث الوعيد التي سبق الإشارة إلى شيء منها ..\nفإنه يقع في الإفراط ولا بد؛ لأنه يرى أن هذه هي النصوص.\nوكذلك: من لم يعرف إلا نصوص الوجه الآخر، فإنه يقع في التفريط في هذا الباب؛ وهذا الباب قد انضبط الجمع فيه، ودُرئ الإفراط والتفريط في نتائجه المقولة في الآخرة من جهة الخلود في النار أو عدمه.\nولكن الذي يقع به وهم عند بعض المتأخرين وبعض المعاصرين هو في تقدير مسائل الكفر والتكفير وقيام الحجة وعدم قيام الحجة، فإنه يقع نزاع في مسائل لم تنطق بها النصوص أصلًا، كمسألة فهم الحجة هل يشترط؟ على قولين: القول الأول: أنه يشترط، والقول الثاني: أنه لا يشترط، وهذا كله من التكلف اللفظي.\nوالمعاني الشرعية -ولا سيما هذا المعاني الكبار- إنما تعتبر بحقائقها التي تجمع تحتها سائر النصوص التي قد تبدو لمن ليس له فقه أن ظاهرها التعارض.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>شرح العقيدة الواسطية [٢]</span>\nسنة الله الجارية في خلقه أن يفترقوا إلى فرق ومذاهب شتى، وقد حصل هذا الافتراق في هذه الأمة، كما حصل عند من سبقها من يهود ونصارى، لكن لا تزال في الأمة المحمدية الفرقة الناجية، وهي أوسط الفرق وأعدلها.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>افتراق المسلمين إلى فرق ومذاهب</span>\nقال المصنف: [أما بعد ..\nفهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة].\nالنبي ﵊ بيَّن أن أمته ستفترق، وهذا متواترٌ عن الرسول ﵊، تلقته الأمة -أعني: أهل السنة والجماعة- بالقبول، ولم ينازع فيه أحد من أئمة الحديث، فإنه تواتر عن النبي ﷺ من رواية جماعة من الصحابة: (أنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة)، وفي وجه: (حتى يأتي أمر الله).\nهذا الحديث المتواتر عن النبي ﷺ المتلقى بالقبول يدل على أن ثمة افتراقًا سيحدث.\nأيضًا ذكر النبي ﷺ الاختلاف في نصوص كثيرة، كقوله ﷺكما في الصحيحين-: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق).\nفمثل هذا النص وما في معناه يدل على أن ثمة افتراقًا.\nأيضًا الاختلاف والافتراق من جهة الوقوع لا أحد ينكره، فإن الأمة وقع فيها افتراق واختلفت، وصار فيها طوائف متحيزة لمذاهبها وأصولها.\nفمثل هذا مما لا ينبغي إنكاره أو التكلف في إنكاره.\nوقد جاء عن النبي ﷺفيما رواه أهل السنن وغيرهم من حديث أبي هريرة وأنس ﵄- أنه قال: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة) وهذا الحديث لا يختص وحده بذكر مسألة الافتراق في هذه الأمة، وقد أخرت ذكره؛ لأن فيه طعنًا من جهة صحته.\nلكن من أراد أن يرفع هذا الافتراق، ويقول أنه لا وجود له، وأن الأصول السلفية وغير السلفية لا فرق بينها، وإنما هذا اجتهاد للمحدثين، وهذا اجتهاد لبعض النظار ..\nوهلم جرا، ويدفع ذلك بأن الحديث المروي في الافتراق -وهو حديث: (افترقت اليهود\nإلخ) - حديث ضعيف ..\nفقد جاء أمرًا متكلفًا وارتكب شططًا؛ فإنه لو سلم جدلًا أن الحديث ضعيف -ليس بَيِّنَ الصحة والثبوت، وإن كان الأظهر فيه أنه ثابت- فإن الحكم لا يختلف؛ لأن الحديث المتواتر بيَّن أن الأمة سيقع فيها اختلاف، وأن طائفةً منها ستختص بالصواب، وإن كان اختصاصها بالصواب لا يلزم منه أن سائر ما يقع لغيرها من الأقوال والأفعال يكون باطلًا، بل يقع لهم قدر من الصواب إما مجملًا وإما مفصلًا، ولكن الذي اقتدى بسنة النبي ﷺ على تفصيلها هم أصحاب هذه الطائفة الناجية المنصورة.","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الفرقة الناجية من فرق المسلمين</span>\nهذه الطائفة ليس لها اختصاص بزمانٍ أو مكان أو جهة علمية كالحديث أو الفقه أو نحوه، إنما جاء في خصائصها أنها متبعة لكتاب الله ﷾ ولسنة نبيه ﷺ، فكل من اعتبر هذين الأصلين ولم يخرج عنهما إلى غيرهما، ولم يتكلف إفساد شيء منهما، فإنه يكون منها؛ فإنه ليس هناك طائفة من طوائف أهل القبلة الخارجة عن السنة والجماعة تعتبر هذين الأصلين.\nويقع عند بعض العلماء الكبار من المحققين المعاصرين أنهم يضيفون -كثيرًا-: فهم السلف الصالح، وهذه الإضافة إضافة حسنة في الجملة -ليس المقصود الاعتراض عليها- لكنها ليست شرطًا لابد من ذكره.\nفإذا قيل: إن الطائفة الناجية المنصورة إنما هي معتبرة بالكتاب والسنة لكان هذا كافيًا.\nوقد يقول قائل: إن كثيرًا من الفرق الإسلامية تقول: إنها على الكتاب والسنة، ولكن لا أحد منها يقول: إنه على فهم السلف.\nفأقول: إن الاستقراء الدقيق لسائر هذه الطوائف بلا استثناء يُعلم به أنه ليس هناك طائفة تعتبر أقوالها بالكتاب والسنة وحدهما؛ إنما يقع أحد أمرين: إما أن هذه الطائفة تجعل مع الكتاب والسنة أصولًا في الاستدلال، وهذا وقعت فيه جمهور الطوائف المخالفة للسنة والجماعة، وإما -وهو حال معتقدي المخالفين من الطوائف- أنهم لم يدخلوا أصولًا في الاستدلال إلا أنهم لا يعتبرون دلالة الكتاب والسنة على الإطلاق، كقولهم أن خبر الآحاد لا يحتج به في الاعتقاد.\nقد يقول قائل: إن التفسير لهذا الكلام حقيقته فهم السلف الصالح.\nفنقول: نعم، ومن هنا نقول: إن من أضاف هذا القيد فقد أضاف كلامًا حسنًا، وكأنه -بحسب الحدود المعروفة في المنطق- قيدٌ بياني؛ وذلك لأن إجماع السلف الصالح لا يخرج عن الكتاب والسنة، فإذا قلت: إن معتبر هذه الطائفة هو الكتاب والسنة فقد أصبت، وإذا قلت: إن معتبرها الكتاب والسنة والإجماع فقد أصبت.\nوقد ورد هذا التنوع في كلام السلف من الصحابة والأئمة، فإننا نجد أنهم يذكرون الكتاب والسنة تارة، وتارة يذكرون الكتاب والسنة والهدي أو الإجماع، أو ما إلى ذلك من الأحرف المعبرة عن هذا المعنى الفاضل.\nوهذه الطائفة مختصة بهذا الأمر، وهو أنها معتبرة بدليل الكتاب والسنة، وهي الطائفة الناجية -أي: من عذاب الله ﷾- وهي المنصورة، وكأن لفظ النجاة -والله أعلم- إشارة إلى نجاتها في الآخرة، ولفظ النصر إشارة إلى حالها في الدنيا، وكأن هذا هو موجب هذا التعبير وهذا التعبير، وليس هناك اختصاص لهذه الفرقة الناجية عن الطائفة المنصورة أو عكسه.","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>شرح قول المصنف: (إلى قيام الساعة)</span>\nقال المصنف: [أما بعد ..\nفهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة].\nقوله: \"إلى قيام الساعة\" لأن النبي ﷺ بيَّن: (أنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله)، وفي رواية: (حتى تقوم الساعة).\nمع أنه صح عن النبي ﷺفي الصحيح وغيره- أنه قال: (أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق)، ولا تقوم حتى لا يقال في الأرض: (الله الله) وهذا من التعبير العربي الواسع، فإن قوله: (حتى تقوم الساعة) ليس بالضرورة أن يدل على أن الساعة تقوم عليهم، بل عند قيامها؛ فإن من أمارات الساعة الريح التي يبعثها الله ﷾؛ فتأخذ نفوس المؤمنين، حتى يبقى الكفار فعليهم تقوم الساعة.\nفهذا معنى قوله ﷺ: (حتى تقوم الساعة)، وبهذا يتبين أنه ليس معارضًا لخبره: (أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق).","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>شرح قول المصنف: (أهل السنة والجماعة)</span>\nقال: [أما بعد ..\nفهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة].\nأهل السنة: أي هم المتمسكون بسنة النبي ﷺ.\nقد يقول قائل: لِمَ لم يقل: أهل القرآن؟\nالجواب: أنه ليس المقصود بالسنة هنا الحديث الذي هو كلام الرسول ﷺ، بل معنى السنة هنا أعم من ذلك، فإنه يراد بالسنة في هذا السياق ما بعث به النبي ﷺ، فسنة المرسلين هي رسالتهم، ويمكن أن يقال: إن أهل السنة هنا بمنزلة أهل الرسالة، فقوله: (أهل السنة) أي: المتمسكون بسنة النبي ﷺ، وسنته ليس فقط ما قاله ﷺ، بل ما بعث به، وأخصه القرآن الذي هو كلام الله ﷾، ثم ما أوحاه الله ﷾ إلى نبيه من الأقوال، وكذلك ما وقع له ﷺ من الأفعال الشرعية.\nقوله: \"والجماعة\" يقع في كلام بعض المتكلمين وأهل البدع أن هذا الاسم -يعنون \"الجماعة\"- دخل عليهم لما اجتمع الناس على معاوية ﵁، وهذا كله تكلف، فإن الجماعة لفظٌ شرعي، فقد قال الله ﷾: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] فيقصد بالجماعة الاجتماع.\nوفي هذا إشارة إلى أن الإصابة الشرعية معتبرة بشرطين:\nالأول: الفقه ..\nوهذا ما يمكن أن نعبر عنه بقول المصنف: \"السنة\".\nالثاني: الاتباع أو الاقتداء، وهو قوله: \"الجماعة\".\nوهذا يستلزم نتيجةً شرعية لا بد من فقهها: أن ثمة تلازمًا بين السنة والاجتماع، أو أن ثمة تلازمًا بين الفقه وبين الاتباع ..\nوهلم جرًا من المعاني.\nفمن اختص بفقه -ولاسيما في المسائل العامة التي تكلم فيها السلف- ليس عليه أثر صريح من كلام السلف فإنه ينكر عليه مهما أظهر للناظر أو للسامع أنه بناه على النصوص، وهذه النصوص من لم يفقهها فإنه يقع له اختلاطٌ كثير، ليس في مسائل الفقه، بل في مسائل فوق ذلك.\nوأضرب لذلك مثلًا:\nذكر النبي ﷺ الخوارج فوصفهم بقوله المتواتر عنه: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر -أي: الرامي- إلى نصله فلا يجد فيه شيئًا، ثم ينظر إلى رصافه فلا يجد فيه شيئًا، ثم ينظر إلى قذده فلا يجد فيه شيئًا، قد سبق الفرث والدم، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) وفي وجه: (قتل ثمود) وفي وجه: (قاتلوهم؛ فإن لمن قاتلهم أجرًا عند الله) وفي وجه: (لو يعلم المقاتل لهم ما أعد له لنكل عن العمل).\nفهذه الأحرف النبوية قد تقود الناظر فيها ابتداء -ولا سيما أنهم خرجوا على المسلمين، وكفروهم واستباحوا دماءهم، وأنهم لم يعتبروا حديث النبي ﷺ- إلى أن هؤلاء قومٌ كفار، وأن الذي كفرهم هو الرسول ﵊؛ لأنه قال: (يمرقون من الدين) ليس أي مروق، بل: (كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله ..\nقد سبق الفرث والدم) كالسهم إذا دخل رمية فخرج وليس فيه أي أثر لفرث أو دم، وكأنهم خرجوا من الإسلام لم يبق معهم منه أي أثر.\nفالأحرف فيها كنايات قوية في ذمهم وفي مروقهم وبعدهم عن السنة وما بعث به النبي ﷺ.\nلكن الصحابة ﵃ مع كل هذه النصوص لم يتطرق -حسب ما نقل في الرواية- إلى صحابي واحد أن النبي ﷺ قصد تكفيرهم، فإنهم لما ظهروا بآيتهم الحسية وبقتالهم للمسلمين، وبتكفيرهم لأئمة الصحابة الذين أدركوهم، وبسلهم السيف على المسلمين، لم يختلف الصحابة في قتالهم، لكن لم ينقل أي اختلاف عن الصحابة في كونهم ليسوا كفارًا، فقد أجرى فيهم علي بن أبي طالب والصحابة معه رضوان الله عليهم أجمعين سنة المسلمين، فلم يجهزوا على الجريح، ولم يتبعوا المدبر، ولم يغنموا الأموال، ولم يسبوا النساء والذراري.\nبل لما قتل أحدهم عليًا ﵁، وأدخل علي الدار قال: (إن مت فاقتلوه، وإن حييت فأنا ولي الدم).\nفقوله ﵁: (فإن حييت فأنا ولي الدم)، يدل على أن الرجل مسلم؛ لأنه لو كان كافرًا مرتدًا لم يكن لـ علي ﵁ ولاية في دمه، ولكان حكمه القتل مطلقًا: (من بدل دينه فاقتلوه)، وهذا ليس توانيًا من علي ﵁؛ فإنه لما ظهر الكفر الصريح البواح ما تردد ﵁بل ربما فعل أمرًا عده بعض الصحابة من الزيادة- في قتل من أظهره، فإنه لما ظهر المؤلهة التناسخية -وهي فكرة زندقية فلسفية نقلت من بلاد فارس وأدخلها قوم يظهرون التشيع، وليس لها أثارة لا في العقل ولا في الشرع ولا حتى في ديانة أهل الكتاب- وألهوا علي بن أبي طالب ﵁، أحرقهم بالنار، فاعترض ابن عباس ﵄ وطائفة على مسألة الإحراق، وقال ابن عباس ﵄كما في البخاري -: (لو كنت أنا لم أحرقهم، ولقتلتهم؛ لأن النبي ﷺ يقول: من بدل دينه فاقتلوه).\nفهذا الباب يحتاج إلى فقه واسع، ومن العجب أن ترى بعض طلبة العلم لا يجزم في بعض المسائل -وهي مسائل فقهية مفصلة- ويقول: إني متوقف فيها، مع أنها مسائل قد درست وصرح بدراستها، وضبطت في كتب الفقهاء.\nلكن تراه في هذه المسائل الاستطرائية وفي شأنها تخبط كثير، إفراطًا وتفريطًا فإن التفريط فيها ليس بعيدًا من جهة قدره وانتشاره عن الإفراط، فالإفراط موجود ولكن التفريط والتقصير في تحقيق هذه المسائل موجود أيضًا.","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>أصول أهل السنة والجماعة في أصول الإيمان</span>\n[وهو: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره].\nقصد المصنف ﵀ أن يكون ما يذكره في معتقد أهل السنة والجماعة من باب التفصيل للإيمان الذي بينه النبي ﷺ في حديث جبريل؛ فإن هذه الأصول من الإيمان هي التي ذكرها الرسول ﵊ في حديث جبريل لما فسر الإيمان، ومن هنا فإن سائر جمل المصنف التي يذكرها في باب الأسماء والصفات أو في باب الإيمان ومسماه، أو باب القدر، أو باب اليوم الآخر؛ هي داخلة في الإيمان بالله؛ فإن الإيمان بجميع ما هو من شرع الله ﷾العلمي والعملي- من الإيمان به ﷾.\nكذلك سائر هذه التفاصيل التي يذكرها المصنف ﵀ هي من الإيمان بالكتب، ومن الإيمان بالرسل؛ لأن الدلالات يتنوع موردها، فقد يدل السياق على معنىً من المعاني بدلالة المطابقة أو بدلالة التضمن أو بدلالة التلازم، فسائر هذه المعاني تقع على هذا الوجه.\nويمكن أن يقال: إن هذه التفاصيل العقدية التي ذكرها المصنف ﵀ وغيره في معتقد أهل السنة والجماعة حقيقتها الإيمان بالله ﷾.\nوالمصنفون إذا ذكروا الإيمان فتارةً يريدون به القول في مسماه والرد على المرجئة بذلك، وتارةً يريدون به مسائل الاعتقاد والأصول على الإطلاق.\nوالطريقة الأولى هي طريقة البخاري في صحيحه، والثانية هي طريقة الإمام مسلم في صحيحه، فكتاب الإيمان في صحيح البخاري هو على الطريقة الأولى، أي: القول في مسماه، فقد ذكر البخاري ﵀ فيه مسمى الإيمان والرد على المرجئة في ذلك.\nأما الإمام مسلم فإنه لما وضع في صحيحه كتاب الإيمان قصد بذلك أصول الاعتقاد، ولهذا ضمنه جمهورًا من أحاديث أصول الاعتقاد في التوحيد والقدر والشفاعة وغير ذلك.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الطريقة المثلى لتدريس العقيدة</span>\nقول المصنف: (وهو الإيمان بالله\nإلخ) مما يبين أن معتقد أهل السنة والجماعة لا يخرج عن الأصول التي بعث بها النبي ﵊.\nوهذا ينبه إلى مسألة، وهي: أن ما أحدثته الطوائف من أقوال بدعية في مسائل أصول الدين لا يوجب الزيادة على ما بعث به النبي ﵌، بل يبقى معتقد أهل السنة والجماعة هو المعتقد الذي كان عليه الرسول ﵊ وأصحابه من بعده.\nولهذا كانت الجمل المستعملة في كلام أئمة السلف التي لم ترد بألفاظها في كلام الله ورسوله أو في كلام الصحابة هي -في الغالب-: إما جملٌ سياقها يقع على النفي، أو جملٌ يقصد بها درء شبهة ودفع باطل قد طرأ على الحق.\nمثلًا: شاع في كلام أئمة السنة والجماعة إذا ذكروا مسألة القرآن القول بأن القرآن غير مخلوق؛ مع أن هذه الجملة من جهة حرفها لا وجود لها في الكتاب والسنة أو في كلام الصحابة ﵃، وإنما الذي في القرآن أنه كلام الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦].\nوهذا الأمر -وله أمثلة كثيرة في كلام السلف- يبين لنا أنه حين يقرر المعتقد الواجب على سائر المسلمين أن يتبعوه، وهو معتقد أهل السنة والجماعة والمعتقد الذي بينه النبي ﷺ للأمة كلها، وأوجب على الأمة أن تتبعه، فإن هذا المعتقد يجب أن يذكر بطريقة التقرير ابتداءً؛ فإنها الطريقة المعتبرة في القرآن والسنة.\nأما ذكر هذا المعتقد بطريقة الردود وجمل النفي من غير ذكر لجمل الإثبات، فإن هذا ليس من منهج أئمة السلف، فضلًا عن كونه غير معرف بالحق، فإنك لو خاطبت من خاطبت من المسلمين من خاصتهم أو عامتهم بجمل من النفي، فإنهم يعلمون من هذه الجمل أن هذا المنفي ليس حقًا، لكن تعيين الحق من جهة كونه كلامًا مثبتًا مفصلًا قد لا يصلون إليه.\nقد يقول قائل: إن النفي يستلزم إثبات الضد، فإذا عرف المسلم (أن القرآن غير مخلوق) علم أن السلف يرون أن القرآن كلام الله ليس مخلوقًا، وأن هذا رد لقول من قال: إنه مخلوق من الجهمية والمعتزلة ونحوها.\nفأقول: إن متكلمة الصفاتية يبطلون بدعة الجهمية من جهة عمومها، فينفون أن القرآن مخلوق، ومع هذا فإنهم -أعني عبد الله بن سعيد بن كلاب من بعده من متكلمة الصفاتية- لا يثبتون معتقد أهل السنة والجماعة من كون القرآن هو كلام الله بحروفه، وأن كلام الله ﷾ يقوم بذاته ومشيئته، وأنه بحرف وصوت مسموع\nإلخ.\nفالمقصود من هذا: أن تقرير المعتقد في سائر المسائل لا ينبغي أن يعتبر ابتداءً بمسألة النفي أو الرد، وإنما يعتبر بجمل التقرير، وهي الجمل الخبرية أو الجمل الأمرية التي سياقها خبري، ولكنها وقعت أمرًا من الشارع، أي: ألفاظها ألفاظ خبرية، ولكنها جاءت في سياق الأمر أو التشريع.\nوالمصنف ﵀ هنا أتى على هذا القصد الفاضل بقوله: (وهو الإيمان بالله).\nوهذا أيضًا تأكيد لما سلف من أن معتقد أهل السنة والجماعة هو الإسلام الذي بعث به النبي ﷺ، وبموجب هذا فإن سائر الطوائف التي يقال عنها أنها مخالفة للسلف هي قبل ذلك مخالفة للإسلام الذي بعث به النبي ﵊.","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>صور ورود الإيمان في النصوص</span>\nقول المصنف ﵀: [وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره].\nهذا الذي ذكره الرسول ﵊ في بيان الإيمان، وسائر هذه الجمل الشرعية جمل عقدية، فإن الإيمان بالله والملائكة والكتب والقدر واليوم الآخر هي من محل القلب.\nومن هنا ظن كثير من الطوائف -ولا سيما المرجئة- أن الإيمان هو التصديق، وأهل السنة والجماعة لم يذهبوا بعيدًا عن هذا الأصل الذي ذكره الشارع؛ فإنهم وإن قالوا: إن الإيمان قول وعمل، فإنهم يقولون: إن أصل الإيمان في القلب.\nولهذا فإن الشارع إذا ذكر الإيمان ومعه التفاصيل التي هي تبع لهذا المعتقد؛ فإنه يذكر الإيمان على جهة الاختصاص، وهذا هو الذي وقع في حديث جبريل ﵇؛ فقد جعل النبي ﷺ الإيمان هو المعتقد، وجعل الإسلام هو العمل، وهو ﵊ في حديث عبد القيس فسر الإيمان بما فسر به الإسلام في حديث جبريل ﵇.\nوهذا أمر يأتي التفصيل فيه، ولكن يقال هنا: إن السلف وإن قالوا: إن الإيمان قول وعمل إلا أنهم لا يختلفون أن أصل الإيمان في القلب، وأن التصديق هو الأصل في هذا الإيمان، وهو التصديق الذي يقع معه إذعان.","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>ما اجتمع عليه أهل القبلة وما اختلفوا فيه</span>\nقال المصنف ﵀: [وهو الإيمان بالله وملائكته\nإلخ].\nالمصنف في رسالته، بل جمهور من كتب من أهل السنة والجماعة في أبواب أصول الدين يعنون -إذا ذكروا مسائل أصول الدين- بالجمل الخبرية التي وقع في مناطها كثيرٌ من الاختلاف، وهذا تحته تعليقان:\nالأول: أن هذه الجمل الكلية من معتقد المسلمين جمهورها متفق عليه بين سائر أهل القبلة.\nفمثلًا: حين يقال: إن ثمة خلافًا بين الطوائف في مسائل الأسماء والصفات، فهذا لا شك أنه ثابت، ولكن إذا اعتبرت كليات هذا الباب وهو القول بأن الله ﷾ ليس كمثله شيء، وأنه ﷾ مستحق للكمال منزه عن النقص ..\nإلى غير ذلك من هذه الكليات؛ فإن المسلمين جميعًا قد اتفقوا عليها، ولا يعقل أن أحدًا ينتسب إلى الإسلام أو إلى شريعة نبي من الأنبياء صدقًا ينتقص الرب ﷾ أو يقول بأنه ليس مستحقًا للكمال.\nوفرق هنا بين الأقوال الدالة بمنطوقها على ذلك، وبين الأقوال التي تستلزم هذا أو تتضمنه، ولكن صاحبها لا يقصد بها هذا المفهوم؛ فأقوال الجهمية -بل ومن دونهم- تعطيل للرب ﷾ عن صفات الكمال، ولكن هذا التعطيل هو إما من جهة التضمن، وإما من جهة اللزوم في مذاهبهم.\nأما أنهم صرحوا بهذا التعطيل حرفًا وقصدوه، وعرفوا أنه من النقص، فهذا لم يقع لهم ولم يقع لأحد من أهل القبلة.\nالثاني: جمهور المصنفين في معتقد أهل السنة والجماعة -والمصنف في هذه الرسالة- يذكرون المسائل التي هي محل نزاع من جهة تفاصيلها.\nفمثلًا: قد يقول قائل: إن مسائل الربوبية -بل وحتى مسائل الألوهية- لا نراها تفصل في الكتب التي تذكر معتقد أهل السنة والجماعة، فإنه وإن كان ثمة كتب من كتب أهل السنة والجماعة مختصة بهذا الباب -كتوحيد العبادة؛ ففيه مصنفات كثيرة- لكن عند النظر فيما صنف في المعتقد نجد أن جمهور هذه الكتب لا تذكر مسألة توحيد العبادة إلا على قدر من الإجمال، ولا تذكرها تصريحًا، والمصنف في هذه الرسالة لم يعن بتقرير هذه المسألة.\nوكأن هذا إشارةٌ -والله أعلم- إلى أن السلف ﵏ ومن بعدهم من أتباعهم اشتغلوا بذكر الأصول التي صارت مورد نزاع.\nوهذا يبين أن توحيد الربوبية من جهة حقائقه، أو بتعبير أدق: من جهة نتائجه: ليس مورد نزاع، فإن هذا الأصل من حيث هو كلي كان المشركون مقرين به، وإن كان يقع لهم انحراف عن بعض تفاصيله بما هو من الشرك، لكن مسائل الربوبية لم يشتغل السلف ﵏ بتفصيلها وتقريرها: كمسألة إثبات وجود الله وأنه الخالق وأنه الملك وأنه المدبر\nإلى غير ذلك.\nوإن كانوا فصلوا في باب الأسماء والصفات الذي حقيقته أنه من أخص مقامات الربوبية لله ﷾، فإن غرضهم بتفصيل مسألة الأسماء والصفات هو بيان أن الله ﷾ متصف بهذه الصفات، وأنها صفات تقوم بذاته، وهذا درءٌ للقول الذي أحدثته الجهمية والمعتزلة من القول بأن الرب سبحانه لا يقوم بذاته شيءٌ من الصفات، وإن كانت سائر طوائف المسلمين تثبت ما هو من أحكام الصفات، وإلا فإن من نفى الصفات -أي: من نفى قيام الصفات بالذات- ونفى أحكام الصفات، فإنه لا يكون من الإسلام في شيء، بل ولا ينتسب إلى ديانة نبي من الأنبياء صدقًا.\nفإن الجهمية والمعتزلة وإن قالوا: إن الرب ﷾ لا يقوم بذاته صفة العلم أو القدرة أو السمع أو البصر أو ما إلى ذلك، لكن لا أحد منهم يصف الله ﷾ بضد ذلك، فإنهم وإن لم يقولوا بأنه يقوم بذاته العلم، فإنهم لا يصفونه بالجهل\nوهلم جرًا.\nوأيضًا فإنهم يثبتون أحكام الصفات، أي: كون الرب ﷾ لا يعزب عنه شيء، فهذا المعنى من جهته حكمًا تثبته الجهمية والمعتزلة وسائر من نفى الصفات، وإن كانوا لا يثبتونه صفةً تقوم بذات الرب سبحانه.\nإذًا: باب الربوبية لم يشتغل الأئمة بتفصيله كمسألة وجود الله ونحوها؛ لأن القرآن نفسه لم يذكر هذه المسألة على التفصيل التقريري للمؤمنين باعتبارها مسألةً فطرية، وباعتبارها محل إقرار عند جمهور الناس، وإن كان -كما أسلفت- يقع للمشركين انحراف -بل شرك- في بعض تفاصيل الربوبية.\nوأما مسألة الألوهية: وهي إفراد الله ﷾ بالعبادة، فهذه المسألة هي أخص مسألة تذكر في كتاب الله ﷾، ومشركو العرب كانوا مخالفين في هذا الأصل، بل هو أصل مخالفتهم هم وغيرهم من المخالفين للرسل، بل يمكن أن يقال: إن العرب لم يكونوا على إظهار للمخالفة في مسائل الأسماء والصفات، بل كان القرآن بين ظهرانيهم يسمعونه، ومع ذلك لم يعترضوا على النبي ﷺ بشيء في باب الأسماء والصفات أو أن العقل يمنع شيئًا من ذلك.\nوهذا المعنى من جوابات أهل السنة والجماعة على المعتزلة والجهمية الذين زعموا أن العقل يمنع ثبوت هذه الصفات، فيجيب عليهم أهل السنة بأن العرب لم يعترضوا على شيء من هذا بما يقال: إنه من الطرق العقلية التي لا تختص بأمة من الأمم.\nفالذي ذُكر في القرآن على التفصيل هو توحيد العبادة الذي هو إفراد الله ﷾ بالعبادة.\nفهنا يقال: هل توحيد العبادة من المسائل التي حدث فيها نزاع بين أهل القبلة؟\nهنا جهتان:\nالجهة الأولى: أن يقال: إنها مسألة حدث فيه نزاع نظري.\nالجهة الثانية: أن يقال: إنها مسألة حدث فيها انحرافٌ عند كثير من الطوائف.\nأما على الاعتبار الأول فيقال: إن هذه المسألة باعتبار أصولها مسألة محكمة، بمعنى: أنه لم يسوّغ الشرك على الإطلاق أو يبطل التوحيد على الإطلاق أحد من الطوائف إبطالًا نظريًا، نعم وقع في كلام بعض علماء السنة والجماعة من المتأخرين ومن أخصهم الإمام ابن تيمية ﵀ أن المتكلمين لم يشتغلوا بتقرير توحيد الألوهية، وهذا حق، فإنك إذا نظرت كتب المتكلمين من سائر طوائف المتكلمين لا ترى أن لهم اشتغالًا بتقرير هذا التوحيد، ولكن هناك فرقًا بين كون القوم لم يشتغلوا بتقريره -ولا شك أن ذلك تقصير وافتيات على الأصول- وبين كون القوم لا يقرون به أو حتى لا يعرفونه.\nولهذا: إذا قيل: إن المتكلمين لا يعرفون هذا التوحيد، فإن هذا القول على هذا الإطلاق ليس بصحيح، إلا إذا فسر بمعنىً صواب، فإذا فسّر بأنهم لا يفرقون بين توحيد الله والشرك به فهذا لم يقع لطائفة من الطوائف، بل إن الرازي مثلًا -وهو من المتكلمة المتأخرين من الأشاعرة- إذا ذكر بعض مسائل الشرك الأكبر ذكر أن هذا كفرٌ وخروج من الملة بإجماع المسلمين.\nإذًا يقال: إن الذي وقع عند طوائف المتكلمين هو عدم تحقيق هذا الأصل الشريف وهو توحيد العبادة؛ لأنهم لم يشتغلوا بتقريره وبيانه والدعوة إليه والدفاع عنه ..\nفهذا الحق قصر فيه هؤلاء المخالفون، وليس هو أول تقصيرهم أو خروجهم عن هدي النبي ﷺ.\nأما أن القوم ينكرونه أو لا يؤمنون به أو ما إلى ذلك من المعاني، فهذا ليس بصحيح، فإنه لم يقع لطائفة من الطوائف من أهل الكلام أنها نظّرت في كتبها لمسائل الشرك وأقرتها، وأبطلت مسائل توحيد العبادة وردتها.\nإذًا: هذا الأصل وهو توحيد العبادة من جهة كونه أصلًا نظريًا لم يقع فيه اختلاف نظري، لكن الذي وقع هو انحراف في تطبيقه وتحقيقه، وهذا الانحراف جمهوره وقع عند القاصدين إلى مسائل العمل، ممن دخل باسم التصوف أو العبادة أو ما إلى ذلك؛ فإن جمهور هؤلاء العباد المتأخرين المنحرفين عن سبيل السنة والجماعة ومن يتبعهم من العامة وقع لهم انحراف أو تقصير في هذا التوحيد، فضلًا عن الشيعة؛ فإنهم أيضًا منحرفون في كثير من مسائل هذا التوحيد.\nإذًا: هذا التوحيد وقع فيه بين طوائف المسلمين انحراف؛ بل يوجد عند بعض الطوائف انحراف يصل إلى حد الشرك الأكبر أحيانًا، لكنه يقرر بوجهٍ من العمل، ليس على جهة كونه شركًا أكبر مضادًا للتوحيد، بل كما قال شيخ الإسلام ﵀: (إنما يقع من المخالفة في العمل عند طائفة من هؤلاء يحسبون أنها من الإيمان الذي بعث به النبي ﷺ، قال: مع أنه يعلم بالضرورة أنها من الشرك الذي بعث النبي ﵌ بإبطاله).\nفهو انحراف شائع، إما شرك أصغر وإما بدع، وتارةً يكون شركًا أكبر، وهذا الانحراف ليس مخصوصًا بهؤلاء وهؤلاء، بل حتى عند كثير من المتكلمين يقع شيءٌ من ذلك في بعض المسائل، ولا سيما بعدما امتزجت كثير من مسالك الصوفية بمسالك المتكلمين.","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>امتزاج التصوف بعلم الكلام</span>\nإذا نظرت إلى من أحدث النظر وعلم الكلام من أئمة الجهمية والمعتزلة وجدت أنهم بعيدون عن المسالك العبادية -مسالك العمل- ولهذا ليس بينهم وبين الصوفية شيء من التوافق، حتى بدأ هذا العلم -أعني علم الكلام- يقرب إلى التصوف وبدأ التصوف يقرب إليه.\nوكان لهذا موجبات، من أخصها: ظهور المعتزلة البغدادية، والذين كانوا متشيعين لـ علي بن أبي طالب ﵁، فحصل بين التشيع وبين الاعتزال قدر من التآلف والاختلاط، وإلا فإن أصول الشيعة كانوا على مذهب التشبيه في الصفات، ثم انحرفوا إلى مذهب التعطيل على طريقة معتزلة بغداد.\nفهذا التآلف -مع ما هو معروف عند الشيعة من الغلو في آل البيت كـ الحسين بن علي وغيره- جعل مسائل النظر تدخل على هذه المسائل الأخرى من العمل، فصار هذا الانحراف النظري يشاركه انحراف في مسائل العمل.\nثم لما ظهر المتفلسفة المحضة -وهم الفلاسفة الذين يصرحون بالفلسفة ويجعلونها طريقًا صريحًا لهم، ولا سيما فلاسفة المشرق كـ أبي نصر الفارابي والحسين بن عبد الله بن سينا وأمثال هؤلاء- كان من طرقهم التي أحدثوها أن الناظر لا يلزم بالضرورة أن يكون له أخذٌ واحد، بل يكون له أخذ من جهة النظر، وأخذ من جهة العمل، فقرروا بذلك طريقًا مخترعًا، وهو أن المذهب الشخصي للواحد -أي: المعتقد للشخص الواحد- لا يلزم أن يكون معتقدًا واحدًا، بل يكون متعددًا.\nومن هنا تجد ابن سينا في بعض كتبه رجلًا عقلانيًا نظريًا، يأخذ الطريقة العقلانية التجريدية المبالغة في العقلانية والتجريد؛ حتى لا يعتبر كثيرًا من أدلة العقل، وهي الأدلة الحسية وما إلى ذلك، معتبرًا أن هذه الأدلة -كما يزعم عن أرسطو وغيره- هي من الدلائل الخطابية أو من الدلائل الجدلية، وأن برهان اليقين لا يكون بمثل هذه الدلائل.\nثم تجده بعد أن استعمل طريقة التجريد العقلي الغالية في الأخذ بالعقليات والبعد عن مسائل الحس وما يتعلق بها، تجده في كتب أخرى له رجلًا صوفيًا إشراقيًا يعتبر مسائل النفس والعمل وما إلى ذلك، ويبتعد عن مسائل النظر والعقل.\nفالاختلاط عند هؤلاء المتفلسفة لم يقتصر عليهم؛ إذ لما ظهر متكلمة الصفاتية، وكان خلق منهم قد اشتغل بالفقه، وخلق منهم قد اشتغل بعلم الكلام، وخلق منهم قد اشتغل بعلم الحديث، صار أتباعهم إلى مثل هذه الأنحاء.\nفجاء -مثلًا- أبو حامد الغزالي، وهو من متكلمة الأشعرية، من أصحاب أبي المعالي الجويني، فصرف المذهب الأشعري عن صورته الأولى التي كان عليها الأشعري ومتقدمو أصحابه، وانحرف به انحرافًا باطلًا، وإن كان المذهب من أصله ليس على السنة المحضة، فوضع أبو حامد الغزالي للمذهب الأشعري منهجًا ذكره في كتابه (ميزان العمل)، وصرح بأن المذهب ليس واحدًا، بل ثمة المذهب الجدل، وثمة المذهب اليقين، وثمة المذهب العام، فجعل علم الكلام مذهبًا للجدل والدفع عن عقيدة المسلمين كما يقول، وجعل المذهب اليقين طريقة التصوف، الذي هو سر -كما يقول أبو حامد - بين العبد وبين ربه، وجعل للعامة مذهبًا ثالثًا يخاطب به العامة من الناس الذين لا يعرفون طريق النظر ولا يؤهلون لطريق اليقين والتصوف.\nفهذه الطريقة التي قررها الغزالي في كتبه انتشرت عنده وعند غيره، ومن هنا يعلم أن الانحراف -أعني الانحراف في توحيد العبادة- لم يختص بالصوفية أو الشيعة فقط، بل وقع حتى عند بعض النظار الذين قرروا مثل هذه المسائل.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>شرح العقيدة الواسطية [٣]</span>\nالخلاف في أصول الدين لم يكن موجودًا في أول الإسلام، بل ولا حتى بعد وفاة النبي ﷺ، وإنما كان أول ظهوره بعد توسع دولة الإسلام في عهد عمر ومن بعده عثمان ﵄، إذ دخل في الإسلام أقوام كان لهم أديان وثقافات سابقة، وكانت هذه الثقافات أساسًا في ظهور أفكار مخالفة للمنهج القويم، خصوصًا عند من لم يصْفُ إيمانه ولم تستقم عقيدته من أهل تلك البلاد.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>منهج ابن حزم في أسماء الله وصفاته</span>\nقال المصنف ﵀: [ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل].\nيستعمل المصنف ﵀ طريقة الإدخال على هذا الأصل الشريف الذي هو أخص الأصول، وهو الإيمان بالله ﷾.\nقول المصنف ﵀: (ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ) استعمل المصنف ﵀ لفظ الوصف، مع أن هذا اللفظ لم يرد في القرآن، ولا في جمهور الحديث المروي عن النبي ﷺ، إلا في بعض الروايات التي اختلف موردها عند المحدثين، بمعنى أنه: قد يتعذر الجزم بأن هذا التعبير هو الحرف الذي عبر به النبي ﷺ.\nومن هنا فإن أبا محمد ابن حزم ﵀ لما ذكر في كتابه (الفصل) ما يتعلق بمعتقد أهل السنة والجماعة في مسائل الأسماء والصفات، كان مما ذكره أن هذا اللفظ لفظ مخترع، لا يضاف إلى الرب ﷾؛ لأنه لم يرد في الكتاب والسنة ..\nوهذه طريقة متكلفة من أبي محمد ابن حزم، فإن هذا الإمام مع سعة علمه وسعة فقهه وفضل ديانته ﵀ إلا أنه لما ذكر تقرير المعتقد عند أهل السنة والجماعة اختلط الأمر عليه في كثير من الأبواب.\nفهو من جهة ذم البدع والرد على أهل البدع من سائر الطوائف قد أغلظ في الرد حتى على الطوائف التي لم يغلظ عند محققي من أهل السنة المتأخرين شأنها بدرجة التغليظ الذي قاله ابن حزم، وكذلك المقالات التي لم يغلظ في شأنها بعض أئمة السنة الكبار.\nومع هذا فإن ابن حزم في هذا الباب شديد التمسك، لدرجة أنه وقع له قدر من الزيادة فيه، أعني: في الامتداح والحث على التمسك بمذهب أهل السنة والجماعة، والذم للمذاهب المخالفة، فإن من طرق ذمه أنه يكفر بعض الأعيان من المخالفين، وهذه الطريقة ليست مستعملة في كلام متقدمي من السلف، كما أنه قد يزيد في ذم بعض الأقوال بما لم يقع مثله في كلام السلف أو في كلام محققي أهل السنة والجماعة كـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فهو في باب الانتساب لمذهب أهل السنة والجماعة محقق، بل عنده زيادة في التحقيق أيضًا، لكنه في باب التقرير مقصر.\nهنا مسألة أحب أن ينتبه لها ولا سيما عند المتأخرين: وهي أن ثمة فرقًا بين الانتحال وبين التقرير، فإن طائفة من المتأخرين من أصحاب الأئمة ينتحلون السنة والجماعة، لكنهم يقصرون عند تقريرها، ففرق بين مقام تقرير المذهب وبين انتحاله -أي: الانتساب إليه- والولاء له والذم لمخالفه ..\nفهذا الأخير سهل التحصيل في الغالب، لكن الشأن الأعظم في تقرير جمل الحق وتفاصيلها.\nوهذا نجده عند أبي محمد ابن حزم، فإنه إذا انتهى إلى التفاصيل فإنه يبتعد عن الصواب، ومن أخص ذلك -بل هو أخص باب غلط فيه- باب الأسماء والصفات، فإنه انتهى فيه إلى نتيجة مركبة من مقالات أهل السنة والجماعة ومن مقالات المعتزلة، بل بعض طرقه -كما ذكر شيخ الإسلام ﵀- هي من طرق الفلاسفة التي لم تصرح بها حتى المعتزلة.\nإذًا: قوله في هذا الباب قولٌ مختلف وملفق ومركب من غير مادة، ولهذا لا يعتبر قوله في باب الأسماء والصفات؛ فإن غلطه فيه أكثر من صوابه، ولكنه ﵀ في باب الإيمان والأسماء والأحكام قال كلامًا حسنًا، وذكر معتقد أهل السنة والجماعة بصورةٍ حسنة، وإن كان حتى في هذا الباب -أعني باب الأسماء والأحكام ومسمى الإيمان- عنده غلط فيه، لكن صوابه أكثر من خطئه فيه، فطريقته ليست منتظمة على جهة واحدة.\nإذًا: عند التحقيق فإن أبا محمد ﵀ ليس ممن يؤخذ عنه التفاصيل، وكأن هذا -والله أعلم- هو المنهج اللائق بهذا الإمام حتى في فقهه؛ فإنه رجل محقق في النظر والبحث وتتبع الدليل، ولكن من جهة منهجه الفقهي فضلًا عن منهجه العقدي فإنه يقع له تقصير كثير.\nولهذا فإن من اعتبر منهجه ﵀ على طريقة الاستفادة بعد النظر في أقوال السلف وفي أقوال الفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة وأئمة الاجتهاد من متقدمي السلف فإنه يقع له استفادة كبيرة من كلام ابن حزم: من تبيين بعض الأدلة أو التعليق عليها أو حسن الاستدلال أو المعارضة أو ما إلى ذلك.\nومن تأثر بطريقة ابن حزم في الفقه فضلًا عن الاعتقاد فإنه في الغالب يقع عنده كثير من الغلط والشذوذ والتقصير، والذي يعجب منه أن من يتأثر بطريقة ابن حزم لا يوافق ابن حزم على بعض أصوله، فمثلًا: ابن حزم لا يعتبر القياس، ومع ذلك فإن من تأثر بطريقته في الفقه لم يعتبر طريقته في الأصول، فإنه يرجح كثيرًا من المسائل باعتبار أن الدليل فيها عند الفقهاء هو وجه من القياس، والقياس ليس معتبرًا في الاستدلال عنده.","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>من أصول أهل السنة أن الله سبحانه موصوف بصفات الكمال منزه عن صفات النقص</span>\nقول المصنف ﵀: [ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه].\nمن أصول أهل السنة والجماعة أن الله ﷾ موصوف بصفات الكمال منزه عن صفات النقص.\nقال الإمام أحمد: (لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا يتجاوز القرآن والحديث).\nهذا الأصل الذي هو من أشرف وأخص أصول أهل السنة والجماعة هو أصل فطري باعتبار جمله الكلية، وهو أيضًا أصل عقلي باعتبار جمله الكلية وكثيرٍ من التفاصيل أيضًا، وهو أصل مفصل باعتبار دليل السمع.\nفإن المشركين الذين بُعث النبي ﷺ فيهم من أجناس الكفار لم يقع عندهم إعراض عن هذا التوحيد، أو إبطال لأسماء الرب ﷾ وصفاته، ومن هنا تعلم أن هذا التوحيد هو الأصل في معتقد المسلمين، وأن الخروج عنه هو من الخروج عن صريح الكتاب والسنة.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>ظهور الخلاف في مسائل أصول الدين</span>\nلما توفي النبي ﵌ لم يقع بين المسلمين اختلافٌ في مسائل أصول الدين، نعم قد حدثت الردة وارتد كثير من قبائل العرب، وقاتلهم الصديق في القتال المعروف بقتال المرتدين، لكن لم يحدث نزاع في مسائل أصول الدين بين المسلمين لا في المدينة النبوية ولا في بوادي العرب، حتى جاءت خلافة عمر، وأسلمت كثير من البلاد التي لم تكن كالجزيرة العربية في أمية أهلها، ففتحت العراق وبلاد أخرى، وكان أهل هذه البلاد المفتوحة أصحاب علمٍ سابق، ونظر سابق، وأصحاب ديانات سابقة؛ فهذه البلاد التي فتحت زمن عمر ﵁ وفي زمن عثمان ﵁ ..\nأسلم أهلها من جهة الجملة، لكن إسلامهم لا يستلزم أنهم أصبحوا من أهل الإيمان والتحقيق، فإن الله سبحانه قال عن الأعراب: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] فأهل هذه البلاد أسلموا إسلامًا عامًا، وكثير منهم صار من المؤمنين الصادقين ومن أولياء الله ﷾، لكن في كثير منهم تقصير وفسوق وظلم وغير ذلك.\nوقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنه كما وجد النفاق في المدينة النبوية، فإن النفاق العلمي ظهر ووجد في مثل هذه الأمصار العراقية والشامية وغيرها، والتي فتحت زمن الخلافة الراشدة، فهذه الأمصار كثير من أهلها عندهم قدر من عدم التحقيق في هذه الأبواب الشرعية.\nوهذه البلاد -أيضًا- كان عندها شيء من الثقافات السابقة، فأهالي العراق وبلاد فارس كانت موطنًا للفلسفات: فلسفات اليونان التي في أعالي العراق، وفلسفات الفرس، وفلسفات الهند، وهي فلسفات متداخلة.\nهذه الفلسفات والأقوال والطرق بقي منها شيء، وكذلك بقي قومٌ على أصل دينهم وملتهم لم يدخلوا الإسلام\nفهذا الإسلام المعروف تاريخيًا هو إسلام عام لا يعني تحقيق الإيمان، فقد كان في هؤلاء المقصر وفيهم الظالم وفيهم الفاسق وفيهم المنافق النفاق العلمي\nوما إلى ذلك.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>ظهور الخوارج</span>\nومن هنا: فإن أول نزاع حدث في مسائل أصول الدين هو نزاع الخوارج، لما خرجت الخوارج وكفرت مرتكب الكبيرة من المسلمين.\nولكن الخوارج لم تأخذ هذه المقالة -وهي القول بأن مرتكب الكبيرة كافر- من ديانة سابقة أو نظرية من النظريات المعروفة في الديانات المخالفة لدين الإسلام أو حتى لدين المرسلين، بل هي مقولة دخلت على الخوارج لموجبات، أخصها: الطعن في السنة النبوية، حيث لم يعتبروا رواية الصحابة عن النبي ﷺ، وكذلك عدم الفقه لكتاب الله ﷾، ولو اعتبرت الخوارج الأولى القرآن، فإن القرآن صريح في أن أهل الكبائر ليسوا كفارًا.\nألا ترى أن الله ﷾ يقول في كتابه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، ولو كان الزنا كفرًا لكان حكمه في كتاب الله القتل؛ لأنه (من بدل دينه فاقتلوه)؟\nألا ترى أن الله ﷾ يقول في قتل العمد: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:١٧٨] فسوغ العفو فيه، وجعل القاتل أخًا، ولم يسقط عنه حق الأخوة.؟\nألم تر أن الله سبحانه يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]؟ ولم يأمر بالقتل من باب الردة ...؟ إلى غير ذلك.\nوالخوارج ليسوا معذورين في مسألة السنة، بل حتى القرآن؛ فإن سائر الأصول التي ضلوا فيها محققة في كتاب الله ﷾، فإن مسائل الأسماء والصفات، والقدر، والشفاعة، والإيمان ومسماه، والأسماء والأحكام وغيرها هي صريحة في كتاب الله، كما أنها أيضًاأيضأيضًا صريحة في سنة النبي ﷺ.\nفالمقصود: أن مقولة الخوارج هي في هذا الوجه، مع ما في نفوس الخوارج من الشدة التي لم يقيدوها بهدي الشارع، وهدي الشريعة، والتي جاءت بأن تكف النفوس عن طباعها، فإن النفوس تميل إلى هذه الشدة، والله لما ذكر الإنسان من جهة جنسه قال: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] فإذا انفك الإنسان عن هدي الرسالة فإنه يميل إلى الشدة الكامنة فيه.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>ظهور الشيعة</span>\nثم ظهرت الشيعة في ذلك التاريخ، فظهر ثلاثة أصناف من الشيعة: مفضلة لـ علي ﵁ لم تسب أبا بكر وعمر ﵄، واشتهرت الشيعة السابة، وهؤلاء وهؤلاء نقول: إنهم من أهل الأهواء.\nثم ظهرت الشيعة المؤلهة لـ علي بن أبي طالب، وهذا القول ليس له مورد من الاشتباه في النصوص أو في الإسلام أو في حقوق آل البيت أو نحو ذلك.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>أقسام البدع التي ظهرت في الإسلام</span>\nهذه الطريقة التي نتدرج في ذكرها الآن نحب أن نصل فيها إلى نتيجة وهي: أن البدع المخالفة للسنة والجماعة أو البدع المخالفة لمذهب السلف تنقسم في الجملة إلى قسمين:","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>القسم الأول: بدع غير منقولة</span>\nالقسم الأول: بدع لم تنقل من خارج الإسلام إلى الإسلام، وإنما هي ضلال وعدم اقتداء من أصحابها بفهم كتاب الله والأخذ بهدي الرسول وأصحابه؛ كبدعة الخوارج وجمهور بدع المرجئة وغير ذلك.","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>القسم الثاني: بدع منقولة</span>\nالقسم الثاني: بدعٌ ليس عليها أثارة من هدي الرسالة، بل هي بدع منقولة، وإن كان أصحابها لما نقلوها بما يظهرونه وينتسبون به إلى الإسلام استعملوا معها جملًا من جمل القرآن الكلية.\nوبهذا يتبين أن البدع المخالفة ليست وجهًا واحدًا، وهذا يقودنا بعد ذلك إلى مسألة أحكامها.\nفمن القسم الثاني -وهي البدع المنقولة- بدعة الشيعة المؤلهة لـ علي بن أبي طالب، فإن هذه البدعة لا يجوز ولا يعقل أن يقال: قد اشتبه عليهم هذا الأمر؛ فهؤلاء ليسوا مسلمين، ولا هم من الإسلام ولا من اليهودية ولا من النصرانية في شيء؛ بل هم قومٌ نقلوا بدعتهم هذه من أحد المذاهب الفلسفية التناسخية الموجودة في بلاد فارس والهند، وهي موجودة إلى الآن في بلاد الهند، ولهذا ترى أن أصحابها ممن يميلون إلى هذا المذهب ينتحلون مثل هذا القول.\nومسألة تناسخ الأرواح نظرية مغرقة في التاريخ عند كثير من أهل المشرق من عبدة الأوثان الغالين في شركهم ووثنيتهم.\nومن البدع المنقولة التي ظهرت: بدعة القدرية الغلاة، الذين قالوا: إن الله سبحانه لا يعلم أفعال العباد إلا عند كونها، فلم يثبتوا العلم السابق، ومن لم يثبت العلم السابق فليس من الإسلام في شيء، وهذه البدعةٌ بدعة منقولة، كان عليها طائفة من فلاسفة اليونان، تكلموا في مسألة الواحد الأول، وهل المعدوم يمكن العلم به أو لا يمكن العلم به، وقالوا: إن المعدوم شيء لا يمكن العلم به.\nوالمقصود أن بدعة القدرية الغالية هي من بدع الزنادقة المحضة، وأصحابها كفار بإجماع أهل السنة والجماعة، بل وبإجماع المسلمين حتى القدرية منهم، وهذا من طريف الحال، فإن أئمة القدرية من غير الغلاة هم المعتزلة، ومع ذلك فإن أئمة المعتزلة كالقاضي عبد الجبار في كتبه يصرح بأن القدرية الغالية -أي: الذين ينكرون علم الرب بما سيكون- كفار، وأن الملة بريئة منهم.\nومن البدع المنقولة بدعة نفي الصفات، وهي أكثر هذه البدع إشكالًا لكونها اختلطت على كثير من القاصدين إلى السنة وإلى الحق، فبدعة تأليه علي بن أبي طالب، وبدعة القدرية الغلاة لم تشكل على أحد، فلم ينتحلها إلا الزنادقة، ولكن بدعة نفي الصفات تختلف عنهما؛ باعتبار أن شأنها اشتبه على كثير من الطوائف فيما بعد، فدخلت على بعض من لا يصح أن يضاف إلى الزندقة والإلحاد.\nهذه البدعة لا أصل لها في كتاب الله ولا في سنة نبيه ﷺ، بل لا أصل لها حتى في العقل، وإنما هي نظرية منقولة، نقلها أئمة النظار الذين حدثوا في الدولة الإسلامية الأموية إذ ذاك، وهي نظرية منقولة من الفلسفة اليونانية، وبخاصة فلسفة أرسطو طاليس، فإن فلسفته تنتهي إلى نفس الطريقة التي يذكرها الجهم والجعد، ومن بعدهم أبو هذيل العلاف وإبراهيم بن سيار النظام وأمثال هؤلاء من أئمة النظر من الجهمية والمعتزلة.\nومن هنا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في (درء تعارض العقل والنقل): (إن سائر البدع التي حدثت بين أهل القبلة يقع عند أصحابها استدلالٌ بالكتاب والسنة واشتباه في بعض مواردها، إلا بدعة الجهمية، ولهذا كان من فقه بعض المتقدمين من السلف -كـ ابن المبارك - أنهم يخرجون الجهمية عن أهل القبلة).\nوهذا لا يلزم منه أن عبد الله بن المبارك ﵀ يرى أن كل من وقع له قول من أقوال الجهمية وقال به أنه لا يضاف إلى أهل القبلة، بل هذا من تحقيقه أن هذه البدعة بدعةٌ دخلت على المسلمين من مذهب وثني كافر بمسائل الربوبية، فضلًا عن الألوهية.\nولهذا لما جاء من صرح بمسائل نفي الصفات -وهو ابن سينا وأبو نصر الفارابي - بعد أن كان المتكلمون يجملون هذا القول ولا يصرحون بالانتساب لأئمة الفلاسفة اليونان، لما جاء المصرحون بهذا المذهب في القرن الرابع وما بعده -ومنهم أبو الوليد ابن رشد مع فقهه وانتسابه للشريعة، لكنه انتحل طريقة الفلسفة المحضة- صرحوا بأن نفي الصفات على هذه الطريقة التجريدية هي الطريقة التي كان يذكرها أرسطو في كتبه.\nإذًا هذا مذهب منقول؛ وكأن هذا من التعليق على ما سبق القول فيه في مسألة فهم السلف الصالح، حين قلنا: إن هذا القيد قيد حسن بياني، لكن من قال: إنه على الكتاب والسنة، وقد عرف عنه أنه من أصحاب السنة والجماعة لا يستدرك عليه، ولا يقال: إنه لم يذكر الجملة الثالثة وهي فهم السلف الصالح، إلا إذا كان المقام يستوجب ذلك، كالبيان في مقام خاص أو كان القائل لهذا الكلام يعرف عنه إسقاط فهم السلف أو إسقاط الإجماع.\nفإننا لو استدركنا هذا الاستدراك لاستدركنا على جمهور الأئمة المتقدمين، فإنه يقع في كلامهم أن طريقتهم هي الأخذ بالسنة، وتارة يصرحون بمسألة الإجماع، وتارة يسكتون عنها؛ لأن ثمة تلازمًا، فإن من قال: إنه على الكتاب، فإنه إن لم يعتبر السنة فإنه لم يعتبر الكتاب، كما قال الله عن المشركين: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] والنبي ﷺ وهو في خطبة الوداع التي شهدها الخاصة والعامة يقول: (وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله) ولا يصح لأحد أن يقول: لماذا لم تذكر السنة؟ ومثله إذا قيل: الكتاب والسنة ..\nوهلم جرًا.\nفهذا الذكر لفهم السلف الصالح ذكر شريف، لكنه من الأمور البيانية التي لا تلزم إلا إذا قام موجبها.\nالقصد: أن بدعة نفي الصفات بدعة منقولة؛ ولهذا يتعامل معها على أنها من منكر القول وزوره.","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>الشبهات التي قامت عليها بدعة نفي الصفات</span>\nبدعة نفي الصفات أحدثها الجعد والجهم وأمثالهما، وهذا باعتبار العلم التاريخي، وقد يكون هناك من تكلم بها قبلهم ممن لم ينضبط النقل عنهم.\nفهذه البدعة أحدثها الجعد والجهم، لكن الذي نظرها وقررها وأشاعها هم أئمة المعتزلة، الذين انضبطت لهم مدرسة في العراق، ودخلت على كثير من الأمصار في فارس وبلاد ما وراء النهر.\nوالمعتزلة -فضلًا عن الجهمية الغالية الذين ينفون الأسماء والصفات- لم يقع لهم في كتبهم أنهم اعتبروا نفي صفة من الصفات بآيةٍ من كتاب الله فضلًا عن حديث من سنة النبي ﵊، وإنما هو معتبرٌ بما يسمى دليل العقل، وهو دليل الأعراض.\nوهذا الدليل عبارة عن نظرية مولدة على أحسن تقدير، ومعنى هذا الكلام أن هذا الدليل مركب من جمل شرعية عامة، وجمل عقلية عامة، لكن هذه الجمل العقلية الكلية أو الجمل الشرعية الكلية لا تؤثر في نتيجة هذا الدليل، إنما المؤثر في نتيجة هذا الدليل هو القسم الثاني منه، وهي المقدمات الفلسفية التفصيلية، المتلقاة عن أرسطو أو غيره.\nفالذين تكلموا في نفي صفات الرب ﷾ إما من الجهمية والمعتزلة، وإما من الفلاسفة المحضة كـ ابن سينا وابن رشد وأمثالهم، وإما في نفي ما هو من الصفات كمتكلمة الصفاتية من الأشعرية وغيرهم؛ هذه الطوائف في نفيها لما نفته ترجع إلى ثلاثة من الأدلة الفلسفية الكلية:\nالدليل الأول: دليل الأعراض، وهو أشهر هذه الأدلة، وهو المستعمل عند جمهور المعتزلة وجمهور متكلمة الصفاتية.\nالدليل الثاني: دليل التركيب، وهو الغالب على طرق الفلاسفة كـ ابن سينا وابن رشد.\nالدليل الثالث: دليل التخصيص، وقد انتحله بعض المتأخرين من متكلمة الصفاتية كـ أبي المعالي الجويني ونحوه.\nومن طريف الحال أن دليل الأعراض لم يستدل به نفاة الصفات فقط، بل حتى المشبهة من المتكلمين قد استدلوا به، فإن المتكلمين وإن كان جمهورهم معطلة نفاة للصفات إلا أن خلقًا منهم على طريقة التشبيه والتمثيل، فـ محمد بن كرام -وهو من المجسمة- كان من أرباب علم الكلام، الذين يعتبرون دليل الأعراض.\nفأقوال المجسمة، بل وحتى المشبهة كـ هشام بن الحكم وأمثاله من متقدمي الشيعة الرافضة، وكذلك المعطلة من نفاة الصفاة أو ما هو منها؛ مدار أقوال جميعهم على دليل الأعراض في الجملة، ومتفلسفتهم يستعملون دليل التركيب، وبعض متأخريهم يستعملون دليل التخصيص.\nودليل الأعراض دليل فلسفي باعتبار جوهره، وإن كان فيه جملٌ عقلية كلية وجمل شرعية كلية، وذلك مثل قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وهذه جملة كلية يستعملها معطلة الصفات في مثل هذا الدليل، وأما تفاصيل الدليل وحقيقته فإنها مقدمات فلسفية منقولة.\nفعلم الكلام وإن لم يكن فلسفة محضة -بل فيه جمل من الشريعة وفيه جمل من العقل، ولهذا تجد أن أصحابه تأولوا الشريعة والنصوص إليه- إلا أنه مولد من الفلسفة، أما فيه من الجمل العقلية أو الشرعية فإنها ليست مؤثرة في الجملة في نتائجه، وإنما نتائج هذا العلم من نفي صفات الرب ﷾ معتبرة بالمقدمات الفلسفية، ولا يعترض معترض بأن أئمة النظار ككثير من أئمة المعتزلة كانوا يردون على الفلاسفة في مسألة قدم العالم وغيرها -فلا شك أن المتكلمين لهم ردود مشهورة على الفلاسفة- لكنهم وإن ردوا عليهم إلا أنهم قد انتحلوا كثيرًا من مادتهم وأصولهم.\nإذًا: هذه البدعة -بدعة نفي الصفات- ليس لها أصل في نصوص الأنبياء، فإن قال قائل: إنا إذا نظرنا كتب المعتزلة وجدنا أنهم يستدلون على نفي الصفات بشيء من مفصل النصوص، كقول الله تعالى في الرؤية: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣].\nنقول: القاعدة السالفة على وجهها: أن المعتزلة لا تستدل على قول من أقوالها في الصفات بمفصل النصوص، وأما هذان الدليلان فإن المعتزلة تعتقد وتقرر في مذهبها أن رؤية الله ﷾ ممتنعة، بمعنى أننا لو سلمنا جدلًا أن قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] بمعنى: لا تراه الأبصار، وأن هذا في الدنيا والآخرة، لو سلمنا جدلًا بهذا المعنى، فهذا المعنى ليس هو مذهب المعتزلة، لأن المعتزلة عندهم مذهب زائد يستلزم هذا الأصل وما فوقه، بمعنى: أن هذه الآية لو سلمنا جدلًا أنها تقتضي نفي الرؤية على الإطلاق فإنه ليس فيها إلا نفي الرؤية، لكن المعتزلة تقول: إن الرؤية ممتنعة، وتعلم أن الشيء المنفي يبقى غيبًا، فقد ينفى لامتناعه، وقد ينفى لعدم إرادة الله له، أو لعدم قيام سببه؛ فإن النفي لا يلزم منه أن الشيء ممتنع؛ فلو كانت المعتزلة صدقت في الوقوف على الاستدلال بالآيتين لقالوا: الرؤية منفية بآية الأنعام وآية ذكر موسى لكن -الله أعلم- هل هي ممكنة في حق الله أو ممتنعة؛ فإنهم لو قالوا بهذا المذهب لقلنا: اشتبهت عليهم النصوص كما اشتبه قول الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ [السجدة:٢٠] على الخوارج، لكن المعتزلة تكفر في كتبها من يعتقد أن الرؤية ممكنة وإن قال بنفيها؛ لأن مجرد القول بالإمكان يستلزم -عندهم- أن الله في جهة، والقول بالجهة يستلزم أن الله جسم، وكل هذا يعتبر عندهم من الكفر الصريح بالله سبحانه.\nفيتبين عند التحقيق أن القوم لا يستدلون على قولهم بمفصل، ومن هنا استعملوا ما يسمى بالتأويل لنصوص الأسماء والصفات، وما استعملوا التأويل إلا لكون النصوص من الكتاب والسنة لا توافق قاعدتهم العقلية الكلامية، ولو كانت توافقها ما احتاجوا إلى ما يسمى بالتأويل.\nبل فوق ما يسمى بالتأويل تحصل عندهم قانون صريح: عند تعارض العقل والنقل، يعنون بالعقل علم الكلام الذي هو العلم الفلسفي المنقول إلى المسلمين.\nأما أهل السنة والجماعة فإنهم يقولون: إن العقل لا يعارض النقل، لكن العقل الذي قرره المعتزلة يعارض النقل؛ لأنه عبارة عن نظرية قررها قوم -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀- ليسوا مشركين في الألوهية فحسب، بل هم من أئمة الملاحدة في الربوبية، فهي منقولة عن أرسطو طاليس وغيره، الذي لا يثبت ربًا خالقًا للعالم، -وإن كان أرسطو يعتبر من أقربهم إلى دين الأنبياء- فضلًا عن المثاليين كـ أفلاطون وغيره.\nفهذا العقل الذي زعموه هو الفلسفة التي نقلوها وقربوها إلى دين المسلمين؛ ولهذا ظهر عندهم هذا القانون تعارض العقل والنقل، ولا شك أنهم أتوا بضلال، وبكفر، وبزندقة نقولها إلى المسلمين، وبالطبع فإن الباطل والحق يقع بينهما التعارض ولا بد.\nولهذا لما جاء محققوهم -وأعني بكلمة (محققيهم) من يصرحون بحقيقة هذا المذهب الذي أحدثه الجهم والجعد والمعتزلة- المصرحون من أصحاب هذا المذهب، منعوا التأويل، وأبطلوا مسألة التأويل، كما هي طريقة ابن سينا الذي قال: إن القرآن مليء بإثبات الصفات، وليس فيه إشارة إلى التوحيد أصلًا -أي: إلى الحق أصلًا- ولهذا جعله كتابًا للعامة، وليس كتابًا للخاصة.\nفهذه البدعة لا بد أن يعرف فيها هذا القدر، وإذا عرف فيها هذا القدر، فهي من جهة أصلها نقول: إنها بدعة كفرية زندقية دخلت على هذا الوجه.\nلكن إذا جئنا إلى الأعيان، فإنه يقال: إن بدعة نفي الصفات دخلت على خلقٍ ممن يعرف عنهم أنهم من أهل الديانة والإسلام مع ما فيهم من الظلم والتقصير والبدعة والخطأ، فجمهور من تكلم بهذه البدعة من متكلمة الصفاتية وجمهور المتأخرين من المعتزلة الذين انتسبوا للفقهاء؛ لا يضافون إلى الزندقة والكفر، فإن ثمة فرقًا بين المقالة وبين أصحابها.\nفإن المقالة قد تكون في حال كفرًا وزندقة، ثم يدخلها قدر من الاختلاط والشبهة وما إلى ذلك، أو ينتحلها بعض من انضبط علمه أو انضبطت ديانته عند المسلمين، فتشتبه عليه ويظن أنها من مقالات العلم والإيمان؛ ولهذا ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن بدعة الجهمية التي اتفق السلف على أنها كفر دخلت على خلق من أهل العلم والإيمان، قال: (بل دخلت على خلقٍ ممن هم من أهل الولاية عند الله ﷾).\nولهذا فإن الطريقة التي اعتمد عليها أبو إسماعيل الأنصاري الهروي ومن يدور في فلكه من المتأخرين في تكفير الأشعرية هي طريقة مبالغ فيها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إن أبا إسماعيل الأنصاري الهروي مبالغ في ذم الجهمية وتكفيرهم) فإذا كان هذا الحكم في قوله عن الجهمية فمن باب أولى قوله في الأشعرية، مع أن الهروي نفسه -مع أن له كثيرًا الفضائل- عنده بدع لو أخذ بها على منهجه لربما لزمه حكم يقارب الحكم الذي ألزم به الأشعرية.","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>معنى التحريف والتعطيل</span>\nقال: [من غير تحريف ولا تعطيل].\nالتحريف في اللغة: الميل.\nوإنما ذكره المصنف لكونه مستعملًا في القرآن، فإن الله لما ذكر اليهود ذكر أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، فكل من لم يهتد في هذه المسألة فإنه محرفٌ لكتاب الله، وأيضًا هذا ليس من الزيادة على الجهمية؛ لأن بدعتهم بدعة منقولة؛ ولهذا فإنهم محرفون للنصوص، والقول بأنهم من أهل التحريف هو حكم مناسب في حقهم.\nقوله: (ولا تعطيل).\nالتعطيل: هو الخلو والفراغ، كما في قول الله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج:٤٥] والمقصود: أنهم سلبوا الرب ﷾ ما يجب له من صفات الكمال، وقد ذكر المصنف لفظ التعطيل؛ لأن السلف عبروا به، ولأنه مناسب لحقيقة مذهب نفاة الصفات.","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>معنى التكييف والتمثيل</span>\nقال: [ومن غير تكييف ولا تمثيل].\nهذه إبانة لمذهب المشبهة، وإن كان المشبهة ليسوا كمذهب المعطلة في الانتشار والظهور، وسيأتي الكلام في تفصيل ذلك عند قوله: [فهم وسط بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة].\nوالتكييف: حكاية كيفية الصفات، أي: تعيين كيفية لصفات الله، كالقول بأن لله يدين كيدي المخلوق، أو أن الله جسم لا كالأجسام أو ما إلى ذلك، فتعيين الكيفية للصفة في الإثبات أو النفي هو من طرق التكييف.\nوالتمثيل: هو ذكر مثال للصفة، وهو تشبيه الرب ﷾ في باب أسمائه وصفاته.\nوقد ذكر المصنف ﵀ لفظ التمثيل؛ لأنه هو المنفي في كتاب الله، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].\nوأما لفظ التشبيه، فلم يذكره، لكون السياق فيه لفظ أشرف منه، فهو اللفظ المذكور في القرآن.\nوبعض الناظرين يرى أن لفظ التشبيه لا يسوغ التعبير به؛ لأنه ما من شيء وآخر إلا وبينهما قدر من الاشتباه ..\nوهذا تكلف في تعليل المسائل، بل لفظ التشبيه في باب الأسماء والصفات تواطأ الأئمة وأهل السنة على نفيه.\nوالإمام ابن تيمية ﵀ يذكر أن باب الأسماء والصفات فيه قدرٌ مشترك من المعنى لابد من ثبوته في الاسم، وأن هذا القدر المشترك لا وجود له في الخارج وإنما يعقل به الخطاب ..\nفمن نهى عن التعبير بلفظ التشبيه فقد أبعد وزاد، وإن كان الأولى والأقوم في اللفظ باعتباره واردًا في القرآن وفي المعنى أيضًا التعبير بنفي التمثيل، لكن من عبر بنفي التشبيه، فهذا قولٌ مناسب، ولا سيما أن السلف والأئمة قد استعملوه.","vol":"3","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>عظم مسألة الأسماء والصفات</span>\nبين المصنف ﵀ في مقدم رسالته أن معتقد أهل السنة والجماعة هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ثم أبان بعد هذا جملًا مفصلة تدخل في هذه الأصول الشرعية، فابتدأ بذكر مسألة الأسماء والصفات، فقال: (ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله محمد ﵌ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل).\nفهو بعد أن ذكر أصول الإيمان الستة التي هي مبنى معتقد أهل السنة والجماعة؛ ابتدأ عند التفصيل بذكر مسألة الصفات.\nوقد يقول قائل: لماذا لم يبدأ بذكر مسألة توحيد العبادة؟\nنجيب عن ذلك بجواب مجمل نوضح به طريقة المصنف، فنقول: إن مراده بهذه الرسالة تمييز معتقد أهل السنة والجماعة عن غيرهم، وإنما ذكر هذه المسألة -أعني مسألة الأسماء والصفات- لأنها من جهة مناطها فيها قدر واسع من النزاع بين طوائف المسلمين، وإنما علق النزاع بمناط هذه المسألة الشريفة -وهي مسألة الأسماء والصفات- لأن مبدأها الكلي ليس فيه خلاف بين المسلمين؛ من جهة أن الله ﷾ مستحق للكمال وأنه منزه عن النقص؛ فإن باب الأسماء والصفات محصله إثبات الكمال المطلق لله ﷾، والتنزيه له سبحانه وتعالى عما لا يليق به، فهذا القدر الكلي متفق عليه بين سائر طوائف المسلمين، ولا أحد من الطوائف ينازع في هذا.\nوإنما اختلف أهل القبلة في مناط الكمال ما هو، وفي مناط النقص ما هو، وعن هذا تفرع نفي الصفات عند المعتزلة، ونفي جملة من الصفات -وهي ما يتعلق بصفات الأفعال- عند متكلمة الصفاتية كـ عبد الله ابن كلاب وأتباعه، وأبي الحسن الأشعري وأتباعه، وأبي منصور الماتريدي وأتباعه، وعن هذا المناط الكلي تحصَّل مذهب أهل السنة والجماعة المثبت لأسماء الرب ﷾ وسائر صفاته التي ثبتت في الكتاب والسنة.\nإذًا: إنما ابتدأ المصنف بذكر مسألة الصفات على التفصيل باعتبارها أخص مسائل النزاع بين أهل القبلة، فإن سائر ما اختلف فيه المسلمون لا يصل قدره إلى مسألة الصفات، فهي أعظم مسألة حصل فيها النزاع؛ ولهذا انقرض عصر الصحابة ﵃ ولم يحدث في هذه المسألة نزاع، بخلاف بعض المسائل كمسائل الإيمان والأسماء والأحكام، فإن النزاع فيها حصل، وقد أدرك جملة من الصحابة، وحين يقال: إنه أدرك جملة من الصحابة، لا يعني ذلك أن أحدًا من الصحابة أخذ هذا الخلاف أو اعتبره، وإنما المقصود: أن بعض المسلمين قد أحدث شيئًا من البدع في مثل مسائل الأسماء والأحكام والإيمان، ومن الصحابة بقية؛ بخلاف مسألة الأسماء والصفات، فإن شأنها يختلف؛ فهي أجل مسألة حصل فيها النزاع؛ ولهذا لم يذكر المصنف مسألة توحيد العبادة المتعلقة بصرف العبادة لله وحده والبراءة من الشرك؛ لأن هذه المسألة من جهة أصولها النظرية ليس فيها نزاع بين أهل القبلة.\nوالمقصود بأهل القبلة طوائف المسلمين من أهل السنة أو غيرهم.\nفمسألة توحيد العبادة أو توحيد الألوهية ليس في أصول مسائلها النظرية نزاع بين المسلمين.\nوحين يقال: إنها ليست مسألة نزاع فهذا باعتبار أصولها النظرية الكلية، وإلا فمن جهة الوقوع ثمة خلل كبير لا يختص بأهل البدع، بل يقع حتى عند بعض العامة من أهل السنة، كمسائل شرك الألفاظ أو بعض مسائل التوسل التي هي نوع من البدع أو الشرك، فمثل هذا يقع بين جملة من العامة، فضلًا عن بعض الطوائف التي يكون منهجها موجبًا لمثل هذا الجهل والغلط في توحيد العبادة، كما يقع عند جملة من الصوفية أو الشيعة أو غيرهم.\nفلا نزاع في هذه المسألة باعتبار أصولها النظرية ولا أحد من المسلمين يقول: إنه يجوز صرف شيء من العبادة لغير الله، وإن كان بعض أعيانهم قد يقع منه شيء من صرف العبادة لغير الله، لكن لا يتحقق له أن هذا مما يخالف القاعدة الأصل.\nويذكر بعض أهل السنة والجماعة أن المتكلمين لا يذكرون توحيد العبادة، وهذه جملة ينبغي أن تفقه على وجهها، فإنهم -أعني المتكلمين- في كتبهم لا يذكرون هذا التوحيد، ولا يبنون الأصول عليه، وهذا قدر ثابت عنهم، وأما أنهم لا يؤمنون به أو لا يعتبرونه من التوحيد أو ما إلى ذلك، فليس كذلك؛ بل جميع المسلمين يتفقون على أصل توحيد العبادة، وإن كانت بعض الأصول النظرية فضلًا عن بعض التطبيقات العملية يقع فيها خلل واسع عند جملة من العامة وبعض نظار الطوائف، وخاصة طوائف الشيعة أو طوائف الصوفية؛ ولهذا لم يذكر شيخ الإسلام ﵀ مسألة توحيد العبادة؛ باعتبارها مسألة مسلَّمة بين المسلمين.\nوأما مسألة الصفات، فكما أسلفت: قد وقع النزاع في مناطها، وأما من جهة أصلها -الذي هو إثبات الكمال لله- فهي محل اتفاق.","vol":"3","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>قاعدة في إثبات الأسماء والصفات والفرق بينها وبين باب الإخبار</span>\nالإثبات لاسم من أسماء الله ﷾ أو صفة من صفاته عند أهل السنة والحديث معتبر بمورد النص المفصل، فلابد أن يكون مبنيًا على دليل مثبت له: إما من كتاب الله، وإما من سنة النبي ﵌.\nولا بد للناظر في مسائل الأسماء والصفات أن يعرف فرقًا عند أهل السنة والجماعة بين مورد الإثبات وبين مورد النفي؛ فإنا إذا ذكرنا الإثبات للأسماء والصفات قلنا: إنه مبني على مفصَّل النصوص؛ فلا يثبت اسم من الأسماء ولا صفة من الصفات، إلا وقد ثبتت وجاءت به النصوص؛ إما مطابقةً وإما تضمنًا.\nوالمطابقة نعني بها التصريح بالصفة كالرحمة والعلم والسمع أو التصريح بالاسم كالعليم والسميع والبصير.\nوالتضمن مستفاد من باب الإخبار عن الرب ﷾، والذي يقول فيه أهل السنة: إن باب الإخبار أوسع من باب الأسماء.\nفهذا -أعني باب الأخبار أو باب الإخبار، ولك أن تقول هذا وهذا والثاني أقرب- مبني على النصوص المفصلة من جهة التضمن.\nفإذا قال قائل: كيف يقال: إن باب الإثبات مبني على النصوص مع أن أهل السنة يتوسعون في باب الإخبار، أو يفرِّقون بين باب الأسماء وباب الإخبار عن الرب ﷾؟\nفيقال: إن باب الإثبات مبني على النصوص المفصلة، لكن دلالة النصوص قد تكون مطابقة، وهذا ما يصرح به في الأسماء كالسميع والبصير ونحوها، أو في الصفات كالسمع والبصر والرحمة والعلم، أو تقع الدلالة تضمنًا، وهذا يفيد ما يسمى بباب الأخبار، ولهذا يخبر عن الرب ﷾ ببعض الأفعال وبعض الإضافات التي هي على طريقة الأسماء في اللغة الإضافية، وإن كان هذا الاسم الإضافي لم ترد به النصوص على التصريح، فيقال: إن هذا ليس من الأسماء الحسنى، وإنما هو من باب الإخبار.\nفإذا قيل: من أين جاء الدليل على الإخبار؟\nقيل: دلت عليه نصوص من الصفات تضمنًا، وقد يؤخذ هذا التضمن من صفة واحدة، وقد يكون هذا المعنى الإخباري أُخذ تضمنًا من أكثر من صفة أو أكثر من اسم.\nوهنا تكون النتيجة: أن باب الإثبات للأسماء والصفات أو الإخبار عن ذلك مبني على مورد النصوص، إما مطابقة وهو ما يسمى صفةً أو اسمًا، وإما تضمنًا وهو ما يسمى في اصطلاح أهل السنة باب الإخبار، وهذا مصطلح فيه قدر من التأخر، وإن كان قد ذكره الشيخ أبو عثمان الصابوني ﵀ وجمعه، وذكره الإمام ابن تيمية من بعده.\nفباب الإثبات مبني على النص، فإن كان مطابقة، قيل: هو اسم أو صفة بحسب مورده، وإن كان تضمنًا، فهو باب من الخبر الذي قد يكون محصَّلًا من اسم واحد أو صفة واحدة، وقد يكون محصَّلًا من أكثر من ذلك.\nومن هنا ذكر الدارمي ﵀ الحركة من باب الإخبار عن الله، وهذا لفظ فيه قدر من النزاع من جهة: دخوله في باب الإخبار أو عدم دخوله.\nولهذا يقال: إن باب الإخبار قد يقع في بعض إطلاقاته أو بعض حروفه قدر من التردد بين الأئمة، فهذا لا ينبغي أن يُشكل على معتقد أهل السنة والجماعة، وليس هو من باب الخلاف بينهم في الصفات، فإن ما صرحت به النصوص من اسم أو صفة، فإنهم مجمعون عليه، وأما باب الإخبار فكما ترى أنه محصَّل من جهة دلالة التضمن، وقد يكون هذا التحصيل فيه قدر من النزاع، وقد يكون في اللفظ الذي أريد للمعنى المحصل قدر من التردد؛ ولهذا لا عجب أن يقع بين جملة من أهل السنة قدر من التردد في هذا، ولا سيما وقد اشتغل كثير من المتأخرين بهذا الباب -أعني باب الإخبار- فتوسع ابن مندة ﵀ في كتاب الأسماء والصفات، ومثله البيهقي في هذا الباب في كتابه الاعتقاد، كذلك ابن مندة في كتاب الإيمان أو كتاب التوحيد.\nوأنبه إلى أن شيخ الإسلام ﵀ أحيانًا يستعمل لفظ الاسم على مورد الخبر، فهنا لا يقال: إن شيخ الإسلام يجعل هذا المورد من الأسماء الحسنى، فإنه ربما قال: وعند جمهور أهل السنة أن الله يسمى كذا؛ مع أن هذا الاسم الذي أورده بمثل هذا السياق لا ترى أن النصوص جاءت به على التصريح، فمثلًا قوله: (وعند جمهور أهل السنة من أصحابنا وغيرهم أن الله يسمى دليلًا) فهذا ليس من باب أن الإمام ابن تيمية يجعل الدليل من الأسماء الحسنى التي هي على سياق السميع والعزيز والحكيم ..\nإلى غير ذلك، فكلمة (يسمى) في مثل هذا السياق لـ شيخ الإسلام هي بمعنى: يخبر عنه بذلك، وتعلم أن الألفاظ مشتركة، فإنك لك أن تقول في سائر الأسماء والصفات أنها خبر عن الله، فإن هذا باب فيه لفظ مشترك واسع.","vol":"3","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>باب التنزيه (النفي) وقواعده</span>\nنفي النقص أو التنزيه للباري سبحانه وتعالى عما لا يليق به هل هو مبني على مورد النصوص، أم أنه ليس مبنيًا على مورد النصوص؟\nنقول: الجواب عن هذا السؤال يقع باعتبار المراد بهذه الجملة، ومعنى هذا: أنه لك تقول: إن التنزيه أو النفي مبني على مورد النصوص، ولك أن تقول: إنه ليس كباب الإثبات من جهة بنائه على مورد النصوص، وكلا الجوابين صحيح، ومن هنا قد يقع للمتأمل في كلام أهل السنة أنهم تارةً يسوون بين البابين -أعني: باب الإثبات وباب النفي- فيقولون: إنه يُثبت لله ما أثبته لنفسه، أو يوصف الباري بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، ويُنفى عنه ما نفاه عن نفسه.\nوشيخ الإسلام تارةً يستعمل الطريقة الأولى التي يُفهم منها التسوية بين باب الإثبات وباب النفي، وتارة يُفهم من كلامه -كما هي طريقته في الرسالة التدمرية- أن ثمة فرقًا بين البابين، وأن باب النفي ليس مبنيًا على مورد النصوص كباب الإثبات، وكلا الاستعمالين صحيح، ولكن يفقه المعنى المراد، فإن مرادهم حين يقولون: إن باب النفي مبني على النصوص؛ أي: أن كل نقص لا يليق بالله ﷾؛ فإنه يعلم أن النصوص سواء المجملة أو المفصلة قد جاءت بنفيه؛ ولهذا سائر ما يمكن أن يفرض من المعاني التي لا تليق بالله ﷾ يصح أن يقال: إنها منفية بقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وإنها منفية بمثل قول الله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤]، وإنها منفية باعتبار منافاتها لصفات الكمال المفصلة.\nوبهذه الطريقة فإن كل نفي يمكن أن يستدل عليه بالنصوص النبوية أو القرآنية المجملة أو المفصلة، فهذا مقصودهم حين يقولون: إن الإثبات والنفي مبنيات على النصوص.