{"ً":{"ٌ":37802,"ٍ":"شرح العقيدة الواسطية - عبد الرحيم السلمي","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: شرح العقيدة الواسطية\nالمؤلف: عبد الرحيم بن صمايل العلياني السلمي\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ٢١ درسا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2364,"ٕ":1,"ٖ":1770155897,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12","13","14","15","16","17","18","19","20","21"],"ٚ":[{"title":"العقيدة الواسطية [١]","level":1,"page":1},{"title":"أهمية العلم الشرعي في العصر الحاضر","level":2,"page":2},{"title":"معالم في منهج دراسة العلم","level":2,"page":3},{"title":"منهج دراسة العقيدة","level":2,"page":4},{"title":"نبذة تعريفية بالعقيدة الواسطية","level":2,"page":5},{"title":"تاريخ تأليف العقيدة الواسطية","level":3,"page":6},{"title":"سبب تأليف العقيدة الواسطية","level":3,"page":7},{"title":"حكاية المناظرة بين شيخ الإسلام ومناوئيه فيما تضمنته العقيدة الواسطية","level":3,"page":8},{"title":"أبواب العقيدة الواسطية","level":3,"page":9},{"title":"شروح العقيدة الواسطية","level":3,"page":10},{"title":"أصول الإيمان وأركانه عند أهل السنة والجماعة","level":2,"page":11},{"title":"مأخذ وصف أهل السنة والجماعة بالفرقة الناجية المنصورة","level":3,"page":12},{"title":"مأخذ تخصيص أهل السنة في الوصف بالإضافة إلى السنة دون القرآن","level":3,"page":13},{"title":"معتقد أهل السنة والجماعة في الصفات","level":2,"page":14},{"title":"أنواع الصفات وأقسامها عند أهل السنة","level":3,"page":15},{"title":"معنى إثبات الصفات من غير تحريف ولا تعطيل","level":3,"page":16},{"title":"معنى إثبات الصفات من غير تكييف ولا تمثيل","level":3,"page":17},{"title":"إجمال عقيدة أهل السنة في صفات الله ﷾","level":3,"page":18},{"title":"تنزه الله تعالى عن السمي والكفء والند","level":3,"page":19},{"title":"أسماء الله ﷿ وصفاته توقيفية","level":3,"page":20},{"title":"أنواع القياس وما يصح منه في حق الله تعالى وما لا يصح","level":3,"page":21},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":22},{"title":"توجيه بشأن دراسة قطر الندى لغير المتمكن في النحو","level":3,"page":23},{"title":"اشتقاق لفظ الجلالة وحكم إطلاق لفظ القديم على الله تعالى","level":3,"page":24},{"title":"حكم استخدام قياس الشمول في صفات الله تعالى","level":3,"page":25},{"title":"العقيدة الواسطية [٢]","level":1,"page":26},{"title":"القرآن والسنة مصدر تلقي العقيدة عند أهل السنة والجماعة","level":2,"page":27},{"title":"مخالفة الفرق المنحرفة لأهل السنة في مصدر تلقي العقيدة","level":3,"page":28},{"title":"مخالفة القرآن والسنة أساس كل بدعة وضلالة","level":3,"page":29},{"title":"القرآن والسنة هما مصدرا تلقي العقيدة","level":3,"page":30},{"title":"قيام توحيد الأسماء والصفات على قاعدتي النفي والإثبات ودلالة الجمع بينهما","level":2,"page":31},{"title":"مسائل في قاعدة النفي","level":2,"page":32},{"title":"حدود النفي في أسماء الله وصفاته","level":3,"page":33},{"title":"حكم نفي القدر المشترك بين أسماء صفات الله تعالى وصفات خلقه","level":3,"page":34},{"title":"شبهة المعطلة النفاة والرد عليها","level":3,"page":35},{"title":"طرق معرفة الصفات","level":2,"page":36},{"title":"مقدمات في سورة الإخلاص","level":2,"page":37},{"title":"فضل سورة الإخلاص","level":3,"page":38},{"title":"علة عدل سورة الإخلاص لثلث القرآن","level":3,"page":39},{"title":"انتفاء الاكتفاء بتكرار سورة الإخلاص والاستغناء بها عن سائر القرآن","level":3,"page":40},{"title":"سبب نزول سورة الإخلاص","level":3,"page":41},{"title":"المسائل المتعلقة بسورة الإخلاص","level":2,"page":42},{"title":"صفة الوحدانية لله تعالى ومعناها","level":3,"page":43},{"title":"أقسام ومجالات الوحدانية","level":3,"page":44},{"title":"موقف الفرق المنحرفة من الوحدانية","level":3,"page":45},{"title":"صفة الصمدية","level":3,"page":46},{"title":"معنى قوله تعالى: (لم يلد ولم يولد)","level":3,"page":47},{"title":"معنى قوله تعالى: (ولم يكن له كفوا أحد)","level":3,"page":48},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":49},{"title":"حكم التحاكم إلى القوانين الوضعية","level":3,"page":50},{"title":"الفرق بين الحصر والقصر","level":3,"page":51},{"title":"العقيدة الواسطية [٣]","level":1,"page":52},{"title":"آية الكرسي ودلائل عظمتها وفضلها","level":2,"page":53},{"title":"ذكر الصفات الواردة في آية الكرسي الدالة على عظمتها","level":2,"page":54},{"title":"صفة الألوهية","level":3,"page":55},{"title":"صفة الحياة","level":3,"page":56},{"title":"صفة القيومية","level":3,"page":57},{"title":"صفة الملك","level":3,"page":58},{"title":"ملك الشفاعة","level":3,"page":59},{"title":"إثبات الكرسي وبيان المراد به","level":3,"page":60},{"title":"صفة العظمة","level":3,"page":61},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":62},{"title":"الموقف من إحداث تقدير كلمة (بحق) في خبر (لا إله إلا الله)","level":3,"page":63},{"title":"الشيوعيون وموقفهم من إثبات وجود الله تعالى","level":3,"page":64},{"title":"إيضاح المراد بتفسير (الرحيم) بذي الرحمة الواصلة","level":3,"page":65},{"title":"حكم إطلاق لفظ (العقل الإلهي) على الله تعالى","level":3,"page":66},{"title":"معنى تباين الأسماء والصفات بالنظر إلى ذواتها وترادفها بالنظر إلى الذات الإلهية العلية","level":3,"page":67},{"title":"بيان المراد بالمفاضلة بين اسمي الملك والمالك","level":3,"page":68},{"title":"حكم الحاكم بغير ما أنزل الله","level":3,"page":69},{"title":"الصفات وعدم انحصار أخذها من الأسماء","level":3,"page":70},{"title":"حكم الإخبار عن الله ﷿ بأنه موجود","level":3,"page":71},{"title":"تفاضل الصفات ودلالته","level":3,"page":72},{"title":"حكم الخروج من المسجد بعد الأذان","level":3,"page":73},{"title":"حكم إثبات الصفات بالعقل","level":3,"page":74},{"title":"حكم تفسير الإله بالحاكم في كلمة التوحيد","level":3,"page":75},{"title":"الجمع بين تفسير الكرسي بأنه موضع القدمين والخبر عن صفة الكرسي بالنسبة إلى العرش","level":3,"page":76},{"title":"أصل تأويل غير أهل السنة الإله بالمبدع","level":3,"page":77},{"title":"مصادر أخذ صفات الله ﷿","level":3,"page":78},{"title":"الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية","level":3,"page":79},{"title":"حكم ترتيب الطلاب في صفوف الصلاة بحسب ترتيب صفوف الدراسة","level":3,"page":80},{"title":"العقيدة الواسطية [٤]","level":1,"page":81},{"title":"ما تضمنه قوله تعالى: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن) من صفات الله ﷿","level":2,"page":82},{"title":"معنى اسم الله تعالى (الأول) وما يؤخذ منه من الصفات","level":3,"page":83},{"title":"خطأ أهل الكلام في تسمية الله ﷿ بالقديم","level":3,"page":84},{"title":"معنى أسماء الله: الآخر والظاهر والباطن","level":3,"page":85},{"title":"ضلال الفلاسفة ومن وافقهم في قولهم بقدم العالم","level":3,"page":86},{"title":"الفرق بين آخرية الله وآخرية الجنة وأهلها","level":3,"page":87},{"title":"إثبات صفة العلم وبيان أدلتها وما يتعلق بها","level":2,"page":88},{"title":"الأدلة العقلية على إثبات صفة العلم","level":3,"page":89},{"title":"الأدلة السمعية على إثبات صفة العلم","level":3,"page":90},{"title":"الفرق بين علم الله بالأشياء قبل وجودها وعلمه بها بعد وجودها","level":3,"page":91},{"title":"شمولية علم الله تعالى","level":3,"page":92},{"title":"الطوائف المنحرفة في صفة العلم","level":3,"page":93},{"title":"الآثار التربوية والسلوكية لأسماء الله ﷿ وصفاته","level":2,"page":94},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":95},{"title":"الفرق بين علم الله قبل وقوع الشيء وبعد وقوعه","level":3,"page":96},{"title":"الفرق بين القديم والأزلي","level":3,"page":97},{"title":"معنى دلالة الاسم على معناه بالمطابقة وعلى الذات بالتضمن وعلى الصفة الأخرى بالالتزام","level":3,"page":98},{"title":"وجه الفرق بين آخرية الله تعالى وآخرية الجنة","level":3,"page":99},{"title":"شروح العقيدة الواسطية","level":3,"page":100},{"title":"وجوب العمل على العبد مع سبق كتابة السعادة والشقاوة","level":3,"page":101},{"title":"العقيدة الواسطية [٥]","level":1,"page":102},{"title":"آيات في إثبات صفات الله تعالى","level":2,"page":103},{"title":"إثبات صفتي الحكمة والحكم","level":2,"page":104},{"title":"أدلة صفة الحكم لله تعالى وأقسامها","level":3,"page":105},{"title":"آثار الإيمان بصفة الحكم لله تعالى","level":3,"page":106},{"title":"إثبات صفة الحكمة لله تعالى","level":3,"page":107},{"title":"أدلة وصيغ إثبات صفة الحكمة في نصوص القرآن الكريم","level":3,"page":108},{"title":"دلالة العقل والقياس على حكمة الله تعالى في الخلق والتشريع","level":3,"page":109},{"title":"بيان ما تتضمنه الحكمة المثبتة عند أهل السنة","level":3,"page":110},{"title":"موقف الناس من إثبات صفة الحكمة","level":3,"page":111},{"title":"إثبات صفتي السمع والبصر","level":2,"page":112},{"title":"ذكر بعض أدلة إثبات صفتي السمع والبصر","level":3,"page":113},{"title":"بيان ما تختص به صفتا السمع والبصر من كونهما ذاتيتين أو فعليتين","level":3,"page":114},{"title":"العلاقة بين السمع والبصر والعلم والإدراك","level":3,"page":115},{"title":"إثبات إبصار الله بعينين","level":3,"page":116},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":117},{"title":"منفعة الخلق في خلق إبليس","level":3,"page":118},{"title":"ما يلزم من يصعب عليه معرفة أقوال أهل الكلام في الصفات","level":3,"page":119},{"title":"حكم التحاكم إلى أعراف القبائل","level":3,"page":120},{"title":"معنى الحكم الكوني","level":3,"page":121},{"title":"العقيدة الواسطية [٦]","level":1,"page":122},{"title":"إثبات صفتي السمع والبصر","level":2,"page":123},{"title":"وجوب الإيمان والتصديق بأخبار الصفات دون توقف على قيام الدليل العقلي على الصفة","level":3,"page":124},{"title":"الطرائق السمعية والعقلية في إثبات صفتي السمع والبصر","level":3,"page":125},{"title":"آيتان في إثبات صفتي السمع والبصر","level":3,"page":126},{"title":"معاني اسم الله السميع","level":3,"page":127},{"title":"طرائق نصوص الوحي في إثبات صفة البصر","level":3,"page":128},{"title":"ما تختص به صفتا السمع والبصر من كونهما من الصفات الذاتية أو الصفات الفعلية","level":3,"page":129},{"title":"أقوال أهل البدع في صفتي السمع والبصر","level":3,"page":130},{"title":"استعمالات النظر في القرآن","level":3,"page":131},{"title":"أقوال أهل البدع في تعلق الصفات بالمخلوقات","level":3,"page":132},{"title":"إثبات صفة الإرادة","level":2,"page":133},{"title":"أدلة إثبات صفة الإرادة","level":3,"page":134},{"title":"الإرادة الكونية والإرادة الشرعية والفرق بينهما","level":3,"page":135},{"title":"بيان ما تختص به صفة الإرادة من كونها واحدة أو متعددة بحسب المرادات","level":3,"page":136},{"title":"الفرق بين الإرادة والمشيئة","level":3,"page":137},{"title":"نقد كلام القرضاوي في نسبة السلف إلى التفويض واتفاقهم مع المؤولة ودفاعه عن الأشاعرة","level":2,"page":138},{"title":"العقيدة الواسطية [٧]","level":1,"page":139},{"title":"صفات الله تعالى الاختيارية","level":2,"page":140},{"title":"نفاة الصفات الاختيارية","level":2,"page":141},{"title":"الجعد بن درهم","level":3,"page":142},{"title":"الجهم بن صفوان","level":3,"page":143},{"title":"بشر المريسي","level":3,"page":144},{"title":"المعتزلة والكلابية","level":3,"page":145},{"title":"عقيدة أبي الحسن الأشعري","level":3,"page":146},{"title":"أقسام نفاة صفات الله تعالى الاختيارية","level":3,"page":147},{"title":"إثبات أهل السنة لصفات الله تعالى الاختيارية ومخالفة الجهمية ومن وافقهم في ذلك","level":3,"page":148},{"title":"ذكر بعض الصفات الاختيارية وأدلة إثباتها","level":2,"page":149},{"title":"صفة المحبة","level":3,"page":150},{"title":"صفة الرحمة","level":3,"page":151},{"title":"صفة الرضا والغضب والسخط","level":3,"page":152},{"title":"صفة الأسف","level":3,"page":153},{"title":"صفة المقت والكره","level":3,"page":154},{"title":"صفة المجيء والإتيان","level":3,"page":155},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":156},{"title":"الفرق بين الصفات الاختيارية والصفات الفعلية","level":3,"page":157},{"title":"موقف الجهمية والمعتزلة والأشاعرة من الصفات الاختيارية","level":3,"page":158},{"title":"الفرق بين الجهمية والمعتزلة في نفي الأسماء","level":3,"page":159},{"title":"علم الله تعالى السابق وأثره في ترتب الثواب والعقاب عليه","level":3,"page":160},{"title":"مذهب أبي الحسن الأشعري قبل رجوعه إلى مذهب أهل السنة","level":3,"page":161},{"title":"سبب نفي الكلابية للصفات الاختيارية","level":3,"page":162},{"title":"توجيه بشأن قراءة الطالب المبتدئ كتاب مقالات الإسلاميين","level":3,"page":163},{"title":"الموقف من الرد على المعتزلة بردود الأشاعرة العقلية","level":3,"page":164},{"title":"حكم التسمي بحنان ورحمة","level":3,"page":165},{"title":"المعنى المراد من وصف الله تعالى بصفة الأسف","level":3,"page":166},{"title":"نقد كتاب (الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير) لخالد العنبري","level":3,"page":167},{"title":"العقيدة الواسطية [٨]","level":1,"page":168},{"title":"صفات الله تعالى الخبرية","level":2,"page":169},{"title":"نفاة الصفات الخبرية","level":3,"page":170},{"title":"ذكر بعض صفات الله تعالى الخبرية","level":2,"page":171},{"title":"صفة الوجه وأدلة إثباتها","level":3,"page":172},{"title":"الرد على أهل البدع في تأويل الوجه","level":3,"page":173},{"title":"صفة اليدين وأدلة إثباتهما","level":3,"page":174},{"title":"الصفات المتعلقة بصفة اليدين","level":3,"page":175},{"title":"حكم إثبات الشمال لله ﷿","level":3,"page":176},{"title":"صفة العينين وأدلة إثباتهما","level":3,"page":177},{"title":"الفوائد التربوية من إثبات صفة اليدين والعينين لله تعالى","level":3,"page":178},{"title":"إيضاح سبب تكرار شيخ الإسلام آيات إثبات صفتي السمع والبصر بعد ذكر صفة العينين","level":2,"page":179},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":180},{"title":"الفرق بين الصفات الاختيارية والخبرية","level":3,"page":181},{"title":"تأويل الأشاعرة لصفة الغضب والرد عليهم","level":3,"page":182},{"title":"الرد على من يستدل على خلق صفة الرحمة بحديث: (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة)","level":3,"page":183},{"title":"مختصر الصواعق المرسلة وإمكانية الاستغناء به عن الأصل","level":3,"page":184},{"title":"إيضاح المقصود بالثلاث والسبعين فرقة في ضوء واقع كثرة الفرق","level":3,"page":185},{"title":"أفضل الكتب في شرح أسماء الله الحسنى","level":3,"page":186},{"title":"بيان معنى النقصان في حديث: (ما نقص ذلك مما عندى إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)","level":3,"page":187},{"title":"الرد على من أول اليد بالقدرة","level":3,"page":188},{"title":"حكم قول: (كلتا عينيه يمين)","level":3,"page":189},{"title":"مثبتو الصفات الخبرية من الأشاعرة ونفاتها","level":3,"page":190},{"title":"العقيدة الواسطية [٩]","level":1,"page":191},{"title":"الصفات الاختيارية والصفات الخبرية","level":2,"page":192},{"title":"ذكر بعض الصفات الاختيارية","level":2,"page":193},{"title":"صفة المكر والكيد","level":3,"page":194},{"title":"ضابط وصف الله تعالى بالمكر والكيد","level":3,"page":195},{"title":"صفة العفو والمغفرة والعزة والقدرة","level":3,"page":196},{"title":"الفرق بين العفو والمغفرة","level":3,"page":197},{"title":"معنى العزة وبيان المراد بها في وصف الله ﷿","level":3,"page":198},{"title":"القدرة على الممتنع والمعدوم","level":3,"page":199},{"title":"قدرة الله على أفعال العباد","level":3,"page":200},{"title":"الاسم وصلته بالمسمى","level":2,"page":201},{"title":"الصفات السلبية وموقف أهل السنة وأهل البدع منها","level":2,"page":202},{"title":"الفرق بين التشابه والتماثل وبيان المنفي منهما في نصوص الوحي","level":2,"page":203},{"title":"آيات في توحيد الله تعالى ونفي الشرك","level":2,"page":204},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":205},{"title":"حكم القسم برب العزة","level":3,"page":206},{"title":"الفرق بين العفو والصفح","level":3,"page":207},{"title":"وقفة إيمانية مع صفات الله ﷿","level":3,"page":208},{"title":"الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية","level":3,"page":209},{"title":"صلة السمع والبصر بالعلم والإدراك","level":3,"page":210},{"title":"الصفات الثبوتية والسلبية","level":3,"page":211},{"title":"نصيحة في الزهد في الدنيا","level":3,"page":212},{"title":"موقف أهل السنة والجماعة من علماء الإسلام الذين أولوا بعض الصفات","level":3,"page":213},{"title":"حكم الترحم على أهل البدع","level":3,"page":214},{"title":"العقيدة الواسطية [١٠]","level":1,"page":215},{"title":"نفي الصفات السلبية عن الله وإثبات كمال ضدها","level":2,"page":216},{"title":"إثبات صفتي العلو والاستواء لله ﷿","level":2,"page":217},{"title":"نفاة صفة الاستواء والرد على شبهات استدلالهم","level":3,"page":218},{"title":"أدلة إثبات علو الله ﷿","level":3,"page":219},{"title":"أقسام نفاة صفة العلو","level":3,"page":220},{"title":"ذكر بعض الآيات الدالة على علو الله ﷿","level":3,"page":221},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":222},{"title":"وجود الزنادقة في هذا الزمان","level":3,"page":223},{"title":"حكم من ادعى أن السماوات والأرض أكبر من الذات الإلهية","level":3,"page":224},{"title":"حكم من عبد صفة من صفات الله","level":3,"page":225},{"title":"المقصود بذات الله","level":3,"page":226},{"title":"أهمية الدعاء والمناصرة للمستضعفين والمجاهدين","level":3,"page":227},{"title":"مقصود المعطلة من نفي صفات الله وأسمائه","level":3,"page":228},{"title":"عقيدة الكوثري","level":3,"page":229},{"title":"حكم التسمي بأسماء الله ﷿","level":3,"page":230},{"title":"حكم قول: (لله صفات سلبية)","level":3,"page":231},{"title":"صفة الإرادة بين كونها ذاتية أو فعلية","level":3,"page":232},{"title":"حديث عمران بن حصين في أولية الله تعالى","level":3,"page":233},{"title":"نظرة في القول بوجود خلق من الجن قبل آدم ﵇","level":3,"page":234},{"title":"حكم الفرق التي نفت صفات الله ﷿","level":3,"page":235},{"title":"تعقيب على تفسير بعض المعاجم للاستواء بالاستيلاء","level":3,"page":236},{"title":"حكم إطلاق لفظ الجسم على الله ﷿","level":3,"page":237},{"title":"خطر المتصدرين للفتوى على الفضائيات بغير علم وواجب المسلم تجاههم","level":3,"page":238},{"title":"الفرق بين ابن عربي وابن العربي","level":3,"page":239},{"title":"حكم من لم يكفر الكافر","level":3,"page":240},{"title":"معنى الزندقة","level":3,"page":241},{"title":"استواء الله ﷿ على العرش بعد خلق السماوات والأرض","level":3,"page":242},{"title":"حكم من أنكر صفة من صفات الله ﷿","level":3,"page":243},{"title":"حكم أخذ العلم وإفادته ممن عنده أخطاء في العقيدة من العلماء","level":3,"page":244},{"title":"حكم تكفير الرازي والزمخشري وأمثالهما","level":3,"page":245},{"title":"حكم الصلاة خلف من يعتقد أن الله في كل مكان","level":3,"page":246},{"title":"صفة الاستواء بين كونها ذاتية أو فعلية","level":3,"page":247},{"title":"حكم من يرى أن الأطفال لا يدرسون الآيات التي فيها ترهيب","level":3,"page":248},{"title":"حكم الموالد وما يقال فيها من أشعار","level":3,"page":249},{"title":"العقيدة الواسطية [١١]","level":1,"page":250},{"title":"معية الله ﷿ وأدلة إثباتها","level":2,"page":251},{"title":"أقسام المعية","level":3,"page":252},{"title":"دفع شبهة منكري العلو في احتجاجهم بآيات المعية","level":3,"page":253},{"title":"صفة الكلام وأدلة إثباتها","level":2,"page":254},{"title":"الطوائف المنكرة لصفة الكلام والرد عليها","level":2,"page":255},{"title":"ذكر ردود شيخ الإسلام ابن تيمية على منكري صفة الكلام ومؤوليها","level":3,"page":256},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":257},{"title":"عقيدة المعتزلة في كلام الله ﷿","level":3,"page":258},{"title":"صفة المعية بين كونها ذاتية وفعلية","level":3,"page":259},{"title":"الجمع بين اعتقاد حقيقة المعية ونفي مقالة الجهمية أن الله في كل مكان","level":3,"page":260},{"title":"الرد على مدعي تأويل أهل السنة لصفة المعية","level":3,"page":261},{"title":"دفع شبهة المحتج بقول عمر: (زورت في نفسي كلاما) على الكلام النفسي","level":3,"page":262},{"title":"كلام الناس مخلوق","level":3,"page":263},{"title":"بيان امتناع القول بخلق القرآن بحجة كون لفظه مخلوقا","level":3,"page":264},{"title":"مذهب الأشاعرة والكلابية في تأويل كلام الله ﷿","level":3,"page":265},{"title":"الدليل على أن أفعال العباد مخلوقة","level":3,"page":266},{"title":"شبهة الجهمية والمعتزلة في قولهم بأن القرآن مخلوق","level":3,"page":267},{"title":"كيفية معاملة أهل البدع","level":3,"page":268},{"title":"القرآن صفة من صفات الله ﷿","level":3,"page":269},{"title":"تكلم الله ﷿ في أمره بالكوارث والزلازل","level":3,"page":270},{"title":"العقيدة الواسطية [١٢]","level":1,"page":271},{"title":"ذكر مجمل الأقوال في صفة الكلام","level":2,"page":272},{"title":"صفة الكلام صفة اختيارية","level":3,"page":273},{"title":"الأدلة على ثبوت صفة السكوت لله تعالى","level":3,"page":274},{"title":"أدلة الأشاعرة على أن كلام الله نفسي والرد عليهم","level":3,"page":275},{"title":"وجوب الإيمان بما ثبت في السنة من أخبار الصفات","level":2,"page":276},{"title":"المنحرفون في اتباع السنة من القرآنيين والمتكلمين","level":3,"page":277},{"title":"بيان نوعي السنة من حيث التواتر والآحاد","level":3,"page":278},{"title":"الأدلة القرآنية على قبول خبر الآحاد في العقائد والأحكام","level":3,"page":279},{"title":"الأدلة من السنة على قبول خبر الآحاد في العقائد والأحكام","level":3,"page":280},{"title":"نقد تعليلات الرازي لعدم قبوله لأحاديث الآحاد في باب العقائد","level":3,"page":281},{"title":"ذكر بعض أحاديث الصفات","level":2,"page":282},{"title":"حديث صفة النزول إلى السماء الدنيا","level":3,"page":283},{"title":"حديث صفة الفرح","level":3,"page":284},{"title":"حديث صفة الضحك","level":3,"page":285},{"title":"حديث صفة العجب","level":3,"page":286},{"title":"حديث صفة القدم","level":3,"page":287},{"title":"حديث إثبات الصوت لله تعالى","level":3,"page":288},{"title":"العقيدة الواسطية [١٣]","level":1,"page":289},{"title":"إثبات رؤية الله ﷿ يوم القيامة","level":2,"page":290},{"title":"طرق العلماء في الكلام على صفة الرؤية في مصنفاتهم","level":3,"page":291},{"title":"الأدلة من القرآن على رؤية الله يوم القيامة","level":2,"page":292},{"title":"آية سورة القيامة","level":3,"page":293},{"title":"آية سورة المطففين","level":3,"page":294},{"title":"آية سورة يونس","level":3,"page":295},{"title":"آية سورة (ق)","level":3,"page":296},{"title":"رد اعتراض المعتزلة على تفسير المزيد في سورة (ق) بالرؤية","level":3,"page":297},{"title":"مفهوم آية سورة المطففين","level":3,"page":298},{"title":"آية سورة الإنسان","level":3,"page":299},{"title":"الأدلة من السنة على رؤية الله يوم القيامة","level":2,"page":300},{"title":"الفرق المنكرة للرؤية","level":2,"page":301},{"title":"إنكار المعتزلة للرؤية والرد عليهم","level":3,"page":302},{"title":"إنكار الأشاعرة للرؤية وتأويلهم لها","level":3,"page":303},{"title":"ثمرات الإيمان برؤية الله تعالى يوم القيامة","level":3,"page":304},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":305},{"title":"حكم الفرق الضالة في العقيدة","level":3,"page":306},{"title":"حكم الأشاعرة","level":3,"page":307},{"title":"العقيدة الواسطية [١٤]","level":1,"page":308},{"title":"حكم إنكار رؤية الله ﷿ يوم القيامة","level":2,"page":309},{"title":"معتقد أهل السنة في رؤية الله تعالى بالعين في الدنيا","level":2,"page":310},{"title":"الخلاف في رؤية الرسول ﷺ ربه في الدنيا بعينه","level":3,"page":311},{"title":"المعتقد في رؤية الله ﷿ بالقلب","level":3,"page":312},{"title":"خلاف الصوفية لأهل السنة في دعوى رؤيتهم لله تعالى بقلوبهم على الحقيقة","level":3,"page":313},{"title":"المعتقد في رؤية الله في المنام","level":2,"page":314},{"title":"موضع الرؤية الحقيقية بالعين الباصرة","level":2,"page":315},{"title":"الخلاف في رؤية المنافقين والكفار ربهم في عرصات يوم القيامة","level":2,"page":316},{"title":"المعتقد في رؤية النساء لله ﷿ في الجنة","level":2,"page":317},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":318},{"title":"انتفاء الإحاطة بالله ﷿ في رؤيته","level":3,"page":319},{"title":"الموقف من قول: (طمس بصري في بصيرتي فرأيت الله)","level":3,"page":320},{"title":"دلالة قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق) على رؤية ساق الله يوم القيامة","level":3,"page":321},{"title":"حقيقة رؤية الله تعالى في الدنيا","level":3,"page":322},{"title":"نظرة في كتاب (رؤية الله) للدكتور أحمد الحمد","level":3,"page":323},{"title":"معنى المكاشفة","level":3,"page":324},{"title":"العقيدة الواسطية [١٥]","level":1,"page":325},{"title":"أهمية موضوع الصفات","level":2,"page":326},{"title":"مفهوم الوسطية","level":2,"page":327},{"title":"معاني الوسطية","level":3,"page":328},{"title":"بيان ما ناله أهل السنة من مضامين الوسطية","level":3,"page":329},{"title":"رد دعوى دخول أهل البدع في الوسطية بعموم الخطاب","level":3,"page":330},{"title":"حقيقة الوسطية","level":3,"page":331},{"title":"صور من وسطية أهل السنة في العقائد بين الفرق المنحرفة","level":2,"page":332},{"title":"وسطية أهل السنة في صفات الله تعالى بين المعطلة والمشبهة","level":3,"page":333},{"title":"وسطية أهل السنة في أفعال العباد بين الجبرية والقدرية","level":3,"page":334},{"title":"وسطية أهل السنة في الوعيد بين المرجئة والخوارج والمعتزلة","level":3,"page":335},{"title":"وسطية أهل السنة في الإيمان بين الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة","level":2,"page":336},{"title":"وسطية أهل السنة في الصحابة بين الرافضة والخوارج","level":3,"page":337},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":338},{"title":"حكم الأشاعرة","level":3,"page":339},{"title":"الفرق بين القدرية والجبرية","level":3,"page":340},{"title":"الموقف من المفتين بإباحة الغناء","level":3,"page":341},{"title":"حكم الفرق المخالفة في أبواب العقيدة","level":3,"page":342},{"title":"نظرة في قول المرجئة: (لا ينفع مع الكفر طاعة)","level":3,"page":343},{"title":"العقيدة الواسطية [١٦]","level":1,"page":344},{"title":"الإيمان باليوم الآخر","level":2,"page":345},{"title":"وجوب الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه","level":2,"page":346},{"title":"بيان أصناف الذين لا يفتنون في القبر","level":3,"page":347},{"title":"فتنة الأمم السابقة في قبورها","level":3,"page":348},{"title":"ذكر الخلاف في اسمي الملكين اللذين يمتحنان الناس في القبور","level":3,"page":349},{"title":"ضمة القبر","level":3,"page":350},{"title":"الأدلة القرآنية على ثبوت عذاب القبر ونعيمه","level":3,"page":351},{"title":"الأحاديث النبوية الدالة على عذاب القبر ونعيمه","level":3,"page":352},{"title":"المنكرون لعذاب القبر ونعيمه","level":3,"page":353},{"title":"الرد على استدلال منكري عذاب القبر بآية سورة الدخان","level":3,"page":354},{"title":"الرد على استدلال منكري عذاب القبر بآية سورة فاطر","level":3,"page":355},{"title":"الرد على استدلال منكري عذاب القبر بانتفاء حركة الميت","level":3,"page":356},{"title":"كيفية إقامة الحجة على منكر عذاب القبر ونعيمه","level":3,"page":357},{"title":"منكرو اليوم الآخر والبعث","level":2,"page":358},{"title":"المشركون","level":3,"page":359},{"title":"الفلاسفة والباطنية","level":3,"page":360},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":361},{"title":"المراد بالشهداء الذين لا يفتنون في قبورهم","level":3,"page":362},{"title":"فتنة الأعلى منزلة من الشهيد في القبر","level":3,"page":363},{"title":"المراد بقوله تعالى في الحديث القدسي: (وما ترددت) وقوله: (وأنا الدهر)","level":3,"page":364},{"title":"ما يسأل عنه أفراد الأمم السابقة في قبورهم","level":3,"page":365},{"title":"سؤال القبر وشموله للمتعلم والجاهل","level":3,"page":366},{"title":"الرد على المنكرين لحياة البرزخ بدعوى انتفاء حركة أجساد الموتى","level":3,"page":367},{"title":"حكم الاستغاثة بصفات الله تعالى","level":3,"page":368},{"title":"معنى قول النبي ﷺ: (وما يعذبان في كبير)","level":3,"page":369},{"title":"الرد على مثبت عذاب القبر ونعيمه للأرواح دون الأجساد","level":3,"page":370},{"title":"الجمع بين عقيدة أهل السنة في عدم في تكفير القاتل وقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا)","level":3,"page":371},{"title":"مدة عذاب القبر","level":3,"page":372},{"title":"العذاب بالنار وحصوله بعد عذاب القبر","level":3,"page":373},{"title":"كيفية تفسير نزول الله مع اختلاف وقت ثلث الليل الآخر بين البلدان","level":3,"page":374},{"title":"العقيدة الواسطية [١٧]","level":1,"page":375},{"title":"مسائل في الإيمان باليوم الآخر","level":2,"page":376},{"title":"الخلاف في استمرار عذاب القبر إلى البعث","level":3,"page":377},{"title":"القيامة الكبرى والقيامة الصغرى","level":3,"page":378},{"title":"الإيمان بالبعث","level":2,"page":379},{"title":"إنكار الكفار الوثنيين للبعث","level":3,"page":380},{"title":"إنكار الفلاسفة والباطنية للبعث","level":3,"page":381},{"title":"عقيدة المسلمين في البعث وكيفيته","level":3,"page":382},{"title":"أرض المحشر","level":3,"page":383},{"title":"نصب الموازين يوم القيامة","level":2,"page":384},{"title":"أصناف الناس في أخذ صحائف الأعمال","level":2,"page":385},{"title":"كيفية حساب المؤمنين والكفار يوم القيامة","level":2,"page":386},{"title":"الحوض المورود","level":2,"page":387},{"title":"العقيدة الواسطية [١٨]","level":1,"page":388},{"title":"الإيمان بالقدر وأدلة وجوبه","level":2,"page":389},{"title":"كتب مصنفة في موضوع القدر","level":3,"page":390},{"title":"حقيقة العبد بين كونه مسيرا ومخيرا","level":3,"page":391},{"title":"حقيقة القضاء والقدر والفرق بينهما","level":3,"page":392},{"title":"الشر في المقدورات وحكمته وحكم إضافته إلى الله تعالى","level":3,"page":393},{"title":"منشأ ضلال الجبرية والقدرية في خلق الشرور","level":3,"page":394},{"title":"مراتب القدر","level":2,"page":395},{"title":"مرتبة العلم","level":3,"page":396},{"title":"مرتبة الكتابة","level":3,"page":397},{"title":"المراد بالقلم المكتوب به ما هو كائن إلى يوم القيامة","level":3,"page":398},{"title":"الجمع بين سبق كتابة القرآن الكريم في اللوح المحفوظ وتكلم الله به حال التنزيل","level":3,"page":399},{"title":"سبق كتابة كل مقدور","level":3,"page":400},{"title":"أنواع الكتابة","level":3,"page":401},{"title":"الكتابة لا تدل على الجبر","level":3,"page":402},{"title":"فساد الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي","level":3,"page":403},{"title":"مرتبة المشيئة","level":3,"page":404},{"title":"العلاقة بين المشيئة والأمر والنهي الشرعيين","level":3,"page":405},{"title":"أقسام الإرادة","level":3,"page":406},{"title":"مرتبة الخلق","level":3,"page":407},{"title":"وجه نسبة العمل إلى العبد مع أن الله تعالى خالقه","level":3,"page":408},{"title":"بيان ضلال القدرية والجبرية في أفعال العباد","level":3,"page":409},{"title":"أحاديث القدر من صحيح الإمام البخاري","level":2,"page":410},{"title":"حديث عبد الله بن مسعود في مراحل الخلق وكتابة الملك","level":3,"page":411},{"title":"حديث أنس فيما يكتبه الملك الموكل بالرحم في بطن الأم","level":3,"page":412},{"title":"حديث عمران بن حصين وغيره في سبق علم الله تعالى بأهل الجنة والنار","level":3,"page":413},{"title":"حديث ابن عباس في سبق علم الله تعالى بما كان سيعمله أولاد المشركين","level":3,"page":414},{"title":"حديث أبي هريرة في نهي المرأة عن سؤال طلاق أختها","level":3,"page":415},{"title":"حديث أسامة بن زيد في مقالة رسول الله ﷺ لابنته حال احتضار ابنها","level":3,"page":416},{"title":"حديث أبي هريرة في احتجاج آدم وموسى ﵉","level":3,"page":417},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":418},{"title":"حكم من يقول: إنه كافر، وهو يعرف معنى ما يقول","level":3,"page":419},{"title":"أثر الهم والحزن من ضيق الرزق على الإيمان بالقدر","level":3,"page":420},{"title":"الجمع بين دراسة القدر ونهي النبي ﷺ عن الخوض فيه","level":3,"page":421},{"title":"درجة ثبوت سؤال عمر ربه تعالى كتابته في ديوان السعداء ومحوه من ديوان الأشقياء إن كان شقيا","level":3,"page":422},{"title":"انتفاء وصف الفساد عن الإرادة المخلوقة في العبد","level":3,"page":423},{"title":"كيفية نزول القرآن","level":3,"page":424},{"title":"كيفية التصبر عند نزول المصائب إذا لم تحتمل","level":3,"page":425},{"title":"الحكمة من كتابة الملائكة للحسنات والسيئات مع سبق كتابتها في اللوح المحفوظ","level":3,"page":426},{"title":"العقيدة الواسطية [١٩]","level":1,"page":427},{"title":"الإيمان في عقيدة أهل السنة والجماعة","level":2,"page":428},{"title":"أهمية باب الإيمان بين أبواب العقيدة","level":3,"page":429},{"title":"حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة","level":3,"page":430},{"title":"معنى قول السلف: (الإيمان قول وعمل)","level":3,"page":431},{"title":"أدلة شمول الإيمان لقول القلب","level":3,"page":432},{"title":"أدلة شمول الإيمان لقول اللسان","level":3,"page":433},{"title":"أدلة شمول الإيمان لعمل القلب","level":3,"page":434},{"title":"أدلة شمول الإيمان لعمل الجوارح","level":3,"page":435},{"title":"حكم ترك شيء من الإيمان","level":3,"page":436},{"title":"التلازم المتين بين عمل القلب وعمل الجوارح","level":3,"page":437},{"title":"عقائد الفرق الضالة في حقيقة الإيمان","level":2,"page":438},{"title":"عقيدة الخوارج في الإيمان وخطرها","level":3,"page":439},{"title":"عقيدة المرجئة في الإيمان","level":3,"page":440},{"title":"الآثار المترتبة على الإرجاء","level":3,"page":441},{"title":"عقيدة أهل السنة في عصاة أهل القبلة","level":2,"page":442},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":443},{"title":"حكم تارك الصلاة وكيفية معاملته","level":3,"page":444},{"title":"الفرق بين المشرك والكافر","level":3,"page":445},{"title":"العقيدة الواسطية [٢٠]","level":1,"page":446},{"title":"مسائل وأحكام في عقيدة أهل السنة في الصحابة","level":2,"page":447},{"title":"تعريف الصحابي","level":3,"page":448},{"title":"مسائل متعلقة بتعريف الصحابي","level":3,"page":449},{"title":"سلامة قلوب أهل السنة وألسنتهم للصحابة رضي الله تعالى عنهم","level":3,"page":450},{"title":"اعتقاد أهل السنة فضل الصحابة على غيرهم","level":3,"page":451},{"title":"اعتقاد أهل السنة تفاضل مراتب الصحابة","level":3,"page":452},{"title":"شهادة أهل السنة بالجنة لمن شهد لهم الرسول ﷺ من الصحابة","level":3,"page":453},{"title":"اعتقاد أهل السنة تفاضل الأربعة بحسب ترتيب خلافتهم","level":2,"page":454},{"title":"الآثار الدالة على تفاضل الأربعة","level":3,"page":455},{"title":"المفاضلة بين علي وعثمان رضي الله تعالى عنهما","level":3,"page":456},{"title":"براءة أهل السنة من طريقة الروافض والنواصب تجاه الصحابة","level":3,"page":457},{"title":"اعتقاد أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة","level":3,"page":458},{"title":"معتقد أهل السنة في المروي في مساوئ الصحابة وما صدر عنهم من الزلل","level":3,"page":459},{"title":"محبة أهل السنة لآل بيت رسول الله ﷺ","level":3,"page":460},{"title":"تولي أهل السنة أزواج النبي ﷺ","level":3,"page":461},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":462},{"title":"الضلال المتأخرون من آل البيت وما يتناولهم من أحكام آل البيت","level":3,"page":463},{"title":"مراجع في الاطلاع على الفتنة بين الصحابة","level":3,"page":464},{"title":"الموقف من إثبات الصحبة لجبريل ﵇ وبعض الأنبياء","level":3,"page":465},{"title":"ثبوت رتبة الصحبة لبعض الجن","level":3,"page":466},{"title":"أول من آمن بالنبي ﷺ","level":3,"page":467},{"title":"حكم القراءة في الكتب المتضمنة مرويات مكذوبة على الصحابة","level":3,"page":468},{"title":"مادة كتاب نضرة النعيم","level":3,"page":469},{"title":"حكم ذكر أخطاء الصحابة للاستفادة","level":3,"page":470},{"title":"حكم من يطعن في معاوية ﵁","level":3,"page":471},{"title":"الجمع بين تخطئة مناوئي علي ولزوم الإمساك عما شجر بين الصحابة ﵃","level":3,"page":472},{"title":"حكم الشهادة بالجنة لأحد الصالحين","level":3,"page":473},{"title":"إيضاح الآثار المروية عن عمر في اعتبار الخلافة أمرا اجتهاديا قد يليه غير عثمان","level":3,"page":474},{"title":"عدم تحقق الكفر في فعل حاطب ﵁","level":3,"page":475},{"title":"العقيدة الواسطية [٢١]","level":1,"page":476},{"title":"كرامات الأولياء","level":2,"page":477},{"title":"المقصود بالأولياء","level":3,"page":478},{"title":"المقصود بالكرامات","level":3,"page":479},{"title":"عقيدة أهل السنة في كرامات الأولياء","level":3,"page":480},{"title":"الفرق بين كرامات الأولياء ومعجزات الأنبياء","level":3,"page":481},{"title":"الفرق بين الكرامة والسحر والشعوذة","level":3,"page":482},{"title":"انتفاء صحة الكرامة المنافية لأحكام الشريعة","level":3,"page":483},{"title":"ذكر بعض ما ثبت خبره من الكرامات","level":3,"page":484},{"title":"كتب مصنفة في الكرامات","level":3,"page":485},{"title":"أقسام الكرامات","level":3,"page":486},{"title":"إنكار المعتزلة للكرامات والرد عليهم","level":3,"page":487},{"title":"غلو الصوفية في الكرامات","level":3,"page":488},{"title":"التزام أهل السنة باتباع آثار رسول الله ﷺ باطنا وظاهرا","level":2,"page":489},{"title":"بيان سبب تسمية أهل السنة والجماعة بهذا الاسم","level":3,"page":490},{"title":"الإجماع المنضبط أصل معتمد عند أهل السنة","level":2,"page":491},{"title":"اكتمال منهج أهل السنة في جمعه بين المعرفة النظرية وأعمال الجوارح والقلوب","level":2,"page":492},{"title":"منهج أهل السنة تجاه المنكر ومسلكهم في التعامل مع المسلمين","level":2,"page":493}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"2,1":26,"2,2":27,"2,3":28,"2,4":29,"2,5":30,"2,6":31,"2,7":32,"2,8":33,"2,9":34,"2,10":35,"2,11":36,"2,12":37,"2,13":38,"2,14":39,"2,15":40,"2,16":41,"2,17":42,"2,18":43,"2,19":44,"2,20":45,"2,21":46,"2,22":47,"2,23":48,"2,24":49,"2,25":50,"2,26":51,"3,1":52,"3,2":53,"3,3":54,"3,4":55,"3,5":56,"3,6":57,"3,7":58,"3,8":59,"3,9":60,"3,10":61,"3,11":62,"3,12":63,"3,13":64,"3,14":65,"3,15":66,"3,16":67,"3,17":68,"3,18":69,"3,19":70,"3,20":71,"3,21":72,"3,22":73,"3,23":74,"3,24":75,"3,25":76,"3,26":77,"3,27":78,"3,28":79,"3,29":80,"4,1":81,"4,2":82,"4,3":83,"4,4":84,"4,5":85,"4,6":86,"4,7":87,"4,8":88,"4,9":89,"4,10":90,"4,11":91,"4,12":92,"4,13":93,"4,14":94,"4,15":95,"4,16":96,"4,17":97,"4,18":98,"4,19":99,"4,20":100,"4,21":101,"5,1":102,"5,2":103,"5,3":104,"5,4":105,"5,5":106,"5,6":107,"5,7":108,"5,8":109,"5,9":110,"5,10":111,"5,11":112,"5,12":113,"5,13":114,"5,14":115,"5,15":116,"5,16":117,"5,17":118,"5,18":119,"5,19":120,"5,20":121,"6,1":122,"6,2":123,"6,3":124,"6,4":125,"6,5":126,"6,6":127,"6,7":128,"6,8":129,"6,9":130,"6,10":131,"6,11":132,"6,12":133,"6,13":134,"6,14":135,"6,15":136,"6,16":137,"6,17":138,"7,1":139,"7,2":140,"7,3":141,"7,4":142,"7,5":143,"7,6":144,"7,7":145,"7,8":146,"7,9":147,"7,10":148,"7,11":149,"7,12":150,"7,13":151,"7,14":152,"7,15":153,"7,16":154,"7,17":155,"7,18":156,"7,19":157,"7,20":158,"7,21":159,"7,22":160,"7,23":161,"7,24":162,"7,25":163,"7,26":164,"7,27":165,"7,28":166,"7,29":167,"8,1":168,"8,2":169,"8,3":170,"8,4":171,"8,5":172,"8,6":173,"8,7":174,"8,8":175,"8,9":176,"8,10":177,"8,11":178,"8,12":179,"8,13":180,"8,14":181,"8,15":182,"8,16":183,"8,17":184,"8,18":185,"8,19":186,"8,20":187,"8,21":188,"8,22":189,"8,23":190,"9,1":191,"9,2":192,"9,3":193,"9,4":194,"9,5":195,"9,6":196,"9,7":197,"9,8":198,"9,9":199,"9,10":200,"9,11":201,"9,12":202,"9,13":203,"9,14":204,"9,15":205,"9,16":206,"9,17":207,"9,18":208,"9,19":209,"9,20":210,"9,21":211,"9,22":212,"9,23":213,"9,24":214,"10,1":215,"10,2":216,"10,3":217,"10,4":218,"10,5":219,"10,6":220,"10,7":221,"10,8":222,"10,9":223,"10,10":224,"10,11":225,"10,12":226,"10,13":227,"10,14":228,"10,15":229,"10,16":230,"10,17":231,"10,18":232,"10,19":233,"10,20":234,"10,21":235,"10,22":236,"10,23":237,"10,24":238,"10,25":239,"10,26":240,"10,27":241,"10,28":242,"10,29":243,"10,30":244,"10,31":245,"10,32":246,"10,33":247,"10,34":248,"10,35":249,"11,1":250,"11,2":251,"11,3":252,"11,4":253,"11,5":254,"11,6":255,"11,7":256,"11,8":257,"11,9":258,"11,10":259,"11,11":260,"11,12":261,"11,13":262,"11,14":263,"11,15":264,"11,16":265,"11,17":266,"11,18":267,"11,19":268,"11,20":269,"11,21":270,"12,1":271,"12,2":272,"12,3":273,"12,4":274,"12,5":275,"12,6":276,"12,7":277,"12,8":278,"12,9":279,"12,10":280,"12,11":281,"12,12":282,"12,13":283,"12,14":284,"12,15":285,"12,16":286,"12,17":287,"12,18":288,"13,1":289,"13,2":290,"13,3":291,"13,4":292,"13,5":293,"13,6":294,"13,7":295,"13,8":296,"13,9":297,"13,10":298,"13,11":299,"13,12":300,"13,13":301,"13,14":302,"13,15":303,"13,16":304,"13,17":305,"13,18":306,"13,19":307,"14,1":308,"14,2":309,"14,3":310,"14,4":311,"14,5":312,"14,6":313,"14,7":314,"14,8":315,"14,9":316,"14,10":317,"14,11":318,"14,12":319,"14,13":320,"14,14":321,"14,15":322,"14,16":323,"14,17":324,"15,1":325,"15,2":326,"15,3":327,"15,4":328,"15,5":329,"15,6":330,"15,7":331,"15,8":332,"15,9":333,"15,10":334,"15,11":335,"15,12":336,"15,13":337,"15,14":338,"15,15":339,"15,16":340,"15,17":341,"15,18":342,"15,19":343,"16,1":344,"16,2":345,"16,3":346,"16,4":347,"16,5":348,"16,6":349,"16,7":350,"16,8":351,"16,9":352,"16,10":353,"16,11":354,"16,12":355,"16,13":356,"16,14":357,"16,15":358,"16,16":359,"16,17":360,"16,18":361,"16,19":362,"16,20":363,"16,21":364,"16,22":365,"16,23":366,"16,24":367,"16,25":368,"16,26":369,"16,27":370,"16,28":371,"16,29":372,"16,30":373,"16,31":374,"17,1":375,"17,2":376,"17,3":377,"17,4":378,"17,5":379,"17,6":380,"17,7":381,"17,8":382,"17,9":383,"17,10":384,"17,11":385,"17,12":386,"17,13":387,"18,1":388,"18,2":389,"18,3":390,"18,4":391,"18,5":392,"18,6":393,"18,7":394,"18,8":395,"18,9":396,"18,10":397,"18,11":398,"18,12":399,"18,13":400,"18,14":401,"18,15":402,"18,16":403,"18,17":404,"18,18":405,"18,19":406,"18,20":407,"18,21":408,"18,22":409,"18,23":410,"18,24":411,"18,25":412,"18,26":413,"18,27":414,"18,28":415,"18,29":416,"18,30":417,"18,31":418,"18,32":419,"18,33":420,"18,34":421,"18,35":422,"18,36":423,"18,37":424,"18,38":425,"18,39":426,"19,1":427,"19,2":428,"19,3":429,"19,4":430,"19,5":431,"19,6":432,"19,7":433,"19,8":434,"19,9":435,"19,10":436,"19,11":437,"19,12":438,"19,13":439,"19,14":440,"19,15":441,"19,16":442,"19,17":443,"19,18":444,"19,19":445,"20,1":446,"20,2":447,"20,3":448,"20,4":449,"20,5":450,"20,6":451,"20,7":452,"20,8":453,"20,9":454,"20,10":455,"20,11":456,"20,12":457,"20,13":458,"20,14":459,"20,15":460,"20,16":461,"20,17":462,"20,18":463,"20,19":464,"20,20":465,"20,21":466,"20,22":467,"20,23":468,"20,24":469,"20,25":470,"20,26":471,"20,27":472,"20,28":473,"20,29":474,"20,30":475,"21,1":476,"21,2":477,"21,3":478,"21,4":479,"21,5":480,"21,6":481,"21,7":482,"21,8":483,"21,9":484,"21,10":485,"21,11":486,"21,12":487,"21,13":488,"21,14":489,"21,15":490,"21,16":491,"21,17":492,"21,18":493},"ٜ":{"1":[1,25],"2":[1,26],"3":[1,29],"4":[1,21],"5":[1,20],"6":[1,17],"7":[1,29],"8":[1,23],"9":[1,24],"10":[1,35],"11":[1,21],"12":[1,18],"13":[1,19],"14":[1,17],"15":[1,19],"16":[1,31],"17":[1,13],"18":[1,39],"19":[1,19],"20":[1,30],"21":[1,18]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","9,14","9,15","9,16","9,17","9,18","9,19","9,20","9,21","9,22","9,23","9,24","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","10,21","10,22","10,23","10,24","10,25","10,26","10,27","10,28","10,29","10,30","10,31","10,32","10,33","10,34","10,35","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","11,7","11,8","11,9","11,10","11,11","11,12","11,13","11,14","11,15","11,16","11,17","11,18","11,19","11,20","11,21","12,1","12,2","12,3","12,4","12,5","12,6","12,7","12,8","12,9","12,10","12,11","12,12","12,13","12,14","12,15","12,16","12,17","12,18","13,1","13,2","13,3","13,4","13,5","13,6","13,7","13,8","13,9","13,10","13,11","13,12","13,13","13,14","13,15","13,16","13,17","13,18","13,19","14,1","14,2","14,3","14,4","14,5","14,6","14,7","14,8","14,9","14,10","14,11","14,12","14,13","14,14","14,15","14,16","14,17","15,1","15,2","15,3","15,4","15,5","15,6","15,7","15,8","15,9","15,10","15,11","15,12","15,13","15,14","15,15","15,16","15,17","15,18","15,19","16,1","16,2","16,3","16,4","16,5","16,6","16,7","16,8","16,9","16,10","16,11","16,12","16,13","16,14","16,15","16,16","16,17","16,18","16,19","16,20","16,21","16,22","16,23","16,24","16,25","16,26","16,27","16,28","16,29","16,30","16,31","17,1","17,2","17,3","17,4","17,5","17,6","17,7","17,8","17,9","17,10","17,11","17,12","17,13","18,1","18,2","18,3","18,4","18,5","18,6","18,7","18,8","18,9","18,10","18,11","18,12","18,13","18,14","18,15","18,16","18,17","18,18","18,19","18,20","18,21","18,22","18,23","18,24