\nوقد يفرقون بين البابين، كـ شيخ الإسلام في مواضع من كتبه، حيث يقول: (إنه لا يصح الاعتماد في باب النفي على مورد النصوص) ومراده بهذا أن النصوص في كتاب الله لم تفصِّل بالتعيين مورد النفي والتنزيه، فإن عامة صفات النقص لم يذكرها الله ﷾ تصريحًا في القرآن؛ بل الذي ذُكر مفصلًا من صفات النقص قدر يسير منها؛ كالظلم في قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] وكالنوم في قوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] إلى غير ذلك؛ فالمعاني التي لا تليق بالله لم يذكر منها مفصلًا في النصوص إلا قدر يسير، فمثلًا: صفة الجهل ما نطقت بها النصوص نفيًا بالتصريح؛ فلا يقل قائل: أين الدليل في نفي هذه الصفة عن الله على جهة التصريح؟ فإن هذه الصفة يُعلم أنها منفية بقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وكذلك يُعلم أنها منفية بأن الله أثبت لنفسه صفة العلم، والعلم والجهل متقابلان، فإذا ثبت أحدهما لزم نفي الآخر ..\nإلى غير ذلك من الطرق؛ ولهذا قد يقال: إن مورد التنزيه ليس مبنيًا على النصوص على مثل هذا المعنى، وقد يقال: إنه مبني على النصوص على مثل ذاك المعنى، فهذا لفظ مجمل قد يقع فيه الإطلاق على هذه الجهة أو على هذه الجهة.","vol":"3","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>شرح العقيدة الواسطية [٤]</span>\nإن تعريف التأويل بأنه: صرف اللفظ من الحقيقة إلى المجاز لقرينة ليس له معنى يعرف لا في لسان العرب ولا في كلام الصحابة، فضلًا عن أن يكون مرادًا في نصوص الكتاب والسنة. وما وقع فيه أهل الكلام وبعض طوائف المنتسبين إلى الإسلام من تأويل في أسماء الله وصفاته إنما هو نوع من التحريف؛ لأنه تأويل لها على غير المعنى الذي أراده الله تعالى.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>التأويل ومعانيه</span>\nقال المصنف ﵀: [من غير تحريف ولا تعطيل].\nعبَّر المصنف هنا بلفظ التحريف، ومراده التأويل؛ إذ لا توجد طائفة من طوائف المسلمين تُصرِّح بأن شيئًا من كتاب الله يقبل التحريف، أو أن ما تقوله في القرآن هو من باب التحريف، لا في باب الأسماء والصفات ولا في غيره، واللفظ المستعمل في هذا المراد هو لفظ التأويل، لكن المصنف لم يقل: من غير تأويل؛ لأن لفظ التأويل لم يرد في النصوص القرآنية والنبوية ولا حتى في كلام الصحابة مورد الذم، بل ذُكر موردًا فاضلًا مناسبًا، فإن التأويل في كتاب الله أو في سنة نبيه إما أنه يقع على معنى الحقيقة التي يئول إليها الشيء، وإما أنه يقع على معنى التفسير.\nوإذا تحققت في النظر وجدت أن المعنى الأول والثاني مادتهما واحدة، فالكل تفسير: إما تفسير المعاني، وإما أن يكون الحقيقة التي يئول إليها الشيء.\nوعلى مثل هذا المعنى وذاك جرى الخلاف بين طائفة من السلف في الوقوف على قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] فإنه إذا وقف هاهنا كان المراد الحقيقة التي تئول إليها الأشياء، وهذه الحقيقة التي يؤول إليها أمر الغيب اختص الله ﷾ بعلمها، وإذا كان الوقوف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] كان التأويل هنا بمعنى التفسير، فإن تفسير القرآن يعلمه الراسخون في العلم.\nفهذا المعنى وذاك المعنى هو المستعمل في كلام الله سبحانه وكلام رسوله ﷺ للتأويل.\nوأما التأويل الذي قال فيه أصحابه ونظَّاره: أنه صرف اللفظ من الحقيقة إلى المجاز لقرينة؛ فإن هذا التأويل بهذا الحد ليس له معنى يعرف لا في لسان العرب ولا في كلام الصحابة؛ فضلًا عن أن يكون مرادًا في نصوص الكتاب والسنة.\nفمراد المصنف هنا حين قال: (من غير تحريف)؛ أي: من غير تأويل، ولكنه لم يعبر بلفظ التأويل؛ لأن لفظ التأويل لم يرد مورد الذم في النصوص، وإنما الذي ذمه الله في كتابه هو التحريف الذي وقع فيه أهل الكتاب من قبل.\nفمن تأوَّل صفات الباري على غير معناها، وعلى غير موردها من جهة اللغة، فهو في نفس الأمر قد وقع في قدر من تحريف معاني الكتاب والسنة، ومن هنا ناسب أن يسمى المصنف هذه الطريقة المستعملة عند المتكلمين تحريفًا.\nوهذا التأويل هو مسألة نظرية بخلاف مسألة التعطيل؛ حين قال المصنف: (من غير تحريف ولا تعطيل)؛ فإن لفظ التعطيل ليس لفظًا نظريًا عند أصحابه.\nوالتعطيل لفظ أطلقه السلف على طريقة الجهمية ومن شاركهم فيها من المعتزلة أو غيرهم، ومعناه: الخلو والفراغ، فهم لما نفوا صفات الباري عطَّلوا الباري عن كماله اللائق به.\nوهذا دارج في كلام أهل السنة من المتقدمين والمتأخرين؛ وهو أنهم يسمون نفي الصفات تعطيلًا؛ أي: تفريغًا عن الكمال.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>قاعدة التأويل عند المبتدعة وسبب القول بها</span>\nالتأويل عند أهل البدع يراد به صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لقرينة.\nوهذه القاعدة وهي قاعدة التأويل -ويجب أن ندرك أنها قاعدة أكثر من كونها تعريفًا أو رسمًا لاسم من الأسماء- من أخص قواعد المخالفين للسلف في باب الأسماء والصفات.\nفإن أول من أحدث نفي الصفات عن الله ﷾ هم الجهمية، وشاركهم في هذا المعتزلة، وهم مادة واحدة في هذا الباب.\nلم يكن نفي القوم من أوائل النظَّار لصفات الباري ناشئًا عن نظر في كتاب الله ﷾، فحصَّلوا منه نفي الأسماء أو نفي الصفات أو نفي ما هو منهما؛ ولكن القوم يخالفونك في الجواب؛ بل هم يصرحون بأن النصوص لم تنطق بالنفي، وإنما نطقت بالإثبات، ولكنهم تأولوا نصوص الإثبات ولم يتأولوا نصوص النفي؛ فنصوص النفي كقوله: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] ليس فيها نزاع بين أحد من المسلمين؛ فهي على ظاهرها أو على وجهها؛ إنما الذي هو مورد النزاع هو نصوص الإثبات.\nفهم إنما أرادوا إثبات المعتقد الذي يعتبرونه معتقدًا للمسلمين؛ فاتخذوا هذه الطريقة المسماة بطريقة المتكلمين، وهذا يبين لنا مسألة مهمة؛ وهي أن الفرق بين أهل السنة والجماعة وبين سائر الطوائف ليس مبنيًا على آحاد النصوص، بل هو مبني على الأصول أو ما يسمى بالمنهج.\nقد يقول قائل: لم اتخذوا طريقة علم الكلام وتركوا الطريقة التي عليها أئمة السنة والحديث؟\nفأقول: هذا لضعف فقههم في طريقة أهل السنة، ولسببٍ مهم آخر قد لا يكون مشهورًا، وهو أن القوم أرادوا تقريب هذه الطريقة إلى قوم من الزنادقة والفلاسفة الذين لا يدينون بالإسلام أصلًا، فأرادوا الرد عليهم بتقرير عقيدة المسلمين بنفس مادتهم ..\nوهذا هو أول إشكال وقعت فيه المعتزلة وأمثالها، وهو أنهم أرادوا إثبات معتقد المسلمين والرد على الفلاسفة بنفس مادة الفلاسفة التي سموها علم الكلام الذي نقول: إنه محصل من الفلسفة من جهة جوهره، وإن كان فيه قدر من الشريعة واللغة والعقل، فهذا القدر هو باعتبار تفريعه أو ما يتعلق بمسائله وبحوثه.\nفأرادوا ذكر معتقد المسلمين، فبدءوا بمسألة وجود الرب ﷾، فلما أراد القوم إثبات وجود الرب ﷾، قالوا: الدليل على وجوده هو وجود العالم، والعالم حادث، وكل حادث لا بد له من محدث، وظنوا أن هذا هو قول الله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] وثمة فرق بين دليلهم على إثبات وجود الرب ﷾ وبين طريقة القرآن، فإن قول الله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] ليس هو في مورد إثبات وجود الرب؛ فإن هذا بديهة؛ بل هو في مورد إثبات جملة من معاني الربوبية التي لم يحقق الإيمان بها جملة من المشركين ..\nفهنا فرق بيِّن.\nوبعد أن قال هؤلاء: إن الدليل على ثبوت وجوده هو حدوث العالم، أرادوا إثبات حدوث العالم، فإن منازعيهم من الفلاسفة يقولون: إن العالم قديم، فأراد هؤلاء إثبات حدوث العالم، فبم استدلوا على حدوث العالم؟\nهنا انقسموا إلى قسمين:\n- تعداد جهميتهم ومعتزلتهم قالوا: إن الدليل على حدوث العالم هو اتصافه بالصفات التي سموها الأعراض.\n- تعداد متكلمة الصفاتية منهم كـ ابن كلاب والأشعري والماتريدي: إن الدليل على حدوث العالم هو اتصافه بالحركة، وأنه لا يبقى على زمان واحد.\nفأثبتوا وجود الله بهذه الطريقة التي عليها جملة من الإشكالات:\nأولًا: أنها طريقة مُتكلَّفة.\nثانيًا: أنها استلزمت عندهم لوازم باطلة.\nثم جاءوا إلى صفات الباري ﷾، فلم يمكن للجهمية والمعتزلة أن تثبت صفات الله على طريقتهم؛ لأن دليل حدوث العالم عندهم هو اتصافه بالصفات، فلزم أن يكون الرب على خلاف هذا العالم؛ فلو أثبتوا صفات الله -على زعمهم- لوصفوه بالحدوث، ومن هنا نفوا الصفات.\nثم لما جاء الأشعري وترك الاعتزال وأعلن توبته منه، تمسك بأصل الاعتزال في باب الصفات، وقال: إن الدليل على حدوث العالم هي الأعراض والصفات، ولكن ليس جميعها، وإنما المتحرك منها، فالدليل على حدوث العالم: أنه متحرك ولا يبقى زمانًا واحدًا ثابتًا.\nوهذا مما يبين لك غلط من يقول بأن الأشعري رجع إلى معتقد أهل السنة، بل المسألة فيها تفصيل.\nفإن الأشعري -ومن قبله ابن كلاب - وكذلك قرينه -أعني: قرين الأشعري - الماتريدي، التزموا نتيجة لهذه القاعدة نفي بعض الصفات، وهي كل صفة من صفات أفعال الرب المتعلقة بمشيئته وإرادته، ومن هنا نفى القوم من هؤلاء أو هؤلاء: إما سائر الصفات، وإما صفات الأفعال المتعلقة بالقدرة والمشيئة.\nومن هنا وقع الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والكلابية فيما يسمى عند أهل السنة بالتعطيل، وهو نفي الأسماء والصفات أو نفي الصفات أو نفي جملة من الصفات.\nوقد نفى أولئك القوم الصفات أو ما هو منها وهم لم ينظروا في دليل القرآن: أهو مثبت للصفات أم ناف لها.\nفلما نفوا الصفات على هذا الدليل الذي جعلوه مثبتًا لحدوث العالم -وهو ما يسمى عند القوم بدليل الأعراض- رجعوا إلى القرآن، فوجدت المعتزلة أن القرآن يثبت الصفات لله، ونتيجتهم التي يرون أنها لازمة لإثبات وجود الله تقول بالنفي، وكذلك لما رجع ابن كلاب والأشعري والماتريدي إلى القرآن وجدوا أن القرآن في أكثر من مائة موضع؛ كما يقول الرازي من الأشاعرة؛ يقول: (إن القرآن في أكثر من مائة موضع يثبت مسألة الحركة) أي: الأفعال المتعلقة بالقدرة والمشيئة.\nفوجد هؤلاء وهؤلاء أن القرآن خالف نتيجتهم العقلية.\nمما سبق يتبين أن القوم نفوا الصفات أو نفوا ما هو منها لا تفريعًا عن أدلة من القرآن؛ بل بناءً على أصل باطل ابتدعوه.\nومن هنا كان خلاف هؤلاء في الصفات يختلف عن خلاف الخوارج ..، وذلك لأن الخوارج لما كفَّروا مرتكب الكبيرة استدلوا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢] ..\n﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة:٢٠] بخلاف هؤلاء، فليس عندهم على نفي الصفات أو ما هو منها أدلة مفصَّلة من القرآن؛ بل المعتبر عندهم دليل واحد، وهو ما يسمى بدليل الأعراض؛ وهو دليل ليس له أصل في الشرع ولا معنى في لغة العرب؛ إنما هو منقول من الفلسفة التي كان عليها جملة من الملاحدة اليونان، وهذا الدليل أنتج عند المعتزلة والجهمية وأمثالهم نفي الصفات، وأنتج عند ابن كلاب ومن وافقه كـ الأشعري وأبي منصور الماتريدي نفي صفات الأفعال.\nفلما رجع القوم إلى كتاب الله ..\nوجدوه يخالف ما هم عليه، فأرادوا أن من تهمه مخالفتهم له؛ فأما السنة فإنهم يخرجون منها بمخارج كثيرة، من أخصها: جهلهم بالسنة؛ فإن كثيرًا من النصوص لا يعرفونها، وحين نقول: جهلهم بالسنة؛ ليس من باب التجني عليهم، فإن عامة أهل الكلام من أجهل الناس بالسنن والآثار، وفيهم جهل واسع بسنة النبي ﵌ فضلًا عن آثار الصحابة.\nثم ما يثبتونه من السنة يخرجونه على مورد الظن وأنه من باب الآحاد، وأنه لا يحتج بالآحاد في العقائد\nإلخ.\nولكن لما نظروا القرآن وجدوا أن للقرآن تفصيلًا على خلاف طريقتهم؛ فرجعوا إلى لغة العرب؛ فحصَّلوا من لغة العرب نظريةً زعموها أصلًا في اللغة وهي محدثة، وإن شئت فقل على سبيل التنزل: إنها بدعة في اللغة، فكما أنك تقول: إن هذه بدعة في الشرع، فهذه بدعة في اللغة، ذلك هو ما زعموه بأن اللغة منقسمة إلى حقيقة ومجاز، فاستدعوا مسألة الحقيقة والمجاز ليبنوا عليها قانون التأويل الذي يقول: صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لقرينة.\nوصرف نصوص الصفات عن ظاهرها إلى معاني لا يشترط عندهم فيها إلا شرط واحد، وهو أن يكون المعنى الذي صُرف اللفظ إليه لا يتعارض مع مذهبهم.\nلقد وجدوا أن الله ﷾ أثبت لنفسه الصفات على التفصيل في كتابه، فأرادوا بمسألة التأويل أن ينفوا إثبات القرآن للصفات، وأن يجعلوا القرآن غير معارض لطريقتهم التي نفوا بها الصفات أو ما هو منها، فقالوا: إن سائر ما أثبته القرآن من الصفات والأفعال، فإنه يؤوَّل؛ بمعنى: يُصرف من الحقيقة إلى معنىً مجازي.\nفقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] مشكل على طريقة القوم؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يتصف بفعل، وهذا متفق عليه بين الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم؛ لأن العالم يتصف بالفعل.\nفهم لذلك يلجئون إلى التأويل بأن يقولوا: إن المقصود جاء ملك، فإذا كان المجيء متعلقًا بملك، فإن هذا لا يعارض قاعدتهم في نفي الصفات؛ لأن الملك جزء من العالم المخلوق، والعالم المخلوق يتصف بالأفعال؛ فهذا هو معنى التأويل عندهم؛ صرف الألفاظ التي ملئ القرآن بذكرها عن ظاهرها إلى معاني لا تتعارض مع ما أصلوه.\nوهذا يبين لنا أن القوم لم يستعملوا لغة العرب لفهم القرآن بها عند تقريرهم للمذهب -أي: لمذهبهم-، بل كان ذلك لدرء معارضة القرآن لمذهبهم.\nإذًا: هم وضعوا المذهب كاملًا بعيدًا عن لغة العرب، وبعيدًا عن دلالة القرآن والسنة!\nوهذا يكفي المسلمين خاصةً وعامةً دليلًا على فساد هذه الطريقة، وأنها طريقة مخترعة مخالفة لطريقة الرسل، وأن طريقة نفي الصفات تخالف حتى طريقة أهل البدع الأخرى كالمرجئة والخوارج؛ فإن هؤلاء على ما فيهم بنوا كثيرًا من أقوالهم على مفصل من القرآن فهموه غلطًا؛ بخلاف هؤلاء؛ فإنهم بنوا المذهب كاملًا خارجًا عن اللغة؛ فإن دليل الأعراض ليس مبنيًا على ذوق العرب، فالعرض في لغة العرب معناه شيء ومعناه عند المتكلمين شيء آخر، والجوهر عند العرب معناه شيء ومعناه عند المتكلمين شيء آخر\nإلخ.\nفهو دليل غير مبني على اللغة ولا على النصوص، إنما هو منقول من الفلسفة.\nولكن لما تحصَّل","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>فساد التأويل الذي حرف به المبتدعة النصوص شرعًا وعقلًا ولغة</span>\nذكر المبتدعة للتأويل حدًا قالوا فيه: التأويل هو صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لقرينة ..\nفنقول: هذا الحد للتأويل فاسد شرعًا وعقلًا ولغةً.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>فساد التأويل شرعًا</span>\nأما فساده الشرعي فباعتبار كونه بدعةً لم تذكر في كلام الله ورسوله ولا في كلام الصحابة، ولو كان القرآن يفقه بهذه الطريقة في مورد الأحكام أو في مورد الأخبار، للزم أن يشير الصحابة ﵃ أو الرسول ﷺ أو القرآن نفسه إلى هذه الطريقة، فهذه الطريقة مخالفة للشرع باعتبار كونها بدعة.\nفإن قالوا: إن التأويل مذكور في القرآن.\nقلنا: الذي ذكر في القرآن ليس على هذا المعنى؛ بل على معنى التفسير أو على معنى الحقيقة التي يئول إليها الشيء.","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>فساد التأويل عقلًا</span>\nوهو فاسد من جهة العقل من أوجه؛ من أخصها: أن أصحابه قالوا: إن التأويل هو صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لقرينة.\nفنقول لهم: النص بذاته هل يفيد الحق، أم أنه يفيد الباطل، أم أنه لا يفيد هذا ولا هذا؟\nفإن قالوا: إن النص بذاته يفيد الحق الذي يزعمونه هم حقًا، قلنا: إذًا لا نحتاج إلى شيء يقال له: صرف ودليل وقرينة.\nوإن قالوا: إنه لا يفيد حقًا ولا باطلًا.\nقيل: هذا ممتنع؛ لأن القرآن قد نزل القوم يعرفونه وهم عرب، فلا بد أن يفهموا عنه معنى؛ إما أن يكون هذا المعنى حقًا وإما أن يكون باطلًا.\nأما كون الآية لا يفهم منها لا الحق ولا الباطل، فهذا ممتنع.\nإذًا: النص بذاته قبل مسألة القرينة والصارف وغير ذلك إما أن يفهم عنه حق وإما أن يفهم عنه الباطل، فإن فهم عنه الحق فإنه لا يحتاج إلى تأويل، ونبقى على طريقة أهل السنة.\nبقي عند القوم أن يقولوا: إن النص بذاته من حيث هو لا يفهم عنه إلا الباطل الذي لا يليق بالله، وهو النقص، وتنقيص الباري كفر به، فاستقر اللازم العقلي على أن النصوص عند القوم لا يفهم منها إلا الباطل.\nوكون نصوص القرآن المقدس الذي هو كلام الله لا يفهم منه إلا الباطل ممتنع عقلًا، فلنا أن نقف على هذا الجواب، ونقول: إنه يمتنع عقلًا أن تقول: إني أومن بهذا القرآن، وأنه من عند الله، وأنه محفوظ من الغلط، ثم تأتي وتقول: إنه لا يفهم عنه إلا الباطل؛ فهذا تناقض في العقل.\nولكنا نزيد التقرير العقلي إضافة ونقول: وإذا كان النص لا يفهم عنه إلا باطلًا؛ فإن الحق إذًا تحصَّل بالدليل الصارف، فقد صار الدليل الذي يسمونه قرينة ليس مجرد قرينة أو صارف، وإنما هو محصل تام للحق.\nإذًا يكون النص ليس له مورد في الحق لا باعتبار ذاته ولا باعتبار تأثير الدليل الصارف عنه؛ بمعنى: أن القوم لو قالوا: إن النص بذاته لا يفهم عنه إلا باطل، ولكنا نفهم الحق عن النص إذا قارنه الدليل، نقول: الجواب العقلي هنا أن الحق الذي زعمتم عرف من جهة الصارف وحده؛ فإذًا ما كان ينبغي لكم أن تطيلوا هذه المسألة؛ وتقولوا: إننا فهمنا من النص كذا، فمثلًا: قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] إذا صرف بقولكم: جاء ملك من الملائكة، لم يكن له أثر على تقريركم للتوحيد إيجابًا، وكان مجرد فعل من أفعال المخلوقين كسائر أفعالهم، وهم يستدلون بقيام الناس وقعودهم على نفي الصفات من هذا الوجه؛ فيكون قولهم في مثل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] على هذه الطريقة.","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>فساد التأويل من جهة اللغة</span>\nفساد التأويل من جهة لغة العرب مسألة أشكلت على كثير من المتأخرين وترددوا فيها.\nوالتحقيق: أن التأويل -الذي يعرفه أصحابه بقولهم: صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لقرينة- فاسد من جهة لغة العرب ..\nلأن هذا الحد مبني على فرض لغوي، إذا صح هذا الفرض اللغوي أمكن صحة هذا التأويل من جهة اللغة، وإذا بطل هذا الفرض اللغوي بطل هذا الحد للتأويل من جهة اللغة.\nهذا الفرض اللغوي هو أن لغة العرب على زعم هؤلاء تنقسم إلى حقيقة ومجاز.\nفنقف مع مسألة الحقيقة والمجاز.","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>مسألة الحقيقة والمجاز</span>\nأولًا: حتى لا يرى في كلام شيخ الإسلام، أو حتى في كلام ابن القيم؛ وإن كان ابن القيم تارة يخلط بعض المعاني مع بعض، ولكن باعتبار كلام شيخ الإسلام ﵀، ولا بأس أن أقول هذه الكلمة ليس من باب الطعن على ابن القيم ﵀، ولكن بعض الذين ردَّوا على الشيخين -أعني: ابن القيم وابن تيمية ﵏- في المسألة تتبعوا كلامهم فوجدوا أن ابن القيم ﵀ يستعمل الإقرار لمسألة الحقيقة والمجاز كثيرًا في كلامه، ومن هنا قال قوم من المتتبعين: إنه تناقض؛ فهو ينفي الحقيقة والمجاز تبعًا لشيخه، ولكنه يطبقها في كلامه، ويصرِّح بمسألة الحقيقة والمجاز كثيرًا.\nوالتحقيق أن أكثر ما أثبته الإمام ابن القيم حين يذكر الحقيقة والمجاز هو من باب التقسيم اللفظي، ولكنه أحيانًا قد يُدخل عليها شيئًا من الأثر المتعلق بمعاني الألفاظ، وليس بمجرد صورها اللفظية.\nأما فيما يتعلق بـ شيخ الإسلام فإن منهجه في هذه دقيق، وشيخ الإسلام له كلمات أحب أن تكون مقدمة بين يدي الجواب عن مسألة الحقيقة والمجاز، فهو يقول: (مسألة الحقيقة والمجاز إما أن يُنظر فيها باعتبار كونها من عوارض الألفاظ، فهذا اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح، وإما أن يُنظر فيها باعتبار كونها من عوارض المعاني، فهذا هو القدر الذي ينازع فيه أرباب النظر من المعتزلة وغيرهم).\nإذًا: القدر المنكر عند شيخ الإسلام في مسألة الحقيقة والمجاز ليس هو صورها اللفظية، أو مصطلحها اللفظي؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢] لك أن تقول: إن هذا من المجاز اللغوي، باعتبار أن المقصود: سل أهل القرية.\nفتسمية ما يقع من هذا النوع مجازًا هو اصطلاح، كما أن المصطلحين سموا الفاعل والمفعول والحال والتمييز ..\nإلى غير ذلك.\nوإنكار شيخ الإسلام لذلك هو باعتبار كون هذا التقسيم من عوارض معاني اللغة، وهذا هو مراد المتكلمين في تقريرهم.\nفنقول: إن هذه النظرية نظرية الحقيقة والمجاز- لا تصح لغةً، بل هي ممتنعة من جهة اللغة، وامتناعها حين تتأمل تعريف المتكلمين للحقيقة والمجاز، فقد قالوا: إن الحقيقة هو اللفظ المستعمل فيما وضع له، والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له.\nهذا التعريف للحقيقة والمجاز تضمن ذكر الوضع وذكر الاستعمال، وكأن بين الوضع والاستعمال اختلافًا، فإذا قرأت تعريف المجاز تبين لك أن هؤلاء يفرقون بين وضع اللغة وبين استعمالها ..\nفهم يفرضون أن ثمة فرقًا بين وضع اللغة وبين استعمالها، والسؤال هنا: من الواضع للغة؟ ومن المستعمل؟\nالسؤال الثاني: أيهما أسبق الوضع، أو الاستعمال؟\nالسؤال الثالث: ما مثال الوضع في اللغة؟ وما مثال الاستعمال؟\nهذه سؤالات ترد على النظرية وتشكل عليها، فيتبين أنها فاسدة من جهة اللغة.\nالسؤال الأول: ما الفرق بين الوضع وبين الاستعمال؟\nالسؤال ليس له جواب محصِّل لنتيجة؛ فإذا قالوا: إن الواضع للغة هم العرب، وإن المستعمل للغة هم العرب؛ قلنا: لا يمكن أن يحصل فرق في الخارج بين الوضع وبين الاستعمال؛ فما الذي يجعل هذا النطق العربي وضعًا، وذلك النطق العربي الآخر استعمالًا؟!\nومن هنا احتاج القوم -ولا سيما منظِّري المعتزلة من أهل اللغة- إلى البحث في مبدأ اللغات، ومن أين جاءت اللغة.\nففي كتب أصول الفقه -ناهيك عن كتب علم الكلام وبعض كتب اللغة- نجد بحثًا في مسألة مبدأ اللغة، فقيل: إنها من آدم، وقيل: إنها من تعليم الله لآدم، وقيل: إنها من تعليم الملائكة، وقيل: إنها من الجن.\nوسائر هذه الأقوال غاية ما يقال فيها: أنها أقوال ممكنة، لكن يمتنع الجزم بواحد منها.\nوقول الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ﴾ [البقرة:٣١] نؤمن به على وجهه، لكن تسلسل اللغات وكيف تحصلت هو أوسع مما يدل عليه قول الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١].\nوقد يقال: إن الاستعمال هو استعمال العرب، وعلى الترتيب الزماني: الوضع يسبق الاستعمال؛ فالوضع هو الأول ثم جاء الاستعمال؛ وغاية ذلك أن الاستعمال معلوم وهو استعمال العرب، أما الوضع فهو مجهول، ولا يمكن أن يبنى المعلوم على المجهول؛ فإن المجهول لا يفيد بذاته؛ فمن باب أولى ألا يكون مفيدًا لغيره.\nوإذا تتبعت كلام محققي المعتزلة -وهم أئمة النظر في هذا الباب- وجدت أنهم يقولون: إن الوضع هو الكلمة المفردة، وإن الاستعمال هو الكلمة المركبة، بمعنى أنك تقول: اللفظة كاليد -مثلًا- هي التي يسمونها وضعًا، والمركب يسمونه استعمالًا، فهم حتى لا يلتزموا مسألة القدم التاريخي التي لا يستطيعون اكتشافها، قال بعض محققيهم: إن المسألة ليست مبنية على التعاقب التاريخي، إنما هي مبنية على أننا نريد بالاستعمال الجمل المركبة كقولك: جاء زيد، فهذا يسمونه استعمالًا، وأما كلمة: (زيد) أو كلمة (جاء) فيسمونها وضعًا.\nفيقال لهم: إن هذا أيضًا من باب الممتنع تحصيلًا؛ لأنه لا يعقل أن عربيًا يقول: يد، ويسكت؛ بل لا يوجد في لسان بني آدم لا من العرب ولا من غيرهم كلام على هذه الطريقة.\nفهذا تكلف على اللغة، لا حقيقة له في الخارج؛ لأنه لا أحد ينطق بلسان لا عربي ولا غير عربي إلا وهو يتكلم بجملة، ولا يعقل أن أحدًا يتكلم بلفظ مفرد، إلا في حالة واحدة: إذا قال حرفًا مفردًا، سواء كان اسمًا أو فعلًا أو صفة؛ لأن بقية الجملة معلوم تقديرًا؛ فإذا قيل له: كيف زيد؟ قال: حسن.\nفإنه قال: حسن؛ ولكن التقدير: زيد حسن، وحَذْفُ ما يعلم جائز باتفاق ألسنة بني آدم، ولا أحد ينازع في هذه البديهة العرفية، فعند بني آدم كلهم أن المعلوم من الكلام يحذف، وهذا ليس خاصًا بلغة العرب، بل هو في كل لغات بني آدم.\nإذًا: على هذه الطريقة لا يوجد لغة إلا استعمالًا، ولا يوجد لغة تسمى وضعًا.\nوقال بعض محققيهم لإثبات الوضع: إننا إذا نظرنا اللغة وجدنا أن العرب تقول: اليد، وتريد بها الجارحة، وتقول: اليد، وتريد بها في سياق آخر النعمة، والجواب عن هذا ليس مشكلًا، فنقول لهم: ما المانع عقلًا ولغةً أن يراد بهذا اللفظ أكثر من معنى، والسياق نفسه هو الذي يحدد واحدًا من هذه المعاني.\nفإن قالوا: إن اللفظ الواحد لا يكون إلا لمعنىً واحد، ولا يكون لبقية المعاني، قيل: هذا تحكم على اللغة، فإن اللفظ الواحد يمكن عقلًا ولغةً أن يدل على أكثر من معنى؛ أما عقلًا فإن العقل لا يمنع ذلك، وأما لغةً فإن العرب إذا تأملت كلامها وجدت أنها تستعمل الحرف الواحد أو الكلمة المفردة الواحدة في أكثر من سياق، وفي كل سياق تدل على معنى.\nفإن قالوا: الدليل على أن هذه اللفظة تستعمل في معنىً واحد كحقيقة وفي البقية كمجاز، أن اللفظ إذا أطلق تبادر منه معنىً أخص، فإذا قيل: يد، لا تتبادر النعمة، وإنما تتبادر اليد الجارحة، قيل: إن اليد إذا أطلقت فالتحقيق العقلي يقول: إنه لا يتبادر أي معنى منها، فالعقل لا يعين لها معنى لكونها لفظًا مجردًا، ثم لو سُلِّم جدلًا أن الذهن يتبادر إليه ابتداءً -إذا قيل: يد اليد الجارحة- فهذا باعتبار أن استعمال هذا اللفظ بهذا المعنى هو الأكثر في اللغة، فلكثرته ولشيوعه صار هو المتبادر، والكثرة والقلة ليست ميزانًا لمسألة: وضع اللفظ لهذا المعنى أو ذاك.\nوما المانع أن لفظ (اليد) وضع في اللغة لأكثر من معنى، فاللغة لا تمنع ذلك، والعقل لا يمنع ذلك.\nإن قالوا: إذا كان وضع لأكثر من معنى فما الذي يحدده؟\nنقول: الذي يحدده السياق، ولن نحتاج عندها إلى دليل صارف؛ فإن اللفظ إذا وضع لمعاني مختلفة، فإن السياق نفسه يستلزم تحديد واحد من المعاني، قد يكون المعنى المحدد هو الشائع كاليد الجارحة، وقد يكون غيره.\nفحين قال عروة بن مسعود لـ أبي بكر: (لولا يد لم أجزك بها لأجبتك).\nما تبادر إلى ذهن أحد ممن سمعوا هذه الكلمة أو قرءوها أن عروة يقصد اليد الجارحة التي يزعم القوم أنها هي الحقيقة في لفظ اليد، وهي الأكثر استعمالًا، بل إن حَمْلَ كلام عروة بن مسعود على اليد الجارحة حمل ممتنع؛ بمعنى أن تفسير الكلام به ممتنع.\nولهذا يمتنع أن كلامًا عربيًا يقبل أكثر من معنى مختلف إلا لأحد موجبين: إما أن يكون الناظر فيه ليس عنده كمال في تحقيقه؛ فربما تردد في أكثر من معنى، وإما أن يكون المتكلم بهذا السياق لم يذكره فصيحًا بيِّنًا، ومعلوم أن القرآن يمتنع أن يقال فيه: إنه ليس فصيحًا بيِّنًا، ويمتنع أن يقال: إن المسلمين عجزوا عن فهم كلام الله على معنىً مناسب؛ لأنه إذا كان كذلك، فإن الكلام بذاته لا يكون بيِّنًا.\nوأصل نظرية المجاز والحقيقة باعتبار كونها من عوارض المعاني من المعتزلة، وأما باعتبار كونها من عوارض الألفاظ، فهذا استعمله قوم كـ أبي عبيد القاسم بن سلام وأبي عبيدة معمر بن مثنى، واستعمله الإمام أحمد وجملة من الناس، وهذا -كما أسلفت- اصطلاح، وهم يريدون بقولهم: (مجاز اللغة) ما تجوزه اللغة وتأذن به، أما باعتبار كونها من عوارض المعاني فهو منطق اعتزالي أُدخل على اللغة.\nومن هنا يتبين أن هذه مسألة مفتاتة على اللغة، فإذا قال: فما يقول القوم فيه أنه حقيقة ومجاز ما حقيقته في اللغة؟\nأقول: إن عامة ما قال أصحاب نظرية الحقيقة والمجاز باعتبارها من عوارض المعاني أنه من باب المجاز هو في اللغة لا يخرج عن نوعين:\nالنوع الأول: لفظ مشترك اسُتعمل في غير معنى باعتبار تعدد السياق، كلفظ اليد؛ فإنه وضع لأكثر من معنى، وكلفظ العين وضع لأكثر من معنى ..\nوهلم جرًا.\nوقد يكون هذا اللفظ له ثلاثة من المعاني هو في أحدها أظهر، وقد يكون متساويًا بين المعاني.\nفأحيانًا قد يكون الاشتراك اشتراكًا محضًا يستلزم قدرًا من التساوي في المعاني، وقد يكون اللفظ في أحد المعاني أظهر.\nإذًا: القسم الأول مما قال القوم فيه أنه من باب المجاز هو ألفاظ من ج","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>تنزيه الله سبحانه عن التمثيل والتكييف</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله ﷾ كمثل شيء وهو السميع البصير].\nأراد المصنف بقوله: (ومن غير تكييف ولا تمثيل).\nدرأ مسألة التشبيه عن مذهب أهل السنة والجماعة، فإن الإثبات عندهم مبني على الاختصاص، ومعنى ذلك: أن إثبات الأسماء والصفات يختص بالله ﷾؛ ولهذا قال المصنف: (من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل).","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>التكييف والتمثيل والفرق بينهما</span>\nالتكييف: هو ذكر كيفية لصفة من الصفات، فإن كل كيفية يذكرها ذاكر أو يتخيلها متخيل، فإن الله ﷾ منزه عنها.\nوالتمثيل: هو ذكر مثال للصفة.\nوالتكييف والتمثيل كلاهما على معنى التشبيه.\nفإن قيل: فما الفرق بينهما؟ قيل: الفرق من جهة أن التكييف هو حكاية كيفية للصفة، ولو لم تكن هذه الكيفية على مثال سابق، وأما التمثيل فإن فيه قدرًا من القياس بين شيئين؛ إذ هو ذكر مثال للصفة.\nثم قال: [بل يؤمنون بأن الله ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]].\nومن هنا يتحصل -كما سيقرر المصنف فيما بعد- أن مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب وسط بين التعطيل وبين التشبيه والتمثيل، وإذ قد تبين أن التعطيل فرع عن دليل العقل الذي زعمه أصحابه كذلك، وإلا فهو في الحقيقة ليس من حكم العقل وقضائه، فإن التشبيه والتمثيل مذهب لقومٍ من المتكلمين، وهو فرع عن الدليل نفسه كما سيأتي.\n[بل يؤمنون بأن الله سبحانه تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]].\nقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] هذه جملة من كتاب الله، وقد اتفق المسلمون على إمضائها، ولا أحد من طوائف المسلمين يعارض في شأن هذه الجملة ودلالتها، ولهذا تُعد هذه الجملة من الجمل التي تذكرها سائر الطوائف في ذكر توحيد الصفات، فأما النفاة للصفات أو لما هو منها، فلا شك أنهم يذكرون هذه الجملة ومعناها؛ إذ ينصرون مذهبهم بما يظنونه مناسبًا.\nوأهل السنة والجماعة يذكرون أن مذهبهم وسط بين التعطيل والتمثيل، فيقولون: إن الله ليس كمثله شيء مع إثبات الأسماء والصفات له.\nفإن قيل: فالمشبهة هل يؤمنون بهذه الجملة من كتاب الله؟ قيل: الجواب: نعم، فإن من وصفوا بأنهم مشبهة من الطوائف ليس أحد منهم يذهب إلى أن الباري ﷾ مماثل مماثلة مطلقة للمخلوقين أو لشيء من المحدثات والممكنات، بل هذا مذهب لم يقل به أحد من المنتسبين إلى قبلة المسلمين، صحيح أن مذهب التشبيه والتجسيم عرف عن قوم من متقدمي الشيعة الإمامية كـ هشام بن الحكم وهشام بن سالم وداود الجواربي وأمثال هؤلاء، وعُرف ذكر التجسيم فيما بعد عن جملة من متأخري الحنفية أتباع محمد بن كرام السجستاني الحنفي، إلا أنه لا أحد من هؤلاء أو هؤلاء يقول بمماثلة الباري لأحدٍ من خلقه، فإن نفي هذا القدر من المعنى كما هو منطوق الجملة القرآنية متفق عليه.\nفقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] معناه الكلي: أن الله ﷾ منزه عن المماثلة المطلقة لأحدٍ من خلقه، وهذا المعنى الكلي قد اتفق سائر القبلة عليه، حتى من قال منهم بالتجسيم كقوم من متقدمي الشيعة والرافضة، أو طائفة من متأخري الأحناف أتباع محمد بن كرام.\nلكن هؤلاء المشبهة وإن كانوا يؤمنون بهذا المعنى الكلي، إلا أن الآية نفسها دليل على إبطال مذهبهم، فإنهم لم يحققوا قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] حين قالوا: إنه جسم، وحينما صاروا إلى قدر من المشاكلة والقياس في إثبات صفات الباري ﷾ وأفعاله؛ فلا شك أن القوم عندهم قدر من التشبيه والتجسيم المخالف لكمال الرب ﷾، ولا شك أن القوم -أعني المشبهة- مخالفون لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].\nولكن لا يفهم من ذلك أن طائفة من الطوائف الإسلامية تذهب إلى أن صفات الباري كصفات المخلوقين؛ إذ لا أحد يقول بذلك من المسلمين البتة، وإن حكى ذلك بعض المتأخرين من أهل السنة أو غيرهم؛ كبعض الأشعرية ولا سيما في مقام الرد على الأحناف، وكالمعتزلة حين يتحدثون عن المشبهة؛ فإن حكاية أقوال الطوائف بعضهم عن بعض قد يقع فيه قدر من الاستطالة، وإن كان أئمة السنة والجماعة المتقدمين لم يقع منهم استطالة في ذكرهم لأقوال مخالفيهم، ولكن المتأخرين منهم قد يقع من بعضهم بعض الاستطالة في ذكر أقوال المخالفين، وذلك بأخذ المخالفين بلوازم أقوالهم، ومثل هذا لا يُعد مذهبًا لأصحابه، وإنما المذهب المعتبر هو ما نطق به القوم.\nولهذا نقول: إنه لم يقع في كلام السلف ﵏ أن ذكروا أقوال المخالفين على غير وجهها، لكن المتأخرين من أصحاب الأئمة الأربعة قد يقع منهم زيادة في ذكر أقوال مخالفيهم، سواء كان هذا الفقيه -باعتباره منتسبًا لأحد الأئمة الأربعة- ينتسب إلى السنة والجماعة وطريقة الأئمة المحضة، أو كان ينتسب إلى طريقة كلامية، فإن بعض الحنابلة -كمثال- زادوا في ذكرهم لأقوال الأشعرية، وكذلك بعض الأشعرية زادوا في ذكرهم لأقوال السلفية من الحنابلة ..\nوهلم جرًا.\nوهذا أمر مطرد ليس في الفقهاء الذين مروا في القرون المتأخرة، بل يوجد قدر منه في هذا العصر، فمثلًا: حين تُذكر أصول المدرسة الأشعرية -كمثال- ترى بعض الباحثين يجعل لها أصولًا مبنيةً، وحين يقرر أصول هذه المدرسة بالمسائل والدلائل: (ماذا يثبتون من الصفات، ما هو مصدر التلقي عندهم).\nتجد أنه يقرر أصول هذه المسألة حسبما يذكره محمد بن عمر الرازي في كتبه.\nولا شك أن طرد منهج الأشعرية في الدلائل والمسائل على طريقة الرازي ليس من العدل، فإن ثمة فرقًا بين طريقة الرازي وبين طريقة الجويني فضلًا عن طريقة القاضي أبي بكر الباقلاني، فضلًا عن طريقة أبي الحسن الأشعري نفسه، ولا سيما في آخر آحواله التي نصر فيها -ولا سيما في المنهج- مذهب أهل السنة والحديث.\nإذًا الاستطالة لا يسلم منها أحد من الطوائف المتأخرة حتى المنتسبين للسنة والجماعة منهم، وهذا مما ينبغي لطالب العلم أن يدركه: وهو أن المتكلم وإن كان سنيًا فليس بالضرورة أن سائر ما ينقله عن غيره يكون نقلًا عدلًا وصوابًا، وليس بالضرورة أن يكون موجب هذا الغلط هو الكذب المحض، بل قد يكون موجبه غلط في الفهم أو في النقل أو ما إلى ذلك، وكلنا يعلم أنه وقع حتى في بعض الكتب المتقدمة -كالسنة لـ عبد الله بن أحمد - نقل واسع في ذم أبي حنيفة ورميه بكثير من البدع، مع أن جمهور ذلك لا يثبت منه شيء.\nفباب الاستطالة هو باب من أحوال النفس والإرادات، وليس معتبرًا بالعقائد، فحينما يكون الرجل سنيًا أو سلفيًا فليس بالضرورة أن كلامه عن الآخرين يكون على طريقة الصواب والجزم، بل قد يقع منه غلط في النقل، ومن ذلك -كما أسلفت- ما وقع من بعض الحنابلة أو غيرهم، ومن ذلك أيضًا ما يذكره كثيرًا أبو إسماعيل الأنصاري الهروي، فإنه سني في الجملة ولا سيما في باب الأسماء والصفات، ولكنه إذا ذكر أقوال المخالفين للسلف في باب الأسماء والصفات زاد عليها زيادة كثيرة، ورماهم بكثير من اللوازم إلى حد الزندقة، كما صنع مع مخالفيه من الأشعرية، وإن كانت الاستطالة عند مخالفي أهل السنة أكثر منها فيهم، وهذا -كما أسلفت- في متأخري المنتسبين إلى السنة والحديث، وليس في أئمة السلف.","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>الجمع بين التنزيه وإثبات الصفات</span>\nقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] يقال: ليس كمثله شيء، سواء كان هذا الشيء موجودًا كالحس، أو كان موجودًا مفارقًا، أو كان شيئًا متصورًا، أو كان شيئًا مفروضًا، أي: أن الرب ﷾ منزه عن سائر موارد التشبيه والمماثلة، ليس كمثله شيء؛ سواء كان هذا الشيء موجودًا في الحس كأحوال بني آدم وأفعالهم وصفاتهم؛ فإن الباري ليس كمثلها.\nأو كان هذا الشيء موجودًا، ولكن وجوده ليس حسيًا، وإنما هو وجود مفارق لا يراه الناس ولا يعلمه المخاطبون، فإن الرب ﷾ ليس كمثل هذا الشيء.\nأو كان هذا الشيء من الأشياء المتصورة في العقل، فإن كل صفة من الصفات تصور العقل لها كيفية، فإن هذا التصور الكيفي الذي حكم به العقل يعلم أن الله سبحانه منزه عنه.\nأو كان هذا الشيء ليس متصورًا في العقل ولكن الذهن يفرضه، وفرض الذهن هو قبل التصور، ويُقصد من هذا الإطلاق بيان أن الله ﷾ منزه تنزيهًا مطلقًا عن المثيل والشبيه، فإنه ﷾ كما في صريح الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].\nوهذه الآية من أخص ما اعتصم به أهل السنة والجماعة في أن الإثبات لا يستلزم التشبيه، فإن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فإن الإثبات هنا جاء في مورد النفي، أي: جمع بين الإثبات والنفي في سياق واحد؛ فدل على أن الإثبات ليس معارضًا للنفي المذكور في القرآن، بل إن الإثبات لا يكون لائقًا بالله ﷾ إلا إذا تضمن هذا التنزيه، وإلا فإن مطلق الإثبات ليس تنزيهًا، فإن الصفات يشترك فيها الخالق والمخلوق، واختصاص الباري ﷾ ليس بأصل الصفة، فإن الله يوصف بالكلام، والمخلوق يوصف بالكلام، والله يوصف بالعلم، والمخلوق يوصف بالعلم ..\nإلى غير ذلك، وإنما اختصاص الباري ﷾ أن ما أضيف إليه من الصفات لا يكون مماثلًا لما أضيف إلى المخلوق من الصفات، فإن صفات الباري متعلقة بذاته، وكما أن ذاته منفكة عن ذوات المخلوقين فإن صفاته ﷾ كذلك.","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>شرح العقيدة الواسطية [٥]</span>\nمن عقيدة أهل السنة أنهم لا ينفون صفة من صفات الله التي وردت في القرآن، ومنهجهم في ذلك أنهم يثبتونها من باب التسليم لله ﷿ والامتثال له، مع إثباتهم لها من باب أن المعاني التي دلت عليها مما يحكم العقل بوجوبه في حق الله تعالى، وأنها تعد من الكمال.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>وجه إثبات الصفات عند أهل السنة</span>\nقال المصنف ﵀: [ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلام عن مواضعه].\n(فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه) أي: أن أهل السنة والجماعة لا ينفون صفةً من الصفات قد نطق القرآن بها.\nفإن قيل: هل عدم نفيهم لصفة من صفات الله التي نطق القرآن بها هو من باب التسليم المحض، أم أنه من باب التسليم والتحقيق العقلي؟\nفالجواب: أن ذلك من باب التسليم ومن باب التحقيق العقلي.\nوالمراد من ذلك: أنه لا يفهم أن أهل السنة -كما يرميهم مخالفوهم- أثبتوا هذه الأسماء مع أن ظاهرها التشبيه، أو أثبتوا هذه الصفات مع أن ظاهرها التشبيه، أو على طريقة بعض المخالفين تستلزم التشبيه؛ فيدَّعون أن السلف أثبتوها من باب التسليم المحض ومن باب الديانة المحضة.\nبل الصواب: أن السلف أثبتوا الأسماء والصفات تسليمًا لله ﷾ وامتثالًا، وأثبتوا هذه الأسماء والصفات من باب التحقيق العقلي.\nومعنى قولنا: (من باب التحقيق العقلي) أن المعاني التي دلت عليها هذه النصوص يحكم العقل بوجوبها في حق الله ﷾، وأنها في حكم العقل تعد من الكمال.\nفإن المذهب عند السلف وإن كان يبنى على التسليم، إلا أنه يقال: ما من صفة من صفات الله نطق القرآن بها وذكرت مضافةً إلى الله إلا علم بحكم العقل أنها صفة كمال تليق بالله ﷾.","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>أقسام الصفات من حيث حكم العقل بها</span>\nتنقسم الصفات المذكورة في القرآن إلى قسمين -وهذا تقسيم اصطلاحي-:\nالأول: صفات تعرف بحكم العقل قبل ورود الشرع، ولهذا يُصدِّق بها جمهور من يقر بالربوبية ولو كانوا من المشركين عبدة الأوثان، كاتصاف الله ﷾ بالعلم، فإن المشركين في جاهليتهم كانوا يؤمنون بأن الله عليم، وكاتصاف الله ﷾ بالقدرة، فإن المشركين -فضلًا عن المسلمين- يقرون بذلك، ولا شك أن الإقرار بعلم الرب ﷾ وقدرته وعزته وما يتعلق بهذا النوع من الصفات هو إقرار يُعلم بالفطرة، فإن الله فطر الخلق على ربوبيته، ومن أخص معاني ربوبيته أنه بكل شيء عليم.\nأليس الرب ﷾ قال في كتابه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢]؟ فهذه الفطرة محصلها أن الخلق قد أقروا لله ﷾ بالربوبية، ومن أخص معاني ربوبيته أنه قد أحاط بكل شيء علمًا، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير\nإلى غير ذلك.\nولا يقل قائل: هذا توحيد الربوبية، وكلامنا في توحيد الأسماء والصفات! لأننا نقول: إن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، إنما هو اصطلاح، وإلا فإن المشهور عند المقسمين من العلماء الذين تقدم شأنهم شيئًا ما أن التوحيد ينقسم إلى توحيد العلم والخبر، وإلى توحيد الإرادة والقصد والطلب وما يتعلق بذلك، باعتبار أن الأسماء والصفات باب من أبواب الربوبية، ولكن خصها بعض أهل العلم بالذكر باعتبار أن مادتها وقع فيها نزاع بين أهل القبلة، بخلاف بعض معاني الربوبية الأخرى، وكل هذا مما يُستعمل عند أهل العلم، ولا إشكال في ذلك.\nوتحصل من هذا أن باب الربوبية من أخص أبوابه باب الأسماء والصفات.\nالقسم الثاني: صفات لا تُعلم إلا بعد ورود الشرع، فمثلًا: قول النبي ﵌: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) يقال: إن هذه الصفة علمت بالسمع، وأما العقل فإنه لا يدل عليها ابتداءً.\nلكن مع قولنا: إن ثمة جملةً من الصفات لا يدل عليها العقل ابتداءً، ولم تُعرف إلا بخبر الرسل ونزول الكتب؛ فإن هذا النوع من الصفات المعلوم بالسمع وحده فضلًا عن الذي يُعلم بالعقل ابتداءً، يقضي العقل بتصديقه، فإنه لائق بالله ﷾.\nومن هنا عُلم أن سائر الأسماء والصفات مبنية على التسليم وعلى حكم العقل، سواء كان هذا الحكم حكمًا قبليًا قضى به العقل قبل ورود الشرع، أم كان حكمًا تقريريًا.\nوقد يقول قائل: لماذا لا نقف ونقول: إنه مبني على الكتاب والسنة؟\nنقول: إنما نذكر مسألة العقل؛ لأن المخالفين عامة مخالفتهم زعموها من موجب العقل، فلا بد أن نبين أن العقل موافق للنقل.","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>معنى الإلحاد في أسماء الله</span>\nقال المصنف ﵀: [ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يمثلون صفات الله].\n(ولا يلحدون في أسماء الله وآياته) الإلحاد من جهة أصل اللغة: هو الميل، وما ذكر منه في كتاب الله فإنه في حق قوم من المشركين؛ ولهذا ترى أن شيخ الإسلام يستعمل طريقة يحتاج الاستعمال لها إلى كثير من النظر والتأمل، وحين يقال: يحتاج الاستعمال لها إلى كثير من النظر والتأمل، لا يعني هذا التغليط لها، وإنما يعني هذا أنها لا تستعمل إلا بقدر مناسب، فإن شيخ الإسلام كثيرًا ما يسوق الآيات التي ذكرها الله في شأن الكفار -إما من مشركي العرب أو من اليهود والنصارى- أو الآيات التي ذكرها الله عن المنافقين، فيذكرها شيخ الإسلام في كثير من كتبه في مورد ذم المخالفين للسلف من أهل البدعة، ومثل هذا ينبغي أن يتبين مراده منه.\nفيقال: إن سائر ما يذكره المصنف في كتبه من هذه الآيات التي نزلت في حق قوم من الكفار لم يرد بها مسألة الأسماء والأحكام، بمعنى: أن هؤلاء يأخذون حكم الكفار، ولم يرد بها إلا مسألة المشابهة في الأفعال أو المشابهة في الأقوال؛ فإنه لا شك أن بعض المسلمين قد يقع منهم مشابهة في الأقوال أو في الأحوال والأعمال لقوم من الكفار، وبهذا يكون ذكر مشابهتهم لقوم من المشركين أو اليهود أو غيرهم ليس مشكلًا، لكن لا ينبغي أن يفهم أنه يعطي حكم المسلمين من أهل البدع حكم الكافرين من عبدة الأوثان أو غيرهم.\nوذكره لمسألة الإلحاد يقصد به مسألة التعطيل، فإن عدم التحقيق لإثبات الأسماء والصفات هو نوع من الميل عن الحق في آيات الله وأسمائه وصفاته، ومن هنا سمي قول المعطلة إلحادًا من هذا الوجه، وإن كان المتبادر في اصطلاح المتأخرين أن الإلحاد إذا ذكر يقصد به الزندقة المحضة، وهذا ليس مرادًا في مثل هذا المورد.\nقوله: (ولا يمثلون صفاته) أي: أن أهل السنة والجماعة لا ينفون شيئًا من الصفات، ولا يحرفونها بما يسمى تأويلًا، بل يثبتونها على موردها القرآني أو النبوي، وكما أنهم لا يعطلونها بالتأويل والتحريف والإلحاد -الذي هو الميل بها عن حقها الذي قصد بالخطاب- فإنه لا يمثلون صفاته بصفات خلقه، أي: لا يجعلون شيئًا من الصفات مشابهًا لصفات المخلوقين.","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>الاشتراك بين الخالق والمخلوق في الاسم أو الصفة إنما هو اشتراك في الاسم المطلق</span>\nهنا مسألة في مسألة التشبيه لا بد من التحقيق فيها، فإنك إذا نظرت في كتاب الله ﷾ وجدت أن بعض الصفات -بل وبعض الأسماء- التي أضافها الله ﷾ إلى نفسه تضاف إلى الخلق.\nفمثلًا: قال الله عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨] وقال عن الإنسان: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢] فترى أن السياقين فيهما قدر من الاشتراك، وقال عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨] ولما ذكر عبده المخلوق قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢] وقال عن نفسه ﷾: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣] وقال عن عبده ورسوله محمد ﷺ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] فسمى نفسه رحيمًا، وسمى نبيه رحيمًا بالمؤمنين.\nبل إن هذا قد يقع في آية واحدة، فإن الله يقول: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] والصفة المشتركة هنا هي صفة الرضا.\nوقال عن نفسه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ﴾ [الحشر:٢٣] وقال عن عبده: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف:٥٠] وسمى نفسه العزيز، وقال في كتابه: ﴿قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١] إلى غير ذلك.\nفهناك قدر مشترك في ذكر الأسماء والصفات، وهذا صريح في كتاب الله، فضلًا عن غيره.\nفهذا الذي في القرآن من هذا الاشتراك هو اشتراك في الاسم المطلق، والعقائد -والمعاني جملةً سواء كانت في باب الخبر أو باب الطلب- لا تؤخذ من الألفاظ المجردة، أي: المقطوعة عن الإضافة والتخصيص، سواء كانت اسمًا أو فعلًا ليس له مقارن من القول أو الحال، وإنما تؤخذ المعاني من الجمل المركبة، والجمل عند العرب هي ما كوِّن من المبتدأ والخبر أو كوِّن من الفعل والفعال، هذه هي الجمل التي تحصل المعاني، وأما ما قصر عن ذلك فإن الكلام لا يكون عندها مفيدًا، فإنك إذا ذكرت مبتدأً ولم تذكر خبره، والسياق والحال لا يدلان على خبره، فإنك لم تذكر شيئًا مفيدًا، ولا يمكن أن يستفاد من تلك الكلمة معنى.\nفالاشتراك المذكور في مثل الآيات السالفة إنما وقع في اللفظ المطلق، لا في السياق المركب، فإن الذي يريد أن يذكر هذا الاشتراك سيقول: إن صفة الرضا أضيفت إلى الله وأضيفت إلى المخلوق، وإن السمع أضيف إلى الله وأضيف إلى المخلوق ..\nوهلم جرًاَ من الصفات.\nوقد عني الإمام ابن تيمية بتقرير ذلك في كتبه ولخصه في الرسالة التدمرية، فذكر أن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل بعد الإضافة والتخصيص عقلًا؛ لأن الاسم المطلق لا وجود له في الخارج، وإنما توجد حقيقته في الخارج بعد إضافته أو تخصيصه، فإذا ما أضيف أو خصص تعلق به معناه في الخارج والوجود.\nفهذه الأسماء وإن اشتركت بعضها بين الخالق والمخلوق، إلا أن ما يليق بالله أضيف إليه، وما يليق بالمخلوق أضيف إليه، فما كان مضافًا إلى الله فإن معناه يكون مناسبًا للموصوف به، وما أضيف إلى المخلوق فإن معناه يكون مناسبًا للموصوف به.\nفالتشبيه والتمثيل الذي نفته النصوص في مثل قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] هو الاشتراك فيما كان من المعاني مضافًا مخصصًا، أما الاسم المطلق فإن النصوص لم تنفه.\nولو قال قائل: ألا يكون كمال التحقيق لتنزيه الله عن التشبيه والتمثيل أن ننفي مشابهة الباري لخلقه في الاسم المطلق والاسم المقيد؟\nقلنا: التشبيه الذي نفته النصوص هو ما كان من الأسماء مضافًا مخصصًا أو مقيدًا ..\nإلى غير ذلك، وأما الاشتراك في الاسم المطلق فإن هذا الاشتراك ليس هو المنفي في النصوص، وتسميته تشبيهًا فيه نظر؛ لأن التشبيه مبني على القياس، وليس في الاسم المطلق مقيس ومقيس عليه؛ لأن الاسم المطلق لم يضف إلى أحد بعينه.\nوالتحقيق أن هذا لا يمكن أن يسمى تشبيهًا؛ لأن التشبيه يستلزم وجود المشبه والمشبه به، والاسم حال إطلاقه وتجريده عن الإضافة والتخصيص لا يمكن أن يتحصل منه مشبه أو مشبه به، إنما المشبه والمشبه به وجوده وثبوته فرع عن إضافة الاسم، إذا قلت: هذا باب زيد وهذا باب عمر، فهنا لك أن تقول: إن باب زيد مشابه لباب عمر ..\nفهنا أثبتنا تشبيهًا، لكن إذا ما قلنا: (باب).\nفلا يمكن لقائل أن يقول: إن هذا اللفظ تضمن تشبيهًا، فإن قال: تضمن تشبيهًا، فإنا نقول له: أين المشبه وأين المشبه به؟\nفحين يقول: باب زيد وباب عمر.\nيكون ثمة مشبه ومشبه به، أما إذا قال: (باب) فإننا نقول: إنه لفظ مشترك.\nومعنى كونه مشتركًا: أنه يمكن أن يذكر على غير مورد وعلى غير سياق وعلى غير دلالة.\nإذًا: التشبيه الذي نفته النصوص ليس هو الاشتراك في الاسم المطلق ..\nوذلك لأسباب عقلية شرعية، أهمها: أن الاسم المطلق يمتنع ثبوت المشبه والمشبه معه، ومن هنا امتنع أن يسمى وروده تشبيهًا.\nفلو قال قائل: أليس النفي حتى في الاسم المطلق أبلغ في تنزيه الله عن خلقه؟\nقلنا: ليس النفي في ذلك أبلغ؛ لأنه لولا هذا الاشتراك في الاسم المطلق لما تحصل العلم بأسماء الله وصفاته، ولذلك بعض المعطلة الذين بالغوا في مسألة تنزيه الله ﷾، لما وجدوا القرآن يذكر العلم مضافًا إلى الله ومضافًا إلى العبد، ويذكر الرحمة مضافةً إلى الله ومضافةً إلى العبد؛ قالوا: إن هذا من باب الاشتراك اللفظي.\nومراد المناطقة بالاشتراك اللفظي أن اللفظ هو اللفظ، ولكن ليس هناك أدنى نسبة من المعنى بين المرادين، وقالوا: إن هذا من باب التنزيه.\nمثلًا: الكلام الذي أضيف إلى المخلوق: هو ما يعبر به من القول الذي هو بحرف وصوت.\nوالكلام الذي أضيف إلى الله قطعوا عنه أدنى نسبة من المعنى تتعلق بالكلام الذي أضيف إلى المخلوق، وجعلوا الاشتراك اشتراكًا لفظيًا.\nوهذا ليس من التنزيه، بل هو عند التحقيق من التعطيل؛ لأنه لو قيل في أسماء الله وصفاته: إن ما ذكر منها مضافًا إلى المخلوق هو من باب الاشتراك اللفظي الذي معناه أنه لا توجد أدنى نسبة مطلقة ولا مقيدة من المعنى بين المضافين، لاستحال أن يعلم ما يتعلق بربوبية الله؛ فإذا قال الله عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨] لم نفقه معنى كونه سميعًا بصيرًا.\nفإذا قيل في باب الأسماء والصفات: إن ما أضيف منها إلى المخلوق هو من باب المشترك اللفظي، قلنا: هذا ممتنع؛ لأنه يستلزم عدم فهم الخطاب القرآني المضاف إلى الله.\nومن هنا أبطل شيخ الإسلام ﵀ هذه المسألة، وهي ما زعمه الرازي مذهبًا لـ أبي الحسن الأشعري، وقال: إنه غلط على الأشعري في هذا المسلك، والأشعري وأئمة المتكلمين يعلمون فساد هذه الطريقة التي تقول: إن هذا من باب المشترك اللفظي.\nفإن قيل: إذًا ثمة نسبة، قلنا: إن هذه النسبة هي في المطلق، والمطلق ليس هو من باب التشبيه؛ لأنه لا يمكن أن يحصل منه مشبه ومشبه به، فهي نسبة كلية لا وجود لها في الخارج، بها يعلم ويفقه الخطاب؛ ولهذا جميع المسلمين ومن يعرف لغة العرب حتى من الكافرين إذا قرءوا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨] فقهوه، ولم يستلزم فقههم له أن الباري يكون مشابهًا ومماثلًا للمخلوقين، وذلك مما يدل على أن الإثبات مناسب للعقل والفطرة، ولو كان صاحبها ليس على دين المسلمين.\nولهذا لم يعترض أحد ممن وصفهم القرآن بالسفه والجهل من مشركي العرب على آية من آيات الأسماء الصفات؛ مما يدل على أنها مناسبة لعقولهم، مع أنهم ما فتئوا يبطلون القرآن حتى قالوا: إنه سحر يؤثر، وحتى قالوا عن النبي ﷺ: إنه كاهن ومجنون ..\nإلى غير ذلك.\nفلو كان من قضاء العقل عندهم أن صفات الباري منتفية أو أن الإثبات يستلزم التشبيه، لاعترضوا على كتاب الله بذلك؛ كما اعترضوا في مسألة البعث؛ كما في مثل قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨].","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>تنزيه الله عن السمي والكفء والند وعن أن يقاس بخلقه</span>\nقال المصنف ﵀: [لأنه سبحانه لا سمي له ولا كفء له ولا ند له ولا يقاس بخلقه ﷾].\n(لا سمي له ولا كفء له ولا ند له) هذه الأسماء الثلاثة معناها متقارب، لكن كل اسم من هذه الأسماء له اختصاص بمورد أكثر من الآخر، ولكن ليس منها واحد يتضمن معنى يمتنع أن يكون مرادًا في الآخر.\nوالمصنف ليس من طريقته ذكر المترادفات في مثل هذه التقارير التي يقصد منها التحقيق، لكن ذكر المترادف أو المتضمن للآخر هو من باب التحقيق للمعنى، فهو لا سمي له ولا كفء له ولا ند له.\nوكل اسم يمكن أن يفسر بمعنى الآخر، وإن كان تفسيره بالمعنى الآخر لا يلزم أن يكون من باب المطابقة، فقد يكون من باب التضمن أو نحو ذلك.\nفينزه الباري عن السمي والكفء والمثل؛ لأن الله يقول: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] ويقول: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ويقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فنفي هذه الأسماء الثلاثة بيِّن.\nقول المصنف: (ولا يقاس بخلقه).","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>وجه نفي المصنف للقياس</span>\nقد يقول قائل: إن المصنف هنا نفى القياس، مع أنه لم يذكر في الكتاب أو السنة نفي القياس.\nفيقال كجواب مجمل: إن المصنف إنما نفى القياس المقيد، ولا شك أن هذا النفي على هذا التقييد نفي صحيح.\nوأما الجواب المفصل فنقول: إن متأخري أهل السنة يقولون: إن القياس ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: قياس الشمول.\nالثاني: قياس التمثيل.\nالثالث: قياس الأولى.\nفقياس التمثيل: هو ما يعطى فيه الفرع حكم الأصل.\nفيقال عندهم: إن قياس التمثيل والشمول مما ينزه الباري عنه، فلا يستعمل في حق الله تعالى قياس الشمول ولا قياس التمثيل.\nوقياس الشمول: هو ما يستوي فيه جميع أفراده بمعنى العموم.\nوقياس التمثيل: هو ما يعطى حكم الأصل للفرع، وهو المستعمل في الجملة عند الفقهاء.\nقالوا: ولكن يستعمل في حق الله قياس الأولى، وهو المذكور في مثل قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠].\nوقبل أن نبين مراد أهل السنة بقياس الأولى، ونذكر القاعدة المشهورة التي ذكرها ابن تيمية وجماعة تحت مسألة قياس الأولى المضاف إلى الله، نقول: التحقيق أن استعمال لفظ القياس، مضافًا إلى الله غلط من جهة الأصل؛ لأن هذا اللفظ في اللغة يعني اشتراكًا إضافيًا بين المقيس والمقيس عليه، فإنه فرع عن الإضافات والتخصيصات والتقييدات، أي: فرع عن الجمل؛ ومن هنا يقال: إنه ليس مناسبًا في حق الباري ﷾، فإنه باعتبار أصل اللغة يفيد قدرًا من التشبيه الذي لا يليق بالله ﷾.\nفإن قال قائل: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] قيل: نعم، ولكن الله ﷾ لم يذكر لفظ القياس في مثل هذا المورد، والمثل الأعلى هو غير القياس وإن وافق جملةً مما يسميه أهل المنطق والاصطلاح بقياس الأولى، فإننا نسميه المثل الأعلى، ولا يصح أن نسميه من باب القياس، ولا سيما إذا أضيف إلى الله ﷾.\nفمحصل هذا: أن لفظ القياس لا يجوز إضافته إلى الله ﷾ ولا تقريره في مورد الأسماء والصفات ابتداءً، لكن إذا تُكلِّم مع المخالفين، فإنه لا بأس هنا أن يُتكلَّم مع أهل الاصطلاح من باب البيان باصطلاحهم، فيقال: إن ما ذكرتموه مسمى بقياس الأولى نثبته على أنه المثل الأعلى.\nوأما من فسر (المثل الأعلى) في الآية القرآنية بأنه: القياس الأعلى، فهذا ليس بصحيح، وإنما المثل بمعنى الوصف، وليس بمعنى القياس الأعلى أو القياس الأولى.\nومن هنا لا ينبغي أن يذكر في تقرير معتقد أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون في حق الباري قياس الأولى؛ لأن هذا اللفظ فيه غلط من أصل اللغة، وإنما يقال: إن أهل السنة والجماعة يقولون: إن الرب لا يقاس بخلقه.\nوأما ما يسميه هؤلاء بقياس الأولى فإن المناسب منه هو ما سماه القرآن بالمثل الأعلى.\nولك أن تقول: إن المثل الأعلى المذكور في القرآن أخص مما يسميه أهل المنطق والاصطلاح بقياس الأولى، فلما لم يكن بينهما تطابق امتنع أن يطلق هذا الاسم الشرعي على هذا الاسم الاصطلاحي، باعتبار أن الاسم الاصطلاحي أوسع في المراد من الاسم الشرعي.\nولكن إذا ذكر القول مع المخالفين، قيل: ما يسمى بقياس الأولى هو من حيث معناه المناسب ثابت، ولكن اللفظ يُتردد فيه.\nوهنا قاعدة ينبغي لطالب العلم السلفي والسني -وللمسلم عمومًا- أن يفقهها: وهي أن ما يصح في مورد الرد -سواء كان الرد على مخالف من المسلمين أو كان الرد على أحد من ملل الكفر- لا يستلزم أن يكون صحيحًا في مورد التقرير، فإن ذكر العقيدة إما أن يكون تقريرًا ابتداءً للمسلمين، وإما أن يكون من باب الرد، فما صح في مقام الرد على المخالف لا يلزم بالضرورة أن يكون صحيحًا -أو على أقل تقدير مناسبًا- لمقام التقرير.\nوهذا يبين: أن مقام التقرير أضيق من مقام الرد، فما يقع فيه كثيرون من نقل ما استعمله بعض أهل السنة في مقام الرد إلى مقام التقرير ليس مناسبًا.\nولهذا ما ذكرت مسألة القياس -قياس الأولى وما يتعلق بها- إلا في مقام الرد على المخالفين في مسألة القياس، أما في أصل تقرير السلف والمتقدمين فليس لهذا الاسم مورد من جهة التقرير، فينبغي دائمًا أن تبنى العقيدة عند المسلمين على مقام التقرير القرآني أو النبوي، وأما مقام الرد فإنه يتوسع في شأنه عند الأئمة.","vol":"5","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>شرح العقيدة الواسطية [٦]</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون بأسماء الله وصفاته كما أخبر عن نفسه سبحانه في كتابه أو على لسان رسوله؛ فإن الله تعالى أعلم بنفسه من غيره، ورسله صلوات الله عليهم أعلم به سبحانه من سائرخلقه.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>قبول ما ورد في القرآن من أسماء الله وصفاته</span>\nقال المصنف ﵀: [فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلًا وأحسن حديثًا].\n(فإنه ﷾ أعلم بنفسه) وهذه ضرورة عقلية، وضرورة شرعية، والمصنف هنا يستعمل باب الضرورات، وهي المعاني المسلمة.\nوهذه طريقة فاضلة في الجدل، وهي مستعملة في القرآن، وهي: الاستدلال على المختلف بالمؤتلف، أي: أن تستدل على المختلف فيه بالمؤتلف عليه أو بالمتفق عليه.\nومن استعمالها في القرآن: أنه لما خالف المشركون في توحيد العبادة وإفراد الله بالتوحيد، ذكر الله ﷾ إقرارهم بتوحيد الربوبية؛ من باب الاستدلال على المختلف فيه مع المشركين -وهو الألوهية- بالمتفق عليه معهم وهو الربوبية.\nوهي طريقة معروفة حتى في علم الجدل والمنطق.\nفالمصنف يقول: (فإنه ﷾ أعلم بنفسه).\nولما كان أعلم بنفسه فإن ضرورة حكم العقل توجب أن يؤخذ ما يتعلق بأسمائه وصفاته مما أنزله الله على نبيه ﵌؛ ولما امتنع أن يكون أحد من خلقه أعلم به ﷾ من نفسه، وجب تصديق سائر ما ورد في القرآن من أسماء الرب ﷾ وصفاته.\nقوله: (وأصدق قيلًا) أي: قولًا ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] (وأحسن حديثًا) أي: أبلغ.\nالغلط في المعاني: إما أن يكون سببه العجز عن البيان، والله ﷾ منزه عن ذلك.\nوإما أن يكون سببه فساد الإرادة، والله ﷾ لا أحد أصدق منه.\nفلما كان بيانه ﷾ لخلقه في هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه، علم أن معاني الآيات في أسماء الله ﷾ وصفاته على ظاهرها.\nولا يجوز لأحد أن يقول: إن المسلمين اختلفوا فيها كما اختلف فقهاؤهم في آيات الأحكام، فإنه يقال: إن باب الأحكام مبني على تحصيل الحكم المختص، وأما باب الخبر فإنه مبني على التصديق والتكذيب، وآيات الصفات هي من باب الخبر، والخبر ليس أمام العقل فيه إلا أحد أمرين: إما التصديق وإما التكذيب، بخلاف آيات الأحكام فإنها لتحصيل الحكم المختص.\nوعامة ما يذكره ﷾ في كتابه: أمر ونهي.\nوالأمر والنهي إذا ذكرت معانيها المفصلة، قيل: قد يكون الأمر على الإيجاب، وقد يكون الأمر على الاستحباب، وقد يكون الأمر على الإباحة، والنهي قد يكون من باب التحريم، وقد يكون من باب الكراهة والتنزيه.\nفلما وجد هذا التفصيل في الأحكام جاز اختلاف الفقهاء فيها بخلاف مورد الخبر.\nومما يدل على هذا المعنى: أنك لا ترى أحدًا من طوائف المسلمين ينازع في دلالة قصص الأنبياء، بل كلهم يصدقون بها على معنىً واحد في الجملة ولا يختلفون في تفسيرها، وقد تقدم معنا أن مخالفة من خالف في باب الأسماء والصفات ليست فرعًا عن النظر في آيات القرآن، إنما هي فرع عن علم الكلام.","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>معنى الرسول ومعنى النبي</span>\n[ثم رسله صادقون مصدقون].\nالرسل عليهم الصلاة والسلام أخص من الأنبياء، وظاهر القرآن أن كل رسول فإنه نبي، وليس كل نبي رسولًا ..\nهذه قاعدة بينة من مجموع النصوص، وأما الفرق بين النبي والرسول، فإن المتأخرين من أهل السنة وغيرهم تكلموا فيه كثيرًا، ومن أشهر التفريقات المتداولة في الكتب المتأخرة: أن الرسول من أوحي إليه شرع وأمر بتبليغه، وأن النبي هو من أوحي إليه شرع ولم يؤمر بتبليغه.\nوهذا الحد مع شهرته هو من أفسد الحدود، بل إنه مناقض للشرع والعقل، فإن النبي إذا أوحى الله إليه شرعًا فكيف يمكن أن يقال: إنه لم يأمره بتبليغه؟! ومعلوم أن جميع الأنبياء والمرسلين أتوا قومهم بـ (بلغوا عني ولو آية)، فالتبليغ يؤمر به كل من آمن بالله تعالى، حتى العامة، فإنهم مأمورون بالتبليغ بما يقدرون عليه.\nوالله ﷾ ذم الذين كتموا العلم ونبذوه وراء ظهورهم أو لم يبلغوه، والنبي ﵊ يقول: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وأن ينذرهم شر ما يعلمه لهم) كما في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ في الصحيح.\nودلالة النبي لا يلزم بالضرورة أن تكون سائرها نزلت بوحي خاص، وإنما عرفها من مجموع رسالته، فإذا كان واجبًا عليه الدلالة على أوجه الخير العامة، فما بالك بالوحي الخاص؟\nوهذا التعريف لا يعلم من أين دخل على كتب العلماء، والغريب أن ثمة بعض المسائل فيها أقوال مناقضة للشرع ومناقضة للعقل، كما سلف في تعريف التواتر، وأن الحديث المتواتر: هو ما رواه جماعة عن جماعة ..\nإلى آخره، وبهذا التعريف لا يكون له مثال من جهة السنة، أي: أن السنة ليس منها شيء متواتر، والنتيجة أن السنة لا يحتج بها في العقائد إلا بحديث أو حديثين أو عشرة.\nفمثل هذه الحدود هي من الحدود الباطلة التي دخلت على بعض كتب العلماء.\nفإن قيل: فما التحقيق في معرفة الفرق بين النبي والرسول؟\nقيل: الذي دلت عليه مجموع النصوص دلالة بينة أن الرسالة أخص من النبوة، وأن كل رسول فإنه نبي، ولا يلزم أن يكون النبي رسولًا.","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>ما يوجبه اتباع الرسل من قبول ما أخبروا به عن الله</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم رسله صادقون مصدَّقون بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون].\nهذا من باب المقارنة بين طريقة أهل السنة وطريقة المخالفين، من جهة أن أهل السنة والجماعة قصروا طريقتهم على الاتباع والتسليم لكل ما جاءت به الرسل، وأن الحق الواجب في باب الأسماء والصفات وغيرها قد علم بمجيء الرسول ﵊، بل وغيره من المرسلين به إجمالًا وتفصيلًا.\nقوله: (بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون).\nهذا نوع من التعريض بطريقة مخالفي أهل السنة، فإن مخالفيهم من أهل التعطيل أو التشبيه والتمثيل بنوا مخالفتهم على الطريقة الكلامية، وقلنا سابقًا: إن الطريقة الكلامية محصَّلة من الفلسفة، ولا شك أن أرباب وأساطين الفلسفة يصح أن يقال فيهم: إنهم من الذين يقولون على الله ما لا يعلمون، ولا سيما إذا عرفت أن كبار أئمتهم الذين ينتسب إليهم من انتسب إلى الإسلام كـ ابن سينا وغيره؛ لم يكونوا ينتسبون إلى دين سماوي أصلًا، ولا حتى من الأديان المحرَّفة، كـ أرسطو طاليس؛ فإنه لم يكن على دين من أديان الرسل؛ بل كان قبل النصرانية، وقبل المسيح ابن مريم بثلاثمائة سنة.\nوعلم الكلام محصَّل من الفلسفة، والفلسفة جمهور أساطينها لم يكونوا على دين من الأديان السماوية؛ ولا سيما الفلسفة التي دخلت على المسلمين؛ فإن أربابها كـ أفلاطون وأرسطو طاليس وأمثالهم لم يكونوا على شيء من أديان الأنبياء، ولا حتى الأديان التي دخلها التحريف.\nوالمعتزلة وغيرهم من المتكلمين بنوا أقوالهم على مقدمات الفلاسفة، والفلاسفة يصح أن يقال فيهم: إنهم من الذين يقولون على الله ما لا يعلمون.\nولهذا قال بعض محققي المتكلمين والفلاسفة كـ ابن سينا: (إن الأقوال المقولة في الأسماء والصفات ليس فيها إلا أحد قولين: إما قول الأنبياء وأتباعهم، وإما قول الفلاسفة وأتباعهم).\nفجعلوا سائر الإثبات الذي عليه أهل السنة والجماعة فرعًا عما جاءت به الكتب السماوية، وجعلوا أقوال المخالفين من النفاة فرعًا عن أقوال الفلاسفة، فليس هنا إلا قول الأنبياء أو قول أئمة الفلسفة، وقول المتكلمين فرع عن الفلاسفة، وقول أهل السنة فرع عما جاء به الأنبياء والمرسلون.\n[ولهذا قال ﷾: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢]].\nهذا ذكره الله في كتابه، لكن ليس في المورد الذي اختلف فيه أهل القبلة، وإنما هو في ذم المشركين أو غيرهم كأهل الكتاب الذين زعموا أن المسيح ابن لله ﷾، أو في قوله سبحانه عن اليهود: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] أو في المشركين الذين زعموا أن له ﷾ صاحبةً وولدا، فقال سبحانه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون:٩١] إلى غير ذلك، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ﴾ [الصافات:١٨٠] فهو تنزيه لله عما وصفه به الكفار.\nولكن ما حصل من بعض أهل القبلة هو من المخالفة، والآية عامة في الدلالة؛ لمناسبة المعنى لذلك.\n[فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلَّم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب.\nوهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات].\nمن أخصِّ قواعد أهل السنة: أن هذا الباب عندهم معتبر بالإثبات والنفي؛ لأنه مبني على طريقة القرآن، وإذا قرأت القرآن وجدت أن الله ﷾ قد جمع فيما سمَّى ووصف به نفسه بين الإثبات والنفي، الإثبات لكماله والنفي لما لا يليق به ﷾.","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>ما يقتضيه اكتمال الدين من إعراض عن علم الكلام</span>\n[فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاءت به المرسلون، فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين].\nكل من آمن بالأنبياء والمرسلين لزم ضرورةً أن يكون متبعًا لهم، فإن مقتضى الإيمان بالنبوة والرسالة الإيمان بأن ما جاء به الرسول حق، فإذا تحقق أن ما جاء به الرسول حق، استلزم هذا الإعراض عن غيره، حتى لو فرض جدلًا أن هذا الحق الذي حدَّث به الرسول أو شيئًا منه يمكن أن يُعرف من غير مشكاة النبوة، فلو فرض هذا جدلًا، فإن المكلَّف لا ينبغي له أن يسعى إلى غير مشكاة النبوة، باعتبار أن النبوة والرسالة تضمنت الحق كله.\nومن المسلَّمات التي يُستدل بها في مقام النزاع: أنه يُعلم أن الله أكمل لهذه الأمة دينها، وكمال الدين إنما كان ببلاغ النبي ﷺ وسنته، والدين قد كمُل دلائل ومسائل، وهو أصول وفروع، فلو كان الناس محتاجين في شيء من أصول دينهم أو حتى فروعه في مقام الدلائل أو المسائل إلى شيء لم يُذكر في الكتاب أو في السنة، للزم من ذلك أن الله لم يكمل لهذه الأمة دينها.\nفلمَّا علم ضرورةً أن الله قد أكمل لهذه الأمة دينها، كان هذا الدين إنما يكمُل بالبلاغ النبوي.","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>شرح العقيدة الواسطية [٧]</span>\nجميع طوائف المسلمين يقرون بأن باب الأسماء والصفات بني على الإثبات والنفي، ولكن أهل السنة امتازوا في هذا الباب بطريقتهم المبنية على منهج القرآن، وهي أنهم يثبتون التفصيل فيما يتعلق بالأسماء والصفات المثبتة، ويثبتون الإجمال في الأسماء والصفات المنفية، وعند وجود الإجمال في المثبت من الأسماء والصفات فهو لا يخالف التفصيل بل يدل عليه.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>قواعد النفي والإثبات إجمالًا وتفصيلًا</span>","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>ما ورد في سورة الإخلاص من الأسماء والصفات</span>\nقال المصنف ﵀: [وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]].\nقوله ﵀: (وقد دخل في هذه الجملة) يعني بـ (هذه الجملة) قوله: (وقد جمع فيما وصف وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات).\nفأراد المصنف هنا أن يبيِّن لك طريقة القرآن والحديث في ذكر الإثبات وذكر النفي، ولك أن تقول هنا: إن جمهور طوائف المسلمين يسلِّمون أن هذا الباب -أعني: باب الأسماء والصفات- مبنيٌ على الإثبات والنفي، فهذا في الجملة محل إقرار عند جمهور الطوائف.\nولكن طريقة أهل السنة والجماعة في هذه الجملة مبنيَّة على منهج القرآن، فإنه إذا قيل: إنه قد جمع سبحانه فيما سمَّى ووصف به نفسه بين النفي والإثبات، فإن ثمَّة طريقةً بينةً في كتاب الله في مقام الإثبات وطريقةً في مقام النفي، حيث أن المفصَّل ذِكْرُه في القرآن والحديث هو الإثبات، وأما النفي فإن الأصل فيه في القرآن هو الإجمال.\nولك أن تقول: إن الأصل في الإثبات هو التفصيل، وإن الأصل في النفي هو الإجمال، وإذا قيل: الأصل في الإثبات التفصيل؛ فإن الإثبات كذلك يقع مجملًا، ومجمله يُعلم ضرورة أنه لا يعارض المفصل؛ بل يدل عليه.\nأما مجمل الإثبات في الأسماء، فهو قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠] فهذا إثبات للأسماء الحسنى، ولكنه إثبات مجمل، وأما الإثبات المجمل للصفات، فهو قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] أي: الوصف الأكمل.\nوقال قوم من أهل السنة والجماعة عند تفسير الآية وبيان معناها: إن كل كمال لا نقص فيه بوجهٍ من الوجوه ثبت للمخلوق، فإن الخالق أولى به.\nفهذه قاعدةٌ مقرِّبة إلى بعض المعاني المناسبة، ولكن لك أن تعتبر أنها ليست قاعدة لازمة لفقه هذا الباب، وكأن الاستغناء عنها أولى؛ لأنه قد يعترضها بعض التطبيقات التي تُوجب كثيرًا من الغلط عند بعض المطبِّقين لهذه القاعدة.\nولهذا ينبغي لطالب العلم ألا يبني فقهه على مثل هذه الحدود والضوابط التي تُسمى في بعض الكتب بالقواعد، فإذا ما قيل: (إنها قاعدة) انقدح في ذهن السامع لها أنها جامعة مانعة، وأنها قاعدة كلية، وأنها محكمة من جهة الشريعة ..\nإلى غير ذلك؛ وإذا تحققت وجدت أنها حد ونظر مناسب، لكنه يحتاج إلى كثير من الفقه؛ إذ ربما تخلَّف نظرهم من جهة فقهها، فرتَّبوا عليها بعض التطبيقات التي لا تناسبها، فهي قاعدة صحيحة، ولكنها ليست من أصول القواعد في هذا الباب ..\nفهذا مقام الإثبات المجمل.\nوأما الإثبات المفصل الذي قلنا: إنه الأصل في الإثبات، فهو ما تراه في كتاب الله مفصلًا لأسماء الرب ﷾ وصفاته؛ كقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ﴾ [الحشر:٢٣] وكقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٢ - ٣] إلى آخره، وكمفصَّل الصفات في قول الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا﴾ [المائدة:١١٩] وغير ذلك.\nوأما النفي فإن الأصل فيه الإجمال، كقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] وقد يقع النفي في القرآن مفصلًا كقول الله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] وقول النبي ﵊ في حديث أبي موسى ﵁: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام).\nوسبب ورود النفي المفصل في القرآن أو في شيء من السنة، هو وجود قدر من المناسبة التي تستدعي ذلك، وهو يُذكر في مقام يستلزمه أو يستدعيه، أما أن يكون منهجًا مطردًا، فهو ليس كذلك في الكتاب أو في السنة.\nوما من إثبات مفصَّل إلاَّ ويستلزم نفيًا مفصَّلًا، أو يتضمنه، وإن كان لم يصرح بذكره، فإن ذكر العلم يستلزم نفي الجهل، من باب أن العلم والجهل متقابلان، وثبوت أحد المتقابلين يسلتزم نفي الآخر.\n[وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]].\nابتدأ المصنف ﵀ بذكر سورة الإخلاص لوجوه، من أخصها: أن هذه السورة قد جُمع فيها بين النفي والإثبات، ولأن هذه السورة فيها ذكرٌ للإثبات المفصَّل والإثبات المجمل، وفيها ذكر للنفي المفصَّل وللنفي المجمل.\nفهذه السورة ذُكر فيها النفي بمقاميه، والإثبات بمقاميه، فقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] * ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] هو إثبات مفصل لاسمين من أسماء الله: (الله)، (الصمد).\nفإن قال قائل: فأين الإثبات المجمل؟\nقلنا: الإثبات المجمل هو في هذين الاسمين، فإنهما باعتبار كونهما من أسمائه المختصة (الصمد) و(الله) هو وجه كونهما في مقام التفصيل، وأما وجه كونهما في مقام الإجمال، فباعتبار أن هذين الاسمين فيهما دلالة عامة على الكمال؛ ولهذا سائر أوجه الكمال تكون مناسبة لهذين الاسمين، ولك أن تقول: إن أوجه الكمال المطلقة التي تليق بالله ﷾ يدل عليها هذان الاسمان من باب دلالة اللزوم، فإن الله لما قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ﴾ [الإخلاص:١] عُلم أنه متكلم ..\nلماذا؟ لأنه سمَّى نفسه الله، أي: المألوه المعبود محبةً وتعظيمًا، والذي يُعبد محبةً وتعظيمًا لا بد أن يكون متكلمًا.\nفمن هنا رأيت أن هذا الاسم -وهو (الله) - فيه دلالة على مقام الإجمال باعتبار أنه يستلزم الكمالات.\nفإن قال قائل: وما الدليل على أنه يستلزم الكمالات؟\nقلنا: لأن معناه يستلزم الكمالات من الصفات، والدليل على هذا: أن الله لما ذكر عبودية قوم موسى للعجل قال: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨] فدلَّ على أن مقام الاستحقاق للعبودية يقتضي أن يكون المعبود متكلِّمًا.\nومن هنا نقول: إن هذين الاسمين -أعني: الصمد والله- هما في مقام التفصيل، وهذا بيِّن، ولكنهما كذلك في مقام الإجمال، أي: الدلالة على الكمالات؛ فإن عامَّة ما ذكر من مفصل الكمالات يكون متضمنًا أو مستلزمًا لهذين الاسمين؛ ولهذا نقول: إن اسم الله دلَّ على الكلام، وإن اسم الله دلَّ على السمع والبصر، والدليل على ذلك أن الله هو المألوه المعبود، ولا بد أن يكون سميعًا بصيرًا، ولهذا قال إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم:٤٢].\nوتضمَّنت هذه السورة النفي في مقامين: المجمل والمفصَّل، فقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] هو نفيٌ مجمل، وقوله سبحانه: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] هو نفيٌ مفصل.\nفكانت هذه السورة جامعة في باب التوحيد؛ فهي جامعة لمعنى الألوهية في قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ﴾ [الإخلاص:١] وجامعة لمعنى الربوبية في جملة سياقها، وجامعة لمعنى الأسماء والصفات حسبما تقدم، فتضمنت تحقيق التوحيد في موارده الثلاثة: الألوهية والربوبية والأسماء والصفات على أتمِّ تحقيق؛ ولهذا سميت هذه السورة بسورة الإخلاص.\nقال المصنف: (التي تعدل ثلث القرآن).\nأما أنها تعدل ثلث القرآن فهذا ثابت في السنة، وقد تكلَّم العلماء في معنى كون هذه السورة تعدل ثلث القرآن، ومن أشهر أقوالهم المعروفة والمذكورة في كتب الشروح للعقيدة الواسطية وغيرها: إن القرآن ينقسم إلى خبر، والخبر منه قصص وعقيدة تتعلَّق بمعرفة الله وألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وأحكام.\nفهي ثلاثة أقسام: القصص والمعتقد -وهو الإيمان بالله ومعرفته- والأحكام، وهذه السورة تضمنت المعتقد، وإن لم يذكر فيها القصص ولا مفصَّل الأحكام، والقرآن جاء على هذه الأقسام الثلاثة.\nفإذا فُسِّر هذا الحرف النبوي بمثل هذا المعنى فإنه يكون لائقًا به، وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا لا يستلزم أن يكون تحصيلًا محضًا لمراد النبي ﵌، فربما كان مراده ﵊ أوسع من ذلك.\nفالظاهر أنها تعدل ثلث القرآن باعتبار الأجر؛ فإن النبي ﵌ قال: (أيعجزُ أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟) فلما سأله الصحابة قال: «قل هو الله أحد) تعدل ثلث القرآن) فكأن هذا في مقام الثواب.\nولك أن تقول: إنه يمكن أن يكون مراده ﵌ في مقام المعاني وفي مقام الثواب، ولكن إذا حُمل مراده ﵊ على مقام الثواب، فثمَّة مسألة لا بد منها، وهي: هل من قرأ (قل هو الله أحد) يكون له من الأجر ما يثبت لمن قرأ عشرة أجزاء من القرآن ويكون مماثلًا له، وإنما يتفاضلان باعتبار عوارض من الحال المقترنة بهما كأن تقول: إن هذا أخشع وهذا أكثر إخلاصًا، لكن باعتبار أصل العمل؛ فإن الأجر بينهما على التماثل المطلق، لأن النبي ﵌ قال: (تعدل ثلث القرآن)؟\nالجواب: لا ..\nلأن النصوص ليست صريحة بأن المراد من حرف النبي ﵌ هو مقام الثواب ..\nهذه جهة.\nفإن قيل: إن النبي ﷺ قال لأصحابه: (أيعجز أحدكم) قيل: هذا وجه ممكن أنه أراد الثواب، ولكن لعلَّه ﵊ أرا","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>ما ورد في آية الكرسي من الأسماء والصفات</span>\n[وما وصف به نفسه في أعظم آية بكتابه، حيث يقول: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ﴾ [البقرة:٢٥٥] أي: لا يثقله ولا يكرثه ﴿حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]].\nأعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي، والدليل على ذلك: ما جاء في صحيح البخاري: أنها أعظم آية في كتاب الله.\nوهذه آية جامعة للتوحيد كله بسائر معانيه، باعتبار أن فيها تحقيقًا لمقام المعرفة ولمقام العبودية لله ﷾، وباعتبار أن فيها ردًا على المخالفين المكذبين للرسل، فهي قاعدة في التوحيد في مقام التقرير، وهي قاعدة في التوحيد في مقام الرد على المخالفين، ومن هنا صارت أعظم آية في كتاب الله باعتبار عظم معناها.\nوهذه الآية يقال فيها قول مقارب لما قيل في سورة الإخلاص من جهة شمولها لقاعدة المصنف التي ابتدأ بذكرها.","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>مسألة الكرسي</span>\nالمشهور الذي عليه جمهور أهل السنة أن الكرسي هو موضع القدمين لله، هذا هو قول الجمهور، وليس في ذلك نصٌ صريح من السنة، ولكنه مرويٌ عن ابن عباس ﵄ وأصحابه، ولم يظهر فيه نكارة عند المتقدمين من السلف، ومن هنا فإن هذا القول هو أجود ما يُفسَّر به هذا الحرف من كتاب الله.","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>فضل آية الكرسي</span>\nقال المصنف ﵀: [ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح].\nيشير المصنف إلى أن ما ورد في حديث أبي هريرة في قصته مع الشيطان: (أن من قرأ آية الكرسي لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح) كأنه مناسب لمعناها، ولا شك أن ثمَّة مناسبةً بين هذا الفضل -الذي هو أنه لا يقربه شيطان- وبين معنى الآية، ولكن من جهة التعيين، فإن التعيين ليس فرعًا عن المعاني، وإنما هو فرع عن التوقيف؛ لأنك إذا قلت: إنه فرع عن المعاني؛ فإنه قد يقال في آيات كثيرة وسور كثيرة بعض هذه المعاني.","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>الحي الذي لا يموت</span>\n[وقوله سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]].\nيذكر المصنف الآيات التي جمعت بين الإثبات والنفي، فقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] هنا إثبات مفصل، وهو ذكر لمقام النفي المفصل الذي هو من باب تحقيق الكمال.","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>الإطلاق والتقييد في ذكر أسماء الله وصفاته</span>\n[وقوله سبحانه: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]].\nهذه أسماء مقترنة، والله ﷾ في سياق القرآن يذكر ما يتعلق بأسمائه وصفاته على طريقة مُحكمة.\nوقد سبق التنبيه إلى أن بعض المتأخرين حتى من أهل السنة -وهذا يكثر في هذا العصر عند كثير من طلبة العلم والباحثين- ينقلون الأسماء المذكورة في باب الأسماء والصفات من سياقاتها على سبيل الإفراد والعد.\nوهذا الإفراد والعد لها يخرجها عن سياقاتها، فيسلبها ذلك تحقيقها للكمال، ولذلك يجب أن يُلتزم مورد النصوص، فما ذكر في النصوص مطلقًا يُذكر فردًا مطلقًا، وما لم يُذكر في النصوص إلا مقيَّدًا فإنه لا يناسب أن يذكر في حق الله فردًا مطلقًا، وهذه قاعدة لا بد من فقهها.\nفالعلم والسمع والبصر ذُكرت في النصوص مطلقة ومقيدة، ولهذا ناسب أن تُذكر مطلقة وناسب أن تذكر مقيَّدة، ذكرت مقيدة في مثل قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] ولكنها جاءت مطلقة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨].\nولكن جملةً من الصفات ولا سيما ما يتعلق بصفات الأفعال لم تأت في النصوص إلا مقيَّدة، فلا يجوز الخروج بها عن مورد النصوص بقطعها عن التقييد إلى حال مطلقة من الإفراد؛ كالمكر والكيد وأمثال ذلك من الأفعال التي ذكرت مقيدة؛ ولذلك لا تذكر إلا مقيدة؛ لأن هذا هو الكمال.\nففي قول الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] لا يُناسب أن يقال: ومن صفاته المكر على الإطلاق، وإنما يبيَّن هذا المعنى؛ فإن الله لم يذكره في القرآن إلا مبينًا؛ وهذه المقيَّدات من الصفات والأفعال لم تستعمل في القرآن في مورد الأسماء، بخلاف ما كان من الصفات مطلقًا، فإنه اسُتعمل في القرآن في مورد الأسماء كالسميع والبصير والقدير والعزيز والحكيم ونحو هذا.\nفلا بد لطالب العلم -وللمسلم عمومًا- أن يلتزم هدي القرآن وطريقة القرآن في هذا.\nقال الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣] ذكر الله (الأول) ثم قال: (والآخر) باعتبار أن الكمال على هذا الوجه من التحقيق، وهذا قدر من البيان، وقال: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣] وهذا أيضًا قدر من التحقيق للكمال.\nولكن هنا سؤال: هل هذا من باب تحقيق الكمال بيانًا، أم أن الكمال لا يقع إلا بهذا الاقتران في الذكر؟ فإذا لم يحصل الكمال إلا بالاقتران، لم يجز أن يُعبَّد أحد باسم وقد فُكَّ عن الآخر، فلا يجوز أن يسمى أحد: عبد الأول، أو عبد الآخر، أو عبد الظاهر أو ما شابه ذلك.\nفأقول: الصواب أن كل اسم وحده يدل على الكمال المطلق، وإنما ذُكر في القرآن مقترنًا من باب البيان لتحقيق الكمال، وليس من باب أن الكمال لا يحصل بواحدٍ إذا اختص.\nوهذه الأسماء (الأول والآخر والظاهر والباطن) فسرها النبي ﵌ فقال كما ثبت في الصحيح: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء) فقوله: (أنت الأول فليس قبلك شيء) هذا من أصل مُعتقد المسلمين: أن الله ﷾ ليس شيء معه -أي: يقارنه بالزمان- فإن الله ﷾ ليس له زمان يختص به، وهو ﷾ الأول الذي ليس قبله شيء.","vol":"7","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>مسألة تسلسل الحوادث</span>\nهناك مسألة عُرفت في كلام شيخ الإسلام ﵀، وهي مسألة تسلسل الحوادث، وهل لها أول أو ليس لها أول؟ وليس الغرض أن ندخل في هذه المسألة، ولكن أحب أن يكون بينًا أن شيخ الإسلام ﵀ قد أصاب في هذه المسألة، وأن كل من ردَّ عليه أو بين غلطه، فهو في الغالب لم يفهم مقصوده؛ فإن كلامه ﵀ لا يستلزم قدم شيء من الحوادث، وإذا قيل عن الشيء بأنه حادث، فإن كل حادث مسبوق بالعدم، ومن هنا امتنع أن يكون شيء أول ليس قبله شيء إلا الله ﷾، ولكن تسلسل الحوادث قدر واسع يُقره العقل، وهو الذي حصَّله شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه، ولا سيما في بعض رسائله أو كتبه المطولة كدرء التعارض.\nفالمقصود: أن كلام الشيخ ﵀ في هذه المسألة ليس فيه شيء من الغلط، بل هو كلام محكم ليس معارضًا للنصوص فضلًا عن معارضته للعقل.\nوقوله: (والظاهر فليس فوقك شيء) أي: ليس فوقه شيء، لا في فوقية الذات ولا في فوقية القدر وفوقية الصفات والقهر، ومن هنا دلت الآية والحديث على علو الرب ﷾.\nوأما قوله: (وأنت الباطن فليس دونك شيء) فإن معناه: أي: لا يخفى عليك شيء.","vol":"7","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>إثبات صفتي العلم والحكمة</span>\nقال المصنف ﵀: [وقوله سبحانه: ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢].\nوقوله: (العليم الحكيم) قطع المصنف الآية عن السياق، لأن العليم أو الحكيم استعمل في القرآن على سبيل الإطلاق، ومن موارد الإطلاق أن يُستعمل اسمًا، فكل ما استعمل اسمًا عُلم أنه مطلق.","vol":"7","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>العلم بالأشياء كليها وجزئيها</span>\n[﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ:٢]].\nوهذا علمٌ مُفصِّل، فإن علم الرب ﷾ قد أحاط بكل شيء، وهو يعلم الأشياء كليَّها وجزئيَّها، وقد كذبت الفلاسفة الذين تكلموا في مسألة العلم بالجزئيات، ومن هنا كفرهم جمهور المسلمين من أهل السنة أو من المتكلمين بهذه المسألة.","vol":"7","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>مفاتيح الغيب</span>\nقال المصنف ﵀: [﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] ..\n﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]].\nمفاتح الغيب فيها قولان لأهل العلم:\nالقول الأول: أن مفاتح الغيب هي الخمس المذكورة في قول الله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان:٣٤] إلى آخر الآية.\nالقول الثاني وهو الصواب: أن مفاتح الغيب لا يعلمها إلا الله، وأن هذه الخمس منها، لكن لا يُجزم أن قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] تعلَّق بهذه الخمس وحدها، بل هذه منها، وأما تفصيلها وكمالها وسائر مواردها فالله أعلم به.\n[وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]].\nهذا مما اختصَّ الله ﷾ بعلمه، وهو أنه يعلم ما في الأرحام.\nوقد يقول قائل: إن الطب الحديث أصبح يكشف ما في رحم المرأة أهو حي أو ليس حيًا، ويكشف ما في رحم المرأة أهو ذكر أو أنثى قبل الولادة.\nالجواب: أن الله ﷾ يعلم ما في الأرحام، و(ما) من صيغ العموم، والطب بحاله الحاضرة أو القديمة أو المستقبلية لا يمكن أن يصل إلى العلم المطلق لما في الأرحام، فعلم من ذلك اختصاص الباري بالعلم المطلق.\nوالذي يعلمونه إنما هو شيء مشاهد وليس شيئًا غيبيًا، ولهذا لا يستطيعون العلم إلا باصطحاب الحس والمشاهدة، وذلك باستخدام وسائل التصوير.\n[وقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]].\nقرن ﷾ مسألة القدرة بمسألة العلم، وذلك لأن القدرة فرع عن العلم الذي أحاط الله ﷾ به سائر الأشياء، فهو على كل شيء قدير، فقدرته لا تفارق علمه، ومن هنا فإنه على كل شيء قدير وفي نفس الحال بكل شيء عليم.","vol":"7","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>شرح العقيدة الواسطية [٨]</span>\nمن المعلوم عند أهل النظر ومن يقرون بأصل وجود الله وربوبيته من المسلمين وغيرهم أن ذات الباري ﷾ تختلف عن ذوات المخلوقين، فإن كانت ذاته بالفطرة والعقل مباينة لذوات المخلوقين، فإن الصفات تكون ثابتة للذات. وكما أن بعض الصفات التي يتصف بها الرب جل وعلا لا تصح إضافتها إلى المخلوقين، فإن بعض الصفات يمكن إضافتها إلى الخالق والمخلوق على الحقيقة، ولكنها إضافتها إلى الله تكون على وجه يليق به سبحانه، كما أن إضافتها إلى المخلوق تكون على وجه يليق به.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>إثبات صفتي السمع والبصر</span>\n[وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]].\nوهذا إثبات لاسم السميع والبصير، وكل اسم في كتاب الله أو سنة نبيه فإنه يتضمن صفة، وهذه الصفة إما أن تكون مطابقةٍ للاسم وإما أن تكون لازمةً له، فالارتباط بين الأسماء والصفات قائم على قاعدة الدلالات، فإنك تقول: إن اسم العليم يدل على صفة العلم بالمطابقة، ويدل على صفة الحياة، بالتلازم والتضمن، فإن العليم لا بد أن يكون حيًا.","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>إثبات مشيئة الله وإرادته</span>\n[وقوله: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩]].\nهذا إثبات لمشيئته، ومشيئته ﷾ عامة لكل شيء، وهناك فرق بين المعاني التي ذكرت بها الإرادة وبين المعاني التي ذكرت بها المشيئة، فإن الإرادة تُذكر ويراد بها الأمر، وتذكر ويراد بها معنى المشيئة، وهو الذي يسمَّى عند بعض أهل السنة بالإرادة الكونية أو الإرادة القدرية.\n[وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]].\nيعلق الله ﷾ سائر الحوادث بمشيئته، وهذا هو تحقيق ربوبيته ﷾، ومشيئته الشاملة لكل شيء تُذكر في القرآن: إما مجملةً وإما مفصلة، وتفصيلها لا يختص بالخير، بل في بعض أوجه الفساد في الأرض وأوجه الشر يذكر الله ﷾ أن هذا بمشيئته وإرادته.\nولكنَّ الإرادة والمشيئة العامة -أعني: الإرادة الكونية- غير الإرادة الشرعية.\nوخالف في ذلك خلق من الصوفية الذين وقعوا فيما يسمَّى بالفناء عن شهود السوى.\nولمزيد من الإيضاح أقول: إن الفناء على ثلاثة أقسام:\nالأول: فناء عن وجود السوى، وهذا فناء غلاة الصوفية كـ ابن عربي وابن الفارض والتلمساني وأمثال هؤلاء.\nالثاني: فناء عن شهود السوى، وهذا فناء متوسطيهم الذين يشهدون مقام الربوبية ويسقطون به مقام الألوهية -أي: مقام الأمر والنهي- وهؤلاء عندهم قدر من المعارضة بين القدر والشرع.\nالثالث: فناء عن إرادة السوى، وهذا مقام توجد فيه مخالفة.\nويستعمل أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتابه (منازل السائرين) الذي شرحه ابن القيم ﵀ في كتابه (مدارج السالكين) شيئًا من الغناء عن شهود السوى؛ فـ أبو إسماعيل المعروف بشيخ الإسلام الهروي الحنبلي صاحب المنازل، وهو ذو مقام فاضل في الصفات، لكنه صوفي مغرق في التصوف، وعنده أصول أخرى من الأخطاء.\nوالإمام ابن القيم ﵀ لمَّا شرح المنازل اعتذر كثيرًا لـ أبي إسماعيل، وهذا الاعتذار الذي سلكه ابن القيم في مدارج السالكين كأنَّ بعضه ليس مناسبًا، وينبغي أن يكون الحق أغلى وأعلى من قدر أبي إسماعيل الأنصاري أو غيره.\nولا شك أن الهروي ﵀ كان من المجاهدين الصادقين في علمهم وفي ديانتهم، هذا فيما يتعلق بحكمه العام، وأما مآله فهو إلى الله، ولكنه ممن يُرجى له الخير الكثير، فإنه إمام وعالم وناصر للسنة في مقامات وصاحب ديانة.\nومقام التقريرات التي غلط فيها في كتابه صرفها ابن القيم ﵀أو صرف كثيرًا منها- إلى معاني تُناسب أهل السنة.\nوهذا ليس من المناسب، بل كان الأنسب أن يُقال: إن الهروي أخطأ في هذا الكلام، فإنَّ المتكلم إذا تكلم بكلام على مرادٍ ما، وهذا الكلام من جهة حروف اللغة يمكن أن يحمل على مرادٍ آخر، فلا يحقُّ لمن نظر هذا الكلام أن يحمله على معنىً ممكن ومؤلِّفه وصانعه والمتكلِّم به قد أراد به مرادًا آخر، بل يجب أن يقال: إنه غلط.\nكما أن التلمساني -وهو المسمى بـ العفيف - قد تكلَّف في حمل كلام أبي إسماعيل على مراد غلاة الصوفية، فـ ابن القيم أبعده عن مرادات ضلاَّل الصوفية، والتلمساني أرجع كلام الهروي إلى مرادات الغلاة من الصوفية، وكان ينبغي أن يُوقف عند كلام الهروي على مراده، ويبيَّن أن مراده غلط، ولا سيما أنه استخدم ألفاظ الصوفية التي لا تحتمل التأويل ولا الاعتذار، خاصة أنه استخدم فصيح اللغة الذي فيه قدر من السعة في التعبير.\nفما حصل في كتاب المدارج ينبغي أن يُتفطَّن له، ومن أخطاء الهروي كذلك أنه بالغ في تقرير بعض مقامات العبودية، وفي قصر النفس عليها.\nوهذا التنبيه لا يُقصد منه التعليق على حال الإمام ابن القيم ﵀، لكن يُقصد منه أن كتاب المدارج -وهو كتاب في السلوك والتربية- كتاب شديد، أي: أنه لا يستطيع أن يقيم عليه حالًا شخص عنده تفرُّد أو عنده مقاربة لأحوال الصوفية وتفرُّداتهم.\nبمعنى: أن من أراد أن يُطبِّق كتاب المدارج كتربية عامة للمسلمين، فإنه يجد أن تطبيقه عزيز جدًا؛ لأن فيه تعلقًا بأحوال لم يكن النبي ﵊ يذكرها للأمة، لأنها نوع من الإهلاك للنفس، فإن النفس كما ذكر الله شأنها في القرآن خُلقت على حالين: الخير والشر، والله ﷾ ألهم هذه النفس فجورها وتقواها، ففيها قدر واسعٌ من الشر والقبول له، وفيها قدر واسعٌ من الخير والقبول له.\nفالتدقيق في أحوال النفس من جنس التدقيق الذي كان عليه الحارث بن أسد المحاسبي قد يؤتي نتيجة فاضلة لبعض الخاصة، لكن العامة لا يستطيعونه، ولا سيما أن أهل السنة ليس عندهم طريقة للخاصة وطريقة للعامة، والهروي وجّه رسالته هذه للخاصة، فهو لم يوجهها لخاصة الخاصة، ولم يوجهها للعامة، لكن قصد بها الخاصة، وهم أصحابه من الصوفية، من ذوي الصُحبة العامة.\n[وقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١]].\nالشاهد من سياق الآية هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١] فحُكْمه ﷾ مبنيٌ على إرادته، والحكْم الأصل فيه: أنه الفصل بالحق.\nلكن قد قال النبي ﵊: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر) فذكر الحكْم في غير مورد الصواب.\nفنقول: إنه الأصل فيه، بمعنى: أنه إذا أُطلق فإنه يراد به الصواب، ولكن إذا ذُكر في مقام الغلط فلا بد أن يكون مقيَّدًا؛ ولهذا يقال: إذا حكم فاجتهد فأخطأ.\n[وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]].\nهذه إرادته ﷾ العامَّة التي هي بمعنى المشيئة؛ لا بمعنى الأمر، فمعنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥] من شاء الله هدايته شرح صدره للإسلام، ومن شاء الله ضلاله، فإنه يجعل صدره ضيقًا حرجًا.\nوهذه الآية من كتاب الله سبحانه صريحةٌ في إبطال مذهب المعتزلة الذين يقولون: إن العبد يخلق أفعاله، وإن الله لا يهدي ولا يُضل؛ فإنها صريحة بأن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهدايته فضل، وإضلاله عدل، فليس معنى: (أن الله يضل من يشاء) أنه يصرف قلب أحد أراد الإيمان عنه؛ فإنه لم يقع في الحس أن أحدًا أراد الحق والإيمان إلا ويُسِّر له هذا المراد.","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>إثبات صفة المحبة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]، وقوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]، وقوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٧]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤]]:\nبعد أن ذكر المصنف ﵀ قاعدة مطردة عند أهل السنة والجماعة في باب أسماء الرب سبحانه وصفاته شرع بعد ذلك في ذكر الآيات من القرآن الدالة على جملة من الأسماء والصفات.\nوعُنِي بذكر هذه الآيات على طريقةٍِ فيها قدر من التفصيل، وهذه العناية موجبها ابتداءً أن هذا الباب عند عامة المسلمين من أهل الإثبات من السلف والفقهاء وغيرهم مبني على النصوص؛ فمن قواعد أهل السنة والجماعة أن باب الأسماء والصفات باب توقيفي.\nولهذا لا عجب أن يستطرد المصنف بذكر هذه الآيات المتضمنة للأسماء والصفات.\nوهنا مقام آخر وهو: أن الإثبات لهذا -الخبري وهو باب غيبي في جملة تفاصيله- لا بد أن يكون معتَبَرًا بالخبر.\nفإنه وإن قيل: أن الكليات في باب الأسماء والصفات تدرَك بالعقل، وأن بعض الصفات تدرَك بالعقل، فلا شك أن العلم بتفاصيل هذا الباب لا بد أن يكون متلقَّى عن الدليل الخبري القرآني أو النبوي.\nوهنا مسألة عُنِي المصنف ﵀ بتقريرها، فإنه يقول: إن هذا الباب الذي ذكره الله ﷾ مفصلًا في كتابه، لا بد أن يفقه فيه معناه، فإن الله وصف نفسه في القرآن بالإثبات والنفي، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].\nوهذا الإثبات الذي غلب عليه التفصيل في القرآن، بعض ما ذُكِر منه مضافًا إلى الله ﷾ قد جاء ذكره مضافًا إلى العبد المخلوق.\nوهذه المسألة تعد عند الطوائف أصل فقه هذا الباب، ولهذا لا بد من العناية بها، فإن الله ذكر رحمته وعلمه ومحبته، وبتعبير آخر: ذكر العلم، والرحمة، والمحبة، والسمع، والبصر، مضافةً إليه، أي: أنها صفات من صفاته.\nوجملة هذه الصفات قد جاء ذكرها في القرآن مضافةً إلى العبد، وهذا واضح في السياق الذي ذكره المصنف؛ ففي قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ذكر لصفة المحبة أضافها الله ﷾ إلى نفسه في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ [المائدة:٥٤] وأضاف الصفة إلى عبده بقوله: ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وهلم جرًا.\nوإن كان لا يلزم أن كل صفة اتصف الرب ﷾ بها يصح أن تكون مضافةً إلى العبد، لكن لا شك أن قدرًا من الصفات المفصلة في القرآن، أضيفت إلى الله في سياق، وأضيفت إلى العبد في سياق آخر.\nوقد ذهب السلف ﵏ إلى أن الإضافتين كليهما على الحقيقة، فهذه إذا أضيفت إلى الله صفة له على الحقيقة، وإذا أضيفت إلى العبد فهي صفة للعبد على الحقيقة، ولا يلزم من ذلك التشابه والتماثل؛ لأن صفة الله أضيفت إليه فهي لائقة به، وصفة العبد أضيفت إليه وهي لائقة به.\nوكما عُلِم بإجماع أهل الفطرة ومن يقرون بأصل وجود الله وربوبيته من المسلمين وغير المسلمين أن ذات الباري ﷾ تختلف عن ذوات المخلوقين أجمعين، من بني آدم وغيرهم، فإذا كانت ذاته بالفطرة والعقل وإجماع عامة العقلاء من المسلمين وغيرهم؛ مباينة لذوات المخلوقين؛ فإن الصفات تكون تابعة للذات؛ بل إن الذات لا يمكن أن تنفك في العقل والوجود عن صفاتها؛ ولهذا يمتنع أن ذاتًا قائمة بنفسها تكون موجودة إلا وهي متصفة بجملة من الصفات.\nوجملة كثيرة من الوهم الذي دخل على أهل البدع من المعتزلة وغيرهم في باب صفات الله انبنت على أن الصفات منفكة عن الذات، أو كما يعبرون: أن الصفات قدر زائد على الذات، وهذا كله لغوٌ في العقل والوجود، فإنه لا يمكن أن ذاتًا توجد منفكةً عن صفاتها، ولا يمكن أن يقال: إن الصفات قدر زائد على الذات، بل هذا التقسيم أمر يفرضه العقل، وكثير من الآراء التي تكلم بها المخالفون للسلف وزعموا أنها من العقل، حقيقتها أنها من فرض العقل، وليست من حكمه.\nوكما قلت سابقًا -وهذه قاعدة ينبغي أن يستفاد منها في سائر العلوم، ليس في هذا الباب وحده، بل حتى في مسائل الأصول، والفقه، والتقاسيم، وتنزيل المسائل، وتحصيل موارد النزاع في المسائل، إلى غير ذلك-: إن ما يسمى في المنطق والقواعد بالسبر والتقسيم، أو ما يسمى عند الأصوليين وكثير من الفقهاء بتحصيل مورد النزاع في المسائل، هذا كله ينبني على تحكم العقل، أي: فروضات العقل، فلا بد أن يفرق الناظر وغيره من طلبة العلم بين أمرين:\nبين الشيء الذي يفرضه العقل فرضًا، وبين الشيء الذي يتصوره العقل ويحكم به.\nفإن ما فرضه العقل لا يكون له حقيقة علمية إلا إذا قبل العقل تصوره وتحكيمه، أما إذا عرض عرضًا للعقل، فهذا لا قيمة له.\nفطوائف المبتدعة يقولون: إن العقل يفرق بين الذات والصفات، ونسميه فرضًا في العقل؛ ولكن العقل لا يمكن أن يتصوره.\nوالمسائل التي يفرضها العقل ليست هي من العقل، بل هذا أول المنازل لتحصيل المعارف، وهو من تقدير الله ﷾ لهذه القوة في الإنسان ليعلم بها الأشياء ويعرف بها الحقائق.\nفالمقصود أن هذا الباب لا بد من فقهه على هذا الاعتبار، فإن سائر ما أضافه الله إلى نفسه لائق به، وسائر ما أضيف إلى العباد لائق بهم، ومن هنا يمتنع أن تكون صفة واحدة من صفاته ﷾ مشابهة أو مماثلة لصفات المخلوقين، وليس الجواب عن هذه الإضافة وهذه الإضافة أن يقال: إنها -أي: هذه الصفات- حقيقة في العبد وهي مجاز في حق الله، فإن هذا حقيقته التعطيل لصفات الله ﷾، فإن الصفة من هذه الصفات إذا أضيفت إلى مخلوق في سياق، وأضيفت إلى مخلوق آخر في سياق آخر، لم يلزم من ذلك تماثل الصفة التي أضيفت إلى مخلوقَين في سياقين مختلفين، وموجب عدم تماثل الصفة أن ذات المخلوق الأول تختلف عن ذات المخلوق الثاني، فإذا كان الأمر كذلك، علم أن ما أضيف إلى الله من الصفات يمتنع أن يكون مماثلًا لصفة مخلوق، لأن الصفة تابعة للذات، والله ﷾ ليس كمثله شيء.\nوإذا قيل: إن إثبات صفة لله أضيفت إلى العبد يستلزم التشبيه والتمثيل.\nقلنا: هذا حقيقته القول بإنكار وجود الله؛ لأن العقلاء من المسلمين وغير المسلمين الذين أقروا بوجود الله -وهم عامة بني آدم- يقولون: إن الله موجود، وإن هذه المخلوقات موجودة، ومع ذلك لم يكن وجوده ﷾ كوجود المخلوقات، بل جميعهم يتفقون على أن وجوده ﷾ وجود أزلي، وهذا هو معنى كونه ربًا ومعنى كونه خالقًا، ولو كان وجوده مسبوقًا بالعدم لما كان ربًا خالقًا.\nفإذا كان وجوده باتفاق العقلاء من المسلمين وغيرهم يختلف عن وجود غيره من المخلوقات -والعالم وما فيه من الحوادث- دل ذلك على أن لفظ الوجود لفظ أضيف إلى الله وأضيف إلى هذه المحدثات جميعها، ومع ذلك اختلف مراده واختلف معناه في حق الله وحق خلقه.\nوهذه قاعدة: أن كل من عارض في صفة من الصفات وزعم أن إثباتها يستلزم أن تكون مشابهة للصفة المضافة إلى المخلوق، فإنه يبين غلطه ومفارقتُه للحق بذكر صفة الوجود، فيقال له: إنك تؤمن بأن الله موجود، والمحدثات موجودة، ووجودهما مختلفان، فوجوده تعالى هو -كما يسمى- وجود واجب، ووجود المخلوقات وجود ممكن، أو بعبارة أخرى: وجود الله وجود لا أول له، وهو وجود أزلي، كما قال النبي ﷺ: (أنت الأول فليس قبلك شيء)، ووجود المحدثات مسبوق بالعدم.\nويعارَض كذلك ويغلَّط بصفة العلم، فإن الله يتصف بالعلم، والمخلوق يتصف بالعلم، فمن قال: إن العلم في حق المخلوق حقيقة وفي حق الله مجاز -ومعنى المجاز عند أهل المجاز أنه ما صح نفيه- فحقيقة قوله نفي العلم عن الله، وهلم جرًا.\nفهنا تعلم أن هذا الباب -باب الأسماء والصفات- لا بد أن يعتبر فيه سياق القرآن، ومن هنا قصد المصنف إلى ذلك.\nوهذه الآيات التي ذكرها المصنف هي في تقرير صفة المحبة، وصفة المحبة: من صفاته ﷾ المضافة إلى نفسه، وقد ذكرها الله ﷾ في غير موضع، كما ذكر المصنف هنا، وذكرها النبي ﵌.\nومعناها عند أهل السنة والجماعة كغيرها من الصفات، أن الله ﷾ يوصف بالمحبة.\nولكن أنبه إلى أمر مهم سبق الإشارة إليه ولا بد من تقريره على وجه أكثر تفصيلًا، فأقول: إن القاعدة المعروفة عند أهل السنة من أن الله ﷾ يوصف بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ، لا بد أن يلتزم فيها بالسياق الذي ذكره الله ﷾.\nفصفة المحبة لم يذكرها الله ﷾ من صفاته المطلقة، وإنما ذكرها من صفاته المضافة في مقام مختص، فإنها ما ذكرت إلا في حق المؤمنين، ولهذا فإن معنى محبته ﷾ على الحقيقة: أنه يحب المؤمنين محبة تليق به ﷾، ليست كالمحبة التي تضاف إلى المخلوق.","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>تأويل صفة المحبة عند أهل البدع</span>\nوأهل البدع مع هذه الصفة على قسمين:\n- غلاتهم يفسرون المحبة بالنعمة والحوادث المخلوقة، وهذه طريقة المعتزلة ومن وافقهم.\n- تعداد من انتسب منهم للسنة من المتكلمين المخالفين كالأشاعرة ونحوهم يفسرون محبة الله ﷾ بالإرادة، فيقولون: المحبة هي إرادة الإنعام.\nفأما من فسر المحبة بالنعمة، فلا شك أنه مخالف لصريح القرآن؛ فإن ثمة فرقًا بين نعمته ﷾ وبين فعله، ولا يكون هذا المذهب إلا عند معطلة الصفات.\nوإنما الذي التبس على كثير من أهل العلم المتأخرين وقلدوا فيه بعض المتكلمين، أنهم يفسرون محبة الله بإرادة الإنعام، فمثلًا: في قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] يقولون: معنى ذلك أنه يريد الإنعام عليهم.\nولا شك أن هذا من التأويل المخالف للسنة، فإن ثمة فرقًا في اللغة وفي الشرع وفي العقل بين صفة الإرادة وبين صفة المحبة.\nحتى إذا قيل: إنها إرادة الإنعام، فإن إرادة الإنعام في العقل والشرع لا تستلزم المحبة، فإن الله ﷾ أنعم على سائر بني آدم نعمًا، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤] ولا شك أن نعمه التي تفضل بها على عباده من المسلمين وغير المسلمين، هي بإرادته بضرورة الشرع والعقل.\nفإذا قيل: إن المحبة المذكورة في حق المؤمنين هي إرادة الإنعام، فلن يكون هناك فرق بين المؤمنين وغيرهم؛ لأن إرادة الإنعام لا تختص بالمؤمنين، فالكفار يسمعون ويبصرون، وما إلى ذلك، أي: قد أعطاهم الله جملة من النعم الظاهرة التي لا يمكن لأحد أن يجادل فيها، وحتى إذا قيل أنهم حرموا أعظم النعم وهي نعمة الهداية، فالمقصود أن الله أعطاهم جملة من النعم، وهذا بيِّن في الحس، هذه النعم بإرادته تعالى؛ فإنه لا يمكن أن يكونوا حصلوا هذه النعم من ذوات أنفسهم.\nفعُلم أن إرادة الإنعام لا تختص بالمؤمنين، بل تقع إرادة الإنعام لقوم من الكفار ابتلاءً وغير ذلك، لأنه لو لم ينعم عليهم ﷾ لما استطاعوا القيام بالأمر، فلو كانوا لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون، فلا يمكن أن يكلَّفوا؛ فهذه النعم لا بد منها لقيام التكليف وما إلى ذلك.\nإذًا: هذا التفسير غلط من جهة اللغة، فإن ثمة فرقًا عند العرب بين المحبة وبين إرادة الإنعام، والإنسان قد يريد الإنعام على شخص لا من باب محبته إنما من باب دفع شره أو من باب تحصيل مصلحة أو ما إلى ذلك من الإضافات والمتعلقات.\nفهذه جهة تبين الغلط المحض في هذا التفسير.\nالجهة الثانية: أن يقال: لماذا لا تفسرون المحبة هنا بوجهها الصحيح؟\nقالوا: إن هذا يستلزم التشبيه.\nفنقول: إن كل معنىً من التشبيه فرضتموه في صفة المحبة فإنه يلزمكم في صفة الإرادة.\nفهم لم يثبتوا المحبة على ظاهرها؛ لأن هذا عندهم من التشبيه.\nنقول: أنتم فسرتم المحبة بالإرادة، فعندكم أن الله متصف بالإرادة، والمخلوق متصف بالإرادة، فإن قلتم: إن المحبة هي كذا وكذا في المخلوق، ويلزم أن تكون في حق الله كذلك وهذا لا يليق بالله، قيل: والإرادة كذلك.\nفإذا كان معنى المحبة الذي يليق بالمخلوق لا يليق بالله، فكذلك أيضًا: الإرادة اللائقة بالمخلوق لا تليق بالله.\nفإن قالوا: إرادة الله تختلف عن إرادة المخلوق.\nقلنا: فمحبة الله تختلف عن محبة المخلوق.\nفما من شيء يفرون منه في صفة المحبة، إلا ويلزمهم في صفة الإرادة، ومهما قالوا من التفريق في صفة الإرادة، فإنه يلزمهم في الصفة الأخرى.\nالفرق بين تأويل المعتزلة وتأويل متكلمة الإثبات:\nالفرق بين تأويل المعتزلة وتأويل متكلمة الإثبات من الأشاعرة والكلابية والماتريدية أن متكلمة الإثبات في الغالب لا يؤولون الصفات بالمخلوقات؛ بل يؤولون الصفات بصفات أخرى يثبتونها؛ وذلك لأنهم يثبتون بعض الصفات وينفون بعضها، فصار ما ينفونه إذا ورد ذكره في القرآن تأولوه على الصفات التي يثبتونها؛ فهم يثبتون صفة الإرادة، فإذا جاءهم ذكرٌ لصفة المحبة وصفة الغضب وصفة الرحمة وما إلى ذلك من الصفات، تأولوا هذا النوع على معنى الإرادة، فصارت المحبة إرادة الإنعام، وصار الغضب إرادة الانتقام، وهكذا.\nوأما الغلاة كالمعتزلة فإنهم يؤولون الصفات بالمخلوقات، وهؤلاء الرد عليهم أظهر؛ لأنهم مخالفون لصريح القرآن مخالفةً تامة.\nويقال عن الفئة الأولى -الأشاعرة والماتريدية والكلابية-: إن كل من تأول صفة ورد ذكرها في القرآن على معنى صفة يثبتها هو وطائفته فرارًا من التشبيه، فإنه يلزمه في الصفة التي أثبتها مثل ما يلزمه في الصفة التي نفاها، ولا فرق.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>تميز أهل السنة في العبودية لله من فقههم لصفات الله</span>\nإن المعاني التي تذكر في مقام العبودية عن محبة الله لا يدركها أولئك المتكلمون، وهذا يبين أن مسألة الأسماء والصفات ليس صحيحًا أنها من المسائل النظرية، بل هي من المسائل الإيمانية المتعلقة بالعبادة.\nونقصد بهذا أن محبة الله ﷾ لما فسرها من فسرها من المتكلمين بإرادة الإنعام، صاروا إذا ذكرت هذه الصفة في القرآن في مقام العبودية يقصر فهمهم عنها.\nمثلًا: الأصول الثلاثة للعبادة، وهي أصول العبودية عند الصحابة ﵃، وهي عبادته ﷾ محبة، وعبادته خوفًا، وعبادته رجاءً؛ ترى كثيرًا من الصوفية ومن تأثر بهم، وكذلك بعض المتكلمين الذين تكلموا في الأحوال ومسائل العبادة والسلوك إذا ذكروا الخوف فسروه بالخوف من العذاب أو من عذاب جهنم، وإذا ذكروا رجاء الله قالوا: يعبد ﷾ رجاء جنته، وما فيها من النعيم.\nولا شك أن تفسير الخوف والرجاء بهذا تفسير قاصر؛ لأن أعظم الرجاء ليس هو رجاء الجنة، بل أعظم الرجاء هو رجاء محبته ﷾ ورضاه؛ ولهذا قال تعالى في سياق ما وعد به المؤمنين: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢]، فرضاه ﷾ ومحبته لعباده أعظم رجاء منهم إليه مما في جنته ﷾ من النعيم.\nوكذلك الخوف؛ فإنه لا شك أن الخوف من النار من الخوف الشرعي ومن الخوف العبادي؛ لكن أشرف الخوف في مقام العبودية هو الخوف من سخطه وغضبه ومقته وما إلى ذلك.\nفبفقه هذه الأسماء والصفات يقع لأهل السنة في مقام الأحوال والسلوك ما لا يقع لغيرهم من التقرير.\nإذًا: قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] إثبات لصفة المحبة.\nوكذلك قوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] إثبات لها كذلك.\nوقوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٧] إثبات لها كذلك.\nهذه الآيات الثلاث فيها قدر آخر من المعنى فيه اشتراك، فإن الله علق محبته لعباده بمقام العدل.\nفإن قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] ذكر لمقام العدل، فإن أشرف مقامات العدل: الإحسان، ولهذا قال النبي ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) كما في الصحيحين، وهذا عدل من جهة، وإحسان من جهة أخرى.\nولهذا نقول: إن كل عدل فإنه إحسان، وليس صحيحًا ما يتبادر أن الإحسان هو الأمر الذي يقع على سبيل التفضل، أو أن الإحسان هو الأمر الذي لا يكون واجبًا، وأن الأمر إذا كان واجبًا لا يسمى إحسانًا، بل الإحسان هو الفعل لما يستحق، سواء كان هذا الاستحقاق على الوجوب أو لم يكن كذلك.\nولهذا لما ذُكِرَتْ مقامات العبودية، جُعِل أشرفها مقام الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه).\nوكذلك قوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]، وقوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة:٧] هذه كلها تحقيق لمبدأ العدل.\nولهذا مِن أشرف مسائل العبودية المتعلقة بحقوق الخلق أن يكون العبد على قدر من العدل والإحسان.\nولهذا لما ذكر النبي ﵊ المخرج من الفتن -كما في حديث عبد الله بن عمر في الصحيح- قال: (فمن أحب أن يُزَحْزَح عن النار ويُدْخَل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر.\nثم قال: وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه).","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>إثبات صفة الرحمة وأن الله غفور رحيم ودود</span>\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤]، وقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠]، وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]، وقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، وقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤]، وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧]، وقوله: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤]].\nمن صفاته ﷾ (الرحمة)، وثمة فرق بين ذكر رحمته وبين ذكر محبته، فإن الله سبحانه ذكر رحمته صفةًَ، وذكر سبحانه أن من أسمائه: الرحمن، ومن أسمائه: الرحيم، ولم يجعل من أسمائه المحب، وما إلى ذلك، وذلك لأن مقام الرحمة أوسع من مقام المحبة، ولهذا تعلقت رحمته بجميع خلقه من المسلمين وغير المسلمين، بخلاف محبته، فإنها لم تتعلق إلا بأهل الإيمان والطاعة، وكأن هذا هو الفرق أو الموجب لكون المحبة لم تذكر في باب الأسماء، وإنما ذكرت في باب الصفات، بخلاف الرحمة فإنها ذكرت اسمًا وذكرت صفةً، لأن الرحمة أوسع، بمعنى أنها متعلقة بسائر مَن خلق الله.\nولهذا قال النبي ﷺكما في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة -: (إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمةً واحدة، فبها يتراحم العباد، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأبقى تسعًا وتسعين يرحم بها عباده يوم القيامة)، وجاء في بعض الروايات في الصحيح: (إن الله خلق مائة رحمة)، وهذا لا يُشْكِل، ولا يجوز أن يكون حجة لمعطلة الصفات على أهل السنة، لأن الرواية الأخرى المروية عن النبي ﷺ يقول فيها: (إن الله خلق مائة رحمة)، وتعلم أن صفات الله ليست مخلوقة، بل هي قائمة بذاتها.\nفهنا قاعدة: (إن بعض ما ذكر صفة في القرآن أو في السنة، قد يذكر على معنى المفعول والأثر)، بمعنى أن الرحمة قد تذكر صفةً، وقد تذكر في مقام آخر، ويراد بها الأثر الذي يقع عن الرحمة، كقوله تعالى مثلًا: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الروم:٥٠] فأنت تقول: إن هذه النعم هي آثار رحمة الله.\nأليس كذلك؟\nوعن السمع تقول: هذه رحمة الله أو نعمة من الله.\nفهل السمع هو الصفة القائمة بذات الرب؟\nكلا؛ لأن السمع أو البصر أو العقل أو الصحة أو ما إلى ذلك، هي أشياء مخلوقة.\nفهذه تقول: إنها آثار لرحمة الله، فهذه الآثار تارةً تسمى آثارًا وتارةً تسمى باسم موجبها وهي الصفة، فتسمى نعمة أو رحمة أو ما إلى ذلك من الأسماء.\nفقوله: (إن لله مائة رحمة) المقصود به الآثار (إن الله خلق مائة رحمة) أي مائة أثر، وهي الرحمة المخلوقة التي تقوم في نفوس الناس، وبها يتراحمون، قال: (وأبقى تسعًا وتسعين) أي من آثار رحمته، وإلا فإن رحمته ﷾ لا تحد بعدد.\nوفي قوله تعالى:: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] مسألة مهمة، وهي أن الله يكتب على نفسه، هذه جاء ذكرها في القرآن وجاء ذكرها في السنة في مثل قول النبي ﷺ: (إن الله كتب في كتاب عنده فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي).\nوفي رواية: (إن رحمتي سبقت غضبي) والحديث رواه البخاري من رواية ابن عباس وأبي هريرة.\nفهذه الكتابة المضافة إلى الله ﷾: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ﴾ [الأنعام:٥٤]، (إن الله كتب في كتاب عنده) تثبت على ظاهرها، ولا تُتأوَّل؛ فإن القاعدة فيها كغيرها، أنها تثبت على ظاهرها.\nوقد ذكر المتأخرون مسألة: هل للعباد على الله حق واجب، أم ليس كذلك؟\nفتكلمت المعتزلة بقدر واسع من الإيجاب على الله، وذلك أن أفعال العباد عندهم مخلوقة للعباد، وأن الله يثيب العباد على محض أفعالهم، وليس من باب رحمته.\nوهم قوم يبنون قواعدهم على المعاوضة، ولهذا توسعوا في إثبات الكتابة على الله بما لم يقع مثله في الشرع.\nوبالغ قوم كالأشعرية ونحوهم بنفي ذلك.\nوالصواب أن ما ذكر مما ورد في النصوص في هذا الباب فهو حق على ظاهره.\nوقد قال النبي ﷺ: (ما حق العباد على الله؟ وما حق الله على العباد؟) فللعباد حق عليه ﷾ أن لا يعذب من لم يشرك به؛ وهذا الحق ليس مما ينقص مقام الربوبية.","vol":"8","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>إثبات صفة الرضا</span>\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩]].\nفي قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] إثبات لصفة الرضا.\nوالمعتزلة وغيرهم من المعطلة: أوَّلوها بالنعم.\nوالأشاعرة: تأولوها بالإرادة.\nوقد تبيَّن ما في المسلكين من الغلط.","vol":"8","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>قاعدة في الصفات الفعلية</span>\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣]].\nفيه إثبات غضبه ﷾، وإثبات لعنه، ولكن غضبه ولعنه لا يذكر مطلقًا، بل يذكر مضافًا.\nويعاب على كثير من المتأخرين من أهل السنة أنهم قرروا صفات الله ﷾ بوجه ليس له أصل في القرآن، فلا يفرقون بين ورود صفة العلم وبين ورود صفة المكر، ولا شك أن هذا ليس من الكمال.\nفتجدهم يقولون: ومن صفاته: العلم، والرحمة، والغضب، والمكر، والقدرة، والعزة، مع أن مقامها في القرآن ليس واحدًا، فهناك جملة من الصفات جاء ذكرها اسمًا، أي: سمي الله ﷾ بمدلولها، فصار من أسمائه الرحمن، والعليم، والسميع، والبصير.\nولا شك أن ما جاء ذكره من الصفات اسمًا، فهو مبني على الإطلاق، وأما ما لم يرد بذكره اسم، فقد يكون له وجه من الإطلاق، وقد يكون له وجه من الإضافة.\nفلا بد أن تلتزم هذه القاعدة في تقرير صفات الرب ﷾؛ لأن الله ما ذكر المكر صفة مطلقة له، فلا يحق لأحد أن يقول: إن من صفاته: المكر، والقاعدة في هذا الباب مبنية على اللغة وعلى العقل، والاعتبار الأول للعقل، واللغة أداة للفهم، فهي وسيلة يتوصل بها إلى مدلولات العقل بحسب تخاطبات بني آدم، ولهذا لا يلزم أن تكون اللغة هي العربية، إنما نزل القرآن بلغة العرب، لكن نزلت التوراة والإنجيل بغير العربية، وجمهور كتب الأنبياء لم تكن بالعربية، فليس بالضرورة أن نقول: لغة العرب، وإنما نقول: اللغة.\nومن جهة حكم العقل على المعاني يختلف المعنى المطلق عن المعنى المضاف المقيد، ولا أحد من العقلاء يعطي المعاني المضافة أحكام المعاني المطلقة، فكما أن التقييد للمطلق وهم، فكذلك الإطلاق للمقيد وهم، والمعنى المقيد في العقل يختلف عن المعنى المطلق.\nوهناك معانٍ إذا قيدها العقل فسدت؛ لأن العقل لا يقبلها إلا مطلقة، ولا تكون كمالًا إلا مطلقة، فلو قيد علم الله ﷾ بأشياء دون أشياء، فإن ذلك لا يكون كمالًا؛ بل يكون نقصًا؛ لأنه يستلزم أن ثمة قدرًا من المتعلقات يلحقها الجهل؛ وكذلك الصفات المقيدة لا يجوز إطلاقها؛ لأنها إذا أطلقت أصبحت نقصًا.\nفليس من صفات الله المطلقة: المكر؛ لأن هذه الصفة على الإطلاق ليست مدحًا، ولهذا ذكرها الله ﷾ مقيدة.\nفيجب أن يُلْتَزَم سياق القرآن في الصفات.\nتذكر ولا إلا بألفاظ القرآن والسنة، أو بتعبير من المتكلم؛ لكن يكون هذا التعبير موافقًا لسياقها المذكور في القرآن أو في السنة.","vol":"8","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>مسألة لعن المعين</span>\nقال المصنف ﵀: [قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣]].\nفي هذه الآية إثبات: غضب الله على قاتل المؤمن وإثبات لعن الله له، هذا هو المعنى المراد في الآية، وفيها مسألة أخرى، وهي لعن المعين من الفساق، فإن الله ﷾ ذكر بعض الكبائر ولعن أصحابها، فهل يلعن أصحابها أم لا يلعنون؟\nأما لعن الجملة: فقد جاء ذكره في القرآن والسنة، مثل: لعن آكل الربا، ولعن السارق، كقول النبي ﷺ: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)، كما في حديث عائشة في الصحيح، فهذا اللعن للنوع لا بأس به.\nأما لعن المعين: كسارق بعينه، أو قاتل بعينه، أو ما إلى ذلك ممن لُعن في القرآن أو في السنة نوعه، فالجمهور من السلف -وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد وكبار المتقدمين- أن هذا لا يجوز؛ لأن هذا لم يرد ذكره في النصوص.\nولعن النوع لا يستلزم لعن المعين، ولا سيما إذا اعتبرت قاعدة أهل السنة والجماعة في أهل الكبائر.\nفإنه لا يلزم أن يلحقهم اللعن على معناه؛ لأنه قد يغفر الله لهم، والله ﷾ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فقد يغفر له ولو لم يتب، ومن هنا لا يلزم أن يكون هذا اللعن لاحقًا له.\nإذًا: عندنا جهتان في عدم لعن المعين:\nالجهة الأولى: أن هذا ليس له سلف في تفصيل القرآن والسنة وهدي الرسول وأصحابه.\nالجهة الثانية: جهة المعنى، فإنك تقول: إذا كانت قاعدة أهل السنة: أن الله قد يغفر لأهل الكبائر، أو لمن لُعنوا من أهل الكبائر مغفرة محضة، وهذا متفق عليه بين السلف، حتى ولو لم يتوبوا، فقد يغفر الله لهم عفوًا وفضلًا، وقد تكون لهم حسنات أكثر من سيئاتهم، إلى غير ذلك.\nفإذا غفر الله لهم لم يلحقهم اللعن، ولم يلحقهم الوعيد؛ لأن اللعن من الوعيد ..\nومن لعن معينًا كمن لعن سارقًا مثلًا، فهذا اللاعن إما أن يكون لعْنُه للسارق يقصد به الإخبار، فلعنه على جهة الإخبار لا يجوز، لأن الإخبار جزم، والجزم ليس سائغًا؛ لأن الله يقول: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وإما أن اللاعن يلعن المعين لا من باب الإخبار، وإنما من باب الدعاء، فلعنُه دعاءً فيه إغلاق للرحمة.\nوقد يقول قائل: على هذا يلزم أن لا يجوز الدعاء على أحد.\nنقول: ليس كذلك؛ لأن ثمة فرقًا بين مطلق الدعاء وبين الدعاء باللعن ونحوه.\nومن هنا ترك أئمة السنة كـ أحمد وغيره اللعن للمعين من الفساق، وسوَّغه جماعة من أصحاب الأئمة كـ ابن الجوزي، وكـ أبي حامد الغزالي.\nومع ذلك نقول: إن هذه المسألة ليس فيها إجماع، وقد حكى بعض المتأخرين إجماع السلف على عدم جواز لعن المعين الملعون نوعُه في القرآن أو في السنة، وهذا الإجماع ليس بصحيح، نعم هو المشهور في مذهب المتقدمين، وهو المنقول في جوابات كثير من الأئمة، لكنه ليس إجماعًا؛ فالجزم بالإجماع لا وجه له؛ لأن هذا الإجماع لم ينضبط.\nإذًا: ذكرنا وجهين لمنع لعن المعين:\nالوجه الأول: التأسي بالسلف الذين ما كانوا يلعنون.\nالثاني: أن في اللعن قدرًا من الإغلاق.\nبعض المتأخرين يقول: إن سبب عدم جواز اللعن للمعين: أن اللعن معناه الطرد والإبعاد عن رحمة الله والإقصاء المطلق، ومرتكب الكبيرة كالسارق -مثلًا- مُسلِم؛ فلا يُدعَى عليه بالإقصاء المطلق عن رحمة الله؛ لأن الإقصاء والطرد والإبعاد عن رحمة الله إنما يكون في حق الكفار.\nوهذا وإن كثر في كلام بعض المتأخرين، إلا أنه ليس بصحيح؛ لأنه لو كان هذا هو المعنى لما أمكن لعن حتى النواة.\nإذا فُسِّر اللعن بأنه: الطرد والإبعاد المطلق عن رحمة الله، لما أمكن اللعن حتى للنواة، إلا على طريقة بعض الصوفية، الذين يقولون: إن اللعن هنا من باب التخويف، وليس من باب الحقيقة، وإلا لو لحق اللعن، ولو لواحد، فإنه يكون قد أبعد عن رحمة الله مطلقًا، وليس له أدنى حظ من الرحمة.\nومن هنا فسروا اللعن المذكور في النوع بأنه ليس على الحقيقة، وإنما هو من باب الزجر والتخويف.\nوهذا ليس بصحيح.\nبل كما قال شيخ الإسلام ﵀: (ما من وعيد ذكر في القرآن أو في السنة إلا وله حقيقة، وما من وعد ذكر في القرآن أو في السنة إلا وله حقيقة).\nوقال ﵀: (ومع أن الله ورسوله ﷺفيما جاء في الكتاب والسنة- قد تحقق من قولهما أن أهل الكبائر تحت مشيئة الله؛ ولكن هذه المشيئة وإن كانت غير مقيدة في القرآن إلا أنه لما جاء ذكر وعيده ولعنه وغضبه ﷾ لجملة الفساق علم أن المغفرة المحضة لا تلحقهم).\nولهذا كان من إجماعات أهل السنة والجماعة في أهل الكبائر: أن قومًا منهم يعذبون، وقومًا منهم يغفر لهم، ولم يقل أحد من السلف: إن جميع أهل الكبائر قد يغفر لهم، بل أجمعوا على أن قدرًا منهم يعذبون، وهذا صريح في نصوص الشفاعة، وهذا هو تحقيق الوعيد، وغفرانه ﷾ لجملة منهم هو تحقيق الوعد.\nفإذًا: قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] هذا وعد، والوعد والوعيد كثيرٌ في القرآن، فكل وعد أو وعيد لا بد له من حقيقة، ولا يمكن أن يكون المقصود به مجرد التخويف.\nولكن لما قال بعض أئمة السنة المتقدمين في بعض نصوص الوعيد: إنها على ظاهرها، أو قالوا جملة نحو ذلك، ظن بعض المتأخرين أن مقصود السلف أنها لا حقيقة لها، وإنما يقصد منها مجرد التخويف.\nيقول شيخ الإسلام ﵀: (ومن فسر قول بعض المتقدمين من السلف بهذا، فهذا حقيقته أنه لم يفقه قول الله ورسوله، ولم يقدر قول السلف حق قدره، بل ليس في الكتاب ولا في السنة وعيد إلا وله حقيقة)، وأما مجرد التخويف الذي معناه أنه لا حقيقة له، فيُنَزَّه الباري ﷾ عنه، لأن حقيقته الوهم، ولا يمكن أن يتأثر مخاطب إذا عرف أن هذا الوعيد ليس له حقيقة.\nوليس معنى هذا أن كل وعيد مطلق يلزم كل معين، فإننا نعلم أن الله يغفر لقوم من أهل الربا، وقوم من أهل الزنا، وقوم من أهل الخمر، ومن أهل السرقة، إلى غير ذلك، ومغفرته ﷾ قد تكون بتوبة، وقد تكون بحسنات ماحية، وقد تكون بمصائب مكفرة، وقد تكون بدعاء.\nوالإمام ابن تيمية ذكر عشرة أسباب مسقطة للوعيد والعقوبة: التوبة واحد منها.\nإذًا: كأن من الوهم أن يقال: اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله بإطلاق، وهذا التفسير ورد في كلام المفسرين كثيرًا، وحُكِي حتى عن بعض المتقدمين، وهذا الإطلاق فيه نظر؛ لأن الله لعن بعض الفساق ومعهم أصل الإيمان، فليس المقصود من لعنهم: الطرد والإبعاد المطلق عن رحمته.\nإذًا: ليس الموجب لعدم لعن المعين أن اللعن هو: الطرد والإبعاد المطلق، بل الموجب ما تقدم من التأسي، وما فيه من الإغلاق أو الجزم.","vol":"8","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>مسألة قبول توبة القاتل</span>\nقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ [النساء:٩٣]: المراد مسلمًا، سواء كان فاسقًا أو برًا صادقًا، وليس الوعيد فقط خاصًا بمن قتل من يكون من أهل الإيمان المحقق، فإن الإيمان هنا يراد به أصل الإيمان وليس الإيمان المطلق.\nمن قتل مؤمنًا متعمدًا هل له توبة أو ليس له توبة؟\nالجمهور من السلف والخلف على أن له توبة.\nوصح عن ابن عباس -فيما رواه مسلم وغيره من رواية سعيد بن جبير - أن القاتل عمدًا ليس له توبة، وهذا المذهب لا شك أنه ليس بصحيح، وإن قاله ابن عباس ﵄، فإن القرآن والسنة متواتران على أن كل أحد له توبة حتى المشرك، وابن عباس يقول بهذا، فإذا كان المشرك له توبة، فمن باب أولى أن القاتل عمدًا يكون له توبة.\nفإن قيل: إن القاتل عمدًا تعلق به حق آدمي.\nقيل: فيلزم على هذا أن كل من تعلق به حق آدمي لا توبة له، وهذا لا يقول به ابن عباس؛ فهذا مذهب ضعيف لا شك في ضعفه.\nلكن ما معنى قول ابن عباس؟\nحَكى ابن حزم أن ابن عباس يذهب إلى أن القاتل عمدًا يعذب، وهذا ليس بصحيح، ولم يقله ابن عباس، وابن عباس أفقه من هذا، إنما ابن عباس يقول: (لا توبة له)، وليس معناها أنه يعذب؛ بل المعنى أنه يوافي ربه بالذنب، وإذا وافى ربه بالذنب صار عند ابن عباس وغيره تحت قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].\nإذًا: فرقٌ بين أن يقال: إن ابن عباس يقول: (لا توبة له) وبين أن يقال: إن ابن عباس يقول: إنه يعذب ويدخل النار.\nوأشد من ذلك غلطًا: قول من قال: إن ابن عباس يقول: إنه مخلد في النار.\nإذًا: هناك غلطان في الكتب المتأخرة على ابن عباس:\nمن يقول: إنه يعذب بقدر ذنبه، ثم يخرج من النار.\nفهذا ابن عباس لا يجزم به.\nوأشد منه غلطًا من يقول: إن ابن عباس يقول: إنه يخلد في النار.\nفهذا لا يمكن أن يذهب إليه ابن عباس، وهو الذي ناظر الخوارج في مسألة الكبيرة.\nإنما المنضبط عن ابن عباس أنه يقول: (لا توبة له)، أي: أنه يوافي ربه بالذنب.\nوقد جاءت رواية أخرى عن ابن عباس تدل على رجوعه.\nهل رجع ابن عباس أو لم يرجع؟\nهذه مسألة مختلف فيها، والأظهر: أنه لم يرجع عن قوله ﵀ ورضي عنه؛ ولكن هذا قول قاله باجتهاد وقد خالف النصوص، فلا إشكال في ترك قوله.","vol":"8","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>مسألة قتل المسلم لنفسه</span>\nأشكل على قوم من أهل العلم ما ورد في قاتل نفسه من النص، فإن النبي ﷺ قال كما في الصحيحين: (من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن شرب سمًا فقتل نفسه، فهو يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) فصار بعض المتأخرين يقولون: إن قتل النفس عمدًا يستلزم الخلود في النار، وصار بعضهم يتوقف في من قتل نفسه عمدًا، هل يخلد في النار، أم أن مآله إلى الجنة.\nأما الذين يقولون: إنه يخلد في النار، فهم لا يحققون هذا مع قاعدتهم المعروفة في أهل الكبائر عند سواد أهل السنة والجماعة؛ بل عامة المسلمين أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار.\nلكن الذي ينبغي أن ينبه إليه وهو الذي وقع فيه بعض أهل العلم حتى من المعاصرين: أنهم توقفوا في من قتل نفسه: هل يخلد في النار، أم أن مآله إلى الجنة.\nفقالوا: الله أعلم، هذه مسألة مشكلة، الأصول تقول: إنه كأهل الكبائر، والنص يقول: (خالدًا مخلدًا فيها أبدًا).\nوهنا قاعدة فاضلة، وقد ذكرها الله ﷾ في القرآن وهي من باب أولى فيما أشكل من أحرف السنة، مع أن القرآن من جهة الثبوت قطعي، بخلاف السنة، فإن منها ما هو قطعي الثبوت، ومنها ما هو ظني، والظن يتردد إلى درجات كثيرة.\nالله ﷾ يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] فدل هذا على أن في القرآن محكمًا ومتشابهًا.\nوالوارد من أحاديث النبي ﵌ قد يكون فيه بعض المتشابه، وسبب التشابه هنا قد يكون جهة الثبوت، وهذا هو الغالب، ولهذا ليس هناك نص من السنة انضبطت صحته عن الرسول ﷺ يخالف نصًا صريحًا في كتاب الله أو يخالف قاعدة.\nوقاعدة: أن أهل الكبائر تحت مشيئة الله، وأن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، من القواعد القطعية في القرآن والسنة.\nفقد تكون هناك بعض النصوص المشكلة؛ لكن إذا تأملت فيها وجدت أنها ليست قطعية الثبوت.\nفهل يقال فيها بالرد؟\nالجواب: لا يلزم أن يقال فيها بالرد والتكذيب، كما يسلكه بعض المتكلمين، أن ما خالف القطعي من الظني يكذبونه ويردونه، أي: يبطلون صحته، ثم هم في تحديد القطعي على إشكال، فهم يختلفون حتى في تحديدهم لِمَا هو قطعي.\nفإن المنهج المعتدل عند السلف: أنهم لا يبطلونه ردًا، ولكنهم يفسرونه على معنىً يناسب القاعدة القطعية.\nفكل ما كان من الأحرف مشتبه الثبوت لا يلزم ردُّه؛ لكن لا يصح أن يفسر بما يعارض القطعي.\nفهذا الحديث الذي ثبت في البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة فيه قوله: (خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) يعارض بظاهره القاعدة التي تنص على أنه لا يخلد في النار إلا الكفار.\nوعلى هذا نقول: لا يمكن أن يكون هذا الحديث على المعنى المتبادر، وهذا أجود من أن نقول: لا يمكن أن يكون الحديث على ظاهره؛ لأنه ربما كان هناك فساد في ذوق اللغة عند أكثر المتأخرين، وعصرنا داخل في هذا الإشكال.\nفإذا أردت أن تفسر الحديث أو القرآن تفسيرًا لغويًا فلا تعتبر الكلمة المفردة، وجمهور التفسير اللغوي للقرآن والسنة لا يعتمد على الكلمات المفردة، وإنما يعتمد على السياقات.\nالعرب كانوا يتذوقون اللغة، ولاسيما الجاهليين منهم.\nفكونك تحس ذوق اللغة ليس أمرًا سهلًا، ولا يتحقق ذلك من خلال نظرك في قاموس أو في معجم أو ما إلى ذلك، فإن اللغة لسان، وليست علمًا يُتَعَلم، ولهذا ما كان علمًا محددًا أمكنك أن تكتبه، بخلاف الشيء إذا ما كان ذوقًا، إذ ليس له نظام يستطيع أحد ضبطه.\nصحيح أن علماء اللغة وضعوا القواميس ودرسوا البلاغة وما إلى ذلك؛ لكن بقي أن اللغة أُفُقُها أُفُقٌ واسع.\nفأولًاَ: هل قوله (خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) يلزم من لغة العرب التأبيد المذكور في حق الكفار؟\nفأقول: إذا كان النبي ﵌ قد قال هذا الحرف وهو: (خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) فإننا نعلم أن اللغة لا تستلزم ما يتبادر إلى الأذهان من التأبيد؛ إذ لو كانت اللغة تستلزم هذا المعنى للزم من ذلك أن النبي يريد هذا المعنى، وهو أن من قتل نفسه يحبط عمله، ولو كان مؤمنًا برًا صالحًا صائمًا قائمًا، لكنه تضايق من مشكلة في الدنيا، فتعجل وقتل نفسه.\nوالخلاصة أنه ليس لدينا إلا أحد فرضين:\nإما أن تكون هذه الكلمة (أبدًا) لم يقلها الرسول ﵊، وهذه طريقة قد ذكرها الإمام الترمذي، والحديث وإن كان في البخاري ومسلم، إلا أن لدينا قاعدة مهمة وهي: (أن ما خالف قطعيًا من نص صريح أو قاعدة محكمة قد يُتَرَدَّد في ثبوته)، وهذا يُتَرَدَّد في ثبوته، ولو كان في البخاري ومسلم.\nوقد يقول قائل: كيف يصح ذلك وقد قال الإمام ابن تيمية وغيره: (إن ما اتفق عليه الشيخان فهو متفق عليه بين أهل الحديث)؟\nفأقول: هذه القاعدة قد تصح وقد لا تصح، وكذلك نحن لم نتردد في صحة الحديث، فالحديث لا شك أنه ثابت، إنما ترددنا في قوله: (أبدًا).\nفـ الترمذي وجماعة يقولون: إن هذه الرواية وهم.\nوفي ظني أن هذا قريب، ولا سيما أن هذا الحديث في رواية البخاري ومسلم مداره على الأعمش، فلم يذكر هذه اللفظة إلا الأعمش في روايته، وقد رواه غيره ولم يذكروا هذه اللفظة، فهي لفظة غريبة من جهة علم الحديث، ولَمَّا كان هذا اللفظ غريبًا مداره على رجل واحد -وإن كان إمامًا إلا أنه من المدلسين، وإن احتمل الأئمة تدليسه- كان مما لا يجوز أن تعارض به أصول شرعية مطردة وقواعد سلفية قاطعة، خاصة أن أئمة السلف قرروا قاعدة أهل الكبائر ولم يستثنوا شيئًا، ولم يعلق إمام من أئمة السلف من أهل القرون الثلاثة الفاضلة على هذا الحديث بما تبادر عند المتأخرين من أن معناه تأبيد القاتل لنفسه كالكافر في نار جهنم.\nإذًا: إما أن هذا الحرف وهم، فلا إشكال، وإما أن يكون هذا الحرف ثابتًا في نفس الأمر وقد قاله الرسول ﵊، فنعلم أن اللغة لا تستلزم ذلك؛ لأن القواعد المحكمة قاطعة في هذا السياق، ولا يجوز أن يتردد في كون مَن قتل نفسه متعمدًا من المسلمين الذين مآلهم إلى الجنة، وإن لحقهم الوعيد.","vol":"8","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>شرح العقيدة الواسطية [٩]</span>\nعقيدة أهل السنة والجماعة إثبات الصفات الفعلية لله ﷿، وهم في ذلك يخالفون سائر الطوائف، سواء الذين ينكرون الصفات جملة كالجهمية والمعتزلة، أو الذين يثبتون بعض الصفات وينفون بعضها كالأشاعرة.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>إثبات الصفات الفعلية</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد:٢٨] وقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]، وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣]].\nهذه الآيات التي ذكرها المصنف هي تابعة لما سبق ذكره من النصوص في تفصيل الأسماء والصفات، لكن المصنف ﵀ عني بتقرير صفات الأفعال؛ لأن متكلمة الصفاتية تأولوا هذا النوع من الصفات ولم يثبتوه، فصارت عناية المصنف ﵀ بذكر هذا النوع من الصفات أظهر؛ فإن الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة وجمهور المسلمين تحقق عندهم الإنكار لقول الغلاة من أهل التعطيل من الجهمية والمعتزلة، وإنما الذي التبس شأنه على كثيرٍ من المنتسبين للسنة والجماعة -سواءٌ كانوا من الفقهاء أو من الصوفية أو من المتكلمين- ما يتعلق بباب الصفات الفعلية، إذ أن كبار متكلمة أهل الإثبات كـ عبد الله بن سعيد بن كلاب والأشعري وأبي منصور الماتريدي وأمثالهم أولوا هذا النوع من الصفات، فالتبس شأنه على كثير من أهل العلم، ولهذا اعتنى المصنف ﵀ بذكر آيات الأفعال، وقد بيَّن في مقام آخر أن هذا النوع من الصفات مذكورٌ في القرآن في أكثر من مائة موضع.\nفقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد:٢٨] فيه إثبات لسخطه ﷾، وهي صفة قائمةٌ بذاته، على ما تقتضيه مشيئته وحكمته وإرادته.\nومثله قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥]، الأسف هنا: هو الغضب، أي أغضبونا: أي لما غضب الله ﷾ عليهم انتقم منهم، وكذلك قوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦] في ذكر شأن المنافقين، فإن هذا فيه إثبات لكرهه ﷾.","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>صفة السخط والكره والمقت والغضب</span>\nتكلم بعض المتأخرين من أهل السنة في مثل هذه الصفات، فقالوا: إن الكره والسخط والمقت وأمثال هذه الصفات، تعود إلى صفة واحدة من أصول الصفات، فكلها ترجع إلى صفة الغضب أو أمثال ذلك.\nوهذا التفصيل فيما أرى ليس له هنا حاجة، والصواب أن تذكر هذه الصفات على وجهها.\nأما أن يقال أن سخطه ﷾ هو غضبه أو ليس هو إياه، فهذا لا شك أن فيه افتياتًا على النصوص، من جهة التوحيد بين الصفتين.\nصحيح أن ثمة قدرًا مشتركًا بين صفة السخط وصفة الغضب توجبه اللغة، لكن لا شك أن مدلول السخط في اللغة ليس هو مدلول الغضب.