","18,25","18,26","18,27","18,28","18,29","18,30","18,31","18,32","18,33","18,34","18,35","18,36","18,37","18,38","18,39","19,1","19,2","19,3","19,4","19,5","19,6","19,7","19,8","19,9","19,10","19,11","19,12","19,13","19,14","19,15","19,16","19,17","19,18","19,19","20,1","20,2","20,3","20,4","20,5","20,6","20,7","20,8","20,9","20,10","20,11","20,12","20,13","20,14","20,15","20,16","20,17","20,18","20,19","20,20","20,21","20,22","20,23","20,24","20,25","20,26","20,27","20,28","20,29","20,30","21,1","21,2","21,3","21,4","21,5","21,6","21,7","21,8","21,9","21,10","21,11","21,12","21,13","21,14","21,15","21,16","21,17","21,18"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80],"81":[81],"82":[82],"83":[83],"84":[84],"85":[85],"86":[86],"87":[87],"88":[88],"89":[89],"90":[90],"91":[91],"92":[92],"93":[93],"94":[94],"95":[95],"96":[96],"97":[97],"98":[98],"99":[99],"100":[100],"101":[101],"102":[102],"103":[103],"104":[104],"105":[105],"106":[106],"107":[107],"108":[108],"109":[109],"110":[110],"111":[111],"112":[112],"113":[113],"114":[114],"115":[115],"116":[116],"117":[117],"118":[118],"119":[119],"120":[120],"121":[121],"122":[122],"123":[123],"124":[124],"125":[125],"126":[126],"127":[127],"128":[128],"129":[129],"130":[130],"131":[131],"132":[132],"133":[133],"134":[134],"135":[135],"136":[136],"137":[137],"138":[138],"139":[139],"140":[140],"141":[141],"142":[142],"143":[143],"144":[144],"145":[145],"146":[146],"147":[147],"148":[148],"149":[149],"150":[150],"151":[151],"152":[152],"153":[153],"154":[154],"155":[155],"156":[156],"157":[157],"158":[158],"159":[159],"160":[160],"161":[161],"162":[162],"163":[163],"164":[164],"165":[165],"166":[166],"167":[167],"168":[168],"169":[169],"170":[170],"171":[171],"172":[172],"173":[173],"174":[174],"175":[175],"176":[176],"177":[177],"178":[178],"179":[179],"180":[180],"181":[181],"182":[182],"183":[183],"184":[184],"185":[185],"186":[186],"187":[187],"188":[188],"189":[189],"190":[190],"191":[191],"192":[192],"193":[193],"194":[194],"195":[195],"196":[196],"197":[197],"198":[198],"199":[199],"200":[200],"201":[201],"202":[202],"203":[203],"204":[204],"205":[205],"206":[206],"207":[207],"208":[208],"209":[209],"210":[210],"211":[211],"212":[212],"213":[213],"214":[214],"215":[215],"216":[216],"217":[217],"218":[218],"219":[219],"220":[220],"221":[221],"222":[222],"223":[223],"224":[224],"225":[225],"226":[226],"227":[227],"228":[228],"229":[229],"230":[230],"231":[231],"232":[232],"233":[233],"234":[234],"235":[235],"236":[236],"237":[237],"238":[238],"239":[239],"240":[240],"241":[241],"242":[242],"243":[243],"244":[244],"245":[245],"246":[246],"247":[247],"248":[248],"249":[249],"250":[250],"251":[251],"252":[252],"253":[253],"254":[254],"255":[255],"256":[256],"257":[257],"258":[258],"259":[259],"260":[260],"261":[261],"262":[262],"263":[263],"264":[264],"265":[265],"266":[266],"267":[267],"268":[268],"269":[269],"270":[270],"271":[271],"272":[272],"273":[273],"274":[274],"275":[275],"276":[276],"277":[277],"278":[278],"279":[279],"280":[280],"281":[281],"282":[282],"283":[283],"284":[284],"285":[285],"286":[286],"287":[287],"288":[288],"289":[289],"290":[290],"291":[291],"292":[292],"293":[293],"294":[294],"295":[295],"296":[296],"297":[297],"298":[298],"299":[299],"300":[300],"301":[301],"302":[302],"303":[303],"304":[304],"305":[305],"306":[306],"307":[307],"308":[308],"309":[309],"310":[310],"311":[311],"312":[312],"313":[313],"314":[314],"315":[315],"316":[316],"317":[317],"318":[318],"319":[319],"320":[320],"321":[321],"322":[322],"323":[323],"324":[324],"325":[325],"326":[326],"327":[327],"328":[328],"329":[329],"330":[330],"331":[331],"332":[332],"333":[333],"334":[334],"335":[335],"336":[336],"337":[337],"338":[338],"339":[339],"340":[340],"341":[341],"342":[342],"343":[343],"344":[344],"345":[345],"346":[346],"347":[347],"348":[348],"349":[349],"350":[350],"351":[351],"352":[352],"353":[353],"354":[354],"355":[355],"356":[356],"357":[357],"358":[358],"359":[359],"360":[360],"361":[361],"362":[362],"363":[363],"364":[364],"365":[365],"366":[366],"367":[367],"368":[368],"369":[369],"370":[370],"371":[371],"372":[372],"373":[373],"374":[374],"375":[375],"376":[376],"377":[377],"378":[378],"379":[379],"380":[380],"381":[381],"382":[382],"383":[383],"384":[384],"385":[385],"386":[386],"387":[387],"388":[388],"389":[389],"390":[390],"391":[391],"392":[392],"393":[393],"394":[394],"395":[395],"396":[396],"397":[397],"398":[398],"399":[399],"400":[400],"401":[401],"402":[402],"403":[403],"404":[404],"405":[405],"406":[406],"407":[407],"408":[408],"409":[409],"410":[410],"411":[411],"412":[412],"413":[413],"414":[414],"415":[415],"416":[416],"417":[417],"418":[418],"419":[419],"420":[420],"421":[421],"422":[422],"423":[423],"424":[424],"425":[425],"426":[426],"427":[427],"428":[428],"429":[429],"430":[430],"431":[431],"432":[432],"433":[433],"434":[434],"435":[435],"436":[436],"437":[437],"438":[438],"439":[439],"440":[440],"441":[441],"442":[442],"443":[443],"444":[444],"445":[445],"446":[446],"447":[447],"448":[448],"449":[449],"450":[450],"451":[451],"452":[452],"453":[453],"454":[454],"455":[455],"456":[456],"457":[457],"458":[458],"459":[459],"460":[460],"461":[461],"462":[462],"463":[463],"464":[464],"465":[465],"466":[466],"467":[467],"468":[468],"469":[469],"470":[470],"471":[471],"472":[472],"473":[473],"474":[474],"475":[475],"476":[476],"477":[477],"478":[478],"479":[479],"480":[480],"481":[481],"482":[482],"483":[483],"484":[484],"485":[485],"486":[486],"487":[487],"488":[488],"489":[489],"490":[490],"491":[491],"492":[492],"493":[493]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>العقيدة الواسطية [١]</span>\nيعتقد أهل السنة والجماعة أصول الإيمان وأركانه الستة، ومن جملة تلك الأصول الإيمان بصفات الله تعالى من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، في جملة عظيمة من مسائل الاعتقاد في هذا الباب المدونة في كتبهم، ومن أهمها كتاب العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية الذي عني به مؤلفه وعني به العلماء من بعده.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>أهمية العلم الشرعي في العصر الحاضر</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه، وبعد: فإن هذه الأمة بخير وإلى خير ولله الحمد، فنحن في هذه الأيام نعيش صحوة ويقظة إسلامية واضحة، يراها الإنسان في كثرة طلاب العلم والمشتغلين بالدعوة إلى الله ﷿، فضلًا عن الملتزمين بأحكام الدين والمشتغلين بالعبادة ونحوها، ولكننا نعيش في نفس الوقت فترة حرجة في حياة هذه الأمة، وذلك لكثرة الأفكار والآراء والاتجاهات التي نعيشها في هذا الزمان، فقد كثرت الأفكار والآراء والمناهج والأحزاب والتيارات التي تنادي بالكفر، وتدعو إلى البدع، وإلى الضلالة، وأصبحت هذه التيارات والمناهج والفرق ذات قوة كبيرة في حياة الناس، وتمتلك قوة مالية وإعلامية لتوصيل هذه الأفكار والمناهج إلى كل أقطار الدنيا.\nينبغي علينا ونحن في هذه الفترة الحرجة أن نعلم العلاج الذي ينقذنا أولًا، والذي ييسر لنا إنقاذ أمتنا ثانيًا، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا بالعلم، فالعلم بالشرع وبأحكام الدين والتعلم هما الوسيلة الناجحة للخروج والخلوص من هذه المزالق الوعرة، ومن هذه التيارات والأفكار والمناهج التي تهدد عقيدة الإنسان وفكره ومنهجه في الحياة.\nومن هنا كان للاهتمام بالعلم وبدراسته أهمية كبرى، ومكانة عظمى في إنقاذ الإنسان لنفسه ولغيره من الناس عندما يكون داعية إلى الله ﷾، فلا بد إذًا من دراسة العلم دراسة تفصيلية يتفقه الإنسان من خلالها في أحكام دينه، ويتعلم فيها العقيدة الصحيحة، ومناهج الاستدلال الصحيحة بعيدًا عن الآراء الضالة والمناهج المنحرفة، وهي خطيرة كل الخطر، تمتلك أدوات قوية جدًا لنقل أفكارها ومناهجها، ومن هنا كان طلب العلم مهم جدًا في إنقاذ الإنسان لنفسه.","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>معالم في منهج دراسة العلم</span>\nوقد أمر الله ﷾ بالعلم، وحث عليه، وبين فضله وفضل أهله، وبين منزلتهم، حتى أن أهل العلم صنفوا كتبًا مستقلة في هذا الموضوع تبين منهج الإنسان في دراسته للعلم، والعلم يحتاجه كل مسلم، وطالب العلم على وجه الخصوص يحتاجه أكثر، كما لا بد لطالب العلم من دراسة المنهج الذي يسير عليه حتى يصل إلى العلم بالطريقة الصحيحة؛ فإنه ليس كل مشتغل بالعلم أو كل قارئ للعلم يكون طالب علم فعلًا، فإنه في بعض الأحيان قد يقرأ الإنسان كثيرًا ويشتغل بالعلم كثيرًا، لكنه يشتغل على منهج خاطئ، وحينئذٍ قد تمر عليه السنتان والثلاث والعشر فلا يستفيد شيئًا بسبب الطريقة التي سلكها في دراسة العلم، ومن هنا كانت المنهجية في طلب العلم مهمة جدًا لطالب العلم حتى يصل إلى نتيجة صحيحة بإذن الله تعالى.\nومن معالم هذا المنهج الذي نحن بحاجة إليه: أن يدرس الإنسان صغار كتب العلم قبل كباره، وأن يتدرج الإنسان في طلبه للعلم، وأن يبدأ أول ما يبدأ بالعلم في العقيدة والأحكام، فيتعلم العقيدة الصحيحة، ويعلم الأحكام الفقهية التي يصح بها عمله، وكذلك ينبغي على طالب العلم أثناء دراسته لذلك أن يهتم بالمنهج الصحيح في الاستدلال، وينبغي أن يعرف قواعد أهل العلم في الاستدلال الصحيح، فليس كل استدلال يكون صحيحًا، عندما يأتي إنسان مثلًا ويبني عقيدة أو فكرة أو رأيًا على قصة أو رؤيا أو قول من أقوال أهل العلم السابقين، ويترك النصوص الشرعية الواردة في ذات الموضوع، فلا شك في أنه مخالف للمنهج الصحيح في الاستدلال والوصول إلى الرأي الحق والمنهج الصحيح.\nإذًا: لا بد أن يتعلم الإنسان قواعد الاستدلال، فأول ما يستدل ينبغي أن يستدل بالقرآن وبالسنة الصحيحة الثابتة، ثم بالإجماع، ثم بالقياس الصحيح المنضبط الذي تتحقق فيه شروط القياس وتنتفي عنه موانعه عند عدم وجود الأدلة السابقة، وليس الكلام على مناهج الاستدلال وقواعده مرادنا، وإنما المراد الإشارة إلى أهمية الاستدلال وضرورته لطالب العلم.\nإذًا: لا بد من المنهجية في دراسة العلم، ومن هنا كانت هذه الدروس التي تعقد -ولله الحمد- في المساجد بين الفينة والأخرى لتعليم العقيدة والأحكام ومناهج الاستدلال وقواعده حتى تصح عقيدة الإنسان، ويصح منهجه، وبالتالي يصح كل ما يبنى عليه، مثل الدعوة إلى الله ﷿، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، ونحو ذلك مما تحتاجه الأمة لتنمية نفسها وتطويرها.\nوالعقيدة الواسطية هي لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو عالم معروف له قيمته العلمية في تاريخ العلم الشرعي، وقد ترجم له كثير من العلماء بل صنفت بشأنه تراجم مستقلة رحمه الله تعالى.\nولا يمكن لنا لطول سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن نستعرضها بشكل مفصل، لكن يمكن مراجعة سيرته بشكل مفصل في الكتب التي ترجمت له، ومن الكتب العصرية التي ترجمت له بشكل منظم: كتاب الدكتور عبد الرحمن المحمود: (موقف ابن تيمية من الأشاعرة)، فقد ترجم له ترجمة طويلة.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>منهج دراسة العقيدة</span>\nقبل أن نتحدث عن العقيدة الواسطية، أحب أن أتحدث عن منهج دراسة العقيدة قبل ذلك، وذلك أن منهج دراسة العقيدة مبني على أصلين: الأصل الأول: تأصيل العقيدة وتصحيحها، وذلك بدراسة العقيدة المأخوذة من الكتاب والسنة بشكل صحيح، وهذه الدراسة دراسة نظرية، وقد صنف فيها أهل العلم كتبًا كثيرة، ومن هذه الكتب العقيدة الواسطية.\nوالأصل الثاني: تأصيل العقيدة في القلوب، ومعنى هذا: العناية بآثار العقيدة في النفوس، فعندما يؤمن الإنسان بأن الله ﷿ هو العليم يكون له أثر كبير جدًا في نفسه، ويورث في قلبه مراقبة الله ﷿، ومراقبة الله ﷿الذي هو عمل من أعمال القلوب- حصل بناءً على إيمانه بأن الله ﷿ هو العليم الرقيب، وهكذا تجد أن لموضوعات العقيدة آثارًا سلوكية مؤثرة في قلب الإنسان وسلوكه وآدابه، وتجد أن أكثر أعمال القلوب مبنية على أصل عقائدي سابق؛ فمثلًا محبة الله ﷿ تنشأ عندما يعلم الإنسان أن الله ﷿ رحيم بعباده، وأنه ﷾ كريم، وأنه ﷾ جواد.\nأيضًا الخوف من أعمال القلوب، وهو ينشأ عندما يعلم الإنسان أن الله ﷿ شديد العقاب ذو انتقام ﷾، وأنه ﷾ الكبير.\nوهكذا تنشأ كثير من الأعمال الموجودة في قلب الإنسان بناءً على هذه العقائد.\nأيضًا عقيدة الإيمان باليوم الآخر وبالقدر وبالملائكة كل هذه لها آثار سلوكية عظيمة جدًا في حياة الإنسان، فهذا نوع آخر من دراسة العقيدة، وهو مهم جدًا لطالب العلم أن يهتم به، وأن يستفيد منه.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>نبذة تعريفية بالعقيدة الواسطية</span>\nيمكن أن نتحدث عن العقيدة الواسطية في خمس نقاط:","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>تاريخ تأليف العقيدة الواسطية</span>\nأولًا: تاريخ تأليفها: كل الشراح الذين شرحوا هذه العقيدة لم يؤرخوا لتأليفها، وتاريخ تأليف هذه العقيدة هو في سنة ٦٩٨هـ.\nيدل على ذلك: أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عندما امتحن في رجب من سنة ٧٠٥هـ، وجاء مرسوم السلطان من مصر إلى نائب السلطنة في بلاد الشام، وجمع نائب السلطنة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ والقضاة والمفتين والعلماء المشهورين في بلاد الشام في تلك الفترة، وقال له: إن هذا المجلس عقد من أجل مسائلتك عن اعتقادك.\nأراد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بداية الأمر أن يملي لهم اعتقاده، فلما أملى عليهم شيئًا من اعتقاده توقف، وقال لهم: قد تقولون: إن الإنسان إذا أملى من حفظه أنه يداري ويداهن، لكنني سآتي لكم بعقيدة كتبتها قبل سبع سنين قبل دخول التتر لبلاد الشام، فجاء بالعقيدة الواسطية.\nوهكذا سماها شيخ الإسلام ﵀ العقيدة الواسطية، فقرئت عليهم.\nوستأتي الإشارة إلى ما حصل في هذه المجالس التي نوقش فيها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن هذه العقيدة.\nوهذا النص من كلام ابن تيمية ﵀ يدل على أن تاريخ تأليف هذه العقيدة كان في سنة ٦٩٨هـ، فإن تاريخ الامتحان له كان في ٧٠٥هـ، وإذا أخذت منها السبع سنين المذكورة تحصل لك أنه كتبها في سنة ٦٩٨هـ.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>سبب تأليف العقيدة الواسطية</span>\nثانيًا: سبب تأليفها: ذكر شيخ الإسلام ﵀ في حكايته للمناظرة التي حصلت بسبب العقيدة الواسطية: أنه جاءه قاضٍ من واسط، وواسط مدينة تقع بين الكوفة والبصرة في جنوب العراق -سميت واسطًا لتوسطها بين الكوفة والبصرة- جاء هذا القاضي حاجًا ومر ببلاد الشام، ووجد شيخ الإسلام ﵀، وطلب منه أن يكتب له عقيدة، وذكر له أن الناس اختلفوا في العقائد، فقال له: أريدك أن تكتب لي عقيدة أنقلها عنك، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بداية الأمر: إن الناس كتبوا عقائد كثيرة فارجع إليها، فألح عليه هذا القاضي، وسماه ابن تيمية ﵀ رضي الدين الواسطي، ونسبه إلى مذهب الشافعي ﵀، فكتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه العقيدة، وهذا السبب نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، فهو ليس مأخوذًا من كتب التاريخ، أو من توقعات بعض تلاميذه، وإنما هي مأخوذة من كلام شيخ الإسلام ﵀ نفسه.\nوقد عظمها شيخ الإسلام ابن تيمية كثيرًا عندما حكى المناظرة التي حصلت له مع أهل الكلام من الأشاعرة والماتريدية وغيرهم، وقال: إن هذه العقيدة جمعت أبوابًا كثيرة، وأن في كل كلمة منها خلافًا مع فرقة من الفرق، وهذا يدل على أنه كان يكتب هذه العقيدة بعناية تامة، وأنه كان في كل كلمة يعرف من يقصد وماذا يقصد، وما هو ميزانها، مع أنه كتبها رحمه الله تعالى في جلسة بعد صلاة العصر، وكان عمره في تلك الفترة ثلاثة وثلاثين سنة، يعني: كان في بداية نشأته العلمية، إلا أنه ﵀ كان عالمًا فحلًا عظيمًا أجيز بالإفتاء قبل العشرين.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>حكاية المناظرة بين شيخ الإسلام ومناوئيه فيما تضمنته العقيدة الواسطية</span>\nثالثًا: المناظرة: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عندما دعي بمرسوم السلطان الذي جاء إلى نائب السلطنة إلى هذا المجلس، واجتمع قضاة المذاهب الأربعة ومع المفتون وأيضًا عدد كبير من أهل العلم، وأملى عليهم شيخ الإسلام ﵀ في البداية شيئًا من هذه العقيدة، إلا أنه توقف وجاء بهذه العقيدة من منزله، وهم يعلمون أن الكلام الذي يقوله في حال السراء والضراء واحد، وأنه لا يتردد في ذلك، فجيء بهذه العقيدة ونوقش في ثلاث مجالس، كان المجلس الواحد يبتدئ من الضحى ولا ينتهي إلا في منتصف الليل، وكان قوي الحجة رحمه الله تعالى، ومن أراد أن يقف على هذه القصة فيمكن أن يراجع المجلد الثالث من مجموع الفتاوى في صفحة مائة وستين؛ فإنه ذكر مناقشة هؤلاء له بشكل مفصل، ومن ذلك.\nيقول بعد المقدمة: [أما بعد: فقد سئلت غير مرة أن أكتب ما حضرني ذكره مما جرى في المجالس الثلاثة المعقودة للمناظرة في أمر الاعتقاد، بمقتضى ما ورد به كتاب السلطان من الديار المصرية إلى نائبه أمير البلاد، لما سعى إليه قومه من الجهمية والاتحادية والرافضية وغيرهم من ذوي الأحقاد، فأمر الأمير بجمع قضاة المذاهب الأربعة وغيرهم من نوابهم والمفتين والمشائخ ممن له حرمة وبه اعتداد، وهم لا يدرون ما قصد بجمعهم في هذا الميعاد، وذلك في يوم الإثنين ثامن رجب المبارك عام خمس وسبعمائة، فقال لي: هذا المجلس عقد لك، فقد ورد مرسوم السلطان بأن أسألك عن اعتقادك وعما كتبت به إلى الديار المصرية من الكتب التي تدعو بها الناس إلى الاعتقاد، وأظنه قال: وأن أجمع القضاة والفقهاء وتتباحثون في ذلك، فقلت: أما الاعتقاد فلا يؤخذ عني، ولا عمن هو أكبر مني، بل يؤخذ عن الله، وعن رسوله ﷺ، وما أجمع عليه سلف الأمة].\nوفي هذا درس عظيم جدًا في منهج التعلم، وهو: أن الإنسان في بنائه لعقيدته ولدينه ينبغي أن يعرف أن المصدر الأساسي هو القرآن والسنة وإجماع السلف الأولون، وألا يكون مقلدًا في أمور العقائد، وأن يتفهم أحكام الشرع الواردة في القرآن والسنة.\nقال: [فما في القرآن وجب اعتقاده، وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة، مثل صحيح البخاري ومسلم إلى غير ذلك].\nثم يقول: [ثم قلت للأمير والحاضرين: أنا أعلم أن أقوامًا يكذبون علي كما قد كذبوا علي غير مرة].\nوصدق فإن شيخ الإسلام ﵀ كذب عليه كثيرًا، وأنتم تعلمون أن ابن بطوطة صاحب الرحلة المشهورة كذب عليه، فإنه قال: رأيت ابن تيمية في جامع دمشق -يعني: الجامع الأموي- يخطب في الناس، ويقول: إن الله تعالى ينزل من السماء إلى السماء الدنيا -ونزل من المنبر- كنزولي هذا، والعجيب أن ابن بطوطة دخل في تلك السنة التي كان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مسجونًا فيها، فهي كذبة صريحة واضحة، فقد كُذب عليه كثيرًا حتى أنهم قالوا عنه: إنه كاتب التتر، وأراد مصانعتهم، مع أنه له موقف عظيم جدًا من قازان يعرفه كثير من طلاب العلم الذين قرءوا ترجمته ﵀.\nبل إنه كان من صلاحه كما يذكر هو: أنه تحدث عن قضية الجن والشياطين والاعتقاد السخيف فيهم، ثم قال: إنه في بعض الأحيان قد يوجد من الجن الصالحين من يدعو الإنس إلى الله ﷿، وذكر قصة وهي: أن أحد أمراء الروم قاتل في معركة، ثم هزم فيها، فهام على وجهه أي: ضل الطريق، وبينما هو في أثناء الطريق إذ جاءه رجل وكان ذلك القائد يكاد أن يموت من الجوع والعطش، فدعاه إلى الله ﷿، فلما أسلم ونطق الشهادتين أعطاه شيئًا من الأكل والشرب، فلما قال له: من أنت؟ قال: أنا ابن تيمية، يقول: فجاء هذا الأمير وأخبر صاحب ماردين، وصاحب ماردين أخبر صاحب مصر، وكان ابن تيمية ﵀ في تلك الفترة مسجونًا في سجن الجب في مصر، يقول: فتعجبوا كيف حصل هذا! فقلت: هذا أحد الجن الصالحين كان ينظر إلى طريقتنا في دعوة التتار، وهي: أننا ندعوهم إلى الله ﷿، فإذا أسلموا أعطيناهم من الأكل والشرب ما نستطيعه، فأعجب بطرقتنا فعملها لهذا الرجل، فقال له بعض أصحابه ممن كان معهم في السجن: لعله ملك، قال: لا، فإن الملك لا يكذب، الشاهد: هو أن هذا الرجل الصالح لما ظهر ذكره، وانتشر خبره، وعرفت منزلته كثر حساده، وكثر أعداؤه.\nوإذا الفتى بلغ السماء بمجده جاءت كأعداد النجوم عداه فأصبحوا يكذبون عليه، وقد يكتبون الرسائل في بعض الأحيان باسمه وهي كذب، كما قال ﵀: [كما قد كذبوا علي غير مرة].\nقال: [وإن أمليت الاعتقاد من حفظي ربما يقولون: كتم بعضه، أو داهن ودارى، فأنا أحضر عقيدة من نحو سبع سنين قبل مجيء التتر إلى الشام] إلى آخر كلامه معهم ﵀، وذكر بعض الاعتراضات التي اعترضوا بها على هذه العقيدة بسبب منطلقاتهم العقدية غير الصحيحة، فهو عندما ذم منهج التأويل، قالوا: كيف تذمه، معنى هذا أنك تكفر المتكلمين من أصحابنا، فر","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>أبواب العقيدة الواسطية</span>\nرابعًا: أبواب هذه العقيدة: اشتملت هذه العقيدة على مجموعة من الأبواب، منها: الصفات، ووسطية أهل السنة، واليوم الآخر، والقدر، والإيمان، والصحابة وأهل البيت، وكرامات الأولياء، وطريقة أهل السنة في السلوك والعمل، فهذه العقيدة ليست خاصة بالصفات كما يظن بعض طلاب العلم، فإن بعض طلاب العلم عندما يبدأ بدراسة هذه العقيدة فإن أول باب يواجهه هو باب الصفات، ويظن أن هذا الكتاب خاص بالصفات، وهو ليس خاصًا بالصفات، فأنتم تلاحظون أنه اشتمل على ثمانية أبواب من أبواب العقيدة، لهذا يعتبر هذا المختصر على صغر حجمه من أهم كتب العقيدة الشاملة والمركزة في هذه الأبواب.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>شروح العقيدة الواسطية</span>\nخامسًا: شروحها: هذه العقيدة لم تشرح إلا في القرن الرابع عشر وما بعده، وممن شرح هذه العقيدة الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع ﵀، فقد كتب شرحًا مختصرًا على هذه العقيدة، وكذلك شرحها الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في كتاب سماه: (التعليقات اللطيفة على ما احتوته العقيدة الواسطية)، وممن شرح هذا الكتاب أيضًا زيد بن فياض ﵀، شرحها بكتاب سماه: (الروضة الندية في شرح العقيدة الواسطية)، وكذلك ممن شرحها الشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد ﵀، المتوفى عام ألف وأربعمائة وثمانية، شرحها بكتاب سماه: (التنبيهات السنية في شرح العقيدة الواسطية)، وكذلك ممن شرحها الشيخ عبد العزيز السلمان، شرحها في كتاب سماه: (الكواشف الجلية في شرح العقيدة الواسطية)، واختصره في كتابه: الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية، وممن شرحها أيضًا الشيخ محمد بن عثيمين حفظه الله تعالى في شرحه الكبير للعقيدة الواسطية في مجلدين، وكذلك من التعليقات على هذه العقيدة هذا التعليق واسمه: (التعليقات المفيدة على العقيدة الواسطية) لأحد المحققين، اسمه عبد الله بن عبد الرحمن الشريف.\nهذه بعض الشروح لهذه الرسالة المختصرة.\nوالشروح لأي كتاب من الكتب نوعان: النوع الأول: شروح تحليلة، والمقصود بها شروح تفصيلية لألفاظ الكتاب ولمسائله، وقد يكون فيها كثير من الاستطرادات، ويمثل هذه الشروح في شروح العقيدة الواسطية كتاب الشيخ ابن عثيمين حفظه الله، وكتاب: (الروضة الندية)، (والتنبيهات السنية)، (والكواشف الجلية)، فكل هذه من الشروحات المبسوطة التي أطالوا فيها، وقد يكون هناك استطرادات ضمن هذه الشروح.\nالنوع الثاني: الشروح التي تهتم بالقواعد الأساسية في كل باب من هذه الأبواب، ويمثل هذا النوع من شروح العقيدة الواسطية شرح الشيخ السعدي ﵀، فإنه لم يكن شرحًا تفصيلًا، فالآيات التي أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة آيات كثيرة جدًا بعضها محل الشاهد منه جزء من الآية، فالذي يعتمد الشرح التحليلي يستطرد في أجزاء أخرى من الآيات لا علاقة لها بموضوعات العقيدة، بينما الشيخ السعدي ﵀ ساق آيات العقيدة بأكملها، فلما انتهى منها قال: هذه الآيات تشتمل على أصول لأهل السنة والجماعة في باب الصفات، يمكن أن أجملها فيما يلي: الأصل الأول، الأصل الثاني، الأصل الثالث، ثم جمع الأصول جميعًا، وهذا نوع من أنواع الشروح يكون المقصود منه التقعيد لهذه الأبواب دون التفصيل والتحليل للألفاظ، فالطريقة التي سنعتمدها -بإذن الله- هو التوسط وعدم الاستغراق في الكلام في الألفاظ، وإنما يكون التركيز في شرحنا -بإذن الله تعالى- حول القواعد الأساسية من كل باب، مع الاهتمام بالأدلة، ووجه الاستدلال، وآراء الفرق الضالة، والرد عليها.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>أصول الإيمان وأركانه عند أهل السنة والجماعة</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا، أما بعد: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره].","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>مأخذ وصف أهل السنة والجماعة بالفرقة الناجية المنصورة</span>\nيقول شيخ الإسلام ﵀: (فهذا اعتقاد الفرقة الناجية)، الوصف بالناجية مأخوذ من حديث النبي ﷺ: (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، فلما سئل عنها النبي ﷺ قال: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).\nوالنجاة في هذا الحديث نوعان: نجاة من التفرق والاختلاف، ونجاة من النار التي ورد الوعيد في الحديث عنها.\nوأما المنصورة فهذا الوصف مأخوذ من حديث آخر، وهو قول النبي ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين)، وفي لفظ: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).\nومعنى النصر: أنهم أصحاب ظهور وبيان وقوة في الحجة، وفي بعض الأحيان قد يكون قوة بالسيف.\nفقد قال الشيخ عبد الرحمن أبا بطين في شرحه لهذا الحديث: ظاهرين بالحجة دائمًا، وبالسيف أحيانًا، وكذلك النصر؛ فإن النصر قد يكون نصرًا بالحجة، وقد يكون في بعض الأحيان نصرًا بالقوة، فأما النصر بالحجة فمعناه: أن أهل السنة والجماعة هم أقوى الناس حجة، وهم أقوى الناس استدلالًا، وقد تكون لهم في بعض الأحيان دولة وجهادًا وقوة وشوكة، وقد لا تكون لهم في بعض الأحيان هذه القوة المادية، أما الحجة فهي دائمة، وهم منصورون دائمًا بالحجة والبيان والظهور، ومصدر استمداد أهل السنة والجماعة لهذا النصر مأخوذ من قوة المنهج نفسه.\nفإن المنهج الذي اعتمده أهل السنة والجماعة هو منهج القرآن والسنة، وما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهو منهج قوي في الحجة والبيان والوضوح يقتنع به كل من أراد الحق، وذلك أن الصوارف التي تصرف الإنسان عن الحق نوعان: الجهل: وهو قلة العلم، والهوى: وهو اتباع الشهوة مع العلم، فإذا كان الإنسان جاهلًا ليس عنده علم؛ فإن في منهج أهل السنة -هذا المنهج القوي- ما يكفيه للاقتناع والاهتداء والاستفادة، أما إذا كان الإنسان الذي صرفه عن الحق هو الهوى فمثل هذا لا يمكن أن يقتنع، وعلاجه يكون بالسيف وبالتأديب والسلطان.\nيقول: (فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة)، هناك حديث يورده بعض الشراح، وهو أن النبي ﷺ يقول: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة)، جاء في بعض الروايات: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك) فقوله: (حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك) يشكل عليه حديث النبي ﷺ: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله)، فهذا اللفظ فيه: (لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك)، والحديث الآخر: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله) وهذا الحديث رواه مسلم، واللفظة الأولى لفظة صحيحة ثابتة.\nوالجمع بينها أن يقال: إن هذه الطائفة تكون قائمة بأمر الله ﷿ إلى قبيل الساعة، فتأتي ريح طيبة وتأخذ أرواحهم، ولا يبقى إلا شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة، ويدل على هذا ما رواه الحاكم في مستدركه وصححه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر أهل الجاهلية، فقال عقبة لـ عبد الله بن عمر: اعلم ما تقول؟ -يعني: كأنه استغرب هذا القول منه- أما أنا فسمعت النبي ﷺ يقول: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك)، فقال عبد الله: يبعث الله ريحًا ريحها ريح المسك، مسها مس الحرير؛ فلا تترك أحدًا في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة.\nوهذا ورد مرفوعًا عن النبي ﷺ، وبهذا يزول الإشكال الذي ذكره بعض الشراح.\nأما قوله: (أهل السنة والجماعة) فالوصف بالسنة هو لاتباعهم للسنة.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>مأخذ تخصيص أهل السنة في الوصف بالإضافة إلى السنة دون القرآن</span>\nوهنا يرد\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لماذا لم يقل: أهل القرآن، ولماذا خص السنة؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أنهم سموا بأهل السنة؛ لأنهم يتميزون بالاستدلال بالسنة، فالقرآن -كما قال علي بن أبي طالب ﵁-: فإنه حمال وجوه، ولهذا تجد بعض الطوائف قد يستدل بالقرآن ويغير الاستدلال لمصلحته، لكن دلائل السنة أصرح في المراد، ولهذا لما ذهب ابن عباس ﵁ لمناقشة الخوارج قال له علي بن أبي طالب ﵁ في وصيته المشهورة: إذا جئتهم فلا تستدل عليهم بالقرآن بل استدل بالسنة؛ فإن القرآن حمال وجوه، ومعنى هذا: أن القرآن جاء بالقواعد العامة، وتفصيلاتها موجودة في السنة النبوية، ولهذا جاء الأمر الأكيد في أكثر من تسعين آية في القرآن الكريم باتباع السنة، والاهتمام بأقوال النبي ﷺ وأفعاله ونحو ذلك.\nولهذا يلاحظ أن الذين يتميزون باتباع السنة، وبالاهتمام بالحديث وبتطبيقه هم أهل السنة، ولهذا جاء في بعض كلام أهل العلم، عندما قال النبي ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق)، قال الإمام أحمد ﵀: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري منهم؟! وقال أبو عبد الله البخاري: هم أهل العلم يعني: المشتغلين بالسنة والحديث.\nوأما قوله: (والجماعة)، فالإضافة إلى الجماعة لها دلالات عظيمة جدًا، منها: الاهتمام بالألفة والبعد عن التفرق وأسبابها الموصلة إليها، ومنها: حجية الإجماع، ومنها: أن الجماعة هي الحق، ولو كان الإنسان وحده، فلتعظيم الحق سمي جماعة، ولو كان واحدًا، ولهذا قال ابن مسعود ﵁: (الجماعة هي الحق وإن كنت وحدك).\nثم قال شيخ الإسلام: (وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره)، وهذه هي أصول الإيمان الواردة في حديث جبريل ﵇ الطويل.\nثم بعد أن ذكر هذا العموم خصصه بالكلام عن الإيمان وبالذات في الصفات.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>معتقد أهل السنة والجماعة في الصفات</span>\nقال: [ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل].\nهذه الفقرة من العقيدة الواسطية ليست من اختراع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وإنما هي من كلام السلف السابقين، فمثلًا الإمام أحمد ﵀ يقول: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث، ويقول حماد ﵀وهو من مشايخ البخاري -: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن نفى ما أثبته الله لنفسه فقد كفر.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>أنواع الصفات وأقسامها عند أهل السنة</span>\nقوله: (ومن الإيمان بالله؛ الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله ﷺ).\nهذا يدعونا إلى الحديث عن أنواع الصفات، فإن الصفات قسمها أهل العلم إلى أقسام، وهي ثلاثة أقسام بثلاث اعتبارات: قسموها باعتبار الدليل إلى صفات شرعية وصفات عقلية، ومعنى هذا: أن الصفات باعتبار نوع الدليل الذي يدل عليها قد يدل عليها العقل استقلالًا، وقد لا يدل عليها العقل استقلالًا، وإنما يدل عليها الشرع، وسيأتي معنا الحديث عن منزلة الاستدلال على العقيدة، فمن الصفات العقلية: صفة الحياة؛ فإن أي عاقل يعلم أن الإله لا بد أن يكون حيًا؛ لأنه لا يتصور إله معبود وهو ميت، وكذلك العلم والقدرة؛ فإنه لا يتصور أن يكون إله جاهل أو عاجز، وهذا بالبداهة يعرفه أول ما تعرض عليه، وهو ما يسميه العلماء، الضرورة العقلية.\nوهناك من الصفات ما لا يدل العقل عليها استقلالًا مثل صفة الوجه لله ﷿، وصفة اليدين، والنزول ونحو ذلك من الصفات، فهذه الصفات لو لم ترد النصوص الشرعية بالتنبيه عليها لما عرفناها، ولهذا سميت شرعية.\nالنوع الثاني من أنواع الصفات هو: باعتبار تعلقها بالمشيئة فإن الصفات باعتبار تعلقها بالمشيئة نوعان: صفات ذاتية وصفات فعلية، أما الصفات الذاتية فهي التي لا تنفك عن الله ﷿ بأي وجه من الوجوه، وهي الصفات الدائمة التي لا تعلق لها بالإرادة والمشيئة، مثل: صفة العلم والحياة واليدين والعينين ونحو ذلك من الصفات.\nوأما الصفات الفعلية فهي: الصفات المتعلقة بمشيئة الله ﷿، إن شاء فعلها وإن شاء تركها، مثل: صفة النزول والاستواء والمجيء والإتيان والخلق، ونحو ذلك من الصفات.\nوالصفات الفعلية يسميها العلماء الصفات الاختيارية، وكلاهما بمعنى واحد، وهي تنقسم إلى قسمين: صفات فعلية متعدية، وصفات فعلية لازمة، فالصفات الفعلية المتعدية هي: التي يكون لها آثار مباشرة على الخلق، مثل: صفة الخلق والتدبير والإحياء والإماتة ونحو ذلك.\nوالنوع الثاني: صفات فعلية لازمة: مثل صفة النزول، فهذه ليس لها آثار على العباد، وقد ذكر هذا التقسيم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في المجلد الثاني من كتاب: درء تعرض العقل والنقل، وهذا المجلد كله خاص بالصفات الاختيارية، فقد أورد آيات كثيرة جدًا، وبين وجه الاستدلال منها على هذه الصفات، وأحاديث وآثار عن الصحابة التابعين، ونقل نصوصًا كثيرة جدًا لعلماء أهل السنة -من كتب بعضها مفقود- تدل على هذا الأمر، وقد اهتم بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لقوة الخلاف بين أهل السنة والأشاعرة الذين ورثوا الانحراف في هذا الباب عن الكلابية.\nالنوع الثالث من الصفات: باعتبار النفي والإثبات؛ فإن الصفات باعتبار النفي والإثبات تنقسم إلى قسمين: صفات ثبوتية وصفات منفية، فمعنى فالصفات الثبوتية مثل إثبات الله ﷿ لنفسه العلم والحياة والقدرة ونحو ذلك، والصفات المنفية هي ما نفاها الله ﷿ عن نفسه مثل: نفي الند والمثيل والسِنة والعجز، ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥].","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>معنى إثبات الصفات من غير تحريف ولا تعطيل</span>\nأما قوله: (من غير تحريف) فالتحريف هو تغيير المعنى أو اللفظ، والتحريف ينقسم إلى قسمين، فأما تغيير اللفظ فلا يعرف له مثال واضح وإن كان بعض أهل البدع تمناه، فهذا عمرو بن عبيد يقول: وددت لو أني حككت قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وكتبت: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم:٤]، يعني: وددت لو أني حككتها من المصاحف، وجاء رجل إلى القارئ المشهور أبي عمرو بن العلاء وقال له: اقرأ: (وكلم اللهَ موسى تكليمًا)، حتى ينسب صفة التكليم والكلام إلى موسى ولا ينسبها إلى الله ﷿، والآية هي: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، فقال: هب أنني قرأت ما أردت، فماذا تصنع في قول الله ﷿: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] وهذا نص صريح، يعني: لو أني غيرت لك ما تريد وذاع وانتشر على أنها قراءة، فكيف تعمل بالنص الثاني؟ فخصم ذلك الخبيث.\nوأما النوع الثاني وهو المشهور والكثير فهو: تحريف المعنى، أي: تغيير دلالته، فمثلًا قول الله ﷿: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] غيرت اليد هنا بمعنى النعمة، أو كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، أو تأويل وتحريف قوله ﵊: (ينزل ربنا)، قالوا: ينزل أمره، فهذا التغيير للمعاني هو التحريف، وهذا هو الذي يسميه أهل البدع والضلالة التأويل تلطيفًا للعمل الذي عملوه، وإضفاءً للشرعية عليه.\nكما أن هؤلاء استشكلوا قوله: (من غير تحريف ولا تعطيل)، عندما ناظرهم شيخ الإسلام قالوا: ماذا تقصد بالتحريف والتعطيل؟ قال: أنا اعتنيت في هذه الرسالة بأن أستخدم الألفاظ الشرعية، فقوله من غير تحريف يدل عليه قول الله ﷿: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:٤١]، بمعنى: يغيرون معناه، وهم يغيرون معناه ودلالته، بحيث إن كلمة تصرف عن معناها الحقيقي.\nقوله: (ولا تعطيل)، التعطيل هو: التخلية والترك، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج:٤٥] يعني: خالية من الماء، أو معطلة من الرعاة الذين يأتونها، بمعنى: متروكة، فمعنى قوله: (ولا تعطيل) يعني: من دون تفريغ لمعناها ومحتواها، فإن أهل البدع فرغوها من معناها الصحيح، فهو يقصد بقوله: (من غير تحريف): أهل الكلام الذين أولوا الصفات، ويقصد بقوله: (ولا تعطيل): أهل التأويل الذين عطلوا الصفة عن معناها، وإن كانوا لم يثبتوا معنى آخر لها، وذلك أن أهل البدع أول ما يبدءون في الكلام في آيات الصفات يعطلونها من معناها الحقيقي، فيقولون: الله ﷿ ليس له صفة اليدين والعينين ونحو ذلك، وهذا يسمى تعطيلًا.\nكما ينقسموا إلى طائفتين: طائفة تسكت، وسموا أنفسهم المفوضة، أي: مفوضة أمرها إلى الله ﷿.\nوطائفة ثانية تؤول، يعني: أن تأتي بمعنى للآية غير المعنى الحقيقي، والأشاعرة والماتريدية يعتقدون أن السلف على مذهب التفويض، الذي هو تخلية النص الشرعي من معناه الحقيقي، ثم يقولون: إن السلف تركوا الآية بدون تفسير لها، فيقولون: منهج السلف أسلم، يعني: من الخطأ؛ لأنهم قد يأتون بمعنى فيكون خطأ، ويقولون: ومنهج الخلف -الذين هم متأخري أهل الكلام- أعلم وأحكم؛ لأنهم يأتون بالمعنى الشرعي الصحيح فيما يظنوه ويعتقدوه، وسيأتي الحديث عن هؤلاء بشكل مفصل.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>معنى إثبات الصفات من غير تكييف ولا تمثيل</span>\nقال: [من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل].\nالتكييف هو حكاية كيفية معينة للصفة، ولا شك أن صفات الله ﷿ لها كيفية في ذاتها لكن لا نعلمها نحن، فالله ﷿ لم يخبرنا بكيفية صفاته فهي من الغيب الذي لا نعلمه، لكن نعلم معانيها وما تدل عليه.\nوالفائدة من بيان الله ﷿ لنا لهذه الصفات من جهة المعاني وجعل كيفياتها غيبًا هو: أن معانيها عندما ندركها نستفيد منها سلوكًا وآدابًا وأعمالًا نستثمرها في التعبد لله ﷿.\nوأما إدراك الكيفية فإن العقل لا يمكن أن يدركه الآن؛ لأن العقل لا يدرك الشيء إلا برؤيته، أو برؤية نظيره، أو بخبر الصادق عنه، ونحن لم نر الله ﷿ بأعيننا في الدنيا، وكذلك لم نر شبيهًا له، وهو ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وكذلك لم يخبرنا الصادق عن كيفية محددة لها، ولهذا لما جاء الرجل إلى الإمام مالك ﵀، وقال: يقول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ فقال الإمام مالك قاعدة، وهذا من بركة علوم السلف؛ فإن السلف ﵏ كما يقول ابن القيم ﵀: كان كلامهم قليل لكنه كثير البركة، وكلام الخلف كثير لكنه قليل البركة، فهذا الإمام مالك ﵀ عندما قال له الرجل ذلك قال: الاستواء معلوم.\nيعني: في اللغة، وفي لفظ آخر: الاستواء غير مجهول.\nيعني: معلوم من ناحية دلالته.\nوالكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.\nوصفات الله ﷿ لها كيف في الحقيقة، لكننا لا ندرك كيفياتها؛ لأننا لم نرها، ولم نر مثيلًا لها، ولم يخبرنا الصادق -وهو رسول الله ﷺ- عن مثيل لها.\nوالتمثيل هو: حكاية مثل معين، وشيخ الإسلام ﵀ في هذه العقيدة كان دقيقًا، فهذه العقيدة محررة حتى في الألفاظ، كما تلاحظون: تمثيل دون تشبيه، وقال: ولا تكييف ولا تمثيل؛ لأن استخدام كلمة تشبيه خطأ؛ إذ لا بد أن يوجد بين أي شيئين مشابهة ولو في الألفاظ، وهذا ما سيأتي معنا إن شاء الله الحديث عنه في الكلام على القدر المشترك بين صفات الله ﷿ وصفات خلقه.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>إجمال عقيدة أهل السنة في صفات الله ﷾</span>\nيقول: [بل يؤمنون بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع والبصير].\nقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] دليل على الصفات المنفية، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] دليل على الصفات الثبوتية، وسيأتي شرح هذه الآية في كلامه ﵀.\nقال: [فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه].\nيقصد ﵀: المعطلة والجهمية بالذات بكل درجاتهم، والذين نفوا صفات الله ﷾.\nقال: [ولا يلحدون في أسماء الله وآياته].\nأما الإلحاد فمعناه: الميل عن الحق، والإلحاد في أسماء الله ﷿، يقول الله ﷿ عنه: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠]، وأما في آياته فقد دل القرآن عليها كذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠].\nوقد ذكر أهل العلم في الإلحاد في آيات الله ﷿ أنواعًا، وممن ذكر ذلك ابن القيم ﵀ في كتابه (بدائع الفوائد)، فقد ذكر قواعد ممتازة جدًا في الأسماء والصفات، وأكثر من ذكر قواعد الأسماء استقى منه وأخذ، فيقول: إن الإلحاد في أسماء الله ﷿ أنواع منها: تسمية الله ﷿ بما لم يسم به نفسه، مثل: تسمية الفلاسفة له: علة غائية، أو علة فاعلة، وكتسمية النصارى له أبًا.\nومن الإلحاد: نفي أسماء الله ﷿ كما هي عقيدة الجهمية، فإن الجهمية قالوا: لا اسم له ولا صفة.\nومن الإلحاد: نفي ما دلت عليه الأسماء من الصفات، وهذا هو مذهب المعتزلة.\nومن الإلحاد: نفي بعض صفات الله ﷿، وهذا هو مذهب الأشاعرة.\nومن الإلحاد: إثبات أن صفات الله ﷿ كصفات خلقه.\nهذه خمسة أنواع من أنواع الإلحاد في أسماء الله ﷿ يمكن أن تراجع في كتاب ابن القيم ﵀ وغيرها من شروط هذه العقيدة.\nقال: [ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه].\nهذا فيه رد على الممثلة والمشبهة، وهم نوعان: من يشبه المخلوق بالخالق، مثل من يقول: فلان مثل الله ﷿، أو من يشبه الخالق بالمخلوق، فأما الذين يشبهون المخلوق بالخالق فهم غلاة الصوفية الذين رفعوا أولياءهم إلى درجة الألوهية، وأما النوع الثاني، وهو تشبيه الخالق بالمخلوق، فهو عقيدة المشبهة من الرافضة وغيرهم، والتشبيه أصلًا جاء من اليهود، ثم انتقل إلى الرافضة، ثم جاء عند الكرامية، ثم انقرض بعد الكرامية.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>تنزه الله تعالى عن السمي والكفء والند</span>\nقال: [لأنه سبحانه لا سمي له].\nودليل هذه الفقرة: قول الله ﷿: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وهذا استفهام إنكاري تضمن النفي.\nوقد ذكر الشيخ محمد بن عثيمين فائدة جليلة في الاستفهام الإنكاري المتضمن للنفي، حيث قال: إنه يتضمن كذلك التحدي، فإن أي استفهام إنكاري يزيد على النفي التحدي، فيصبح معنى الآية: لا يوجد سمي له، أو: أتحدى أن يوجد سمي له.\nوهو لا يوجد.\nقال: [ولا كفء له].\nدليل هذه الفقرة: قول الله ﷾: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤].\nقال: [ولا ند له].\nدليلها: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢].","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>أسماء الله ﷿ وصفاته توقيفية</span>\nقال: [ولا يقاس بخلقه ﷾].\nوهذا يدعونا إلى الحديث عن أسماء الله ﷿ وصفاته، هل هي توقيفية أم أنها اجتهادية؟ أسماء الله ﷿ وصفاته توقيفية لا مجال للاجتهاد فيها، فما دلت عليه النصوص من أسمائه ﷾ آمنا به، وما دلت عليه أيضًا من صفاته آمنا به، وما لم تدل عليه فإنه لا يثبت ولا ينفى إلا إذا كان يتضمن معنىً باطلًا فإنه حينئذٍ يرد، وأما الألفاظ التي تشتمل على معانٍ من الحق ومن الباطل فلا بد أن يستفصل فيها.\nإذًا القاعدة: أن أسماء الله ﷿ توقيفية، وكذلك صفات الله ﷿ توقيفية.\nوأما الإخبار عن الله ﷿ بالمعنى الصحيح فإنه جائز لا شيء فيه، ومن هنا جاء جواز ترجمة معاني صفات الله ﷿ بلغات أخرى، فإنه عندما يوجد مسلم حديث عهد بإسلام مثلًا لا يعرف اللغة العربية، ونريد أن نخبره عن الله ﷿ فيجوز أن تترجم له معانيها، ولا يعني هذا أن الكلمات الانجليزية أو أي لغة أخرى هي في لفظها صفات لله ﷿، وإنما معناها صحيح وثابت عن الله ﷿، وحينئذٍ يجوز الإخبار عن الله ﷿ بكل معنىً صحيح.\nفما ننسبه إلى الله ﷿ ثلاثة أشياء: الأسماء والصفات -وهذه توقيفية- والإخبار عن الله ﷿ إذا كان بمعنىً صحيح فلا شيء فيه.\nأما الألفاظ المحدثة الجديدة مثل الجهة والجسم، مثلًا لو قال لك إنسان: هل الله ﷿ له جسم، تقول: كلمة جسم هذه لم يرد في القرآن ولا في السنة إثباتها، ولم يرد فيهما نفي هذه اللفظة، فماذا يُقصد بجسم؟ فإن كان يقصد به البدن كما هو في اللغة العربية، وما نعرفه من الأبدان، فإن هذا معنى باطل ننفيه عن الله ﷿؛ لأنه ليس كمثله شيء، وإن كنت تقصد به اصطلاحًا خاصًا لكل موصوف؛ فإن الله ﷿ موصوف بصفة.\nونحن نقول: إن هذا الاستعمال من حيث اللفظ بدعة؛ لأنه لم يرد في القرآن ولا السنة، وفي بعض الأحيان قد يمتحن بعض أهل البدع أهل السنة والجماعة بألفاظ يستخدمونها يقولون لهم: هل تثبتونها أو تنفونها؟ فمثل هذه الألفاظ من حيث الاستعمال بدعة، ومن حيث المعنى لا يصح نفيها؛ لأنك إذا نفيتها قد تنفي شيئًا من الحق، ولا يصح إثباتها؛ لأنك إذا أثبتها قد تثبت شيئًا من الباطل لكن نستفصل فيها.\nمثل قول بعضهم: هل الله ﷿ في جهة؟ نقول: ماذا تعني بجهة؟ إن كنت تعني جهة العلو؛ فإن الله في العلو، وإن كنت تعني أنه محصور بمكان، فالله ﷿ غير محصور ﷾، وحينئذ يستطيع الإنسان أن يثبت المعنى الصحيح وينفي المعنى الباطل.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>أنواع القياس وما يصح منه في حق الله تعالى وما لا يصح</span>\nقال: [ولا يقاس بخلقه ﷾].\nوالقياس ثلاثة أنواع كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض: قياس الشمول، وقياس التمثيل، وقياس الأولى.\nفأما قياس الشمول فمعناه: اللفظ الذي يشتمل فيه عدة معانٍ، فمثلًا: الحي: يشمل الإنسان والحيوان والنبات، والله ﷿ حي فهل يقاس بهذه الطريقة؟ نقول: لا.\nقياس الشمول الذي تستوي فيه الأفراد لا يصح؛ لأن هذا فيه تمثيل لله ﷿ بخلقه.\nوأما قياس التمثيل فهو: قياس الفرع على أصل، وهو القياس الفقهي المشهور، وهذا لا يصح استخدامه في صفات الله ﷾ بأي وجه من الوجوه؛ لأن الله ﷿ لا يقاس بأحد من خلقه.\nوأما قياس الأولى فمعناه: إذا وصف المخلوق بصفة كمال فإن الله ﷿ أولى بها، ودليل هذا القياس هو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، فما وصف به المخلوق من الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالله ﷿ أولى به.\nوفي بعض الأحيان قد يكون هناك كمال بالنسبة للمخلوق لكن لا يكون كمالًا بالنسبة للخالق، مثل الزواج، هذا كمال بالنسبة للمخلوق، لكنه غير كمال بالنسبة للخالق، ولهذا جاء القيد في قولنا: لا نقص فيه بوجه من الوجوه.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>الأسئلة</span>","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>توجيه بشأن دراسة قطر الندى لغير المتمكن في النحو</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يحسن بمن لم يدرس في النحو غير المنهج الدراسي أن يحضر درس قطر الندى؟ وهل من السهل أن يفهم هذا الكتاب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يمكن له أن يحضر هذا الدرس، وأن يجرب نفسه؛ فإذا شعر أنه استفاد وأن عنده القدرة على التفهم يستمر، وإذا شعر أنه لا يستطيع يتركه.\nمستوى متن قطر الندى هو بعد الآجرومية، يعني بعدما يدرس الإنسان الآجرومية يدرس قطر الندى، ونحن سنشرح المتن وليس شرحًا للشرح.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>اشتقاق لفظ الجلالة وحكم إطلاق لفظ القديم على الله تعالى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قال بعض العلماء في لفظ الجلالة (الله): إنه اسم جامد غير مشتق؛ لأن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها، واسمه تعالى قديم لا مادة له، كيف يكون الرد على هؤلاء، حيث إن الله تعالى هو الأول وأن أسماءه توقيفية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لفظ الجلالة الذين قالوا: إنه مشتق، لا يقصدون أن الإله نفسه مشتق، وإنما يقصدون أن نفس اللفظة مشتقة.\nوأما قول السائل: واسمه تعالى قديم.\nفهذا لم يرد عن السلف الصالح رضوان الله عليهم أنهم كانوا يقولون: إن أسماء الله ﷿ قديمة؛ لأن أسماء الله ﷿ غير مخلوقة.\nهذا المعروف في كلام أهل العلم، وأما لفظ القدم فإنه غير معروف، وأسماء الله ﷿ مأخوذة من القرآن الكريم، والقرآن الكريم نفسه غير مخلوق، وذكر شيخ الإسلام ﵀: أنه لا يصح أن يقال: إنه قديم؛ لأن صفة الكلام لله ﷿ صفة فعلية ليست صفة ذاتية، وإنما هي صفة فعلية قد تكون حادثة الآحاد، وإن كانت قديمة النوع، كما ذكر شيخ الإسلام ذلك في أكثر من موطن.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>حكم استخدام قياس الشمول في صفات الله تعالى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل قياس الشمول يجوز؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز قياس الشمول؛ لأن قياس الشمول هو القياس الذي تستوي فيه الأفراد، فإذا قاس الإنسان قياس الشمول -وهو القياس المنطقي- فإنه حينئذٍ يسوي بين الله ﷿ وبين بقية خلقه، وهذا منفي عن الله ﷿ بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>العقيدة الواسطية [٢]</span>\nيتعلق بباب الأسماء والصفات مسائل مهمة، ومن جملتها أن مصدر تلقيها منحصر في القرآن الكريم والسنة النبوية، ومن ذلك سورة الإخلاص التي تضمنت صفة الوحدانية وصفة الصمدية وغيرهما، وأن توحيد الأسماء والصفات مبني على قاعدتي النفي والإثبات للدلالة على الانفراد والاختصاص، وأن للصفات طرقًا ومسالك تؤخذ بها من نصوص الشرع، وغير ذلك من مسائل هذا الباب العظيم.