\nفالمقصود: أن بعض المتأخرين من أهل السنة قالوا: إن السخط والمقت والأسف وأمثال ذلك تعود إلى صفة واحدة، وهي الغضب، أو ما يقاربها، فجعلوا لجملة من هذه الأفعال أصولًا من الصفات، وهذه الطريقة ليست فاضلة، وكأن فيها أثرًا من طريقة متكلمة الصفاتية، الذين أرجعوا جملةً من الصفات إلى صفة الإرادة، فيجب أن تبقى هذه النصوص على ظاهرها، فإذا ذكر الله سخطه، قيل: هذا سخطٌ اتصف الرب ﷾ به في هذا المقام، وليس فيه مادة من النقص المنافية للكمال حتى يعاد إلى صفة جامعة له.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [غافر:٣٥] والمقت: هو أشد البغض، أو هو درجةٌ من البغض ولكنه من أشده، وكأن السخط والمقت، وإن صح أنها تعود إلى عام، فإنها من البغض، لكنها تكون على معنىً يختص بها، أي أن البغض يكون على درجات، كما أن المحبة عند أهل اللغة وغيرهم درجات، فيكون بعضها أخص من بعض.","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>صفة الإتيان والمجيء</span>\nقال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة:٢١٠]].\nقوله تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ) هذا الإتيان مضاف إلى الرب ﷾، والآيات التي ذُكر فيها إتيان الرب ومجيئه هي من أكثر الآيات التي أبطلها أهل التأويل، وتأولها عامة المتكلمين من المنتسبين إلى السنة وغيرهم، ودخل تأويل هذه الصفة وصفة المجيء على كثير من فضلاء أهل العلم، فقالوا: إن الإتيان هنا ليس إتيانًا على الحقيقة، وإنما هو من باب المجاز، ثم ذكروا جملةً من المعاني المجازية.\nوصفة الإتيان والمجيء وقع فيها من التأويل أكثر مما وقع في غيرها.\nفإن قيل: أليس القاعدة عند المخالف تكون واحدة؟\nقيل: المخالف ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون مخالفًا نظارًا منتظمًا على مذهبٍ واحد كنظار المتكلمين سواءٌ كانوا من المعتزلة أو غيرهم، وإما أن يكون من غير المتكلمين.\nفإذا كان المخالف من أهل علم الكلام الذين انتظموا على وجه واحد، لم تضطرب قاعدته، وإن كان غير ذلك فقد تجده يثبت بعض الصفات وينفي بعضها؛ فبعض الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة تجدهم يثبتون كثيرًا من صفات الأفعال، فإذا ذكروا رحمة الله ومحبته وغضبه ونحو ذلك، ذكروها على الإثبات، لكنهم إذا ما أتوا لذكر صفة الإتيان، تأولوها، وكأنهم رأوا في هذه الصفة من عدم المناسبة لإثباتها أظهر مما وقع لهم في غيرها من الصفات.\nفهذا الإتيان قد جاء ذكره في القرآن مضافًا إلى الرب سبحانه، فإنه يقول: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] ومحل هذا الإتيان هو يوم القيامة، وفي هذه الآية إتيان مضافٌ إلى الرب وإتيان مضافٌ إلى الملائكة، فالذين تأولوا هذا النوع من الصفات جعلوا الكلام فيه حذفًا، وقالوا: إن هذا من باب حذف المضاف، وتقدم الإشارة إلى أن هذا ممتنع من جهة اللغة ومن جهة العقل، وذلك أن المحذوف في لغة العرب وغير العرب يلزم أن يكون معلومًا، أما إذا كان المحذوف مجهولًا، بل كان المحذوف يمتنع العلم به، فإن هذا الحذف لا يجوز في خطاب الأخبار الإيمانية، بل هذا لا يقع إلا من مكذبٍ أو من قاصدٍ للتكذيب.\nفإنك ترى أن هذا خبرٌ قصد الله ﷾ من المكلفين أن يؤمنوا به، فإذا كان فيه محذوفٌ يمتنع العلم به، فإن التصديق به يكون ممتنعًا؛ لأن ظاهره ليس مرادًا.\nوإنما قلنا: إن المحذوف هنا ممتنع العلم؛ لأنه يمكن أن تقدر جملة من الأشياء.\nفمنهم من قال: إن المقصود هنا: إتيان الملائكة، وهذا ينقضه آخر الآية؛ فإن الله يقول: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] ففرق بين إتيانه وبين إتيان الملائكة.\nومنهم من قال: إنما يأتي أمره، أو قضاؤه أو ما إلى ذلك.\nفلما كان المحذوف متعدد الإمكان، عُلم أن تعيين واحد يكون ممتنعًا من جهة العقل ومن جهة اللغة نفسها، فلما امتنع العلم بالمحذوف دل على أن الخطاب على ظاهره.\nفإنك هنا أمام أحد حقيقتين:\nإما أن يكون الخطاب على ظاهره، وإما أن يكون الخطاب فيه حذف، فإذا كان الخطاب فيه حذفٌ -وإن كان أصله من جهة اللغة مسلمًا- إلا أنه لا يمكن في هذا السياق؛ لأن العلم بالمحذوف ممتنع، والذي تحذفه العرب في كلامها، وكذلك غيرها من الأمم -فإن كل لغة بني آدم فيها حذف- إنما هو ما يعلم علمًا واجبًا، أو علمًا ممكنًا، أما ما كان العلم به ممتنعًا فإن هذا لا يحذف، وإلا لصح أن يفرض على كلام الناس أن فيه حذفًا.\nفإذا كان المحذوف لا يدل عليه في السياق لحال من الأحوال، ولا يمكن العلم به، امتنع أن يقدر شيء محذوف، فوجب أن تكون الآية على ظاهرها؛ لأنها لو لم تكن على ظاهرها للزم ذكر محذوف يمتنع العلم به، فتكون الآية لم نعلم منها حقًا، وإنما علمنا منها تلبيسًا ينافي كلام الرب سبحانه، وهذا مما ينزه القرآن عن ذكره.\nبقي أن الإتيان المضاف إلى الرب ﷾: هو الإتيان الذي يليق به، وهذا كنزوله ﷾ إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر.\nوقد يورد بعضهم في الإتيان ما يذكر في النزول من السؤالات، كقول من قال: إذا نزل هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟\nفيقال: أولًا: إن مثل هذه السؤالات هي سؤالات مبتدعة لا يجوز ابتداؤها، فإذا ابتدأها أهل البدع، أمكن لعلماء السنة المحققين أن يجيبوا عليها بما تقتضيه أصول السنة والجماعة.\nفإن ثمة فرقًا بين ما يذكر في أصول الدين والمعتقد تقريرًا، وبين ما يذكر في أصول الدين والمعتقد ردًا، فإن باب التقرير أضيق من باب الرد.\nوكثيرٌ من الناس يخلط بين البابين، فلا يفرق بين ما يذكر تقريرًا وما يذكر ردًا.","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>كيفية ذكر المذاهب المخالفة عند طائفة من علماء أهل السنة</span>\nمن الحقائق التي تلاحظ في باب التقرير والرد أن طائفة من علماء السنة والجماعة ﵏ إذا ذكروا مذاهب المخالفين لهم، فقد يكون ذلك ذكرًا للمذهب المطابق، وقد يكون ذكرًا للمذهب المتضمن، وقد يكون ذكرًا للمذهب اللازم.\nوهذه مسألة لا بد لطالب العلم أن يتفطن لها في كلام أهل السنة أنفسهم، فكثير من أهل السنة إذا ذكروا مذاهب مخالفيهم، فإنهم قد يذكرون المذهب بلوازمه وما يتضمنه.\nفمن يقرأ في كلامهم، يقول: إن هذه الطائفة المخالفة لهم تعتقد هذا المعتقد، والتحقيق أن الطائفة لا يلزم أن تعتقد هذا المعتقد.\nوأضرب لذلك مثلًا:\nإذا قرأت في كلام بعض علماء السنة والجماعة في ذكر مذهب جمهور المرجئة الذين قالوا: إن الإيمان هو التصديق، تجد أنهم يقولون: يرى هؤلاء المرجئة أن الإيمان هو تصديق القلب وأن الأعمال لا تدخل في اسم الإيمان، وأن أعمال القلوب -كالمحبة والتعظيم والرضا- لا تدخل في اسم الإيمان.\nوعلى قول هؤلاء أن إيمان جبريل وإيمان سائر الفساق سواء.\nفهذه من حيث التفصيل ثلاث جمل:\nالجملة الأولى: أن الإيمان هو التصديق وأن الأعمال الظاهرة لا تدخل في اسم الإيمان.\nالجملة الثانية: أن أعمال القلوب كالمحبة والرضا لا تدخل في اسم الإيمان.\nالجملة الثالثة: في التقرير قالوا: وعلى قول هؤلاء يكون إيمان جبريل وإيمان الفساق سواء.\nوالحقيقة أن المذهب الذي قاله أصحابه هو الجملة الأولى فقط، أما الجملة الثانية فهي محتملة في المذهب.\nوأما الجملة الثالثة فهي ليست من المذهب، فإن قيل: إننا نرى في كلام طائفة من علماء السنة هذا الاستعمال، قيل هذا صحيح.\nوهناك قاعدة: أن المصطلحات المتأخرة لا يجوز أن يحكم بها على الطرق التي استعملها قوم من متقدم العلماء.\nفالدلالات الثلاث التي انتظمت عند أهل الحد والمنطق والاصطلاح -وهي دلالة المطابقة، ودلالة التضمن ودلالة التلازم- قد درج المتقدمون وكثير من علماء السنة على جمعها على المذاهب، يقصدون بذلك التقرير لبطلان هذه المذاهب.\nولا شك أنك إذا أردت إبطال مذهب المرجئة، صح لك أن تعارض مذهبهم؛ بأنه يقتضي أن يكون إيمان جبريل كإيمان الفساق؛ فإن هذا لازم للمذهب؛ لأنهم لما قالوا: إن الإيمان هو التصديق، لزم أن يقال: إن جبريل مصدق، وإن الفاسق مصدق، وعندكم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فيلزم أن يكون إيمان جبريل كإيمان الفساق، وهذا يعلم بطلانه، فالنتيجة أن المذهب يعلم بطلانه؛ لأنه لزم عنه قول باطل.\nلكن هناك قاعدة حتى علماء السنة يسلمون بها: أن لازم المذهب لا يعد مذهبًا، وأن لازم الأقوال ليست أقوالًا تضاف إلى الناس.\nإذًا: يقول المرجئة: الإيمان هو التصديق، أما أنهم يقولون: إيمان جبريل كإيمان الفساق، فهذا لم يقله أحد من أئمة المرجئة ولا حتى الغالية منهم كـ الجهم بن صفوان، وهو أشد غلوًا من جميع من ذكر قولًا في الإرجاء؛ فلا أحد من المسلمين أو المنتسبين للقبلة يقول: إن إيمان جبريل كإيمان الفساق، أو أن إيمان النبي ﵊ كإيمان أكلة الربا وجمهور الفساق، فهذا القول لم يقله أحد من المسلمين ولا ممن انتسب إلى الإسلام، والملة في شيء، إنما هي لوازم ألزم بها أصحاب السنة أهل البدع، فيعرف بها بطلان مذهبهم فحسب.\nبل يذكر ذلك أحيانًا علماء السنة من باب الإلزام، وكما قلت: إن باب الإلزام لا بأس به بقصد إبطال البدع والمخالفات للسنة، لكن إذا ذكر الإلزام على أنه مذهب فلا.\nوأما الجملة الثانية وهي التي قلنا أنها متضمنة في المذهب، فهذه لا يجزم بها، فقد يخالفها أصحابها عند التحقيق، ولهذا ترى أن أبا الحسن الأشعري ﵀ في كتاب مقالات الإسلاميين لما ذكر مذهب الجهم بن صفوان: أن الإيمان هو المعرفة، ذكر أن المعرفة عند الجهم بن صفوان تتضمن المحبة والتعظيم والإذعان والقبول، فكأن الإشكال جاء من لفظ المعرفة، فكأنه فهم منه العلم المحض الذي لا يكون معه قيادًا أو قبول أو رضا أو إذعان أو محبة.\nولكن أبا الحسن لما فسر قول جهم، قال: إنه يريد بالمعرفة العلم مع المحبة والقبول، فإذا كان هذا تفسيره لقول الجهم، والجهم هو شرٌ من قال في الإيمان من المرجئة، فمن باب أولى أن يكون هذا مراد للأشعري في قوله.\nولهذا من حكى عن أبي الحسن الأشعري أنه لا يجعل أعمال القلوب داخلةً في اسم الإيمان، وأن الإيمان عنده تصديق محض، بمنزلة المعرفة المحضة، فقد غلط.\nإذًا يفرق بين ما كان من أقوال المخالفين مذهبًا مطابقًا وبين ما كان متضمنًا في المذهب لا نجزم بإثباته ولا نجزم بنفيه، وبين ما كان لازمًا، فهذا نجزم بنفيه، ولكننا نستعمله لإبطال المذهب.\nولا شك رغم هذا كله أن ذكر السلف وأهل السنة لأقوال أهل البدع، أشرف وأفضل وأعدل من ذكر أهل البدع لأقوال أهل السنة والجماعة.\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]].\nهذه الآية على ظاهرها وهي كالآية السابقة، وفيها تفريق بين إتيانه ﷾ وبين إتيان الملائكة وبين إتيان آياته.\nوهذه الآية أفصح في الجواب عن إيراد أورده بعض الأشعرية، فإنهم لما قيل لهم: إن العلم بالمحذوف في قول الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] علمٌ ممتنع، قالوا: وليكن ممتنعًا؛ لأن المحذوف لما امتنع العلم به كان أجل قدرًا، فحين لم يذكره الله وجعل ظاهر السياق مضافًا إليه دل ذلك على أن المحذوف شيء عظيم، لكن ما هو؟ الله أعلم به.\nفجعلوا كأن من المقصود أن نعلم أنه محذوف، ولكننا لا نعلم تعيينه.\nفيقال لهم: إن هذا مع ما فيه من التكلف ترده الآية الثانية وهي قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] مع أن: (بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) هذه كلمةٌ مجملة، فدل هذا على أنه يمتنع أن يكون هناك محذوف مضاف إلى الرب.\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢١ - ٢٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان:٢٥]].\nفي هذه الآية ذكر مجيء الله ﷾، والمجيء والإتيان ذكرا في القرآن باعتبار المحل، على محلٍ واحد وهو يوم القيامة، ولكن لا يقال: إن المجيء هو الإتيان أو الإتيان هو المجيء، وأن هذا من باب الترادف، والصواب -كما أسلفت- أن يقال: إن الله ﷾ يتصف بالمجيء ويتصف بالإتيان، ولا يجوز أن يقال أن هذا مرادف لهذا؛ لأن تمام المعاني اللائقة به ﷾ هي من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>شرح العقيدة الواسطية [١٠]</span>\nمن عقيدة أهل السنة أنهم يثبتون لله صفة الوجه واليدين، وهم يخالفون بذلك المعطلة الذين يقولون: إن اليد تؤول بالنعمة أو القوة، كما يثبتون لله صفة المكر والكيد بالكافرين على وجه يخالفون فيه طائفتين على طرفي نقيض، إذ الطائفة الأولى تقول: إن المكر والكيد من صفات المقابلة. بينما الطائفة الأخرى تقول: إنها من الصفات المطلقة.","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>إثبات الصفات الخبرية</span>","vol":"10","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>إثبات صفة الوجه</span>\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]].\nالمقصود بذكر وجهه ﷾: أنه يبقى ربك، وهذا ليس من التأويل، والوجه يذكر في اللغة ويراد به الجهة، ويذكر في اللغة ويراد به الصفة، ويذكر في اللغة ويراد به الذات، ولهذا مقصود قوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) بقاؤه ﷾.\nوإذا قيل: إن المقصود بقاؤه، فليس معنى هذا أننا فسرنا الوجه بالذات ولم نفسره بالصفة، بل تفسيره ببقائه ﷾ هو إثبات لذاته وإثبات لصفته، ولهذا إذا قيل: ما معنى قوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ)؟ قيل معناها: ويبقى ربك، فإذا قيل: هل هذه الآية دليل على إثبات صفة الوجه له؟ فالجواب: نعم.\nوأما قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] فالمراد الجهة.\nوالآية تدل كذلك على إثبات الوجه، فإن القاعدة: [أن ما صح ذكره على المعنى الذي يسميه المتأخرون مجازًا، وهو المعنى المشترك، فلا بد أنه منقول بالحقيقة من جهة الأصل].\nولهذا جعل أهل السنة من أدلة صفة اليدين قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة:٦٤] مع أن السياق لم يأتِ على ذكر الصفة من أصلها.\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]].\nومعنى هذه الآية كمعنى الآية السابقة أي: كل شيء هالك إلا هو ﷾، وفيها إثبات لصفة الوجه.","vol":"10","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>إثبات صفة اليدين</span>\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]].\nهذه تثنية مضافة، ومما يثبته أهل السنة أن الله موصوف باليدين، وأن له يدين تليقان بجلاله ﷾، والقاعدة فيها كالقاعدة في سائر الصفات، وتأولها المخالف بالنعمة أو بالقدرة أو بالقوة، وهذه المعاني وإن كان أصلها يستعمل للفظ اليد في اللغة، إلا أن السياق هنا يمنع أن تفسر بذلك، لأن اليد هنا ذكرت مثناة ومضافة، والعرب إذا ذكرت اليد على سبيل التثنية المضافة، لم ترد إلا الصفة، ولا تريد القوة والنعمة وأمثالها.\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]].\nهذه الآية دليل على إثبات صفة اليد له ﷾، وهنا ينبه إلى أنه في مقام التقريب لأسماء الله ﷾ وصفاته لا يجوز أن يقال: إن اليهود كانوا مثبتين للصفات أكثر من إثبات المعتزلة أو من إثبات بعض أهل القبلة من المسلمين، فإن هذا الكلام قد يستعمله بعض من يريد الرد على المخالفين لأهل السنة والجماعة من أهل البدع.\nأيضًا إذا نظرت إلى الجاهليين من العرب، وجدت أنهم لم يعارضوا الرسول ﷺ في باب الصفات، وأقروا بجملة هذا الباب، ولم ينقل عنهم معارضة في تفسيره، ولكن هذا الإقرار العام والمجمل لا يلزم أن يكون محققًا على السنة والجماعة وطرق الأنبياء وما إلى ذلك، فهذا فيه تعذر كثير.\nهذا إذا ذكر في شأن الجاهليين من العرب فإن الأمر يكون سهلًا ومقاربًا، وأما إذا ذكر ذلك في شأن اليهود وأن اليهود كانوا مثبتين للصفات على التحقيق، وأنهم كانوا مقرين بها ولم يحرفوها ولم يخالفوها، فهذا فيه كثير من التكلف، وقد قالت اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨١] وأسقطوا أصل الكمال الذي يتصف الرب به ﷾، وإذا أسقطوا أصل الكمال، فمن باب أولى أن يسقطوا تفصيله.\nأما المخالفون من المسلمين فإنهم يقرون بأصل كمال الرب، وأنه مستحق للكمال منزه عن النقص.\nوطالب العلم من أهل السنة ليس بحاجة إلى أن يفضل أقوال الكفار على أقوال بعض المسلمين، فإنها وإن فضلت من وجه، إلا أنها شرٌ من أوجه أخرى، والتفضيل المطلق هو المعتبر في الحكم والقياس، وأما التفضيل من وجه فهذا ليس له حكم؛ لأن الأحكام لا تضطرب.\nولهذا ما قاله الإمام ابن القيم ﵀ فيه نوع من الزيادة فيما يظهر -والله أعلم- وذلك في قوله:\nإن المعطل بالغواية معلنٌ ... والمشركون أخف في الكفران\nفهذا لا يظهر تحقيقه، ولا شك أن المسلمين -مع ما فيهم من البدع- أقرب إلى السنة والقرآن من أهل الكفر.\nوأما غلاة أهل البدع الذين وصفهم الأئمة بالزندقة، فمن ثبتت زندقته وإلحاده وخروجه عند السلف من الشريعة والديانة والملة، فهذا لا يمنع أن يكون قوله أشد كفرًا وضلالًا ومباينة لمقاصد الأنبياء ورسالتهم من قول طائفة من أهل الكتاب أو طائفة من المشركين.\nولهذا نقول: إن المعتزلة -مثلًا- وإن تأولوا الصفات إلا أنهم لا ينفونها، بل يثبتون أحكامها، فإنه ليس هناك طائفة من طوائف المسلمين تنفي أحكام الصفات؛ فالمعتزلة وإن كانت لا تثبت قيام صفة العلم بذات الرب، وهذه بدعةٌ ليست سهلة، بل هي بدعة كفرية ولا شك، إلا أنهم يثبتون حكم العلم لله ﷾، وجميع المسلمين من أهل السنة وغيرهم يؤمنون بـ ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٣١] وإن قالت المعتزلة: إن العلم ليس صفةً مختصةً بذاته، بل هو عليم بذاته، وليس عليمًا بعلم، هذا هو محل الخلاف عندهم، أما أن أحدًا ينكر أن الله عليم فلا.\nولو أنكر المعتزلة ذلك وجردوا الرب عن العلم؛ بمعنى أنهم وصفوه بمقابله أو قالوا: إن الله ليس بعليم، لصح لنا أن نقول: إن اليهود والنصارى ومشركي العرب أخف كفرًا من هؤلاء.\nلكنهم يثبتون أحكام الصفة، ويرون كفر من أنكر حكم الصفة، ويكفرون من قال: إن الله لا يعلم الأشياء كليها أو جزئيها، ولهذا كفرت المعتزلة غلاة القدرية، مع أن المعتزلة هم القدرية، إلا أنهم كفروا الغالية الذين ينكرون علم الرب.\nإذًا: الخلاف عندهم هل العلم صفة لله أم أنه عليم بذاته؟ هذا هو محل الجدل مع هؤلاء، وإن كان لا يسهّل في أقوالهم، إلا أنه ينبغي أن توزن بميزان الحق، ولا يخفف من كفر بعض الكفار؛ لأن اليهود قالوا: (إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ) وقالوا: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) والنصارى قالوا: (إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ) وقالوا: (الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) وقالت اليهود: إن الله استراح يوم السبت ..\nإلى آخر ذلك.\nوهذا لم يخطر بقلب مسلم من المسلمين لا من أهل البدعة ولا من أهل السنة، فينبغي أن تقرب الأقوال إلى حقائقها.","vol":"10","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>إثبات صفة البصر وصفة العين</span>\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] وقوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٤ - ١٥]، وقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]].\nصفة العين ذكرت في القرآن جمعًا وذكرت مفردةً ولم تذكر مثناة كصفة اليدين، ومن طرق أهل السنة والجماعة إثبات البصر له ﷾؛ فإن هذا صريح في كلام الله ﷾، وإثبات العين له ﷾، وأما تخصيصها بأكثر من ذلك، فإن هذا لم تنطق به النصوص.","vol":"10","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>إثبات صفة السمع وأن الله يسمع ويرى</span>\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١]].\nفي هذه الآية إثبات للسمع، وهي وأمثالها تكذب قول المعتزلة الذين قالوا: إنه سميع بذاته، وليس سميعًا بسمع، فالآية صريحة بإثبات الفعل في قوله تعالى: (يسمع) فدل على أنه سميع بسمع، وهو لائق به ﷾، وهذا أيضًا يغلط قول أبي محمد ابن حزم ﵀، فإنه قال قريبًا من قول المعتزلة.\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠] (بَلَى وَرُسُلُنَا): المراد بالرسل هنا الملائكة].\nوهذا فيه إثبات لسمعه ﷾، وأنه لا يعزب عنه شيء.\nولما ذكر الله ﷾ سمعه علقه بالسر والنجوى، فدل على غيره من باب أولى، ولما ذكر علمه ﷾ علقه بما في الصدور، وهذا يدل على أن المراد من صفة السمع الحقيقة؛ لأن الله ﷾ لو أراد بسمعه العلم، لما كان هذا خاصًا بالسر والنجوى، ولهذا فرق ﷾ بين الصفات، فحين ذكر علمه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١١٩] وحين ذكر سمعه جعله في أدنى متعلقات السمع، وهما السر والنجوى، فدل على أن السمع هنا يراد به السمع على حقيقته.\nولهذا صار أخص متعلقاته في القرآن السر والنجوى: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ).\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]].\nوهذا كذلك، ولهذا لما ذكر الله سبحانه معيته جعلها مضافة إلى موسى وهارون، فإن السياق في ذكرهما، وهذه هي معيته الخاصة ﷾ المتضمنة لنصره وتأييده، والسمع هنا ذكر مطلقًا غير مقيد، وكذلك الرؤية ذكرت مطلقةً غير مقيدة.\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]].\nوهذا إثبات لرؤيته وبصره ﷾.\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢٢٠]، وقوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]].\n(فَسَيَرَى اللَّهُ): هل المقصود هنا الرؤيا العلمية أو الرؤية البصرية؟ هذا من جهة اعتبار اللغة له اعتبار، لكن من جهة اعتبار الشرع يقال: إن الآية عامة، (فَسَيَرَى اللَّهُ): أي يعلم الله ﷾ عملكم ويبصره.","vol":"10","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>إثبات أن الله شديد المحال</span>\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد:١٣]].\nقوله: (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ): الْمِحَالِ: أي القوة، وفسره بعضهم في بعض مختصرات الشروح لهذه الرسالة: فقال: شديد المحال أي: شديد الأخذ بالعقوبة، وهذا فيه تقصير في تفسير الآية، فإن (الْمِحَالِ) هو أشد القوة في كلام العرب، وقوله: (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ): أي شديد القوة، سواء كانت هذه القوة أخذًا بالعقوبة أو حكمًا كونيًا آخر.","vol":"10","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>إثبات مكر الله بالكافرين وكيده لهم</span>\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤] وقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:٥٠] وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦]].\nهذا إثبات لمكره ﷾ بالكفار كما في قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] وهذا النوع من الصفات لا يجوز أن يذكر في حق الله مطلقًا، وإنما يذكر كما ذكره الله، وهذا هو وجه كماله، أما إذا ذكر مطلقًا، فإن هذا ليس من الكمال في مقتضى العقل ومقتضى الفطرة.\nوهناك طريقة يستعملها بعض أهل السنة، وهي أنهم يقولون: ذكر صفة المكر هو من باب المقابلة، وهذا التعبير لا أصل له في القرآن ولا في السنة ولا حتى في كلام الصحابة، وكأن فيه تضييقًا لمعنى الآية أو لمعنى الصفة، كما أن من جعل المكر صفةً مطلقة قد وسع ما لم تدل الآية على توسعته.\nففيما يظهر أن قولهم: (إن هذا على سبيل المقابلة) ليس فاضلًا؛ لأنه يوحي بقدرٍ من التضييق لمعنى الصفة، فكأن معناه على قولهم: أنه لا يمكر إلا عند مكرهم، فإذا مكروا مكر بهم، وهذا لا يلزم في وصف الله ﷾، والآية لم تدل عليه، فإن الله يقول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، فجعل الفعل من جهته مستقلًا، والفعل من جهتهم مستقلًا، والمقابلة إنما يصح ادعاؤها على مثل سياق: (فإذا مكروا مكرنا) أو (فإذا مكروا مكر الله بهم) هذا هو الذي يكون من باب المقابلة.\nفإن المقابلة كمصطلح كأنها بمعنى الشرط في كلام أهل اللغة، والمشروط لا بد من وجود شرطه، وهذا فيه تضييق للآية أو للصفة؛ فإن القرآن ذكرها مختصة، ولكنها في سياقٍ مقيد، فهذا هو الوسط في فقه الآية، وهو الصواب، وهو الذي يجب التزامه؛ لأن هذا هو الذي ذكر في الآية.\nفلا يقال أن هذا من باب المقابلة، لأنه يفهم منه أن هذا الصفة لا تقع إلا بعد وقوعها منهم، وهذا ليس بلازم، ومن قال هذا فقد تكلف ذكر ما لم تذكره النصوص ولا تقتضيه أصول الكمال الذي يتصف الرب به، فلا يقال أنها من باب المقابلة، كما لا يقال أنها صفةٌ مطلقة كصفة العلم، بل يقال: إن الله ﷾ يمكر، ومكره ﷾ يكون بالكفار؛ قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠].\nوالفاضل في مثل هذه الصفات أنها إذا ذكرت بتقرير من المتكلم: أن تذكر ويذكر سياق الآية معها، فيقال مثلًا: ومن صفاته أنه يمكر بالكافرين، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] ومن صفاته أنه يكيد لأعدائه كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦].\nفإذا قال قائل: وإذا أردنا أن نذكر مثل هذه الصفات دون ذكرٍ للشواهد، إنما أردنا أن نقرر كلامًا مختصرًا، قيل: هذه قلة أدب وتكلف، ولا أحد يلزمك أن تذكر ذلك بدون ذكر الآية، ومثل هذه الأسئلة لا يلزم أن تجيب عنها كما يريد السائل، بل يكون الجواب أنه يجب أن تلتزم السنة.\nفلما كانت الآية قد تشكل على بعض العامة كان الصواب والشرع أن تذكر ويذكر سياقها من كلام الرب ﷾؛ فإن هذا هو الأعدل.\nويلاحظ أحيانًا حتى على بعض طلبة العلم ولا سيما الشباب المبتدئين في تعلم العقيدة السلفية، أنهم أحيانًا يتكلفون في تقرير بعض الصفات وفي أوجهها، ويوردون عليها كثيرًا من الأسئلة ثم تجد أن هذه الأسئلة يكون فيها تسلسلٌ يطرد، وهذا ينافي الهدي الذي كان عليه السلف ﵏، من حيث التعظيم لكلام الله ﷾ حتى في غير هذا الباب، فكيف إذا كان هذا في باب أسماء الرب ﷾ وصفاته الذي ينبغي أن يحفظ على قدر من التوقف؟! وإلا فما معنى قولنا: أن السلف يجعلون هذا الباب من الأبواب التوقيفية؟ فهو توقيف في أصله وتوقيف في التعبير عنه، وليس معنى ذلك أن لا يعبر بالمعاني المناسبة لتفسير الآيات! كلا.\nولكن يجب أن يكون المعنى الذي تفسر به الآية موافقًا لسياقها، وألا يكون فيه خروج عن مادة السياق.","vol":"10","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>إثبات صفة العفو والمغفرة</span>\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء:١٤٩]، وقوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]].\nهذا إثبات لمغفرة الله سبحانه وعفوه.","vol":"10","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>إثبات صفة العزة</span>\n[وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] وقوله: عن إبليس، ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]].\nفي هذه الآية أضاف الله ﷾ العزة إلى نفسه، وأضافها إلى رسوله، وأضافها إلى المؤمنين، فالعزة المطلقة هي حق لله ﷾ وحده، ولهذا ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة وأبي سعيد أن النبي ﵌ (قال الله تعالى: العز إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني عذبته).\nفالعزة المطلقة: هي لله ﷾، كما أن الحجة البالغة تكون لله ﷾، وإن كان العباد من المرسلين والأنبياء والعلماء لهم حجة، ولهم عزة؛ لكن العزة المطلقة تكون لله ﷾، وهي التي لا تغلب ولا تقهر وما إلى ذلك.","vol":"10","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>تنزيه الله عن السمي والكفء والند والولد والشريك</span>\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]].\n(فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) أي: لما كان سبحانه لا سمي له، دل على أنه هو وحده المستحق للعبادة، وهذا من إثبات توحيد العبادة، بذكر توحيد الربوبية.\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]].\nوهذا اسمه الذي وصفه الله بكونه تبارك، هو أسماؤه ﷾، فليس المراد اسم الرب فحسب، بل ذلك يتعلق بسائر أسمائه، فإن سائر أسمائه تلحقها هذه الصفة، وهذا التعظيم الذي ذكره الله في قوله: (تَبَارَكَ).\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]].\nلِمَ ذكر المصنف هذه الآية (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ) مع أنه ليس فيها إثبات لصفة من صفات الله؟\nالجواب: أن هذا من باب التنزيه، وفيها إثبات لاسم الله ﷾ وما يقتضيه من المعنى، فذكرها المصنف من باب التنزيه، فإن الله منزهٌ عما لا يليق به ﷾ في أسمائه وصفاته وفي أفعاله وفي عبوديته.\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١]].\nمن حكمته تعالى أنه لما ذكر الولد نفاه ولما ذكر الشريك نفاه، ولما ذكر الولي نفاه عن تقييد، قال: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ)، فإن الولي ثابت في مثل قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] ومثل قول النبي عن ربه: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب)، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة:٥٥] فهذه الولاية لم تكن من الذل، والذي نفي هنا أن يكون له ﷾ وليٌ من الذل.\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن:١]].\nهذا مستفتح يكثر ذكره في القرآن، ولا سيما في مفصله، (يسبح) أو (سبح) يقول الله تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) وقد كثر كلام المفسرين حول هذا التسبيح ومعناه، فمنهم من قال: إنه سكونها، ومنهم من قال: أنها حصلت بأمره، وبقوله: كن، فكانت، ومنهم من قال: إن تسبيحها هو أنها جاءته طوعًا إلى غير ذلك من التفاسير.\nوالحق أن ذلك لو رد إلى آية في كتاب الله لكان أجود، ولكان هو الأهدى، فإن من باب تفسير القرآن بعضه ببعض.\nوالآية التي ينبغي أن ترد إليها هذه الآيات هي قوله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤].\nووجه الرد إليها أن فيها قوله تعالى: (وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)، فدل على أن الآيات أريد بها الخبر المحض، والتصديق المحض، وأما المعنى الذي يراد به التسبيح، فإننا لا نعلمه، ولا يستلزم هذا أن ما ذكره بعض السلف في تسبيح هذه المخلوقات يكون غلطًا؛ فإن العلم بوجه من أوجه التسبيح لا يستلزم العلم بمطلقه، وعدم العلم بمفصله لا يستلزم عدم العلم بشيءٍ من مجمله.\nفلا شك أن ثمة أوجهًا من تسبيح هذه المخلوقات معلوم، وأما تفصيل ذلك، فلا أحد يعلمه، بل هو من علم الله ﷾ لقوله تعالى: (وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) وإذا كان الله تعالى يقول: (وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) فلا يجوز لأحدٍ بعد ذلك أن يتكلف فقهًا يفسر به المراد بالتسبيح جميعه.\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:١ - ٢] وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٩١ - ٩٢]].\nالآية الأولى فيها تنزيه لله ﷾ وإثبات لكماله، وأنه نزل الفرقان: أي القرآن، وإنما سمي كذلك؛ لأن الله فرق به بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال.\n(عَلَى عَبْدِهِ) على نبيه ﷺ.\n(لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ) المراد بهم هنا أهل التكليف من الإنس والجن.\n(نَذِيرًا) أي: منذرًا لهم من شر كفرهم وضلالهم وبغيهم.\nوأما قوله: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) فهذه الآية عني أهل الكلام بذكرها، فإنهم لما ذكروا أصل المعرفة المتعلقة بوجود الله، بنوا ذلك على دليلٍ سموه في كتبهم دليل التمانع، وهذا معروف في علم الكلام، وزعموا أن دليل التمانع هذا هو المذكور في قول الله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ).\nوهذا الربط بين ما يسمى عند المتكلمين بدليل التمانع وبين هذه الآية لا شك أنه غلط.\nوالمتقدمون من السلف ما عنوا بدليل التمانع؛ لم يقولوا به ولم يبطلوه، لأنهم لم يشتغلوا بالنظر في كلام مخالفيهم، وإنما عارضوا مخالفيهم بالنصوص فحسب، لكن من ذكره من أهل السنة فيما بعد وأرادوا الرد على أهله، انقسموا إلى قسمين:\nبعض أهل السنة المتأخرين قالوا: إن دليل التمانع دليل باطل، وإن الحق هو الدليل المذكور في القرآن، وفرقوا بين دليل التمانع وبين هذه الآية تفريقًا مطلقًا يستلزم إبطال دليل التمانع.\nطائفة من أهل السنة صححوا دليل التمانع، ولكنهم قالوا: إنه دليلٌ فيه إجمالٌ وقصور، وليس مناسبًا لمفصل ما ذكر في القرآن.\nوالصواب: أنه دليل قاصر؛ لما فيه من الإجمال، وإلا فإن أصله صحيح، ودليل التمانع تثبت به الجملة من الربوبية، ولكنه من الأدلة القاصرة المجملة، وليس هو من الأدلة الباطلة بطلانًا محضًا، ولا شك أنه ليس على معنى قوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ).\nإذًا: ثمة ثلاثة مسالك:\nالمسلك الأول: مسلك المتكلمين أهل هذا الدليل، فهؤلاء سووا بينه وبين قوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ) فهذه التسوية غلط.\nالمسلك الثاني: مسلك طائفة من محققي أهل السنة الذين تكلموا فيه كـ شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قالوا: إنه دليل قاصر مجمل، وليس هو معنى الآية، بل الآية أشرف من جهة الدلالة والاقتضاء، وهذا هو المنهج الصحيح.\nالمسلك الثالث: من فرق بينه وبين الآية فقال: إنه دليل باطل لا يصح، وهذا فيه قدر من الزيادة.","vol":"10","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>اختصاص الله ﷾ بعلم الغيب</span>\n﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٩٢].\nمن خصائصه سبحانه تعالى: أنه عالم الغيب والشهادة، وأما غيره فإنه لا يعلم من الغيب إلا ما علَّمه الله ﷾ إياه، ولهذا كان علم الغيب من خصائص الرب ﷾؛ قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:٢٦] وقال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] وهذا العموم على إطلاقه، فلا أحد يعلم الغيب، لا الملائكة ولا الأنبياء، ولا محمد ﷺ؛ فضلًا عمن يسمون بالأولياء والأئمة والأغواث والأبدال وغير ذلك من مصطلحات التصوف، فلا أحد في السماوات أو في الأرض يعلم الغيب إلا الله ﷾.\nولا شك أن الملائكة والأنبياء علَّمهم الله طرفًا من غيبه، فهذا لا إشكال في إثباته، ولكن العلم بمفصل الغيب هو حق الله ﷾ الذي لا يصح لأحد أن يؤتيه الله إياه.\nولهذا من ادعى في مخلوقٍ سواء كان ملكًا أو رسولًا أو نبيًا أو صالحًا أو وليًا أنه يعلم غيب السماوات والأرض، فهذه الدعوى من أكفر الكفر وأعظم الشرك بالله ﷾ والإبطال لحقه ولعظمته ولربوبيته.\nوكذلك قوله: (وَالشَّهَادَةِ) فلا أحد في السماوات والأرض يعلم الشهادة على إطلاقها، وإن كان عامة بني آدم وعامة من خلق الله يعلمون أشياء من الشهادة، فكل إنسان يعلم جزءًا من عالم الشهادة ..\nيعلم جزءًا مما يتعلق بنفسه وجزءًا مما يدور حوله.\nأما الإحاطة بعالم الشهادة فهو محض حق الله ﷾، فلا الجن ولا السحرة ولا الكهان يعلمون سائر موارد الشهادة.","vol":"10","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>حرمة القول على الله بغير علم</span>\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤]].\n(فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ) أي: أنه ﷾ ليس كمثله شيء لا يقاس بخلقه، بل له المثل الأعلى، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠].\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]] في هذه الآية ذكر الله تعالى أصول المحرمات.\nوقوله تعالى: (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) ليس من باب التقييد للشرك، كما قد يستشكل البعض، فإنه لا يمكن أن يكون على الشرك سلطانٌ أو برهان من الله، وإنما يذكر مثل هذا التقييد لكونه ملازمًا لحاله، وهذا من باب الإبطال لطرق المشركين: أن سائر شركهم بغير حجة وسلطان.","vol":"10","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>شرح العقيدة الواسطية [١١]</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله ﷾ بذاته فوق سماواته مستو على عرشه، بائن عن خلقه، وهو بكل شيء عليم، وهذا الاعتقاد هو خلاف العقائد الطارئة في هذا الأصل والتي يعبر عنها بتعبيرات باطلة كقول البعض: إن الله في كل مكان، وقول البعض: إن الله ليس له مكان، وقول البعض الآخر: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه.","vol":"11","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>صفة الاستواء</span>\nقال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] في سبعة مواضع].\nالاستواء على العرش هو من صفات الرب ﷾ اللائقة به، ومن طرق أهل السنة والجماعة وأصولهم أن الله مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، ويقولون: استواؤه بمعنى علوه.\n(الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، أي: علا على العرش.\nوالعرش هو أعظم المخلوقات التي خلقها الله ﷾، وهو أعلاها، والله ﷾ فوق سماواته، مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، ولهذا كانت عقيدة المسلمين أن الله في السماء؛ بدليل قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وقول النبي ﵊ في حديث معاوية بن الحكم للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: ومن أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة).","vol":"11","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>من عقيدة أهل السنة: أن الله سبحانه فوق عباده</span>\nمن عقائدهم: أن الله ﷾ فوق عباده، بدليل قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، وأنه ﷾ هو العلي الأعلى، بدليل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١].\nفمن أصول الإيمان وأعظم أصول السنة والجماعة أن الله ﷾ بذاته فوق سماواته مستوٍ على عرشه، بائن -أي: منفك ومنفصل- عن خلقه، وهذه هي عقيدة المرسلين عليهم الصلاة والسلام التي بعثوا بها.","vol":"11","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>بطلان القول بأن الله في كل مكان</span>\nالأقوال التي توجد -مع الأسف- في كثير من أمصار المسلمين وبلدانهم، بل وفي بعض دور العلم عندهم، كقولهم: إن الله في كل مكان، وقولهم: إن الله ليس له مكان، وقولهم: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، إلى غير ذلك، تعبيرات باطلة دخلت على المسلمين في آخر دولة بني أمية، وإنما دخلت من الفلسفة التي ترجمت عن فلسفة اليونان، الذين كانوا ملاحدة زنادقة، كـ أرسطو طاليس وأمثاله من الكفرة والزنادقة الذين لم يكونوا على دين من أديان السماء.\nوأرسطو طاليس هذا كان قبل المسيح بن مريم ﵊ بأكثر من ثلاثمائة سنة.\nفدخلت معانيهم إلى المسلمين عن طريق الترجمة، والترجمة بدأت مبكرة، وذلك في آخر الدولة الأموية، وقوة الخلافة العباسية، ولا سيما في زمن الرشيد والمأمون، فترجمت هذه المعاني وانتشرت، ومن أمثالها: المعنى الذي يقول: إن الله في كل مكان، والمعنى الذي يقول: إن الله ليس له مكان، والمعنى الذي يقول: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، فهذه كلها عبارات باطلة أنكرها أئمة الإسلام، وممن أنكرها الإمام مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة، وأجمع علماء الإسلام على إنكارها، وتبديع أهلها وتضليلهم.\nوإذا قرأت كتاب الله من أوله إلى آخره، فلن تجد أن الله ذكر هذا عن نفسه، ولا ذكره الرسول عنه، بل المذكور في القرآن قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] والمذكور في كلام رسول الله ﷺ، قوله: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك)، وقوله للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء.\nقال: ومن أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها، فإنها مؤمنة).\nوالقول بأن الله لا داخل العالم ولا في خارجه، أو أن الله في كل مكان؛ هو من الضلال، ومما ينزه ﷾ عنه.\nوالعرب في جاهليتهم مع شركهم كانت عندهم الفطرة السليمة في هذا المقام، حتى كان عنترة وهو من شعراء الجاهلية يقول:\nيا عبل أين من المنية مهربُ ... إن كان ربي في السماء قضاها\nفكانوا يثبتون أن الله ﷾ في السماء؛ فإن هذا ما فطر الله الخلق عليه، وهو أنه ﷾ فوق السماوات، وأنه بائن من الخلق.","vol":"11","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>معنى (أن الله في السماء)</span>\nليس معنى (أن الله في السماء) -كما قال أبو حنيفة وغيره- أنه في سماء مخلوقة، كالسماء السابعة، أو الخامسة أو الثالثة، فإن الله قال عن كرسيه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وإذا كان الكرسي وسع السماوات والأرض فكيف بعرشه؟! وبعد ذلك، يبقى رب العالمين لا يقدر أحد من العباد قدره.\nإذًا: لا يتبادر أن الله في السماء بمعنى قولنا: إن الملائكة في السماء، أي: أن السماء تحويهم، بخلاف أن الله في السماء، أي في العلو فوق السماوات، والعرش هو سقف السماوات السبع، وهو فوقها.\nولهذا لما وصل النبي ﷺ إلى السماء السابعة قال: (وفيها جنة عدن، وفوقها عرش الرحمن).\nولهذا قال أهل السنة: إن الله فوق سماواته، مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، وهو بكل شيء عليم.","vol":"11","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>شرح العقيدة الواسطية [١٢]</span>\nالأمة المحمدية هي الأمة الوسط بين الأمم، ومعلوم أن أحق طوائف المسلمين وأعدلهم بتحقيق شريعة النبي ﷺ هم أهل السنة والجماعة، إذ هم أوسط طوائف أهل القبلة، فهم عدول في أقوالهم وحكمهم وشهادتهم.","vol":"12","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>وسطية أهل السنة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [بل هم الوسط في فرق الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم].\nومقصود المصنف بوسطية أهل السنة أنهم عدول خيار في أقوالهم، وفي حكمهم وشهادتهم.\nوأما أن هذه الأمة وهي أمة النبي ﷺ وسط بين الأمم، فهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] ثم قال سبحانه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، فالوسطية التي وصفت بها هذه الأمة هي عدلها وعدل شريعتها، وعدل قيام أهلها بالشريعة، فلا توجد شريعة أعدل ولا أتم ولا أكمل من شريعة محمد ﷺ، ولا يوجد أصحاب وأتباع حققوا شريعة نبي كتحقيق أصحاب محمد ﷺ لشريعة نبيهم، وقد قال ﷺ: (لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق).\nولهذا فليس غريبًا أن يقول المصنف: (بل هم الوسط في فرق هذه الأمة) لأن هذه الأمة وهي أمة النبي ﷺ لما كانت وسطًا بين الأمم، فإنما وسطيتها هو بعدلها، وإقامتها لشريعة الرسول ﵌، ومعلوم أن أحق طوائف المسلمين وأعدلهم بتحقيق شريعة النبي ﷺ هم أهل السنة والجماعة، الذين مبتدؤهم أصحاب رسول الله ﷺ ثم التابعون لهم بإحسان إلى أن تقوم الساعة؛ لقوله ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله) أو (حتى تقوم الساعة) على تعدد الرواية.\nوهي الطائفة الناجية المنصورة التي ابتدأ المصنف بذكرها في مقدم رسالته، بقوله: (أما بعد، فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة).\nولما وصف الله هذه الأمة بأنها وسط، أمكن أن يقال: إن هذه الطائفة الناجية المنصورة أهل السنة والجماعة، فهم وسط بنص القرآن، ووجه النص من القرآن هو نفس قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] لأن المقصود بالأمة هنا أمة النبي ﷺ، وأحق الأمة في هذه الوسطية هم من اقتفى أثره ﵊، وهم أصحابه، ثم التابعون لهم، وإن كان هذا لا يمنع أن يدخل في الوسطية العامة التي وصفت بها هذه الأمة من عنده نقص في مقام التحقيق للسنة، فإن الوسطية العامة أخص من جهة أنها شهادة، بخلاف الوسطية الخاصة، التي وصفت بها الطائفة الناجية المنصورة، وهم أهل السنة والجماعة، فهي أعم من جهة متعلقاتها.\nمن هذا الوجه يكون إجماع أهل السنة والجماعة واجبًا على سائر المسلمين أن يتبعوه، ويعنى بذلك إجماع الصحابة ﵃، وهذا الإجماع إجماع معروف ومنضبط.","vol":"12","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>حجية الإجماع والرد على من استشكل ذلك</span>\nاستشكل كثير من النظار مسألة الإجماع باعتبار ما كتبه الأصوليون في تصوير الإجماع، فإن حد الإجماع في كتب الأصوليين يعطيه نوعًا من الامتناع من حيث التطبيق؛ حيث يقولون: إنه اتفاق مجتهدي عصرٍ من العصور على مسألة شرعية، ثم يعلقون على مسألة الاتفاق: كيف يضبط اتفاقهم وقد اختلفت أمصارهم؟ ومن الذي ضبط ولعل البعض سكت؟ وربما يحتجون بكلمةٍ قالها بعض الأئمة كالإمام أحمد لما قال: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريك؟! لعلهم اختلفوا! ولكن قل: لا أعلم فيه خلافًا.\nوهذه الكلمة ليست من أصول كلام الإمام أحمد (أي: من مقاصد كلامه) وإنما هي كلمة قالها لما رأى توسع الناس في بعض مسائل التشريع وبعض مسائل الخلاف الفقهي، وبدؤوا يكثرون من ذكر الإجماع فيها، فقال هذا القول من باب الورع، ولهذا تجد أن الموفق ابن قدامة ﵀ في كتابه المغني تمثل كلمة الإمام أحمد كثيرًا، وإذا قارنت بين كتاب المغني وبين كتاب المجموع في الفقه المقارن، وجدت أن النووي يغلب عليه أنه ينص على الإجماع، حتى في مسائل لم تنضبط أنها إجماع قطعي، أي: الإجماع الضروري المنضبط عند السلف، بخلاف الموفق؛ فإنه غلب على كلامه أنه يقول: لا أعلم فيه خلافًا، وهذا من باب التقيد بنوع من الهدي المأثور عن الأئمة.\nولا شك أن الإمام أحمد لم يرد بهذه الكلمة أنه لا إجماع في مسائل أصول الدين، ولا إجماع في مسائل الدين عمومًا، أو لا ينضبط الإجماع؛ فإن الإمام أحمد نفسه حكى الإجماع في مسائل ليست من مسائل الأصول، بل في مسائل قد يقبل فيها منازعة غيره له، فإن الإمام أحمد مثلًا قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] قال: أجمعوا على أنها نزلت في الصلاة، مع أن هذا الإجماع يمكن منازعته، فالإمام أحمد في الجملة حكى إجماعات يمكن منازعتها، فضلًا عن كونه صدق إجماعات السلف في مسائل القدر والصفات والشفاعة وغيرها.\nفالمقصود أن قوله: (من ادعى الإجماع فقد كذب) كلمة أراد بها وجهًا من أوجه اختلاف الناس الذي قد يحكى فيه إجماع.\nوالمقصود أن ما يذكره كثير من الأصوليين في كتبهم في حد الإجماع، قد يجعله ممتنعًا.\nوالمعتبر عند السلف في معنى الإجماع: أن ما كان من المعاني صريحًا في الكتاب والسنة من جهة تواتر معناه وصراحته من حيث المدلول (دلالة اللغة)، ثم استقر الأمر عليه: إما عملًا إن كانت المسألة عملية، وإما تصديقًا وإيمانًا إن كانت المسألة تصديقية، فهو يعد من الإجماع القطعي، وإن لم ينقل بالأسانيد أن فلانًا وفلانًا من المجتهدين نصوا على هذا العمل، أو نصوا على هذه المسألة، فإنك لو اشترطت هذا التنادي أو التصريح؛ بمعنى أن عندك الأسانيد التي نصت على أنهم قالوا هذا القول، لما بقي في الدين مسألة واحدة فيها إجماع، حتى الصلوات خمس، فليس عندنا أسانيد متصلة عن كل واحد من الصحابة، أنه قال: إن الصلوات خمس، ولا توجد مسألة في الإسلام، عندنا فيها إسناد إلى كل صحابي.\nفهذا نوع من الافتراضات النظرية التي اعتبرها الأصوليين، ولا قيمة لها.\nإذًا: كل المعاني التي انضبطت من صريح الكتاب والسنة متواترةً في حروفها وصريحةً في دلالتها على وفق كلام العرب، ثم استقر عليها العمل أو العلم، فهي مسائل الإجماع.\nهذا هو الإجماع في مسائل السلف، وأما أن يفهم من الإجماع أنه تنادي أصحاب الاجتهاد بأسانيد تنضبط إليهم، وإذا انقطعت الأسانيد أو لم نجد الأسانيد شككنا في الإجماع، فهذا ليس بصحيح، هذه جهة.\nوقد يقول قائل: إن أكثر ما يقال أنه إجماع لم ينطق الصحابة بمسألته أصلًا، فإنه لو قيل: إن الصحابة أجمعوا أن الصلوات خمس، وأجمعوا على كذا وأجمعوا على كذا.\nلكان صحيحًا، لكن ما وجه أن يقال: إن الصحابة أجمعوا على أن القرآن ليس مخلوقًا، مع أن مسألة خلق القرآن حدثت بعد عصر الصحابة؟!\nهذا إشكال يورده كثيرون ممن يترددون في مسألة إجماع السلف أو إجماع الصحابة على ذلك.\nيرد البعض فيقول: إن الإجماع الذي نحكيه هنا هو إجماع السلف بعد الصحابة، أي: إجماع التابعين أو إجماع تابعي التابعين، وأن إجماع هؤلاء حجة؛ لأنه إجماع علماء الأمة المعتبرين في زمنهم.\nفيرد عليه إشكال وهو أن في ذلك القرن كان هناك من خالف ذلك من الفرق، ويجاب: أن مخالفة هؤلاء غير معتبرة.\nوالمقصود: أن هذه الطريقة في تحصيل الإجماع طريقة ضعيفة.\nوالصواب: أن القول بأن القرآن ليس مخلوقًا -مثلًا- هو من إجماعات الصحابة، ووجه كونه إجماعًا للصحابة أن الإجماع عند الصحابة ﵃ على إثبات الصفات بين، فإذا كان كذلك، فكل قول ناقض هذا المعنى البين أو نافاه، فإنه يكون معلوم البطلان بالضرورة.\nإذًا لو قلنا: إن ظاهر النصوص وصريحها إثبات علو الله ﷾، وأن الله في السماء، وأن الصحابة درجوا على ذلك، وتلقوه عن القرآن وعن رسول الله ﷺ، وعن صريح حديثه ومفصل حديثه، فجاء من جاء وقال: إن الله ليس له مكان، أو أن الله في كل مكان أو لا داخل العالم ولا خارجه أو ما إلى ذلك، لأمكن أن يقال: إن هذه الحروف من حيث هي حروف -بغض النظر عن معانيها- هي حروف مخالفة لإجماع الصحابة، لأن أصحابها لما نطقوا بها قصدوا ألا يقال: إن الله في السماء، ومنعوا المذهب الذي سمعوه عن الأئمة أن الله تعالى فوق سماواته، مستوٍ على عرشه.\nفلما كانت الجملة الأولى معلومة الانضباط بصريح النصوص، حيث ذكر الاستواء في سبع مواضع من القرآن وذكر علو الله في مواضع كثيرة من القرآن وفي كلام الرسول ﵊؛ فلما انضبط هذا المعنى وصح لنا بالعقل والإدراك، أن نقول: إنه إجماع للصحابة، عُلم أن كل معنىً جاء لينافيه: إنه خلاف الإجماع؛ لأن الجمع بين المتنافيين أو بين المتناقضين أو بين المتضادين لا يكون.\nنعم هذه الجملة ما نطق بها الصحابة، ولكن الصحابة اعتبروا ظاهر القرآن وصريحه: أن القرآن منزل وأنه كلام الله وأنه من علم الله، وهذا المعنى ينافي القول بخلقه، فعُلِم أن المنافي منفي بالإجماع.\nهذه هي طريقة تحصيل الإجماع في مسائل العقائد التي نازع فيها المبتدعة.\nوهو كذلك إجماع للأئمة، لكن لا نقول: إنه ليس إجماعًا للصحابة، لأننا إذا قلنا: إن هذه المسائل فيها إجماع للأئمة التابعين وتابعيهم، ولم نقل: إنها إجماع للصحابة؛ ورد هنا سؤال من العقل: لما لا نقول: إنها إجماع للصحابة؟ هل أجمع الصحابة على وفقها، أو على ضدها، أو سكتوا؟\nإن كانوا أجمعوا على وفقها فلنقل: إنه إجماع للصحابة، وإن كانوا أجمعوا على ضدها، فهذا يلزم أن التابعين ناقضوا إجماع الصحابة، وإن كانوا سكتوا فما معنى السكوت؟ هل معناه أن الصحابة ليس لهم فيها قول؟ إذا لم يكن للصحابة فيها قول، علم أنها ليست من الدين.\nوهذا الطريق في التشكيك بالإجماع هو الذي استعمله ابن أبي دؤاد في مناظرة خلق القرآن؛ فقد قال للإمام أحمد: (القرآن ليس مخلوقًا) أهذا من الدين؟ فإذا قيل له: أجمع عليه أصحابنا وأئمتنا أعني: شيوخ الإمام أحمد أو طبقته، فسوف يعترض على ذلك، وهذا اعتراض صحيح، وحتى لو قلت: إنه إجماع لطبقة الإمام أحمد، لقيل: أين الصحابة عن هذا الإجماع؟ فسكوتهم إن لم يدل على النفي، فهو يدل على أنهم لا يعتبرون المسألة من الأصول.\nفـ ابن أبي دؤاد قال للإمام أحمد: (القرآن ليس مخلوقًا) أهو من الدين؟ قال: نعم، قال: عرفه النبي والخلفاء الأربعة، قال: نعم، قال: أين هو في كلامهم؟ قال الإمام أحمد: يسكتون فسكت؛ يعني أن الصحابة مجمعون على إثبات معنى، وهو أن القرآن كلام الله أنزله على عبده ورسوله.\nفالمعنى الذي ذكر هنا أنه ليس مخلوقًا هو نفي لطارئ، وقد علم الإجماع على نفي الطارئ، وامتنع الجمع بين الطارئ -وهو أن القرآن مخلوق- وبين المعنى الذي هو صريح النصوص.\nوعليه نقول: إن كل مسألة نطق بها السلف من بعد الصحابة -أعني طبقة التابعين وتابعيهم- فهو إجماع للصحابة ﵃.\nوفي الغالب أن ما يذكره الأصوليون يريدون به الإجماع في مسائل التشريع، ولهذا يقولون: الإجماع هو اتفاق مجتهدي علماء الأمة، فهم يحصرونه بطبقة الاجتهاد.","vol":"12","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>وسطية أهل السنة في صفات الله</span>\nقال المصنف ﵀: [فهم وسط في باب صفات الله ﷾ بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة].\nما من بدعة ظهرت في الإسلام، إلا وظهرت بدعة أخرى تناقضها، وهذا الأمر إذا تأمله العارف عرف أن الحق لا يُعرف بالمقابلة، وهذه مع الأسف طريقة استعملها كثيرون الآن، سواء في مسألة الدعوة أو الجهاد أو غيرها؛ فقد صار هناك نوع من التقابل، أو ما يسمى بالمصطلح المعاصر: (ردة الفعل)، والحق لا يعرف بردود الأفعال، ولهذا نقول: ما من بدعة ظهرت في الإسلام، إلا وظهر ما يسمى بردة الفعل، وهي الطرف الآخر المناقض، ودائمًا الحق لا يكون طرفًا مناقضًا من كل وجه في مثل هذه المسائل، بمعنى أنه إذا كان القول إفراطًا فإن الحق لا يمكن أن يكون تفريطًا، وإذا كان القول تفريطًا، فإن الحق لا يمكن أن يكون إفراطًا.\nإذ لا يجوز أن يكون تحقيق الحق في مسألة ما إنما كان بعد ظهور الباطل؛ لأن الحق سابق.\nومن يبني أقواله على ظهور شيء من الباطل، فيكون تقريره لمسألة الحق متحصلًا من هذا الباطل الذي طرأ، لا يكون حكيمًا.\nوالسلف ما زادهم ظهور هذه البدع أي شيء في أقوالهم، هذه هي طريقة المتقدمين من السلف، لكن كثيرًا من المتأخرين من أهل السنة والجماعة إذا اشتغل أحدهم بالرد على بدعة، زاد بسببها في قدر الحق الذي معه، فمن علم بذم علم الكلام وذم المتكلمين، لم يكن عنده سبيل إلى إغلاق هذا العلم إلا بتكفير أصحابه، فيعمد إلى تكفيرهم حتى يقطع مادة هذا العلم، لأنه يرى بعقله ونظره أن هؤلاء المتكلمين -مثلًا- أو المعتزلة، أيهما أحسم لمادتهم عن المسلمين: إذا قيل أنهم أهل بدعة أو إذا قيل أنهم كفار؟ مادة التكفير، فيعمد لا بسوء قصد وإنما بحسن قصد إلى تكفيرهم، خاصةً أن أقوالهم تستلزم الكفر تارة وتتضمن الكفر تارةً أخرى، فيعمد إلى تحقيق الأقوال على أصحابها، فإذا ما كفرهم، انحسمت مادتهم.\nوهذا من الطرق المستعملة عند من يقل عقله أو يقل علمه، وهي كثيرة اليوم في صفوف كثير من الشباب، حتى بعض طلاب العلم؛ فمن لم يتسع عقله، أو قل علمه وبصره بالشرع، فإنه يستعمل مثل هذه الطريقة.\nوالحق أن الحق سابق للباطل في هذه المسائل، فإن مذهب السلف بجميع مسائله موجود زمن الرسول ﵊، وزمن أبي بكر قبل أن تحدث في الإسلام بدعة واحدة.\nإذًا لا يمكن أن تزيد هذه البدع في قدر الحق، وإنما قد تستعمل أوجه من الحق في دفع هذه البدع لم تستعمل في زمن أبي بكر؛ لأن البدعة لم تظهر.\nفهذه مسألة يجب على طالب العلم أن ينتبه لها؛ فردود الأفعال في تعريف الحق غلط، وإنما الحق يعتبر بقدره.\nفنقول: ما مِن بدعة حدثت إلا وحدث ما يناقضها أو ما يضادها، فلما حدثت بدعة نفاة الصفات في أوائل المائة الثانية وبعد عصر الصحابة ﵃ على يد جماعة من النظار من الموالي، كـ الجعد والجهم -وهم أول من أظهر هذه المقالة، وهي منقولة عن بعض مقالات اليونان وفلسفة اليونان، وغيرهم من الملاحدة والكفار الذي تُرجم قولهم إلى المسلمين- فأنكروا صفات الله ﷾، وتقلد هذا المذهب أصحاب الاعتزال الذين كانوا يتكلمون في مسائل القدر والشفاعة والكبائر، فظهرت مقالة نفي الصفات على يد الجهمية -نسبة للجهم بن صفوان وهو الذي أظهر وأشاع المقالة- وصار عند السلف كل من نفى الصفات أو ما هو منها، وصف بالتجهم، نسبةً لهذا الرجل، وليس بالضرورة أن من وصف بالتجهم أو سمي جهميًا أنه يصدق أقوال جهم بن صفوان في سائر مواردها، فإن من ناظر في فتنة خلق القرآن سماهم السلف جهمية، مع أن أساطينهم الذين باشروا المناظرة هم المعتزلة، ونحن نعلم أن المعتزلة تخالف الجهم بن صفوان في أكثر آرائه، فهي تخالفه في مسألة الإرجاء، حيث هو غالٍ في الإرجاء وهم على النقيض من ذلك، ويخالفونه في باب القدر هو جبري وهم قدرية.\nبل لا عجب أن في كتب المعتزلة تكفيرًا للجهم بن صفوان، وهذا نطقت به بعض كتب المعتزلة، أن أئمتهم يذهبون إلى تكفيره لمسائل قالها في بعض أصول الدين.\nومراد السلف بالتجهم هو نفي الصفات، وليس الشخص نفسه، وإذا ذكروا التجهم يقصدون به نفي الصفات، وليس التقلد المطلق لسائر ما نُقل عن جهم بن صفوان من الآراء أو المقالات والبدع.\nوقابلهم المشبهة، والتشبيه لم يقع له أثر في الأمة كما وقع لمذهب التعطيل، فإن التعطيل استعمل تحت جملة التأويل، ولهذا درج عند غلاة المعطلة كالجهمية وأئمة المعتزلة، ثم شاع لما جاءت مدارس متكلمة الصفاتية، وهي التي أشاعت مادة من التعطيل باسم التأويل، وهم أصحاب ابن كلاب والأشعري والماتريدي وأمثال هؤلاء.\nفتشبيه صفات الخالق ﷾ بصفات المخلوقين لم يقع له أثر كما وقع لمذهب التعطيل والتأويل، وذلك لأن ظهور بطلانه وتعذر استقامته من جهة التأويل بينة، ولهذا أصبح نفور عامة المسلمين عنه مشهورًا معروفًا، وإنما وجد في الأول عند بعض أئمة الشيعة الإمامية، كـ هشام بن الحكم وأمثاله، ثم عدلت عنه الشيعة الإمامية إلى طريقة المعتزلة، أو طريقة البغداديين من المعتزلة على وجه التحديد، ثم ظهر مذهب التشبيه على يد أحد المتأخرين المنتسبين للسنة من المتكلمين، وهو محمد بن كرام السجستاني، وهو من المرجئة الكرامية المنتسبين للسنة والجماعة كانتساب الأشعري، ولكنه استعمل مادة من التشبيه ليس كتشبيه الشيعة الأولى، وإنما وقع في مادة منه.\nفأهل السنة والجماعة وسط في صفات الله، يثبتون الصفات على ما يليق به ﷾، دون إفراط على طريقة المشبهة، ودون تفريط يستلزم التعطيل على طريقة المعطلة والمحرفة.","vol":"12","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>وسطية أهل السنة في أفعال العباد</span>\nقال المصنف ﵀: [وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية وغيرهم].\nأفعال الله ﷾ لم يقع بين المسلمين في الجملة خلاف في تقريرها، وإنما مسألة النزاع الكبرى في هذا الباب، هي ما يتعلق بأفعال العباد، فهل العباد مجبرون على أفعالهم، ولا إرادة لهم ولا مشيئة لهم، أم أن العباد مستقلون بإرادتهم ومشيئتهم وخلقهم لأفعالهم والله لم يخلق أفعالهم ولم يردها ولم يشأها؟\nهذان المذهبان في مسألة الأفعال مذهبان متناقضان كما ترى، تقلد الأول الجبرية، نسبة للقول بالجبر، وهو أن العبد مجبور على فعله، ولا إرادة وله ولا مشيئة له على الحقيقة، وأن الله جبر العبد على الفعل.\nوأخص من تقلد الجبر الجهم بن صفوان، وكثيرون من الجبرية ولا سيما في الشام، وتقلد نفي القدر القدرية الذين قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد ولم يردها ولم يشأها، بل العبد مستقل بإرادته ومشيئته، وتقلد هذا المذهب المعتزلة وكثير غيرهم، وهم المسمون بالقدرية.\nوكان من القدرية طائفة من الغلاة أنكروا علم الرب بأفعال العباد إلا عند كونها، ولكن هؤلاء من الزنادقة الذين انقطع أثر مذهبهم، والذين انتشر مذهبهم وبقي هم القدرية الذين يؤمنون أن الله يعلم ما كان وما سيكون، وإنما يقولون: إنه لم يرد أفعال العباد ولم يخلقها، وهذا ما يسمى بمذهب القدرية، وهو شائع في المعتزلة والشيعة وطوائف أخرى.\nفأهل السنة والجماعة وسط في أفعال الله بين هؤلاء وهؤلاء، حيث يقولون: إن الله ﷾كما وصف نفسه في كتابه- هو الفعال لما يريد، وأنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرةٍ في السماوات ولا في الأرض، وأنه لا يقع شيء في الكون من أفعال العباد وغيرها إلا بإرادته ومشيئته، وأنه الخالق لكل شيء، فقد دخل في عموم خلقه أفعال العباد وغير أفعال العباد؛ مع الإيمان بأن العباد لهم مشيئة وإرادة، وأنهم ليسوا مجبورين على أفعالهم.\nوسيأتي تفصيل هذا","vol":"12","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>قاعدة مهمة في الخلاف العقدي</span>\nما من باب حدث فيه نزاع بين أهل القبلة إلا ومنه ما هو محل اتفاق.\nفمن خرج عن موارد الاتفاق عند السلف، قيل: خرج من السنة إلى البدعة، وقد تكون هذه البدعة بدعة كفرية، لكن من خرج عن مورد اتفاق أهل القبلة، قيل: خرج من الإسلام إلى الكفر.\nهذه قاعدة لا بد أن يعرفها طالب العلم.\nقد يقول قائل: ما محل الاتفاق في الصفات؟\nفأقول: من موارد اتفاقهم -أعني أهل القبلة: جميع المسلمين من أهل السنة وغير أهل السنة- في باب الصفات أن الله مستحق للكمال منزه عن النقص.\nقد يقول قائل: كيف أجمعوا على ذلك مع أن المعتزلة تنفي الصفات، ونفي الصفات نقص؟!\nفأقول: إن أهل القبلة من المسلمين سنيهم وبدعيهم اتفقوا على أن الله مستحق للكمال منزه عن النقص، وإنما اختلفوا في تحقيق المناط؛ أي: ما هو الكمال وما هو النقص، المعتزلة قالوا قولتهم، وهي في نظرهم كمال لا نقص، والأشاعرة يرون أن مذهبهم هو كمال الرب، والماتريدية يرون مذهبهم كذلك، والكرامية يرون مذهبهم كذلك، والشيعة يرون مذهبهم كذلك.\nوأيُّ طائفة تقول قولًا وهي تعلم أنه نقص فهي طائفة غير مسلمة، لأنها خرجت عن اتفاق أهل القبلة من أن الله مستحق للكمال، منزه عن النقص.\nإذًا: ما من أصل من أصول الدين إلا وفيه قدرٌ كلي مشترك بين سائر أهل القبلة، فمن خرج عن هذا الاتفاق فقد كفر، ثم يبقى فيه قدر من النزاع بين أهل السنة وغيرهم، فمن خرج عن اتفاق أهل القبلة خرج من الإسلام إلى الكفر، ومن خرج عن اتفاق أهل السنة خرج من السنة إلى البدعة.\nوحين نقول: خرج من السنة إلى البدعة لا يعني ذلك أن البدعة لا تكون بدعة كفرية؛ بل قد تكون بدعةً كفرية وقد تكون دون ذلك، وإذا كانت بدعة كفرية، فلا يلزم أن قائلها يكون كافرًا، بل هذا معتبرٌ بشرطه وانتفاء مانعه.","vol":"12","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>وسطية أهل السنة في الوعد والوعيد</span>\nقال المصنف ﵀: [وفي باب وعيد الله بين المرجئة وبين الوعيدية من القدرية وغيرهم].\nالطوائف في تسميتها أحيانًا تنسب لشخص كالجهمية، فهي من حيث اللفظ نسبة إلى الجهم بن صفوان، ولكن مراد السلف المعنى، وهو نفي الصفات.\nوالمرجئة ليست نسبة لشخص، وإنما هي نسبة لمعنى، وهذا المعنى مشترك، بمعنى أن الإرجاء ليس وجهًا واحدًا، بل كما ذكر الأشعري في المقالات أن المرجئة ثنتا عشرة طائفة؛ فيهم الغلاة كـ جهم بن صفوان، وقد نطق جملة من أئمة السلف كـ أحمد ووكيع وابن مهدي أن قوله في الإرجاء كفر، وفي المرجئة قوم من الصالحين والعلماء المعروفين، وهم من يسمون بمرجئة الفقهاء كـ حماد وأبي حنيفة وأمثال هؤلاء.\nولكن في باب الوعيد يغلب على المرجئة التفريط.\nأما الوعيدية من المعتزلة أو من القدرية -ويقصد بالقدرية هنا المعتزلة، إذ ليس كل قدري وعيديًا، فإنه زل في مسألة القدر أقوام ليسوا من أهل القول بالوعيد على طريقة المعتزلة والخوارج- فإنهم يرون أن أصحاب الكبائر مخلدون في النار، وهذا مذهب المعتزلة والخوارج، كما هو معروف، وقلدهم طائفة من الشيعة.\nوالمرجئة ليس لهم مذهب منضبط في هذا، وإنما يقال: إنهم في الجملة عندهم تفريط في باب الوعيد، فليس ثمة تقابل بين البدعتين من كل وجه، بمعنى أنه لما قالت الوعيدية من الخوارج والمعتزلة أن صاحب الكبيرة مخلد في النار، فلا يفهم من هذا أن المرجئة تقول أنه لا يعذب في النار أبدًا، بل هذا المذهب لم يصح عن أحد من المرجئة بعينه من الأكابر المعروفين، وهي جملة: (لا يضر مع الإيمان ذنب).\nفهذه الجملة -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀- لم تنضبط عن قائل بعينه من المعروفين بالعلم والمقالات، ونسبها الأشعري في مقالاته وابن حزم في الفصل إلى مقاتل بن سليمان، ونص ابن تيمية في منهاج السنة أنها لا تصح عنه، وهي قد تكون جملة لغلاة من القدرية كانوا يذهبون إلى هذا المذهب، فليس هناك مانع أن ثمة طائفة تذهب إلى أنه لا أحد يعذب من أهل الكبائر.\nوالمقصود: أن هذا القول ليس مذهبًا متحققًا من حيث النقل التاريخي، لكن لا يمتنع أن يقول به قائل من غلاة المرجئة.","vol":"12","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>وسطية أهل السنة في باب أسماء الإيمان</span>\nقال المصنف ﵀: [وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية].\nأسماء الإيمان والدين يقصد بها تسمية العبد بالإيمان أو الإسلام أو الكفر أو الفسق، أو ما إلى ذلك.\nويقصد بالحرورية الخوارج، وهي نسبة إلى مكان اجتمعت فيه الخوارج، عند نقضهم خلافة علي بن أبي طالب ﵁.\nوقد ذكر المصنف المعتزلة لأنهم أيضًا غلاة في هذا الباب؛ فالخوارج تسمي مرتكب الكبيرة: كافرًا، وجمهورهم يقولون: إنه كافر كفر ملة، وعبد الله بن إباض يقول: إنه كافر كفر نعمة.\nوالمعتزلة تقول: إنه فاسق، لكنه فسق مطلق لا يجتمع معه شيء من الإيمان، بخلاف الفسق الذي يعتبره أهل السنة في مرتكب الكبيرة، فهو فسق يجامع أصل الإيمان، هذا هو الفرق بين تسمية أهل السنة لمرتكب الكبيرة بأنه فاسق، وتسمية المعتزلة صاحب الكبيرة بأنه فاسق.\nإذًا: ليس عند المعتزلة إلا اسم واحد في الخارج، إما المؤمن وإما الكافر وإما الفاسق.\nفالكافر عندهم: من كفر بأصل الدين، كاليهود.\nوالفاسق عندهم: من ارتكب الكبائر.\nوالمؤمن عندهم: من سلم من الكبائر، ولا يجتمع اسمان لمسمى واحد.\nولا شك أن هذا مخالف لصريح النصوص، فإن الإيمان شعب، والفسق شعب، والكفر شعب، كما قال ﵊ في حديث أبي هريرة في الصحيح: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت)، وكما في قوله ﷺ في حديث ابن مسعود: (أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم)، وكما في حديث أبي ذر في الصحيح: (من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما)، فإذا قال شخص لشخص: (يا كافر) وهو يعرف أنه مسلم، لكن سبه بقوله: (يا كافر) لأنه فعل فعلًا مشينًا أو فعل فعلًا من أفعال الكفار، أو ترك أخلاق المسلمين إلى أخلاق الكفار، لا يكون أحدهما كافرًا وخارجًا من الملة، ولا يخرج القائل من الملة، إلا إذا سماه كافرًا بما هو من الإسلام، لأنه كفر بالإسلام، وأما إذا قال شخص لشخص يا كافر، لأنه اشتبه عليه أنه كافر، فهذا تأويل.\nوكذلك إذا قالها من باب السب لكون هذا الفاعل فعل ما هو من أفعال الكفار وأخلاقهم، كما كان بعض الصحابة ﵃ يقول أحيانًا: دعني أضرب عنق هذا المنافق، مع أنه يعرف أنه من الصحابة، لكنه فعل فعلًا ليس من أفعال المؤمنين، والأشبه أنه من أفعال المنافقين فيسميه به في حاله، فهذا ليس هو المقصود في قول النبي ﷺ، وإن كان لا يفهم من هذا: التسويغُ للسب بالكفر أو النفاق، فإن هذا لا يجوز، حتى لو فعل الفاعل خلقًا من أخلاق الكفار، كالغدر والسرقة والكذب وهي من أفعال المنافقين، أو الطعن في النسب، وهذه من خصال الكفر، فلا يجوز أن يُسب بالكفر.\nهذه الطريقة ليست هي الطريقة العلمية الراجحة، ولهذا لم يستعملها أبو بكر في حياته مرةً واحدة، وهي قول: (نافق فلان، أو دعني أضرب عنق هذا المنافق، أو إنك منافق تجادل عن المنافقين)، صحيح أنها وقعت لبعض الصحابة في حالٍ معينة، حميةً لله ورسوله، ولكنها ليست من الطرق الراجحة في العلم، ولهذا ما استعملها الرسول ﵊ ولا أبو بكر ﵁.\nلو كان هذا مما يسمى به لسمى به، كما قال لـ أبي ذر: (إنك امرؤٌ فيك جاهلية) فالصحابة يجب أن يُقتدى بهم فيما هو من سننهم البينة، لا في بعض الاجتهادات التي قد تكون مرجوحة، ولا يظن أحد: أن الرسول أقرها، لأن الإنكار للشيء لا يلزم ومنه أن الرسول ﷺ بصريح الكلام ويقول: أخطأت وكذبت، فأحيانًا من أحيانه ﷺ يُعْرَف أنه لا يريد هذا التعبير من انصرافه عن تصديقه، والرسول ﵊، في غالب الأحوال ينصرف عن تصديق هذا الكلام، أي: لا يؤيد أن هذا الرجل منافق، لكن لما قيل له: (دعني أضرب عنق هذا المنافق)، في قصة عبد الله بن أبي، صدق الكلام، لكنه اعتذر، وهذا من حكمته ﵊، ففي قصة ابن أبي صدق أن الرجل منافق، ولكنه اعتذر بقوله: (لا يتحدث الناس، أن محمدًا يقتل أصحابه)، ولما قيلت هذه الكلمة لرجل من السابقين ومن أهل بدر؛ حيث قال عمر ﵁: (دعني أضرب عنق هذا المنافق)، في قصة حاطب في الصحيح، قال ﷺ: (إنه شهد بدرًا) فهذا اعتذار عن تصديق الكلمة، (وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، فهذا الحديث منه هو نفي لكلمة عمر، وأن أهل بدر لا منافق فيهم.