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>القرآن والسنة مصدر تلقي العقيدة عند أهل السنة والجماعة</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.\nأما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإنه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا من خلقه.\nثم رسله صادقون مصدقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢]، فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون؛ فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين].\nشرع المصنف رحمه الله تعالى في بيان المصدر الذي تؤخذ منه العقائد، فقال: (فإنه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا من خلقه).\nوهذا هو المصدر الأول وهو القرآن الكريم، ثم قال: (ثم رسله صادقون مصدقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون).\nوهذا هو المصدر الثاني، وهو كلام النبي ﷺ، فالمصدر إذًا في العقائد يكون بالقرآن والسنة، ويكون بما دل عليه القرآن أنه مصدر مثل الإجماع؛ فإن الإجماع مصدر من مصادر التشريع لدلالة القرآن الكريم عليه، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، فقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥] المقصود به الإجماع، وكل الآيات الواردة في الأمر بالجماعة والائتلاف، والنهي عن التفرق والاختلاف يؤخذ منها حجية الإجماع، والإجماع حجة معتبرة، وحجيته مأخوذة من القرآن الكريم.\nإذًا: القرآن الكريم والسنة النبوية هما المصدران الأساسيان في تلقي العقائد، ولا يصح أن تتلقى العقائد من غير القرآن والسنة، وذلك أن العقائد تشتمل على جزء كبير من الغيبيات، والغيب محجوب عنا لا نستطيع أن نعرفه بالقياس، ولا بأي مصدر من المصادر إلا بخبر الصادق، وخبر الصادق المراد به هنا هو كلامه ﷾، وكلام النبي ﷺ؛ فمن اتخذ مصدرًا للعقائد غير هذين المصدرين فقد ضل وانحرف.","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>مخالفة الفرق المنحرفة لأهل السنة في مصدر تلقي العقيدة</span>\nولهذا نجد أن الطوائف والفرق الضالة كان من أعظم الأسباب التي جعلتها تخالف الصراط المستقيم، والمنهج القويم، هو مخالفة أهل السنة في المصدر، فنجد مثلًا: أن أهل الكلام يعتقدون أن العقل مصدرًا من مصادر تلقي العقيدة، ونجد أن الصوفية يعتبرون الكشف مصدرًا من مصادر تلقي العقيدة، ونجد أن بعض المقلدين يعتبرون أئمتهم مصدرًا لتلقي العقائد، وكل هذه المصادر باطلة، وإنما المصدر الذي تؤخذ منه العقائد هو القرآن والسنة، ولهذا وقعت كثير من الفرق الضالة في الانحراف بهذا السبب.\nنجد أيضًا أن المعتزلة والأشاعرة عندما أرادوا تقرير العقائد جعلوا المصدر الأساسي في تقريرها العقل، فما لا يدل العقل عليه لا يقبلونه، وبدأوا في ذلك من أساسيات الاعتقاد وهو وجود الله ﷿، حيث أنهم خاصموا أصحاب الأديان الأخرى -لا سيما الملاحدة- فوجدوا أن الملاحدة لا يعترفون بالنصوص، لذا فهم عندما يناقشونهم لا يقولون لهم: قال الله قال رسول الله؛ لأنهم أصلًا لا يؤمنون بالله من حيث المبدأ، ولا يؤمنون بالرسول ﷺ، فأرادوا مناقشة هؤلاء الملاحدة بنفس المنهج الذي ارتضوه وهو المنهج العقلي، فلما ناقشوهم به عظموا العقل تعظيمًا كبيرًا، فأصبحوا يفرضون على كل مسلم الاستدلال العقلي، ولهذا تجدون في كتب الأشاعرة أن من أوليات العقائد التي يبدأون بها: أن إثبات وجود الله ﷿ ووحدانيته لا بد لها من النظر، يعني: يوجبون النظر على الإنسان، وبعضهم يربطه بالبلوغ مثل الأشاعرة، وبعضهم يربطه بالتمييز مثل المعتزلة، فيرون أن النظر العقلي لإثبات وجود الله ﷿، وإثبات وحدانية الله ﷿، وإثبات أسمائه وصفاته هو العقل فقط، ولهذا يوجبون النظر على الناس، وقد جعلوا هذا الوجوب عامًا على كل مسلم ومسلمة يبلغ حد التمييز عند المعتزلة، أو حد البلوغ عند الأشاعرة، يلزمونه بالنظر في مخلوقات الله ﷿ وآلائه للتوصل إلى وجود الله ﷾.\nولا شك أن أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة أخطئوا في أمرين: الأمر الأول: أنهم عندما ناظروا وناقشوا الملاحدة من أصحاب الأديان الأخرى بدون رجوع إلى النصوص الشرعية، فقد أحدثوا أدلة عقلية جاءوا بها من عندهم لإقناع هؤلاء الملاحدة لإثبات وجود الله ﷿ ووحدانيته، وكان الواجب عليهم أن يرجعوا إلى الكتاب والسنة فيعرفوا ما تضمناه من الأدلة العقلية، فالقرآن والسنة ممتلآن بالأدلة العقلية التي تكفي كل أحد يريد أن يصل إلى الحق، وبالأدلة العقلية الكافية في إثبات وجود الله ووحدانيته ﷿، وإثبات المعاد، والنبوات، وكل العقائد.\nومثال ذلك: إثبات أن الله ﷿ هو الخالق الرازق المحيي المميت، مع أنه فطرة موجودة عند كل أحد -كما سيأتي معنا في الجانب الثاني الذي أخطأ فيه هؤلاء- يمكن الاستدلال العقلي عليه من خلال القرآن والسنة، يقول الله ﷿: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩]، هذه الآية فيها دليل عقلي لإثبات أن الله ﷿ هو الخالق وحده لا شريك له، وكذلك من الأدلة العقلية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، وهذا كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ نص عقلي في إثبات أن الله وحده هو الخالق، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] حصر عقلي.\nوالإنسان والمخلوقات الموجودة له حالتان: الحالة الأولى: أن يكون خلق من غير شيء.\nوهذا يرده العقل بالبداهة؛ لأنه لا يمكن لهذا النظام الدقيق، وهذه العناية العجيبة، وهذا الوضع المتناسق المرتب أن يأتي هكذا.\nالحالة الثانية: أن يكونوا هم خلقوا أنفسهم، وقد دل العقل على أنهم لم يخلقوا أنفسهم، وهم يعرفون ذلك؛ لأننا قبل مائة سنة لم نكن شيئًا مذكورًا، ثم كنا، ونحن نعرف أننا لم نوجد أنفسنا في هذه الدنيا، ولا أنفسنا أوجدتنا، وإنما أوجدنا الله ﷿.\nفلما أبطلت المقدمتان العقليتان ثبت أن الخالق هو الله ﷾، وهو غير المخلوقات الموجودة.\nوهكذا إذا جئتم إلى البعث والمعاد تجدون أدلة عقلية واضحة في أن الله ﷿ قادر على أن يحيي العظام وهي رميم، فعندما احتج ذلك المشرك على النبي ﷺ، وأخذ العظم وفته بيده وقال: (يا محمد! هل ترى أن الله يحيي هذه العظام بعد أن صارت رميمًا؟ قال: نعم، ويدخلك النار)، فأنزل الله ﷿: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] يعني: نسي خلقه أول مرة، فإنه خلقه وأنشأه وطوره، وجعل النطفة تستحيل إلى علقة، ثم تستحيل إلى مضغة، ثم تتغير هذه المضغة لتكون عظامًا، ثم يكسو هذه العظام لحمًا، ثم يشق بصره، وينشئ عقله، ﷾، لا يمكن أن يكون هذا كله حصل بدون وجود خالق، وبالتالي فإن الذي خلقه أول مرة قادر على إحيائه المرة الثانية.\nإذًا: هذا دليل عقلي مأخوذ من القرآن الكريم على إثبات","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>مخالفة القرآن والسنة أساس كل بدعة وضلالة</span>\nومن هنا فالمصدر الأساسي لتلقي العقيدة عند السلف الصالح رضوان الله عليهم هو القرآن الكريم والسنة النبوية، والقرآن الكريم جعله الله ﷿ تبيانًا لكل شيء، فهو هدى، ونور، وروح، وذكرى، وبشرى، وسماه الله ﷿ في القرآن بأسماء كثيرة، وكل اسم من هذه الأسماء يدل على صفة من الصفات، فالقرآن إذًا شفاء لما في الصدور، وهداية للإنسان، ولا يوجد أبدًا عقيدة من العقائد النافعة التي ينبغي للمسلم أن يعتقدها وتنفعه في دينه ودنياه إلا بينها، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، ويقول ﷾: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].\nإذًا: القرآن جاء بكل ما تحتاجه البشرية من العقائد النافعة، والأعمال الصحيحة، علمه من علمه وجهله من جهله، لكن لما فرط بعض المسلمين في تعلم هذا القرآن، وتعلم معانيه، وتعلم ما اشتمل عليه من العقائد الصحيحة النافعة والأدلة المستقيمة الصحيحة التي لا عوج فيها، وأخذوا أدلة أخرى جاءوا بها إما من عقولهم أو من أصحاب العقائد الأخرى، فوقعت الضلالة في حياة الناس، وانتشرت البدع، وظهر الفساد الثقافي والعقائدي في حياة الناس.\nإذًا: المصدر الأساسي في تلقي العقيدة هو القرآن، ومعه السنة النبوية، كما هو واضح من أمر الله ﷿ بها لما قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، ويقول ﷾: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، ويقول النبي ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، ويقول الله ﷿: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].\nولهذا فإن أصل كل بدعة وضلالة وكفر ونفاق في حياة المسلمين: الإعراض عن الكتاب والسنة، وعن هدي الكتاب والسنة، في كل باب من الأبواب فلا بد من التحاكم إلى الكتاب والسنة على كافة المستويات، وفي كل شئون الحياة، فالدول والحكومات يجب أن تحكَّم شرع الله ﷿، وأن تأخذ أحكامها من الكتاب والسنة، وهو ما يسميه الناس اليوم: العلاقات الدولية، وكذلك المجتمعات الصناعية والقروية والرعوية يجب أن يكون مصدرها الأساسي هو الكتاب والسنة، وكذلك الجماعات والأفراد، وكل أحد يجب أن يكون مصدره الكتاب والسنة.\nوالحقيقة: أن هذا الشعار: أهمية الكتاب والسنة، ومنزلة الكتاب والسنة كل الناس يحبه ويدندن حوله ويردده دائمًا، لكن هناك فرق بين من يتمسك بالكتاب والسنة حقيقة، وبين من يتسمى بالتمسك بالكتاب والسنة ويجعله شعارًا، وهناك فرق بين الشعار وبين الحقيقة.\nوندرك الفرق بين الشعار والحقيقة في العمل، فإذا كان أحد مثلًا يقول: أنا ملتزم بالكتاب والسنة.\nثم هو في عقائده لا يبنيها على الكتاب والسنة، فمثل هذا قد جعل الكتاب والسنة شعارًا، ولو أن شخصًا قال: أنا أحكم بالكتاب والسنة.\nوهو في الحقيقة لا يحكم بهما، ويخالف حكمها، فهذا أيضًا شعار وليس حقيقة، وهكذا الذي يأخذ أي هدي من غير الكتاب والسنة، وهو يردد الكتاب والسنة، فقد جعل الكتاب والسنة شعارًا، وهذا هو سبب المشكلة عند كثير من الناس، ولهذا فإن الطوائف الضالة لا يعارضون الكتاب والسنة بشكل مباشر، وإنما يفسرونها بغير معناها، أو يؤولون ويحرفون معناها، أو نحو ذلك من الطرق التي يحتالون بها على الكتاب والسنة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مواضع من كتبه: إن البدعة والنفاق لا يمكن أبدًا أن يكونا باطلًا محضًا؛ لأنهما لو كانا باطلًا محضًا لعرفه كل الناس، كما أنه لا يمكن أن يكونا حقًا محضًا؛ لأنهما لو كانا حقًا محضًا لما صار بدعة ونفاقًا، لكنه لبس الحق بالباطل، وهذه هي صفة اليهود والنصارى التي نهى الله ﷿ عنها لما قال: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧١].","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>القرآن والسنة هما مصدرا تلقي العقيدة</span>\nثم عندما ذكر هذه المصادر بين الموجب لكونها مصدرًا، والأمور التي تجعل الإنسان يقتنع فعلًا بكونهما مصدرًا، فقال: (إنه -يعني: الله ﷿- أعلم بنفسه).\nإذًا: لا نأخذ العقائد إلا منه؛ لأنه أعلم بنفسه وبغيره كذلك.\n(وأصدق قيلًا)، يعني: المبرر الأول: أنه أعلم بنفسه، والمبرر الثاني: أنه أصدق قيلًا.\n(وأنه أحسن حديثًا من خلقه)، وبالتالي فإن كلامه هو المصدر الأساسي في العقائد.\n(ثم رسله صادقون)، وهذا لا يشك فيه أحد أنهم صادقون، (ومصدقون) يعني: أن الله ﷿ يخبرهم بالصدق، فهم صادقون في أنفسهم، فما يأتيهم من الأخبار أو الأحكام فإنهم يقولونها بالصدق لا يكذبون لا يزيدون ولا ينقصون، وكذلك مصدقون؛ لأن المخبر الذي يعطيهم الخبر أو الحكم هو الله ﷾، ولهذا توجد أحاديث كثيرة تبدأ بعبارة: أخبرني الصادق المصدوق حدثني الصادق المصدوق، كما في حديث ابن مسعود ﵁: (إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعون يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك) إلى آخر الحديث المشهور.\nقال: (بخلاف الذين يقولون على الله ما لا يعلمون)، فإنهم لا يصلح أن يكونوا حجة أبدًا، واستدل على ذلك بقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢].","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>قيام توحيد الأسماء والصفات على قاعدتي النفي والإثبات ودلالة الجمع بينهما</span>\nذكر المؤلف قاعدة مهمة في توحيد الأسماء والصفات وهي قوله: (وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات)، وهذا واضح في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، كما أنه واضح في الأسماء والصفات في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠].\nوالجمع بين النفي والإثبات له فائدة مهمة، وهي: الدلالة على الانفراد والاختصاص، وهذا هو حقيقة التوحيد، فإن حقيقة التوحيد هي الانفراد والاختصاص، كما سيأتي معنا إن شاء الله في تفسير سورة الإخلاص.\nإذًا: أسماء الله ﷿ وصفاته مبنية على قاعدتين: القاعدة الأولى: النفي، والقاعدة الثانية: الإثبات.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>مسائل في قاعدة النفي</span>\nأما النفي فينبغي أن ندرك فيه ثلاثة أمور: الأمر الأول: حدود النفي.\nوالأمر الثاني: هل ينفى القدر المشترك؟ والأمر الثالث: شبهة المعطلة النفاة والرد عليها.","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>حدود النفي في أسماء الله وصفاته</span>\nالأمر الأول: حدود النفي؛ فإن النفي في أسماء الله وصفاته هو نفي مشابهة خلقه، فالله ﷿ لا يشبهه شيء من خلقه أبدًا، كما قال الله ﷿: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، هذا استفهام إنكاري يتضمن النفي، وأيضًا يقول الله ﷿: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤].\nإذًا: حدود النفي هو عدم مماثلة صفات الله ﷿ لصفات خلقه، فله صفات لكن لا تماثل صفات خلقه؛ لأن المعطلة من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية نفوا الصفات بحجة وجود النفي في الشرع، فمثلًا قد تجد بعضهم يقول: إن الله ﷿ نفى الصفات عن نفسه، ويستدل بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وبقوله: ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ونحو ذلك، ولا شك أن هذا استدلال باطل؛ لأن الذي نفى عن نفسه الصفات الباطلة أثبت لنفسه الصفات الحقيقية الصحيحة، فالصفات الباطلة المنفية هي صفات المخلوقات، فلا يمكن أن يشابه ربنا ﷾ المخلوقات أبدًا.","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>حكم نفي القدر المشترك بين أسماء صفات الله تعالى وصفات خلقه</span>\nالأمر الثاني: هل ينفى القدر المشترك؟ بين صفات الله ﷿ وبين صفات خلقه قدر مشترك، مثلًا: الله ﷿ سمى نفسه سميعًا بصيرًا، كما قال ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وسمى بعض خلقه سميعًا بصيرًا: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:١ - ٢]، إذًا: الإنسان سميع بصير، والله ﷿ سميع بصير.\nوسمى نفسه حيًا في قوله ﷾: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وسمى بعض خلقه حيًا: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم:١٩].\nوهذه المشابهة لا تقتضي مشابهة في المسميات، بل هي مشابهة في الأسماء فقط، فالله ﷿ سميع، وبعض خلقه سميع، لكن سمع المخلوق ليس كسمع الخالق؛ لأن السمع هنا مضاف إلى الله ﷿، والسمع هناك مضاف إلى خلقه.\nوكذلك الحي، حيث سمى الله نفسه ﷾ ووصف نفسه بالحياة، وسمى بعض خلقه ووصفهم بالحياة كذلك، وليست الحياة هنا كالحياة هنا، وهناك قدر مشترك.\nهذا القدر المشترك يعرفه العلماء بأنه: معنى كلي عام لا يتحدد إلا بالاختصاص، وهناك بعض المخلوقات في الدنيا تتفق في الأسماء وتختلف في الحقائق، مثلًا يد النملة ويد الفيل، فاتفقت يد النملة مع يد الفيل في اسم اليد، لكن اختلفت في الحقيقة، فأنتم تجدون أن يد الفيل لها صفة خاصة بها في الحجم والهيئة والشكل، ومختلفة تمامًا عن يد النملة في الهيئة أيضًا والشكل والصفة، فإذا كانت مخلوقات الله ﷿ اتفقت في الأسماء واختلفت في الصفات والمسميات، فكيف بالخالق والمخلوق؟! لا شك أن الفرق سيكون أعظم.\nوهكذا الأمر في الاتفاق بين بعض المخلوقات، مثل بعض الأسماء الموجودة في الدنيا وبعض الأسماء الموجودة في الآخرة، فمثلًا في الدنيا توجد فواكه ولحم ورمان ونخل، وفي الآخرة في الجنة لحم وفواكه ورمان ونخل وغير ذلك من الأشياء التي وردت في الجنة مما توجد لها أسماء ومسميات في الدنيا، ومع ذلك يقول ابن عباس ﵁: ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء.\nفإذا قيل لنا: إن في الجنة رمانًا، نقول: لكنه قطعًا لا يشبه الرمان الموجود في الدنيا، بل لا يشبه أحسن رمان موجود في الدنيا، ولا يمكن أن يشبهه أبدًا لا في الهيئة ولا الشكل، وإنما قرب الله ﷿ لنا الأشياء الموجودة في الجنة -وهي غيبيات لم نرها بأعيننا- بأسماء موجودة في الدنيا نعرفها، فإذا كان هذا بين مخلوقات الله ﷿، فإذا وجد تشابه بين صفات الله ﷿ وأسماء صفات المخلوقين؛ فإنما يكون هذا التشابه بالاسم فقط، وهو القدر الذي اصطلح عليه أهل العلم بتسميته القدر المشترك، وهو معنى كلي عام لا يتحدد إلا بإضافته، أما بوجود معناه الكلي العام فلا يمكن أن يتحدد، ولا يمكن أن يعرف له وضع معين.\nهذا هو القدر المشترك بين الأشياء عمومًا.\nوأنت إذا سمعت كلمة (يد) فإنك لا تعرف ما المقصود بها، فإذا قيل لك: يد فلان عرفت أن هذه اليد لكذا، وإذا قيل لك: يد الفيل عرفت أنها على صفة أخرى، مع الاتفاق في الاسم.\nلكن هل يصح في قاعدة النفي: أن ننفي القدر المشترك؟ بمعنى أن نقول: إن صفات الله ﷿ ليس بينها وبين صفات المخلوقين اتفاق في الأسماء، وليس هناك قدر مشترك في الاتفاق بالأسماء؟ لا يصح أن ننفي هذا؛ لأننا إذا نفينا هذا نفينا وجود الله ﷿؛ لأن الله ﷿ سمى نفسه بأسماء ووصف نفسه بصفات، وسمى خلقه بأسماء ووصفهم بصفات، قد تتشابه هذه الأسماء في مجرد الاسم فقط، وأما الحقائق فهي مختلفة، فإذا نفينا أن يكون لله ﷿ أسماء تشابه أسماء بعض خلقه، نكون بهذا تقد نفينا وجود الله ﷿.\nوقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية الحديث عن هذا الأمر في (الرسالة التدمرية) و(منهاج السنة النبوية)، ولا شك أن من لوازم نفي القدر المشترك: نفي وجود الله ﷾، فإذا قيل لهم: هل الله ﷿ سميع؟ قالوا: لا ليس بسميع؛ لأن في بعض خلقه من هو سميع.\nوإذا قيل: هل الله بصير؟ قالوا: ليس ببصير.\nوإذا قيل لهم: هل الله موجود؟ قالوا: بعض خلقه موجود.\nولهذا لا بد أن يوجد اتفاق في الأسماء بين صفات الله وصفات خلقه، والتشابه في الأسماء لا يقتضي التشابه في الحقائق؛ لأن الله ﷿ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وليس ﷾ مثل خلقه بأي وجه من الوجوه، فإذا نفوا وجود قدر مشترك في الأسماء فمعنى هذا أنهم سينفون الأسماء والصفات بأكملها، بل سينفون وجود الله ﷿، إذا قلنا لهم: هل الله موجود؟ سيضطرون أن يقولوا: نعم موجود، ونحن أيضًا موجودون، قالوا: لا، وجود ال","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>شبهة المعطلة النفاة والرد عليها</span>\nشبهة المعطلة النفاة الذين نفوا صفات الله ﷿ هي: أنهم قالوا: إذا أثبتنا الصفات فإنه يلزم منها مشابهة المخلوقات، فأرادوا تنزيه الله ﷿ فنفوا صفات الله ﷾، ولا شك أن هذا خطأ باطل، وبدعة ضالة منحرفة، سببها عدم معرفة أحكام الله ﷿؛ فإن قولنا بإثبات الصفات لا يعني أننا نشبه الله ﷿ بالمخلوقات، وإنما ننفي عنه مشابهة المخلوقات، وهذا هو التوحيد الخالص: أن تعطي الله ﷿ صفات الكمال، وأن تنفي عنه مشابهة المخلوقات.\nوفي الحقيقة أن شبهة المعطلة أعمق مما أشرت إليه، وأعمق مما يدركه كثير من الناس؛ لأن مشكلتهم بدأت من الاستدلال على وجود الله ﷾، فاستدلوا على وجود الله ﷿ بدليل سموه حدوث الأجسام، وهذا الدليل طويل له مقدمات متعددة أرادوا من خلاله أن يصلوا إلى إثبات أن العالم حادث بعد أن لم يكن موجودًا، وأرادوا بالتوصل لهذه النقطة أن يتوصلوا إلى أن الله ﷾ هو الخالق لهذا الحادث -أي: العالم- ولا يمكن أن يكون الخالق حادثًا مثله، بل هو قديم ﷾.\nهذا الدليل الذي استدلوا به له مقدمات متشعبة لا أريد عرضها بالتفصيل ولا تهمنا، لكن هذا الدليل -دليل حدوث العالم- صارت له لوازم التزموها، فلما التزموها نفوا صفات الله ﷿، وترتب على هذه اللوازم القول بفناء الجنة والنار عند الجهمية، وبنفي الأسماء عند المعتزلة، وأما الأشاعرة فإنهم اضطربوا ووقعوا في حيرة، وهكذا كل أحد يتبع غير الكتاب والسنة دائمًا يقع في حيرة ويتردد، فهم وقعوا في حيرة حينما أثبتوا سبع صفات، ولم يثبتوها بالوجه الشرعي، وإنما أثبتوها أسماء فقط، فسألهم المعتزلة الذين ينفون الصفات جميعًا، فقالوا لهم: أنتم الآن أثبتم سبع صفات ونفيتم الباقي، إذًا: أنتم متناقضون، إما أن تثبتوا الباقي، وإما أن تنفوا الباقي؛ لأن ما أثبتموه نظير ما نفيتموه، وما نفيتموه مثل ما أثبتموه، ليس هناك فرق، فوقعوا في الانحراف والضلال.\nالقاعدة الثانية هي: تنزيه مشابهة الله ﷿ عن مشابهة المخلوق بأي وجه من الوجوه سواء بتخيل أو قول، كما قالت المشبهة: بأن الله ﷿ يشبه خلقه.\nوهنا نرد على جزء آخر من المعطلة، وهم أهل التفويض وهم الذين قالوا: نحن ننفي مشابهة الله للمخلوقات، لكن هذه الصفات ليس لها معانٍ ندركها، وإنما هي مثل الألغاز والأحاجي والكلام الذي لا معنى له.\nيعني: لو أن إنسانًا ركَّب كلمة من خمسة حروف لا معنى لها في لغة العرب يقولون: صفات الله ﷿ مثلها أنت لا تدرك لهذه الكلمة معنى وكذلك صفات الله لا ندرك لها معنى.\nولا شك أن هذا ضلال وانحراف.\nوسيأتي الإشارة إلى كلامهم في موضعه والرد عليه.\nهذا هو الأمر الأول.\nالأمر الثاني: ما هي شبهة المشبهة الذين شبهوا الله بخلقه؟ شبهتهم أنهم قالوا: إن الله ﷿ أثبت لنفسه الصفات، ولا يمكن أن يخاطبنا بما لا نعقله، ونحن لا نعقل هذه الصفات الموجودة بيننا مثل اليد والقدم ونحو ذلك، فأثبتوا أن الله ﷿ مثل خلقه، ولهم كلام قبيح جدًا ذكره عدد من أهل العلم في إثباتهم للتشبيه، فهم يشبهون الله ﷿ بخلقه وكأنه فرد من أفراد خلقه -والعياذ بالله- وهذا ضلال وانحراف.\nوالتشبيه ينقسم إلى قسمين: تشبيه الخالق بالمخلوق، وهذا الذي وقع فيه المشبهة الضالون الذين قالوا: لله يد كأيدينا، ونزول الله كنزولنا ونحو ذلك.\nوهناك نوع آخر من التشبيه وهو: تشبيه المخلوق بالخالق، وهذا الذي وقع فيه غلاة الصوفية الذين شبهوا المخلوق بالخالق، فهم يشبهون أولياءهم بأن لهم قدرات خارقة، وأنهم يستطيعون تصريف الكون، ويسندون إليهم أعمالًا وصفات لا تكون إلا للخالق ﷾، وهذا ضلال مبين أيضًا.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>طرق معرفة الصفات</span>\nمعرفة الصفات تؤخذ من ثلاث طرق: الطريق الأول: هو دلالة الأسماء عليها، والقاعدة: أن كل اسم من أسماء الله ﷿ يدل على صفة من الصفات، فالعليم اسم يدل على صفة العلم، والحي اسم يدل على صفة الحياة، وهكذا كل اسم من أسماء الله ﷿ يدل على صفة من صفات الله ﷿.\nالطريق الثاني: أن ينص الشرع سواء القرآن أو السنة على صفة من صفات الله ﷿، بشرط أن تكون هذه الآية أو هذا الحديث من آيات أو من أحاديث الصفات، مثل: السمع والبصر كما سبق أن مثلنا.\nالطريق الثالث: دلالة الفعل على الصفة.\nفإذا قال النبي ﷺ: (يضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره)، فإن هذا الفعل يدل على صفة وهي الضحك، أو صفة النزول أو نحو ذلك.\nفهذه ثلاث طرق تدل على صفات الله ﷾.\nوكثير من الناس لا يفرق بين الآيات التي تدل على الصفات والآيات التي لا تدل عليها، فمثلًا تجد بعض الناس يقول: نثبت صفة الجنب لله ﷿، ثم يستدل على ذلك بقوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦]، هذا خطأ، فإن هذه الآية ليست من آيات الصفات، ولهذا فسرها كل العلماء بقولهم: على ما فرطت في قدر الله ﷿ ومكانته ﷾؛ لأن هناك دليل يدل على هذا المعنى وهو قوله: «فَرَّطْتُ»، ولو كانت صفة ذاتية تسمى الجنب لما صح أن يقال: فرطت؛ لأنه لا علاقة بين الصفة الذاتية -الجنب- مع التفريط، وإنما المقصود بالجنب الجناب، وليس هذا تأويل، بل هذا هو تفسير للآية، وحينئذ نقول: إن هذه الآية ليست من آيات الصفات.\nوكذلك قول الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، فإن هذه الآية لا يؤخذ منها إثبات صفة الوجه، وإن كانت صفة الوجه ثابتة من غير هذه الآية، مثل قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، فقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] ليس من آيات الصفات؛ لأن المقصود بالوجه هنا الجهة وليس المقصود الوجه الذي هو صفة من صفات الله ﷿.\nالدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة:١١٥]، فالمشرق جهة الشرق، والمغرب جهة الغرب، «فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا» يعني: جهة الشرق أو جهة الغرب، «فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» يعني: فهناك ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] يعني: جهة الله ﷿، وهذه بينها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>مقدمات في سورة الإخلاص</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد دخل في هذه الجملة ما وصف الله به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]].\nبدأ المصنف رحمه الله تعالى في الكلام على صفات الله ﷾، وقد سرد المصنف ﵀ جملة كبيرة من الآيات والأحاديث، وكل هذه الآيات والأحاديث فيها إثبات صفات الله ﷾، وستكون طريقتنا -بإذن الله ﷿- في دراسة هذه الآيات وهذه الأحاديث هي: أن نجمع الأدلة المتشابهة بعضها إلى بعض، ونجعلها تحت صفة، فمثلًا: إذا كان في آية إثبات صفة العلم لله ﷿ وفي آية أخرى إثبات صفة العلم لله ﷿، نأخذ هذه الآية ونضمها مع هذه الآية ونتحدث عن صفة العلم في مكان واحد، وكذلك نأخذ من الأحاديث ما يدل على نفس المعنى ونضمه مع الآيات؛ لكي نتجنب التكرار، وحينئذ سنتحدث عن الصفات بشكل موضوعي، فنتحدث عن العلم والحياة والسمع والبصر، ونأخذ الآيات والأحاديث التي تدل على هذه المعاني، حتى لو كان ترتيبها غير منظم، فلن نلتزم بالترتيب -بإذن الله تعالى- في كلامنا على صفات الله ﷿ الواردة في هذه الآيات، إلا سورة الإخلاص وآية الكرسي، فسورة الإخلاص وآية الكرسي اشتملتا على جملة كبيرة من الصفات، فسنتحدث عنها بشكل عام إلا ما سيأتي توضيحه وبيانه في مكان آخر فإننا نؤجله إلى ذلك المكان.\nقبل أن نتحدث عن مسائل العقيدة الموجودة في سورة الإخلاص ننبه إلى أربعة أمور: الأمر الأول: فضل هذه السورة.\nوالأمر الثاني: توضيح كيفية عدل هذه السورة لثلث القرآن.\nوالأمر الثالث: هل يعني عدل هذه السورة لثلث القرآن كفايتها عن السور الأخرى؟ والأمر الرابع: سبب النزول.","vol":"2","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>فضل سورة الإخلاص</span>\nورد في فضل هذه السورة أحاديث كثيرة، منها أحاديث في البخاري ومسلم وغيرهما، وتدل هذه الأحاديث على أن هذه السورة ثلث القرآن، منها حديث النبي ﷺ: (والذي نفسي بيده! إنها تعدل ثلث القرآن)، وفي لفظ قال: (هل تحب أن تقرأ ثلث القرآن؟ اقرأ سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١])، إلى درجة أن الحفاظ مثل: الدارقطني ﵀ يقول: لم يرد أحاديث في فضل سور القرآن أصح من الأحاديث الواردة في فضل سورة الإخلاص، حتى التي وردت في فضل سور أخرى كالفاتحة والبقرة ونحو ذلك من السور.","vol":"2","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>علة عدل سورة الإخلاص لثلث القرآن</span>\nكيف تعدل هذه السورة ثلث القرآن؟ قبل أن نبين كيف تعدل هذه السورة ثلث القرآن، أحب أن أشير إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ألف رسالة طويلة في نحو ثلاثمائة صفحة في تفسير هذه السورة، وهي موجودة ضمن مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الجزء الرابع، فذكر شيخ الإسلام ﵀ كيفية عدل هذه السورة لثلث القرآن، حيث قال: إن القرآن من حيث الموضوعات ثلاثة أنواع: التوحيد، والقصص، والأوامر والنواهي وهي الأحكام، وهذه السورة جاءت بالكلام على التوحيد، فجاءت بالحديث عن ثلث موضوعات القرآن، ويدل على ذلك: أن القرآن كلام الله ﷿، والكلام عند أهل البلاغة ينقسم إلى خبر وإنشاء، والخبر هو الذي يحتمل الصدق والكذب، والإنشاء هو ما لا يحتمل الصدق والكذب، كالأمر والاستفهام والتمني والترجي ونحو ذلك من المعاني، فالإنشاء هو الأمر والنهي والأحكام مثل: الأوامر والمناهي الشرعية، فهذا الثلث الأول، وأما الأخبار فإن الأخبار الواردة في القرآن نوعان: أخبار عن الخالق، وأخبار عن المخلوق، فصار عندنا ثلاثة أنواع: أخبار عن الخالق وهو التوحيد، وأخبار عن المخلوق وهي القصص، ويدخل في ذلك الأخبار عن الجنة والنار والحشر، ويدخل في ذلك الأخبار عن الأمم الماضية وتعذيبهم ونحو ذلك، والأمر والنهي وهي الأحكام، وهذا من قسم الإنشاء، وحينئذ نعرف لماذا قال النبي ﷺ: إن هذه السورة تعدل ثلث القرآن؛ لأن التوحيد موجود في ثلث القرآن، والمقصود بالتوحيد هنا هو الآيات الواردة في التوحيد بشكل مباشر، أما الآيات الواردة في التوحيد بشكل غير مباشر فالقرآن كله توحيد -كما قال ابن القيم ﵀- لأن كل القصص الواردة لها علاقة بالتوحيد، فالجنة هي الجنة جزاء الموحدين، والنار جزاء الكفار الذين تركوا التوحيد، وكل القصص الموجود في القرآن له علاقة بالتوحيد، لكن المقصود هنا بالتوحيد الذي هو ثلث موضوعات القرآن: الآيات الواردة بشكل مباشر في التوحيد.","vol":"2","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>انتفاء الاكتفاء بتكرار سورة الإخلاص والاستغناء بها عن سائر القرآن</span>\nإذا كانت هذه السورة تعدل ثلث القرآن فهل يعني هذا أن الإنسان يقرؤها ثلاث مرات ويكفيه ذلك؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، فهي تعدل ثلث القرآن من حيث قيمتها المعنوية، لكن لا يعني أنها تغني عن غيرها، وتقريب هذا واضح، فبالنسبة لك فإن الماء يعدل الحياة كلها؛ لأنك لو لم تشرب مت، لكن لو اكتفيت بالماء وتركت الأكل فلن تعيش وإنما ستموت، وهذا يدل على حاجة الإنسان لأشياء أخرى غير الماء مع أن الماء جزء أساسي في حياته، فإذا كان هذا في المخلوق فهو من باب أولى في القضايا الشرعية؛ فإن تنوع العبادات للإنسان مبني على حاجة الإنسان، وكذلك تنوع الأجر في الجنة مبني على تنوع العبادة في الدنيا، ولهذا تجدون في الجنة أنواعًا من النعم: خمر، ورمان، وأنهار من لبن، وأنهار من عسل مصفى ونحو ذلك، وهذا التنوع مبني على تنوع أعمال الإنسان، وهذا يدل أيضًا على حاجة الإنسان إلى هذه الأعمال.\nهذا مختصر كلام شيخ الإسلام ﵀ في رسالته المذكورة.","vol":"2","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>سبب نزول سورة الإخلاص</span>\nثبت أن المشركين قالوا للنبي ﷺ: انسب لنا ربك، وفي لفظ: صف لنا ربك، فنزلت هذه السورة، وفي بعض الروايات -وهي رواية ضعيفة-: أن الذين قالوا هذا القول هم اليهود، لكن الروايات الأصح هي: أن الذين قالوا هذا القول هم المشركون.","vol":"2","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>المسائل المتعلقة بسورة الإخلاص</span>\nالمسائل المتعلقة بهذه السورة أربع مسائل: المسألة الأولى: صفة الوحدانية.\nوالمسألة الثانية: صفة الصمدية.\nوالمسألة الثالثة: قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] وهي صفة أيضًا.\nوالمسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤].","vol":"2","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>صفة الوحدانية لله تعالى ومعناها</span>\nأما صفة الوحدانية فيمكن أن نتحدث عنها في ثلاث نقاط: الأمر الأول: معنى الوحدانية.\nالواحد والأحد والتوحيد معناه: الانفراد والاختصاص، ومعنى أن الله ﷿ واحد، أن الله ﷿ مختص منفرد وحده ﷾ دون خلقه، فهذا هو معنى التوحيد، والتوحيد يمكن أن تأخذه من الأدلة القرآنية والأحاديث النبوية بعدة أساليب، وهي أساليب الحصر الموجودة في اللغة العربية، فمن أساليب الحصر: تقدم الجار والمجرور، أو تقدم ما حقه التأخير عمومًا، أو النفي والإثبات، أو الاستثناء، أو وجود المسند والمسند إليه محلى بأل مثل (الرحمن الرحيم) يعني: صاحب صفة الرحمة المختص بها، ويدل على الاختصاص وجود الألف واللام في المسند والمسند إليه، وكذلك دخول لام الاستحقاق والملكية، مثل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة:٢] فإن اللام هنا للاستحقاق وللملكية، وهي تدل على الاختصاص أيضًا، ويمكن مراجعة أساليب الحصر والقصر والاختصاص الموجودة في لغة العرب، ومحاولة تطبيقها على النصوص الشرعية، فستجد آيات كثيرة تدل على الحصر.","vol":"2","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>أقسام ومجالات الوحدانية</span>\nالأمر الثاني: أقسام ومجالات الوحدانية.\nنحن ندرك من قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] أن الله واحد، وواحد في ثلاثة أمور: واحد في الربوبية، وواحد في الألوهية، وواحد في الأسماء والصفات.\nواحد في الربوبية يدل على ذلك قول الله ﷾: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، (ألا) أداة تنبيه، واللام في قوله: «لَهُ» حرف الجر، والهاء ضمير متصل في محل جر، و(الخلق والأمر) مبتدأ مؤخر وكان حقه التقديم، والمعنى: الخلق والأمر له، فلما قدم ما حقه التأخير دل على أن التقديم لفائدة بلاغية، وهي إفادة الحصر، فالمعنى: أن الله هو له الخلق فقط، وليس لأحد غيره أن يخلق، وله الأمر فقط، وليس لأحد غيره أن يأمر.\nوالأمر والقضاء والإرادة تنقسم إلى قسمين: أمر وإرادة وقضاء كوني، وأمر وإرادة وقضاء شرعي.\nفالمعنى: أن الله مختص بالخلق وبالأمر الكوني والشرعي.\nوتوحيد الألوهية يدل على الحصر والاختصاص، وفيه الكلمة المشهورة في توحيد الألوهية: لا إله إلا الله؛ فإن لا إله إلا الله نفي وإثبات تدل على الحصر، وفي الأسماء والصفات: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، ووجه الدلالة من هذه الآية هو نفس وجه الدلالة من قوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فإنه تقدم الجار والمجرور وتأخر المبتدأ لإفادة الحصر، وأن الأسماء خاصة بالله ﷾.","vol":"2","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>موقف الفرق المنحرفة من الوحدانية</span>\nالأمر الثالث: موقف الفرق الضالة من الوحدانية.\nالفرق الضالة في الوحدانية كثر، لكن يهمنا الحديث عن الفرق التي لها مساس كبير بواقع الناس، وهم الأشاعرة والصوفية.\nفأما الأشاعرة فإنهم إذا جاءوا إلى صفة الوحدانية يقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له.\nهذه هي أقسام الوحدانية عندهم، وإذا جئت تقارن بينها وبين أقسام الوحدانية عند أهل السنة: تجد أن قولهم: واحد في ذاته لا قسيم له.\nهو نفس توحيد الأسماء والصفات عند أهل السنة، لكنهم فهموه على غير فهم أهل السنة، وقولهم: واحد في صفاته لا شبيه له.\nهو نفس توحيد الأسماء والصفات، لكن أيضًا فهموه على غير وجهه، وقولهم: واحد في أفعاله لا شريك له.\nهو توحيد الربوبية؛ لأن تعريف الربوبية هو توحيد الله ﷿ بأفعاله المتعدية، مثل: الخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحو ذلك، وحينئذ نجد أنهم أهملوا نوعًا من أنواع التوحيد، وهو توحيد الألوهية، فإنه لا يوجد له قسم عندهم، وبالتالي وقعوا في الانحراف الكبير وهو إهمال توحيد الألوهية.\nوالحقيقة: أن إهمال توحيد الألوهية عندهم نشأ من الإرجاء، ولهذا فإن الإرجاء له أثر خطير على أمة الإسلام؛ لأن الإيمان عندهم هو مجرد التصديق؛ فأخرجوا عمل القلب والجوارح من حقيقة الإيمان، ولم يبق إلا التصديق، والتصديق هو نفس توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وأما الجانب العملي وهو توحيد الألوهية فقد أهملوه وترتب على هذا الإهمال قضايا خطيرة جدًا في تاريخ المسلمين، مثل: الاختلاف الكبير الذي وقع بين أهل السنة وبين الأشاعرة والصوفية في الذين يطوفون حول القبور ويذبحون لها وينذرون، فهؤلاء مشركين عند أهل السنة؛ لأنهم لم يوحدوا الله توحيد الألوهية، وعند الأشاعرة والصوفية ليسوا بمشركين ما دام أنهم يعتقدون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت؛ لأنهم جاءوا بالتوحيد حسب التعريف الموجود عندهم، ولهذا اختلف أهل السنة أيضًا مع هؤلاء المبتدعة في الذين يحكمون بالقوانين الوضعية، مثل القانون البريطاني أو الفرنسي ويحكمونه في حياة الناس، ويستحلون المحرمات، فهؤلاء عند أهل السنة كفار؛ لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله؛ فنقضوا الإسلام من هذه الزاوية، وأولئك يقولون: ما دام أنهم معترفون بأن الله هو الخالق الرازق فهم مسلمون، وهنا يكمن الخطر الاعتقادي.\nوأما الصوفية فإنهم انحرفوا في الوحدانية، حيث قاموا بممارسة الشركيات عمليًا، فهم يطوفون بالقبور، ويذبحون لها وينذرون، ويستغيثون بغير الله ونحو ذلك من الأعمال.\nوهناك طائفة من الطوائف موجودة في حياة المسلمين المعاصرة وهم العلمانيون، وهؤلاء لا يعترفون لله ﷿ بوحدانية الألوهية، ويجعلون الدين هو مجرد تصورات عقائدية قد يأخذونها من أصحاب النظريات المعاصرة مثل: ماركس إذا كان شيوعيًا مثلًا أو غيره بحسب المذهب الذي يذهب إليه، فأخرجوا توحيد الألوهية بأكمله من التوحيد.","vol":"2","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>صفة الصمدية</span>\nفيل في معنى الصمد قولان مشهوران لأهل العلم كلاهما صحيح: المعنى الأول: أن الصمد هو الذي لا جوف له: وقد تنوعت تعبيرات السلف الصالح رضوان الله عليهم عن هذا المعنى، فقال ابن عباس ﵄: الصمد المصمت الذي لا جوف له، وقال ابن مسعود: هو الذي ليست له أحشاء، يعني: ليست له أمعاء، وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل ولا يشرب، وقال محمد بن كعب القرظي وعكرمة تلميذ ابن عباس: هو الذي لا يخرج منه شيء، وقال ميسرة: الصمد المصمت، وأكثر السلف الصالح رضوان الله عليهم فسروا الصمد بهذا المعنى، فيصبح معناه: أنه الغني الذي لا يحتاج إلى شيء أبدًا، ولهذا قال بعضهم: هو الذي ليست له أحشاء، فهو ليس بحاجة إلى طعام، حتى تكون له أحشاء يهضمها فيه، وبعضهم قال: هو الذي لا يأكل ولا يشرب، فهو ليس بحاجة إلى الأكل والشرب، فإن الإنسان الموجود في الدنيا بحاجة إلى الأكل والشرب، فلا تقوم حياته إلا على الأكل والشرب، أما الله ﷿ فإنه غني، فالمعنى: أن الله ﷿ غني غنى مطلقًا، فهو ليس بحاجة إلى شيء أبدًا، والمخلوق لا يقوم كيانه إلا بأشياء كثيرة منها الأكل والشرب والحاجة إليها.\nوهذا الاسم المتضمن لصفة الصمدية أصل في تنزيه الله ﷾ عن الحاجة والافتقار، كما أن هذا الاسم يدل على القوة، وهذا التفسير لهذا الاسم مأخوذ من لغة العرب، فإن العرب تقول: الصمد للمصمت، يقول الجوهري رحمه الله تعالى: المصمد بالدال لغة في المصمت، وهو الذي لا جوف له، فالعرب تقصف الشجاع بأنه صمد، يعني: لا يخاف وليس أجوف القلب؛ لأن الذي يخاف قلبه أجوف فارغ، ولهذا لما ذكر الله ﷿ قصة أم موسى ذكر أن جوفها كان فارغًا إن كادت لتبدي به، فجاء التعبير بقوله: فارغًا، لأن القلب إذا لم يكن قويًا متماسكًا مجتمعًا بعضه إلى بعض؛ فإنه يكون ضعيفًا هشًا رقيقًا.\nويقول الجوهري: والصماد غفاص القارورة، والغفاص هو الجلد الذي يوضع على القارورة ويشد عليه بحبل بحيث يغطيها.\nوقال: الصمد يطلق على المكان الرفيع الغليظ المجتمع، فالصمد في صفة الله ﷿ معناه: الذي لا حاجة له إلى الطعام والشراب وهو الغني ﷾.\nوالمعنى الثاني -وهو قول بعض السلف-: أن الصمد هو السيد الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها، وكذلك تنوعت عبارات السلف في هذا القول، فمثلًا نجد ابن عباس يقول: الصمد هو الذي تصمد إليه الأشياء إذا نزل بها كربة وبلاء، ويقول السدي ﵀: هو المقصود إليه في الرغائب والمستغاث به عند المصائب، والمعنى: أن الصمد هو الذي تحتاجه الخلائق، فهو ﷾ الغني الذي لا يحتاج، والخلائق محتاجة إليه.\nوهذان المعنيان كلاهما صواب، وكلاهما تفسير للصفة بمعناها، وبما تدل عليه، فإن الجميع يدل على الجمع والقوة والغنى، فالسيد الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها، والسيد اشتقاقه الأكبر السد والسداد والسؤدد والسواد، وكلاها بمعنى الجمع والقوة؛ لأن السيد لا يكون سيدًا إلا إذا كان قوي القلب، مجتمع النفس، حينئذ يكون سيدًا ينفع الآخرين، فالناس لا تقصد في حوائجها إلا قوي القلب الشجاع الذي يستطيع أن يعطي الناس حوائجهم، وكذلك المصمت الذي لا جوف له؛ فإن فيه معنى القوة؛ لأن الشيء كلما اجتمع بعضه إلى بعض كان قويًا، ولهذا سمي المكان المرتفع الغليظ صمدًا لقوته وتماسكه.\nومن هنا ندرك أن معنى الصمد هو: القوي الذي لا يحتاج إلى الأكل أو الشرب، ولا يحتاج إلى أي شيء من الأشياء، فهو الغني ﷾، وسيأتي الحديث عن الغنى -بإذن الله تعالى- بشكل مفصل عند اسم الله ﷿ الغني.\nولصفة الغنى والقوة آثار تربوية عظيمة منها: توحيد الدعاء، بحيث يدعو الإنسان الله ﷿، فهو الغني المالك لكل شيء ﷾.","vol":"2","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>معنى قوله تعالى: (لم يلد ولم يولد)</span>\n﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص:٣] معناها: أن الله ﷿ ليس له ولد.\n﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] يعني: أن الله ﷿ ليس له أب ﷾، وهذا يدل على كماله ﷾، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، وهذه الآية فيها تنزيه لله ﷿ عن الولادة والولد.\nوقد وجدت طوائف نسبوا إلى الله ﷿ الولد، وقد أبطل الله ﷿ نسبة الولد إليه بدليل عقلي واضح، وهو: أن وجود الولد يحتاج إلى وجود صاحبة -يعني: زوجة- وهذا أمر موجود في كل متولد، سواء كان من الإنسان أو الحيوان أو النبات، حتى النار كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فهي إنشاء من اشتباك شيئين بعضهما مع بعض، فيتولد عنهما النار، قال: كل المتولدات لا بد أن تكون من أصلين، ولا يوجد صاحبة لله ﷿، وهذا أمر يعترف به المشركون ولا ينكرونه، ومع ذلك نسبوا له الولد؛ فدل ذلك على بطلان هذه النسبة عقلًا، وإلا فإن الله ﷿ منزه عن كل تلك الصفات ﷾.\nيقول الله ﷿ في هذا الدليل العقلي: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام:١٠١]، هذا دليل عقلي، وهو استفهام إنكاري يتضمن النفي العقلي ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام:١٠١]، فإن العقل يقتضي أنه إذا وجد الولد لا بد أن توجد الصاحبة، فلما انتفت الصاحبة دل ذلك على انتفاء الولد كما هو معلوم.\nوهناك طوائف أو ديانات كافرة نسبت لله ﷿ الولد منهم اليهود والنصارى، فاليهود قالت: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]، والنصارى قالت: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]، ولم يكتفو بهذا فقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، يقول الله ﷿: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، ويقول الله ﷿: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة:٣٠].\nوممن نسب لله ﷿ الولد: المشركون، حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله، يقول الله ﷿: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل:٥٧] يعني: الولد، ولهذا يقول: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨]، فوجهه يسود وهو كظيم؛ لأن البنت عار عليه-كما يظن-ومع هذا ينسبها إلى الله ﷿، وهذا يدل على فجورهم وشدة كفرهم والعياذ بالله، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا﴾ [الإسراء:٤٠]، ويقول الله ﷿: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات:١٤٩ - ١٥٠]، ولا شك أن كلام المشركين باطل كما هو معلوم.\nولا يوجد أحد يقول: إن لله زوجة، ولا توجد مقالة لأحد أبدًا يقول فيها: إن لله زوجة، أو: إن لله صاحبة.\nوالدليل على ذلك: هو أن الله ﷿ عندما استدل على نفي الولد استدل بعدم وجود الصاحبة، ولا يمكن أن يستدل الله ﷿ على أمر إلا بأمر مقرر عندهم سابقًا، فلو كان هذا الأمر المستدل به ليس معترفًا به عندهم لما صح الاستدلال، فلما صح الاستدلال دل على أنه لا توجد طائفة من البشر تنسب لله ﷿ الصاحب.\nلكن هناك إشكال وهو: أن الله ﷿ يقول في آية أخرى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات:١٥٨]، والجواب على هذا الإشكال: أن المقصود به: الملائكة، حيث نسبوا الملائكة إلى الله ﷿، فقالوا: هم بنات الله، لكن قد يقول قائل: هنا الحديث عن الجن وليس عن الملائكة: فنقول: إن الِجَّنة المقصود بهم في هذه الآية: الملائكة، والدليل على هذا: أن الِجَّنة معناها: الوقاية، ولهذا يقول النبي ﷺ: (الصوم جُنَّة) يعني: وقاية، فمادة (جن) في لغة العرب تدل على الاستتار والوقاية، وهي حاصلة في الملائكة؛ لأن الملائكة يستترون عن بقية البشر، فيصبح معنى الِجَّنة هنا هو المعنى اللغوي وليس هو المعنى الاصطلاحي المعروف في خلق الله ﷿ الجن.\nوأما قول الكلبي وغيره: إن المشركين يقولون: تزوج من الجن فولد له الملائكة، فلا شك أن هذا القول باطل؛ لأنه لا","vol":"2","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>معنى قوله تعالى: (ولم يكن له كفوًا أحد)</span>\nقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، هذه الصفة أصل في التنزيه، كما أن الصمد أصل أيضًا في التنزيه، فكل الصفات السلبية والمنفية ترجع إليها، فالله ﷿ نفى عن نفسه اللغوب وهو التعب، ونفى عن نفسه السَّنة والنوم، ونفى عن نفسه ضياع الأشياء عنه فلا يعزب عن ربك مثقال ذرة؛ لكمال علمه ﷾.\nإذا نفينا عن الله ﷿ التعب فهو لكمال قدرته، وإذا نفينا عنه النوم فهو لكمال علمه وحياته، وإذا نفينا عنه عزوب الشيء فهو لكمال علمه وإحاطته ﷾، ويمكن أن تراجع هذه القاعدة في التدمرية.\nأسأل الله ﷿ أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح.","vol":"2","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>الأسئلة</span>","vol":"2","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>حكم التحاكم إلى القوانين الوضعية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نريد توضيحًا حول الحكم لله، هل معنى: أن الحاكمية لله: أن تنفي الإيمان عمن لم يحكم بحكم الله، ولكن دون اعتقاد في عدم صلاحية أحكام الله، وإنما كما نشاهد اليوم في كثير من الأحكام التي لا تؤخذ من الشرع مع انتسابهم إلى الإسلام؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  القوانين الوضعية كفر مخرج عن الإسلام حتى لو اعتقد أنها حرام، وحتى لو اعتقد أنها لا تنفع؛ لأن القوانين الوضعية أصلًا تبديل لأحكام الله ﷿، واستحلال للمحرمات، واستحلال المحرمات ردة؛ لأن الاستحلال معناه: عدم الانقياد والتسليم لأحكام الدين، وهذان ركنان من أركان الإيمان.\nمن جهة أخرى؛ فإن الموجود في العالم الإسلامي اليوم -لا يحتاج أصلًا إلى الحديث عن الاعتقاد وغير الاعتقاد- هو استحلال للمحرمات، وتبديل للدين بشكل واضح، فهو مثل إسلام التتر عندما أسلموا وبقيت عندهم قوانين جنكيز خان (الياسق) يحكمون به، فإن جنكيز خان حاكم تتري كافر، وضع لهم الياسق مجموعًا من الملة اليهودية والنصرانية والإسلام وزاد عليها من معرفته وفهمه، وأصبح من أسلم من التتر فيما بعد يحكم بها، فكفرهم أهل العلم، وكفرهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقد كان عند بعض العلماء في تلك الفترة شبهة؛ لأنهم ينتسبون للإسلام.\nوالحقيقة: أن انتساب الإنسان للإسلام وحده ليس كافيًا في بقاء الإسلام عليه إذا ارتكب ناقضًا من نواقض الإسلام، فالساحر مع أنه يصلي ويصوم ويحج ويزكي إلا أنه كافر؛ لأنه نقض الإسلام، مثل من يصلي ركعتين، لكنه بعد الركعة الأولى خرج منه صوت، فإذا قال: لماذا تبطلون أعمالي من تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة والركوع والسجود والقيام؟ نقول: نبطلها لوجود ناقض من النواقض، وهكذا الإسلام لو صلى وصام وحج وزكى وانتسب إلى الإسلام مع وجود ناقض من النواقض فإن الإسلام يبطل.\nالإسلام لا يثبت إلا بأمرين: العمل بالدين، وترك النواقض، وهذه مسألة مهمة جدًا، وكثير من الناس يغلب جانب العمل بالدين وينسى ترك النواقض، فإذا كفر أحدًا ممن ينتسب إلى الإسلام لوجود مكفر عنده صاح في وجهه، وقال: أنت من الخوارج، وأنت كفرت المسلمين، وهذا لا يصح، فالذين يطوفون حول القبور ويذبحون لها وينذرون لها ويستغيثون بغير الله ﷿.\nهذا كفر مخرج عن الإسلام، مع أنهم ينتسبون إلى الإسلام، فكذلك الذي يحكم بالقوانين الوضعية ويشرع بغير ما أنزل الله فهو كافر حتى لو انتسب إلى الإسلام.","vol":"2","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>الفرق بين الحصر والقصر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين الحصر والقصر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كلاهما بمعنى واحد الحصر مصطلح نحوي، والقصر مصطلح بلاغي.\nهذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"2","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>العقيدة الواسطية [٣]</span>\nمن جملة الآيات الوارد فيها ذكر أسماء الله تعالى وصفاته آية الكرسي، وهي أعظم آية في القرآن الكريم؛ لما تضمنته من أسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلا، كإثبات اسم الإله والحي والقيوم وصفات هذه الأسماء وغيرها من الصفات الدالة على عظمة المتصف بها ﷾.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>آية الكرسي ودلائل عظمتها وفضلها</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.\nأما بعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه؛ حيث يقول: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]].