\nوأحيانًا يقع منه ﷺ أنه لا ينصرف إلى تصديقها، ولا ينصرف إلى ردها، وإنما يعرض عنها، كأنه لم يسمعها، فهذا أيضًا فيه جمع بين المصلحتين: بين مصلحة حمد هذا المتكلم لغضبه وحميته لله ورسوله، حتى لا يقال: إنه أسقط غضبه أو رد فضله وديانته وحميته إلى غير ذلك، وفيه ترك للكلمة من حيث هي كلمة.\nإذًا هذه الطريقة ليست طريقة يسلكها الرسول ﵊ ولا أبو بكر ولا عمر، حتى عمر قالها في مواضع فقط، ولم يقلها في كل موضع، وقالها ﵁ في مواضع اجتهادًا، بعضها كان في محله كقوله عن عبد الله بن أبي، وكقوله عن ذي الخويصرة التميمي الذي قال: (إنك لم تعدل يا محمد) وأحيانًا يجتهد عمر في مقام، فيعذره النبي ﷺ من وجه، ويبين له المراد في الوجه الآخر.\nقال المصنف ﵀: [وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية].\nالمرجئة فرطوا في هذا الباب، وسموا أصحاب الكبائر بالمؤمنين، وهذا مما استقر عليه كلام المرجئة، أنهم يرون أن أصحاب الكبائر يسمون مؤمنين بالإطلاق، والجهمية هم وجه من أوجه المرجئة ولكنهم غلاة المرجئة.","vol":"12","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>وسطية أهل السنة في الصحابة</span>\nقال المصنف ﵀: [وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة وبين الخوارج].\nقوله: (وفي أصحاب رسول الله) أي: في حق الصحابة وعدالتهم وديانتهم.\n(بين الرافضة) وهم الذين سبوا أصحاب النبي ﷺ، وتولوا علي بن أبي طالب ومن معه من آل البيت، ولهم مذاهب شتى في هذا الباب، ولعل المصنف لو قال: (الشيعة) لكان أظهر من جهة السعة، فإن عامة طوائف الشيعة تقع في الصحابة وإن كانوا على درجات في هذا الباب.\n(وبين الخوارج) وهم من قابل الشيعة في هذا الباب، حيث كفروا علي بن أبي طالب ﵁.\nوليس هناك مذهب متقابل على الإطلاق، فلا يفهم أن ثمة مكفرًا للصحابة وغاليًا في الصحابة، إنما يوجد وجه من الغلو في قوم وتكفير كما عند الشيعة، فهم يغلون في علي ويسبون آخرين، والخوارج تكفر عليًا وربما تحمد آخرين\nوهلم جرًا.","vol":"12","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>شرح العقيدة الواسطية [١٣]</span>\nمسألة علو الله تعالى على خلقه من المسائل الأصول في باب الأسماء والصفات؛ لأن إثباتها يستلزم إثبات جملة من الصفات، وقد أثبت أهل السنة والجماعة هذه الصفة بدليل العقل والفطرة فضلًا عن الأدلة الشرعية.","vol":"13","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>علو الله على خلقه ومعيته لهم بعلمه والأدلة على ذلك</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه عليٌّ على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤].].\nبعد أن أجمل المصنف ﵀ أصول السلف أهل السنة والجماعة دخل بعد ذلك في ذكر مفصل جملة من مسائلها، فقال: (وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله ﵌).\nقوله: (قد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله) هذا عود على مقدمة المصنف في أول رسالته، فحين قال: (أما بعد ..\nفهذا اعتقاد الفرقة الناجية الطائفة المنصور إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة)، قال: (وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره)، فجعل المسائل التي عرض لتفصيلها بعد ذلك متضمنة في الأصول الأولى التي أجملها، وهي الأصول التي ذكرها النبي ﵌.\nوهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وفي الجملة: أن عامة المسائل التي يفصلها المصنف من هذه الجملة إلى آخر الرسالة، لك أن تقول أنها داخل في الإيمان بالله، ولك أن تقول: إنها داخلة في الإيمان بالرسل، ولك تقول: إنها داخلة في الإيمان بالكتب إلى غير ذلك، وهذا باعتبار الدلالات المعروفة في الكلام، وهي ثلاث: (دلالة مطابقة، أو دلالة تضمن، أو دلالة التلازم).\nفالإيمان بالعلو يُقال: (دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله) لأنه صفة من صفاته، وهو كذلك إيمان بالكتب، لأنه مذكور في الكتب السماوية، وهو كذلك إيمان بالرسل، لأن الرسل حدثوا قومهم بأن الله في السماء.\nولك أن تقول: وهو إيمان بالملائكة من جهة اللزوم، من جهة أن الوحي إنما جاء به ملك، فمن لزوم الإيمان بالملك الإيمان بتصديقه، وأن من تصديقه الإيمان بصدق ما أوحاه إلى النبي ﷺ من رب العالمين ﷾، فهذا باب واسع.\nولهذا لا عجب أن المصنف في مسألة يقول: (وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله) وفي مسألة بعدها يقول: (وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله وملائكته ورسله)، فهذا كله مبني على مسألة الدلالات، وفيها سعة عند اعتبارها، ولا سيما إذا اعتبرت دلالة التناسب.\nوأول مسألة ذكرها المصنف هنا هي مسألة العلو، وهذا باعتبار أن هذا الأصل -وهو صفات الله ﷾- هو أشرف الأصول التي ذكرها في رسالته، فإنه ذكر في رسالته جملة من الأصول، كأنه أجملها في قوله: (وهم وسط في باب صفات الله ...)، (وهم وسط في باب أفعال الله ...) فأشرف الأصول التي ذكرها ما يتعلق بالصفات، وقد درج كثير من السلف -بل وكثير من متكلمة أهل الإثبات- على العناية بتقرير مسألة العلو، وأعني بمتكلمة أهل الإثبات من يثبت العلو من متكلمة الصفاتية، كـ عبد الله ابن كلاب والأشعري وأمثالهم.\nوإنما درجوا على ذلك، لأن هذه المسألة -أعني مسألة علو الله ﷾- تعد أصلًا في هذا الباب عند سائر الطوائف، فبثبوتها يلزم ثبوت جملة من الصفات، عند أهل الإثبات من السلف، وفضلاء متكلمة الصفاتية، كـ ابن كلاب والأشعري، وبنفيها عند النفاة كالجهمية والمعتزلة ومتأخري الأشاعرة، نفوا جملًا كثيرة من الصفات.\nولهذا تعد مسألة العلو أصلًا، باعتبار أن إثباتها يستلزم إثبات جملة من الصفات، وأن نفيها عند من نفاها يستلزم نفي جملة من الصفات، ولهذا هي موجبة طردًا وعكسًا، حسب المذاهب التي ظهرت عند طوائف من أهل القبلة في هذا الباب، ولهذا عُني السلف بها من هذا الوجه.\nومن جهة أخرى: قدم المصنف هذه المسألة لما لها من الشرف في كتاب الله ﷾ من جهة تفصيلها، فإن علو الله فصل في القرآن تارةً بأنه في السماء، كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وتارةً بذكر فوقيته تعالى كقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] وتارةً بذكر علوه كقوله سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] وتارةً بصعود الأشياء إليه أو بعروجها إليه أو بالنزول منه\nإلى غير ذلك.\nوهذا المذهب هو الذي تقتضيه الفطرة والعقل والشرع، فنقول: إن مسألة العلو -ومحصلها أن الله ﷾ فوق سماواته مستوٍ على عرشه بائن من خلقه- دليلها وشاهدها الفطرة والعقل والشرع، واعتبار الدلالات العلمية، وهي من أهم المسائل التي حصل فيها غلط.\nولك أن تقول: إن أكثر غلط المتكلمين في مسائل الإلهيات والمعرفة عمومًا هو فرع أو لازمٌ عن غلطهم في فقه الدلالات، ولهذا يجب التنبيه على هذا النوع من الدلالات، خاصة أن الغلط فيها لم يقتصر على المتكلمين أو قدماء المتكلمين، بل دخل على متكلمة أهل الإثبات، وبعض المتأخرين من أصحاب السنة.","vol":"13","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>أدلة علو الله على خلقه</span>\nالأدلة التي تشهد لمسألة العلو: الفطرة والعقل والشرع.","vol":"13","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>دليل العقل</span>\nالعقل: دلالة العقل: إما من حيث الضرورة أو المقتضى العقلي، وهو تقسيم معروف عند النظار من أهل المنطق، وإن كان فيه قدر من النزاع، لكنه هو المحصل من جهة الصواب، فثمة دلالة العقل الضروري ودلالة العقل النظري.\nوعليه يمكن أن تقول: إن الأدلة باعتبار الإضافة تكون أربعة: إما أن يكون الدليل فطريًا، وإما أن يكون الدليل على مسألة ما عقلًا ضروريًا، وإما أن يكون الدليل عقلًا نظريًا، وإما أن يكون الدليل نقليًا أي شرعيًا.\nوالأفضل أن لا يُقال شرعي، إنما يقال نقلي؛ لأن العقل متضمن في الشرع، ولكن العقل ليس نقلًا، إنما هو اقتضاء إدراكي، قد يكون هذا الإدراك ضروريًا، وقد يكون هذا الإدراك نظريًا.\nولا يسمى العقل في الحالين نقلًا، وإذا وردت بعض صور العقل في خطاب الشارع سمي خطابًا عقليًا باعتبار، وسمي خطابًا شرعيا باعتبار كونه آيةً أو حديثًا عن رسول الله ﵌.","vol":"13","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>دليل الفطرة</span>\nالفطرة: دلالة الفطرة هي معنىً من القوة يكون مع الإنسان عند وجوده، ولهذا دلالة الفطرة سابقة لدلالة العقل، يقول الرسول ﵊ كما في الصحيحين: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، يولد على الفطرة: أي على الإقرار بالتوحيد، وهنا يقول أهل العلم: إن توحيد الربوبية -مثلًا- فطري، لأن الرسول ﵊ قال: (كل مولود يولد على الفطرة ..) مع أن المولود عند ولادته لا يتمتع لا بالعقل الضروري ولا بالعقل النظري، لأن قوة العقل لم تتكون عنده، فدل الحديث على أن الفطرة قوة من المعنى الوجودي ثابت في النفس عند الخلق، فكما أن الإنسان يولد وله يد، فهو يولد وفيه فطرة.\nقد لا يستطيع العقل أن يفقه عن مدرك الفطرة أكثر من هذا، لكنها شيء قائم، ولهذا قال ﵊: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) مع أنه عند تهوده وتنصره أو تمجسه، يكون قد شهد مدرك العقل، ولهذا لا يمكن أن الأبوين يهودان الصبي إلا عندما يكون عنده التمييز العقلي، حتى يفقه أن هذا مسلم وأن هذا يهودي .. إلخ.","vol":"13","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>الفطرة تدل على عامة الأصول الشرعية أو تقتضيها</span>\nعامة الأصول الشرعية: إما أن تدل عليها الفطرة أو تقتضيها، وفرق بين الجهتين:\nالجهة الأولى: أن تكون الفطرة دلت على طلب هذا الأصل.\nالجهة الثانية: أن تكون الفطرة دلت على قبوله عند طلب الشارع له؛ بمعنى أن الفطرة تقتضيه.\nولهذا عامة التشريع تقتضي الفطرة طلبه ابتداءً أو تقتضي قبوله عند طلبه، ولا تنافيه، لكن الفطرة ابتداء لا تعين تفصيل مسائل الشريعة، فالفطرة لا يمكن أن تعين أن الصلوات خمس، وأن صلاة الضحى ركعتان إلى ثمان، وأن الظهر أربع .. إلخ.\nالفطرة تقتضي وتطلب التعبد لله كجملة، الخضوع لله كجملة، العدل كجملة، لكن تفاصيل مسائل العدل المالية لا تتوصل إليها الفطرة قبل ورود الشرع.\nإذًا الفطرة هي معاني كلية من هذا الوجه، إما أنها تقتضي الطلب، كاقتضاء الفطرة للتوحيد، وكل الأصول الكلية من الدين كالتوحيد تدل عليها الفطرة طلبًا، أي أن الفطرة ترغب في تحصيلها، وهذا معنى قوله ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة) وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢]، وقد تكون الفطرة دون درجة الطلب، ولكنها تقتضي الموافقة عند وجود الشيء تشريعًا أو خبرًا.\nهذا ما يتعلق بذات الفطرة، وعليه ندرك أن التوحيد -توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات- تدل عليه الفطرة، ولا يصح أن يقال: إن الفطرة لا تدل إلا على توحيد الربوبية، فهذا الكلام غلط شديد، بل الفطرة تدل على توحيد الله، وتوحيد الله سبحانه -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀- معرفته وعبادته، فإن قيل: التوحيد هو العبادة، قيل: هذا ممتنع؛ لأن عبادة من لا يعرف ممتنعة، ولا يمكن أن يعبد شخص ما لا يعرفه، حتى الذين يعبدون الأصنام يعرفونها كأصنام، ومن يعبد رجلًا صالحًا عنده عنه معرفة، وقد تكون هذه المعرفة فيها غلط، لكن عنده معرفة معينة، عنده إدراك معين، حتى من يعبد عيسى ﵊ عنده معرفة معينة، قد تكون هذه المعرفة فيها ضلال، ادعى أن فيه ألوهية أو ما إلى ذلك، لكن لديه مدركًا عن معبوده؛ بمعنى أن عبادة غير المدرك ممتنعة عقلًا، لا يمكن أن يعبد أحد من لا يعرف، لكن إما أن تكون المعرفة صحيحة أو غير صحيحة، ناقصة أو غير ناقصة، فهذه مسألة أخرى.\nفتوحيد الله هو معنىً كلي واحد كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (توحيد الله معرفته وعبادته)، وإنما قسم أهل العلم ﵏ التوحيد إلى هذه الأقسام الثلاثة، أو إلى توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الإرادة والقصد من باب التراتيب العلمية.\nولهذا يقال: إن توحيد الله ﷾سواء كان جهة ربوبيته أو جهة ألوهيته أو جهة أسمائه وصفاته- هو من حيث أصله الكلي ثابت بالفطرة.\nولا يجوز أن يقال: إن توحيد الربوبية وحده فطري، وتوحيد الألوهية والعبادة تشريعي.\nوأحيانًا يستشكل البعض هذا، ويقول: إن الرسل بعثوا بتوحيد الألوهية.\nفأقول: نعم، حتى لو بعثوا بتوحيد الألوهية، لا يمنع ذلك أن أصله فطري؛ فإن الرسل بعثوا مع كون أصل الألوهية فطريًا من أجل أمرين:\nالأمر الأول: درء الشرك الذي طرأ على التوحيد، أي: إبعاد الناس عن عبادة غير الله، ولهذا أول الرسل إلى الأرض نوح ﵊، ولم يحتج الناس قبل نوح إلى رسول، كما قال ابن عباس ﵄: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون على التوحيد) لأن ثمة إقرارًا وإفرادًا لله بالعبادة.\nالأمر الثاني: من أجل تفصيل التوحيد؛ لأنا لا نقول: إن توحيد الألوهية بمفصله فطري، فقد تقدم أن الفطرة لا تدرك المفصلات، وإنما المفصل يدرك من الوحي، قال الله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢] الصلوات الخمس من توحيد الألوهية، لأنها قيام لله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] ولأنها سجود لله، ولأنها ركوع لله، ولأنها دعاء لله .. إلخ.\nوالرسول ﵊ أو غيره لا يمكن بفطرته أن يدرك الصلوات الخمس: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى:١٣]، ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى:٢١] من ادعى تشريعًا قبل الوحي فهو مدعٍ على الله ﷾.\nإذًا تفصيل الألوهية شرعي، بخلاف أصلها الكلي فهو فطري، هذا هو الحق، كذلك الربوبية، وإن كان الإدراك الفطري في مقاماتها أكثر من الألوهية، إلا أن بعض مقامات الربوبية شرعي، فعندنا من ربوبية الله أنه ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، وفي هذا معنى من ربوبيته.\nوقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية وأمثاله يقولون: توحيد المعرفة، وتوحيد الطلب، فيجعلون الربوبية والأسماء والصفات جهة واحدة، وجاء من بعدهم أو من قبلهم فقسموا التوحيد إلى ثلاثة أقسام، لأن الجهة التي حصل فيها شقاق من بعض أهل البدع -وهي من ربوبية الله- هي مسألة الأسماء والصفات، وخصوها لاختصاصها عند السلف، وهذا كله ترتيب علمي لا بأس به، لكن لا ينبغي أن يعطى أكثر من حقه.\nإذًا: نزول الله ﷾ إلى السماء الدنيا الذي حدث به الرسول ﵊كما في المتفق عليه عن أبي هريرة - هو من معاني ربوبية الله، وهو أمر لم ندركه بالفطرة، بل أخبر به الرسول، ولما أخبر به قبلته الفطرة؛ لأنه كمال من كمال الله، والفطرة أصلها مبني على الإقرار بكمال الله كأصل كلي.\nوحتى لو رجعنا إلى التقسيم الثلاثي، وأخذنا موضوع الربوبية على معناه الخاص، فهناك مسائل هي داخلة في الربوبية، كتفاصيل أفعال الله وقضاء الله وقدر الله، ومع ذلك لا تعرف إلا بإخبار الرسل، ولا يستطيع أحد أن يعرف قبل إخبار الرسول ﵊ أن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات بخمسين ألف سنة، فهذا مما لا تعلمه الفطرة، بل الكتابة ليست أصلًا ضروريًا لكمال الله ﷾ لولا أن الرسل حدثت بها، بخلاف علمه ﷾؛ فإن معرفة أن الله سبحانه بكل شيء عليم تدركه الفطرة، لكنها لا تدرك تفاصيل الكتابة أن الله كتب وأنه يرسل الملك، الفطرة تقبلها نعم، ولا تعارض شيئًا مما جاءت به الشرائع، لا خبرًا ولا تشريعًا.\nوالمقصود أن التوحيد -سواء كان جهة الربوبية أو الأسماء والصفات أو الألوهية- كله فطري من حيث أصوله، وإن كان مقام الربوبية أظهر في تفصيل الفطرة من مقام الألوهية عند عامة الخلق، ليس في نفسه، وإنما عند عامة الخلق، لأن ضلال الناس في باب الألوهية أكثر من ضلالهم في باب الربوبية، وهذا أمر لا جدل حوله، فمشركو العرب جهة ضلالهم أكثر في الألوهية، ولهذا بعث الله الرسل يدعون إلى توحيده أي إفراده بالعبادة، لأن أصل الربوبية مُسلّم عند عامة الناس، لكن لا يفهم من هذا أن مشركي العرب أو غيرهم كانوا محققين للربوبية.\nليس هناك أمة مشركة تحقق ربوبية الله أبدًا، هذا ممتنع عقلًا وشرعًا؛ لأن كل من يعبد الأصنام، كمشركي العرب أو قوم هود أو قوم صالح، وكل من يعبدون غير الله ﷾، كل هؤلاء يعتقدون في معبوداتهم أنها تجلب كشف الكربات، وقضاء الحاجات، وأنها تنفع وأنها تضر، وهم يستسقون بها، ويستشفون بها، ويسألونها رد الغائب وشفاء المريض، مع أن مسألة رد الغائب، وشفاء المريض وكشف الكربة وقضاء الحاجة.\nواعتقاد النفع والضر هي من معاني ربوبية الله ﷿.\nإذًا هم صرفوا قدرًا من ربوبية الله لغيره، لكن في باب آخر، وهو المذكور في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف:٨٧] لا شك أنهم في هذا الأصل يقرون، أن الله هو الخالق وأنه الرازق.\nإذا قال قائل: إنهم لا يعتقدون في معبوداتهم أنها تنفع وتضر بذاتها، وإنما هي وسيلة، قيل: وحتى في عبادتها، فإنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] فحتى في باب الألوهية، يشركونها مع الله: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) ولهذا كان المشركون في طوافهم يقولون: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك).\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ أن مسألة الربوبية عامة بني آدم يقرون بها، لظهورها من جهة الفطرة عند المسلمين وغير المسلمين، لكن الإقرار ليس هو التحقيق، بل التحقيق: أن من حقق الربوبية أقر بالألوهية، وهذه هي طريقة القرآن، والله ما أخبر عن المشركين، بقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) من باب امتداحهم، إنما من باب إلزامهم، أن هذا الحق المجمل الذي عندكم -وهو الإيمان بأن الله هو الخالق- يستلزم التحقيق.\nوتحقيق هذا الإيمان المجمل في الربوبية يكون بتقرير الألوهية، ولهذا لا ترى أحدًا حقق ربوبية الله ﷾ تحقيقًا تامًا إلا ولزمه أن يؤمن بألوهيته ﷾.\nوأحيانًا يخطئ بعض طلبة العلم فيقول: إن توحيد الربوبية وحده هو الفطري، بخلاف توحيد الألوهية، ولذلك بعثت له الرسل.\nنعم بعثت الرسل لتوحيد الألوهية، لكن لا يعني هذا أن أصله ليس فطريًا، قال ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة).\nألسنا نقول الآن: إن عامة الأمم تقر بالربوبية، وقد قال الرسول ﵊: (فأبواه يهودانه)، إذا نقلاه عن الفطرة باليهوديه، مع أن اليهودي يقرون بالربوبية، فالرسول ﵊ يقول: (فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)، وفي لفظ: (أو يشركانه) أي: يقودانه إلى الشرك، وهو كذلك، حتى","vol":"13","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>الجمع بين مقامي العلو والمعية</span>\nقال المصنف ﵀: [وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:٤] أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق].\nنهى السلف عن التأويل الذي استعمله أهل البدع، وقد استشكل بعض المتكلمين المتأخرين ذلك وقالوا: إن السلف وقع في كلامهم مادة من التأويل، وذلك في مسألة المعية، حيث قالوا في آيات المعية العامة: إن الله مع الخلق بعلمه، وفي مثل قوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] أن هذا من باب المعية الخاصة، ومقتضاها النصر والتأييد، فقالوا: إن الأولى معناها العلم والإحاطة، والثانية معناها النصر.\nفظن المتكلمون أن هذا من باب التأويل، والأمر ليس كذلك؛ لأن التأويل باصطلاح أصحابه خروج عن المعنى الظاهر إلى المعنى الخفي لقرينة، أو خروج من حقيقة الكلام إلى مجازه، وآيات المعية ليس فيها خروج عن الحقيقة إلى المجاز ولا عن الظاهر إلى الخفي.\nولهذا من قال: إن قول السلف في معية الله العامة، أن الله معنا بعلمه، من قال: إن هذا تأويل، يرد عليه بعدة ردود.\nومن أخص الردود البينة القوية أن يقال: إذا كان هذا هو التأويل، فما هو الأصل؟ لأن المعتزلة حين قالوا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] استولى، قلنا: هذا تأويل، سيقول لك قائل: إذا سميت الاستيلاء تأويلًا، فما هو الحقيقة والأصل؟ تقول له: الحقيقة والأصل: العلو، فمعنى (استوى): علا على العرش.\nإذًا: إذا قال أهل البدع: إن السلف أولوا المعية، فقالوا: إن الله معنا بعلمه، قلنا لهم: إذا سميتم هذا تأويلًا كان ذلك التأويل هو المعنى المجازي للسياق، باصطلاح أهل التأويل، فما هو المعنى الحقيقي للسياق الذي خرجنا عنه؟\nفباتفاق الناس من أهل التأويل وأهل البدع أو من أهل السنة أن التأويل يستلزم أو يقتضي ثبوت أحد معنيين أحدهما الحقيقة أو الأصل أو الظاهر، وهو المتبادر، والثاني: إما أن يسمى مجازًا أو خفيًا أو خارجًا عن الأصل، لقرينة.\nإذا قال المعترض: إن قول السلف في المعية: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] أنها معية بنصره، هو من التأويل، قيل له: إذا سميته تأويلًا فمعناه أنه معنىً مجازي، فأين حقيقة السياق؟ وأين ظاهر السياق؟ وأين أصل السياق من جهة المعنى؟ هنا لا مكان عنده إلا أن يقول: إن ظاهر السياق أن الله مع أبي بكر ورسوله بذاته، قلنا: هذا لا يمكن أن يكون ظاهر السياق، لأن ظاهر السياق هو المعنى المتبادر ابتداء من جهة اللغة.\nومن جهة العقل، ولا يتبادر لغة ولا عقلًا، أن الله بذاته مع الرسول وصاحبه، بل هذا ممتنع عقلًا، فلما كان ممتنعًا عقلًا، امتنع أن يسمى حقيقةً، بل المتبادر عقلًا والممكن عقلًا -وهو الواجب عقلًا- أن الله ﷾ مطلع وحافظ وناصر لنبيه، ولهذا كل معية خاصة فهي تتضمن معنى المعية العامة ولا عكس، فقوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] معية خاصة، تتضمن الحفظ والنصر وتتضمن أيضًا العلم والإدراك والإحاطة، فليس هذا من باب التأويل، هذه جهة.\nالجهة الثانية: أن هذا ليس من باب التناقض أن الله سبحانه فوق سماواته، وأنه مع الخلق، لأن معيته بعلمه وفوقيته بذاته، وهناك فرق بين معنى الذات وبين معنى العلم، والمصنف هنا قال: لا توجبه اللغة؛ بمعنى أن كلمة (مع) في لسان العرب تقتضي مطلق المشاركة والمصاحبة بين الشيئين، ثم تكون هذه المصاحبة: إما بمعنى الذاتية، أو بمعنى العلم، أو بمعنى الإبصار، لا أحد يستطيع أن يحدد، إنما يقال: إن هذا بحسب ما يوجبه السياق، ولهذا لا يتعجب من بعض أهل البدع في ردهم على أهل السلف، يقولون: وظاهر آيات المعية أن الله بذاته مع الخلق، ثم يأتيك بقول من أقوال العرب في ذكر المعية الذاتية، وهذا غير ممتنع في لسان العرب، لكن السياق العربي يختلف.\nولهذا نجد في سياق كلام العرب ذكر المعية، ومعناها الإبصار، لا العلم ولا المخالطة الذاتية، مثل قولهم: (ما زلنا نسير والقمر معنا)، فهذه المعية ليست معية علمية ولا حفظًا ولا نصرًا ولا هي معية ذاتية، إنما معناها الإبصار.\nونجد في كلام العرب ذكرًا لحرف المعية، ويراد به الحفظ، أو النصر، أو العلم، أو المخالطة الذاتية، ولسنا نقول: إنه لا يوجد في لسان العرب مخالطة ذاتية، بل يوجد ذلك، لكن هذا مما يوجبه السياق، والمعية التي أضيفت إلى الله ﷾ يمتنع أن يَرِد في مقامها مسألة الاختلاط والحلول، لأن الله منزه عن هذا.\nهذه جهة أن تقول: إن الله منزه، ولك أن تقول: إنها جهة سمعية عقلية.\nومن جهةٍ عقلية أخرى: لأنه منزه عن الحلول والاختلاط ﷾ وتقدس عن ذلك، لأنه ممتنع، فهو ليس منفيًا بخبر الشارع، هو منفي بخبر الشارع، ولكنه أيضًا ممتنع عقلًا.\nقال المصنف ﵀: [بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر، أينما كان، وهو سبحانه فوق عرشه، رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع عليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته.\nوكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة].\nيعني المصنف ﵀ بذلك يعبر عن معاني صفاته في العلو وغيره بحروف القرآن والحديث، إلا أن يكون المخاطب يحتاج إلى تفصيل، فيعبر له بجمل من فصيح الكلام الذي ليس فيه إحداث وابتداع وليس فيه إجمال.\nولا تذكر الألفاظ المجملة الحادثة، في مقام صفاته ﷾، وإذا كان اللفظ مجملًا حادثًا، فهو يعرض عنه في تقرير عقيدة السلف.\nولهذا ينبغي الإعراض عن كلمة (ذاته) في المعية.\nوأحيانًا يقع السؤال: هل نقول: إن الله معنا (بذاته) معيةً علمية، فنذكر كلمة (ذاته) هذه على وفق قواعد السلف وقواعد الشرع والعقل؟\nفأقول: إن معرفته سبحانه يعبر عنها بأحرف الكتاب والسنة، وقد يبين المعنى المراد المذكور في الكتاب والسنة بحروف من فصيح الكلام الذي استعمله الأئمة، أو بفصيح الكلام الذي لم يستعملوه؛ بشرط ألا يكون هذا الحرف الذي لم يرد في الكتاب ولا في السنة مجملًا حادثًا.\nفإن الألفاظ المجملة الحادثة محل ذم عند السلف، فلا يجوزون استعمالها في أفعال الله وصفاته.\nوإذا رجعنا لكلمة (ذاته) نجدها مكونة من كلمتين: كلمة (ذات) مضافة إلى الله على معنى الصفة أو الفعل أو الوجود نفسه، وهي بهذا المعنى لا أصل لها في القرآن ولا في السنة، فهي إذن حادثة.\nالثاني منع استعمالها، والذي نهى السلف عن التعبير به هو اللفظ الذي جمع أمرين: الإجمال والحدوث، أما إذا كان حادثًا لكنه مفصل، فهذا لا بأس به، مثل قولهم: بائن من خلقه، فهذه الكلمة لم يقلها الرسول وليست في القرآن، لكنها من مفصل الكلام، فلا بأس بالتعبير بها، وكل لفظ مجمل حادث يمتنع التعبير به، فكلمة (ذاته) حادثة، وإن كانت وردت عن أبي هريرة في الصحيح: (لم يكذب إبراهيم النبي إلا ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله) فهذه لها معنى آخر، أي: في طاعة الله ونصرة دينه .. إلخ.\nأما كلمة (ذات) بمعنى الصفة أو الوجود نفسه فإنها لم ترد، فهي حادثة، لكن هل هي مجملة أم ليست مجملة؟\nالإجمال: إما أن يكون من أصل الوضع، وإما أن يكون بحسب الاستعمال وطروء الأقوال التي توجب إجمال حرف من الحروف.\nفكلمة (ذاته) إذا استعملت في مقام لا يحتمل الإجمال، كقولك: الله ﷾ بذاته فوق سماواته، كان هذا استعمالًا صحيحًا، وإن كان لفظ (ذات) حادثًا إلا أنه في هذا السياق مفصل، لا يحتمل باطلًا، بل أريد به تصريح بالحق؛ فإن المخالف قد يقول: الله في العلو، ولكن هذا العلو ليس علو الذات، فيحتاج أن يقال: (بذاته) أما إذا استعملت كلمة (بذاته) في سياق المعية، فإنها تكون مجملة، لأن أصحاب الحلول والاتحاد يقولون: إن الله معنا بذاته، فكلمة (ذاته) توهم حلولًا، فأصبحت من هذا الوجه في هذا السياق المعين مجملة، وهي -كما قلنا- حادثة، ففي سياق المعية ينطبق على كلمة (بذاته) أنها مجملة حادثة، فهي إذن مما لا يعبر به.\nوإن كانت المعية يمكن أن تفصل بمعنىً من الحق، فهذا باب آخر، ونحن نقصد هنا الحروف والألفاظ.\nولهذا يقال: لا يجوز التعبير بهذه الكلمة في سياق المعية؛ لأنها ليست من أصل النص ولا نطق بها القرآن ولا الحديث، ولما توهمه من الإجمال والإشكال.\nقال المصنف ﵀: [مثل أن يظن أن ظاهر قوله: (في السماء) أن السماء تظله أو تقله، وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان].\nبإجماع أهل العلم والإيمان وبإجماع العقلاء المؤمنين بحقه ﷾ أن الله ﷾ يمتنع أن يكون محتاجًا لشيء من مخلوقاته.\nقال المصنف ﵀: [فإن الله قد وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره].\nمحصل مسألة العلو هو أن الله فوق سماواته مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، وهو مع خلقه أينما كانوا مدركًا وعليمًا ومحيطًا وحافظًا وناصرًا لأوليائه المؤمنين، وأن المخالفين لهذا هم الجهمية ومن سلك سبيلهم من طوائف أهل البدع، وعباراتهم وألفاظهم في هذا شتى، منهم من يعبر فيقول: ليس له مكان، ومنهم من يعبر فيقول: لا داخل العالم ولا خارجه، وهذا تعبير ابن سينا ومنهم من يقول: لا يقال: إنه داخل العالم ولا يقال: إنه خارجه، وهذا تعبير مقلدة ابن سينا كـ الرازي، وفرق بين التعبيرين، ابن سينا وأمثاله يقولون: لا داخل العالم ولا خارجه، والرازي جاء وعدل في العبارة فقال: لا يقال: إنه لا داخل العالم ولا يقال: إنه خارجه، كإثبات نوع من الفرق بين قوله وقول الفلاسفة، وإلا فقوله في الأصل هو من جنس قول الفلاسفة.\nوقابل مذهب النفاة من أهل التعطيل مذهب أهل وحدة الوجود وأهل الحلول من غلاة الصوفية المتفل","vol":"13","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>إثبات أن الله قريب من المؤمنين</span>\nقال المصنف ﵀: [فصل: وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب من خلقه ومجيب كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦].].\nمن فقه المصنف أنه ذكر مسألة القرب بعد مسألة المعية، من باب ترتيب المعاني العلمية، والفرق بين قربه ﷾ وبين معيته أن الله ذكر معيته عامة وخاصة، وأما القرب فإنه لم يرد في الكتاب أو في السنة إلا على وجه من الاختصاص بالمؤمنين، ولم يذكر مضافًا إلى سائر الخلق، ولهذا تقول: الله ﷾ مع سائر خلقه، لكن لا تقول: إن الله قريب من سائر خلقه، وذلك لأن النصوص فرقت بين المقامين، فإن لفظ القرب يقتضي قدرًا من الرضى والقبول، ولهذا ما ذكر عن الله في القرآن إلا في حق أهل الإيمان: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦].\nقال المصنف ﵀: [وقوله ﷺ: (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)].\nالقرب هنا من هذا الوجه هو قرب خاص.\nويأتي ذكر القرب في القرآن، ويراد به قرب الملائكة كقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] فهذا فيه نزاع بين أهل العلم، منهم من يقول: قرب الله، ومنهم من يقول: إنه قرب الملائكة، وهذا هو الصحيح، لأن المقام هنا مقام عام، وهو انتزاع الروح، وهذا ما عُني شيخ الإسلام ﵀ بتقريره وأنه لا يصح هنا أن يقال: إنه قرب الله، بل القرب هنا قرب الملائكة، وهذا هو الذي يقتضيه الأصل في هذه الصفة ويقتضيه السياق.","vol":"13","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>إثبات القرب والمعية لا ينافي إثبات العلو والفوقية</span>\nقال المصنف ﵀: [وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليم في دنوه، قريب في علوه].\nفمن حقق الإيمان بهذه الجملة الشرعية العقلية أنه سبحانه ليس كمثله شيء، ذهب عنه جميع اللوازم التي تعرض لعقول من ضعف إيمانهم.\nوالله ﷾ لم يأمر الخلق أجمعين بالنظر، وإنما أمر بالنظر من استدعت حالته ذلك، بمعنى أنه اعترى فطرته وعقله الضروري قدر من الفساد، فهنا يؤمر باستعمال العقل النظري، لأن العقل النظري يستعمل فيه القياس الوسط، بخلاف الفطرة والعقل إذ ليس فيهما مادة من القياس، فقوله تعالى مثلًا: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥] لا يعني أنهم ينظرون في شيء لا يدرك إلا بالنظر، كما فهمت المعتزلة، فإن الشيء الذي نبهوا إليه مدرك بأصل الفطرة، وبدليل العقل الضروري.\nولكن من اختلت فطرته أو مدرك العقل الضروري عنده، فإنه يؤمر بالنظر.\nولهذا غلط الأئمة طريقة المعتزلة لأنهم قالوا: أول واجب على المكلف النظر، قالوا: لأنه تحصيل للحاصل، وتحصيل الحاصل ممتنع.\nفإن قالت المعتزلة: إن الله أمر بالنظر، قيل: أمر بالنظر في حق من سقط عنده مقام العقل الضروري ومقام الفطرة، وإلا فأصل مدرك العقل الضروري ومدرك الفطرة: أن الله ﷾ له الربوبية وله الألوهية، وله الكمال.","vol":"13","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>شرح العقيدة الواسطية [١٤]</span>\nمن صفات الله تعالى صفة الكلام، وهي صفة ثابتة بالعقل والشرع، فهو سبحانه يتكلم متى شاء، كيف شاء، وبما شاء، بحرف وصوت مسموع، والقرآن كلام الله، أنزله على نبيه محمد ﵊، هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة.","vol":"14","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>القرآن كلام الله غير مخلوق</span>\nقال المصنف ﵀: [ومن الإيمان بالله وكتبه: الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق].\nقال: (من الإيمان بالله وكتبه) ولك أن تقول: ورسله، لأن الرسول بعث بهذا القرآن، ولك أن تقول: وملائكته .. الخ.\n[ومن الإيمان بالله وكتبه: الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقةً لا كلام غيره].\nقوله: (وأن القرآن كلام الله) هذا هو صريح قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦].","vol":"14","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>الأدلة على اتصاف الله سبحانه بالكلام</span>\nوهو ﷾ موصوف بالكلام، وهذه من صفاته الثابتة بالعقل والشرع، ولهذا أبطل الله ألوهية العجل بأنه لا يتكلم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨]، فدل عقلًا على أن الإله الحق المعبود لابد أن يكون متكلمًا.\nفقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ دليل على أن الإله الحق يتكلم، وهذا من دلالة العقل.\nومن أدلة إثبات كلام الله ﷾: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] فكلامه سبحانه صفة من صفاته اللائقة به، وهو على الحقيقة، يتكلم سبحانه متى شاء كيف شاء إذا شاء، بحرف وصوت مسموع، وكلامه منزه عن مشابهة كلام الخلق كسائر الصفات.\nومن كلامه سبحانه هذا القرآن؛ كما يدل على ذلك صريح الآية: ﴿يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فالقرآن كلام الله منزل -أي: أنزله الله على نبيه محمد ﷺ- غير مخلوق، كما ادعت الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، وهذا باطل لأن القرآن من علم الله، وعلمه ﷾ يمتنع أن يكون مخلوقًا، وهذا من جوابات الأئمة كالإمام أحمد على المعتزلة: أن القرآن هو من علم الله، وعلمه ﷾ يمتنع أن يكون مخلوقًا، والقرآن علم، فهو تشريع وأخبار سابقة، وهذا كله علم، ولا يمكن أن يكون علمه ﷾ مخلوقًا.","vol":"14","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>الرد على القائلين ببدعة الكلام النفسي</span>\n[ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله حقيقة، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا، لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا، وهو كلام الله حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف].\nولا يجوز إطلاق القول أنه - أي القرآن- حكاية عن كلام الله أو عبارة عنه.\nفالسلف ﵏ كانوا يقولون: القرآن كلام الله، وهذه هي طريقة الصحابة، وما كان الصحابة ينطقون بكلمة (غير مخلوق)، لأن هذه البدعة لم تحدث في زمنهم.\nولما ظهر الجهمية وقالوا: إنه مخلوق، قال السلف والأئمة الذين أدركوا هذه البدعة في أواخر المائة الثانية: إنه غير مخلوق، فصار الناس على أحد طريقتين:\n- عامة المسلمين على مذهب سلف الأمة أن القرآن كلام الله ليس مخلوقًا.\n- الجهمية ومن وافقهم من أهل البدع على أن القرآن مخلوق.\nوفي آخر عصر الأئمة لما جاء عبد الله بن سعيد بن كلاب وأمثاله ممن يسمون متكلمة أهل الإثبات الذين ينتسبون للسنة والجماعة، أحدثوا في مسألة القرآن قولًا ثالثًا، ملفقًا من كلام المعتزلة والجهمية وكلام أهل السنة، فقالوا: (القرآن ليس مخلوقًا) هذا من كلام أهل السنة، ولكنهم لم يقولوا: إنه كلام الله فيتمموا الحق، بل قالوا: (حكاية عن كلام الله أو عبارة عن كلام الله)؟ قالوا: لأن كلام الله عندهم ليس بحرف وصوت، بل هو معنى يقوم في النفس.\nهذه الطريقة أحدثها ابن كلاب والأشعري وأمثالهما، وهي طريقة متعذرة عقلًا ونقلًا.\nويكفي في إسقاطها: أن المسلمين سنيهم وبدعيهم قبل ظهور ابن كلاب والأشعري وأمثالهما ما كانوا يرون أنه يمكن في هذا الباب إلا أن يقال: القرآن كلام الله بحرف وصوت، أو يقال: إنه مخلوق على قول الجهمية والمعتزلة، ولما عُلِم فساد قول الجهمية والمعتزلة عقلًا ونقلًا، عُلم أن الحق الممكن واحد.\nبمعنى آخر: أنه يكفي لفساد قول ابن كلاب والأشعري: أنه قد مرت القرون الثلاثة حتى كاد القرن الثالث ينصرم، ولم يوجد أحد يقول: إنه حكاية أو عبارة عن كلام الله وأن كلام الله معنى وليس حرفًا .. إلخ.\nما كان الناس يفقهون، لا من أهل السنة ولا من أهل البدعة، إلا أن الكلام يكون بحرف وصوت، فجاءت المعتزلة ونفته، وبقي أهل السنة على أصلهم في إثباته.\nإذًا: يكفي لإبطال مذهب الأشعرية أنه مذهب حادث، ولو كان هو الحق، للزم أن المسلمين بشتى طوائفهم لم يعرفوا الحق قبل وجود ابن كلاب والأشعري وأمثالهم، وهذا ممتنع عقلًا.","vol":"14","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>شرح العقيدة الواسطية [١٥]</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة أن أهل الإيمان يرون ربهم يوم القيامة عيانًا بأبصارهم، كما يرون الشمس ليس دونها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر، فيرونه في عرصات القيامة، ويرونه بعد دخولهم الجنة، وهذه الرؤية تعتبر أعظم نعيم لأهل الجنة.","vol":"15","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>مسائل الرؤية</span>\nقال المصنف ﵀: [وقد دخل أيضًا فيما ذكرناه من الإيمان به وكتبه وبملائكته وبرسله: الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عيانًا بأبصارهم، كما يرون الشمس صحوًا ليس بها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، يرونه سبحانه وهم في عرصات يوم القيامة، ثم يرونه بعد دخول الجنة كما يشاء الله تعالى].\nمن الإيمان بالله وبملائكته وكتبه ورسله: الإيمان بأن المؤمنين يرون ربهم ﷾ عيانًا بأبصارهم، كما يرون القمر ليلة البدر، وكما يرون الشمس صحوًا ليس دونها سحاب، لا يضامون في رؤيته.\nهذه الحروف هي من أحرف السنة النبوية، فإن النبي ﷺ ثبت عنه -كما في الصحيحين عن أبي سعيد وأبي هريرة وجاء في غيرهما من أوجه أخرى- أنه قال: (إنكم سترون ربكم، كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس صحوًا ليس دونها سحاب، لا تضامون في رؤيته).\nفالمصنف -وهذا من طريقته في رسالته، وهي طريقة محمودة- استعمل الأحرف النبوية في الجملة في هذا التعبير، وهذا مما يحسن أن يقصد إليه في تقرير العقيدة، أن تستعمل الأحرف المذكورة في كلام الله ورسوله ﵌.\nفمن صفاته ﷾، أن المؤمنين يرونه في يوم القيامة، كما ذكر المصنف، أي: في عرصات القيامة، وهذا قبل دخولهم الجنة، ويرونه ﷾ بعد دخولهم الجنة، على ما يشاء الله، أي: على ما يشاء الله ﷾ من التمكين لهم.","vol":"15","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>الأدلة على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة</span>\nرؤيته ﷾ مجمع عليها بين السلف، ونطقت بها النصوص في كتاب والله وسنة نبيه ﷺ، وهي مذكورة في القرآن في قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، ومذكورة في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] وإن كان حرف الزيادة مجملًا إلا أنه بتفسير النبي ﷺ له في الحديث الصحيح صار من صريح أدلة أهل السنة على إثبات رؤية المؤمنين لربهم؛ فإن النبي ﷺ قال: (فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم، وهو الزيادة، ثم تلا قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]).\nومن دليل الرؤية في كتاب الله قوله ﷾: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤] فإن السلام إذا قرن بالتحية، وذكر اللقاء فإن اللقاء هنا يتضمن المشاهدة والإبصار، وهذا ما ذكره ثعلب من أئمة اللغة، أنه قال: أجمعوا على أن اللقاء إذا قرن بالتحية والسلام، فإنه يتضمن المشاهدة بالإبصار، ولهذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] هذا في الإنسان عامة، ولا يلزم أن تدل هذه الآية على أن غير المؤمنين يرونه، لأن اللقاء المذكور في عموم الإنسان لم يذكر فيه التحية والسلام.\nكذلك تواتر ذلك عن النبي ﵌؛ حتى إن عدة من روى حديث الرؤية من الصحابة يبلغ الثلاثين، وهي مخرجة في الصحيحين والسنن والمسانيد وغيرها، وحديث الرؤية متواتر ومتفق على قبوله بين أهل العلم بالحديث، وكذلك بإجماع السلف، وقد حكى الإجماع غير واحد منهم.\nفهذه المسألة من أصل مسائل الصفات، وأنكرها الجهمية والمعتزلة، فقالوا: إنه لا يرى.\nوجاء متأخرو الأشعرية، فقالوا: إنه يرى لا في جهة، وهذا قول ثالث، من شذوذ المتأخرين من الأشاعرة عن عامة المسلمين، وإن كان قول المعتزلة والجهمية شرًا من قولهم، لكن فيه شذوذًا عن أئمتهم المتقدمين كـ أبي الحسن الأشعري، وعن عامة المسلمين قبلهم، حيث قالوا: يرى لا في جهة، وهذا من باب إثباتهم للرؤية مع نفيهم للعلو؛ فإن المتأخرين من الأشاعرة نفوا العلو وأثبتوا الرؤية فقالوا: يرى لا في جهة.\nوإن كانت هذه الجملة وهي قولهم: (يرى لا في جهة) قد يعبر بها من لا يقصد معناها من المتأخرين، فقد عبر بها بعض شراح الشافعية وبعض فقهائهم، حيث دخلت عليهم من أصحابهم المتكلمين، ولا يلزم أن يكون من نطق بها -كـ النووي مثلًا في شرحه على مسلم وأمثاله- ممن ينكر علو الله، فإن هذه الجملة استعملها أصحابها الأشاعرة، فظنوا أن تحقيق الإثبات للرؤية مع تنزيه الله لا يكون إلا بهذه الطريقة.\nإذًا إذا تكلم بهذا الحرف أو بهذه الجملة متكلموهم كـ الرازي وأمثاله، فإنه يريد بها نفي العلو، وإذا تكلم بها فقهاؤهم وبعض حفاظهم المتأخرين، فلا يلزم أنهم يقصدون بها نفي العلو، وإنما ظنوها هي الطريقة المحققة عند أصحابهم.\nوالنووي وأمثاله لم يكن على سعة في الاطلاع على تفاصيل أقوال المتقدمين في مثل هذه المسائل، ولم يتبين الفرق بين طريقة متأخري الأشاعرة ومتقدميهم، فضلًا عن الفرق بين طريقة الأشعرية وطريقة السلف الأول، فهذا القدر ينبغي أن يعنى به في تقرير أقوال أهل العلم من الفقهاء وشراح الحديث الذين وافقوا أصحابهم من المتكلمين الذين يشاركونهم إما في المذهب الفقهي أو في جمل من المذهب العقدي، وإن كانوا لا يقصدون إلى تحقيق أقوالهم في هذا الباب أو ذاك.\nفهذا ما يتعلق بأصل هذه المسألة وقدرها عند السلف، وأنها إجماع متواتر.\nوفي باب الرؤية ثلاث مسائل:","vol":"15","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة</span>\nهذه المسألة وهي أصلها وأشرفها، وهي: أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عيانًا بأبصارهم، كما يرون القمر وكما يرون الشمس صحوًا ليس دونها سحاب، لا يضامون في رؤيته: أي لا يتكاثر بعضهم على بعض لانتزاع الرؤية، وقد مثل النبي -في حديث أبي رزين الذي رواه الإمام أحمد وغيره- برؤية الناس إلى القمر، فإن القمر جميع الناس يراه مخليًا به، ومع ذلك فإن الناس إذا أرادوا رؤية القمر أو رؤية البدر، لا يتدافعون إلى رؤيته مع أنه واحد وهم كثر؛ بل كل يراه على سعة من أمره.","vol":"15","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>أدلة المعتزلة على نفي الرؤية</span>\nفي كتاب الله آيتان احتجت بهما المعتزلة ونفاة الرؤية، وهما قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] وهذه الآية من أشهر حججهم على إنكار الرؤية، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] فاحتجوا بهاتين الآيتين على إنكار رؤيته.","vol":"15","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>الرد على استدلال المعتزلة</span>\nالصواب: أن الآيتين ليس فيهما دليل على ذلك.\nوللرد على ذلك نقول: من المعروف في طرق النظر والمنطق: أن الدليل الذي يرد من المعارض إما أن يجاب بمنعه، وإما أن يجاب بنقضه، وإما أن يجاب بقلبه، إلى غير ذلك من الصور، وأقواها القلب، أي: قلب الدليل.\nوثمة قاعدة: أنه ما من دليل من العقل أو النقل يستدل به المعارض لمذهب أهل السنة والجماعة على قول من أقواله، إلا ويعلم أن هذا الدليل النقلي أو العقلي لا يدل على قوله، والعلم بعدم دلالة الدليل من النقل أو العقل على قول هذا المبتدع أو المخالف علم ضروري، ووجه كونه ضروريًا من جهة كون النقل -الكتاب والسنة- يمتنع أن يدل على الباطل، فإنه لو فرض جدلًا أن الدلالة ممكنة أو صحيحة للزم أن الباطل في هذه المسألة يلزم أن يكون صحيحًا أو على أقل تقدير يمكن أن ينتزع وجهًا من كلام الله أو كلام رسوله.\nولهذا -وهذا علم بدهي- كانت سائر الأدلة التي يستدل بها المخالف للحق من الكتاب والسنة لا تدل على كلامه لتعليل عقلي ضروري، وهو أن الحق -وهو النقل- لا يمكن أن يدل على الباطل، ولا يقتضيه، ولا يسوغه ولو على جهة الإمكان العامة.\nوالعقل كذلك، فما من دليل عقلي يستدل به المخالف على قوله، إلا ويعلم أن هذا الدليل إما أن يكون ليس عقليًا، وإذا صح كونه عقليًا امتنع دلالته، فإما أن يفسد كونه عقليًا: أي يُبطل بالعقل، وأن العقل يمنع الدليل من جهة العقل نفسه، بمعنى أنه لا يمكن أن العقل يدل على نقيض الحق؛ فهذا ما يسمى بمنع الدليل، فتكون قاعدته: أنه ما من دليل من العقل أو النقل استدل به مخالف للحق إلا ويعلم عدم دلالته، فالنقل يعلم أنه ليس بدليل، أو أن النقل لا يكون صحيحًا كحديث موضوع يروى وهو ليس بصحيح، أو يكون العقل عقلًا ليس صحيحًا، وإنما هو قياس فاسد أو وهم من أوهام العقل.\nوتعلم أن الدليل الذي يسمى عقلًا -حتى عند أصحابه- ليس وجهًا واحدًا.\nوهنا جهة أخرى، وهي ما يسمى بقلب الدليل، وابن تيمية ﵀ يقول: إنه ما من دليل من النقل، استدل به المخالف على قوله إلا وهو عند التحقيق يدل على نقيض قوله، وهذه درجة ما يسمى قلب الدليل، وقلب الدليل ليس -عند التحقيق- لازمًا، وإنما اللازم أن الدليل لا يدل على الباطل، أما أن الدليل المعين الذي استدل به على الباطل يدل على الحق، فهذا ليس بلازم، كضرورة شرعية أو كضرورة عقلية، وليس بدهي التحصيل، ولهذا ابن تيمية يقول: إنه تحصل له أنه ما من دليل استدل به معارض في مسائل الصفات وغيرها إلا وهو عند التحقيق يدل على نقيض مقصوده، أي: يدل على الحق.\nواستعمل لهذا كلام المعتزلة في هذا الدليل، فقال: إنهم استدلوا على إنكار الرؤية بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن هذه الآية جاءت في سياق المدح، وهذا بدهي، قال: والمدح لا يكون بالعدم المحض، إنما يكون بالأوصاف الثبوتية، سواء كان هذا الثبوت ثبوتًا جاء على طريقة الابتداء، أو جاء ثبوتًا متضمنًا لنفي، يعني تركب مع نفي، بمعنى أن النفي المحض حقيقته أنه عدم محض، والعدم المحض يقول ابن تيمية: ليس شيئًا، وإذا كان ليس شيئًا امتنع أن يكون مناطًا للكمال؛ لأن مناط الكمال لا بد أن يكون معنىً وجوديًا، أو معنىً ثبوتيًا، ومن هذه الجهة قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الكمال لا يكون بالنفي المحض، بل لا بد أن يتضمن أمرًا ثبوتيًا.\nقال: فلما قال سبحانه: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] لا بد أن يكون تضمن معنًا ثبوتيًا، ومن هذا الوجه يقرر ابن تيمية ﵀ أن الآية تدل على أن الله ﷾ لا تدركه الأبصار، وإن كانت تراه.\nبهذا التحقيق يكون الدليل مُنعت دلالته على طريقة المعتزلة وصار دليلًا للحق، هذه الطريقة التي استعملها شيخ الإسلام، أشاد بها ابن القيم ﵀، وذكر أن الإمام ابن تيمية له هذا الوجه الحسن، وهو وإن كان ذكر هذا، لكنه نقله عن غيره، وقد ذكر هذه الطريقة أبو الحسن الأشعري في إثبات الرؤية، وقال: إن المعتزلة يجاب عليهم بهذه الطريقة، لكن لك أن تقول: إن تقرير شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لهذا الوجه في الآية أجود من تقرير أبي الحسن الأشعري، ولكن أصل التقرير هو لـ أبي الحسن الأشعري، وقد يكون الأشعري نقله عن غيره من علماء أهل السنة والجماعة.\nفالمقصود: أن الآية نفت الإدراك، والإدراك -كما يقول ابن تيمية - قدر زائد على أصل الرؤية، فلما خص القدر الزائد بالنفي دل على أن ما دونه يكون ثابتًا.\nالآية قالت: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] والإدراك البصري هو تحقيق الإبصار، وليس مطلق الإبصار، فإنك تقول: رأيت فلانًا، ولا يلزم أنك أدركته، إنسان رأى قادمًا من بعيد لا يلزم أنه أدركه، أهو رجل أو امرأة، وإذا كان رجلًا أهو زيد أم عمر، ففرق بين مطلق الإبصار وبين تحقيقه بالإدراك.\nوالآية إنما نفت القدر الزائد على الأصل، قال شيخ الإسلام: فلما خص القدر الزائد بالنفي، وهو الإدراك، دل على أن ما دونه وهو مطلق الإبصار يكون ثابتًا، فصارت الآية دليلًا على إثبات الرؤية، وهذا استدلال متين من جهة العقل والشرع.\nوكذلك الآية الثانية عند المعتزلة ونفاة الرؤية، وهي قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] قالوا: إن الله نفى رؤيته، و(لن) في لسان العرب تقتضي تأبيد النفي، وهذا محله النظر في كلام العرب، وإذا اعتبرت كلام العرب فالتحقيق أن (لن) وإن كانت تقتضي تأبيد النفي في بعض سياقاتها، إلا أنها لا تستلزم تأبيد النفي، ولهذا ليس من الصواب أن يقال: إن (لن) في كلام العرب لا تقتضي تأبيد النفي، وهذا من أجوبة النقض البسيطة التي ليست صحيحة، بل (لن) تقتضي التأبيد في بعض سياقاتها، وإنما الصواب يقال: إن (لن) لا تستلزم التأبيد، وإن كانت تقتضيه بحسب ما يوجبه السياق، وهذا السياق -وهو قوله: (لَنْ تَرَانِي) لا يقتضي التأبيد؛ لأن المخاطب موسى ﵊، وهو في حالٍ من دنياه وحياته الدنيوية، فهو في هذه الحال لن يرى ربه، أي: في حال حياته ودنياه، ولا يدل هذا على أن موسى ﵊ لن يرى ربه في الآخره، ولا دليل على ذلك من السياق، إنما انتزعته المعتزلة من هذا الحرف في العربية، وهو (لن)، ولو كانت (لن) تستلزم تأبيد النفي، لما جاز تحديد الفعل بعدها، لأن تحديد الفعل يقتضي قطع الغاية إلى منتهى معين، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف:٨٠] فلما جاز تحديد الفعل بعدها في لسان العرب فيما نطق به القرآن، والقرآن نزل بلسانهم، دل على أن (لن) لا تستلزم تأبيد النفي، وإن اقتضته في بعض السياقات، وهذا السياق في قصة موسى ليس منها.\nهذا ما يسمى بمنع الاستدلال، وهناك وجهٌ آخر وهو ما يسمى بقلب الاستدلال، وهذا أيضًا وجه ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وذكره أبو الحسن الأشعري وغيرهما، وإن كان ذكر شيخ الإسلام أتم له.\nوهذا من أوجه: من أخصها وأجودها أن موسى سأل ربه أن يراه، ولو كانت رؤيته ﷾ ممتنعة كما تقول المعتزلة والجهمية منكرة الرؤية، لكان القول برؤيته نقصًا في حقه ﷾، فيلزم أن موسى لم يكن عارفًا بتوحيد الله معرفةً تامة والمعتزلة وجميع منكرة الرؤية لا يقولون: إن الرؤية منفية؛ لأن النصوص لم تنطق بها، بل يقولون: إن الرؤية ممتنعة؛ لأن كمال الله يأبى ويمنع الرؤية.\nفلو كان الكمال كما يدعون يمنع رؤيته، فنقول: إن مجرد سؤال موسى ﵊ يعد دليلًا صريحًا على الإمكان.\nوالمعتزلة يقولون: من زعم أن الرؤية ممكنة كفر؛ فهم يرون أن هذا من نقص الله، وأن هذه كلمة كفر، ومجرد الزعم أن الله يمكن أن يُرى، حتى لو قال قائل: أنه لن يرى، مجرد تقرير الإمكان يعتبرونه تقريرًا لنقص الله.\nفموسى بسؤاله قرر الإمكان، وإذا تقرر الإمكان، فهذا هو مورد النزاع المحقق بين المعتزلة وأهل السنة، لأن المعتزلة ليس الإشكال عندهم النفي فقط، بل عندهم مقام فوق النفي وهو تقرير الامتناع.\nولهذا نقول: إن المعتزلة لا يمكن أن تستدل عند التحقيق بآية من القرآن على قولها، حتى لو سلمنا جدلًا باستدلالهم بقوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) وبقوله: (لَنْ تَرَانِي) فالآيتان لا تدلان على مذهب المعتزلة، فالآيتان نفتا، والمعتزلة لا تنفي، وتسكت عن القول في مسألة الإمكان، وتقول: الله أعلم بالإمكان، بل هم يصرحون بامتناع الرؤية، أي يصرحون بنفي الإمكان، والآية نفت الوقوع ولم تنف الإمكان، بل آية موسى ﵊، فيها تصريح بالإمكان؛ لأن سؤال موسى تقرير للإمكان، ولو كان موسى ﵊ يؤمن بأن الله ﷾ لا تمكن رؤيته، لما سأل ربه، ولو كان من تحقيق التوحيد امتناع رؤيته، كما تقول المعتزلة، وهذا يجعلونه من أصول التوحيد، ويسمونه باب الصفات، لو كان من توحيد الله أنه لا يرى وأن رؤيته ممتنعة للزم أن موسى بتقريره للإمكان كان جاهلًا بتحقيق التوحيد، وهذا ممتنع.\nإذًا: سؤال موسى ﵊ هو تقرير للإمكان، وهذا هو أصل مبدأ الإبطال لقول المعتزلة.","vol":"15","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>مسألة رؤية الكفار والمنافقين لربهم في عرصات القيامة</span>\nالكافرون والمنافقون في يوم القيامة يلقون ربهم فهل يرونه أو لا يرونه؟\nهذه مسألة نزاع بين أهل السنة، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أنه لم يحفظ عن الصحابة فيها قول، وكأنه يقصد -والله أعلم- أن الصحابة لم يشتهر نزاعهم في المسألة، وإلا فظواهر النصوص تكلمت في هذه المسألة، وعلى كل تقدير فإن بين أهل السنة نزاعًا في هذه المسألة، فمنهم من قال: إن المنافقين وحدهم من الكفار يرون ربهم في عرصات القيامة، ومنهم من قال: إن سائر أجناس الكفار يرون ربهم، ومنهم من قال: إنه يراه المنافقون وغبرات أو بقية من أهل الكتاب، ومنهم من قال: إن سائر الكفار من أهل النفاق وغيرهم لا يرونه.\nوإذا نظرت في القرآن وجدت أن الله ﷾ يقول عن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] هذا هو الظاهر في هذا المسألة، وهو الذي مال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: إن عليه الأكثر من أصحاب أحمد، وهو ظاهر مذهب المتقدمين من السلف كـ مالك والشافعي وأحمد.\nوهو ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].\nوأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] فإن اللقاء ليس هو الإبصار، وفرق بين هذه الآية وبين قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤] وابن القيم رحمة الله عليه.\nاستدل على رؤية الكفار لربهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] وقال: إن أهل اللغة مجمعون على أن اللقاء، يستلزم أو يتضمن الإبصار، وهذا ليس بصحيح، فأهل اللغة لم يجمعوا، ولا يعقل أن أهل اللغة يجمعون على هذا المعنى؛ لأنه معنىً ظاهر من الحس، إنما المجمع عليه في كلام العرب أن العرب إذا عبرت بلقاء قرن بالتحية والسلام قصدت أن اللقاء جامع إبصارًا ومشاهدة، وهذا من تعبير العرب، وهو الذي ذكره ثعلب في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤] وابن القيم كأنه فاته هذا الفرق والله أعلم.\nأما السنة ففي ظاهر بعض النصوص أن المنافقين وغبرات من أهل الكتاب يرونه، والحديث وإن كان في الصحيحين إلا أنه عند التحقيق لا تستتم به الدلالة.","vol":"15","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>مسألة رؤية النبي ﵊ لربه في ليلة المعراج</span>\nأجمع المسلمون أنه لا أحد يرى ربه قبل موته، ولهذا كل ما يذكر في كلام الصوفية أو غيرهم، فإنه من الشعوذة والكذب والبهتان، ومما ينزه الله ﷾ عنه، وإنما اختلف المسلمون فقط في محمد ﷺ لما عُرِج به إلى السماء، فليس ذلك في الأرض، وهذا مما يبين أنه حتى النبي ﷺ في الأرض ما رأى ربه، ولا زعم أحد من أهل العلم أن محمدًا رأى ربه وهو في الأرض، إنما لما عرج به ﵊ إلى السماء، هل رأى ربه في معراجه أو لم يره؟\nهذه مسألة نزاع بين أهل السنة المتأخرين، وينبه فيها إلى جهتين:\nالجهة الأولى: أن أكثر المتأخرين من الفقهاء وشراح الحدايث، يذكرون أن جمهور أهل السنة أو عامة أهل السنة على أن النبي ﷺ رأى ربه ببصره ليلة المعراج، هذا الذي يذكره -مثلًا- أمثال القاضي عياض، وعنه نقله الشراح من بعده خاصة شراح مسلم، والقاضي عياض هو من المالكية الكبار.\nوالمقصود أن هذا ليس بصحيح، وليس هذا مذهبًا لجمهور أهل السنة، وإنما هو قول لطائفة.\nوأما تحقيق المسألة: فقد حكى الدارمي وهو من المتقدمين، إجماع الصحابة على أن النبي ﵊ لم ير ربه ببصره ليلة المعراج، وهذا إجماع حكاه الدارمي وهو إمام متقدم، فهل يُقال: إنه إجماع منضبط أو ليس منضبطًا؟.\nالصواب: أنه لم يحفظ عن أحد من الصحابة منازعة لهذا الإجماع.\nوإنما الذي حفظ عن ابن عباس وطائفة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنهم قالوا: إن النبي ﷺ رأى ربه بفؤاده، وهناك رواية أخرى عن ابن عباس صحيحة أن النبي رأى ربه، قال شيخ الإسلام: فـ ابن عباس يروى عنه التقييد بالفؤاد والإطلاق، قال: ولم ينقل عن ابن عباس أو غيره من الصحابة إثبات الرؤية مقيدة بالإبصار، بل هذا قول متأخر، ولهذا يميل شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن إجماع الدارمي مستقر، وإن كان القطع بالإجماع ليس ضرورة، لأنه يستلزم التغليظ بالإنكار على من خالف.\nوالمسألة مشهورة النزاع عند المتأخرين من أهل السنة، وإنما يقرر الدليل على أنه قدر من الإجماع السكوتي المستقر كحجة في المسألة، ولا يُقال: إن من قال: إن النبي رأى ربه ليلة المعراج، فهو من أهل البدع، كلا.\nفالمسألة فيها سعة من الخلاف، وإن كان الأظهر من حيث مذهب الصحابة هو ما ذكره الدارمي، فإن لم يكن إجماعًا فهو مذهب عامة الصحابة، وهذا يبين لك أن ما ذكره القاضي عياض ﵀ وأمثاله ليس محققًا.\nوأيضًا نقول: إن هذا هو ظاهر القرآن وكأنه صريح السنة، أما أن ظاهر القرآن أن النبي لم ير ربه ببصره، فلأن الله ﷾ قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] فلو كان الله ﷾ أراد أن نبيه يراه ببصره لكان امتنانه وإشادته ﷾ برؤيته أظهر وأعظم وأمن من رؤية الآيات.\nوأيضًا: فإن الله لما ذكر حال نبيه وما وصل إليه، قال: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨]، ولو كان ﵊ تحصل له الرؤية البصرية لربه، لكان ذكرها أخص من باب أولى من رؤية الآيات، فتأمل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨] فلو كان رأى ربه لذكر ذلك؛ لأنه أمن وأشرف من رؤية الآيات، فهذا ما يسمى ظاهر القرآن.\nوأما ما يمكن أن يكون صريحًا من السنة فهو حديث أبي ذر الذي رواه مسلم وغيره: أنه قال: (يا رسول الله! رأيت ربك؟ قال: نورٌ أنى أراه).\nوفي رواية أخرى عن أبي ذر عند مسلم -وكلاهما عن عبد الله بن شقيق - أن النبي ﷺ قال: (رأيت نورًا)، ومن أهل العلم من اعتبر وجهًا محفوظًا والآخر شاذ، كما هي طريقة الإمام أحمد، وعلى طريقة مسلم فكأن الروايتين ليس بينهما قدر من التعارض، فمن حيث المعنى لا تعارض، والمتقدمون لا يعلون بجهة التعارض في المعنى كما يفهم، ليس بالضرورة أن الإمام أحمد أعل أحد الوجهين، لأن بينهما تعارضًا من جهة المعنى، فإن الإعلال يمكن أن يقع على بعض الأحرف، وإن كان يمكن جمعه من جهة المعنى مع الحرف الذي يُقال إنه محفوظ، وإلا فإن قوله: (نورٌ أنى أراه) ليس منافيًا لقوله: (رأيت نورًا)، فإن النبي ﷺ قال كما في حديث أبي موسى في الصحيحين: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور)، فكأن النبي -والله أعلم- رأى هذا الحجاب، أو نور الحجاب ولم ير ربه ببصره، هذا هو الأظهر من جهة الدلائل.","vol":"15","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>شرح العقيدة الواسطية [١٦]</span>\nمن أركان الإيمان الإيمان باليوم الآخر، وبما يكون بعد الموت من فتنة القبر ونعيمه وعذابه، وهذا الباب ليس فيه مخالفة بين طوائف المسلمين، وعقيدة أهل السنة في ذلك أن الموت أول منازل الآخرة، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الله يناجي عباده المؤمنين، كما يعتقدون بحوض النبي في عرصات القيامة، والعبور على الصراط، والوقوف على قنطرة بين الجنة وا لنار، ثم دخول الجنة للمؤمنين بعد أن يستفتح لهم نبينا محمد ﷺ ويكون أول الداخلين.","vol":"16","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>الإيمان باليوم الآخر وبما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه ونعيمه</span>\nقال ﵀: [فصل: ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت فيؤمنون بفتنة القبر وعذاب القبر ونعيمه].\nهذا الباب وهو اليوم الآخر وما يكون من مقدماته، ليس فيه -في الجملة- مخالفة بين طوائف المسلمين، وإن كان كثير من الطوائف يفوتهم الإقرار أو العلم بكثير من مسائل هذا الباب، لما دخل عليهم من شبهة أن خبر الآحاد لا يحتج به في العقائد، فتركوا كثيرًا من مفصل الحق، ولم يعتبروه، فضلًا عن كون عامة أهل البدع ليسوا من المعروفين بالرواية والإسناد، فإنك إذا نظرت إلى علماء المعتزلة أو الخوارج، وأمثال هؤلاء، وجدتهم في الغالب ليسوا من أئمة الرواية، والذي كتب السنة وصنفها وأصلها ورواها هم أئمة السنة والحديث، كـ البخاري وأحمد ومسلم وأمثال هؤلاء.\nوإن كان في بعض الطوائف المتأخرة منهم من الحفاظ، إلا أنهم ليسوا بمقام أئمة الرواية الأوائل، فالمقصود أن هذا الباب في الجملة محل استقرار، وإن كان يفوت بعض الطوائف أو ينقصهم التفاصيل من هذا الوجه في الغالب، وقد يكون من وجه آخر، وهناك مسائل في باب اليوم الآخر، دخلها قدر من التأويل، ولا سيما المتعلقة بمسائل الوعيد وعذاب القبر وفتنته .. إلخ.\nوفي الغالب أن التأويل لشيء من هذا الباب يقع عند المعتزلة؛ بخلاف غيرهم، فإنهم في الجملة يقرون بكلام أهل السنة في هذا الباب.\nقال ﵀: [فأما الفتنة، فإن الناس يمتحنون في قبورهم، فيقال للرجل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فيقول المؤمن: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد ﷺ نبيي.\nوأما المرتاب: فيقول: هاه هاه لا أدري! سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة فيسمعها كل شيء إلا الإنسان، لو سمعها الإنسان لصعق].\nوالمرتاب المراد به هنا المنافق.\nوكلام بعض الشراح أن المرتاب هنا العصاة أو من عنده نقص في الإيمان، يفترض ألا يقال أصلًا، لأن المسلم الذي يصدق عليه أنه مسلم مهما كان فاسقًا يعرف أن ربه الله، وأن نبيه محمد ﷺ، وأن الإسلام هو دينه، وإن كانت المسألة كما هو معروف ليست مسألة وعي علمي، فإنه حتى الكافر قد يحفظ هذه الكلمات، ولكنه لا يستطيع أن يقولها حينما يسأل هذا السؤال.\nوالمقصود هنا من قوله: (المرتاب) هو الكافر الذي لم يؤمن بالله ورسوله ودين الإسلام، وأما المسلمون جميعًا فإن الله يثبتهم على هذا الجواب، وإن كان التثبيت على هذا الجواب لا يعني أن العبد يسلم من العذاب في القبر أو بعد القبر إلى ورود يوم القيامة، فالمقصود أن هذا التفسير لا يمكن أن يعتبر بوجه صحيحًا أبدًا.\nوبعض الأقوال ترى في كلام المتأخرين، إذا تبين أنها مناقضة للحق ومناقضة للصواب فيجب أن تستبعد ولا ينصب الخلاف، لأن هذا مما يشكك نفوس المسلمين.\nالآن بعض العامة من المسلمين ما عندهم إدراك لفضل الله ﷾، خوفوا بالوعيد وأسمعوا آيات الوعيد التي نزلت في الكفار، وأصبحوا لا يتصورون القبر إلا نارًا أو عذابًا .. إلخ.\nالناس يجب أن يعلموا فضل الله ﷾، وأن رحمته سبقت غضبه، وأن يعلموا أن قضاءه ﷾ عدل، وأنه عدل، وأنه لا يظلم مثقال ذرة.\nفالمقصود أن الله يثبت المؤمنين، أي: المسلمين جميعًا، وهم كل من وافى ربه محققًا للتوحيد، كما قال النبي ﷺ: (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه)، كما في البخاري لما سأله أبو هريرة.\nمع أن صاحب المعصية قد نقص تقريره وتحقيقه لعبادة الله ﷾ بتركه لبعض الواجبات، ومع ذلك قال النبي ﷺ: (إن له حظًا من الشفاعة) والنبي يشفع له، مما يدل على أنه موحد، فكل من وافى ربه بالتوحيد والإسلام، فإنه يمكّن من هذا الجواب بإذن الله تعالى.\nقال: [ثم بعد هذه الفتنة: إما نعيم وإما عذاب، إلى أن تقوم القيامة الكبرى، فتعاد الأرواح إلى الأجساد].\nخلافًا لطائفة من المعتزلة زعمت أنه بعد هذا السؤال يبقى الناس في سبات في قبورهم إلى أن تقوم الساعة، فهذا ليس صوابًا، والقرآن صريح أن ثمة نعيمًا وثمة عذابًا في القبر، قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦] الآية في حق آل فرعون وكفرة قوم موسى، وإذا كانوا يعرضون على العذاب، فمن باب أولى أن الصالحين المؤمنين يعرضون على النعيم، بل أرواحهم في الجنة، كما ذكر ذلك النبي ﷺ في حق طوائف من المؤمنين كالشهداء وغيرهم.","vol":"16","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>الإيمان بما يكون في يوم القيامة من بعث ونشور ووزن للأعمال</span>\nقال المصنف ﵀: [وتقوم القيامة التي أخبر بها الله في كتابه وعلى لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلًا، وتدنو منهم الشمس، ويلجمهم العرق، فتنصب الموازين، فتوزن بها أعمال العباد، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣]].\nهذه مسألة القيامة، وهي كما ذكر المصنف مجمع عليها بين المسلمين، ولكن ثمة معنى، أنه ما من أصل أجمع المسلمون عليه إلا وترى في كلام أئمة السنة والجماعة -وأخصهم الصحابة ﵃- من الفقه والعلم في هذا الأصل ما لا يقع لغيرهم، فيكون لهم الاختصاص من هذا الوجه، حتى في الأصول المتفق عليها؛ من جهة سعة العلم والفقه في هذه الأصول، وإن كان غيرهم قد يوافقهم عليها، فالقيامة محل إجماع بين سائر طوائف المسلمين، لم يختلف أحد منهم عليها.\nوذكر المصنف أن الناس يقومون من قبورهم حفاةً عراة، هذا كما وصف الرسول ﷺ.\n(وتنصب الموازين) والموازين ثابتة بالإجماع: وهي في قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧] فالموازنة ثابتة بالإجماع.\nوأما قوله: (فأما من ثقلت موازينه)، فهذا مذكور في القرآن في غير مقام في سورة القارعة والمؤمنون والأعراف، وهذا المقصود به الإيمان والكفر، وسياقها في القرآن على الإيمان والكفر، ولا يعني هذا أن من كان مسلمًا عاصيًا لا يكون له موازنة، بل يدخل في عموم الموازنة، وإنما المقصود التنبيه على ما ذكره ابن حزم وابن القيم من أن عصاة الموحدين توزن أعمالهم، وابن القيم ناقل عن ابن حزم في المسألة، يقول ابن حزم: بالنسبة لعصاة الموحدين وأهل الكبائر من المسلمين- من زادت حسناته على سيئاته بواحدة، فهذا لا يعذب، بل يدخل الجنة ابتداءً، ومن زادت سيئاته على حسناته بواحدة، فلا بد أن يعذب بقدر ما يشاء الله من العذاب، قال: ومن تساوت حسناته مع سيئاته، فهذا لا يعذب، ولا يدخل الجنة ابتداءً بل يحبس عن الجنة زمنًا ثم يمكن من دخولها.\nوهذا التفصيل قال عنه الإمام ابن القيم ﵀: إنه مذهب الصحابة والتابعين، وأن خلافه قول المرجئة، والصواب: أنه ليس مذهبًا للصحابة والتابعين، بل هو تفصيل لقول مجمل من أقوال الصحابة، وإنما الذي عليه الصحابة والتابعون -وهو صريح القرآن- هو الإيمان بالموازنة كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧] أما كيف تكون هذه الموازنة؟ فالكيفية في حق عصاة الموحدين لم تنطق به النصوص المفصلة، إنما نؤمن بأن الله سبحانه لا يظلم مثقال ذرة، ونؤمن بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] أما أن يقال: إن من زادت سيئاته على حسناته واحدة، من المسلمين فإنه يعذب في النار جزمًا، فهذا قول لا أحد يستطيع أن يقوله، ومن الذي أدراك أنه لا بد أن يعذب؟! والله ﷾ واسع الرحمة وواسع المغفرة، وقد يغفر الله له هذه السيئة الواحدة التي زادت، فكيف تجزم له بالعذاب، فهذا ليس بصحيح؛ أين عفو الله؟ ومن الذي يستطيع أن يجزم بهذا الكلام؟ لو كانت النصوص نطقت به لقلنا: قضاء الله وقدره، والله ﷾ يقول: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ [يونس:١١] أما والنصوص لم تنطق بشيء من ذلك، فهذا لا يجوز الجزم به، وإن ذكره ابن القيم ﵀، فهو نقله عن ابن حزم، ولكن ابن القيم زاده تقريرًا، وقال: هذا مذهب الصحابة، وهو عن جابر بن عبد الله وابن مسعود، وابن عباس في تفسير آية الأعراف: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف:٤٦].\nوهذه مسألة أخرى: أن من تساوت حسناته مع سيئاته من أهل الإسلام يحبسون عن الجنة ولا يعذبون، لا يعذبون لأن سيئاتهم لم تزد، ولا يدخلون ابتداءً لأن حسناتهم لم تزد، فقالوا: يحبسون، وما أدراك أنهم يحبسون؟! وأما القول بأنهم ذُكِروا في قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف:٤٦] فالذين في سورة الأعراف ليس في القرآن إلا أنهم رجال، أما ماهيتهم، فقد قال كثير من السلف: إنهم قوم تساوت حسناتهم مع سيئاتهم، ولكن هذا القول لم يصح عن صحابي واحد، وإنما هو مذكور عن التابعين ومن بعدهم، وهو فقه في القرآن ليس صوابًا، والأصوب التوقف، وأن يقال: الله أعلم بهم.\nإنما هم رجال كما قال القرآن ردًا لقول أبي مجلز بأنهم ملائكة، وليس صوابًا؛ لأن القرآن يقول: (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ) فهم رجال، ولهذا من فقه ابن جرير الطبري ﵀ في تفسيره للآية أنه سرد الأقوال، ونقل عن ابن عباس وعن ابن مسعود وعن جابر بن عبد الله: أن أهل الأعراف رجال تساوت حسناتهم مع سيئاتهم، ولكن الأسانيد المذكورة معلولة من جهة الانقطاع وجهات أخرى، وأنت تعرف أن ابن جرير عنده قاعدة في تفسيره: أنه إذا كانت الآية في تفسيرها خلاف، وللصحابة قول ولمن بعدهم قول، فإنه -كقاعدة مطردة لا تنخرم أبدًا عند ابن جرير - يأخذ بمذهب الصحابي، إلا إذا اختلف الصحابة، فـ ابن جرير في هذه المرة مع أنه نقل عن بعض الصحابة أنه تساوت حسناتهم مع سيئاتهم، ونقل أقوالًا أخرى قد تختلف عنها عن غيرهم، رجع في آخر بحثه للمسألة، وأبطل قول أبي مجلز أنهم ملائكة قال: لأن القرآن يقول رجال، ثم رأى ابن جرير التوقف في المسألة: من هم أصحاب الأعراف؟ الله أعلم.\nوهذا هو الإيمان، وهذا هو الفقه أن يقال: الله أعلم بهم.\nوهنا تنبيه: أحكام الله تنقسم إلى قسمين: أخبار وتشريع، فالتشريع يتفقه فيه، لأنها أحكام نوازل المسلمين والحالات الخاصة التي تطرأ.\nمثلًا: التيمم، ما فيه من حديث لا يصل إلى عشرة أحاديث ربما، وسجود السهو مداره على ستة أو سبعة أحاديث، لكن صور التيمم التي تطرأ لآحاد الناس قد لا تتناهى، كل إنسان عنده صورة، هنا يكون الفقه في هذه النصوص، فنصوص الأمر والنهي يتفقه فيها، فيخرج كثير من الصور من نص عام، لكن نصوص الأخبار تؤخذ على ظاهرها وتتدبر من باب تحقيق الإيمان بها، لا من باب التشقيق منها.\nإذًا لما قال الله ﷾: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف:٤٦] لماذا تأخروا وهم رجال؟ جاء مورد العقل هنا ومورد التفقه، فقال: لأنهم تساوت حسناتهم مع سيئاتهم، وهذا ليس بلازم، لأنه يمكن عقلًا أن الله جعل ذلك عقوبتهم، لأنهم عصاة ما تساوت حسناتهم مع سيئاتهم، بل زادت سيئاتهم، ولم يعذبهم في النار، بل حبسهم عن الجنة ألا يمكن هذا؟ يمكن، لكن لا نقول به، إنما نقول: الله أعلم؛ لأن مسألة تسمية الأشياء حكمة الله ﷾ في عدم التبليغ للناس، الناس يتفقهون في شيء الله سبحانه لم يرد أن يخبرهم به.\nالمنافقون لن تجدوا أن الله سماهم في القرآن، ولا الرسول ﵊ أكثر من تسميتهم، وحتى الرسول ﵊ بعد فضح القرآن لهم، غاب عنه كثيرٌ من أعيانهم وأشخاصهم، وقال الله له: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١]، ما سماهم القرآن ولا حتى الرسول يعرفهم، ويعرف طرفًا منهم، ولم يخبر بهم جميع الصحابة، وقد قال الله له في القرآن: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ [محمد:٣٠] ليس أن يعرف فلانًا أنه قد يوجد في بادية كذا، قال: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد:٣٠] لو شاء الله لأراهم، ولعينهم له بالتسمية، ولدله عليهم، وإنما جعلت ثمة قرائن، حتى لا يتغلغل المنافقون في أهل الإسلام وأهل الإيمان وهم يعرفونهم، قال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] ولهذا قال: (آية المنافق ثلاث) وفي حديث أبي هريرة: (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم)، فدائمًا نؤكد أن السلف عليهم رحمة الله، من فقههم ما يرون التشقيق في هذا، ولا يعجب أحد، فيقول: إنه نجد في كلام ما يروى عن بعض الصحابة.\nأولًا: ما في كتب التفسير كثير من الأسانيد قد لا تنضبط إلى الصحابة، ثم إن بعض الصحابة أخذ عن بني إسرائيل ولا سيما المتأخرين، كـ عبد الله بن عمرو عنده رواية عن بني إسرائيل، واعتبرها بقول الرسول ﵊: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) وبقوله: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) فالقصد أن هذا القول الذي ذكره ابن القيم وابن حزم، لا نقول: إنه باطل، لأننا لا نعلم انتفاءه، وإنما نقول: إنه غلط من جهة كونه تفصيلًا لشيء لم يفصل في النصوص، قد يكون الأمر في نفس الأمر كذلك، لكن الله أعلم بأهل الكبائر، إنما ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧] إنما: رحمة الله سبقت غضبه، إلى غير ذلك مما نطق به القرآن","vol":"16","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>الإيمان بما يكون يوم القيامة من بعث ونشر ووزن للأعمال</span>\nقال المصنف ﵀: [وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاةً عراةً غرلًا، وتدنو منهم الشمس، ويلجمهم العرق، وتنصب الموازين، فتوزن بها أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون].","vol":"16","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>اتفاق جميع المسلمين على أكثر مسائل اليوم الآخر بجملتها</span>\nهذه الجمل السابقة هي من الجمل التي كلياتها متفق عليها بين سائر طوائف المسلمين.\nومن صنف في الاعتقاد من علماء السنة والجماعة، فإن هذا التصنيف يكون على أحد وجهين:\nالوجه الأول: أن يكون المقصود من التصنيف: التقرير لمعتقد المسلمين الذي انضبط عن الصحابة ﵃، وإن لم يشتغل بمسألة التمييز.\nالوجه الآخر: أن يكون المقصود هو إظهار الامتياز.\nوشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذه الرسالة -وهي الرسالة الواسطية- قصد فيها إظهار امتياز أهل السنة والجماعة عن غيرهم من الطوائف، وهذا يعني أن المصنف يغلب على تصنيفه ذكر الجمل التي فيها اختصاص عند أهل السنة عن غيرهم، بخلاف الطريقة التي سلكها أبو جعفر الطحاوي في رسالته المعروفة بالعقيدة الطحاوية، فإن الطحاوي غلب على جمله أنها جمل مشتركة بين جمهور طوائف أهل القبلة إلا من شذ من الغلاة؛ بمعنى أنها مشتركة بين جمهور طوائف أهل القبلة المنتسبة للسنة والجماعة، فيدخل في ذلك أصناف الفقهاء في الجملة، ويدخل في ذلك من يسمون متكلمة الصفاتية، كأتباع ابن كلاب ومن تأثر بطريقته، وأتباع الأشعري ومن تأثر بطريقته، وأتباع أبي منصور الماتريدي الحنفي ومن تأثر بطريقته إلى غير ذلك؛ فإن هؤلاء يعرفون بالمنتسبين إلى أهل السنة، أو بمتكلمة أهل الإثبات، وهذا يقع به امتياز عن أهل البدع المغلظة الأولى، كبدعة الجهمية المغلظة، أو بدع المعتزلة المغلظة، أو بدعة الروافض وأمثال هذه البدع.\nإذًا يتحصل لنا أن من كتب من أهل السنة المحققين لمذهب السلف، يكتبون على وجهين:\nإما أن يكون الغالب على جملهم ذكر ما يمتاز به أهل السنة عن أهل البدع المغلظة، وإما أن يكون الغالب عليها هو تحقيق مذهب السلف، وبيان ما يخالف هذا المذهب حتى عند متكلمة أهل الإثبات وأمثالهم، ولهذا تجد أن الجمل عند الطحاوي يغلب عليها أنها جمل مشتركة بين جمهور طوائف المسلمين: من جهة ألفاظها وحروفها العامة، أما إذا فصلت هذه الجمل فإنه يتبين بالتفصيل أنها تختص بوجهٍ ما بعقيدة أهل السنة، وبعقيدة السلف.\nوالمقصود أن الخلاف في هذا الباب -أعني باب اليوم الآخر- في الغالب قليل، لأن الأصول التي يتفرع عنها القول في هذا الباب جمهورها متفق عليه بين أهل القبلة، إلا من شذ من غلاة الطوائف المائلين إلى الطرق الباطنية.\nفمن المعلوم -وهذه قاعدة لا بد لطالب العلم أن يعرفها- أن كل باب من أبواب الاعتقاد له أصول نتج القول في هذا الباب عنها.\nوالأصل الذي تفرع عنه القول في باب اليوم الآخر، جمهوره متفق عليه بين جمهور أهل القبلة، إلا من شذ ممن مال إلى الطرق الباطنية؛ فالمائلون إلى الطرق الباطنية مؤولون في باب اليوم الآخر.\nوأضرب لك مقارنة في هذا: إذا رجعنا لباب الأسماء والصفات، وجدنا أن الأصل الذي تفرع عنه القول في باب الأسماء والصفات ليس متفقًا عليه بين جمهور أهل القبلة، لأن عامة المتكلمين حتى المنتسبين للسنة كـ الأشعري وأمثاله ينتحلون علم الكلام، والأصول الكلامية في تقرير هذا الباب هي ما يسمى دليل الأعراض أو دليل التخصيص وما إلى ذلك.\nفالأصل الذي تحصل عنه القول في باب الأسماء والصفات عند جمهور الطوائف ليس أصلًا شرعيًا، وهو العلم الكلامي، فإن علم الكلام إنما ابتدأ القول به في مسائل الإلهيات ثم عدَّاه من عدَّاه إلى مسائل أخرى، من مسائل القدر أو مسائل الإيمان أو ما إلى ذلك.\nولذلك تجد أن الأشعرية والماتريدية والكلابية ثم أهل البدع المغلظة من المعتزلة ومن أخذ الاعتزال عنهم من أنواع الشيعة إما من الزيدية أو من الرافضة أو غيرهم، وكذلك الجهمية الأولى؛ جميع هؤلاء يتفرع قولهم عن علم الكلام والأصول الكلامية المحصلة من الفلسفة، فهذا باب الأسماء والصفات.\nأما باب اليوم الآخر فإن الأصل الذي يتفرع عنه القول فيه عند جمهور الطوائف أصلٌ صحيح، من جهة مجمله؛ بمعنى: أن هذا الباب يسميه كثير من الطوائف بباب السمعيات، ويقصدون بذلك أن هذا الباب لا يتكلم فيه على الأصول الكلامية من جهة ابتدائه، وإن كانوا يسعملون الدليل الكلامي في باب اليوم الآخر أو في بعض مسائله، كتقرير وإثبات لما ثبت بالقرآن، وهذا هو الفرق بين استعمال دليل المتكلمين الكلامي في باب اليوم الآخر، وبين استعماله في باب الأسماء والصفات.\nوتجد أبا حامد الغزالي وهو من علماء الكلام، لما رد على الفلاسفة في كتابه، وذكر بعض مسائل اليوم الآخر، استعمل بعض الطرق الكلامية.\nفكان الخلاف في هذا الباب أقل من الخلاف في غيره، لأن جمهور الطوائف إلا من مال إلى الطرق الباطنية، يجعلون الأصل في هذا الباب هو الكتاب، فكان الخلاف فيه أكثر اقتصادًا من الخلاف في غيره.\nومع ذلك فإن السلف وأتباع السنة المحضة أهل السنة والجماعة لهم اختصاص في هذا الباب؛ من جهة أنهم أكثر علمًا بالنصوص المفصلة لهذا الباب ولاسيما النصوص النبوية.\nفإن أكثر الطوائف غلب عليها التقصير في التحقيق للنصوص النبوية، وذلك لسببين:\nالسبب الأول: عدم اشتغال علمائها بهذا العلم كثيرًا.\nالسبب الآخر: ما وضعوه من القواعد الفاسدة في تقريرهم للدلائل النبوية، كقاعدة: أن خبر الآحاد لا يحتج به في العقائد.\nوعليه: فثمة امتياز لأهل السنة والجماعة في هذا الباب -باب اليوم الآخر- وإن كان الخلاف فيه ليس مشتهرًا مع الطوائف؛ لأن الأصل المعتبر عند طوائف جمهور المسلمين هو أصل واحد، وهو: الدليل النصي من الكتاب أو السنة.\nوانحرف عن هذا الأصل المتفق على قدره الكلي بين جمهور الطوائف من مال إلى الطرق الباطنية.\nوالمائلون إلى الطرق الباطنية هم أحد صنفين: إما من الشيعة، وإما من الصوفية، فإن غلاة الشيعة باطنية، وغلاة الصوفية باطنية.\nوالباطنية إنما نفذت أقوالهم بين بعض سواد المسلمين لأنهم انتحلوا أحد وجهين: إما أنهم انتحلوا التشيع لآل بيت النبي ﵌، وعظموا آل البيت، وإما أنهم انتحلوا التنسك والعبادة والميل إلى تحقيق النسك وما إلى ذلك بأنواع من التصوف.\nوإن كان يعلم أنه ليس جميع الشيعة باطنية، كما أنه ليس جميع الصوفية باطنية، بل فيهم وفيهم، ولكن الباطنية دخلوا على سواد المسلمين بأحد هذين الوجهين.\nوالباطنية أصولهم في نفس الأمر هي أصول فلسفية، كأمثال إخوان الصفا، فإنهم منتسبون إلى التشيع، ومع ذلك فإن حقيقة أقوالهم حقائق فلسفية محضة.\nوكذلك ما جاء عن بعض غلاة الصوفية المائلين إلى هذه الطرق، فتجد عندهم من إسقاط الحقائق الشرعية -كالعبادات الأربع- ما هو معروف ومنقول عنهم في كتبهم.\nوالمقصود أن هؤلاء الباطنية من الصوفية أو الشيعة هم المحرفون لباب اليوم الآخر، ولذلك تجد بعض الصوفية -وإن لم يحقق الطريقة الباطنية ويلتزم بها، لكنه أخذ شيئًا من مادتها- يميل إلى شيء من هذه الطرق في بعض أقواله، كـ أبي حامد الغزالي، فإنه ليس باطنيًا محضًا، وإن كان أخذ من كلام الباطنية الصوفية شيئًا، ولذلك كان عنده أغلاط في باب اليوم الآخر تأتيه من هذا الوجه.","vol":"16","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>باب اليوم الآخر يقتصر فيه على ما يطابق النص</span>\nباب اليوم الآخر وأمثاله باب لا يقال فيه بالتفقه على طريقة الرأي والاجتهاد، وإنما يقتصر فيه على ما طابق النص.\nوأما البحث في أنواع الدلالات من جنس البحث الفقهي فإن هذا ليس فاضلًا، وإن كان يبدو لبعض طلبة العلم نوعًا من التحقيق في فقه المسألة أو فقه الدليل أو في فقه النص.\nفمثلًا: إذا جاء عن النبي ﷺ نص مجمل، وتضمن هذا النص المجمل بعض المسائل المفصلة المحتملة لهذا النص، فإنه لو كان هذا النص في باب الأمر والنهي، لكان المشروع التفقه في هذا النص والأخذ بأنواع الدلالات التي جاء تفصيلها في كتب أصول الفقه.\nأما باب العقائد بعامة، ولاسيما الأبواب السمعية المحضة، فلا ينبغي لأحد أن ينظر فيها بالتفقه على طريقة الرأي والاجتهاد، وهذا باب محكم عند سائر السلف، ولا سيما إذا اعتبرت أن أئمة الحديث كـ أحمد وغيره، كانوا يأخذون على فقهاء الكوفة كثرة الرأي حتى في مسائل الفقه والتشريع، فما بالك بهذا الباب؟!\nولذلك إذا رجعت إلى الكتب التي نقلت أقوال السلف كالتوحيد لـ ابن خزيمة أو السنة لـ عبد الله أو للخلال أو أصول السنة والجماعة للالكائي وما إلى ذلك من هذه الكتب، تجد أنهم في باب اليوم الآخر لا يذكرون عن السلف فيه إلا أقوالًا كأنها هي نفس الحروف المكتوبة في القرآن، بمعنى أن القول المأثور عن السلف يكاد أن يكون نفس النص النبوي، أو جزءًا من النص النبوي، أو جزءًا من النص القرآني.\nوهذا يدل على أن باب اليوم الآخر يؤخذ بطريقة المطابقة، وإن تضمنت هذه الطريقة التي أشير إليها عدم الإجابة على كثير من الأسئلة التي ترد، فإن هذا ليس مشكلًا في نفسه، ولكنه يشكل على البعض، فتجده يقول: إذا قال قائل كذا فماذا نقول؟ وإذا ورد سؤال: هل يلزم من ذلك كذا؟ فماذا نقول؟!\nهنا يقال: الله أعلم، فما دام النص ليس صريحًا في هذا الخبر، فإن الأصل الوقف فيه؛ لأن باب اليوم الأخر الأصل فيه أنه غيب، والغيب لا يقال فيه بالظن؛ لأن هذا الظن ليس مما شرع الله؛ فإن الله ﷾ لم يشرع في الغيب ظنًا، وكل الغيبيات التي أوجب الله ورسوله على العباد أن يؤمنوا بها هي غيبيات قطعية بينة.\nإنما الذي يجوز أن يدخله الظن هو مسائل التشريع -مسائل الفقه- لأن أحوال العباد وما يتعلق بهم لا يتناهى من جهة اختلاف أحوالهم وما إلى ذلك، فيكون باب الاجتهاد هنا سائغًا؛ إذ لا يمكن أن تنحصر هذه الأمور بمحض النصوص الضابطة لها.\nوفي هذا جواب على سؤال قد يرد، وهو: لماذا باب الغيبيات وأصول العقائد مقولة بالنص المحض؟ ولماذا باب التشريع فيه ما هو من النص المحض، وفيه ما هو من الاجتهاد والاحتمال؟ لماذا لم يكن كل القرآن والسنة كذلك؟ ولماذا لم يكن الدين كله كذلك؟\nفالجواب: أن يقال: إن الدين في نفس الأمر كله محكم، لكن لو أن الله ﷾ فصل أمور العباد على طريقة محققة لكان هذا فيه من الحرج في التكليف شيء كثير، ولذلك هذه النصوص التي فيها قدر من الاحتمال، يكون فيها سعة على كثير من الناس، فيما يقع من الاجتهاد وما إلى ذلك، وهذا إذا تأمله طالب العلم تبين له بيانًا مفصلًا.","vol":"16","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>وزن الأعمال يوم القيامة</span>\nمن مسائل هذا الباب مسألة الموازين، والموازين والموازنة ثابتة بإجماع أهل السنة والجماعة، وهي صريحة في القرآن؛ فإن الله ﷾ ذكر الموازنة في كتابه في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، وكقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣] إلى غير ذلك من النصوص القرآنية، وكذلك من النصوص النبوية.\nفالموازنة: متفق عليها بين سائر السلف، لكنهم يقولون: الله أعلم بماهية هذه الموازنة وحقيقتها، وإنما الذي دلت عليه النصوص صريحًا هو إثبات الموازين والموازنة، وأن الله ﷾ لا يظلم العبد شيئًا.\nوكلام بعض متأخري أهل السنة في تفصيلهم للموازنة ليس له -فيما يظهر بالتتبع والله أعلم- أصل في كلام السلف، ولا في القرآن والسنة، وهذا الكلام أول من قاله هو ابن حزم ﵀.\nفإن قاعدة السلف في أهل الكبائر من المسلمين أنهم تحت مشيئة الله ﷾ بدليل قول الله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فهذه المشيئة المعلقة في القرآن في أهل الكبائر قد ذكر ابن حزم تفصيلًا لها، وقال: إن هذا التفصيل هو التحقيق لأصل الموازنة المذكورة في القرآن، قال: (إن من زادت حسناته على سيئاته من أهل الكبائر واحدة -أي: حسنة واحدة- فهذا يغفر له، وإن من زادت سيئاته على حسناته من الموحدين سيئة واحدة فهذا يعذب في النار)، (فمن لفحة في النار إلى خمسين ألف سنة في النار).\nقال: (ومن تساوت حسناته مع سيئاته من الموحدين، فهذا يحبس -أي: يوقف- عن الجنة ولا يدخل النار، ثم يدخل الجنة).\nثم قال: (وهؤلاء هم أهل الأعراف الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف:٤٦]).\nهذا القول ذكره ابن حزم، وإن كان لم يصرح أنه إجماع عند أهل السنة والجماعة، فجاء بعده ابن القيم ﵀ وانتصر لهذا القول انتصارًا مطلقًا، ونقل أن ابن حزم حكى الإجماع عليه، وجزم ابن القيم بأن هذا القول هو قول الصحابة والتابعين، حتى قال ﵀ في كتابه (طريق الهجرتين): (وأما قول الصحابة والتابعين، فإن كثيرًا من الناس لا يعرفه، وهو المأثور عن الصحابة ﵃)، ثم ذكر التفصيل المنقول عن ابن حزم، فقال: (إن من تساوت حسناته هم أهل الأعراف يحبسون، ومن زادت سيئاته واحدةً يعذب في النار، ومن زادت حسناته واحدةً يغفر له، ويدخل الجنة)، فجزم بهذا القول، وجعله قول الصحابة والتابعين، وقال: (إن خلافه هو قول المرجئة)، وذكر أقوالًا منكرة في هذا الباب، وهي من البدع المعروفة عن المرجئة، ولا شك أنها أقوال غير صحيحة بمعنى أنه إذا قيل: إن قول ابن القيم ليس صحيحًا، فلا يلزم من ذلك أن يكون الصواب هو أحد الأقوال التي ذكرها، فإنه ذكر للناس أقوالًا في هذا ثم قال: (إن هذا ليس إلا قول المرجئة، وأما الصواب المأثور عن الصحابة والتابعين ...) فذكره.\nوالصواب أن يقال: إن كل الأقوال التي ذكرها ابن القيم ليست صحيحة، فيوافق على أن ما ذكره من أقوال الطوائف ليس صوابًا من جهة السنة، لكن القول الذي انتصر له إنما أخذه عن ابن حزم.\nوابن القيم ﵀ إذا انفرد في مسألة فيها غرابة ففي الغالب أن مادته فيها من ابن حزم، سواء في مسائل الاعتقاد التي قد لا تكون أصولًا، أي: محلها القلب، وهي مسائل السمع، أو مسائل التشريع ومسائل الفقه، فإنه قرأ لـ ابن حزم كثيرًا كـ ابن تيمية ﵀؛ فإن ابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية من أكثر من قرأ لـ أبي محمد ابن حزم، ولكن استفادة ابن تيمية من ابن حزم كانت أحكم، ولذلك لم يدخل معه في أصل مشكل، بخلاف ابن القيم، فإنه قد يأخذ عن ابن حزم بعض الأصول أو المسائل التي ليست محققة، ويستعمل أحيانًا طرقًا في الاستدلال ليست منضبطة، كاستعماله لطريقة التضمين والتلازم في المسائل، ونفس ابن حزم في هذا الاستعمال كبير، كاستعماله لطريقة الفهم في أقوال المتقدمين أحيانًا، إذا أراد أن ينتصر لقول ما وأن هذا القول هو قول لفلان وفلان من أعيان السلف، فيأخذ من أقوالهم بالفهم، فهذه الطريقة أحيانًا ينتحلها ابن القيم، وإن لم يكن كـ ابن حزم فيها.\nوالمقصود: أن هذا القول غلط من جهة الدليل، وليس صوابًا، وابن القيم ﵀ مادته في هذه المسألة منقولة عن ابن حزم، فإنه أول من تكلم بهذا.\nوالصواب هنا -طردًا للقاعدة السابقة-: أن يقال: إن هذا مما سكت عنه القرآن والسنة.\nأما استدلال ابن القيم وابن حزم بقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣] وبالمقارنة التي جاءت في سورة الأعراف وفي سورة المؤمنون وفي سورة القارعة، فليس صوابًا، لأنك إذا قرأت هذه المواضع في القرآن وجدتها صريحة في سياق المسلمين والكفار، فإن الله يقول في سورة المؤمنون: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣ - ١٠٥].\nفالآيات صريحة أنها في المسلمين والكفار، فإذًا هذا النوع من الدليل ليس محكمًا.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧] استدل بها ابن القيم وابن حزم فقالا: (والقسط هو العدل، والعدل أن من زادت حسناته فهو كذا، ومن زادت سيئاته فهو كذا)، فهذا ليس صوابًا، وإنما العدل هو عدم الظلم؛ ولذلك إذا قيل: إن الله ﷾: يغفر لمن زادت سيئاته على حسناته سيئة واحدة، لم يكن هذا منافيًا للعدل؛ إنما الذي ينافي العدل هو الظلم، كقول المرجئة الواقفة: إن الله قد يعذب الأكثر حسنات ويغفر للأكثر سيئات، فهذا من الظلم الذي لا يمكن أن يكون عدلًا منه ﷾، والقصد أن الاستدلال بالآية ليس له وجه.\nوأما قول ابن القيم: (هذا هو مذهب الصحابة)، فبناه على آثارٍ منقولة عن طائفة من الصحابة في آيات الأعراف، والآثار عن ابن عباس وابن مسعود وحذيفة بن اليمان.\nقال ابن مسعود: (أن من زادت حسناته واحدة، فهو إلى الجنة، ومن زادت سيئاته واحدةً فهو إلى النار، ومن استوت حسناته وسيئاته، حبس) هذا الأثر عن ابن مسعود ونحوه عن ابن عباس وحذيفة بن اليمان، رواه ابن جرير في تفسيره، وهي ليست صحيحة من جهة الإسناد عن الصحابة؛ ولذلك أعرض عنها ابن جرير، مع أن قاعدة ابن جرير في تفسيره: أن الصحابة إذا كان لهم قول، ولم ينقل قول مخالف عن الصحابة أنفسهم، وإنما المخالف من التابعين أو من بعدهم، فإن ابن جرير ﵀ ينتصر بقوة لقول الصحابة.\nوفي تفسير ابن جرير لهذه الآية لم ينقل عن طائفة من الصحابة ما يخالف هذا القول، وإنما نقل عن طائفة من غير الصحابة، ومع ذلك لما انتهى من عرض المسألة رجح ﵀ التوقف في أهل الأعراف، وهذه إشارةٌ منه إلى أن الأسانيد عن الصحابة عنده ليست مقبولة.\nوالأسانيد إذا نظرت إليها وجدتها معلولة من أكثر من جهة، أقربها وأدناها إلى النظر أنها منقطعة.\nفالمقصود أن كثيرًا من المفسرين يرجحون الوقف في أهل الأعراف، وهذا هو المذهب الصحيح، وإنما الذي أخبرنا القرآن به عن أصحاب الأعراف: أنهم رجال، خلافًا لقول أبي مجلز أنهم ملائكة، وهذا غلط، لأن الله قال: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف:٤٦] ولذلك ابن جرير لم يبطل من الأقوال شيئًا إلا القول المأثور عن أبي مجلز أنهم ملائكة، فقال: إنهم رجال بنص القرآن.\nوللمفسرين في أهل الأعراف ما يقارب الثمانية أقوال، وعلى قول ابن القيم وابن حزم يلزم أن أهل الأعراف قد أجمع الصحابة وأئمة السلف على تفسيرهم بأنهم من استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهذا ليس فيه إجماع، بل الصواب في أهل الأعراف أنهم الله أعلم بهم.\nوالوقف في هذا النوع من آيات القرآن أو من الدلالات هو المنهج المحقق، وليس الترجيح للتفصيل هو المحقق دائمًا.\nفإن الراجح دائمًا والتحقيق دائمًا: هو حسن الأخذ لدليل القرآن أو السنة، هذا هو الترجيح الصواب، وهذا هو التحقيق للعلم الشرعي، وهو أن يأخذ الناظر في الأقوال أقرب الأقوال إلى الدليل.\nفنقول: إن التوقف هو الأقرب إلى الدليل؛ لأن الدليل مجمل من كل جهة، فمهما استعملت فيه من أنواع الدلالات لا تستطيع أن تفك هذا الإجمال، فيبقى هذا الدليل مجملًا، فيكون الراجح في أهل الأعراف الإجمال، والإجمال هنا التوقف في شأنهم.\nوهناك فرق بين إنكار الموازنة وبين إنكار هذا القول الذي ذكره ابن القيم وابن حزم؛ فالموازنة مجمع عليها، أما هذا الق","vol":"16","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>صحائف الأعمال</span>\nقال ﵀: [وتنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال، فآخذ كتابه بيمينه وأخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره كما قال ﷾: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤]].\nهذا في منتهى الحساب؛ فإذا ما حوسب العباد وقرروا بذنوبهم على ما يشاء الله سبحانه تعالى، تنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال، وهي ما انتهت إليه الصحائف بعد موازنة الله ﷾، وما يتبع هذه الموازنة من حكم الله وقضائه، فآخذ كتابه بيمينه وهو الناجي، وآخذ كتابه بشماله وهؤلاء هم أهل النار.\nويختلف كثير من المفسرين في ذلك؛ فمنهم من قال: يأخذونه بشمالهم، ومنهم من قال: يأخذونه وراء ظهورهم، ومنهم من قال: هذه في الكفار وهذه في المنافقين، ومنهم من فصل على غير ذلك من التفصيل، والأظهر في هذا أن يقال: الله أعلم.\nإلا إذا انضبط نص نبوي مفصل لمثل هذا المجمل من القرآن فإنه يقال به، وأما إذا لم ينضبط فيقال: إن الناس يوم القيامة فريق في الجنة وفريق في السعير، وأهل النار يأخذون كتابهم بشمالهم ومن وراء ظهورهم، أما العلم بهذا فليس من العلم اللازم، والله ﷾ بين لنبيه؛ فما نص عليه كان علمًا مشروعًا، وما لم ينص عليه فليس من العلم المشروع.\nفالعلم بالرسالات وبأسماء الرسل كموسى وعيسى وإبراهيم هو علم مشروع، يزيد الإيمان، ومع ذلك ثمة رسل ما ذكرهم الله في القرآن، قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤] فهؤلاء الذين لم يذكر الله ﷾ شأنهم في القرآن ليس العلم بشأنهم مشروعًا لهذه الأمة، لأن ما يحصل به العلم -وهو الوحي- لم يأت بهم، فلم ينزل فيهم قرآن ولم يحدث بهم النبي ﵊، فتكلف العلم بهم ليس من التكلف المشروع.\nولذلك نهى الرسول ﵊ عن تصديق أهل الكتاب أو تكذيبهم، فتصديقهم يتضمن الإيمان، فنهى عن تصديقهم في أخبارهم، وما يخبرون به عن الأنبياء، ونهى عن تكذيبهم، إلا إذا كان الذي أخبروا به معارضًا للنصوص معارضةً بينة، فهذا يكذبون به؛ لأنه يعلم حينها أنه من المحرف المكذوب.\nويخطئ كثير في فهم قول الرسول ﵊: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ..) وقوله: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) فهذا ليس على إطلاقه، إنما الخطاب فيه لما احتمل فيه من خبر أهل الكتاب.\nأما ما كان من كلام أهل الكتاب بينًا أنه كذب، كبعض الروايات التي يذكرون فيها عن الرسل والأنبياء ما يعلم أنهم لا يقعون فيه وأن الله نزههم عنه، أو يحكون عن التشريع ما يعلم أنه لا يقع في شرائع الله ﷾، فهذا يجب التكذيب به؛ لأنه من المحرف المكذوب.","vol":"16","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>مناجاة المؤمن لربه</span>\nقال المصنف ﵀: [ويحاسب الله الخلائق، ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه كما وصف ذلك في الكتاب والسنة].\nهذا ثابت بالسنة: أن الله ﷾ يخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه، وهذا الذي ثبت في السنة الله أعلم بماهيته من جهة التفصيل، وفي الأحاديث غير لفظ كقوله: (يخلو) وكقوله: (فيدنيه الله ويضع عليه كنفه) وإلى غير ذلك من النصوص كحديث ابن مسعود وغيره.\nفهذه نصوص ثابتة في الصحيح وغيره، ولكن التفصيل فيها لا يزاد عن ظاهر النص.","vol":"16","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>مسألة محاسبة الكفار</span>\nقال المصنف ﵀: [وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنه لا حسنات لهم].\nالكفار لا يوافون ربهم بحسنة، وإن كانوا يعملون أعمالًا حسنة في الدنيا، فإن هذا يجازون به في دار الدنيا، كما في الصحيح عن أنس بن مالك في صحيح مسلم وغيره قال النبي ﵌: (إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكفار فيطعم بحسناتٍ ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها)، والصواب في قراءة الحديث: أن تنون كلمة (حسنات)، فتكون (ما) نافية، أي: فيطعم بحسنات لم يعمل بها لله في الدنيا، أي أن هذه الحسنات لم يعمل بها لوجه الله، والأمر كذلك، فإن الكفار وإن كانوا قد يفعلون فعلًا حسنًا كبر الوالدين، أو كصلة الرحم، أو كالعتق، أو كصدقات وبر وما إلى ذلك، فإن هذا وإن كان خيرًا وحسنة، فإنه ليس المقصود عندهم هو وجه الله ﷾، قال الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤]، فالقرآن والسنة تبينان أن الكفار يجازون بحسناتهم في الدنيا ولا يوافون ربهم بحسنة.\nقال المصنف ﵀: [ولكن تعد أعمالهم فتحصى، فيقفون عليها ويقرون بها].\nأما مسألة محاسبة الكفار، فإن بعض المتأخرين من أصحاب الأئمة أطلق أنهم يحاسبون، وهذا ذكره المصنف في فتاواه، قال: إن بعض أصحاب أحمد وغيرهم، قال: إنهم يحاسبون، وبعضهم قال: إنهم لا يحاسبون، قال: والصواب: التفصيل، هذه الطريقة التي يستعملها ابن تيمية ﵀ وابن القيم كثيرًا، ويستعمل كثير من المتأخرين هذه الطريقة، فتجدهم يقولون: بعضهم قال كذا، وبعضهم قال كذا، ثلاثة أقوال أو أربعة أقوال، ثم يقال: والصواب التفصيل.\nوالصواب هنا هو من حيث اللفظ.\nبمعنى أنه إذا قيل: الصواب التفصيل، فقد يكون الصواب من حيث المعنى، وقد يكون الصواب من حيث اللفظ، فما الفرق بينهما؟!\nإذا قلنا أنه صواب من حيث اللفظ، فمعناه أن ابن تيمية يقول: إن الكفار لا يحاسبون محاسبة من توزن حسناتهم مع سيئاتهم؛ لأنهم لا حسنات لهم، ولا يوافون ربهم بحسنة، فهل من قال من أهل العلم أن الكفار يحاسبون، كان يقصد أنهم توزن حسناتهم مع سيئاتهم، وأنهم يوافون ربهم بالحسنات؟ لا.\nلا يلزم هذا.\nثم يقال: فيقررهم الله بذنوبهم، هل من قال أنهم لا يحاسبون، قال: إنهم لا يقررون؟ لا.\nفإذًا: كلام شيخ الإسلام أحكم ليس من جهة المعنى، فإن المعنى في الجملة فيه اتفاق، وإنما هو أحكم من جهة اللفظ.\nومن أمثلة ذلك ما يتعلق بمسألة غسل الجمعة، فإن شيخ الإسلام قال: إن الأئمة الأربعة يذهبون إلى أن غسل الجمعة ليس واجبًا، إنما هو مستحب، ومن أهل العلم من ذهب إلى وجوبه.\nوفصل ابن تيمية -وانتصر له ابن القيم - فقال: أن من كان فيه رائحة يتأذى منها الناس، فيجب عليه الغسل، ومن لم يكن كذلك لم يجب عليه الغسل.\nفيأتي البعض ويقول: الصواب التفصيل، فهذا الصواب هو من حيث اللفظ لا من حيث المعنى، والفرق أنك إذا قلت: الصواب من حيث المعنى، لزم من ذلك أن القول الثالث غير القول الأول وغير القول الثاني، وهو ليس كذلك، لأن القول الذي قال به شيخ الإسلام حقيقته هو قول الأئمة الأربعة الذين يقولون: لا يجب غسل الجمعة، لأنهم حينما قالوا: إن غسل الجمعة ليس واجبًا ما أرادوا أنه كذلك حتى ولو كان به رائحة يتأذى بها الناس، فهذه مسألة خارجة، لكونها عارضة، وهم يتكلمون عن أصل الحكم الشرعي؛ ولذا لا يجوز أن نقول: أن الأئمة الأربعة يقولون: لا يجب غسل الجمعة: لا على من به رائحة يتأذى بها الناس، ولا على من ليس به رائحة، وأن ابن تيمية يفصل.\nولو كانت الوسطية هنا وسطية المعنى، لزم أن نقول هذا القول.\nوالنتيجة من هذا أن التفصيل لا ينبغي أن يلجأ إليه إلا في التقارير العلمية، ولا يفصل للعامة، بمعنى أن يقال: مسألة غسل الجمعة ليس فيها لأهل العلم إلا أحد قولين: عدم الوجوب، وهو قول الجمهور واختاره ابن تيمية.\nولكن شيخ الإسلام نبه إلى مسألة: وهي أن من به رائحة يغتسل، وهذا يوافق الجمهور، مثل ما قلت مذهب الإمام أحمد أن صلاة الجماعة واجبة، إذا شخص خاف فوت رفقته، فجاء شخص وقال: الصواب التفصيل، فمن حصل له الخوف أو مرض لا يجب عليه الجمعة.\nفنقول: ليس مقصودًا في كلام الإمام أحمد، أن الجماعة واجبة على كل حال.\nفالمقصود أن كثرة العناية بأن يكون الراجح من الأقوال هو التفصيل الذي فصله متأخر، ليس منهجًا حكيمًا، مع أنه -ومع الأسف- يهتم الكثير بذلك، فتجد المسألة في كلام الأوائل الأكابر على قولين مثلًا، ثم يقال: الراجح ما ذكره ابن القيم، وهو التفصيل، وما ذكره ابن القيم ليس خارجًا عن القولين، لأنه لو خرج عن القولين كان القول غلطًا.\nوإن كان هناك خلاف مع بعض المعتزلة ومن شاركهم في هذا الأصل من الأشاعرة أو الفقهاء، إلا أن الصحيح المنضبط عند السلف أنه إذا انضبطت الأقوال على قولين أو ثلاثة، فلا يجوز لأحد أن يزيد قولًا رابعًا خارجًا عنها.\nوأكثر ما يقول فيه أعيان المتأخرين: الصواب التفصيل، هو من التفصيل اللفظي، الذي لا ينبغي أن يلجأ إليه إلا عند الاحتياج.","vol":"16","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>الحوض المورود</span>\nقال المصنف ﵀: [وفي عرصات القيامة الحوض المورود للنبي ﷺ].\nحوض النبي ﵊ متواتر، وليس المقصود بالتواتر هنا التواتر الذي رسم حده المعتزلة، بل هو متواتر عند أئمة الحديث وأئمة السلف؛ كـ الشافعي وأمثاله الذين ذكروا لفظ التواتر؛ بمعنى: أنه رواه جماهير من الصحابة عن النبي ﵊، وثبت في كتب الصحاح، وتلقاه العلماء بالقبول، وقد جاء من حديث أبي ذر وابن عمر وأبي هريرة وجابر بن سمرة، وأمثالهم من أصحاب النبي ﷺ، وألفاظه في الصحيحين وغيرهما كثيرة، كقول النبي ﷺ: (إن طوله شهر، وإن عرضه شهر، آنيته عدد نجوم السماء، ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا)، وكقوله: (أنا فرطكم على الحوض) كما في حديث أبي هريرة، وكقول النبي ﷺ: (حوضي هذا من مقامي إلى صنعاء)، إلى غير ذلك من التحديد إما الزماني أو المكاني لحوض النبي ﵊.\nهذا الحوض -وهو على نهر الكوثر- أوتيه النبي ﵊، وفي حديث أنس في الصحيح قال: (بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت عليّ آنفًا سورة، فقرأ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] إلى آخر السورة، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي ﷿، عليه خير كثير، وهو حوض).\nفدل ذلك على أن الحوض يكون على هذا النهر وهو نهر الكوثر، قال: (وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة ..) إلى آخر الحديث.\nقال المصنف ﵀: [ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء].\nوهذا ثابت في الصحيح.\nقال المصنف ﵀: [طوله شهر، وعرضه شهر].\nهذا التقدير الزماني المأثور عن النبي ﷺ كما في الصحيح، وفي الصحيح كذلك التقدير المكاني، كقوله: (من مقامي إلى صنعاء) أو (من مقامي إلى عمان).\nقال المصنف ﵀: [من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا].\nوالذي يرد عليه هم جمهور أمته ﵊، وإن كان يذاد عنه رجال ممن أسقط السنة إسقاطًا بينًا، وقد جاء هذا في حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيح قال: كنا مع رسول الله ﷺ فقال: (وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟! قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعد، قالوا: وكيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟! قال: أرأيتم لو أن رجلًا له خيل غر محجلة بين ظهر خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى، قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ثم قال: ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، فأناديهم: ألا هلم، ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا).\nفهؤلاء الذين يذادون عن حوضه هم من أسقط سنته وعارضها، وانتحل سبيل غير المؤمنين.","vol":"16","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>الصراط</span>\nقال المصنف ﵀: [والصراط منصوب على متن جهنم، وهو الجسر الذي بين الجنة والنار، تمر الناس عليه على قدر أعمالهم].\nفيمرون على الصراط على قدر أعمالهم، وليس على قدراتهم البشرية، ولو علق ذلك بالجانب البشري لامتنع أن يمر أحد على الصراط، ولذلك ليس هناك أثر لبشرية الإنسان في هذا المرور من كل وجه، وإنما يمرون بحسب أعمالهم، فمنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاود الخيل، ومنهم من يمر كأجاود الإبل، ومنهم من يزحف، إلى غير ذلك مما هو مفصل في قول النبي ﷺ كما في الصحيح: (وفي جهنم كلاليب وحسك مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم عظم قدرها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم).\nوهذا الصراط يمر عليه جميع المؤمنين وجميع الكفار، فلا يسلم من المرور عليه أحد.\nوالمؤمنون الذين أراد الله ﷾ أن يسلموا من العذاب لا يقع أحد منهم على هذا الصراط، ومنهم من يزحف زحفًا، فتدركه النجاة والشفاعة، ومنهم من يسقط بحسب ما يقدره ﷾، فالله أعلم بماهية هذا المرور وتفاصيله.\nوقد وردت في الصراط آثار ضعيفة، كبعض الآثار المذكورة أنه أحد من السيف، وأدق من الشعرة، وما إلى ذلك، فهذه الآثار لا تصح، وإن كانت مشهورة في كثير من الكتب المصنفة.\nقال المصنف ﵀: [فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يخطف خطفًا ويلقى في جهنم، فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم].\nمن فقه المصنف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في ذكر هذه المسألة أنه اقتبس كثيرًا من جملها من الأحرف الشرعية، فبعض جمله منقولة من القرآن، وبعضها منقولة من السنة.","vol":"16","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>وقوف المؤمنين بعد الصراط على قنطرة بين الجنة والنار</span>\nقال المصنف ﵀: [فمن مر على الصراط دخل الجنة، فإذا عبروا عليه وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا عذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة].\nهذه القنطرة بعد الصراط هي تصفية وتهذيب لأهل الجنة مما يقع بينهم من آثار نفوسهم التي لا يجازون عليها من جهة العذاب، فتهذب نفوسهم على هذا الوجه.\nوقد ثبت عن النبي ﷺ كما في الصحيح: (أن فقراء المهاجرين يدخلون قبل أغنيائهم بأربعين سنة)، فهل هذا هو حبسهم في القنطرة، أم هو وجه آخر؟ الله أعلم بتفصيل ذلك.\nوإن كان هذا الحديث ثابتًا في الصحيح، فلا يفهم منه أن من سبق من الفقراء أفضل من الأغنياء؛ فإن دخول هؤلاء الفقراء الجنة قبل الأغنياء الذين حبسوا من أجل المال المحض، لا يلزم منه أن تكون درجة الفقير أعلى من درجة الغني، هذا إذا أخذ الحديث على ظاهره، أما إذا أريد بذلك مسائل أخرى في الأموال من المحرمات فهذا باب آخر، ولكن الحديث هو في المهاجرين، ولم يرد به ﷺ أنهم يحبسون من جهة ذنوبهم.","vol":"16","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>أول من يدخل الجنة</span>\nقال المصنف ﵀: [وأول من يستفتح باب الجنة محمد ﷺ، وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته].\nثبت في الصحيح عن أنس أن النبي ﷺ قال: (آتي يوم القيامة باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك)، فهو أول من يستفتح وأول من يدخل الجنة، وأمته ﵊ هم أول الأمم دخولًا الجنة، وهذا بعد دخول الأنبياء ولا شك؛ إذ لا يدخل أحد من الأمم قبل استيفاء الأنبياء دخولهم الجنة، فإن الله فضل الأنبياء على سائر وأفراد الأمم، فإذا استوفى الأنبياء الدخول وإمامهم محمد ﷺ، دخلت الأمم، وأول أمة تدخل هي أمة محمد، ولا يلزم من ذلك أن الأمة المحمدية تستوفي في الدخول ثم تدخل الأمم، وإنما المقصود هو ابتداء الدخول، وإلا فلا شك أن أصحاب عيسى ﵊ ومن صح إيمانه من أصحاب الرسل والأنبياء هم أفضل من كثير من هذه الأمة، بل أفضل من أكثرها.","vol":"16","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>شرح العقيدة الواسطية [١٧]</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات الشفاعة، وأنها أنواع، منها ما يختص برسول الله ﵊، ومنها ما يشاركه فيها غيره من الملائكة والنبيين والمؤمنين، وأعظم أنواع الشفاعة: الشفاعة العظمى، التي اختص بها الرسول ﷺ، وهي المقام المحمود الذي وعده ربه ﷾.","vol":"17","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>الشفاعة وأنواعها</span>\nقال المصنف ﵀: [وله ﷺ في القيامة ثلاث شفاعات: أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم، بعد أن يتراجع الأنبياء: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي إليه].","vol":"17","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>الشفاعة العظمى</span>\nهذه الشفاعة هي الشفاعة العظمى، ودليلها القرآن بظاهره، والسنة بصريحها، وإجماع أهل القبلة، فإن هذه المسألة حكي إجماع المسلمين عليها، وممن حكى إجماع المسلمين عليها الإمام ابن تيمية، فقد قال: إنها مجمع عليها بين سائر طوائف أهل القبلة، وهي الشفاعة العظمى بإجماع المسلمين، فضلًا عن السلف، ودليلها صريح السنة، بما ثبت في الصحيحين وغيرهما من غير وجه.\nوأما قولنا: وظاهر القرآن؛ فلأن القرآن ليس صريحًا في هذا، فهو لم يذكر هذه الشفاعة صريحة، وإنما الصريح هو اللفظ المفصل، وأما القرآن فإنه ذكر لفظًا مجملًا، وهو قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، فهذا المقام المحمود هو الشفاعة، ولهذا ذهب جمهور المفسرين من السلف والصحابة ومن بعدهم -كما ذكره ابن عبد البر، وابن تيمية وابن جرير، وغيرهم- إلى أن المقام المحمود في القرآن هو الشفاعة العظمى، هذا هو المأثور في تفسير هذه الآية، وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك في حديث الأذان.\nفيقال إذًا: إن دليل الشفاعة ظاهر القرآن، وصريح السنة، والإجماع القطعي، كما في حديث أبي هريرة، وكذلك جاء في البخاري وغيره عن أنس في سياق طويل؛ وفيه: أن الناس يأتون آدم فيعتذر، فيأتون نوحًا فيعتذر، فيأتون إبراهيم فيعتذر، فيأتون موسى فعيسى ..\nفيأتون محمدًا ﷺ، قال: (فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله عليّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه بشيء لم يفتح لأحد من قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع).\nفهذه هي الشفاعة العظمى.","vol":"17","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>الشفاعة لأهل الجنة بدخولها</span>\nقال المصنف ﵀: [وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له].\nأما الأولى: فلا شك أنها خاصة به؛ لأنها مقام واحد، وهي شفاعته في فصل القضاء بين العباد، فيجاب بهذه الشفاعة، فينتهي الطلب؛ لأن الطلب هو الفصل والقضاء.\nأما الثانية: وهي شفاعته في دخول أهل الجنة الجنة، فإن كان مقصود المصنف ﵀ ابتداءها؛ بمعنى أنه أول من يتبدئ الشفاعة في دخول أهل الجنة الجنة؛ فهذا صحيح، ودليله بين.\nوأما إن كان المقصود أن الشفاعة بدخول الجنة تختص به، فلا يشفع أحد بعده في ذلك؛ فهذا مما لم يأت فيه نص صريح، والله أعلم.","vol":"17","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>الشفاعة لمن استحق النار أن لا يدخلها ولمن دخلها أن يخرج منها</span>\nقال المصنف ﵀: [وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها].\nشفاعته في من استحق النار أي: من المسلمين، وليس من الكفار، فإن الكفار قد قال الله عنهم: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وفي مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:١٢٣]، هذه هي الشفاعة بنجاة الكافر من عذابه، بمعنى: أن من ترك التوحيد فإن الشفاعة لا تنفعه، ولا تجزي عنه شيئًا، ولذلك نجد في القرآن نفيًا للشفاعة، ونجد في القرآن إثباتًا للشفاعة، كقول الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [النجم:٢٦] وفي غير موضع من القرآن ذكر الله الشفاعة: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، فهذا النوع من الشفاعة هو شفاعة الرسل والصالحين من المؤمنين، وشفاعتهم هي في أهل الكبائر من المسلمين.\nولذلك لا يشفعون إلا إذا أذن الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له شرطه أن يكون مسلمًا؛ لأن الله ﷾ قال: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]، فإذا كان الله قد رضي عن المشفوع له بتحقيقه أصل التوحيد، فإنه يكون ممن ينال هذه الشفاعة، ولهذا لما قال أبو هريرة -كما في البخاري - للنبي ﷺ: (من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه).\nفمن استحق دخول النار فدخلها -وهو من المسلمين- فيمكن أن يخرج من النار بشفاعة النبي ﷺ، وكذلك الأنبياء والصالحين، فإن الإسلام العام يدخل فيه كل من أسلم من أمة محمد أو من غيرهم؛ قال الله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ﴾ [الحج:٧٨]، وفي تسمية إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران:٦٧] إلى غير ذلك، فأهل الكبائر من المسلمين من أتباع الرسل يشفع لهم محمد ﷺ وإخوانه من الرسل، ويشفع لهم الصالحون من الأمم، فهذه الشفاعة لمن دخل النار متفق عليها بين السلف، ودليلها صريح ومتواتر.\nوأما الشفاعة لمن استوجب دخول النار قبل أن يدخلها، فدليلها العمومات، ولم يثبت فيها نص مفصل، إلا في أحاديث ليست من جهة الصحة منضبطة، وقد نبه على هذا ابن القيم وجماعة، لكنها مما يدل عليه العموم، وبطريق الأولى، فإن الرسل إذا شفعوا فيمن دخل النار، فمن باب أولى أن تكون الشفاعة فيمن استوجب دخول النار؛ لأن من استوجب دخول النار أقرب إلى الصلاح والتقوى ورضا الله ﷾ واتباع السنن النبوية ممن دخل النار، فهذه الشفاعة لا ينبغي أن يتردد فيها كما تردد البعض، وعلل ذلك بعدم ثبوت دليلها، ولذلك أقول: بل دليلها منضبط، وهو العمومات، فإنهم من أهل الكبائر، والشفاعة لأهل الكبائر ثابتة بصريح السنة.","vol":"17","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>إخراج الله سبحانه أقوامًا من النار بغير شفاعة</span>\nقال المصنف ﵀: [ويخرج الله من النار أقوامًا بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته].\nبمعنى أن الله ﷾ يغفر لقوم من المسلمين ما هو من ذنوبهم، فلا يستتم عذابهم، لا بشفاعة أحد، وإنما بمحض فضله ﷾ ورحمته، فإن كل من يخرج من النار ممن دخلها إنما يخرج منها بفضل الله ﷾، ولذلك فإن التعبير الصواب أن لا يقال: إن من دخل النار يخرجون منها بالشفاعة أو إذا استوفوا عذابهم، فإنه لا أحد يستوفي ما يستحقه من العذاب؛ لأن كل من يخرج من النار من أهل الكبائر من موحدة المسلمين يخرجون بفضل من الله، ومن فضله ﷾ أنه يأذن بالشفاعة للأنبياء والرسل والصالحين وللملائكة.\nوكل من خرج من النار حتى الذين يخرجهم ﷾ بفضله ورحمته، ليس معنى هذا أنهم قد استوفوا سائر ما يتعلق بهم من العذاب، فإنهم لو بقوا في النار زيادة على ذلك فلن يكون ذلك ظلمًا.\nولذلك يخرج الله ﷾ بفضله أقوامًا من النار، ففضله سبحانه ورحمته تلحق جميع المسلمين، برهم وفاجرهم، حتى من دخل النار، وحتى من لم تنله الشفاعة، فإنه يلحقه فضل من الله، وهذا معنى قوله ﷾ في الحديث القدسي: (إن رحمتي سبقت غضبي).\nفالتعبير الصواب: أن لا يقال: من استوفى العذاب وجوزي على سائر عمله وسيئته، فإن هذا ليس في النصوص ما يدل عليه، وهو خلاف الأصل، فإن الأصل أن رحمته سبحانه سبقت غضبه، وأن الجميع بفضله ورحمته؛ لأن القرآن يقرر أن الله لو عذب الخلق وعاجلهم بعذاب في الدنيا لما كان ظالمًا لهم، فكذلك في مقام الآخرة؛ فإن العذاب عدل، والثواب والجزاء بالخير فضل منه ﷾.\nقال المصنف ﵀: [ويبقى في الجنة فضلٌ عمن دخلها من أهل الدنيا فينشئ الله لها أقوامًا فيدخلهم الجنة].\nيبين المصنف ﵀ هنا: أن الجنة يبقى فيها فضل، أي يبقى بها مكان لم يستوفه المسلمون، فينشئ الله ﷾ خلقًا الله أعلم بماهيتهم، فيدخلون الجنة، وهذا من كرم الله ﷾ على هذا الخلق الذي ينشئه.\nوأما النار فإنه لا يخلد فيها ولا يبقى فيها إلا من كفر بالله ﷾، وجهنم تمتلئ، كما ثبت في الصحيح وغيره.\nوهذه الأصول -وهي ما يتعلق بمسألة الشفاعة- متفق عليها بين أهل السنة والجماعة، والمخالفون في مسألة الشفاعة هم الخوارج والمعتزلة ومن يوافقهم في هذا الباب من الشيعة.\nفإن الخوارج والمعتزلة ينفون الشفاعة لأهل الكبائر؛ وذلك لأن مرتكب الكبيرة عند الخوارج والمعتزلة مخلد في النار، وقد استدلوا على نفي الشفاعة في حق أهل الكبائر بالآيات المذكورة في القرآن في حق الكفار، كقول الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، فحملوا هذه الآية على أهل الكبائر.\nوهذا ليس في محله؛ لأن هذه الآية في قوم كفار، وأهل الكبائر هم من أهل الإسلام، وممن ثبت إسلامهم ودينهم كصريح دين المسلمين، وإلا للزم من ذلك أن جماهير المسلمين ليسوا من المسلمين، فإن المستقيمين على أمر الله الذين لم يقترفوا كبيرة ولم يأتوها هم القلة القليلة من الناس.\nفالمقصود من هذا: أن الخوارج والمعتزلة ومن يوافقهم ينفون الشفاعة لأهل الكبائر، ويرون أنهم مخلدون في النار، وهذه من البدع المغلظة التي اختص بها هؤلاء عن طوائف المسلمين.\nقال المصنف ﵀: [وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء، والآثار من العلم المأثور عن الأنبياء، وفي العلم المورث عن محمد ﷺ من ذلك ما يشفي ويكفي، فمن ابتغاه وجده].\nأشار المصنف لأخص الجمل، وأما التفصيل لباب اليوم الآخر وما يتعلق به، كالثواب والعقاب، فهذا مفصل في الكتاب والسنة والكتب المنزلة من السماء، أي: الكتب السماوية المنزلة على الرسل، كالمنزل على موسى وعيسى وداود وإبراهيم، وغيرهم من الأنبياء.","vol":"17","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>شرح العقيدة الواسطية [١٨]</span>\nمن أركان الإيمان الإيمان بالقدر خيره وشره، وأهل السنة والجماعة وسط في مسألة القدر بين طائفتين مخالفتين في هذا الباب، وهما: القدرية، والجبرية. أما القدرية: فقد كفروا بالقدر وقالوا بخلق العباد لأفعالهم. وأما الجبرية: فقد سلبوا العباد قدرتهم على الفعل، وقالوا بأنهم مجبورون على أفعالهم.","vol":"18","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>من أصول أهل السنة: الإيمان بالقدر خيره وشره</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وتؤمن الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره، والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين].\nهذا الأصل -وهو القدر- هو من أخص أصول الإيمان والتوحيد، فإنه قول في ربوبية الله ﷾، مع ما هو متعلق به من شرعه ﷾ الذي هو عبادته وتوحيده، وسوف يأتي في أصول أهل السنة والجماعة ما يبين ذلك.\nوفي هذا الأصل ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: أن الخلاف في مسألة القدر إنما وقع في آخر عصر الصحابة، ومن أدرك هذه البدعة من الصحابة كـ عبد الله بن عمر وأمثاله قد تبرءوا من القدرية، حتى إن ابن عمر لما سأله يحيى بن أبي كثير قال: (فإذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أني منهم بريء وهم مني براء، والذي يحلف به ابن عمر لا يقبل من أحدهم عمل ولو أنفق مثل أحد ذهبًا حتى يؤمن بالقدر)، ومع أن البدعة في القدر ظهرت في آخر عصر الصحابة وبعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين، إلا أن كثيرًا من الأقوال البدعية المقولة في القدر لم تظهر إلا بعد انقضاء عصر الصحابة كليًا، بمعنى: أن ما ظهر في آخر عصر الصحابة هو بعض أقوالهم، وأما تفاصيل هذه الأقوال وما قابلها فإنه حدث بعد ذلك، وعليه فإن الحكم الذي قاله من قاله من الصحابة في هؤلاء لا يلزم بالضرورة أن يكون مطردًا في سائر الأقوال التي ظهرت في مسائل القدر.\nالمسألة الثانية: الأصول المعتبرة عند أهل السنة والجماعة، وعند سلف هذه الأمة في هذا الباب، وهي أصول سبعة، أشار المصنف ﵀ إلى أكثرها.\nالمسألة الثالثة: الطوائف المخالفة للسلف في باب القدر، وهم في الجملة طائفتان: قدرية، وجبرية، والقدرية غلاةٌ ودونهم، والجبرية غلاةٌ ودونهم، فهذا في الجملة هو جامع هذه المسألة.","vol":"18","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>أصول الإيمان بالقدر</span>\nمذهب أهل السنة والجماعة في باب القدر يقوم على تحقيق سبعة أصول:","vol":"18","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>الأصل الأول: الإيمان بعموم علم الرب ﷾ بكل شيء</span>\nالأصل الأول: الإيمان بعموم علم الرب ﷾ بكل شيء: علمه بما كان، وبما سيكون، وبما لم يكن.\nوقد دخل في عموم علمه ﷾: علمه بأفعال العباد قبل وقوعها، وهذا المعنى هو الذي ينازع فيه غلاة القدرية الذين ينازعون في عموم علم الرب بأفعال العباد قبل كونها، ويزعمون أنها تعلم عند كونها.\nفالأصل الأول: إيمان أهل السنة والجماعة بعموم علم الرب ﷾ بكل شيء، وأنه دخل في عموم علمه سبحانه علمه بأفعال العباد قبل كونها.\nوهذا الأصل -وإن قيل أنه من أصول أهل السنة والجماعة- فإنه لا يفهم من هذا أن طوائف المسلمين يخالفون في هذا الأصل، فإن الأصول المقولة عند السلف لا يلزم بالضرورة أن يخالفها كل أصناف أهل البدع، وهذا الأصل لا يخالفه أحد من أهل البدع الذين هم من أهل القبلة؛ فكل من تحقق انتسابهم إلى القبلة قد أجمعوا على أن هذا الأصل أصل محكم، وإنما نقلت المنازعة في هذا الأصل عن غلاة القدرية، الذين قالوا: إن الله -﷾ عن قولهم- لا يعلم أفعال العباد إلا عند كونها، أي: عند وجودها، فلا يعلمها قبل كونها.\nهذا القول منقول عن غلاة القدرية، وليس هناك ضبط عند أهل المقالات لأعيان هؤلاء، وإنما هو قول ذكره بعض أهل العلم وأهل المقالات أن هذا يقول به الغلاة من القدرية.\nوهؤلاء الغلاة من القدرية ليسوا من المسلمين، بمعنى: أن زعمهم للإسلام هو من باب النفاق، بل إنهم كفار، وليس لهم من الإسلام حظ، وليسوا في عداد أهل القبلة، وهذا معنىً متحقق بالإجماع حتى عند القدرية المعتزلة الذين يوافقون السلف في هذا الأصل، ولكنهم ينفون خلق الله لأفعال العباد، فإن المعتزلة قد نصوا على أن من أنكر علم الرب بأفعال العباد قبل كونها، فإنه كافر.\nإذًا: كفر هؤلاء الغلاة مجمع عليه بين المسلمين من أهل السنة وغيرهم حتى القدرية منهم، ولذلك فهؤلاء القدرية الغالية، وإن شاركوا المعتزلة نوع مشاركة في مسألة القدر إلا أنهم ليسوا منهم، بل هؤلاء قوم من الزنادقة الذين ادعوا الإسلام وانتسبوا إليه من جنس انتساب عبد الله بن أبي وأمثاله، ولكن ابن أبي نفاقه من جهة، وهؤلاء نفاقهم من جهة أخرى.\nفالمقصود أن القدرية الغلاة ليسوا من المسلمين، وقد ذكر شيخ الإسلام في غير موضع أن قولهم هذا اندثر في الجملة، بل هذا من أقوال الكفار.","vol":"18","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>الأصل الثاني: الإيمان بأن الله سبحانه كتب في الذكر كل شيء</span>\nالأصل الثاني: الإيمان بأن الله ﷾ كتب في الذكر كل شيء، وقد دخل في عموم كتابته ﷾ كتابته لأفعال العباد، فما من شيء من أفعال العباد يكون منهم إلا وقد كتبه الله ﷾ قبل أن يخلقهم، وهذا الأصل مجمع عليه -في الجملة- بين المسلمين.\nوإنما قُيد السياق بهذه الكلمة (في الجملة) من جهة أن الكتابة تختلف عن الأصل الأول من وجه، وهو: أن الأصل الأول -وهو عموم العلم- أصل فطري عقلي سمعي، بمعنى: أن الله تعالى فطر العباد على أنه بكل شيء عليم، وهذا من أول أصول الربوبية الفطرية.\nوهو كذلك أصل سمعي من جهة أن النصوص نطقت بتفصيل علمه، كقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام:٥٩] الآية، فعلمه عام بالكليات والجزئيات، لا كما يقول كفرة الفلاسفة: أنه لا يعلم الجزئيات.\nوهو كذلك أصل عقلي، أي: ثابت بدليل العقل، بخلاف الكتابة: أنه سبحانه كتب في الذكر كل شيء، فهذا الأصل إنما هو أصل سمعي، أي: دل عليه الكتاب والسنة.\nوإذا قيل: إنه سمعي، فلا يعني أن العقل والفطرة ينفيانه، وإنما المقصود أن العقل والفطرة لا يبتدئان في إثباته قبل ورود السمع، بخلاف الأصل الأول، فإن الفطرة والعقل يبتدئان إثباته قبل ورود السمع.\nولهذا فقد كان يقر به المشركون إقرارًا فطريًا بما سلم من فطرتهم، أو إقرارًا عقليًا.\nوذلك بخلاف الكتابة، فإنها أصل سمعي، ولكن من المعلوم أن الأصل السمعي الذي جاءت به النصوص لا يمكن أن يكون معارضًا أو منافيًا للعقل أو الفطرة، لكنها لا تدل عليه ابتداءً، فهذا هو الفرق بين هذين الأصلين.\nولما كان هذا الأصل عن الكتابة أصلًا سمعيًا، قيل: إن جميع فرق أهل القبلة من المسلمين يقرون به في الجملة.\nوبين السلف وجمهور الطوائف فرق من جهة التحقيق عند السلف؛ فإن هذا الأصل له قدر كلي في النصوص، وله قدر مفصل، ومفصله في السنة أكثر منه في القرآن، فهذه المفصلات عن الكتابة في السنة النبوية، من المعلوم أن أئمة السنة والجماعة أولى بها من غيرهم من جهة علمهم بها، ومن جهة تحقيقهم لهذا العلم، بخلاف غيرهم فإنه قد يتكلم في ثبوتها أو ما إلى ذلك.\nإذًا: هذا الأصل من جهة عمومه محل إجماع، وأما من جهة تفاصيله فإن بعض الطوائف تتأخر عن تحقيق بعض التفاصيل لعدم علمها، أو لفساد قواعدها المتعلقة بأخبار الآحاد.\nفهذا هو الأصل الثاني، وهو الإيمان بعموم كتابته، وقد دخل فيما كتب: كتابته ﷾ لأفعال العباد؛ وفي حديث عبد الله بن عمرو في الصحيح: (إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء).","vol":"18","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>الأصل الثالث: الإيمان بعموم خلقه ﷾</span>\nِوإنما تذكر كلمة (عموم) في هذا الأصل؛ لأن الخلق من جهة أصله ليس فيه نزاع، فحتى الكفار يقرون بأن الله سبحانه هو الخالق، فلذلك يقال: الأصل الثالث عند أهل السنة: الإيمان بعموم خلقه ﷾.\nوقد دخل في عموم خلقه ﷾ لكل شيء: خلقه لأفعال العباد، فهو الخالق لها، وقد نازع في هذا الأصل القدرية بعامة، أي: جملة القدرية من الغلاة وغير الغلاة.\nأما الغلاة فقد سبق أنهم قوم من الزنادقة، وأما غير الغلاة فهم أئمة المعتزلة، فإنهم هم الذين ابتدءوا القول في هذه المسألة على هذا الوجه، وتبعهم من تبعهم من الشيعة، فإنه غلب على الشيعة ولا سيما الرافضة منهم أنهم قدرية في باب القدر.\nوكذلك فمن تأثر بهذا الأصل -أن الله لم يخلق أفعال العباد- بعض رجال الإسناد من أهل العلم، فإن هذا قد نقل عن بعض رجال الإسناد، وقد قال الإمام أحمد: (لو تركنا الرواية عن القدرية تركناها عن كثير من أهل البصرة)، فهذا النوع من رجال الإسناد تأثروا بهذه المقالة، ولكن في هذا النوع من أهل العلم ينبه إلى أن قولهم ليس هو قول المعتزلة، وإن كانوا قد يشاركونه في جملته الكلية، وجملته الكلية هي: أن أفعال العباد ليست من خلق الله ﷾، لكن دليل هذا القول عند المعتزلة ليس هو دليل هذا القول عند هؤلاء، فهم مخالفون لهم في أصل هذا القول، الذي هو مبناه ودليله، ومخالفون لهم في تفاصيل مسائله، فإن القدرية المعتزلة المتكلمة -أي: أصحاب علم الكلام- قد ضلوا في هذا القول من جهات: من جهة قدره الكلي الذي يشاركهم فيه بعض رجال الإسناد، وضلوا في هذا القول من جهة مبناه، فإنهم بنوه على الأصول الكلامية العقلية في زعمهم، وضلوا في هذا الأصل من جهة التفاصيل العلمية التي رأوها مستلزمة لهذا القول في مسائل التكليف، ومسائل التحسين والتقبيح، وما يتعلق بذلك.\nإذًا: هذا القول وإن نقل عن بعض رجال الإسناد من البصريين إلا أن قول هؤلاء الذين لم ينتحلوا علم الكلام والأصول الكلامية ليس هو بتمامه قول المعتزلة وأمثالهم من المتكلمين، بل هناك اشتراك مجمل، وثمة فروق من أوجه متعددة.\nوهذا الفرق الذي ذكر إنما يختص برجال الإسناد من البصريين وغيرهم.\nوأما الشيعة الذين أخذوا هذا القول عن المعتزلة، فهؤلاء نقلة لهذا القول، فمادتهم فيه هي مادة المعتزلة، وأصولهم فيه هي أصول المعتزلة، والشيعة الرافضة في الأصل ليسوا من أهل العلم في علم الكلام، إنما تلقفوا علم الكلام والأدلة العقلية وما يتعلق بذلك عن المعتزلة، ولا سيما المعتزلة البغداديين؛ لأن معتزلة بغداد كانوا مائلين إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وكانوا يتشيعون له من جهة الانتصار له، ومن جهة التفضيل، أو الانتصار لحربه، أو ما إلى ذلك.\nفلما كان عندهم هذا القدر من الميل إلى التشيع، وإن لم يكونوا شيعة محضة -أعني: معتزلة بغداد وبعض المعتزلة من غيرهم- صارت الشيعة تتلقف أقوالهم، فنقلوا عنهم بعض معتقداتهم، وأخص ما نقلوا عنهم في مسائل الأصول العلمية هو في أصلين: في الصفات، وفي القدر؛ فما يوجد في كتب الشيعة الإمامية عن هذين الأصلين إنما هو نقل عن المعتزلة، وإلا فالشيعة ليسوا من أهل العلم في هذا الباب، وليسوا من أهل العلم بالعقليات؛ لأن مبادئهم تقوم على مسائل العصمة والتسليم المطلق بأقوال الأئمة؛ فمبادئهم من جنس طرق الصوفية الغالية الذين لا يعتبرون مسائل النظر اعتبارًا متينًا، ولهذا ليسوا من أهل الإسناد، ولا من أهل العقليات، وإنما أخذوا مادة العقليات من المعتزلة وتأثروا بهم، وما يوجد في بعض كتبهم من قوة الجدل العقلي فهو -في الغالب- محصل من كلام المعتزلة، فإنهم نقلوا عنهم في أصل الصفات وأصل القدر.\nفهذا الأصل الثالث من أصول أهل السنة -وهو الإيمان بعموم خلقه ﷾- يخالف فيه القدرية من المعتزلة وغيرهم، فيقولون: إن الله لم يخلق أفعال العباد.","vol":"18","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>الأصل الرابع: الإيمان بعموم مشيئة الله تعالى</span>\nالأصل الرابع: الإيمان بعموم مشيئته ﷾، وأنه دخل في عموم مشيئته مشيئته لأفعال العباد، فهو سبحانه شاء أفعال العباد مشيئة ربانية كونية.\nوهذا الأصل يخالف فيه المعتزلة والقدرية بعامة على ما سبق في الأصل الثالث.","vol":"18","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>الأصل الخامس: الإيمان بعموم حكمة الرب ﷾</span>\nالأصل الخامس: الإيمان بعموم حكمة الرب ﷾، وأنه دخل في حكمته ما يتعلق بأفعال العباد، فإن هذه الأحوال التي عليها الناس هي مقتضى حكمة الرب ﷾ وعدله وقضائه، وإن كان يقع من الناس ما هو شر وفساد فإن هذا باعتبار مبدئه، أما منتهاه فإنه يكون مطابقًا للحكمة.\nوإذا اعتبر الشر والفساد قبل النظر في مبدأ هذا الشر ومنتهاه تعذر على العقل أن يعلم أن هذا من الحكم الفاضلة، لكن إذا اعتُبر مبدؤه من جهة التكليف والتشريع، وتكليف العباد واختبارهم، ومنتهاه من جهة الثواب والعقاب، صار المجموع على وفق الحكمة وعلى وفق العقل.\nوهذا معنى قولنا: إن جميع ما يقع في هذا الكون هو مقتضى حكمة الرب ﷾.\nوالله ﷾ منزه عن النقص المنافي للحكمة؛ ولهذا نفى ﷾ أن يكون في خلقه شيءٌ خلقه لهوًا ولعبًا، إنما خلقه ﷾ هو من الحكمة التي اقتضاها مقام صفاته ﷾.","vol":"18","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>الأصل السادس: الإيمان بأن العباد لهم إرادة ومشيئة قائمة بهم</span>\nالأصل السادس: الإيمان بأن العباد لهم إرادة ومشيئة قائمة بهم، ولها اختصاص من جهة وجود الفعل من عدمه، أي: أنها إرادة مؤثرة في وجود الفعل وعدمه، ولو لم توجد هذه الإرادة من العبد لما وجد فعله، ففعل العبد هنا ماهية مركبة من إرادته وحركته.\nولهذا إذا قيل: فعل العبد هل هو متعلق بإرادته؟ قيل: ما هو الفعل؟ فإنك إذا رجعت إلى العقل وجدت أنه يفرض أن الفعل شيء مستقل، ولكن فرض العقل ليس معتبرًا، أما إذا رجعت إلى تصور العقل؛ فإنك تجد أن العقل لا يتصور الفعل إلا ماهيةً مركبةً من الإرادة والحركة، ولهذا يمتنع وجود الحركة من غير إرادة؛ إلا إذا كانت الحركة حركة اضطرارية؛ كحركة النائم مثلًا؛ على رغم أن البعض جعل للنائم إرادة تناسب حاله في النوم.\nوالمقصود: أن الأفعال التي هي مناط العباد وما يتعلق بتكليفهم، هي جميعها متعلقة بإرادتهم ومشيئتهم، والعبد إرادته هذه مؤثرة في وجود الفعل من عدمه؛ لأنها من ماهيته فعلًا، ولكن هذه الإرادة وإن كانت مختصة من جهة تعلقها بفعل العبد أو عدمه، إلا أنها ليست مستقلة بالتأثير، بل تابعة لمشيئة الله ﷾؛ لأن الله هو الخالق للعباد، وهو الخالق لإرادتهم ومشيتئهم.","vol":"18","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>الأصل السابع: إحكام القول في القدر مع الشرع</span>\nالأصل السابع: أن أهل السنة والجماعة يحكمون القول في القدر مع الشرع، فإن التوحيد أصله علم وطلب، وهذا هو التقسيم الذي يذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، فما يتعلق بتوحيد الربوبية هو توحيد العلم، ويدخل فيه الأسماء والصفات، وإن كان بعض أهل العلم من أئمة الدعوة وغيرهم ممن قبلهم يميزون الأسماء والصفات لاختصاص المنازع فيها، وهذا من التقاسيم السائغة.\nفالمقصود: أن التوحيد علم وطلب ..\nفالعلم هو معرفة الله، والطلب هو عبادته بما شرع، فيقال: إن من أصول أهل السنة والجماعة: الجمع بين مقام الشرع والقدر، والجمع بين معرفته ﷾ وعبادته، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الإيمان الذي بعثت به الرسل هو معرفته سبحانه وعبادته بما شرع).\nوليس هناك طائفة اختصت بالمخالفة في مسألة الجمع بين الشرع والقدر، وإنما ثمة طوائف غلت في مقام الشرع، وقصرت في مقام القدر، وثمة طوائف غلت في مقام القدر، وقصرت في مقام الشرع.\nأما من غلا في مقام الشرع وقصر في مقام القدر فهم: المعتزلة وأمثالهم؛ فإن المعتزلة كانوا معظمين إلى درجة الغلو في الأمر والنهي، من جهة أنهم يرون أن من ترك واجبًا تركه كبيرة فإنه يكون قد عدم الإيمان، ويكون مخلدًا في نار جهنم، فهذا من باب الغلو في الأمر والنهي، مع أن المعتزلة عندهم تقصير في باب القدر، من جهة أنهم قدرية نفاة للقدر، أي: نفاة لخلق الله لأفعال العباد، نفاة لمشيئة الرب لها.\nفهم لم يجمعوا بين مقام الشرع ومقام القدر، بل مالوا إلى الغلو في الشرع، وأسقطوا مقام القدر، وإذا قيل ذلك فلا يظن أنهم كفروا به من كل وجه، وإنما أسقطوا التحقيق له.\nوهناك من يكون عنده غلو في باب القدر وإسقاط لما هو من الشرع، وهذا لا يقع مذهبًا لقوم من النظار، وإنما يقع في بعض الطوائف من جهة أعيانهم، حتى من أهل السنة والجماعة؛ كمن يحتج على معاصيه بالقدر؛ فإن هذا قد بالغ في مقام القدر حتى جعله عذرًا في معاصي العباد، وأسقط به مقام الشرع.\nفمن غلا في مقام القدر إلى أن جعله موجبًا لسقوط أحكام الشريعة أو المؤاخذة عليها، فهذا ممن لم يحقق الجمع بين الشرع والقدر.\nفهذا هو الأصل السابع من أصول أهل السنة والجماعة، وهو الجمع بين مقام الشرع والقدر، وهم في ذلك وسط بين هؤلاء وهؤلاء.\nوممن يغلو في مقام القدر ويُسقط به ما هو من الشرع، لا على سبيل التعيين كحال الفجار من العصاة الذين يفجرون ويأتون الكبائر ويعتذرون بالقدر: بعض الطوائف من الصوفية، أصحاب الفناء، والفناء عند الصوفية يأتي على ثلاثة أوجه: الفناء عن وجود السوى، وعن إرادة السوى، والفناء عن شهود السوى.\nوالفناء الذي يذكر أهل العلم كـ شيخ الإسلام أنه من الفناء الشرعي، إنما ذلك باعتبار معناه، وإلا فاللفظ صوفي، وهو الفناء عن إرادة السوى، أي: أنهم لا يريدون بأعمالهم إلا الله.\nأما الفناء عن شهود السوى ووجوده فهو فناء الصوفية المنحرفة عن السنة والجماعة: إما انحرافًا غاليًا إلى حد مادة الكفر؛ كفناء الوجودية الصوفية كـ ابن عربي وأمثاله، الذين عندهم فناء عن وجود السوى، وإما فناء عن شهود السوى بما هو من إسقاط بعض مقامات الشرع، وهذا يقع في كلام بعض الصوفية الذين لا يصلون إلى حد ابن عربي وأمثاله، كـ أبي إسماعيل الأنصاري الهروي، ومن ذلك قوله: (إن من شهد هذا المقام -مقام القدر والربوبية- لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة)، مع أن الهروي ﵀ لا يلتزم بطرد أصله في مسألة القدر على مسائل التشريع كطرد الباطنية الذين يسقطون التشريع بالأعيان.\nفيوجد في كلام هؤلاء مادة من الغلو في القدر وإسقاط ما هو من الشرع، وقولهم ليس منتظمًا كقول المعتزلة، ولكنه مادة شائعة في كلام الصوفية، وهم فيها على درجات.\nوفي الغالب: إذا تكلمت مع المتكلمين تستطيع أن تضبط أقوالهم؛ لأن أقوالهم في الغالب تأتي على التعيين، وأما إذا تكلمت مع الصوفية، فإنه في الغالب يتعذر الضبط لأقوالهم؛ لأن مادتهم تقوم على المراميز (الرموز)، وعلى الإشارات، وعلى الإفصاح وعدم الإفصاح، وغير ذلك.\nولذلك قد يتكلم بعضهم بحرف يتكلم به الآخر، ويكون مقصود الأول بهذا الحرف غير مقصود الآخر.\nفالصوفية لا يفسر كلامهم على وجه واحد، بل لابد من اعتبار درجة المتكلم، فقد يختلف الصوفية في تفسير الحرف.