\nهذه الآية هي كما قال الشيخ رحمه الله تعالى: أعظم آية في كتاب الله، كما أن الفاتحة هي أعظم سورة في كتاب الله ﷾، والدليل على ذلك: ما رواه الإمام أحمد في مسنده، والإمام مسلم في صحيحه، عن أبي بن كعب ﵁: (أن النبي ﷺ سأله: أي آية في كتاب الله أعظم؟) وكان أبي بن كعب من القراء المشهورين الذين ذكرهم رسول الله ﷺ، وأمر أن يؤخذ القرآن عنهم، فقال ﷺ: (خذوا القرآن عن أربعة) ذكر اثنين من المهاجرين واثنين من الأنصار، فأما الأنصار فـ أبي بن كعب ومعاذ بن جبل، وأما المهاجرين فـ ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة، فقال أبي بن كعب: (الله ورسوله أعلم، فكررها عليه ﷺ مرارًا، فكان جواب أبي: الله ورسوله أعلم، إلا أنه قال في آخرها: هي قول الله ﷿: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فضرب رسول الله ﷺ على صدره وقال: ليهنك العلم أبا المنذر!)، وهذا إقرار لقول أبي بن كعب، وجاء زيادة في مسند الإمام أحمد: أن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده! إن لها لسانًا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش)، وهذه الزيادة صححها الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>ذكر الصفات الواردة في آية الكرسي الدالة على عظمتها</span>\nويدل على عظمة هذه الآية: كثرة الصفات الواردة في هذه الآية، فقد اشتملت هذه الآية على تسع صفات لله ﷾، هذا مع ضم المعاني بعضها لبعض، وأما عند التفصيل فإنها تتجاوز العشر إلى أكثر منها.\nأما هذه الصفات فهي: الصفة الأولى: صفة الألوهية، وهي مأخوذة من اسم الله.\nوالصفة الثانية: صفة الحياة، وهي مأخوذة من اسم الحي.\nوالصفة الثالثة: صفة القيومية، وهي مأخوذة من اسم القيوم.\nوالصفة الرابعة: صفة الملك، وهي مأخوذة من قوله تعالى: «لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ»، والصفة الخامسة: صفة العلم، وهي مأخوذة من قوله: «يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ» والصفة السادسة هي: صفة المشيئة، وهي مأخوذة من قوله: «إِلَّا بِمَا شَاءَ» والصفة السابعة هي: صفة القدرة، وهي مأخوذة من قوله: «وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا».\nوالصفة الثامنة: صفة العلو، وهي مأخوذة من اسم الله ﷿: «الْعَلِيُّ».\nوالصفة التاسعة: صفة العظمة، وهي مأخوذة من اسمه: «الْعَظِيمُ»، وتلاحظون أن هذه الصفات بشكل مختصر، وإلا فهناك مواطن من هذه الآية سيأتي معنا أنها ترجع إلى أحد هذه الصفات التي سبق أن بيناها آنفًا.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>صفة الألوهية</span>\nأما صفة الألوهية فمأخوذة من اسم الله ﷿: الله، وقد سبق أن الأسماء يؤخذ منها الصفات، والدليل على أن الأسماء تدل على معان، وأن هذه المعاني هي الصفات: قول الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، فإن الحسنى هنا على وزن فعلى، بمعنى البالغة الغاية في الحسن، ولا يمكن أبدًا أن تبلغ الغاية في الحسن إلا إذا دلت على معانٍ عظيمة، وصفات حميدة، وإلا فلو كانت أعلامًا محضة فقط لا دلالة لها على معانٍ فلا يمكن أن توصف بالحسن، وهذا هو الدليل على اشتقاق الصفات، أو أخذ الصفات من الأسماء.\nوصفة الألوهية صفة استحقاق، والمعنى: أن الله ﷿ مستحق للألوهية، ومستحق للعبودية.\nاسم الله ﷿ مأخوذ من الإله، وهو الراجح من أقوال أهل العلم في مسألة اشتقاق اسم الله ﷾، والإله معناه المعبود.\nوهذا مجمع عليه عند أهل اللغة؛ لأن الإله فعال بمعنى مفعول، أي: مألوه، وقد تعبر بعض كتب اللغة عن الإله بأنه الذي تألهه القلوب بمعنى أنها تحبه، والمحبة من العبادة، وقد يذكر بعضهم بعض معاني العبادة كالمحبة أو الاشتياق ونحو ذلك، وكلها بمعنى واحد، ويمكن أن يراجع في ذلك كتاب: (اشتقاق أسماء الله الحسنى) للزجاج رحمه الله تعالى، فقد أطال الحديث في هذا الباب، وهو من المتقدمين، وهو من أئمة اللغة.\nويدل على أن الإله بمعنى المألوه قول رؤبة بن العجاج: لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تألهي وكما تعلمون أن النبي ﷺ كان يتحنف أو يتحنث، وفي بعض ألفاظ الصحيح: (يتأله الليالي ذوات العدد)، ففسرت عائشة التحنف والتحنث بالثاء، أو التأله بأنه التعبد.\nوهذا أمر معروف في لغة العرب.\nولو رجعتم إلى تفسير ابن جرير الطبري ﵀: (جامع البيان)، تجدون أنه عندما فسر قول الله ﷿: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١]، ينقل بإسناده عن ابن عباس ﵄، أنه قال: الله: ذو الألوهية والمعبودية على خلقه جميعًا.\nوفي بعض ألفاظ الروايات عن ابن عباس قال: والعبودية، فيدل على أن الألوهية راجعة إلى العبودية، وكذلك قول الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]، قال قتادة: يعبد في السماء، ويعبد في الأرض.\nفهؤلاء هم السلف الصالح رضوان الله عليهم الذين فسروا معنى الإله، ولهذا أجمع السلف الصالح على أن الإله بمعنى المعبود وحده ﷾.\nولهذا فإن (لا إله إلا الله) معناها: لا معبود بحق إلا الله.\nوللمعلمي رحمه الله تعالى رسالة مخطوطة في مكتبة الحرم اسمها: العبادة، وعندما جاء يتحدث عن الإله قال: لما رأيت الخلاف حاصلًا في حياة الأمة في كثير من الأعمال والأقوال هل هي شركية أو ليست بشركية؟ علمت أن الأمة لا يمكن أبدًا أن تعمل عملًا وهي تعتقد أنه شرك، فعلمت أنهم يختلفون في فهم الشرك وفي فهم التوحيد، وعندما حققت الأمر وجدت أنهم يختلفون في معنى الإله.\nوهذا فعلًا واقع في حياة المسلمين، فإن الخلاف الواقع في كثير من الشركيات القائمة مثل الطواف حول القبور، والذبح لها، والنذر لغير الله ﷿، ونحو ذلك من التأله لغير الله ﷿ سببه الخلاف في فهم معنى لا إله إلا الله، فمعنى لا إله إلا الله عند السلف الصالح: لا معبود بحق إلا الله، والعبادة هي أعمال وأقوال وإرادات يعملها الإنسان لمن يعظمه، ويذل له، ويحبه، وهذا هو معنى الإله في مدلولها الشرعي كما هو معلوم.\nأما أهل البدع والضلالة فإنهم يرون أن (الله) يؤخذ منه صفة وهي الألوهية، ثم إذا جاءوا إلى تفسير (لا إله إلا الله) يفسرون الإله بأنه القادر على الإبداع والاختراع، وهذا هو قول المعتزلة والأشاعرة والصوفية، وهم يوافقون الأشاعرة في أغلب اعتقاداتهم الكلامية، فإن الإله عندهم بمعنى القادر على الاختراع، ولو رجعتم إلى كتب هؤلاء مثل كتاب القاضي عبد الجبار الهمداني -وهو من أئمة المعتزلة- شرح الأصول الخمسة، فإنه ينص على أن الإله معناه: القادر على الخلق والإبداع والاختراع، ويستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات:٣٥].\nوكذلك عامة كتب الأشاعرة، مثل كتب الجويني (الإرشاد) أو (لمع الأدلة) أو (الشامل في أصول الدين)، أو كتب الرازي أو أبي حامد الغزالي، أو عامة كتب الصوفية، فلو رجعتم مثلًا إلى (الرسالة) لـ أبي القاسم القشيري تجدون أنه يفسر الإله بأنه القادر على الاختراع، وكذلك إذا تأخرتم قليلًا إلى عبد الوهاب الشعراني فقد ألف كتابًا في عقائد الصوفية سماه: (الدرر والجواهر في عقائد الأكابر) -يعني: أكابر الصوفية- يفسر فيه الإله بأنه القادر","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>صفة الحياة</span>\nصفة الحياة مأخوذة من اسم الله ﷿ الحي، وقد ورد اسم الله ﷿ الحي في القرآن في خمسة مواضع: الموضع الأول: في هذه الآية من سورة البقرة.\nوالموضع الثاني: بداية سورة آل عمران: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١ - ٢].\nوالموضع الثالث: في سورة الفرقان، في قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨].\nوالموضع الرابع: في سورة طه في قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه:١١١].\nوالموضع الخامس: في سورة غافر في قول الله ﷿: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ﴾ [غافر:٦٥].\nهذه خمسة مواضع في اسم الله ﷿ الحي، ثلاثة منها اقترنت باسمه القيوم، واثنان منها لم تقترن به.\nوقد جاء في البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يقول في دعاء له طويل ومنه: (أنت الحي الذي لا يموت، والإنس والجن يموتون)، فقوله: (الذي لا يموت) في هذا الحديث، وفي قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] (الذي لا يموت) معناه: أنه ﷾ له الحياة الدائمة، والحياة المأخوذة من اسمه الحي، وهي الحياة التي لا أول لها ولا آخر الحياة الدائمة التي لا يعتريها نقص بوجه من الوجوه؛ فهو الحي الذي لا أول لحياته، وهو الحي الذي لا نهاية لحياته، فمن كان لحياته أول فهي ناقصة، ومن كان لحياته نهاية فهي ناقصة أيضًا، والحي الدائم الحياة الذي لا يعتري حياته نقص بوجه من الوجوه هو ربنا ﷾.\nوالله ﷿ وصف الإنسان بأنه حي، ولكن حياة الإنسان تختلف عن حياة الله ﷿، وقد أشرنا من قبل إلى أن الاتفاق في الأسماء لا يقتضي الاتفاق في المسميات، فالله ﷿ سمى الإنسان حيًا، فقال ﷾: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس:٣١].\nلا يوجد أحد ينكر حياة الله ﷿، لكن يوجد من يفسرها بغير معناها الصحيح.\nمثلًا: الباطنية ينفون عن الله ﷿ النقيضين، فيقولون: ليس بحي وليس بميت، ويسمون هذا النفي نفي العدم والملكة، فيقولون: الله ﷿ شيء آخر لا ترد عليه صفة الحياة وصفة الموت؛ لأن من ضمن أدلة أهل السنة على صفة الحياة العقل والنقل، فأما الاستدلال عليها بالعقل، فإنه يقال: لا يمكن أن يوجد إله ليس حيًا، لابد أن يكون الإله حيًا؛ لأن الحياة من صفة الكمال لله ﷿، وهو أحق بها ﷾.\nهذا من جهة.\nومن جهة أخرى: فإن الموصوف إذا لم يوصف بالحياة فإنه سيوصف بضدها وهو الموت، إذا قلنا: ليس حيًا، فمعنى هذا أنه ميت، إذا قلنا: ليس سميعًا، فمعنى هذا أنه أصم، إذا قلنا: ليس بمتكلم، فمعنى هذا أنه أبكم، وهذا استدلال صحيح على أن الشيء إذا لم يوصف بالكمال فإنه سيوصف بضده ومقابله وهو النقص، فإذا قالوا: الله ﷿ ليس حيًا نقول: إذًا تصفونه بالموت، قالوا: ولا ميت، قلنا: إذًا وقعتم في التناقض، كيف ليس بحي ولا ميت؟ قالوا: لأنه لا يقبل الحياة ولا الموت، فأنت الآن إذا جئت إلى المنديل هل تقول: المنديل حي؟ نقول: لا، هل تقول: إنه ميت؟ نقول: لا، إذًا لا يقبل الموت ولا الحياة، ولهذا نقول: الإله شيء آخر لا يقبل الموت ولا الحياة.\nوهذا كلام باطل، وإن كانوا قد أثروا بهذا القول في كثير من المشتغلين بعلم الكلام، إلى درجة أن الآمدي وهو من علماء الأشاعرة في كتابه (أبكار الأفكار)، يقول: إن هذا الدليل صحيح، ولا تستقيم الدلالة العقلية على إثبات حياة لله ﷿، وهذا كلام باطل، فإن الشيء الذي لا يمكن أن يوصف بالحياة ولا الموت أنقص مما يمكن أن يوصف بالحياة فتنفى عنه الحياة، ثم يكون مثلًا أخرس أو غير ذلك، فلو جئنا إلى أعمى حتى -ولله المثلى الأعلى- لكنه أعمى، وقارنا بينه وبين الكتاب، أو بينه وبين الميكرفون، فمن الذي عنده الكمال الذي ليست فيه حياة وهو الميكرفون أو الذي عنده حياة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ذلك الأعمى الذي عنده حياة، وهذا شيء طبيعي، فإن الحياة كمال.\nومن جهة أخرى: من قال: إن الجمادات لا توصف بالموت ولا بالحياة، فالله ﷿ قد وصف بعض الجمادات بالموت، فقال ﷿ عن الأصنام: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل:٢١] وهي أصنام من حجارة، والله ﷿ سمى الأرض قبل أن يأتيها المطر: ﴿الأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ [يس:٣٣]، فمع أنها جماد إلا أنه سماها أرضًا ميتة ووصفها بالموت، ثم إن الله ﷿ قادر على إحياء ما شاء وإماتة ما شاء، فإن الطعام كان يسبح في أيدي الصحابة رضوان الله عليهم، وقد حن الجذع الذي كان يقف عليه رسول الله ﷺ لما تركه وانتقل إلى المنبر، بل وسمع له ص","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>صفة القيومية</span>\nالقيوم: هذا الاسم ورد في ثلاثة مواضع، وقد سبق أن أشرنا إليها مع الحديث عن اسمه الحي، والقيوم اسم من أسماء الله ﷿ يؤخذ منه صفة القيومية، والقيومية صفة لله ﷿ لها معنيان: المعنى الأولى: القائم بذاته.\nوالمعنى الثاني: المقيم لغيره.\nفالقائم بذاته: معناه: أن الله ﷿ قائم لا يزول أبدًا، وكما أنه قائم بذاته فهو غني عن خلقه.\nوأما المقيم لغيره: فهو المقيم لغيره بتدبيره وتصريفه وإنعامه على غيره من مخلوقاته ﷾.\nفنلاحظ أن هذا الاسم وهذه الصفة تشتمل على صفة ذاتية، وهي القائم بذاته، وتشتمل على صفة فعلية وهي المقيم لغيره.\nأما صفة الحياة، فقد سبق أن أشرنا إلى أنها صفة ذاتية؛ لأنها غير متعلقة بمشيئة الله ﷿، فهي ثابتة له ﷾ ودائمة كصفة العلم والإرادة والقدرة.\nوأما القيوم فقد أشرت آنفًا إلى أنها تدل على صفة ذات، وتدل على صفة فعل، فأما الصفة الذاتية فهي بمعنى الباقي، وبمعنى الغني ﷾، وهي من هذه الناحية صفة ذاتية غير متعلقة بالمشيئة.\nوأما المقيم لغيره فمعناها: المدبر لشئونهم، فهي صفة فعلية لله ﷿، وإن كان أصلها ذاتي كما هو معلوم في الصفات الفعلية عمومًا.\n﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، هذه من الصفات المنفية، وهي وإن كانت ذاتية إلا أنها من الصفات المنفية، وقد سبق أن أشرنا إلى أن الصفات تنقسم إلى: صفات ثبوتية، وصفات منفية، وهذا يدل على اشتمال هذه الآية لجميع أنواع الصفات.\nالسِنة: هي النعاس، وهي نوم العين كما يسمونه، والنوم هو ثقل الرأس، وهو نوم القلب، فالله ﷿ لا تأخذه سنة ولا نوم؛ لكمال حياته وقيوميته.\nوالقاعدة في الصفات المنفية: أنها تتضمن كمال الضد؛ لأن النفي المحض لا فائدة منه، كما يقول العلماء، فقوله: «لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ»، صفة منفية، لكنها راجعة إلى اسمي الله ﷿ السابقين: وهما الحي والقيوم، ولهذا لم نفردها بصفة خاصة في تعدادنا لصفات الله ﷿ في هذه الآية.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>صفة الملك</span>\nثم قال: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، هذه تدل على صفة الملك، فالله ﷿ مالك كل شيء، ومن أسمائه ﷾: الملك، ولهذا يقول: ﴿مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:٢ - ٣] في آخر سورة في القرآن وهي سورة الناس، ومن أسمائه: المالك: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، ومن أسمائه: المليك، يقول الله ﷿: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥] فهذه ثلاثة أسماء لله ﷿ تدل على صفة الملك له ﷾.\nالملك من صفاته ﷿، ومعناه: أن الله ﷿ مالك لكل شيء، وأمره نافذ فيه، فإنه قد يوجد مالك وأمره غير نافذ في ملكه، لكن الله ﷿ مالك لكل شيء، وأمره نافذ في ملكه ﷾، وفي هذا رد على الفلاسفة أهل الضلال الذين يقولون: إن الله ﷿ خلق هذا الكون ثم أهمله، كأنه ليس بملكه.\nوقد ناقش أهل العلم مسألة: أيهما أبلغ ملك أم مالك؟ وذكر الشوكاني ﵀ في فتح القدير قولين لأهل العلم، والصحيح: أن ملك أبلغ من مالك، وإن كان معناهما واحد.\nوهذا يجرنا إلى الحديث عن الفرق بين ملك ومالك، فنقول: إن ملك صفة ذاتية، وأما مالك فهي صفة فعلية، وقد ذكر ذلك الشوكاني في فتح القدير.\nوهذا يدعونا أيضًا إلى الحديث عن مسألة أخرى مهمة، وهي مسألة: هل صفات الله ﷿ تتفاضل، أو أنها ليست بمتفاضلة؟ هذه المسألة بحثها أهل العلم تبعًا لمسألة: هل آيات وسور القرآن تتفاضل أو ليست بمتفاضلة؟ والتحقيق في هذه المسألة: أن للتفاضل بين آيات القرآن جهتين: الجهة الأولى: غير متفاضلة، وهي كونها من كلام الله ﷿ جميعًا.\nوالجهة الثانية: أنها متفاضلة باعتبار الفروق في المعاني والدلالات، فإن الآيات التي وردت في التوحيد وفي الأمر بعبادة الله ﷿ أعظم من الآيات التي وردت في القصص أو الأحكام، ولهذا كانت سورة الفاتحة أعظم سورة؛ لاشتمالها على معاني التوحيد، وكذلك سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تعدل ثلث القرآن.\nويمكن أن نورد كلامًا لـ شيخ الإسلام ﵀ بحث فيه مسألة تفاضل أسماء الله ﷿ ضمن بحثه لتفاضل القرآن، فبعد أن انتهى من الحديث أن القرآن يتفاضل، قال: [وقول من قال: صفات الله لا تتفاضل ونحو ذلك.\nقول لا دليل عليه، بل هو مورد النزاع، ومن الذي جعل صفة الرحمة لا تفضل على صفة الغضب؟! وقد ثبت عن النبي ﷺ: (إن الله كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي)، وهذا يدل على أن الصفات تتفاضل، وفي رواية: (تسبق غضبي)، وصفة الموصوف من العلم والإرادة والقدرة والكلام والرضا والغضب وغير ذلك من الصفات تتفاضل من وجهين: أحدهما: أن بعض الصفات أفضل من بعض، وأدخل في كل الموصوف بها -لعله في كمال الموصوف بها- فإنا نعلم أن اتصاف العبد بالعلم والقدرة والرحمة أفضل من اتصافه بضد ذلك، لكن الله تعالى لا يوصف بضد ذلك، ولا يوصف إلا بصفات الكمال، وله الأسماء الحسنى يدعى بها، فلا يدعى إلا بأسمائه الحسنى، وأسماؤه متضمنة لصفاته، وبعض أسمائه أفضل من بعض، وأدخل في كمال الموصوف بها، ولهذا في الدعاء المأثور: (أسألك باسمك العظيم الأعظم الكبير الأكبر)، ولقد دعا الله -عندما قال النبي ﷺ-: (لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى) وأمثال ذلك، فتفاضل الأسماء والصفات من الأمور البينات].\nهذا واضح على أن الصفات من حيث معانيها بعضها أفضل من بعض، ولهذا استدل الشيخ على تفاضل صفات الله ﷿ بدليلين: الدليل الأول: (إن رحمتي سبقت غضبي) وهذا يدل على فضل صفة الرحمة على صفة الغضب، وإن كان الموصوف بها واحد، وإن كانت جميعًا هي صفات كمال، لكن هي في الكمال متفاوتة، ولهذا أسماء الله تدل على أن صفاته متفاوتة أيضًا، فمنها الاسم الأعظم كما هو معلوم.\nوالثاني: أن الصفة الواحدة قد تتفاضل، فالأمر بمأمور يكون أكمل من الأمر بمأمور آخر، مع أن الصفة واحدة وهي الأمر، والرضا عن النبيين أعظم من الرضا عمن دونهم، مع أنها صفة واحدة وهي الرضا، والرحمة لهم أكمل من الرحمة لغيرهم، وتكليم الله لبعض عباده أكمل من تكليمه لبعض، وكذلك سائر هذا، وكما أن أسماءه وصفاته متنوعة فهي أيضًا متفاضلة، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع مع العقل، وإنما شبهة من منع تفاضلها من جنس شبهة من منع تعددها؛ وذلك يرجع إلى نفي الصفات؛ لأنهم يعتقدون أننا إذا قلنا: إن صفات الله ﷿ متفاضلة، فمعنى هذا: أننا نعيب بعض الصفات، وهذا خطأ في الفهم، وكذلك الذين يقولون: إن صفات ا","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>ملك الشفاعة</span>\nأما قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] فهو يدل على ملك الشفاعة؛ وذلك من وجهين: الوجه الأول: أن الشفاعة التي كان يدعيها المشركون هي: أن هذه الآلهة المعبودة تشفع عند الله بدون إذنه، فتصوروا أن الإله مثل خلقه، ثم جعلوا لآلهتهم من الاحترام والتقدير ما يجعل الإله يتنازل عما يريد لهذه الآلهة، وهذا قدح فيما ملك الله ﷿، فإنكم تعلمون أن الشفاعة تكون بغير الإذن في الغالب، وتكون لمن عزم على شيء ثم أبطله من أجل الشافع، وهذا لا يمكن أن يكون في صفات الله ﷿.\nهذا من جهة.\nومن جهة ثانية: فإن الله ﷿ مالك لكل شيء حتى الشفاعة التي هي من الخير، فمع كونها من الخير إلا أن الله ﷿ مالكها، وهذا يبين سعة ملك الله ﷾.\nقوله: «إِلَّا بِإِذْنِهِ» يدل على أن هناك شفاعة تكون يوم القيامة بإذن الله ﷿، وهي تكون لمن رضي له قولًا وهو الموحد؛ لأن الله ﷿ لا يقبل الشفاعة في المشرك أبدًا، وفي هذا الرد على المعتزلة والخوارج الذين ينفون شفاعة الله ﷿، وسيأتي الحديث عنهم -إن شاء الله- في الحديث عن اليوم الآخر.\nثم قال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، هذه هي صفة العلم، وسيأتي الحديث عنها فيما بعد.\nأما قوله: «وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ»، فقوله: «إِلَّا بِمَا شَاءَ» فيه صفة المشيئة وأيضًا سيأتي الحديث عن صفة المشيئة بإذن الله تعالى؛ حيث ذكر الشيخ مجموعة من الآيات تتعلق بها كثير من المسائل.","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>إثبات الكرسي وبيان المراد به</span>\nقال الله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، الكرسي هو مخلوق من مخلوقاته ﷾ العظيمة وهو غير العرش؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ قال: (ما الكرسي في العرش إلا كحلقة ألقيت في فلاة)، فهذا يدل على أن الكرسي غير العرش، وأنها جميعًا مخلوقة وليست من صفات الله ﷿، لكنها موضع قدمي الرب ﷾، فقد ثبت في السنة لـ عبد الله ابن الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الكرسي موضع قدمي الرب ﷾، ولا يقدر قدره إلا الله.\nففي هذا الأثر عن ابن عباس فائدتان: الفائدة الأولى: أن الكرسي غير العرش.\nوالفائدة الثانية: أن الكرسي هو موضع قدمي الرب ﷾، وهذا روي مرفوعًا وموقوفًا، والصحيح الموقوف، فإن المرفوع لم يثبت، ولكن هذا الموقوف له حكم الرفع؛ لأنه من الكلام في صفات الله ﷿، ولا يمكن أن يتكلم ابن عباس في صفات الله ﷿ برأيه، وإنما يكون ذلك من كلام النبي ﷺ.\nوفي هذا أيضًا رد على الذين أولوا الكرسي بأنه علم الله ﷿، وهذا خطأ، فإن الكرسي مخلوق من مخلوقات الله ﷿، وهو موضع قدمي الرب ﷾، كما سبق في الأثر عن ابن عباس ﵄، فمن أوله بالعلم فقد ابتدع إلا إذا كان من أهل السنة، وكانت عنده شبهة فإنه يكون قد أخطأ، كما حصل للطبري رحمه الله تعالى.\nقال: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥]، أي: لا يعجزه أو لا يتعبه ﷾.\nفقوله: «وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا»، هذه من الصفات المنفية التي تدل على كمال الضد، وهي صفة القدرة، وسيأتي الحديث عنها مفصلًا عند صفة القدرة؛ لأنها تتعلق بها مسائل كثيرة جدًا.\nقوله: «وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا»، يشبه قول الله ﷿: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، واللغوب هو التعب، وقد سبق أن بينت أن هذه الصفات المنفية تدل على كمال الضد، فـ: «لا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا» يعني: لا يتعبه ولا يعجزه حفظهما؛ لكمال قوته وقدرته ﷾، وكذلك: «وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ»، يعني: وما مسنا من إعياء وتعب؛ لكمال قدرته ﷾.\n«وَهُوَ الْعَلِيُّ» العلي اسم من أسماء الله ﷿ يتضمن صفة العلو لله ﷿.\nوالعلو لله ﷿ ثلاثة أنواع: علو القهر، وعلو القدر، وعلو الذات، وسنفرد لها إن شاء الله بالحديث لاحقًا.","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>صفة العظمة</span>\nقوله: ﴿الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فيه إثبات صفة العظمة لله ﷿، وهي صفة ذاتية له ﷾، وبعض المفسرين فسر العظيم بمعنى المعظم الذي يعظِّمه خلقه، وهذا التفسير باطل غير صحيح؛ لأنه لو كان معناه كذلك؛ لوجب أن يكون غير عظيم قبل خلقه، أو غير عظيم بعد خلقه وإذا زالوا جميعًا، وهذا كله باطل، فإن الله ﷿ عظيم قبل خلقه وعظيم بعد فناء خلقه، فهو عظيم ﷾ في كل وقت وحال، فلا يصح إذًا تفسير العظيم بأنه المعظم من خلقه، وإن كان هذا من لوازم الصفات، فهو ﷾ عظيم في ذاته قبل خلقه وبعد خلقه، وأيضًا يعظمه خلقه ﷾، لكن الاقتصار على تفسير الصفة بأنه المعظم عند خلقه وعدم إثبات الصفة له ﷾، فلا شك أن هذا خطأ وغير صحيح.","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>الأسئلة</span>","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>الموقف من إحداث تقدير كلمة (بحق) في خبر (لا إله إلا الله)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل تقدير قول: (لا إله بحق إلا الله) من ألفاظ السلف أم أنها لفظة مستحدثة للرد على الخصوم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا التقدير معناه صحيح، ولا يشترط أن يذكر السلف هذا الكلام بنصه ما دام أن معناه صحيح وأنه حق؛ لأن السلف كانوا يفهمون من قوله: لا إله إلا الله يعني: لا معبود بحق إلا الله، ولهذا ينظر كيف كانت التعبيرات الواردة عن السلف مثل ابن عباس وقتادة، لكن لما تحدث الناس في اللغة وأعربوا هذه الآية، وجدوا أن هناك خبرًا محذوفًا فاختلفوا في تقديره، وسبق أن بينا التقدير الصحيح في هذا.","vol":"3","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>الشيوعيون وموقفهم من إثبات وجود الله تعالى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أشكل علي قولكم: إنه لا أحد ينكر وجود الله وأنه مستحق للعبادة مع وجود مقولة الشيوعيين: (لا إله والحياة مادة)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الحقيقة أن المذهب الشيوعي وإن كان يعلن إنكاره للإله إلا أنه في حقيقة الأمر لا ينكره؛ لأنه يسند هذا الخلق إلى الطبيعة، فهم غيروا اسم الإله، بدل أن يقولوا: الله، قالوا: الطبيعة، وقد هربوا من نسبة الخلق لله ﷿ لسببين: السبب الأول: الضغط الكبير الذي واجهه الناس من الكنيسة الغربية النصرانية.