\nوبعض من يدرس كلام بعض الصوفية المقتصدة (المعتدلة) في كثير من المسائل، قد يرى في كلامهم بعض الأحرف التي تكلم بها الغلاة منهم وفسروها، فيفسر كلام هذا المقتصد بما فسر به ذاك الغالي هذا الحرف؛ لأن الحرف حرف واحد، وذلك كلفظ (الفناء) -وهذا من أقرب الأمثلة- فالفناء مستعمل في كل درجات الصوفية، فكل طبقات الصوفية يتكلمون بحرف الفناء، لكن ابن عربي والتلمساني إذا تلكموا في الفناء فمعناه عندهم شديد، وإذا تكلم عنه أمثال الهروي فمعناه دون ذلك، وإذا تكلم به الجنيد بن محمد فمعناه دون ذلك بكثير.\nفالمقصود: أن الحرف الواحد ليس ملزمًا، ولا يفسر في الغالب بمادة واحدة.","vol":"18","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>الطوائف المخالفة في باب القدر</span>\nالطوائف المخالفة في باب القدر طائفتان: القدرية والجبرية.","vol":"18","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>القدرية</span>\nالقدرية غلاة، وقد سبق أنهم ليسوا من المسلمين، وإنما يسمون بهذا المذهب لكفرهم بالقدر، ودونهم -وهم المعتزلة- الذين يقولون: إن الله علم أفعال العباد -فيقرون بالأصل الأول- وكتبها، فيقرون بالأصل الثاني إجمالًا؛ لأنهم قد يقصرون في تفصيل الكتابة الواردة في السنة، ولكنهم يقولون: إن الله لم يخلقها ولم يشأها، وهل يقولون: إن العبد هو الخالق لفعله؟\nالمعتزلة لهم ثلاثة أقوال: منهم من يسكت عن هذا السؤال، ومنهم من يقول: إنه لا يقال: إن العبد خلقها، ومنهم من يقول: إن العبد خلقها.\nوكل الأقوال مشكلة في نفسها، فإن من سكت فإنه سكت عن السؤال اللازم، والسكوت عن السؤال اللازم عن القول ممتنع، فإنه يدل على فساد القول نفسه، أو على امتناع العلم في القول نفسه، فالجهل هنا ليس محتملًا؛ لأنه يستلزم الجهل بالأصل الملازم له.\nومن قال: إن العباد خلقوها، فهذا هو الغلط البين من جهة أن الله هو الخالق لكل شيء.\nومن قال: إنه لا يقال: إن العباد خلقوها، مع قوله: إن الله لم يخلقها، فهذا قول متعذر؛ لأنه يستلزم وجود ما له ماهية ووجود بدون خالق له.\nفهؤلاء هم المعتزلة، وقد أخذ من مادة قولهم بعض رجال الإسناد، والذين سبق بيان ما في قولهم من الامتياز عن قول المعتزلة، وإن كان هؤلاء -أي: بعض رجال الإسناد- ليسوا هم كبار الأئمة المحدثين، وإنما هم من آحاد الرواة، ولذلك لم ينضبط القول بمذهب القدرية -أي: أن الله لم يخلق أفعال العباد ولم يشأها- عن إمام من أئمة الحديث أو أئمة الفقه الكبار، وإن كان هذا القول نسب إلى أبي حنيفة، إلا أنه كذب عليه، ونسب إلى الحسن البصري، وهو كذب عليه وليس من أقواله، بل كان من أشد الناس على القدرية، ومع ذلك نسب إلى الحسن البصري، وهناك رسالة منسوبة إلى الحسن البصري، والأظهر فيها أنها من كتابة بعض الشيعة الذي كانوا يقولون بهذه الطريقة، ونسبوها إلى الحسن البصري ﵀.","vol":"18","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>الجبرية</span>\nالطائفة الثانية: وهي الجبرية، وهم الذين يقولون: إن العباد مجبرون على أفعالهم، وهؤلاء الجبرية غلوا في الأصول الأربعة الأولى، ولا سيما في الأصل الثالث والرابع، حتى سلبوا العبد قدرته ومشيئته وإرادته، فينكرون الأصل السادس الذي هو: أن العباد لهم مشيئة وإرادة مختصة في وجود الفعل من عدمه، ويقولون: إن العبد ليس له إرادة بل هو مجبور على فعله، وهذا مذهب الجهم بن صفوان، وهو مهجور عند جهور طوائف المسلمين فضلًا عن سواد العامة، وإنما تأثر به من تأثر لما استقى من مادة هذا القول بعض متكلمة الصفاتية، وأخصهم أبو الحسن الأشعري ﵀، فإن الأشعري لما رجع عن قول المعتزلة ومذهبهم -والمعتزلة قدرية في باب القدر- رجع إلى مذهب كان يظن أنه مذهب السنة والجماعة، وهو ما سماه الأشعري في كتبه بمذهب الكسب، والكسب حرفٌ قرآني، أما الجبر فليس حرفًا قرآنيًا، فليس في القرآن أن أفعال العباد جبر، لكن في القرآن أن أفعال العباد كسب، كقول الله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، فهي كسب للعباد، ولكن الأشعري أقام على لفظ الكسب وفسره بما هو فاسد في معناه، فصارت حقيقته الجبر، فيؤخذ على الأشعري في اللفظ والمعنى.\nأما في اللفظ: فيؤخذ عليه إقامته عليه، فإنه إذا ذكر مسألة القدر قصرها على هذا الحرف، مع أن القرآن في أفعال العباد فيه حروف كثيرة، وإنما اجتنبها الأشعري لأن مادتها تشكل على مادته، فكان يقصد إلى عدم ذكرها هو وأكثر أصحابه، فيؤخذ عليهم إقامتهم على هذا الحرف من جهة وتركهم للحروف والألفاظ الأخرى؛ هذا من جهة اللفظ.\nأما من جهة المعنى: فإن الأشعري فسر الكسب تفسيرًا منغلقًا حتى على كثير من أصحابه، وقد صرح بأنه منغلق، والمحصل من هذا التفسير أن العبد له إرادة ومشيئة، ولكنها مسلوبة التأثير، وهذا لا بد أن يكون جبرًا.\nوقد صرح بأن هذا جبر جماعة من أهل العلم كـ شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن إذا أردت مقام الرد، وقلت: إن شيخ الإسلام قال: إنه جبر، فإن المخالف في هذا قد لا يكون مستجيبًا؛ لأن المفسر لقوله إمام خارج عن مذهبه، فيكون الأقوى هنا إذا وجد في كلامهم من يلتزم بهذا اللازم من جهة الحروف.\nوقد صرح الشهرستاني في كتبه، وكذلك محمد بن عمر الرازي في المطالب العالية، أن مذهبهم في هذا الذي ذكره الأشعري جبرٌ متوسط، فليسوا جبرية غالية، وهذا القول الذي قاله الرازي والشهرستاني صحيح، فإنهم ليسوا جبرية غالية من جنس غلو جهم بن صفوان.\nوكما أن ثمة فرقًا بين رجال الإسناد والمعتزلة، فثمة فرق بين الأشعرية وجهم بن صفوان، وإن كان الأشعرية أنفسهم قد صرحوا بأن قولهم هذا جبر، ولكنهم قالوا: جبر متوسط.\nفالمقصود: أن هذا القول حقيقته أنه جبر.\nوقد تقلد هذا القول بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي وأصحاب مالك الذين تأثروا بمذهب أبي الحسن الأشعري في مسألة القدر، فقول الأشعري في القدر هو قول منغلق، ومادته في نفس الأمر هي مادة جبرية، وإن كان حرفه من الأحرف القرآنية.\nفهذه هي الطوائف المخالفة للسلف في باب القضاء والقدر.","vol":"18","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>درجات الإيمان بالقدر</span>","vol":"18","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>الدرجة الأولى: العلم والكتابة</span>\nقال المصنف ﵀: [فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى عليم بالخلق، وهم عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق].\nالفلاسفة يقولون: إن الله لا يعلم الجزئيات، فهؤلاء كفار، وهم لم يكونوا يتكلمون عن الرب الخالق للسماوات والأرض رب العالمين، الذي فطر الله ﷾ العباد على الإيمان به، ونزلت الكتب السماوية معرفة به؛ بل كان لهم طرق أخرى في تحقيق الآلهة وما إلى ذلك، فهم يقولون: لا يعلم الجزئيات، وإنما يعلم الكليات، فقولهم هذا بين الهجر، وهو من الكفر، كما قال أبو حامد الغزالي، فضلًا عن أئمة السنة.\nلكن أحيانًا يوجد في كلام بعض أهل العلم من التفصيل في مسائل القدر ما ليس محمودًا.\nوقد ذكرنا -بناءً على المنهج الذي ذكرناه سابقًا- أن مسائل أصول الدين الغيبية، والعقائد، وأفعاله ﷾ لا ينبغي كثرة إيراد الأسئلة عليها، وإن كان السؤال قد يكون ورادًا على كثير من الأذهان، فإن وروده على كثير من الأذهان لا يعني أنه سؤال مشروع أو سؤال صحيح، أو سؤال يمكن العلم به والجواب عنه، فكل هذا ليس بلازم.\nابن القيم ﵀ في مناظرته بين السني والقدري افترض مناظرة ليست حقيقية، فبدأ يورد أسئلة لتحقيق صورة المناظرة، فأحيانًا يأتي ببعض الأسئلة التي يفرضها على لسان القدري، ثم يورد كلامًا هو جواب السني، وبعض التزامات ابن القيم في جواب السني ليست محكمة.\nفمثلًا: قوله: (إرادة الله لأفعال العباد)، هل هو مريد لكل همسة ولمسة وحركة من أفعالهم، أم أنه مريد ﷾ للفعل جملة، أم أنه مريد لجنس الفعل؟ ثم قال: (إن الماء إذا كان يجري فالنهر يجري بإرادة الله، لكن لا يلزم أن كل جرية بعينها وكل نقطة من هذا الماء بعينها تكون متعلقة بإرادة مختصة)، وقال: كالرجل إذا حمل العبل من الحب، فهو حامل لكل حبة وإن كان لم تعقل إرادته بكل حبة على حدة، وبدأ يأتي بالمسألة من هذه الأوجه، ويديرها من هنا وهناك.\nوالصواب: ترك هذا الكلام؛ لأن من فطرة البشر إذا قيل: هذا الشيء مرادٌ لهذا المعين، أن يفهموا ذلك بالفطرة؛ لأن كل أمرهم أصلًا هو الإرادة، فإذا قيل: إن هذا الكأس جاء هنا بإرادة فلان من الناس، لم يحتج ذلك إلى التفصيل: كيف جاء؟ وهل كل أجزائه من الكأس؟ وهل الماء هو الكأس؟ وهل الكأس دون الماء؟ وهل جاء الماء قبل الكأس؟ وكأن هذا مشكلة القدرية مع أهل السنة.\nوأنا لا أنتقد الإمام ابن القيم، فهو إمام معروف شأنه وعلمه، لكن المقصود من ذلك: أن كلًا يؤخذ من قوله ويرد.\nوطالب العلم الفقيه الفاضل يعظم أهل العلم، لكنه يتجنب بعض هذه الطرق، وأنا أشير إلى هذا لأن الناشئين المقبلين على طلب العلم، لو كان عندهم منهج محكم من جهة العلم والتربية في طلب العلم، لكان لديهم مناعة -إن صح التعبير- عن مثل هذه الأشياء، ولما كان التنبيه إلى ذلك مقصودًا، لكن لأن كثيرًا من الشباب يهتمون بهذا الزغل من العلم، وبهذه اللفتات من العلم، لأنها تحتاج إلى دقة الذهن، وفيها نوع من التميز، أما القول بأن الله خالق أفعال العباد فهو أمر معلوم منشور، حتى العوام يعرفونه؛ فطالب العلم حينما يرجع إلى معنىً دقيق، تشعر نفسه بنوع من امتيازه في فقه هذه المسألة.\nوهناك نفوس كثيرة علمية فاضلة، لكنها أصبحت تتذوق هذا الأمر وتعشقه، فإذا وجدوا مثل ذلك لـ ابن القيم على جلالته، بدءوا يتتبعون مثل هذا النفس، وتتبع هذا النفس في هذا النوع من المسائل ليس محمودًا.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة].\nهذا حديث صحيح ثابت عن رسول الله ﷺ، وليس معنى الحديث أن القلم هو أول المخلوقات، ومن البين عند جمهور أهل السنة والحديث أن العرش سابق للقلم.\nقال المصنف ﵀: [فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]].\nوالأول هو جزء من وصية النبي ﷺ لـ ابن عباس.\n[وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢]، وهذا التقدير لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلًا، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا، فيؤمر بأربع كلمات: فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد، ونحو ذلك، فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية قديمًا، ومنكروه اليوم قليل].\nوهذه الكتابة ثابتة في الصحيح عن ابن مسعود وحذيفة بن أسيد، وإن كان بينها في بعض التراتيب نوع من الاختلاف والتنوع.","vol":"18","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>الدرجة الثانية: المشيئة والتقدير</span>\nقال المصنف ﵀: [وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السماوات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه ما لا يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه، لا خالق غيره، ولا رب سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته].\nهذه إشارة من المصنف إلى مسألة الجمع بين الشرع والقدر، وهي أن العباد مأمورون بما أمر الله به، منهيون عما نهاهم الله عنه، وأن هذا الشرع لا يعارض بشيء من القدر.\nقال المصنف ﵀: [وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد، والعباد فاعلون حقيقة، والله خلق أفعالهم].\nقوله: (فاعلون حقيقة) (فاعلون) خلافًا للجبرية، (حقيقة) خلافًا للأشعرية الذين يوافقون أئمة السلف في الجملة اللفظية ويقولون: هذا من باب المجاز وما إلى ذلك.\nقال المصنف ﵀: [والعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم وقدرتهم وإرادتهم، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨ - ٢٩]، وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة].\nجاء هذا في حديث ابن عمر: (القدرية مجوس هذه الأمة)، والمصنف هنا أطلق الحديث، وإن كان الحديث مما يعلم أنه فيه كلامًا من جهة صحته، فمن أهل العلم من حسنه، ومنهم من لم ير صواب ثبوته، وهو الصحيح؛ فإنه لم يصح عن النبي ﷺ في طوائف المبتدعة نص من جهة التسمية، فكل النصوص المنقولة في تسميته للرافضة أو تسميته للقدرية وما إلى ذلك، كلها ليست صحيحة من جهة رفعها.\nقال المصنف ﵀: [ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره].\nقوله: (ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات): إشارة إلى الأشاعرة، وهذه الإشارة فيها لطف مع المخاطبين، وإن كانت لم تتضمن تقصيرًا في المعنى المراد، وهذا هو المنهج المشروع في الأصل، أن المجادلة للمخالف لا تكون بالألفاظ الموجبة لجفائه، وإن كان هذا موجودًا في كلام أهل السنة، وقبل أن يكون ذلك موجودًا في كلام أهل السنة هو موجود في القرآن مع الكفار، لكن ليس الموجود في القرآن هو الألفاظ المحركة للنفوس إلى الجفاء، فليس كل ما ورد في القرآن من مخاطبة الكفار يحرك نفوسهم إلى الجفاء، ولذلك من التزم هذا المنهج، وقال: هذا هو منهج السلف، فقد أخطأ على السلف، نعم ..\nيوجد في كلام السلف حروفٌ فيها جفاء مع المخالف الذي فيه مادة عناد أو مكابرة، أو كان ذلك لمصالح شرعية، لكن ليست هذه الحروف من الجفاء في الكلام معهم هي الحروف المشروعة وحدها، فهذا ليس صحيحًا، كما أن العكس غلط، فهناك البعض الآن حتى من طلاب العلم الذين قد يكون عندهم نظرة أخرى، يقولون: ينبغي له أن يحدث بالألفاظ اللينة وما إلى ذلك، فهذا ليس صحيحًا، بل هذا مشروع وهذا مشروع، كما قال الله في أهل الكتاب: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦]، وقال لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه:٤٤]، وهذا في الابتداء، لكن في قصة موسى وهارون مع فرعون إذا رجعت إليها في تفاصيلها في القرآن وجدت فيها قول موسى له: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]، وهذا فيه شدة.\nفالله قال في كتابه: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه:٤٤]، وموسى قال له: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]، وليس هذا من عدم تطبيق موسى لأمر الله، فإن الله شرع له ذلك في الابتداء، ولهذا فإن الأصل في الابتداء في خطاب المعين: أنه يُقصد إلى ما يحرك نفسه إلى قبول الحق، أما إذا صار عنده مادة من الاستكبار والعلو، فإنه يقال له ما يوجب كسر بأسه، وشدته، وعلوه، ونشره لهذا الباطل، ولذلك في أهل الكتاب لم يقل الله: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦] على الإطلاق؛ لأن من أهل الكتاب من هو ظالم، وليس في قلبه إلا الكبر والعناد، فقال ﷾: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦].\nفأهل البدع على كل تقدير هم أقل من الكفار، فهم بحاجة إلى الخطابين، ومن صدق النظر وصار صاحب عقل وفهم استطاع أن يجد في كلام السلف هذا وهذا، وأما من ضاق عقله في الغالب، فتجد أنه يغلو ولا يتكلم معهم إلا بالسيئ من الكلام.\nوهذه الأمة مما حسن الله ﷾ في حقها الأخلاق، وليس لها مثل السوء حتى في لسانها، ولهذا فإن المؤمن ليس بالطعان ولا باللعان ولا بالفاحش ولا البذيء، والبذاءة مع المخالف هي مشروعة إذا اقتضتها المصلحة الشرعية، أما أنها تكون بذاءة نفسية فيتعود الإنسان على البذاءة دائمًا فلا.\nوالمنهج القرآني في خطاب الكفار، وكذلك منهج السلف مع أهل البدع هو استعمال اللفظ المقرب للنفوس، وقد يستعمل معهم لفظ يكون محركًا لنفوسهم للعناد عندما يحققون هم مقام العناد.\nوهذا على كل حال فقه لا يمكن ضبطه في كلمة أو كلمتين، والمقصود أن هذا مشروع وهذا مشروع، فمن هجر أحدهما فليس هو على استقامة تامة.\nقال رحمه الله تعالى: [ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها].\nهذه إشارة إلى مسألة الحكمة.\nإذًا: إذا تأملت كلام شيخ الإسلام في باب القدر في الواسطية وجدته ذكر الأصول السبعة، فبعض الأصول سماها على درجات، وبعضها ألحقها ببعض المسائل الأخرى من باب التلازم لا من باب اختصار معناها.","vol":"18","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>شرح العقيدة الواسطية [١٩]</span>\nعقيدة أهل السنة والجماعة في الدين والإيمان أنه قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب واللسان والجوارح، كما يعتقدون أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وأن من أتى معصية فلا يحكم عليه بالكفر بسبب إتيانها كما قالت الخوارج، وإنما يقال: هو مؤمن ناقص الإيمان.","vol":"19","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>مسائل الإيمان</span>\nقال المصنف ﵀: [فصل: ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح].\nقوله: (ومن أصول أهل السنة) إشارة إلى قدر هذا الباب، وأن القول في مسمَّى الإيمان هو من الأصول المتفق عليها بين أئمة السنة والجماعة، وإذا كان القول من الأصول، فإن القاعدة فيه معروفة من جهة أنه لا يجوز مخالفته، ولا يجوز الاجتهاد بخلافه، حتى ولو كان الاجتهاد عند المجتهد أو الناظر مبنيًا على نوع من الدليل الشرعي، ولهذا فلا شك أن قول مرجئة الفقهاء -ولا سيما أئمة هذا القول كـ حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة - لم يكن مبنيًا على شيء من الأصول البدعية الكلامية، أما بدع الجهمية والمعتزلة التي خالفوا بها السلف فإنها بنيت على أصول من علم الكلام، بخلاف حماد بن أبي سليمان، فإنه لما قال مقالته -وهو أول من خالف من أئمة السنة في هذه المسألة- فلا شك أنه بناها على شيء من الدليل الشرعي، كالاستدلال بقول الله تعالى في القرآن كثيرًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧]، وظهر له من هذه السياقات أن العمل ليس من الإيمان.\nفالمقصود: أن مثل هذا الاجتهاد لا يجوز ولو كان مبنيًا على دليل شرعي، وهذا من جهة أن الاجتهاد بعد ثبوت الإجماع يعلم غلطه ولا بد.\nوإنما كان محرمًا ومنهيًا عنه؛ لأن الإجماع إذا انعقد علم أن الاجتهاد يتعذر أن يُحصَّل به صواب يخالف ما سبق الإجماع عليه.\nوهذه قاعدة مطردة: أن الإجماع إذا تحصَّل امتنع الاجتهاد بخلافه، ولو كان المجتهد يبني اجتهاده على ظاهر دليل، وحتى لو كان ظاهر الدليل في نظره مخالفًا للإجماع، فما دام الإجماع محفوظًا، فلا يجوز النظر بخلافه؛ لأنه يعلم الغلط فيه ولا بد.","vol":"19","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>الدين والإيمان قول وعمل</span>\nقال ﵀: (ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل).\nالمصنف هنا قال: (الدين والإيمان)، والاختلاف عند أهل القبلة إنما هو في اسم الإيمان، وأما اسم الدين فقد أجمع المسلمون على أن الدين قول وعمل، فهذا مما لا يختلفون فيه، وليس من موارد الخلاف، وأجمعت الطوائف جميعها على أن الإيمان من الدين، ولكن منهم من يذهب إلى الترادف بين الدين والإيمان، ومنهم من يفرق من وجه.\nوكأن من محصِّل مذهب أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان -أو هذين الاسمين- على مسمىً واحد، بخلاف المرجئة، فإنهم باتفاقهم لا يجعلون العمل داخلًا في مسمَّى الإيمان وإن كانوا يجعلونه من الدين.\nوحتى الطرف الآخر في المسألة وهم الخوارج والمعتزلة الذين يقولون: إن الإيمان قول وعمل ولكنه لا يزيد ولا ينقص، في ظاهر مذهبهم -وإن كانت هذه المسألة لا يعتنون بتحريرها- أنهم يفرقون بين الدين والإيمان.\nلكن هناك فرق بين المعتزلة والخوارج، فالمعتزلة حكي في مذهبهم الخلاف، والخوارج منهم من يحكي الإجماع عندهم ومنهم من يحكي الخلاف.\nفالمسألة -كما أسلفت- ليست محررة في كتبهم أو فيما نقل عنهم، لكن النوافل منهم من يجعلها من الإيمان، ومنهم من يقول: إنها من الدين وليست من الإيمان، فيتحصَّل أن الضبط لاسم الدين واسم الإيمان على هذا المعنى هو من المعاني المستقرة في كلام أهل السنة والجماعة.\nفقول المصنف: (أن الدين والإيمان) أما الدين فلا خلاف فيه بين المسلمين أنه قول وعمل، وإنما الخلاف في اسم الإيمان.\nفإن قيل: فإذا كان لا خلاف فيه فلم ذكره المصنف؟\nفالجواب: أن هذا نوع من التصحيح، وهو نوع من الإلزام، بمعنى: أنه إذا كان مستقرًا عند المسلمين أن الدين قول وعمل، فينبغي أن يستقر عند المسلمين أن الإيمان قول وعمل، وإن كان النظَّار من المرجئة أو غيرهم يفرِّقون بين الدين والإيمان، فإن المستقر عند عامة المسلمين وحتى علماء المرجئة القاصدين للسنة والجماعة أن الأقرب إلى الأصول الشرعية والفطرية أن الدين والإيمان على معنىً واحد، فيكون هذا أدعى للتصحيح عند العامة، وهذا ليس من باب الخطاب بالعاميات؛ لأن المخالفين إنما خالفوا بأصولٍ مبتدعة، والأصول التي عند العامة تلقوها عن منهج الرسالة العام، فيكون الاستعمال لها حسنًا من هذا الوجه.\nوقوله: (قول وعمل)، أجمع السلف ﵏ وأئمة السنة والجماعة على أن الإيمان قول وعمل، وإن كانت عباراتهم قد اختلفت ألفاظها، فالمشهور عن جمهورهم أنهم يقولون: الإيمان قول وعمل ..\nهذا هو التعبير الذي نطق به الجمهور من السلف، ومن السلف من قال: الإيمان قول وعمل واعتقاد.\nومنهم من يقول: إنه قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح.\nومنهم من يقول: إنه قول وعمل ونية واتباع للسنة.\nكـ سهل بن عبد الله، وهو من النسَّاك، وإن كان عنده قدر من العلم، لكنه اشتهر بالعبادة والنسك.\nوقال البخاري في صحيحه -في إحدى روايات صحيح البخاري -: الإيمان قول وفعل.\nوإن كانت هناك رواية أخرى لصحيح البخاري فيها: أن الإيمان قول وعمل.\nلكن الموجود في صحيح البخاري الآن: أن الإيمان قول وفعل.\nوإن كان من الشرَّاح من تكلم على تعبير البخاري بالفعل.\nوالأصل في هذا ألا يبالغ في الفرق بين العبارات، وهذا منهج سبق أن نبهت إليه: أن التفقه في المعنى الاصطلاحي يُستعمل في مسائل التكليف، سواء كان هذا التفقه من النظر في كلام الله ﷾، أو كلام رسوله، أو حتى في كلام أهل العلم.\nأما تعبير السلف في مسائل الأصول، فكلما قُصِدَ إلى أن الخلاف لفظي بينهم فإن هذا يكون أجود، فينبغي أن يجعل الخلاف في التعبير عن الأصول من الخلاف اللفظي، وعلى الأقل: ينبغي أن يجعل ذلك من خلاف التنوع، أما كثرة التفريق بأن هذا يشير بقوله كذا وكذا إلى كذا وكذا من المعاني، وقد يكون اللفظ محتملًا لذلك، لكن معرفة أن هذا المتكلم قصد ذلك فيه تعذر.\nوفي الغالب أنه صدرت هذه الإجابات من الأئمة ليس عن كثير من هذه الإشارات، إنما كانوا يقصدون بها معنىً واضحًا: أن الإيمان قول وعمل، على ما فصَّله شيخ الإسلام هنا.\nإذًا: تعبير السلف هنا مختلف، وإذا قيل: هل هذا التعبير من الخلاف اللفظي، أم من خلاف التنوع، أم من خلاف التضاد؟ فقطعًا أنه ليس من خلاف التضاد، ولكن البعض يقول: إنه خلاف تنوع، وهذا أيضًا غلط؛ لأنه إذا اختلف هذا التعبير مع التعبير الآخر فلا بد أن يتضمن أحد التعبيرين معنى ليس في التعبير الآخر، فعندها يكون الاختلاف من باب اختلاف التنوع، فيكون في أحد التعبيرين من المعنى ما ليس في الآخر، وإن كان لا ينافيه، فإذا وجد هذا قيل: إن الخلاف هنا خلاف تنوع.\nأما اختلاف ألفاظ السلف في التعبير عن الإيمان فهو من باب الخلاف اللفظي، والخلاف اللفظي لا يفهم منه أنه لا ثمرة له كما هو مشهور عن مسائل الخلاف اللفظي عند كثير من أهل الأصول، إنما هنا وإن كان الخلاف لفظيًا إلا أن ثمرته هي إظهار أبين العبارات وأصدقها في التعبير عن الحقائق العلمية؛ ولذلك كان التعبير الذي يقول: إن الإيمان قول وعمل -وهو الذي عبَّر به الجمهور من السلف- هو أصدق هذه التعبيرات، أصدقها من جهة الألفاظ؛ لأنه أحكم لفظًا، ووجه كونه أحكم من جهة اللفظ: أن قولهم: الإيمان قول وعمل تضمن المقامات الأربعة: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، أما قول اللسان فمعروف، وأما قول القلب فهو تصديقه بما هو من التصديقات الشرعية، وأما عمل القلب فهو حركته بهذا التصديق بأعماله المناسبة له؛ كالمحبة والخوف والرجاء ونحو ذلك، وأما عمل الجوارح فهو بيِّن.\nفهي أربعة مقامات: قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح.\nوفي هذا بيان لفضل هذه الجمل: أن الإيمان قول وعمل.\nوبالنظر البسيط إلى هذا التعريف: أن الإيمان قول وعمل، قد يتبادر إلى ذهن بعض الناس أن يقول: أين الاعتقاد؟ فمن خلال ما سبق يتبين أن الاعتقاد هو قول القلب.\nوهناك وجه آخر، وهو وإن لم يكن صريحًا لكنه أجود من جهة الإفادة، وهو: الإشارة إلى قدر من التلازم والتركب، ومعنى هذا الكلام: أن الإيمان في سائر موارده متركب من القول والعمل، سواء كان هذا التركب بطريق التضمن أو كان هذا التركب بطريق اللزوم؛ أما المطابقة فلا تكون إلا في شيء واحد، وإذا استعملت التركب فلا بد أن يكون عندك شيء وآخر، فهذا التركب يكون بطريق التضمن تارة ويكون بطريق اللزوم تارة أخرى.\nومن فَقِهَ هذا المعنى من النظر العقلي الشرعي، بانَ له أن سائر أقوال المرجئة ليست خاطئة فحسب؛ بل هي خاطئة من جهة العقل فضلًا عن الشرع، ووجه ذلك: أن سائر المرجئة -بل سائر أهل القبلة- يقولون: إن اعتقاد القلب وتصديق القلب هو الإيمان، وهو عند أهل السنة من الإيمان، والمهم أن اعتقاد القلب -الذي هو قول القلب- هو من الإيمان بلا جدل بين المسلمين.\nفهنا يقال: إن كل ما هو من الإيمان عند السلف فهو مركب من هذين: قول وعمل، وهذا التركب إما أن يكون تضمنًا وإما أن يكون لزومًا.\nوالمرجئة لما جاءوا إلى العبادات الظاهرة كالصلاة قالوا: إنها ليست من الإيمان، مع أنهم اتفقوا على أن التصديق من الإيمان، ومنهم من يخصه به؛ فيرد عليهم أن الصلاة وسائر الأعمال الظاهرة حقيقتها أنها مركبة من قول القلب الذي هو تصديقه، ومن العمل، وليس هناك صلاة ولا عمل ظاهر ينفك عن التصديق؛ فالصلاة حقيقتها أنها مركبة من العمل الظاهر -وهي الحركات التي شرعت كالركوع والسجود ورفع اليدين، سواء كانت ركنًا أم كانت مستحبةً- ومركبة من الاعتقاد والتصديق.\nوالصلاة ليست ماهيتها تصديقًا محضًا لا عمل معه، ولو قال قائل: إن الصلاة هي تصديق محض لا عمل معه، لأنكر جميع النظَّار وجميع المسلمين ذلك.\nولو جاء شخص وقال: أنا أصلي بقلبي، أؤدي الصلاة بقلبي، وأقوم بهذه الأعمال بقلبي وأصدق بها؛ لقيل له: هذه ليست صلاة شرعية، فكذلك من زعم أن الصلاة -والصلاة مثال وسائر الأعمال الشرعية على حكم الصلاة في القاعدة- هي عمل وليست تصديقًا، فيقال للمرجئ إذا أقر أن الصلاة مركبة من العمل والتصديق: ألست تجعل التصديق من الإيمان؟\nإذًا: عرفنا ضرورة عقلية وشرعية أن الصلاة ماهية مركبة من التصديق والعمل، من قول القلب والعمل، ولك أن تقول: إنها مركبة من ماهية الإيمان كله عند أهل السنة، وماهية الإيمان أربعة مقامات:\nالمقام الأول: قول القلب، والصلاة فيها قول القلب، فمن صلَّى وهو غير مصدق بأن الصلاة من الإسلام فصلاته باطلة، ومن صلَّى الظهر -مثلًا- وهو غير مصدق أن صلاة الظهر شرعها الله ورسوله أربعًا، فصلاته غير صحيحة، وكم من التصديقات اللازمة في الصلاة! فهذا قول القلب.\nالمقام الثاني: عمل القلب، فمن صلَّى وهو لا يصلي محبةً لله وخوفًا ورجاءً، فصلاته مثل صلاة عبد الله بن أبي، صلَّى لكنه ما صلَّى محبة وخوفًا ورجاءً، فإذًا لزم بالضرورة أن الصلاة مضمنة بعمل القلب.\nالمقام الثالث: قول اللسان؛ فالصلاة متضمنة لقول اللسان، فإن المصلِّي يقول: الله أكبر، ويقرأ الفاتحة، ويقرأ الشهادتين في آخر الصلاة وما إلى ذلك.\nالمقام الرابع: عمل الجوارح، فالصلاة متضمنة لعمل الجوارح، فإنه يركع ويسجد وما إلى ذلك.\nولو أن مصليًا أسقط أحد هذه المقامات الأربعة فصلاته باطلة بإجماع المسلمين.\nإذًا: الصلاة الشرعية -والكلام هو في الأعمال الشرعية لا في الأعمال العادية- مركبة من ماهية الإيمان، فيمتنع هنا أن تقول المرجئة: العمل ليس من الإيمان، والتصديق من الإيمان، فقولهم هذا مبني على فرض أن الأعمال توجد منفكة عن التصديقات، وليس هناك عمل شرعي واحد ينفك عن التصديق، فإنه إذا انفك عن التصديق أصبح عملًا غير شرعي، ولو أن شخصًا دخل المسجد هروبًا من لص، أو ممن يريد قتله، أو من شيء من هذا القبيل، فأراد أن يظهر لمن يركض خلفه أنه منشغل بالصلاة، وأنه ليس هو الشخص الذي هرب، فبدأ يتحرك، فإن هذا لا يحتسب له أنه مصلٍّ، ومن قام ليري شخصًا كيفية الركوع الصحيحة، فهذا لا يقال:","vol":"19","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>زيادة الإيمان ونقصانه</span>\nقال المصنف ﵀: [وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية].\nيزيد بالطاعة، سواء كانت هذه الطاعة قلبية أو كانت ظاهرة، وسبق معنا أن مقامات الإيمان المركبة أربعة، فالزيادة والنقصان عند أئمة السنة هي في سائر المقامات الأربعة: في التصديقات، وفي عمل القلب، وفي قول اللسان، وعمل الجوارح.\nوأبو محمد ابن حزم وإن كان كلامه في مسمَّى الإيمان حسنًا في الجملة إلا أنه قال: إن مقام التصديق القلبي لا يدخله الزيادة والنقصان، وهذا غلط، وممن نبه إلى غلطه فيه شيخ الإسلام ﵀، ونقل -أعني ابن تيمية - عن الإمام أحمد نصوصًا صريحة في أن التصديق يتفاضل ويزيد وينقص؛ لأن ابن حزم التفت إلى أن التصديق إذا نقص صار كفرًا أو شكًا، وهذا ليس بلازم، فإن التصديق يتفاضل، ومعلوم أن تصديق أبي بكر بالتشريعات والأخبار الشرعية وما إلى ذلك ليس كتصديق آحاد الناس، بل لا شك أن العمل في الجملة فرع عن تحقيق التصديق والإيمان القلبي.","vol":"19","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>حكم أهل المعاصي عند أهل السنة</span>\nقال ﵀: [وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج].\nأهل السنة بخلاف الخوارج، لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي، ومن ضبط تعبيره أنه لم يقل: لا يكفرونهم بالمعاصي والكبائر؛ لأن الشرك معصية وكبيرة، والنبي ﷺ في حديث أبي بكرة قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله.\nقال: الإشراك بالله ...)، وفي حديث ابن مسعود في الصحيح: (أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تدعو لله ندًا وهو خلقك).\nفالقصد: أن تسمية الشرك كبيرة أمر ثابت في السنة، وإن كانت الكبيرة إذا اقترنت بذكر الكفر أو الشرك انصرفت إلى ما دون الكفر، بخلاف ما إذا انفردت فإنه يذكر بها الكفر وما دونه.\nفمن ضبط المصنف هنا أنه قال: بمطلق المعاصي، أي: بآحاد الكبائر.\nوالذين يكفرون بها هم الخوارج، وجمهورهم يقولون: إنه يكفر كفر ملة، وقالت الإباضية منهم: إنه يكفر كفر نعمة، مع اتفاق الطائفتين على أنه في الآخرة مخلد في النار.\nقال ﵀: [بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨]].\nالأخوة الإيمانية ثابتة ولو مع الكبائر التي لا تنافي أصل الإيمان؛ خلافًا للمعتزلة الذين جعلوا الكبيرة موجبةً لإسقاط أصل الإيمان، ومسقطةً لأصل الأخوة في الدين، فيسلبون الفاسق الإيمان، ويجعلونه في منزلة بين الكفر والإيمان، وهذه منزلة مخالفة لأصول النظر والعقل؛ ولذلك ما يُزعم من أن المعتزلة هم أرباب العقل والانضباط العقلي هو تلبيس عظيم؛ فإن أول مبدأ المعتزلة كان في مسألة الكبيرة، فجاءوا بحكم مخالف للعقل، مخالف للذوق، مخالف للشرع من جميع الجهات، فقالوا: إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار.\nفهذا مخالف -إن صح التعبير- للانفتاح العقلي، فكيف يزعم بعض الكتاب أن المعتزلة هم أرباب الانفتاح العقلي في تاريخ المسلمين، وهم رواد العقل والانفتاح والحرية العقلية، وأن الأئمة والمحدثين كانوا هم أهل الانغلاق والتشدد؟! فمن يزعم ذلك فلا شك أنه لم يفقه مذهب المعتزلة.\nفإن المعتزلة جميعهم قد اتفقوا على أن من ارتكب كبيرة من المسلمين صار مخلدًا في نار جهنم، وهذا من أصولهم، بل هو أول الأصول الذي انشقوا بها عن المسلمين، فأي انفتاح وأي اعتدال عقلي وأي سعة نظر يمكن أن يوصفوا بها مع هذا الأصل؟! هذه جهة.\nالجهة الثانية: أنهم جاءوا باسم منغلق لا تستطيع أن تضع له مكانًا، فالخوارج على أقلِّ تقدير قالوا: هو كافر؛ لأن الناس إما كافر وإما مسلم، لكن هؤلاء قالوا: ليس بكافر وليس بمؤمن، بل في منزلة بين المنزلتين، فهذه المنزلة لا يوجد لها مكان في العقل، فمهما حاول العقل أن يثبت منزلة يكون صاحبها ليس مؤمنًا وليس كافرًا فإنه لا يستطيع.\nقد يقول قائل: إن المعتزلة يقولون عنه: هو فاسق، فأقول: هذا الفاسق في مذهبهم ليس عنده شيء من الإيمان، ومن ليس عنده شيء من الإيمان يكون كافرًا، فالكافر هو منعدم الإيمان.\nولذلك لما كانت هذه المنزلة منزلةً وهمية في العقل، وكانت القضية قضية أسماء، استطاع المعتزلة أن يوجدوا لها هذا الاسم في الدنيا، وفسروا اسم الفاسق في القرآن بمثل هذا، لكن لما جاءهم مقام الآخرة، ومقام الآخرة لا يوجد فيه أسماء وهمية، بل هناك حقائق؛ إما جنة وإما نار؛ انغلق عليهم القول، فجعلوه مخلدًا في النار.\nإذًا: مذهب المعتزلة في هذه المسألة مذهب ركيك من جهة العقل نفسه، وهم إنما تقووا بالعقل لما نقلوا هذا النقل من كتب الفلاسفة وما ركبوه في علم الكلام المولد من الفلسفة، وهذا ليس لهم فيه شرف؛ لأنه منقول عن غيرهم في الجملة.\nقال المصنف ﵀: [وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]].\nوجه الدلالة أن الله قال: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا)، مع أنه يُعلم أنهم حال اقتتالهم لا بد أن يكون أحدهم ظالمًا والآخر مظلومًا، فلا بد أن يكون أحدهما باغيًا على الآخر، فسماهم مؤمنين، والمراد هنا أصل الإيمان، ولا يلزم بالضرورة أن يراد الإيمان الكامل؛ ولذلك قال بعد هذا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠].\nقال ﵀: [ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية].\nقيد المصنف اسم الفاسق بقوله: (الملي)؛ لأن الفسق يأتي في القرآن ويراد به الكفر بالله، قال الله تعالى عن إبليس: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠]، وكالفسق المطلق في القرآن؛ فقد نص شيخ الإسلام على أن اسم الفاسق إذا أطلق في القرآن فإنه يراد به الكافر، بل هذا هو الغالب على موارد ذكره في القرآن، وإن كان قد استعمل في غير ذلك، كقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ [الحجرات:٦]، فالفاسق هنا ليس المراد به الكافر، وإنما المراد به الكاذب أو ما إلى ذلك، هذا إذا فسرت الآية بما هو مشهور من جهة التفسير في سبب نزول هذه الآية.\nقال ﵀: [ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]].\nفالفاسق يدخل في اسم الإيمان، وإن كان لا يدخل في اسم الإيمان المطلق، وهذه من حقائق مذهب السلف: أن اسم الإيمان ورد في كتاب الله موردًا متنوعًا، وهذه الحقيقة هي الموجبة لضبطهم لمسألة الإيمان، بخلاف غيرهم من الطوائف، فإن أصل غلطهم أنهم جعلوا مورد اسم الإيمان في القرآن واحدًا؛ فالخوارج والمعتزلة وجدوا أن القرآن يذكر المؤمنين عند الإطلاق على التحقيق، كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] وما بعدها من الآيات، وكقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا﴾ [الأنفال:٢]، فوجدوا أن الاسم المطلق للمؤمنين إنما يكون لمن حقق الإيمان، فاعتبر الخوارج والمعتزلة مثل هذه السياقات.\nوأما المرجئة فإنهم اعتبروا ظاهر التفريق من مثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧].\nوالصواب: أن مورد الإيمان متنوع في كتاب الله، ولذلك فقول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] المقصود هنا بالمؤمنة: من حقق أصل الإيمان، ولذلك يصح عتق الفاسق بإجماع الفقهاء.\nقال ﵀: [وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا﴾ [الأنفال:٢] وقوله ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبةً ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)].\nالمؤمن هنا هو المؤمن المطلق المذكور في قول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، فالزاني حين زنى لم يكن داخلًا في هذا الاسم؛ لكنه يدخل في قول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢].\nقال ﵀: [ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته].\nالجملة الأولى أفصح في مخالفة المرجئة؛ لأن جماهير المرجئة يقولون عن مرتكب الكبيرة: إنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، كالأشعرية ونحوهم، لكنهم لا يجعلون إيمانه ناقصًا بموجب هذه الكبيرة، والسلف كانوا يقولون عنه أنه مؤمن ناقص الإيمان، وهذا أفصح من جهة مخالفة المرجئة.\nقال ﵀: [فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم].\nقوله: (لا يعطى الاسم المطلق) هو اسم الإيمان المطلق في سائر موارده، (ولا يسلب مطلق الاسم) بحيث لا يسمى مؤمنًا في سائر الأحوال، بل يسمى مؤمنًا بحسب المقام المقتضي له، والمقام المقتضي له ما يتعلق بأحكام الدنيا؛ كالعتق وما يتعلق بالشهادة له بأصل الإيمان ..\nوهلم جرًا.","vol":"19","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>شرح العقيدة الواسطية [٢٠]</span>\nمعتقد أهل السنة والجماعة في الصحابة أنهم خير خلق الله بعد أنبياء الله، وقد اصطفاهم الله لصحبة نبيه ولحمل دينه وتبليغه لمن يجيئون بعدهم، كما يعتقدون فيهم أنهم يتفاضلون فيما بينهم، وأن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر وأصحاب بيعة الشجرة، ويعتقدون لزوم السكوت عما شجر بين الصحابة وسلامة القلوب والألسنة لهم رضوان الله عليهم أجمعين.","vol":"20","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>موقف أهل السنة والجماعة من الصحابة</span>\nقال ﵀: [فصل: ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]].\nقوله: (ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم)، ذكر القلوب والألسنة، لأن الواجب هنا أن يكون المسلم على فقه بشأن الصحابة وبما حصل من النزاع بينهم، يوجب له هذا الفقه ألا يقع في قلبه شيء على الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولا يكفي في ذلك أنه لا يعبر؛ فإن بعض الناس قد يعرض في نفسه ما هو من الإشكال في شأن الصحابة ولا يعبر به، ومحقق الإيمان لابد أن يتصف بسلامة قلبه ولسانه لأصحاب النبي ﷺ.\nوتعظيم شأن الصحابة قد قال بعض أهل البدع أنه لا يدخل في مسائل أصول الدين، وهذا غلط؛ لأن هذا من أخص مسائل أصول الدين، ومن طعن في الصحابة رضي الله تعالى عنهم فقد خالف ما هو من أهم الأصول وأخصها.\nفإن قيل: فما موجب ذلك؟ قيل: لأن الله في القرآن جعل ثبات الإسلام ومنهج الإسلام مرتبطًا بأصحاب نبيه، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وهذه الآية من أقوى وأصرح ما في القرآن، وفيها خطاب شرعي وخطاب عقلي، فيمكن أن يستدل بها استدلالًا عقليًا في الرد على الروافض الذين يطعنون في الصحابة، فقوله جل وعلا: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) هذا أقوى مما لو كان في سياق الآية أن السابقين الأولين هم أهل الإيمان، أو هم أهل المنهج الحق، أو يجب اتباعهم؛ لأن الله قال: (رضي الله عنهم ورضوا عنه)، وهذه الدرجة -وهي الرضا- درجة عظيمة؛ قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢]، فهي لا تكون إلا لأئمة المؤمنين المحققين للإيمان علمًا وعملًا، ولذلك فما وصف الله ﷾ أحدًا بالرضا إلا إذا كان محققًا لهذه المنزلة؛ وهي أنه محقق للإيمان علمًا وعملًا، فهذه شهادة صريحة من الله لهم بأنهم مؤمنون محققون للإيمان علمًا ومحققون له عملًا؛ لأن بعض الناس قد يكون صاحب نسك ولكنه ليس صاحب علم.\nفقوله: (﵃) هو أقوى من التصريح بكونهم مؤمنين؛ لأن الرضا لا يكون إلا لمن حقق الإيمان، ولأن الرضا حكم متعلق بالمآلات، بخلاف اسم الإيمان الذي قد تعقبه مخالفة أو كفر أو ما إلى ذلك، فقوله: (﵃) هو حكم متعلق بالمآل على التمام، ولو كانت الآية وقفت عند هذا لكان هذا كافيًا في هذه الدلالة، ولكن الآية فيها تصريح أتم وأقطع لشبهة من عنده شبهة، فقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]، فجعل هذا الذي عليه أصحاب نبيه هو الحق؛ لأنه قال: (والذين اتبعوهم)، فعُلم أن الهدي الذي كانوا عليه -أعني: السابقين من المهاجرين والأنصار- هو الحق الذي رضيه الله دينًا لعباده، فكان اتباع الصحابة حكمًا مطردًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإلى أن تقوم الساعة.\nوكما أن قول الله تعالى عن القرآن: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [الزمر:٥٥] هو أمر باتباع ما أنزل؛ فكذلك الأمر باتباع الصحابة، فعُلم أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم هديهم هو الدين الذي شرعه الله ورسوله، فمن خالفهم -فضلًا عمن طعن فيهم- لا شك أنه ليس على إيمان صحيح؛ لأن الإيمان الصحيح جعل الله له مسارًا واحدًا هو: (والذين اتبعوهم بإحسان)، فلم يقل: الذين اتبعوا القرآن، ولم يقل: والذين اتبعوا محمدًا ﵊، مع أنه لا شك أن اتباع القرآن واتباع محمد ﵊ أشرف من اتباع الصحابة، ولكن المقصود هنا أن هؤلاء القوم -وهم الصحابة- متبعون للقرآن، متبعون لمحمد ﷺ، فقال: (والذين اتبعوهم) ولم يقل: الذين اتبعوا مؤمنهم أو صادقهم، إنما قال: (اتبعوهم)، والضمير يعود إلى السابقين من المهاجرين والأنصار، وقد أضاف الاتباع إلى سائرهم.\nوقال تعالى: (بإحسان) وهذا يدل على أن هذا الاتباع يجب أن يكون محققًا، وأنه لا يُجتهد بمخالفته بما يوجب مخالفتهم ولو كان هذا مبنيًا على الاجتهاد؛ ولذلك فإن أي قول في العلم في الأصول أو في الفروع يخالف ما هو من قول الصحابة فلا يجوز الالتفات إليه، حتى ولو كان صاحبه قد بناه على نوع من النظر والاجتهاد، يخالف منهج الصحابة وأصول الصحابة وقاعدة الصحابة أو ما انضبط عن الصحابة، أو ما إلى ذلك من المسائل.\nوإذا اختلف الصحابة جاز الاجتهاد.\nوالمقصود: أن ما كان من منهجهم المنضبط أو أقوالهم المنضبطة لم يجز العدول عنه، فهذا هو معنى قول الله: (بإحسان)، فقيد الاتباع بكونه بإحسان، أي: أنه اتباع مقتصد، لا غلو فيه ولا تقصير، ولا إفراط فيه ولا تفريط.\nفهذا يدل على أن الطائفة التي تسير على منهجهم هي التي ينتظر لها من المنزلة ما حصل للصحابة، وذلك لقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، فهؤلاء مستحقون لهذه المنزلة، ولا تستحق منزلة الرضا إلا بهذا الاتباع، فعُلم أنه لا مسار للمسلمين إلا ما كان عليه أصحاب رسول الله، فما خالفه فهو بدعة وضلالة في الدين.","vol":"20","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>الرد على شبهات الرافضة حول الصحابة ﵃</span>\nبعض من يشكل على هذا الاستدلال يقول: إن الله تعالى قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ﴾ [التوبة:١٠٠] فقال: (السابقون) وقال: (الأولون)، ولم يجعل هذا في سائر الصحابة، بل قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠] ولم يجعله في سائر الصحابة.\nفنقول: نعم، السابقون الأولون لهم منزلة أعظم من منزلة سائر الصحابة، كما قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد:١٠] فالسابقون الأولون الذين آمنوا من المهاجرين أولًا أو من الأنصار أولًا، هؤلاء المتقدمون زمانًا هم الذين امتدحوا، وبقية الصحابة يدخلون في الذين اتبعوهم بإحسان؛ لأن الذين أسلموا كانوا يقتدون بمن سبقهم، ففي زمن النبوة كان الصحابة يقتدون بـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ألم يقل النبي ﷺ: (فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا)؟! وهذا في الصحيح من حديث أبي قتادة في سياق طويل، مع أن النبي ﷺ كان وقتها حيًا.\nإذًا: من بعد السابقين الأولين من بقية الصحابة هم داخلون في مسألة الاتباع، أنهم اتبعوهم بإحسان ..\nهذه جهة.\nالجهة الثانية: أنه لا توجد طائفة من المسلمين تزكي السابقين الأولين بالتحقيق وتستثني من بعدهم، إنما هذه شبهة يستعملها من يريد أن يشكك العامة في دلالة الآية على امتداح الصحابة، وإلا فمعلوم أن إمام السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هو أبو بكر، ولو انكف الشيعة والرافضة بخاصة عن الطعن في أبي بكر لكان هذا مؤذنًا بغيره، لكن أكثر من يقصدونه بالطعن هو أبو بكر ﵁.\nإذًا: هذا متعذر أن يكون إيرادًا على الآية؛ لأنه مجاب عنه على سائر الموارد.\nومنهم من فرض أن المقصود بالسابقين الأولين هم أئمة آل البيت، والنبي ﵊ في حياته ما أعطى آل البيت القداسة التي صنعها التاريخ الشيعي لآل البيت، نعم النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لا يؤمنون بالله حتى يحبوكم لله ولقرابتي)، فيجب محبة مؤمنهم لكونه من أهل بيت النبي ﷺ، لكن ليس معنى ذلك أن المؤمن إنما يحب من هذا الوجه فقط، فالمؤمن يحب من هذا الوجه: من جهة أنه قد يكون من آل بيت النبي، كما يحب من جهة صدقه، ومن جهة بره، ومن جهة إحسانه، فموجبات المحبة للمؤمن كثيرة، فالنبي ﷺ في آل البيت جعل من موجبات محبة مؤمنهم أنه قريب منه.\nوأبو بكر لا يوجد فيه هذا الوجه؛ لأنه ليس من آل البيت، لكن لا يعني ذلك أن من كان من آل البيت امتاز امتيازًا مطلقًا عن أبي بكر بوجه من أوجه المحبة، ولا شك أن عند أبي بكر من أوجه المحبة ما هو أعظم مما عند آل البيت في سائرهم ..\nهذا مما يعرف.\nوقد كان علي بن أبي طالب -وهو أفضل آل البيت ومن أصحاب النبي ﷺ- يعرف هذه المنزلة لـ أبي بكر، ولو كان النبي ﷺ يريد بذلك تقديم آل البيت على غيرهم -كما تفعله الشيعة المتعصبة- لقدم علي بن أبي طالب على أبي بكر، والرسول ﷺ في حياته ما قدم عليًا ولا مرةً واحدةً تقديمًا مطلقًا على أبي بكر، بل دائمًا الذي في المقدمة هو أبو بكر، إلا يوم خيبر حين قال: (لأعطين الراية غدًا رجلًا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله) وهذا لا إشكال فيه، فقد أعطاها عليًا هذه المرة، لكن النبي ﷺ عقد رايات كثيرة وأمر أناسًا كثيرين، فلم يكن في ذلك حجة لتقديمهم عليًا على أبي بكر.\nلماذا لم يدع قوم أن بلالًا له اختصاص مطلق لأنه أُعطي الأذان؟! فإن أعطي علي الراية، فقد أعطي بلال الأذان، وأعطي هذا كذا وأعطي هذا كذا ..\nوكم عقد النبي من رايات لغير علي بن أبي طالب!! فلماذا لا يقف هؤلاء إلا مع راية علي بن أبي طالب؟!!\nهذه طرق فاسدة في العقل والشرع.\nعلي بن أبي طالب هو أفضل رجل في الأمة بعد أبي بكر وعمر وعثمان، وإن كان القول في عثمان فيه خلاف معروف عند أهل السنة، إنما المقطوع به هو تقديم أبي بكر وعمر عليه، هذا هو المجزوم به إجماعًا صريحًا عند السلف، فإما أن يكون الثالث، وإما أن يكون الرابع، وهذا هو المشهور عند أهل السنة، فلا شك في فضله، ولا شك أن من موجبات فضل علي أنه من آل البيت، والنبي ﷺ لما قال عن الحسن والحسين: (إنهما سيدا شباب أهل الجنة) فليس ذلك لأنهما من آل البيت، وإنما لكونهما من أهل الإيمان، وقد كان من آل البيت من هم كفار، وأبو النبي قال النبي ﷺ: (إن أبي وأباك في النار).\nقد يتفضَّل الله لآل البيت المؤمنين بدرجات لقربهم من رسول الله، فهذا يقع، ولكن موجبات الإيمان هي العبودية لله، لا أن هذا من آل البيت وهذا ليس من آل البيت.\nوالإسلام لم يأت ليكرِّس سلطة عائلة معينة، والنبوة ليست اكتسابًا، ومن عقائد السلف بل من عقائد جمهور المسلمين إلا من شذ من المتفلسفة أن النبوة اصطفاء من الله، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنْ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، فالإسلام ما جاء ليكرِّس سلطة عائلة، والسلطة في الإسلام -وهي السلطة وليست النبوة- وضع لهذا أنظمة كالشورى وغير ذلك، فما بالك أن تكرس القضية الدينية الإيمانية لسلطة عائلة، ويمكن أن تخلو هذه العائلة من العلماء؛ فهل ينزل عليهم وحي؟! هل هم معصومون؟! هذه أشياء يجب أن تُفقه.\nالإسلام أكبر من ذلك، الإسلام دين الله، ومحمد ﵊ هو نبي اصطفاه الله، فتكريس مسائل السلطة في العائلة بحجة مسألة آل البيت، وجعل الإسلام كله كأنه يرجع للحسن والحسين وفاطمة وما حصل من قتل وظلم، فأين هي قضية العبودية والدين الإسلامي؟! هذا ضعف في تصوير الإسلام وبيان حقيقته العبادية الإيمانية.\nوالمقصود: أن هذه الآية دليل صريح من الشرع والعقل على أن هؤلاء القوم -أعني الصحابة- هم أهل الإيمان.\nوردًا على من يقول: إن السابقين الأولين هم آل البيت، نقول: إن الله تعالى قال: (من المهاجرين والأنصار) وهب أن المهاجرين المقصودين في الآية كلهم آل البيت، فهل هناك أنصار من آل البيت؟! الأنصار معروف أنهم هم أهل المدينة النبوية، وهؤلاء ليسوا من قريش في الجملة أصلًا، وليسوا من آل بيت النبي ﷺ، والله يقول: (من المهاجرين والأنصار).\nوهناك من يقول: (الأنصار) هنا هم الذين نصروا علي بن أبي طالب؛ فنقول: إن الآية نزلت قبل أن توجد مسألة الانتصار لـ علي بن أبي طالب، فهذا تحريف للقرآن، ولا شك أن الآية لما نزلت كانوا يسمون الأنصار، وهذا متفق عليه تاريخيًا وعلميًا وشرعيًا: أن أهل المدينة النبوية كانوا يسمون: الأنصار، فالقرآن لما نزل عرف أن المهاجرين هم أهل مكة، والأنصار هم أهل المدينة، والأنصار ليس فيهم من آل البيت أحد، من جهة النسب، فإن آل البيت هم من قريش ومن بني هاشم، والأنصار قبائل معروفة منفكة عن هذا من جهة الأصل.\nأما من يقول: إن هذا وقت إيمانهم قبل أن يحصل منهم ما حصل، فنقول: إن الله تعالى قال: ﴿﵃﴾ [المائدة:١١٩] ونقول: إن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ [التوبة:١٠٠]، وهذا خطاب للأمة كلها، حتى الذين اتبعوهم بعد وفاة الرسول ﵊؛ لأنهم متبعون لهم.\nوأما من يقول: إن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]، فكأنه إشارة إلى أنه قد يحصل منهم الكفر أو الظلم.\nفنقول: إذا كان يحصل منهم الكفر امتنع اتباعهم لا بإحسان ولا بغير إحسان؛ لأن من كفر لم يبق فيه شيء حتى يتبع بإحسان أو بغير إحسان.\nوأما من يقول: إنه قد يحصل منهم ما هو من الظلم.\nفنقول: هذا لو سُلِّم جدلًا أثبت تحقيق إيمانهم، وأنه قد يعرض منهم ما هو من النقص ..\nوهذا ليس من مورد النزاع؛ لأنه لا يقال بعصمة آحادهم، إنما المعصوم هو اجتماعهم.\nفالمقصود: أن الآية ينبغي التفقه فيها على هذا المعنى، وأن يُخاطب بها من عنده شيء في شأن الصحابة؛ لأنها صريحة في تحقيق هذه المسألة.\nقال ﵀: [وطاعة النبي ﵌ في قوله: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)].\nوإن كان هذا الحديث قد قاله النبي ﵊ مخاطبًا به بعض الصحابة، وكان مقصوده ﵊ بالأصحاب هنا عند سبب ورود الحديث هم الأصحاب الأُوَل، ولكن إنما يذكره الأئمة لأنه إذا كان هذا في حال بعض الصحابة مع بعض، أي: أن متأخرهم لا يجوز أن يقع فيما هو من الذم أو السب لمتقدمهم، فمن باب أولى من بعدهم ممن ليسوا من الصحابة، فهذا من باب قياس الأولى.\nفإذا قال عن بعض أصحابه: (فإن أحدكم لو أنفق) أي: أ","vol":"20","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>تفاضل الصحابة فيما بينهم</span>\nقال المصنف ﵀: [ويفضلون من أنفق من قبل الفتح -وهو صلح الحديبية- وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار].\nتقديم المهاجرين على الأنصار هو باعتبار الجنس، أي: أن جنس المهاجرين أفضل من جنس الأنصار، وليس باعتبار الأعيان، بمعنى: أنه قد يوجد من أفراد الأنصار من هو أفضل من بعض أعيان المهاجرين، فتقديم المهاجرين باعتبار الجنس لا باعتبار الأعيان، وقد قدم المهاجرون لأن الله قدمهم في القرآن؛ فإنهم جمعوا بين الهجرة والنصرة، إلى غير ذلك من المعاني، لكن هذا تقديم باعتبار الجنس أو النوع لا باعتبار الأفراد والأعيان.","vol":"20","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>فضل أهل بدر</span>\nقال المصنف ﵀: [ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر -وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر-: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)].\nهذه شهادة لأهل بدر ولأهل بيعة الرضوان: أن كل من شهد بدرًا أو بيعة الرضوان فإنه في الجنة؛ لأن النبي ﷺ قد قال في أهل بيعة الرضوان: (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة)، وهذا جاء في أحاديث من غير وجه في الصحيحين، وأما أهل بدر فقد قال النبي ذلك في قصة حاطب لما كاتب من كاتب من المكيين، فقال النبي ﷺ: (إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وهذا كان اعتذارًا لـ حاطب بن أبي بلتعة ﵁.\nلكن مما ينبه إليه: أن من يقول: إن ما حصل من حاطب هو مظاهرة المشركين على المسلمين، وهذا كفر ..\nأن هذا كجملة عامة، لكن هذه الجملة تحتاج إلى فقه، فمن يقول: إن حاطبًا قد ظاهر المشركين -أي: ناصرهم على المسلمين- لما كتب يخبرهم ما كان من قصد النبي ﷺ؟\nبعضهم يقول: إن ما حصل من حاطب هو من المظاهرة، لكنه لم يكفر؛ لأن النبي قال: (إن الله اطلع على أهل بدر) فاستثنى حاطبًا، فإن كان مقصوده أن هذا الفعل الذي حصل من حاطب لو لم يشهد بدرًا لكان به كافرًا مع إيمانه؛ فهذا غلط في التفسير؛ لأن شهادة بدر لا تمنع ارتباط الأحكام بأسبابها؛ من جهة الأصل الشرعي لا من جهة القضاء الرباني، فالقضاء الرباني سبق أن البدريين لم يكفروا، وهو معنى قول النبي ﷺ: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، ولذلك من يقول: لو حصل منهم الكفر فإنه يُغفر لهم، نقول له: إن الله لما اطلع على أهل بدر وقال: (اعملوا ما شئتم) كان ذلك؛ لأن قضاءه القدري سبق أن البدري يثبت على الإيمان، وإن كان قد يعرض له ما هو من النقائص، فهذا هو معنى قوله: (فقد غفرت لكم)، فأخطاؤهم تغفر؛ مثل قول النبي ﷺ: (الحج يهدم ما كان قبله)، فكذلك من حضر بدرًا فهي تهدم ما كان قبلها وما كان بعدها، مثل قول النبي ﷺ في بعض الأعمال: (غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر).\nوإن كان جمهور الأحاديث ليس فيها: (وما تأخر)، فإن هذا يذكر في حق النبي ﵊.\nالمقصود: أن هذه الإيراد جهل؛ لأن البدري سبق القضاء أنه لا يطبق على الكبائر، وهذا الذي حصل تاريخيًا، فكل البدريين بقوا مؤمنين ثابتين على الإيمان.\nوالمقصود هنا: أن من يقول: إن حاطبًا ما حصل منه قد كان به يكفر لو أنه لم يشهد بدرًا ..\nهذا غلط أولًا: من جهة الأصول الشرعية ليس هناك عمل يمنع الكفر، فمن قال: لا إله إلا الله ويحقق الألوهية ويصلِّي لله ثم يكفر فإنه يحكم عليه بالكفر، ولا يقال: ما دام قد صلَّى سابقًا فإنه لا يكفر، فإن هذا يخالف الأصول الشرعية، إنما الذي يقال هو من جنس قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل:١٠٦] فما حصل من حاطب رضي الله تعالى عنه لا شك أنه كان خطأً ومعصيةً لله ورسوله، وهذا يدخل في المعاصي التي تدخل في قول الله: (اعملوا ما شئتم)، لكن لم يكن الذي حصل من حاطب هو من الكفر، وإن كان هذا الكلام لا يفهم منه ..\nكما يفهم بعض الناس إذا قرر له هذا الكلام أنه يلزم منه أن كل من كان يراسل الكفار مظاهرة لهم على المسلمين لا يكفر بهذا العمل؛ فما دمنا قلنا: إن فعل حاطب لم يكن كفرًا منه، فيلزم منه أن كل من كاتب الكفار يخبرهم بأحوال المسلمين أنه لا يكفر بالعمل.\nوهذا لا يلزم، فهذا الفعل قد يقع من معين ويكون به كافرًا، وقد يقع من معين آخر ولا يكون به كافرًا؛ هذا هو الجواب الشرعي الصحيح: أن مظاهرة المشركين كأصل عام كفر.\nلكن هل هذا الفعل حقيقته أنه مظاهرة أم لا؟ هذا قد يختلف في بعض الأعيان، بمعنى: أن يغلب على معين ما هو من قصد درء المفسدة المتعلقة بأهله، ولا يظن أن هذا العمل مما يوجب الكفر، وتكون لديه جملة من الموانع، وهي أشبه ما يكون باجتماع الشروط وانتفاء الموانع، فما حصل من حاطب كان هناك مانع من كون هذا من الذي يكفر به.\nإذًا: يبقى عندنا القاعدة: أن مظاهرة المشركين كفر، لكن الصور لا يلزم أن تطرد في سائر الموارد، بعض الصور من المظاهرة كفر لا يتردد فيه، وبعضها قد تكون من بعض الأعيان كفرًا ومن بعض الأعيان دون الكفر، وهذا هو الذي حصل من حاطب رضي الله تعالى عنه.\nأما إذا قيل: إن كل من كتب لا بد أن يكون كافرًا على الإطلاق في سائر الموارد، والاستثناء في حاطب ليس من جهة إيمانه: أنه لم يشرح بالكفر صدرًا، وليس من جهة الموانع، إنما من جهة بدر فقط لأن الله ضمن مغفرتهم ..\nفهذا غير صحيح، أما إذا قيل: إنه من جهة أن البدري مؤمن، فهذا أمر آخر، إذا قيل: إن البدري لا يكون إلا مؤمنًا ..\nفهذا صحيح، لكن إذا قيل: إن البدري يغفر له حتى ما كان كفرًا، فهذا لا شك أنه غلط على أحكام الله ورسوله؛ لأن الله لا يرضى لعباده الكفر، ولا يمكن أن يغفر الكفر لأحد، وقوله: (اعملوا ما شئتم) ليس معناه: أنه قد يقع منهم الكفر، هذا قاله رب العالمين الذي يعلم مآلهم وحالهم.","vol":"20","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>فضل أهل بيعة الرضوان</span>\nقال ﵀: [وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة كما أخبر به النبي ﷺ، بل لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ؛ كالعشرة، وثابت بن قيس بن شماس، وغيرهم من الصحابة].\nالأفقه والأكثر اتباعًا أن تُستعمل النصوص في هذا، فيقال في أهل بيعة الرضوان: لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة، وفي أهل بدر: إن الله اطلع عليهم فقال: اعملوا ما شئتم، ومن سمَّاه النبي بعينه في الجنة يسمى كذلك ..\nفهذا يكون أصدق في الاتباع للنصوص.","vol":"20","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>فضل الخلفاء الراشدين</span>\nقال ﵀: [ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ويثلثون بـ عثمان، ويربعون بـ علي ﵃].\nتواتر عن علي أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، وكان يقول على منبر الكوفة: (لا أوتى برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري)، هذا مما تواتر عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وحتى لو فرض أنه لم يتواتر عن علي أو لم يصح عنه، فإن الاعتبار ليس بصحة هذا عن علي، فإن عليًا ليس هو الحاكم على الحقائق الشرعية، إنما هذا معتبر بأدلة الكتاب والسنة، وبإطباق الصحابة رضي الله تعالى عنهم زمن النبي وبعد زمن النبوة، ولذلك إذا قيل: إن عليًا لم يبايع في أول الأمر، قلنا: نعم، علي بن أبي طالب ﵁ لم يبايع في أول الأمر، لكن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لو كانوا يرون أن عليًا أفضل أو أن الخلافة في آل البيت أو ما إلى ذلك من المعاني لما بايعوا أبا بكر، فإن أبا بكر ما طلب منهم البيعة بقوة السيف، إنما المسلمون هم الذين قصدوا بيعته، ثم بايعوا من بعده عمر لما جعلها أبو بكر في عمر، ثم بايعوا من بعد عمر عثمان، فكان مستقرًا أن أبا بكر أفضل، فلما جاءت الاستشارة وصار عبد الرحمن بن عوف يطوف في المسلمين ثلاثة أيام يستشيرهم في علي وعثمان ..\nبعد أن نزلت الخلافة إلى اثنين في قصة الستة الذين جعلها عمر فيهم، استقر الأمر على اثنين، ورضي علي بن أبي طالب بأن يستشير عبد الرحمن بن عوف المسلمين، وكان واثقًا من ابن عوف، وإلا لو لم يثق لما رضي بذلك.\nوالنتيجة التي حصلت أن أكثر الأصوات -إن صح التعبير- كانت لـ عثمان، مما يدل على أمور:\nأولًا: أنه لو كان من فقه المسلمين أن الخلافة في آل البيت لما خالفوا سنة النبي ﷺ؛ ولذلك لا نقول عن علي بن أبي طالب ولا عن غيره أنهم كانوا يصرون على هذه المسألة، إنما كان علي بن أبي طالب قد اشتبه عليه الأمر في أول المقام أنه له في الأمر نصيب، لكنه بعد ذلك رضي وتابع.","vol":"20","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>تفضيل عثمان على علي ﵄</span>\nقال ﵀: [ويثلثون بـ عثمان، ويربعون بـ علي ﵃ كما دلت عليه الآثار وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة، مع أن بعض أهل السنة قد اختلفوا في عثمان].\nوإن كان هذا الإجماع فيه تردد من جهتين:\nالجهة الأولى: أن المصنف ﵀ يقول: لكون الصحابة أجمعوا على تقديم عثمان في البيعة، فهذا -والله أعلم- ليس محققًا من جهة كونه إجماعًا؛ لأن عبد الرحمن بن عوف ﵁ لما استشار المسلمين في علي وعثمان، وهما بمنزلة متقاربة، فمن المتعذِّر والبعيد كثيرًا أن كل الصحابة سيقولون: نريد عثمان، إنما ظاهر الأمر والقريب من العقل والإمكان، هو أن أكثرهم اختار عثمان وبعضهم أشار بـ علي، ومن المعروف أن بعض الصحابة كان يميل لآل البيت، ويرى أن عليًا أولى بهذا، وعلى أقل الأحوال آل البيت أنفسهم كان مجموعة منهم موجودة، فمن المتعذر أن الصحابة إذ ذاك كانوا قد حصلوا إجماعًا.\nقد يقول قائل: إن مراد شيخ الإسلام بالإجماع هنا أن أغلبهم أطبق على ذلك.\nفهذا يمكن أن يوجه بهذا التوجيه، لكن يبقى أنه ليس من الإجماعات القطعية أن الصحابة أطبقوا إطباقًا كليًا، إنما ظاهر الأمر أن جمهور الصحابة إذ ذاك قدموا عثمان، وإلا فإن الستة الذين جعلها عمر فيهم وهم أفضل الصحابة إذ ذاك في الجملة، حصل من هؤلاء أن أحدهم خرج فبقي خمسة، وهؤلاء الخمسة بقي منهم الثلاثة: علي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف، أما سعد والزبير فقد جعل أحدهما أمره لـ علي والآخر جعل أمره لـ عثمان، فظهر أن من الصحابة من كان يقدم عليًا.\nإذًا: المسألة ليس فيها إجماع، إنما كان مراد الشيخ ﵀ الأكثر، أو أن مراده أنهم أجمعوا عليه خليفةً بعد بيعته، فهذا لا يسمى إجماعًا على هذا الوجه، فحتى لو أجمعوا على علي بعد خلافته فإنه يقال: قد حصل الإجماع عليه.\nوالذي أريده من هذا: أن الاستدلال على فضل عثمان بكونه إجماعًا فيه تعذر، ولو فرض أنه إجماع فهو إجماع في البيعة والخلافة، وليس إجماعًا في الفضل، ولا شك أنه إذا قيل: من الخليفة بعد عمر؟ قيل: عثمان بالإجماع، لكن هل هو الأفضل؟ لا يلزم، والله يقول: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، وشيخ الإسلام نفسه يقول: إنه في مسائل الولاية يعتبر الأمانة الدينية والقوة، يقول: وإذا وجد من فيه القوة وقدر يكفي من الأمانة فهو أولى ممن غلبت أمانته الدينية وقلت قوته السلطانية؛ لأن هذا لا يسوس الناس، فقد يعتبر في التقديم في مسألة الخلافة بالأقوى وبمن يجتمع الناس عليه، ولا يلزم أن يكون هو الأفضل.\nوالقصد: أن مسألة عثمان وعلي ليس فيها نص وليس فيها إجماع، وقد أنكر الإمام أحمد على من بدَّع المخالف فيها، أي أنها مسألة لا يبدَّع المخالف فيها على الصحيح من مذهب أحمد، وإن كان المشهور عند أهل السنة أن عثمان أفضل.\nونقول هذا الكلام لأن هذه المسألة لا ينبغي أن يغالى فيها مع الشيعة: أن عثمان أفضل من علي، كان هذا من مستقرات مذهبنا أنا نقدم عثمان على علي بن أبي طالب ﵄، لكن من التكلُّف أن يقال: إنه من الإجماعات والمستقرات، إنما القضية المستقرة الإجماعية تقديم أبي بكر وعمر، هذه هي التي لا جدال فيها، أما مسألة عثمان ففيها مجال للاجتهاد، ولو أن سنيًا ناظر بعض الشيعة وقال: إن عليًا عندنا أفضل من عثمان، لم يُنكر عليه، لكن إذا تكلمنا في الكلام العام قيل: الذي درج عليه أكثر أهل السنة أن عثمان أفضل من علي، مع أن هذا ليس فيه نص، وإنما قدم أبو بكر وعمر على علي للنص ليس إلا، هذا هو السبب: أن هذه لا جدال فيها لوجود نصوص فيها، أما عثمان فلا توجد نصوص، فله فضائل ولـ علي بن أبي طالب فضائل.\nأما قول ابن عمر: (كنا نقول: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت)، فهذا ليس بلازم، هذا يحكيه ابن عمر أنه كان يقال هذا، لكن أن هذا كان مستقرًا عند المسلمين أو ما إلى ذلك، فهذا بعيد.\nفالمسألة لا يقصد بها تفضيل علي على عثمان بقدر ما يقصد أنها ليست من مسائل الأصول، وليست مما يقطع فيه الجدل مع الشيعة.\nقال ﵀: [مع أن بعض أهل السنة قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان ثم سكتوا أو ربَّعوا بـ علي، وقدَّم قوم عليًا، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي].\nوالأقوال الثلاثة كلها ممكنة، من قدَّم عثمان أو قدَّم عليًا أو من توقف، هذه كلها أقوال ممكنة من جهة الاجتهاد، ولا يبدع المخالف فيها.","vol":"20","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>ترتيب الخلافة</span>\nقال ﵀: [وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله].\nوهذه الجملة نقلت عن الإمام أحمد وغيره أنه قال: من لم يربع بـ علي في الخلافة فهو أضل من حمار أهله.\nوهذه من عقائد أهل السنة: أنهم يجعلون الخليفة الراشد الرابع بعد عثمان هو علي بن أبي طالب ﵁، وخلافته خلافة راشدة، وهؤلاء الأربعة هم خلفاء الرسول، وهذا معنى كونهم خلفاء، بخلاف الخليفة من بعدهم كـ معاوية أو يزيد أو بني أمية أو بني العباس، فهؤلاء وإن سُموا خلفاء فالمقصود بكونهم خلفاء أنهم سلاطين، خلفاء على المسلمين، أي: استخلفهم المسلمون عليهم، أما الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فمعنى أنهم خلفاء: أنهم خلفاء الرسول في الأمة، أما من بعدهم فلا يسمَّى خليفةً للرسول، هو مستخلف من المسلمين عليهم؛ ولهذا فليس لهم سنة.","vol":"20","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>خطأ من جعل عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين</span>\nلا يدخل في خلفاء الرسول عمر بن عبد العزيز؛ وإن قال بعض أهل العلم: أن عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الخامس، فهذا من التكلف، فـ عمر بن عبد العزيز ﵀ وإن كان فقيهًا عادلًا؛ إلا أنه لا يمكن أن يصل إلى شأن الصحابة أبدًا ويقال: إنه خليفة خامس ..\nوهذا أيضًا مخالف للسنة؛ لأن النبي ﷺ قال: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ..)، والإمام أحمد ﵀ لما بلغه عن بعض أهل العراق أنهم يقولون: إن عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الخامس، أنكر ذلك، وقال: ألم يقل النبي: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة)؟ فالخلافة ثلاثون سنة تنتهي بخلافة علي بن أبي طالب، ويبقى منها بضعة أشهر هي في إمارة الحسن بن علي بن أبي طالب، لكن لا يمكن أن تستوعب خلافة عمر بن عبد العزيز، ثم النبي قال: (ثلاثون)، أي: متصلة، فحتى لو فرض أنه بعد علي بن أبي طالب بقي سنة أو سنتان فإنها تكون لـ معاوية، ولماذا تذهب لـ عمر بن عبد العزيز؟ فلو فرض أنه بقي منها سنتان أو ثلاث أو أربع فإنها تكون لـ معاوية، فـ معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز، ولا جدال في هذا، أما كون عمر بن عبد العزيز موصوفًا بالعدل؛ فإن ذلك لأنه جاء والعدل سهل عليه؛ فـ عمر بن عبد العزيز ما واجه ابن الزبير في مكة معارضًا، ولا واجه الحسين بن علي معارضًا، ولا واجه غيرهم، عمر بن عبد العزيز جاء في ملك وسلطان ملكي مستقر، والدولة قوية، والسياسة قوية، والأمور كلها على التمام، والميزانية العامة قوية، وكل الأمور الداعية إلى الاستقرار قوية، لكنها تحتاج إلى صدق من الحاكم، فكانت كل أدوات الاستقرار موجودة، فجاء وعمر بن عبد العزيز، فصدق، فاستقر الأمر.\nأما معاوية فالصدق موجود عنده، لكن أدوات الاستقرار السياسية -إن صح التعبير- غير موجودة، فهناك معارضون أقوى منه في الجانب الديني الشرعي، فـ ابن الزبير كان أقوى في الجانب الديني، وأهل مكة كانوا شبه مبايعين له إلى أن سمي بأمير المؤمنين، وقبل ابن الزبير كان علي بن أبي طالب، ومقامه عند المسلمين وشأنه أقوى من معاوية.\nفـ عمر بن عبد العزيز ما واجه مثل هذا أصلًا، كان يواجه أناسًا ليس لهم هذه المنزلة الشرعية كمنزلة علي بن أبي طالب أو بعض الصحابة من بعد علي بن أبي طالب كـ ابن الزبير ونحوهم.\nفالمقصود: أن عمر بن عبد العزيز ﵁ هو من الخلفاء وأئمة الفقهاء، ولكن لا يصح أن يقال: إنه خليفة خامس؛ لأن هذا مخالف للسنة من جهة، ولأنه يوحي بأنه أفضل من معاوية بن أبي سفيان من جهة، ومعاوية أفضل منه، وإن كان ابن تيمية ﵀ يقول: إن العدل الذي حصل في زمن عمر بن عبد العزيز كثير منه أو أكثره لم يحصل زمن معاوية ..\nوهذا صحيح، وكلام شيخ الإسلام لا جدال عليه، لكن كما ذكرت سابقًا أن أدوات الاستقرار العدلية عند عمر بن عبد العزيز كانت متوفرة، فلا يمكن أن يكون هناك استقرار بدون اقتصاد، والاقتصاد المنضبط كان موجودًا، حتى قال بعض أهل العلم في قوله ﷺ: (يوشك أن يسعى قوم بالصدقة لا يقبلها أحد).\nأن ذلك كان في زمن عمر بن عبد العزيز، فكان هناك استقرار، ومن أين جاء عمر بن عبد العزيز بهذا الاستقرار؟ الميزانية العامة التي كانت من فتوحات من قبله جاءت لـ عمر بن عبد العزيز شبه باردة.\nفلا ينكر مقامه ﵀، لكن لا ينبغي كثرة الإطراء والزيادة إلى خلط مسائل العلم بهذه الطريقة، ولذلك كان جواب الإمام أحمد في هذا حسنًا وقويًا: أن هذا مخالف للسنة؛ لأن الخلفاء الأربعة هم خلفاء الرسول، وعمر بن عبد العزيز ليس له سنة، ومن قال: إنه له سنة فقد خالف السنة.","vol":"20","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>شرح العقيدة الواسطية [٢١]</span>\nيعتقد أهل السنة والجماعة أنه لا يتحقق الإيمان إلا بمحبة آل بيت النبي ﷺ، ويكون ذلك بإكرامهم وحفظ منزلتهم وقدرهم، والذب عنهم ورفع الظلم عنهم.","vol":"21","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>من أصول أهل السنة: محبة أهل البيت رضوان الله عليهم</span>\nقال المصنف ﵀: [ويحبون أهل بيت رسول الله ﵌، ويتولونهم].\nمحبة المؤمن موجبها جملة من الأوجه: يحب من جهة بره، ومن جهة إحسانه، ومن جهة صدقه، ومن جهة قرابته، حتى التحاب بين المؤمنين فيما بينهم، فإن المحبة الإيمانية لأبيك ليست كالمحبة الإيمانية لغيره ممن هو بعيد مثل العم أو لغير ذي الرحم أو ما إلى ذلك.\nفالمقصود: أن من أوجه الدين والإيمان المحبة لآل البيت من جهة كونهم من آل بيت النبوة، هذا أحد أوجه محبتهم، ولكن لا شك أن هذا ليس هو الوجه الأول، إنما هو فرع عن إيمانهم، ولهذا لم يكن هذا الوجه بإجماع المسلمين مشروعًا في كفارهم، فلا تشرع المحبة للكافر ولو كان ينتهي نسبه إلى آل البيت.\nوقد وجد من آل البيت في التاريخ أناس من الشيوعيين ومن العلمانيين، وأنسابهم مثل الشمس لا إشكال عليها، فهؤلاء لا يشرع حبهم من جهة كونهم من آل البيت؛ لأن هذا فرع عن الإيمان، إذا تحقق إيمانهم فمن أوجه محبتهم الشرعية أنهم يُحبَّون لكونهم قرابة لرسول الله ﵊.","vol":"21","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>المقصود بالثقلين</span>\nقال ﵀: [ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم: (أذكركم الله في أهل بيتي)].\nحديث الغدير هو حديث زيد بن أرقم في الصحيح، وإن كانت الشيعة قد زادت فيه زيادات كثيرة، لكن فيه أن النبي قال: (إني تارك فيكم الثقلين)، وجاءت الرواية: (كتاب الله وأهل بيتي).\nفهل كان السياق أن الثقلين هما: الكتاب وآل البيت، أم أن قوله: (وآل بيتي) هذا كان من باب الاستئناف وليس من باب العطف؟ هذه مسألة.\nلكن لو فرضنا جدلًا أن الثقلين الذين قصد النبي ﷺ أنه تركهما هما: كتاب الله وآل البيت، فهذا لا جديد فيه، إذا فسرناه بهذا التفسير أنه ترك فينا ثقلين: كتاب الله وآل البيت، أما كتاب الله فالمقصود من تركه فينا أن يُتدين به، فحق كتاب الله الإيمان به والعمل، وحق آل البيت محبتهم وتوقيرهم والإحسان إليهم ..\nوهلم جرًا من المسائل المناسبة لهم.\nفمن يقول: إن النبي قال: تركت فيكم كتاب الله وآل بيتي، نقول: نعم، هذا وصية من الرسول ﵊ بكتاب الله ووصية منه بآل البيت، ولا نعترض على هذا، فهذا صحيح، وقد قاله ﷺ في مواضع كثيرة، وليس حكمًا جديدًا اختص بغدير خم، فحتى لو لم ينطق به الرسول ﵊ فهذه الوصية حكمها ثابت في القرآن وفي السنة كثيرًا.\nفحق القرآن الإيمان به واتباعه والتمسك به، وأما آل البيت فإما أن يكون المقصود: (وآل بيتي) أي: تمسكوا بشريعتهم، واتبعوهم، وهذا غير ممكن، فلا يمكن أن نتبع كل واحد من آل البيت، وفيهم الفقيه وغير الفقيه، والسني وغير السني، وفيهم المؤمن والعلماني، فالإسلام ليس عائلةً معينة، والأشياء المكتسبة جعلها الإسلام شورى، الملك جعله الإسلام شورى، وهو قضية مكتسبة، وقد أجمع السلف على أن من غلب بقوة السيف، واستقر له الأمر؛ أصبح إمامًا تجب طاعته، فكيف في مسألة النبوة؟\nوقوله: (أذكركم الله في آل بيتي) كان من باب التأكيد على حق آل بيته ﵊، وأنه يجب برهم، وليس فيه أن لهم الخلافة أو أنهم يقدمون أو ما إلى ذلك.","vol":"21","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>عدم تحقق الإيمان إلا بمحبة آل البيت</span>\nقال ﵀: [وقال أيضًا للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم، فقال: (والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي)].\nوهذا حديث على وجهه: أن المسلم لا يحقق الإيمان إلا بمحبة آل البيت، كما تقول: إن من خصال الإيمان الواجبة صلة الرحم، فمن خصال الإيمان الواجبة محبة آل البيت، فقاطع الرحم يسمى فاسقًا، ومن لم يحب آل البيت يسمى فاسقًا، فقوله: (والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي) نقول: نعم، من زعم أن أحدًا يحقق الإيمان وهو لم يحب آل بيت الرسول -أي: المؤمنين منهم- فقد أخطأ وخالف السنة وإجماع السلف، فإن من أعظم أنواع الفسق: الطعن في آل البيت أو عدم محبتهم، ولا شك أن من موجبات الإيمان ومن أعظم شعائره: محبة آل البيت، والشهادة لهم بهذه الخاصية التي لا يشاركهم فيها حتى أبو بكر، لكن كونه ﵁ لا يشاركهم في هذه الخاصة لا يعني أنه لا يمتاز عليهم بأوجه أخرى، فقد قال النبي ﵌: (إن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم) وليس معنى ذلك أن إبراهيم أفضل من محمد ﵊.\nوموسى ﵇ حصل له أنه جاء للميقات وكلمه ربه، ولم يحصل لمحمد ﷺ أنه كلمه ربه وهو في الدنيا وهو في أحد جبال مكة أو ما إلى ذلك لكن هذا الاختصاص الذي عرض لموسى لا يوجب أن يكون موسى أفضل من محمد.\nكذلك عيسى ﵇ رفعه الله إليه، وليس هو أفضل من محمد ﵊.\nأما ما تقوله الشيعة من أنه لا ولاء إلا ببراء ..\nفإنه يلزم منه التكفير لآل البيت، فهم يقصدون أنه لا ولاء لـ علي إلا بالبراء من أبي بكر وعمر، والتاريخ يحفظ حفظًا قطعيًا أن هناك أعيانًا من آل البيت كانوا موالين لـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وهذا هو الأصل فيهم، وهكذا كان شأن أبي بكر أنه كان مواليًا لـ علي ومحبًا له، وكان علي بن أبي طالب مواليًا لـ أبي بكر، فإذا قيل: لا ولاء إلا ببراء؛ لزم من ذلك التكفير حتى لآل البيت؛ لأنهم ما كانوا يتبرءون من أبي بكر وعمر، وما نقل عن إمام من أئمة آل البيت أنه تبرأ من أبي بكر.\nوقولهم: إن فاطمة ﵂ لم تبايع، فهذا حصل منها، وكانت ﵂ ترى أن لها في ميراث النبي ﷺ شيئًا، ولم يبلغها قول الرسول ﵊: (نحن معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة) فكانت تظن أن رسول الله ﵊ يورث كغيره، فكانت تنتظر ما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر أنه يقسم قسمة مواريث، لكن أبو بكر قال: إن رسول الله قال: (لا نورث، ما تركنا صدقة) وفاطمة لم يبلغها الحديث فأخذت في نفسها على أبي بكر، وهذا اجتهاد من فاطمة يدخل في قول الرسول ﵊: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر) فهي اجتهدت ﵂، وما قصدت مخالفة سنة النبي، واجتهادها مغفور لها وإن كان ليس صوابًا.\nوأما أنها لم تبايع أبا بكر فقد أجمع أهل العلم أن البيعة تنعقد بدون النساء، إنما المعتبر هو بيعة أهل الحل والعقد من الرجال، أما النساء فلا يدخلن في مسألة البيعة أصلًا؛ لأنهن ليس لهن في الأمر نصيب، إنما الذي تجب بيعته هو الذي له في الأمر نصيب؛ لذلك حتى العامة لا يلزم بيعتهم بالأعيان، كأن يأتي كل واحد من العامة يبايع أو يعلن البيعة، بل إذا جاء أهل الحل والعقد من العلماء ووجهاء الأمصار فبايعوا إمامًا، فإن بيعته تكون شرعية لازمة لكل أفراد المجتمع من الرجال والنساء، أما من بايع من العامة فهذا يعتبر زيادة تأكيد ليس إلا.","vol":"21","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>معنى الاصطفاء في حديث: (إن الله اصطفى بني إسماعيل)</span>\nقال ﵀: [وقال رسول الله ﷺ: (إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)].\nفبنو هاشم بهذا الحديث قد اصطفاهم الله، ولا شك أن بني هاشم هم أفضل قريش، لكن هذا الاصطفاء له معنى آخر، فهو مثل قول النبي ﷺ: (إن الله اصطفى قريشًا) وليس معنى ذلك أن قريشًا أصبحت كلها أمة ربانية إلهية، بل قريش فيهم الأبرار وفيهم الكفار، فمن يقول: إن الله قد اصطفى بني هاشم.\nنقول: اقرأ الجمل التي قبل، اصطفى بني هاشم من قريش، واصطفى قريشًا من كنانة، هل معناه: أن قريشًا أصبحت مصطفاة؟ بل قريش هي التي كانت تعبد اللات والعزى، وهي التي وضعت على الكعبة ثلاثمائة وستين نصبًا كما في حديث ابن مسعود، فالاصطفاء ليس معناه القداسة المطلقة لهذه الطائفة أو القبيلة أو المجموعة، وبعض أهل العلم يقول: إن الاصطفاء من قريش هو باعتبار المنتهى، أي: أن النبي في الأخير صار منها، فصار الرسول يقال: إنه هاشمي قرشي، هذا وجه الاصطفاء لقريش.\nلكن حتى لو قلنا: إن قريشًا لها بعض الاختصاص في قدر الله، الاصطفاء في قدر الله ليس معناه الإطلاق؛ لأن قريشًا كان فيها الكفرة.\nهنا تنبيه يتعلق بمسألة حقوق آل البيت أو مسألة الصحابة: أحيانًا بعض الناس ممن يكتب في هذا يكون متحمسًا للرد على الشيعة، فتراه يقصر في شأن آل البيت، ويكون عنده حماس في الدفاع عن أبي بكر وعمر لدرجة أنه قد يطعن في علي أو يطعن في مقام آل البيت أو في قدرهم مما لا داعي له، وبعض الناس يكون عنده ضعف في العقل، لا يحسن التوازن إلا بأن يصيب من هؤلاء شيئًا أو من هؤلاء شيئًا.\nوالصواب: أن هؤلاء أمة واحدة، وكانوا ﵃أعني: أبا بكر وعلي بن أبي طالب، أو آل البيت وغير آل البيت من الصحابة- كانوا في زمن النبوة وقبل أن توجد الفتن أمةً واحدة، وكانوا مجتمعين يصدق بعضهم بعضًا ويوالي بعضهم بعضًا.\nإذًا: لا يجوز أن يقع في كلام بعض الناس ما هو من التقصير في شأن آل البيت، فكما قلنا: إن لهم قدرًا، وإن لهم اختصاصًا، وإن محبتهم من الإيمان بالله ورسوله، ومن تصديق الله ورسوله.","vol":"21","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>شرح العقيدة الواسطية [٢٢]</span>\nمن معتقد أهل السنة تولي أزواج النبي ﷺ، والإيمان بأنهن أمهات المؤمنين، وأزواج نبي رب العالمين في الدنيا والآخرة. كما أن من معتقدهم الإيمان والتصديق بكرامات الأولياء، وهم في ذلك يخالفون المعتزلة ومتكلمة الصفاتية الذين ينكرون الكرامات المتحققة في حق الأولياء.","vol":"22","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>موقف أهل السنة من أزواج رسول الله ﷺ</span>\nقال ﵀: [ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة].\nبين أهل العلم خلاف: هل أزواجه من آل بيته، أم لا؟ هذه مسألة انضبطت أو لم تنضبط الأمر فما يتعلق بها هو أكبر من كونهن من آل البيت، وهو أنهن مؤمنات سابقات جعلهن الله أزواجًا لرسوله ﵊ إلى غير ذلك.","vol":"22","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>المفاضلة بين خديجة وعائشة وفاطمة ﵅</span>\n[خصوصًا خديجة ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية، والصديقة بنت الصديق ﵂ التي قال فيها النبي ﷺ: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)].\nهذا الحديث ليس صريحًا في أن عائشة هي أفضل نساء المؤمنين، وإذا قيل: إنه ليس صريحًا فليس معناه: أنه لا دلالة فيه، ومن استدل به على فضل عائشة قيل له: فيه دلالة، لكنها دلالة محتملة ليست دلالة صريحة، لأنك إن قلت: إنه نص صريح، أصبحت المسألة تميل إلى الجزم واللزوم والقطع، فهذا نص محتمل، وإن كان الرسول قال فيه: (فضل عائشة على النساء) فقد يكون الفضل الذي كان يتكلم عنه ﵊ ليس هو فضل الدين المطلق، بل الفضل المتعلق بعشرة النساء وصلتهن بالأزواج وبرهن مع الأزواج، فهذه أمور محتملة في الحديث.\nفيما يتعلق بأفضل أصحاب رسول الله: من المعروف أن أفضلهم أبو بكر ..\nإلى آخره، أما ما يتعلق بنساء هذه الأمة فاتفق السلف أو أهل السنة على أن أفضل النساء فاطمة وخديجة وعائشة، هذا متفق عليه أن هؤلاء الثلاث هن الأفضل، ثم تنازع أهل العلم أيتها أفضل، فقوم قالوا: عائشة، ويستدلون بمثل هذا الحديث، وهو فيه نوع من الدلالة وليس صريحًا، والأظهر أنه لا دلالة فيه، ويفضل قوم خديجة، ويفضل قوم فاطمة.\nفقد جاءت نصوص في هؤلاء الثلاث، فقال النبي لـ فاطمة: (ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة؟) كما في الحديث الثابت في الصحيح، فهذا أقوى في الدلالة من حديث فضل عائشة على النساء، يعني: إذا كان حديث فضل عائشة على النساء يدل على أنها هي الأفضل مطلقًا فقول النبي لـ فاطمة: (أما ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة، أو سيدة نساء العالمين؟) أصرح في الدلالة، لا سيما أنها كانت على وجه البشارة الأخروية؛ لأنه سارَّها بذلك، ولم يكن هذا مما يقصد ذكره بين الناس، كان هذا من باب المسارَّة؛ لأنه سارَّها كلمة فبكت، ثم سارها الثانية فضحكت، ولم تكشف سره ﵊ إلا بعد وفاته.\nفالمقصود: أن هؤلاء الثلاث القول فيهن ممكن، والجمهور من السلف فيما يظهر والله أعلم ما كانوا يشتغلون بهذا التفضيل والجزم كاشتغالهم بتفضيل أبي بكر وأمثال ذلك، ولذلك الأولى والأقطع للنزاع ولكيلا تكون هذه المسائل موجبة لكثرة الخلافات التي لا طائل تحتها، أن يقال: أفضل نساء هذه الأمة فاطمة وخديجة وعائشة، أما أيتهن أفضل؟ فهذا أمر الله أعلم بتمامه، ولكن إذا اعتبرت الأمور بالأقرب فـ خديجة أو فاطمة أفضل من عائشة فيما يظهر والله أعلم.\nولكن أنا أميل إلى عدم العناية بمسألة الترجيح في المسألة، فكثرة النظر فيها والترجيح ليس مقصودًا، ذلك أنه لا فائدة فيه، لأنه ليس من باب التراتيب الإيمانية المنضبطة على أخبار منضبطة، أما تفضيل أبي بكر فمقصود؛ لأنه من التراتيب الإيمانية، هذا دين وعقيدة أن نؤمن أن أبا بكر هو أفضل الصحابة؛ لأننا بذلك نحقق النصوص الصريحة، أما التفضيل بين خديجة وعائشة وفاطمة فهذا ليس فيه نصوص صريحة.","vol":"22","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>براءة أهل السنة من الروافض والنواصب</span>\nقال المصنف ﵀: [ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل].\nالنواصب ليسوا هم أهل السنة كما زعمت الشيعة، وليس النواصب هم بني أمية، إنما النواصب هم من ناصب أهل البيت العداء أو قصد الطعن عليهم، فهذا يسمى ناصبيًا، سواء كان من بني أمية أو كان من السنة غيرهم فكل من ناصب آل البيت العداء، أو طعن فيهم فهو يسمى ناصبيًا أيًا كان اتجاهه، أما تصنيف سائر بني أمية أنهم نواصب؛ فهذا غير صحيح، وهو من تصانيف الشيعة.","vol":"22","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>الإمساك عما شجر بين الصحابة</span>\n[ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه].\nالإمساك عما شجر بين الصحابة سنة من سنن السلف، لكن هذا لا يمنع ذكر الحقائق الكلية المنضبطة.\nمن الحقائق الكلية التي أريد أن أشير إليها تمثيلًا لا استقصاءً: أن عليًا أولى بالحق من معاوية ..\nهذه حقيقة كلية منضبطة لا تنافي الإمساك، وذكر قوله ﷺ: (أن عمارًا تقتله الفئة الباغية)، لا ينافي لزوم الإمساك، فمثل هذه الحقائق لا بد من ضبطها في فقه الشجار والنزاع الذي حصل بين الصحابة.\nأما إذا فُسِّر الإمساك بأنه السكوت وعدم قول أي كلمة، فهذا غلط مخالف للنص والإجماع، فإن النص قال: (تقتل عمارًا الفئة الباغية) وذكر رسول الله ﷺ مروق الخوارج فقال: (تقتلهم أولى الطائفتين بالحق)، فظهر منه أن عليًا أولى بالحق.\nإذًا الحقائق الكلية المنضبطة عند السلف لا تنافي الإمساك.\n[والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم].\nوهذا المعنى: أن كل من كان محققًا للإيمان يغفر له ما لا يغفر لغيره حصله المصنف من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].\n[لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم.\nثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه أو غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد ﷺ الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفِّر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور؟!\nثم إن القدر الذي يذكر من فعل بعضهم قليل، نزر مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم: من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما منَّ الله عليهم به من الفضائل، علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله].\nلا نزيد عليه ﵀ في هذا التقرير منه لدرجة الصحابة ومنزلتهم، وما قد وقع من بعضهم أو ما نقل عن بعضهم من بعض التقصير أو ما إلى ذلك، فإن هذا قد زيد فيه ونقص، وما ثبت منه قد يكون من باب الاجتهاد، وإذا بلغ المنتهى وكان من باب المعصية، فإن لهم من الحسنات والتوبة والجهاد وما إلى ذلك ما يوجب التكفير، ولما حصل لهم من الاصطفاء الإلهي في رضا الله ﷾ عنهم.","vol":"22","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>كرامات الأولياء</span>\nختم المصنف كتابه هذا الذي ذكر فيه جمل الأصول عند أهل السنة والجماعة في أبواب العقائد وأصول الدين، بقوله: [ومن أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء].\nوهذا الأصل إنما كان من موارد الإجماع عند السلف؛ لأن النصوص عليه في الكتاب والسنة صريحة، فإن الله ذكر في القرآن قصة أصحاب الكهف، وذكر في القرآن ما كان يحصل لـ مريم ﵍ من أنواع الكرامة كمجيء رزقها وهي في المحراب حتى قال لها زكريا: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران:٣٧] وكان متعجبًا من هذا الرزق الذي يأتيها ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٣٧] فمثل هذه الكرامات التي حصلت لأهل الكهف في نومهم وحفظ الله لهم مع نومهم في أبدانهم، ثم ما حصل لـ مريم عليها الصلاة والسلام، وكذلك ما جاء في السنة الصحيحة من إثبات ذلك.\nفصار قوم من أهل البدع ينكرون الكرامات، وأخص من أشهر الإنكار لهذه المسألة هم المعتزلة، وشاركهم فيها بعض متكلمة الصفاتية، فصاروا ينكرون كرامات الأولياء.\nوالكرامة هي أمر خارق للعادة يجريه الله ﷾ على يد ولي إما معونةً في أمر ديني وإما معونة في أمر دنيوي، ولا يلزم أن يكون في الأمور الدينية فقط، بل قد يكون في الأمور الدينية وقد يكون في الأمور الدنيوية، وهو في الجملة خارق للعادة الحسية وليس خارقًا للعادة العقلية؛ لأنه لا شيء يخرق العادة العقلية، إنما الخوارق للعادات الحسية فقط، وإن كان هذا الحس قد يحكم الناس عليه بأنه حكم عقلي، والصحيح أنه حكم حسي.","vol":"22","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>إنكار المعتزلة للكرامات وشبهتهم في ذلك</span>\nالكرامات التي يجريها الله ﷾ على يد من شاء من عباده، أنكرتها المعتزلة لموجب عندهم مركب من مقدمتين كلاهما فاسدة.\nالمقدمة الأولى: قالوا: إن النبوة لا تثبت إلا بمعجزة، والمعجزة عندهم هي الخارق للعادة.\nالمقدمة الثانية: قالوا: فإذا حصلت الكرامة لولي حصل التباس بين النبوة والولاية، أو بين النبي والولي، ومن هنا أنكروا هذه الخوارق.","vol":"22","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>الرد على شبهة المعتزلة في إنكار الكرامات</span>\nهاتان المقدمتان كلاهما مما ينازع فيه، فإن النبوة وإن كانت تثبت بالمعجزة والآية، وهذا اسمها الشرعي: أنها آيات الأنبياء، فإن النبوة لا يقتصر ثبوتها على المعجزات، فهي تثبت بالمعجزات وتثبت بغيرها، فمن المعلوم أن الذين آمنوا بالنبي ﷺ ودخلوا دين الإسلام ممن لقيه أو حتى ممن بلغه دين الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ أن كثيرًا منهم يؤمنون بنبوة محمد ﷺ ويسلمون بذلك لما يسمعون في دينه من التوحيد أو من الأمر بمكارم الأخلاق، أو ما إلى ذلك، وإن كانوا حال إيمانهم ودخولهم في دين الإسلام لا يلزم بالضرورة أنه بلغتهم عنه ﷺ معجزة من خوارق العادات، وإنما قد يبلغهم ذلك فيما بعد، أو ربما أنه بلغهم، ولكن يكون سبب إيمانهم هو الأول.\nإذًا الصواب الذي عليه جمهور المسلمين وهو إجماع عند السلف أن النبوة تثبت بالمعجزة وبغيرها من الدلائل الموجبة للتصديق، ومن الدلائل الموجبة لتصديق النبي والرسول أنه يدعو إلى توحيد الله، ويدعو إلى الأخذ بشريعة الله ﷾.\nإذًا: المقدمة الأولى عند المعتزلة ليست صوابًا، لأنه لو كانت النبوة لا تثبت إلا بالمعجزة للزم من ذلك أن يكون الإيمان بالنبي معلقًا على العلم بالمعجزة، ولو كانت النبوة لا تعرف إلا من جهتها، للزم أن يكون إيمان الذي يسلم أو يدخل هذا الدين بالنبي مستلزمًا للعلم بدليل النبوة وهو المعجزة، والأمر ليس كذلك.\nفإن قيل: فمن يسلم أيقال إنه أسلم دون أن يعلم دليل النبوة؟ قيل: لا، كل من يسلم فقد علم ما هو من دليل النبوة، فمن أسلم لكونه رأى أن الرسول ﵊ يدعو إلى إفراد الله في العبادة، فهذا أسلم على دليل من دلائل النبوة، وهو أن من دلائل صدق النبي أنه يدعو إلى التوحيد، كما أن من دلائل صدقه ما يجريه الله على يديه من المعجزات، فهذا دليل، وهذا دليل ..\nإذًا: هذا هو الرد على المقدمة الأولى.\nالمقدمة الثانية: لو فرض جدلًا أن النبوة لا تثبت إلا بالمعجزة فإن هذا لا يوجب أن تكون الكرامة منفية حتى لا تلتبس بالمعجزة، فإن الفرق بين الكرامة والمعجزة هو متحصل من جهة الفرق بين النبي وبين الولي، وهذا الفرق الأضبط الذي يمكن أن يكون مدركًا حتى للعامة من المسلمين، إذا قيل: ما الفرق بينهما؟ قيل: الفرق المنضبط أن هذه المعجزة تحصل لنبي، وهذه تحصل لولي، ويمتنع أن الولي يدعي بها النبوة، فإنه لو فرض أنه ادعى بها النبوة لما أمكن في نفس الأمر أن يكون وليًا، بل هذا يكون كذابًا دجالًا.\nفإذا قيل: إن هذا قد يخشى منه دعوى النبوة، قلنا: هذا يمكن فرضه في الخوارق التي تحصل من الكهان؛ لأنهم قد يعملون الأعمال الخارقة التي يستعملون فيها الشياطين، فيدعون بها شيئًا من الغيب أو شيئًا من النبوة أو شيئًا من مقامات الربوبية أحيانًا، أما الولي فإن ذلك ممتنع في حقه؛ لأن ولايته تمنع أن يكون مدَّعيًا بها، ومعلوم أن الرسول ﵊ من دلائل نبوته أنه يدعو إلى التوحيد، وقد سأل هرقل أبا سفيان: (بم يأمركم؟ قال: يأمرنا بالصلاة والصدقة والصلة والعفاف).\nفكانت هذه من موجبات كونه نبيًا صادقًا.\nإذًا هذا الالتباس الذي فرضه المعتزلة ممتنع: ممتنع من جهة المقدمات النظرية، وأما من جهة الوجود الحسي فهو كذلك؛ لأن الموجب الذي طرأ عند المعتزلة لمنعها يلزم اطراده في الخوارق التي تحصل عند السحرة والكهان وأمثالهم من الكذابين، ومعلوم عند سائر الخاصة والعامة بل حتى عند غير المسلمين أن الكهان والعرافين والمدعين للعلوم الغيبية هم ممن يستعملون الشياطين سواء ممن ينتسب لهذه الأمة الإسلامية أو ممن هو خارج عن أمة الإسلام من عبدة الأوثان من أهل الهند التي تكثر فيها مثل هذه الوسائل أو غيرهم، فيحصل لهؤلاء الكذابين من الكهان ونحوهم كثير من الخوارق الظاهرة عند العامة، وحقيقة أمرها أنها مما تعمله الشياطين لهم، فإن الشياطين -كما هو معروف في القرآن- قد أقدرهم الله على ما لم يقدر عليه البشر؛ ولذلك كان لسليمان من الشياطين من يغوصون له، وقصتهم مع سليمان معروفة، ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل:٣٩] ومثل هذا خارق للعادة.\nفمثل هذه الأعمال التي تصدر بواسطة الشياطين أمر لا يستطيع أحد أن ينكره ..\nلكونه موجودًا في هذه الأمة وفي غيرها -أي: في المنتسبين لهذه الأمة وفي غيرهم-، فهذا القول هو من إنكار الحسيات، فإن هذه المعارف من علوم السحر وعلوم الطلاسم وما إلى ذلك كانت مشهورة حتى في عصر المعتزلة، وعلماء المعتزلة مطلعون على مثل هذه الكتب، ولا سيما أن بعضها كان مترجمًا من فلسفة الهند وغيرها.\nفهذا كله من التكلف في إنكار ما هو من الحسيات مع أنه لا موجب له من جهة النظر فضلًا عن الشرع، فإن الله ما نفى هذه الكرامات في القرآن، بل في القرآن والسنة ما هو إثبات لها، وأما هذا الموجب الذي فرضوه فلو فرض صدقه أمكن ذلك في خوارق السحرة والكهان؛ لأن الكذاب من الكهان ونحوهم قد يدَّعي بخارقه اختصاصًا من جهة الديانة، فيدعي صفة ربانية أو نبوية أو ما إلى ذلك، أما الولي فإن هذا الادعاء يمتنع في حقه.","vol":"22","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>الولاية اسم تابع للإيمان</span>\nلكن مع إيمان أهل السنة بها وتصديقهم لما يحصل من ذلك إلا أن هذا ليس من امتياز الأولياء، بمعنى أن الولي لا يعرف بالكرامة، وهي وإن كانت تحصل لمن هو من الأولياء، فهي لا تختص -أعني: الكرامة- بمقامات الأولياء، بحيث أن الولي إذا حصل له كرامة فإنه يعلم بها أنه أفضل من غيره ممن لم تحصل له كرامة ..\nبل هي تعرض لبعض الأولياء على ما يشاء الباري سبحانه من الحكمة: قد يكون الأمر تثبيتًا له، وقد يكون نصرةً له ..\nالخ، فللكرامة موجبات على حكمة الله، لكن النتيجة من هذا أنها لا توجب الفضل المطلق لهذا الولي على غيره، حتى ولو كثرت كراماته، والآخر لم يشتهر بالكرامات.\nالجهة الثانية: أن الكرامات في كلام أهل العلم تتعلق بالأولياء، والولاية -كما يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀- تتفاوت، يقول: فكما أن الإيمان يزيد وينقص، وهناك الإيمان المطلق ومطلق الإيمان، فكذلك الولاية، فإن الولاية اسم تابع للإيمان، فبقدر تحقيقه للإيمان يكون محققًا للولاية، وكما أنه يحصل له الإيمان مع نقص فيه فكذلك يحصل له الولاية مع نقص فيها؛ لأن الله يقول: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] فمن حقق الإيمان على التقوى فهو الولي المطلق، والمؤمن المطلق هو الولي، والمؤمن الناقص لا تنفى عنه الولاية، إذ له من الولاية بقدر يناسب إيمان هذا الولي أو هذا المؤمن، وإن كان لا يسمى وليًا بإطلاق، فلا يعني هذا أنه ليس له من الولاية شيء، كما قد يقع في ذهن بعض العامة أن الولي هو درجة من الاختصاص لا يقع اسمها لا مطلقًا ولا مقيدًا إلا في حق الخاصة؛ بل الولاية هي ولاية الله، والله يتولى الذين آمنوا ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ﴾ [المائدة:٥٥] فالله يتولى أهل الإيمان على درجاتهم.\nلكن الاسم المطلق حينما يقال: إن فلانًا من أولياء الله لا يسمى به إلا من عرف تحقيقه للإيمان ..\nهذه جهة في مسألة الولاية.","vol":"22","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>حال الصحابة رضوان الله عليهم مع الكرامات</span>\nالجهة الثانية في مسألة الولاية: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما كانوا يعنون بتخصيص بعضهم بمقام الولاية؛ لأن مقام الولاية حقيقته أنه مقام عبادي أحوالي، يتعلق بأحوال القلوب، وهذا الباب وإن كان يدرك بالاستفاضة أو بالشهادة إلا أنه في حقيقته باب غيبي، بمعنى أن المعين للولي هو الله ﷾.\nوالذي كان عليه السلف الأول من أصحاب الرسول ﵊ أنهم كانوا يعينون بالعلم، هذا هو الذي درج عليه السلف، أما الصوفية -أو أكثر الصوفية- فإن الولاية يكون لها أشبه ما يكون بالنظام والدستور العلمي أو العملي عندهم، فتجد الجانب الوراثي الشخصي المتعلق بالنسب، وأن هذا أبوه كان هو الولي، فتتحدر الولاية فيهم كابرًا عن كابر، وهذا كله من الجهل والغلط على الشريعة.\nومثله التخصيص لأناسٍ بأنهم هم الأولياء لمظاهر أو لدرجة يظهرونها من المقام، ويُتبرك بهم على هذا التقدير وما إلى ذلك، فأكثر هذا التخصيص لا وجه له، إنما التخصيص الممكن هو التخصيص الظاهر من جنس التخصيص الذي كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن فلانًا اشتهر بالعلم، وفلانًا اشتهر بالجهاد، وفلانًا اشتهر بالفقه، وهذا بحفظ الحديث ..\nوهلم جرًا، وكل هذه المقامات العلمية والعملية هي من مقامات الولاية.\nأما تقسيم المجتمع بأن هؤلاء هم السادة الأولياء، وهؤلاء هم المريدون التبع، والمسألة مسألة ترقي، والولي هو الذي يحكم لهذا المريد أو لهذا المتقدم أنه وصل إلى درجة كذا، ثم يتصعد إلى أن يصبح وليًا، فهذا كله جهل بالشريعة؛ فإن الذي يقبل الولي وليًا هو الله، وقد يكون هذا الولي من العامة وهو عند الله من الأولياء، فهذه الطرق المترقية عند الصوفية لا شك أنها من البدع المحدثة في تسمية الولاية.\nفمن أصول أهل السنة: التصديق بكرامات الأولياء، والكرامة قد تقع لغير الولي بالمفهوم الخاص، فهي تقع للمؤمن؛ ولذلك لو كان التعبير: ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات المؤمنين لكان صحيحًا؛ لأن الكرامة ليست ملازمة للولاية، والولاية قد تتحقق لمن لم تقع له كرامة، ولا يقول بغير هذا إلا غلاة من الصوفية: أن من شروط الولي عروض الكرامات له.\nفالكرامة مرتبطة بالإيمان، وهذا لا ينافي قول أهل السنة أو قول أهل العلم عمومًا أن الكرامة للولي، فالمؤمن هو الولي، ولكن ينبغي أن يعبر بأن الكرامة تكون للمؤمن كما يعبر أنها تكون للولي، فيذكر التعبيران قطعًا لهذه الشبهة المترتبة في عقول الصوفية، والتي دخلت على كثير من عامة المسلمين ولا سيما في البيئات التي يكثر فيها التصوف: أن الكرامات هي خصائص لقوم بلغوا درجة الولاية، حتى ربما أظهرت لهم الشياطين بعض هذه الخوارق، وزينتها لهم فظنوا أنهم أولياء، فضلوا وأضلوا.\nولذلك قد تعرض الكرامة من كرم الله ﷾ لبعض المسلمين، فقد تدركه رحمة حتى لو كان عنده بعض المعاصي، قد يكون في انقطاع من السبل مثلًا فتدركه كرامة من الله بإجراء ماء أو بجرية ماء بين يديه أو ما إلى ذلك، وهذا قد يعرض.\nفالكرامة حقيقتها أنها عون إلهي ونعمة إلهية، والكرامة ليست مجازاة على الثواب المطلق، نعم هي لا تكون إلا لمؤمن، وهذا الشرط ثابت، لكن ليس معناه: أن من كان في حاله شيء من النقص يمتنع وجود الكرامة في حقه، إنما شرطها الإيمان الصادق.\nثم هناك فرق بين الكرامة التي تعرض على نوع من حفظ النفس كمن انقطعت به السبل، وبين الكرامة التي تحصل لولي على مقام من النصرة التي يلحقه أتباع بها، فهذه لا تعرض إلا لمن هو أهل لها.","vol":"22","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>من بدع الصوفية في الكرامات</span>\nقال ﵀: [وما يجري الله على أيديه من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات].\nمما يعلم أن كثيرًا من الصوفية زادوا في مسألة هذه المكاشفات، ولا سيما المكاشفات الأحوالية المتعلقة بالقلب أو المكاشفات العلمية، فأدخلوا على نظرهم وعلى محصلاتهم ما هو من البدع وما هو من الوهميات العلمية، وزعموا أن هذا من الأسرار أو من المكاشفات التي تحصلت لهم بفضل ولايتهم، أي: أنها من الكرامات التي تحصلت لهم بفضل ولايتهم، وهذا موجود وثابت كما ذكر المصنف ﵀، لكن مما يعلم أنه حصل فيه استطالة كثيرة ولا سيما عند مبتغيه.\nولذلك من فقه الكرامة أن صاحبها لا يكون متطلبًا لها أو منتظرًا لها، فمن تطلب الكرامة فهو في الغالب يقع عنده شيء من الفتنة، ولذلك الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما كان أحد منهم يتطلب مثل هذه الكرامة أو ينتظرها، ومن المعلوم أن كبار أئمة الصحابة ما حصل لهم شيء من هذه الكرامات الظاهرة التي تعرض لبعض الصوفية من بعدهم، مما يدل على أن مقام الكرامة ليس هو مقام الحكم على الإيمان ودرجته.\n[والمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر فرق الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة].","vol":"22","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>شرح العقيدة الواسطية [٢٣]</span>\nمن معتقد أهل السنة والجماعة أن أصدق الكلام كلام الله، وأن خير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ، فلا يقدمون كلام أحد على كلام الله، ولا هدي أحد على هدي محمد ﷺ، كما يعتقدون أن ما تعلق بمسائل أصول الدين من إجماع إنما هو إجماع السلف الأول من الصحابة، وأنهم أحق الناس بأن يتبع سبيلهم بعد كتاب الله وسنة نبيه.","vol":"23","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>اتباع أهل السنة لآثار النبي ﷺ وما كان عليه السلف الصالح</span>\nقال ﵀: [فصل: ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله ﷺ باطنًا وظاهرًا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار].\n(اتباع آثار النبي ﷺ ظاهرًا وباطنًا) وذلك أن هذا الاسم -وهو أهل السنة والجماعة- ينظر فيه باعتبارين: باعتبار العقائد والأصول، فهذا القول فيه على الأصول المعروفة، وينظر فيه باعتبار منهجهم العام -أي: منهج أهل السنة والجماعة العام- وهذا يدخل فيه الأخلاق وأحكام التشريع، وهذا من جهة أن أئمة السنة والجماعة من المحدثين والفقهاء لهم منهج في التفقه، ولهم منهج في الأخلاق، وإن كان هذا المنهج الذي يُذكر لا يلزم أن يكون مختصًا بهم، وقد سبق معنا أن ما هو من عقائدهم لا يلزم أن يكون مختصًا بهم، ما من عقيدة من عقيدتهم إلا وقد يشاركهم فيما هو منها بعض الطوائف من المسلمين، ففي صفات الله لا طائفة من الطوائف تحقق باب الصفات كتحقيق السلف، لكن ليس كل الطوائف هم من النفاة ..\nفقد وجد الأشعري وابن كلاب فأثبتوا بعض الصفات ونفوا بعضها.\nإذًا ما من أصل من أصول أهل السنة إلا ويشاركهم فيما هو منه بعض المسلمين، أما التحقيق لأصل باطراد فهذا في الغالب أنه اختصاص عندهم، أما أن يكون غيرهم عنده من الأصول ما ليس عندهم، فهذا ممتنع، كذلك في باب التشريع وباب الأخلاق فإن غيرهم يشاركهم في هذا، لكن هديهم أكثر تحقيقًا، وهذا باعتبار أن منهج أهل السنة والجماعة منهج عام في العقائد والأصول، أو في التشريع أو في الأخلاق.\nوإن كان اسم أهل السنة أو اسم السلفية أو السلف إذا تكلم به انصرف إلى القول في العقائد باعتبارها هي الأشرف وهي محل النزاع من جهة الأصل بين أهل القبلة، لكن مع هذا فإن من فقه الناظر في كلامهم -أعني كلام السلف أو كلام أهل السنة- أن يعتبر هذا المعنى العام: أن طريقتهم طريقة عامة، وهي الأخذ بهدي رسول الله ﷺ ظاهرًا وباطنًا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؛ لأن هذا هو السبيل الذي أوجب الله به النجاة في مثل قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] فبيَّن سبحانه أن ثمة تلازمًا بين طريق الرسول ﵊ وسبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥] فدل على أن سبيل المؤمنين هو طريق الرسول ﷺ، لأنهم أخذوا وتلقوا عنه.\nقال ﵀: [واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)].\nهذه الوصية الجامعة هي حديث العرباض بن سارية في وصية النبي ﷺ لأمته أن يقتدوا بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، وهم الخلفاء الأربعة، وهذا فيما يقرونه ويلتزمون به من الاجتهاد ويلزمون به الأمة، هذا معنى حديث العرباض في قوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء) المقصود بسنة الخلفاء هنا: هو اجتهادهم الذي يلزمون به الأمة، فإذا ألزم أبو بكر الأمة بأمر، فإنه يجب على الأمة أن تلتزم به كسنة شرعية، ليست سنة مصلحية تعرض وتزول، لكن إذا ألزم به أبو بكر فإنه يكون سنةً شرعية لا يجوز لأحد أن يخرج عنها، هذا هو وجه أن لهم سنة بخلاف غيرهم، فإن الأمر يكون على حسب المصالح والقياسات والنزاع العلمي إلى غير ذلك، وهذا من تسديد الله لهؤلاء الأربعة.\nولهذا فرع بعض أهل الأصول: هل اتفاق الخلفاء الأربعة الراشدين على رأي في مسألة ما حجة، أم ليس بحجة؟\nوالمأخذ من هذا الحديث لا يدل على أن قول أحد منهم أو حتى اتفاقهم يكون حجةً بذاته في المسائل التي مردها إلى النصوص، إنما هذا فيما يختصون به من النوازل وما يتعلق بالمصالح المرسلة التي تعرض في زمنهم، فيكون هذا من تمام الاتباع للنبي ﷺ.\nوإذا قيل: إن الصحيح أن هذا الاتفاق ليس حجةً بذاته، لا يفهم منه أنه يخالف قولهم، لأنه لم يحفظ مسألة من مسائل العلم -أي: في مسائل التكليف- قد أجمع الخلفاء الراشدون فيها على قول وكان هذا القول ليس راجحًا فاحتجنا أن نرجحه بكون إجماعهم حجة، بل تجد أنهم إذا اتفقوا وحرر اتفاقهم على قول فلا بد أن يكون هذا القول عليه دلائل من السنة تغني عن النظر في قولهم هل هو حجة أو ليس بحجة.\nولذلك لا توجد مسألة اتفق عليها الخلفاء الراشدون وقولهم فيها مخالف لظاهر الأدلة، اللهم إلا أن يكون هذا من باب عدم الضبط لأقوالهم، كما ذكر كثير من فقهاء الشافعية مثلًا: أن مما اتفق عليه الخلفاء أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء، فهذا ليس عن الخلفاء الراشدين فيه اتفاق، وكأنهم -كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ﵀- دخل عليهم أن الخلفاء الراشدين كانوا يظهرون عدم الوضوء مما مست النار، وكان الوضوء مما مست النار مشروعًا في أول الإسلام، ثم نسخ، فكان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، فبعض الصحابة بقي عنده بقية في هذه المسألة، فكان الخلفاء وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يظهرون عدم الوضوء مما مست النار، حتى لا يلتبس هذا على المسلمين، فظن من ظن من فقهاء الشافعية أنهم لا يرون الوضوء من لحم الإبل، لأن هذا الفقيه من متأخري الشافعية بناه على أن لحم الإبل إنما وجب الوضوء منه لكونه مسته النار.\nفهذا من جنس من يقول: إن لحم الإبل قد نسخ الأمر بالوضوء منه، والأمر ليس كذلك؛ لأن حديث جابر بن سمرة والبراء بن عازب يدلان على أن هذا كان بعد النسخ، فإن النبي ﷺ قيل له: (يا رسول الله! أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: لا -وفي رواية قال: إن شئت- قيل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم) فلو كان هذا قبل النسخ لكان جوابه عن سؤال: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ أن يقول: نعم، لأن لحم الغنم قد مسته النار، فلما قال: (إن شئت)، وفي رواية قال: (لا) أي: لا تتوضأ من لحم الغنم دل على أن هذا كان بعد النسخ، إنما الخلاف الذي يتوجه في مسألة لحم الإبل: هل قوله: (نعم) أراد به الرسول ﵊ الإيجاب، أم أراد به الاستحباب؟\nهذا الخلاف هو الذي يتوجه عند التحقيق، وكأنه هو مأخذ المتقدمين في المسألة الذين صح عندهم الحديث في هذا، أما أن ترد إلى هذا المعنى أن هذا من النسخ فهذا الحديث ظاهره يمنعه، فالمقصود من هذا أن لحم الإبل على الراجح في المسألة كما هو معروف مما يجب الوضوء منه، وهو مذهب أحمد خلافًا للأئمة الثلاثة، لكن يبقى أن المسألة من مسائل النزاع المعروفة بين المحدثين والفقهاء.\nونتيجة هذا: أن الخلفاء الراشدين لا يجمعون على ما يخالف ظاهر السنة والكتاب.","vol":"23","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>منهج الاستدلال عند أهل السنة والجماعة</span>\nقال ﵀: [ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد؛ ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة، وسموا أهل الجماعة، لأن الجماعة هي الإجماع، وضدها الفرقة].\nهذا الهدي الذي قرره المصنف هنا هو من الفقه، ومنهج السلف ﵏ ومنهج أهل السنة والجماعة فيه جهتان: جهة إجماعية، وهذه هي الكلام في أصولهم، وهذه هي التي يحصل بها التمييز، بمعنى: أن المسألة من هذا النوع أو من هذا الوجه تضاف إلى السلف، ويكون من يشاركهم فيما هو من هذه المسألة تابعًا لهم، فيقال: إن من قول السلف كذا، ومن مذهب السلف كذا.\nهذه المسائل التي تُضاف إلى السلف باختصاص هي مسائل الإجماع، وهي التي تسمى مذهبًا للسلف، أي: أنهم يختصون به، وهذا الاختصاص لا يعني أنه يمتنع أن يشاركهم من هو من الطوائف الإسلامية فيما هو منه، بخلاف تحقيقه أو الاختصاص به فإنه لا يقع من غيرهم، أما ما كان من غير مسائل الإجماع، فهو وإن كان لهم -أعني: أئمة السلف- هدي في ذلك إلا أن هذا لا يوجب الإضافة المختصة في سائر مسائل التشريع المفصلة أو مسائل الأخلاق المفصلة أو أنواع النظر أو ما إلى ذلك.\nوسبق معنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قد قرر أن مذهب السلف يتلقى بطريق النقل وليس بطريق الفهم، يقول: الأقوال التي تضاف إلى السلف على أنها دين لازم لا يجوز الاجتهاد بخلافه وما يقابله يكون بدعةً، وهذه البدعة لا يجوز الاجتهاد بها، حتى ولو كان من اجتهد بها يزعم أن لها ظاهرًا من الدليل من الكتاب أو السنة، الأقوال التي تضاف إلى السلف لا بد أن تكون إجماعًا، وهذا الإجماع إما أنه يحصل بتواتر قولهم وعدم اختصاص بعض أئمتهم بمخالفة كتواطؤ قولهم: إن الإيمان قول وعمل، فهذا قد تواتر عنهم، فإن قيل: فقد خالف حماد بن أبي سليمان.\nقيل: خالف بعد الإجماع، فإن حمادًا ليس هو أول السلف، فأول السلف هم الصحابة ﵃، ثم التابعون لهم، ومن المعلوم: أن حمادًا قد سبقه الصحابة وسبقه خلق من الأئمة ممن هم بعد الصحابة؛ ولذلك كان قوله خطأً في هذه المسألة.\nالوجه الثاني في ثبوت مذهب السلف: أن يحكي من هو من المعتبرين في ضبط مذهبهم الإجماع عندهم على قول كحكاية الإمام أحمد الإجماع، أو حكاية إسحاق أو حكاية البخاري، أو ما إلى ذلك من الأئمة المعتبرين، أو حتى من المتأخرين المحققين؛ كـ شيخ الإسلام ابن تيمية إذا حكى أن إجماع السلف على كذا، فإن هذا يكون إجماعًا صحيحًا منضبطًا، وإذا حكى أبو عمر ابن عبد البر الإجماع، فإنه في الجملة يكون صحيحًا منضبطًا.\nالمقصود: أن هؤلاء إذا حكوا الإجماع وانضبط، ولم يظهر له مخالف، فإن هذا يكون مما يضبط به منهج السلف.\nقال شيخ الإسلام: وأما تحصيل مذهب السلف بطريق الفهم، فهذا من طرق أهل البدعة.\nوالمقصود من ذلك: أن المسائل التي تضاف إلى السلف على أنها من قولهم يلزم أن ما يقابلها يكون بدعةً، فالسنة يقابلها البدعة، وهذا لا يجوز أن يكون محصلًا بالفهم، صحيح أن هذه الأقوال في الفقه كأقوال الأئمة الأربعة هي أقوال لأئمة السلف، مع أن جمهورها يحصل بالفهم والنظر والتأمل ..\nإلى غير ذلك، وأكثرها محل نزاع بينهم، كاختلافهم في أكثر مسائل التكليف وفروعها، لكن هذا مما يضاف إلى الأعيان من أعيانهم ولا يضاف إلى جملتهم.\nإذًا تحصل عندنا وجهان: الوجه الأول: ما كان من الأقوال مضافًا إلى جملتهم، وما كان من الأقوال مضافًا إلى معين، أما ما كان مضافًا إلى جملتهم أي يقال: هذا قول السلف، فهذا لا يجوز إضافته إلى جملتهم إلا بنقل الإجماع فيه على أحد وجهي ثبوت الإجماع، أما ما كان مضافًا إلى أعيانهم، فهذا يحصل بطريقة الفهم، ولذلك لا غرابة أن فيه اختلافًا؛ لأن كبارهم كانوا يختلفون، وقد اختلف الصحابة واختلف الأئمة الأربعة ومن قبل الأئمة الأربعة ..\nوهلم جرًا.\nفهذا لا يضاف إلى السلف، بل يضاف إلى أعيانهم، فيقال: قول أبي حنيفة كذا، وقول مالك كذا، والجمهور من الفقهاء كانوا على كذا ..\nإلى آخره، أو رأي المحدثين كذا ورأي أكثر الفقهاء كذا ..\nإلى غير ذلك.\nفإن قال قائل: فما الفرق بينهما؟\nقيل: الفرق بينهما أن الأول لا يُحصَّل إلا بطريق النقل والإجماع، فهذا ما يخالفه يكون بدعة، أما الثاني فإن ما يخالفه لا يكون بدعة؛ لأنهم هم مختلفون فيه.","vol":"23","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>خطأ بعض المنتسبين للسلف في إنكار التمذهب مطلقًا</span>\nنقصد من هذا الكلام أن بعض الإخوة أحيانًا يكون عندهم من الحرص على ضبط المذهب السلفي وتمييزه عن البدعة؛ فيضيقون المذهب الذي يسمونه مذهب السلف تضييقًا يوجب عدم إدخال كثير من سواد أهل السنة والجماعة فيه، ولذلك تجد أنهم يدخلون في مذهب السلف مسائل فرعية؛ مثلًا: يجعل أحدهم من سنن السلف أو من الصلاة السلفية: عدم وضع اليدين على الصدر بعد الركوع، وأن السنة السلفية السدل ..\nفهذا غلط، هذه السنة لا يصح أن تضاف إلى السلف، نعم قال بها طوائف من السلف، فتضاف إلى أعيانهم، حتى ولو قيل: هو قول جمهورهم.\nأيضًا: مسألة زكاة حلي النساء، جمهور السلف من الفقهاء والمحدثين على أنه لا زكاة فيه، فلا يحق لأحد أن يقول: ومن الأحكام السلفية أن حلي النساء لا زكاة فيه، مع أن مالكًا والشافعي وأحمد والجمهور من أهل الحديث لا يرون وجوب الزكاة فيه، إلا أن هناك مخالفًا وهو أبو حنيفة وخلق من الكوفيين بل وغير الكوفيين.\nفالمقصود: أن المسائل التي هي نزاع بين السلف إذا اجتهد مجتهد فرجح أحد القولين ونسبه إلى بعض أئمة السلف فهذا له، لكن لا يجعل هذا من الخصائص السلفية؛ فإن ذلك يلزم منه أن ذلك الإمام أو أولئك الأئمة المتقدمين لم يكونوا على جادة سلفية في هذا.\nإذًا: تحصيل مذهب السلف بالفهم لا يجوز، مثله من اجتهد بنظر معين في الفقه ورأى أن الطريقة الصواب في الفقه هي كذا وكذا، وبنى هذا الاجتهاد على الأدلة، ووضع لنفسه طريقة معينة في تحصيل الفقه -أي: الأحكام الفقهية- ثم قال: هذه هي الطريقة السلفية، وجعلها مكافئة للطريقة التي يسمونها الطريقة المذهبية.\nوالسلف كما قلنا: هم الصحابة أو القرون الثلاثة الفاضلة ومن اقتدى بهم، فنجد أن هناك من يجتهد بطريقة فقهية معينة يجعل من يتبع هذه الطريقة سلفيًا ومن يخالفها ليس سلفيًا، وإن كان قد يقول بعضهم مثلًا: إنه ليس سلفيًا في الفقه وإن كان سلفيًا في العقيدة، وهذا التقسيم غلط؛ فإن مسائل السلف التي تضاف إليهم هي مسائل الإجماع.\nوهذه مسألة عني شيخ الإسلام بتقريرها، وعدم فهمها هو الذي أدى إلى انقسام السلفيين الآن، فبعض السلفيين في مصر لهم طريقة تجدهم يزيدون بعض القضايا تختلف عن أنصار السنة في السودان، وعن غيرهم من السلفيين في أهل الشام، هذه التجمعات السلفية التي أصبح كل واحد منها يدعي التمام؛ موجبها خصائص من الفهم مبنية على اجتهاد شرعي، ولكنهم جعلوها من الموجبات السلفية.\nوالحق أن سائر الاجتهادات لا علاقة لها بمسألة التسمية السلفية، التسمية السلفية معتبرة بالعقائد والأصول، أما من خالف الاجتهاد فهو تحت حديث: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجر، ...)، فهو في مسائل الاجتهاد الممكنة التي يدخلها التقدم والتأخر، وهذه الاجتهادات كاجتهادات المتقدمين في مسائل الفقه وغيرها.\nمع أنه من المعلوم أن هذه الطريقة التي تذكر أحيانًا من أن فلانًا سلفي في العقيدة وليس سلفيًا في الفقه، تقال فيمن انتسب لمذهب من المذاهب الأربعة، ولو أن شخصًا أراد أن يعكس المسألة لأمكنه أن يعكسها، فلو قال: إن السنة السلفية مضت بإقرار التمذهب؛ لما استطاع أحد أن ينكر عليه ..\nفهناك فرق بين أن تقول: إن السنة السلفية مضت بإقرار التمذهب، وبين أن تقول: إن السنة السلفية مضت بقصده أو تشريعه أو الحث عليه، والذي نتكلم عنه هو الإقرار فقط.\nووجه هذا الإقرار: أن التمذهب بمذاهب الفقهاء الأربعة بدأ من القرون المتقدمة، ولو أبعدت قلت: بدأ من القرن الرابع، مع أنه بدأ قبل ذلك، لكن انضبطت هذه المذاهب وبدأ الانتساب الصريح لها من القرن الرابع؛ بل من قبل، فالحقيقة أنه حتى في زمن التابعين قبل الأئمة الأربعة كان يعرف أن فلانًا له أصحاب، بل حتى الصحابة كان ابن مسعود له أصحاب ويرجحون قوله وينتصرون له؛ لأنهم رأوا أن منهجه هو الأقوى، وكان هناك أصحاب ينتسبون لفقه ابن عباس، فهذا لم يكن غريبًا زمن السلف وما كان منكرًا، ومما كان يعلم أن أتباع ابن مسعود كانوا يوافقونه على مسائل هي خلاف الدليل، كمسألة التطبيق، ومسألة إذا كان إمامًا وائتم به اثنان وقف وسطهم.\nوالمقصود من هذا: أن مسألة الأتباع والأصحاب مسألة معروفة، ثم انضبطت أكثر في المدارس الفقهية الأربع ..\nنعم هناك التعصب، لكن هذا التعصب مذموم؛ سواء كان لأحد الأمة الأربعة، أو كان لـ أبي بكر أو كان لـ عمر، أو كان لأي شخص لعينه، لأنه لا يجوز التعصب -أي: الاجتماع على قول واحد بإطلاق- إلا أن يكون الرسول ﵊.\nإذًا: من يحتج على إبطال التمذهب بكلام المتعصبين من الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة فهذا لا حجة فيه.\nالبعض يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] هاتوا دليلًا يدل على جواز التمذهب.\nوهذا جهل؛ فإن العلم لا يناقش بهذا الأسلوب، هذه سطحية في العلم.\n﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] لا جدل في هذه القاعدة، لكن كيف الرد إلى الله والرسول؟ هذا ليس من باب التعبد حتى تقول: هات لي دليلًا من القرآن والسنة يقول: تمذهب لـ أحمد بن حنبل أو للشافعي.\nولو رددنا هذه المسألة إلى الله والرسول، فلن نجد في القرآن أو في السنة دليلًا على منع الاقتداء بأولي العلم، لأن الله يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل:٤٣] وإذا كان سؤالهم ممكنًا، فهذا الاتباع هو من نفس هذه المادة: مادة السؤال.","vol":"23","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>التمذهب المحمود والتمذهب المذموم</span>\nحقيقة التمذهب: أنه من باب التراتيب العلمية، ليس من باب التعبد، من انتسب للإمام أحمد تعبدًا؛ كما يفعل مثلًا بعض الشيعة وبعض الصوفية حين ينتسبون على جهة التعبد لأعيان؛ فهذا لا شك أنه بدعة، لكن من انتسب للإمام أحمد لأنه أخذ من علمه ما لم يأخذ من علم الشافعي، أو قرأ من كتبه ما لم يقرأه من كتب الشافعي، أو رأى أن الإمام أحمد أعلم بالسنن والآثار، أو رأى أنه أقرب.\nوآخر عرف من حال الشافعي وما عنده من الأخذ عن المحدثين والفقهاء وسعة علمه باللغة، فناسبه فقه الشافعي، ورأى بنظره أنه أقرب، فصار شافعيًا، وصار هذا حنفيًا، لأنه لم يلق المحدثين، إنما تقلد فقه أبي حنيفة كحال أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، فقد كان على فقه أبي حنيفة، ولما لقي من لقي من أهل الحديث ترك كثيرًا من قول أبي حنيفة.\nإذًا: المسألة مسألة تراتيب علمية، مثل قول الرسول ﵊: (فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا) لماذا يطيعون أبا بكر وعمر؟ هل أبو بكر مشرع؟ لا، ولكن هذه تراتيب علمية: أن المفضول في العلم يقتدي بالفاضل، وإذا تعصب متعصب لـ أحمد أو للشافعي قلنا: أخطأ، لكن أن يقال: إن السلفي هو الذي لا يتمذهب، فهذا ليس صحيح، وإلا للزم من كونك لا تقلد أحدًا في مسألة، أن لا يكون لك سلف في كل المسائل، وهذه ليست طريقة السلف، الإمام أحمد يقول: لا تقل في مسألة إلا ولك فيها إمام، ويقول: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريك لعلهم اختلفوا.\nإذًا لا بد من هذا الاتباع، وهذا من سنن المرسلين: أن يقتدي المفضول بالفاضل.\nأما إذا صار التمذهب تعصبًا أو صار الانتصار من أجله ليس من أجل الدليل، أو صار على جهة التعبد أو نحو ذلك ..\nفلا شك أن هذه موجبات يعلم بطلانها من الشريعة وهي من البدع المنكرة.\nإذًا: التمذهب فيه طرفان ووسط؛ فإذا غلا بعض المتمذهبين بتعصبهم للمذاهب، وصاروا يقلدون الأقوال ولا يعتبرون النظر في الدليل، وكان همهم الانتصار للمذهب، فهذا لا شك أنه بدعة وجدت في قرون من الأمة على يد بعض الفقهاء.\nوقد أنكره قوم ولا سيما من المعاصرين الذين بالغوا في رده وجعلوا السلفية مرتبطةً بعدمه، والحق أن المحققين من السلفيين كـ ابن عبد البر وشيخ الإسلام وابن كثير ومن قبل هؤلاء أو من بعدهم، والمعاصرين الذين قرب عصرهم كالشيخ محمد بن عبد الوهاب وشيوخ الدعوة، كل هؤلاء كانوا على التمذهب البعيد عن التعصب، إنما اختاروا أصولًا فقهيةً عند أحمد أو أصولًا عند الشافعي أو أصولًا عند أبي حنيفة.\nولا أحد يجادل في أنك لو اخترت قول أبي حنيفة في مسألة لما أنكر عليك أحد، وإذا اختار أحد قول أبي حنيفة في ترجيح القياس على قول الصحابي ..\nهذه مسألة وهذه مسألة، فهو اختار اجتهادات أبي حنيفة؛ لأنه عند الأئمة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع عندهم حجة، بعد ذلك تأتي الأدلة المختلف فيها، هذه فيها تراتيب بينهم -أي: بين الأئمة الأربعة- فبعض الناس من الناظرين بحسب درجة نظره وقوته يقدم قول أحمد أو قول الشافعي أو قول أبي حنيفة، فهذا من تقليدهم في اجتهادهم كتقليدهم في آحاد فروع الشريعة.\nفالمقصود: أن التمذهب لا بد أن يكون القول فيه معتدلًا، لا يجوز الانتساب للمذاهب على التعصب، ولكن لا يجوز إنكار ذلك.\nوليس المقصود من هذا أن التمذهب سنة لازمة لا بد أن تبقى في المسلمين، بل ينبغي ذكر الاجتهاد، فالأمة الآن بحاجة إلى اجتهاد، لأن هناك مسائل نزلت لم يتكلم عنها الفقهاء من قبل، لكن المقصود أن الأمور تؤتى من أبواها، فتحصل الاجتهاد ليس بإنكار المذاهب، وتحصل السلفية ليس بإنكار المذاهب، فإن أئمة هؤلاء المذاهب هم أئمة السلف، وكثير من أتباعهم المحققين كانوا على عقيدة السلف، خاصة أن من ينكر هذا تجد أنه يأخذ بأقوال ابن حزم أو أقوال الشوكاني، فرجعوا إلى قول عالم من علماء السنة والجماعة على أحسن تقدير.","vol":"23","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>الإجماع المنضبط عند أهل السنة</span>\nقال ﵀: [وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسمًا لنفس القوم المجتمعين، والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين، وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس].\nهذه الأصول الثلاثة هي موازين الحق: الكتاب والسنة والإجماع، ومعلوم أن الإجماع لا ينعقد إلا بدليل، فكل مسألة أجمع عليها فهي أقوى من المسألة التي فيها ظاهر دليل وليس فيها إجماع ..\nلأن المسألة التي أجمع عليها لا بد أن يكون دليلها أقوى من المسألة التي فيها ظاهر دليل لم يصاحبه إجماع، فكل مسألة أجمع عليها فعليها دليل من الكتاب أو دليل من السنة ولا بد، وإن كان قد يتخلف عند البعض تحصيل هذا الدليل.\n[وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين، والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشر في الأمة].\nوهذه العبارة من شيخ الإسلام ﵀ كأنها محورة من كلام أبي محمد ابن حزم، وشيخ الإسلام قد أخذ من ابن حزم، وإذا قيل: إنه أخذه من ابن حزم، فلا يعني أنه مقلد له، لكن يعني أن ابن حزم كان يقرر مثل هذا الكلام، فهذا مما كان جيدًا في كلامه.\nأبو محمد ابن حزم يقول: إن الإجماع المنضبط هو إجماع الصحابة، وشيخ الإسلام هنا يقول: ما كان عليه السلف الأول، فهذا مقارب لقول أبي محمد ابن حزم.\nوإذا قلنا: إن الإجماع المنضبط هو ما كان عليه الصحابة؛ إذ بعدهم كثر الاختلاف، فقد يقول قائل: إن هذا يستلزم إسقاط دليل الإجماع في كثير من المسائل الفقهية.\nفأقول: إنه إذا تكلم عن الإجماع المنضبط القطعي المتعلق بمسائل أصول الدين، فلا شك أن الإجماع هنا هو إجماع السلف الأول إجماع الصحابة، أما إذا كان الكلام في مسائل التشريع -مسائل الفروع- فالقول في الإجماع هنا يكون أسهل من القول الذي قاله أبو محمد ابن حزم.","vol":"23","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>شرح العقيدة الواسطية [٢٤]</span>\nمن عقائد أهل السنة والجماعة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولزوم إقامة الأعياد والحج والجهاد مع الأمراء أبرارًا كانوا أو فجارًا، مع إسداء النصيحة لهم ولسائر أفراد الأمة، ويرون التمسك بمعالي الأخلاق والتنزه عن سفسافها.","vol":"24","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>أهل السنة والجماعة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر</span>\nقال المصنف ﵀: [فصل: ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة].\nوهذا مما لا يختص به أهل السنة والجماعة؛ لكنهم وإن شاركهم غيرهم فيه إلا أنهم أكمل من جهة التحقيق.\nقال ﵀: [ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبرارًا كانوا أو فجارًا]\nفما داموا مسلمين -أي: ثبت إسلامهم ودينهم- فلهم السمع والطاعة وإقامة الصلاة خلفهم، ولا يوجب ما قد يعرض لهم من الفسق أو الظلم ترك هذه الشعائر الظاهرة.","vol":"24","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>السلفية منهج في العقائد والعلم والعمل</span>\nقال ﵀: [ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله ﷺ: (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشده بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه)].\nوهذا مشروع في حق الخاصة أكثر مما هو في حق العامة؛ ولذلك مما يعجب منه -وهذا من قلة الفقه بأخلاق الشريعة- أن بعض طلبة العلم إذا أراد أن ينكر على أحد من العامة فربما أحسن التلطف، وإذا خالف غيره من أهل العلم أو من أقرانه من طلبة العلم فيما هو من مسائل الاجتهاد، فربما صار عنده من الانغلاق والتعصب لقوله والانتصار لنفسه شيء كثير ..\nفهذا ينافي مسألة النصيحة، وينافي مسألة أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا.\nفهذه الأخلاق التي يشير إليها المصنف لا بد أن تكون محققة؛ لأنها هي هدي صاحب الرسالة.\nوالسلفية ليست فقط مجموعة من العقائد تُقال، بل هي منهج في العقائد ومنهج في العلم ومنهج في العمل.\n[وقوله ﷺ: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء].\nأي: أنهم يتكلمون في السلوك، والإشكال الواقع الآن: أن بعض من يتكلم في عقيدة السلف يحصرها في الأصول النظرية التي وقع الجدل فيها مع المتكلمين، والمتكلمون في الجملة نظار ما دخل عليهم التصوف إلا على يد بعض الأشعرية، أو بعض المنتسبين للسنة والجماعة من المتكلمين، أما أساطين علم الكلام الأوائل المعتزلة فكانوا أبعد ما يكونون عن التصوف، فلم يكونوا متصوفة على طريقة الصوفية التي تؤمن بالأحوال وما إلى ذلك، وإن كان من المعتزلة من هو من العباد، لكنه يختلف عن كونه صوفيًا، فهو عابد على طريقة التعبد الواضحة، ليس على طريقة التصوف الأحوالية المستعملة عند الصوفية بدرجاتها.\nوالمقصود من هذا: أن هذا المذهب -وهو مذهب أهل السنة والجماعة- يتعلق القول فيه بالعقائد النظرية، ويتعلق القول فيه بمسائل السلوك والأحوال، فلهم هدي في مسائل السلوك.\nوبعض من يقصد إلى الرد على المخالف قد تغلبه الحال في رده، فيتأخر عن مقام الاعتدال، فمن يرد على الشيعة قد يقصر في حق آل البيت، ومن يرد على الصوفية قد يقصر فيسقط بعض مقامات السلوك من باب الرد على الصوفية، فهذا لا شك أنه ينافي العدل والاعتدال.","vol":"24","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>ترك الاستطالة على الخلق بحق وبغير حق</span>\nقال ﵀: [ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله ﷺ: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا) ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي، والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق].\nهذه الجملة الأخيرة من كلامه ﵀ هي من جمل الفقه الشريفة: أنهم ينهون عن الاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق.\nوالاستطالة بغير حق بينة الفساد؛ ولكن الاستطالة بحق قد تعرض لبعض أهل العلم، ولا سيما ممن لم يكن محققًا لمقام العلم، أو بعض العامة القاصدين للخير أو ما إلى ذلك، فيكون عندهم موجب للحق، كإنكار لمنكر قولي أو عملي أو ما إلى ذلك، فيزيدون في هذا الإنكار إلى قدر أن يستطيل أحدهم -أي: يحصل منه زيادة واعتداء- على غيره من المسلمين، بغض النظر عن كون هذا الغير سنيًا أو غير سني، ولكنه يكون أشد إذا كان هذا الغير الذي قصد الرد عليه من أقرانه من أهل السنة، وربما يكون أفضل منه علمًا وعملًا، فهذه حال موجودة.\nالله تعالى شرع إنكار المنكر، وشرع الأمر بالمعروف، لكن إنكار المنكر ليس معناه ملكية العقوبة للآخرين، فبعض الناس وهو ينكر المنكر كأنه يعاقب بشكل شخصي هذا المنكَر عليه، فيستغل نقطة الضعف الموجودة عنده، ويتصرف معه كأنه يقدم له نوعًا من العقاب الشخصي.\nوإنكار المنكر ليس هكذا، فمسألة الحد أو مسألة التعزير هي مسائل سلطانية، ومن المشروع في الأمر بالمعروف وإنكار المنكر ألا يكون على قدر من الاستطالة.\nفقوله ﵀: أنهم ينهون عن الاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق هو من هذا الوجه، ولا سيما في مقام الرد على المخالف، سواء كان المخالف سنيًا أو غير ذلك، وإن كان الخلاف بين أهل السنة أتباع السلف الصالح لا ينبغي أن يؤخذ مساق النزاع الذي فيه فصل وقطع للعلائق ..\nهذا غلط، وإن كان يقع من كثير من هؤلاء بقصد الانتصار للحق، وبكون الحق أغلى عندنا من الرجال؛ فهذه المقدمات المجملة مقدمات صحيحة، ولكن هذه المقدمات أحيانًا لما فيها من الإجمال توجب كثيرًا من الانحراف عن منهج النبي ﷺ أو عن هدي أصحابه.\nوهذا التسابق إلى الرد على المخالف من أهل السنة ليس حكيمًا، ويكفي البيان، والردود المعروفة عند السلف لم تكن على أئمة السنة؛ بل كانت الردود المشهورة والجمل المشهورة هي على أهل البدع، أما إخوانهم من أهل السنة والجماعة فما كانوا يعنون بالرد عليهم، وليس مرد ذلك إلى التطابق التام في الاجتهادات وفي الآراء، فقد كان من المعروف ما بين الكوفيين من أهل الرأي وبين أهل الحديث، صحيح أن بعض المحدثين تكلم في الرأي وأهل الرأي كثيرًا، لكن هذا لم يكن على نوع من قطع العلائق على التمام، أو من جنس الكلام الذي كان يقال في أهل البدع.\nأما من يريد أن يقتدي ببعض الآثار أو ببعض القصص التي عرضت، فهذا ليس مما يقتدى به، مثل: أن محمد بن يحيى الذهلي يُذكر عنه أنه طرد البخاري من مجلسه، أو أن مسلمًا خرج من مجلسه، وهذا من قوته ﵀ في السنة قد يكون الذهلي ليس مصيبًا فيه، فمثل هذه المسائل لا ينبغي أن يُكبَّر شأنها؛ لأنك إذا امتدحت الذهلي، فقد تذم الطرف الآخر، وهو البخاري، فيكون كلامك مشيرًا إلى أن البخاري مستحق لهذا، فهذه اجتهادات عرضت لها ظروفها الخاصة وليست سننًا عامة.\nومما يتعجب منه أن بعض طلبة العلم وبعض الشباب يستدل بقصة مجملة، ولك أن تقول: هي من متشابه المواقف، وليست من محكم المواقف، بمعنى أنها من المواقف المبنية على المصالح والمفاسد، يختلف الاجتهاد فيها حتى عند العالم نفسه، فلا تجعل كالمنهج المطرد، مثلًا: الإمام أحمد استأذن عليه داود بن علي، وكان صاحبًا وصديقًا لـ صالح ابن الإمام أحمد، وكان داود بن علي قد أظهر في أصبهان أن القرآن محدث، وقد تكلم بهذه الكلمة لأنها جاءت في القرآن، وما كانت هذه الكلمة تعجب الإمام أحمد فبلغ الإمام أحمد أن داود بن علي قال هذا في أصبهان، فجاء داود إلى بغداد وتلطف لـ صالح ابن الإمام أحمد أن يدخله على أبيه، فقال صالح لأبيه: إن رجلًا من أهل أصبهان يريد أن يدخل عليك.\nقال: من هو؟ قال: داود.\nقال: داود ابن من؟ فقال: داود بن علي.\nقال: لا يدخل، بلغني عنه أنه قال كذا وكذا.\nفيأتي بعض الشباب الآن ويقول فيمن هو من كبار الصادقين أو الصالحين أو ممن انضبطت عقائدهم: لا يدخل ولا يخرج، ولا يتكلم، ولا نقبل منه صرفًا ولا عدلًا، وكأنه يطبق هنا موقف الإمام أحمد، وهذا اجتهاد من الإمام أحمد قد يكون صوابًا وقد يكون غير صواب، فالإمام أحمد ليس معصومًا.\nثانيًا: إذا كان صوابًا وهو الصحيح: أن هذا كان صوابًا من الإمام أحمد من باب ضبط السنة وألفاظ السنة في مسألة القرآن، فهذا كان لائقًا بمثل الإمام أحمد مع من هو مثل داود، وداود يفقه مثل هذا المقام، فإن داود بن علي كان من علماء السنة والجماعة، ما عنده أغلاط في الصفات مثل ابن حزم؛ فـ داود بن علي مختص بمذهب فقهي واجتهاد فقهي، أما عقيدته فهي نفس عقيدة السلف تمامًا، نقل عنه مسألة أن القرآن محدث، وهذه مسألة لفظية مثل ما نقل عن البخاري في مسألة اللفظ، أو عن الذهلي أو عن أبي حاتم مسألة مقابلة لهذا.\nوالمقصود: أن المقامات التي تعرض من الأكابر ليست سننًا للأصاغر، السنن هي السنن النبوية الشرعية، ومعلوم أن الرسول ﵊ وهو المشرع قد هجر الثلاثة الذين خلفوا، مع أنه حصل في زمنه معصية حتى من بعض أصحابه، كمن شرب الخمر أو ما إلى ذلك، ولم يأمر بهجرهم.\nوالحق فيه من البيان والقوة ما لا يحتاج إلى كثير من الاستطالة معه في مسائل الردود، خاصة الردود بين أهل السنة أنفسهم -بين السلفيين- والردود يجب أن تسخر في الرد على شبه الكفار، وشبه أهل البدع، أما الردود على السلفيين في مسائل من الاجتهاد الممكن في الغالب، فهذا ليس حكيمًا، ولا مشهورًا زمن الأوائل ﵏.","vol":"24","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>التسمي باسم الإسلام هو الأصل</span>\nقال ﵀: [ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفسافها، وكل ما يقولونه ويفعلونه من هذا وغيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة، وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمدًا ﷺ].\nطريقة السلف هي دين الإسلام، هذا هو الاسم الشرعي فالأصل أنهم مسلمون مؤمنون، وإنما ظهر اسم أهل السنة والجماعة أو ظهر اسم السلف لما أخبر النبي ﷺ أن أمته تفترق، فسمي هؤلاء القوم الذين التزموا الكتاب والسنة وهدي الصحابة بأهل السنة والجماعة وذلك بعد الاختلاف.\nإذًا اسم السلف اسم عرض لموجب، فيكون باقيًا لكن لا يجوز أن يهجر الاسم الأصل، فالاسم الأصل أشرف من كل الوجوه، وهو اسم (الإسلام) قال تعالى عن الأنبياء: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران:٦٧].\nنعم، كلمة السلف تقال، لكنه لا يوجب هجر غيره كاسم أهل السنة أو ما هو أشرف من هذا الاسم وأصدق في الديانة لله كقولك: المؤمن، والمسلم، وما إلى ذلك.","vol":"24","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>حكم أهل البدع</span>\nقال ﵀: [لكن لما أخبر النبي ﷺ أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة].\nقوله: (كلها في النار) ليس حكمًا على أهل البدع أنهم من أهل النار كالحكم على الكفار في مثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٦٤ - ٦٥]، بل المقصود من قوله: (كلها في النار) أن أصحابها الذين خرجوا عن الأصول الشرعية المنضبطة مستحقون للوعيد، كقول النبي ﷺ: (ما أسفل من الكعبين ففي النار)، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، ونحن لا نجزم لكل من أكل مال يتيم بهذا، إنما يقال: أكل مال اليتيم من موجبات العقاب، فكذلك الخروج عن هذه الأصول السلفية من موجبات العقاب.\nأما تقدير هذا العقاب فهو على علم الله وحكمته؛ ولذلك المصنف -أعني شيخ الإسلام - في أول الرسالة قال: أما بعد ..\nفهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة.\nفقال بعض أهل البدع في ذلك الوقت له: يلزم أن أئمتنا الذين ماتوا ليسوا ناجين عند الله! فقال: أنا أقول: من اعتقد هذا المعتقد كان ناجيًا، ومن خالف ما هو منه، فهذا بحسب علم الله وحكمته، فقد يكون معذورًا في بعض مخالفته، وقد لا يكون معذورًا في بعضها\nوهلم جرًا.\nلكن مما يعلم أن من خالف في أصل من أصول أهل السنة الكبار، فلا بد أن عنده تفريطًا فيما هو من الحق، لا يمكن أن تكون هذه المخالفة على اجتهاد مأذون فيه مقبول، لا بد أن يكون عنده من النقص والتفريط ما ينزله عن مقام الاجتهاد المأذون فيه.\n[إلا واحدة وهي الجماعة.\nوفي حديث عنه أنه قال: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة].\nقوله: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم) هذه اللفظة تُكُلِّمَ في صحة سندها، لكن سواء صح سندها أو لم يصح، فإن معناها صحيح.\n[وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، أولو المناقب المأثورة والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال، وفيهم أئمة الدين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة).\nنسأل الله أن يجعلنا منهم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمةً إنه هو الوهاب.\nوالله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا].","vol":"24","page":6}]}