\nوالسبب الثاني: هو دخول اليهود في الفساد العقائدي كما تعلمون؛ بحيث إنهم نشروا الإلحاد، وكارل ماركس زعيم الشيوعية أصله يهودي كما هو معلوم، فهؤلاء في الحقيقة لا ينكرون وجود الله ﷿، بل هم يثبتونه، لكن بغير اسمه.","vol":"3","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>إيضاح المراد بتفسير (الرحيم) بذي الرحمة الواصلة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكر الشيخ ابن عثيمين حفظه الله أن معنى الرحمن، أي: صاحب الرحمة الواسعة، والرحيم: صاحب الرحمة الواصلة، فما معنى الرحمة الواصلة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لعل الشيخ يقصد بالرحمة الواصلة يعني: الرحمة التي تصل إلى خلقه، وهذا هو التحقيق في الفرق بين اسم الله ﷿ الرحمن والرحيم، فإن الرحمن صفة ذاتية، والرحيم صفة فعلية، فيقصد بالواصلة التي تصل إلى خلقه؛ لأن الفعل يصل إلى الخلق كما هو معلوم، وإنما أتى بكلمة الواصلة؛ لأنها متناسبة مع الواسعة، وإلا فمعنى الواصلة كما يظهر لي أن معناها التي تصل إلى خلقه فهي صفة فعلية، وهذا التحقيق ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى.","vol":"3","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>حكم إطلاق لفظ (العقل الإلهي) على الله تعالى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم إطلاق لفظ العقل الإلهي على الله ﷿؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يصح أن يطلق لفظ العقل الإلهي على الله ﷿، فإن الله ﷿ موصوف بصفات الكمال، وهذا في الأصل مصطلح فلسفي، فإن الفلاسفة يقولون: إن العلة الأولى صدر عنها عقل ونفس فتزاوجا، فصدر عنهما عقل ونفس، إلى عشرة عقول وأنفس، ثم إلى العقل الفعال وهو العاشر، ومن العقل الفعال نتج هذا الكون المشاهد الآن نتوج المعلول من علته، فهو اصطلاح غير صحيح، لكن يوجد مثلًا بعض الكُتَّاب قد يستخدم بعض العبارات في خطابه لطائفة من الفلاسفة أو غير ذلك؛ ليدلل على بطلان قولهم، لكن الصحيح أنه لا يصح أن يوصف الله ﷿ بهذا على سبيل التقرير.","vol":"3","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>معنى تباين الأسماء والصفات بالنظر إلى ذواتها وترادفها بالنظر إلى الذات الإلهية العلية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى قول العلماء: إن أسماء الله وصفاته هي بالنظر إلى الذات من قبيل الترادف، وبالنظر إلى الصفات من قبيل التباين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أسماء الله ﷿ متعددة، فهي بالنظر إلى الله ﷿ مترادفة؛ لأن الله واحد، وهذه أسماء متعددة، فهي أسماء لإله واحد، فهي مترادفة من هذه الجهة، ولكن من جهة المعاني متباينة مختلفة، وليس المقصود التباين كله، وإنما المقصود التباين بمعنى اختلاف المعاني، فالرحمة تختلف عن الحياة تختلف عن العلم تختلف عن القدرة وهكذا.","vol":"3","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>بيان المراد بالمفاضلة بين اسمي الملك والمالك</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  علمت أن اسم الله الملك أفضل من المالك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس معنى أفضل يعني: أن الاسم الثاني مفضول بمعنى النقد مثلًا، وإنما المقصود أن هذا أدل على معنى الملك من ذاك.\nوهناك قراءة في الفاتحة بـ (ملك يوم الدين)، ولكنها ليست رواية حفص عن عاصم، فإذا كنت تقرأ برواية حفص عن عاصم اقرأ: (مالك يوم الدين)، وإذا قرأت لمن يقرأ: (ملك يوم الدين) فالتزم قراءته، فإن التنقل في القراءات غير صحيح.","vol":"3","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>حكم الحاكم بغير ما أنزل الله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أشكل علي قولكم بأن من يحكم بالقوانين الوضعية من المسلمين ولو كان يعتقد أنها حرام أو أنها لا تنتفع أنه كافر، وقد قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، وقال: ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، أليس هذا تفصيلًا من رب العالمين، وقد قرأت في شرح الأصول الثلاثة لفضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ في هذا الموضوع تفصيلًا في الحكم بغير ما أنزل الله على ثلاث حالات: أنه يكفر إن كان يعتقد بأنها أفضل من حكم الله.\nأنه ظالم وليس بكافر إن كان لا يعتقد أنها أفضل من حكم الله.\nأنه فاسق وليس بكافر إن كان حكم بالقوانين محاباة من أجل رشوة أو غيرها.\nأرجو منكم تبيين هذا الأمر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الحكم بغير ما أنزل مسألة كبيرة من مسائل الشرع، وقد اختلف فيها الناس اختلافًا كبيرًا، والحكم بغير ما أنزل الله نوعان: نوع منه معصية وفسق لا يخرج عن الإسلام، ومن قال بأنه يخرج عن الإسلام فهو من الخوارج.\nونوع يخرج عن الإسلام وهو كفر بالله رب العالمين.\nفأما النوع الذي لا يخرج عن الإسلام فهو كحال القاضي الذي يقضي بين الناس بكتاب الله ﷿ وبسنة الرسول ﷺ، ثم يحكم في بعض المسائل بهواه وشهوته، فهذا لا شك أنه ليس بكافر، وليس بخارج عن الإسلام إلا إذا استحل هذا الحكم واعتقد أنه حلال.\nالنوع الثاني من الحكم بغير ما أنزل الله: هو الحكم بغير ما أنزل الله المخرج عن الإسلام، وهذا بعضه متعلق بعقيدة الإنسان، كأن يحكم بغير ما أنزل الله، ويعتقد أنه أفضل من حكم الله فهذا كافر، أو يعتقد أنه مساوٍ لحكم الله فهذا كافر، أو يعتقد أن هذا الحكم مع أنه بغير ما أنزل جائز فهذا كافر.\nوالنوع الثاني من الحكم المخرج من دين الله ﷿: هو الحكم بالقوانين الوضعية، وتبديل أحكام الشرع، وتنحية الشريعة، والإتيان بهذه القوانين الوضعية بدلًا عنها، فهذا الفعل حتى ولو كان لا يعتقد أنها مثل حكم الله، أو أنها أفضل من حكم الله، أو أنها مساوية لحكم الله، وحتى لو لم يكن مستحلًا لها، وإنما هو يرى أن هذا الفعل في ذاته حرام: فهذا كفر مخرج عن الإسلام.\nوالفرق بين فعل القاضي الذي اعتبرناه معصية، وبين الحكم بالقوانين الوضعية: أن القاضي يحكم بشريعة الله ﷿ ولم يبدل أحكام الدين، حتى لو حكم بشهوته وهواه في مسألة من المسائل، فإنه لم يبدلها، ولم يجعل هذا الحكم عامًا على كل المسلمين، وإنما في مسألة لهواه، أو لقرابة، أو لأي أمر من الأمور، حتى ولو كثرت هذه منه فهي معصية من المعاصي.\nأما القانون، فمعنى كلمة قانون: قاعدة مستمرة تنطبق على كل الناس، مثلًا: حكم الله ﷿ في الزاني أنه إذا ثبت عليه الزنا وكان غير متزوج فإنه يجلد، وإذا كان متزوجًا يرجم، فإذا جاء شخص وبدل حكم الله ﷿ وقال: لا، إذا كان متزوجًا أو غير متزوج فإنه لا يرجم، وإنما يسجن ويعاقب أو يغرم بمال.\nهذا كفر مخرج عن الإسلام ما فيه شك؛ لأنه تغيير لحكم الله ﷿، وهذا هو حقيقة الاستحلال حتى لو قال: أنا غير مستحل، فإنه كذاب؛ لأن تغيير الحكم في ذاته استحلال، فالمغير المبدل لشريعة الله ﷿ كافر، والذي يحكم به كافر أيضًا، والذي يتحاكم إليه مع رضاه به واختياره في ذلك كافر أيضًا؛ لرضاه بالتحاكم إلى غير شرع الله ﷿.\nوهذا الكلام ليس بدعًا أتيت به من عندي، وإنما هو كلام أهل العلم، وآخر أهل العلم الذين تحدثوا عن هذا الموضوع بشكل مفصل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى، له رسالة اسمها: تحكيم القوانين، فإنه ذكر الحكم بغير ما أنزل الله المخرج من الملة، ثم ذكر المعتقد، فقال: إذا اعتقد أنها أفضل من حكم الله هذا نوع، وإذا اعتقد أنها مساوية لحكم الله فهذا نوع، إذا اعتقد أنها حلال فهذا نوع، ثم جعل نوعًا خاصًا غير هذه الأنواع وهو الحكم بالقانون الوضعي، واعتبره من الكفر الأكبر؛ لأن هذا إلغاء لدين الله ﷿ وإلغاء للشريعة، وهو في الحقيقة طي لبساط الشريعة عندما تلغي وتنصب محاكم في الأموال والدماء والعلاقات في أي أمر من الأمور، وتقصر دين الله ﷿ في الأحوال الشخصية: هذا كفر بين لا إشكال فيه، فلو رجعتم إلى رسالة الشيخ ستجدون أنها مفصلة.\nهذا من جهة.\nومن جهة ثانية: فإن الله ﷿ قد كفر اليهود والنصارى؛ لأنهم اتبعوا التبديل -أما المبدل والمغير فلا شك في كفره- فالله ﷿ يقول: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]، لماذا اتخذوهم أربابًا من دون الله؟ ورد في حديث عدي بن حاتم: (أنهم يحلون لهم الحرام فيتبعونهم)، والاتباع عمل وليس اعتقاد، يقولون: هذا حلال وهو حرام فيتبعونهم عليها.\nوحتى لا يكون كلامنا نظري، فإن الواقع هو أن القوانين الوضعية الموجو","vol":"3","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>الصفات وعدم انحصار أخذها من الأسماء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل صفات الله تنحصر في أسمائه، أم أن هناك صفات زائدة عن أسمائه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الصفات لا تنحصر في الأسماء، بل هناك صفات زائدة على أسمائه مثل صفات الفعل: النزول الإتيان، أو من بعض صفات الذات مثل اليدين والعينين ونحو ذلك، وهي ليست مأخوذة من أسماء الله ﷿.","vol":"3","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>حكم الإخبار عن الله ﷿ بأنه موجود</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل كلمة (موجود) تقتضي أن يكون الشيء الموجود في حيز من المكان والزمان، ونحن نعلم يقينًا أن الله قائم بذاته لا يحتاج إلى زمان ولا إلى مكان، فهل يليق بجلاله أن نقول: إن الله موجود، أم أن هناك لفظًا آخر، ويجب أن نستخدم غير هذا اللفظ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن الله ﷿ هو الأول قبل الزمان والمكان، وهو الآخر ﷾، لكن لا يعني هذا أنه لا يقال: موجود، يمكن أن يخبر عنه بأنه موجود، لكن ليس من أسمائه الموجود؛ لأن أسماءه حسنى، ولفظ الوجود ليس فيه معنى حسن زائد على مجرد وجود الشيء.","vol":"3","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>تفاضل الصفات ودلالته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يكون التفضيل في الصفات والآيات من خبر الرسول ﷺ فقط؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  صفات الله ﷿ متفاضلة من حيث معانيها كما سبقت الأدلة على هذا، لكن لا يعني هذا أن الصفة المفضولة نقص، بل هي صفة كمال، وهي حسنى بلغت الغاية في الحسن، لكن تلك الصفة بلغت أعلى منها، فليس في هذا أي نقص لصفات الله ﷿.","vol":"3","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>حكم الخروج من المسجد بعد الأذان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم الخروج من المسجد بعد الأذان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ورد في خبر عن أبي هريرة ﵁: أنه رأى رجلًا خرج من المسجد، فقال: لقد عصى أبا القاسم.","vol":"3","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>حكم إثبات الصفات بالعقل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل هناك صفات لله ﷿ تثبت بالعقل فقط؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يمكن أن تكون هناك صفة تثبت في العقل فقط ولم ينص عليها القرآن أبدًا، لكن نحن عندما نستدل على بعض الصفات بالعقل هو من باب دلالة القرآن عليها فقط، ولسنا بحاجة إلى أن نستدل على صفات الله ﷿ بالعقل، وإنما نحن مؤمنون بكلام الله ﷾.","vol":"3","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>حكم تفسير الإله بالحاكم في كلمة التوحيد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يصح أن تفسر لا إله إلا الله، بأن معناها: لا حاكم إلا الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان يقصد لا حاكم إلا الله، يعني: أن الأمر بيد الله ﷿، وأن الحكم بيد الله فيجوز، فإن الحكم لله ﷿؛ لأن الحكم نوع من أنواع العبادة يجب أن يكون خاصًا لله ﷿، ولهذا أخبر الله ﷿ أن الحكم له فقط: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، فدل على أن الحكم من العبادة، فلاحظوا معنى الحكم والعبادة، الحكم نوع من أنواع العبادة، كما أن الذل والخضوع نوع آخر، فالحكم ليس خارجًا عن العبادة.","vol":"3","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>الجمع بين تفسير الكرسي بأنه موضع القدمين والخبر عن صفة الكرسي بالنسبة إلى العرش</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أشكل كلامك عن الكرسي، فكيف أجمع بين أنه موضع القدم لله ﷿ وبين كلام الرسول ﷺ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كلام الرسول ﷺ هو: (ما الكرسي -يقارن- في العرش -يعني: في مقابل العرش- إلا كحلقة ألقيت في فلاة)، يعني: الكرسي بالنسبة للعرش مثل الحلقة التي ألقيت في صحراء، ولا يقصد أن الكرسي داخل العرش، فلا يفهم هذا الفهم.","vol":"3","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>أصل تأويل غير أهل السنة الإله بالمبدع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف حول غير أهل السنة معنى الإله إلى الإبداع والاختراع، أي: ما هو أصل تأويلهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يقولون: إله فعال، وفعال في اللغة العربية تأتي بمعنى فاعل وبمعنى مفعول، وإله إذا جاءت بمعنى مفعول يعني: مألوه، فهم قالوا: إله بمعنى فاعل، يعني: خالق، والحقيقة أن اللغة لا تعضدهم، وكذلك الشريعة.","vol":"3","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>مصادر أخذ صفات الله ﷿</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف يمكن أخذ صفات الله ﷿؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  تؤخذ صفات الله ﷿ أولًا: من أسمائه، وثانيًا: من كلام الله ﷿، وكلام الرسول ﷺ الذي فيه بيان لصفاته أو أفعاله، فإن الأفعال جزء من الصفات.","vol":"3","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الصفات الذاتية غير متعلقة بمشيئة الله ﷿، وإنما لم يزل متصفًا بها دائمًا، وأما الفعلية، فهي المتعلقة بمشيئة الله ﷿، وقد يعبر عنها العلماء فيقولون: الصفات الذاتية هي التي لا تنفك عن الله ﷿، والصفات الفعلية ما تعلقت بمشيئة الله تعالى.","vol":"3","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>حكم ترتيب الطلاب في صفوف الصلاة بحسب ترتيب صفوف الدراسة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  مدرس يقول: بأنهم يرتبون الفصول الدراسية على الصفوف الأولى في الصلاة، فمثلًا الصف الثالث في المقدمة، والصف الثاني يليه وهكذا، يقول: هل في هذا حرج؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان في هذا ضبط للطلاب فليس فيه حرج، لكن الأفضل هو حث الطلاب على الصف الأول، ثم إذا أردتم إقامة الصلاة ترتبون البقية الباقية غير المنظمة بالطريقة التي ترونها، لكن تربيتهم على الاهتمام بالصف الأول أفضل وأحسن، وأقوم في تربيتهم.\nهذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.","vol":"3","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>العقيدة الواسطية [٤]</span>\nأثنى الله تعالى على نفسه في كتابه الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، ومن جملة ذلك وصفه تعالى لنفسه في آية سورة الحديد بكونه الأول والآخر والظاهر والباطن، وكل ذلك مما يدل على صفات كماله ونعوت جماله، كما فسره النبي ﷺ وبينه، ومن جملته وصفه تعالى نفسه بصفة العلم الشامل لكل شيء، وما تضمنته هذه الآية العظيمة هو ما يعتقده أهل السنة خلافًا للمنحرفين من الفلاسفة ونحوهم.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>ما تضمنه قوله تعالى: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن) من صفات الله ﷿</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.\nأما بعد: يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣].\nهذه الآية تشتمل على خمس صفات: الصفة الأولى: الأولية، الصفة الثانية: الآخرية، الصفة الثالثة: الظاهرية، الصفة الرابعة: الباطنية، الصفة الخامسة: العلم.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>معنى اسم الله تعالى (الأول) وما يؤخذ منه من الصفات</span>\nقوله تعالى: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ»، هذه من أسماء الله ﷾، وأحسن تفسير لها هو ما ثبت عن النبي ﷺ فيما رواه مسلم أنه قال: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء).\nفهذا الحديث مفسر للآية، فاسم الله ﷿ الأول يؤخذ منه صفة الأولية، وقد سبق أن قررنا قاعدة مشهورة عند أهل العلم وهي: أن كل اسم من أسماء الله ﷿ متضمن لصفة من الصفات.\nوالدليل هو: قول الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، ووجه الدلالة من هذه الآية على أن كل اسم من أسماء الله مشتمل على صفة: أن الحسنى هي البالغة الغاية في الحسن، ولا يمكن أن تبلغ الغاية في الحسن إلا إذا كان لها معان حسنة ومدلولات عظيمة، فلو كانت أسماء مجردة لا معاني لها، وأعلامًا محضة؛ فإنها لا تكون حسنة ولا توصف بالحسن، فلما وصفت بالحسن علمنا أن هذه الأسماء تتضمن معان وصفات، فإذا جئنا نطبقها على آية الحديد: «هُوَ الأَوَّلُ» نأخذ من اسمه الأول صفة الأولية، ومعناه كما فسره الرسول ﷺ في الحديث: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء) ففسره بأنه الذي لا شيء قبله، ومعنى الأول: الذي لا يوجد له بداية يبتدئ منها.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>خطأ أهل الكلام في تسمية الله ﷿ بالقديم</span>\nوأهل الكلام جعلوا لله ﷿ اسمًا وهو القديم، وهذا الاسم الذي يرددونه دائمًا: القديم والأزلي لا يصح أن يكون اسمًا لله ﷾؛ لأن القِدم نوعان: قدم مطلق وقدم نسبي، فالقدم المطلق هو الذي ليس له بداية، وهذا هو معنى الأول، وأما القدم النسبي فإنه الذي مضى عليه زمن طويل في القدم، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩] يعني: من طول المكث وطول الزمان.\nوهناك قاعدة ذكرها ابن القيم ﵀ في بدائع الفوائد: أن الصفة التي تنقسم إلى معنيين أحدهما حسن والآخر غير حسن فإنه لا يصح أن تطلق على الله ﷿، ولهذا لا يصح أن يسمى الله ﷿ بالقديم، وإن كان يصح أن يخبر عنه بالقديم والأزلي، وسبق أن باب أسماء الله ﷿ وصفاته توقيفي، وأما باب الإخبار عنه فإنه يصح بكل معنى صحيح عن الله ﷾، بشرط أن يكون هذا المعنى قد دلت عليه الأدلة.\nإذًا: الأول هو الذي ليس قبله شيء، وليس له بداية ﷾.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>معنى أسماء الله: الآخر والظاهر والباطن</span>\n«وَالآخِرُ» هو الذي ليس بعده شيء، وليست له نهاية هذا من جهة الزمان.\nقوله: (وأنت الظاهر فليس فوقك شيء)، وهذا يدل على صفة العلو، وسيأتي الحديث عن صفة العلو في حديث مستقل.\n(وأنت الباطن فليس دونك شيء)، ومعنى الباطن: القريب من كل شيء في علمه وقدرته ﷾، وسيأتي أيضًا الكلام بإذن الله تعالى عن صفة القرب لله ﷾.\nونلاحظ أن هذه الأسماء الأربعة زمانية ومكانية، فأما الزمانية فهي: الأول والآخر، وأما المكانية فهي: الظاهر والباطن.","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>ضلال الفلاسفة ومن وافقهم في قولهم بقدم العالم</span>\nلا توجد طائفة من الطوائف تنكر أن الله ﷿ هو الأول، لكن يوجد من الطوائف من يجعل مع الله ﷾ من مخلوقاته قرينًا له في الأولية، فيشرك في هذه الصفة، وهم الفلاسفة -قبحهم الله- الذين يقولون بقدم العالم، فإنهم يقولون: إن الإله علة موجبة تقتضي معلوله، فلما كان الإله لا أول له ولا بداية، وهو علة موجبة تقتضي معلولها، كان معلولها أيضًا لا بداية له، فاعتقدوا أن هذا الخلق قديم أزلي أول، كما أن الله ﷿ هو الأول، ويقولون: إنها نتجت عن الله ﷿ وصدرت عنه صدور المعلول عن علته بدون إرادة، ولهذا كفرهم السلف رضوان الله عليهم.\nوممن يقول بهذا القول: ابن سينا -قبحه الله- وهو من الفلاسفة، فإن الفلاسفة ينقسمون إلى قسمين: الفلاسفة اليونانيون، والفلاسفة الإسلاميون، وهم ليسوا بمسلمين، لكن ينسبونهم إلى الإسلام؛ لأنهم ينتسبون إليه.\nفالفلاسفة اليونانيون هم أرسطو وأفلاطون وبعضهم من الأطباء مثل أبقراط وجالينوس وغيرهم من الفلاسفة المتقدمين، وقد تكلموا عن شيء سموه الميتافيزيقيا، وهو ما وراء الطبيعة.\nوالفلاسفة كانوا يتكلمون عن الكون والإله بالظن، وليس عندهم أدلة من الرسل الكرام، ولذا فإن الفلاسفة لم يتبعوا نبيًا من الأنبياء، وإنما أرادوا التوصل إلى الإله بمجرد عقولهم، فاخترعوا هذه المقولات التي من ضمنها أن هذا العالم قديم قدم الإله الذي صدر عنه، وهذا كفر بالله رب العالمين؛ لأن الأولية المطلقة هي لله ﷾.\nثم إنهم جعلوا في العالم نفس خصائص الإله، وهذا شرك بكل الاعتبارات شرك في الربوبية، وشرك في الألوهية، وشرك في الأسماء والصفات، ولهذا قابلهم المشتغلون بعلم الكلام فقالوا: إن الحوادث لها أول، ويقصدون بالحوادث: المخلوقات التي حدثت بعد أن لم تكن موجودة، فقالوا: إن لها بداية ولها منشأ، وقالوا: إن الله ﷿ قبل أن يخلق هذه المخلوقات كان معطلًا عن العمل ثم عمل، فجاءوا ببدعة جديدة، وهكذا أهل البدعة يردون البدعة ببدعة مثلها.\nلما ظهرت الخوارج وكفروا أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن سار على نهجهم ظهر الإرجاء كرد فعل للخوارج، وهكذا لما ظهرت القدرية الذين يمحون القدر جاءت الجبرية كرد فعل لهم فجعلوا العبد كالريشة في مهب الريح.\nولما ظهرت المعطلة الذين ينفون الصفات ظهر من المثبتة من يشبه الله ﷿ بخلقه، وهكذا أهل البدع يبنون عقائدهم على ردود الأفعال، ولا يميزون العقائد بالنصوص الشرعية كما هي طريقة أهل السنة والاتباع.\nأقول: لما جاء الفلاسفة بهذه المقالة الكفرية، وهي: أن العالم أول مع الله ﷿، وأنه قديم مع الله ﷿؛ ظهر أهل الكلام كرد فعل للفلاسفة، وقالوا: إن الحوادث لها أول، فلما قيل: إذا كانت الحوادث لها أول هل الله ﷿ كان يعمل قبل هذه الحوادث؟ قالوا: ما كان يعمل قبل هذه الحوادث، وهو معطل عن الفعل والعياذ بالله، وهذا لا شك أنه ضلال وانحراف.\nوالصحيح: أن الله ﷾ هو الأول ليس له بداية، وهو فعال لما يريد، فهو ﷾ ليست له بداية، وهو يخلق ﷾ في أي وقت، ولم تتعطل صفاته كما يزعم أهل الكلام.\nولا يعني هذا أن العالم قديم؛ لأنه مخلوق، ولا يمكن للمخلوق أن يكون مثل الخالق، وأولئك سووا بين المخلوق والخالق، فلاشك أنهم كفار.\nوقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في شرح هذه القضية في منهاج السنة النبوية.","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>الفرق بين آخرية الله وآخرية الجنة وأهلها</span>\n(وهو الآخر فليس بعده شيء)، ومع أن الجنة والنار تبقيان ولا تفنيان، ومع أن العباد في الجنة يبقون ولا يفنون، لكن آخرية الرب ﷾ تختلف عن آخرية الجنة، وآخرية العباد الذين فيها.\nووجه الاختلاف: أولًا: أن الله ﷾ هو الآخر، وهو كامل في آخريته، وأما الجنة ومن في الجنة فإن آخريتهم مخلوقة بفعل الله ﷿، وأنتم تعلمون أن هناك فرقًا بين الخالق والمخلوق.\nهذا من جهة.\nومن جهة أخرى: فإن آخريتهم ناقصة بما يتضمنه المخلوق من النقص المعتاد المعروف، فإنه ناقص حتى ولو كان ليس له نهاية كما هو حال الجنة وحال من فيها.\nوبهذا يتضح أن الله ﷿ ليس كمثله شيء، وأنه الأول ولا بداية له، وأنه الآخر ولا نهاية له ﷾، وهذا من كماله ﷾، ومن كمال صفاته.","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>إثبات صفة العلم وبيان أدلتها وما يتعلق بها</span>\nأما قوله: «وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»، فهذه هي صفة العلم، وقد ذكر الشيخ مجموعة من الآيات تدل على هذه الصفة، منها قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢]، ومنها: قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ:٢]، ومنها: قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]، وأيضًا قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢].\nفهذه الآيات وغيرها الكثير في القرآن الكريم تدل على صفة العلم لله ﷾، والله ﷿ اسمه العليم، والعالم، والعلام.\nوالعليم ورد في القرآن أكثر من مائة وخمسين مرة، وأسماؤه: العليم والعالم والعلام تتضمن صفة العلم له ﷾.","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>الأدلة العقلية على إثبات صفة العلم</span>\nويدل على صفة العلم العقل والشرع، وقد بين الشرع كيفية الاستدلال العقلي على هذه الصفة العظيمة، وهي صفة ذاتية عقلية لا تنفك عن الله ﷿، وليست متعلقة بالمشيئة، وعقلية لدلالة العقل عليها، وقد بين الشرع كيفية الاستدلال العقلي عليها.\nمثال ذلك: قول الله ﷿: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فهذه الآية تدل دلالة عقلية على أن الله ﷾ عليم، ووجه الدلالة من هذه الآية هو أن الله ﷿ خلق الخلق، وهذا أمر متفق عليه، ولا يمكن أبدًا أن يخلق الخلق إلا بعلم؛ لأن الخلق تقدير وترتيب للمخلوقات وترتيب لأجزاء المخلوق، ولا يمكن أن يكون هذا إلا عن علم.\nولهذا لو قيل: إن إنسانًا صنع سيارة وهو لا يعرفها، أو ليس له علم بها، أو وهو جاهل لا يعرف شيئًا.\nلما صُدَّق هذا، فكيف يركب السيارة وينظمها ويجعلها بهذه الطريقة وهو لا يعلم شيئًا؟ فلهذا المخلوقات الموجودة في الكون دليل واضح على علم الله ﷿.\nومن جهة أخرى: فإن الخلق لا يكون إلا عن إرادة، والإرادة مستلزمة للعلم؛ لأنه لا يريد الخلق إلا عالم به.\nومن هنا يتضح أن الشرع استعمل أدلة عقلية صحيحة ليس فيها شيء من اللوازم الباطلة، أو العقائد الفاسدة، كما هي أدلة المشتغلين بعلم الكلام؛ فإن المشتغلين بعلم الكلام استدلوا بأدلة غير الأدلة القرآنية، ولهذا لما استدلوا بها ألزمهم الخصوم بلوازم؛ فلما التزموها أضرت بالعقيدة إضرارًا كبيرًا، وصار منها نفي الصفات الفعلية، وصار منها القول بفناء الجنة والنار.\nإذًا: الشرع استخدم الدليل العقلي على هذه الصفة، وهذه الصفة واضحة ليست بحاجة إلى استدلال، فلا يمكن أن يكون إلهًا وربًا وخالقًا ومدبرًا إلا وهو عالم.\nوقد سبق أن من المناهج الشرعية في الاستدلال العقلي: الاستدلال بنقيض الشيء، ونقيض العلم هو الجهل، ولا يمكن أن يوصف الإله بأنه جاهل، ولهذا لما ناقش بعض العلماء بشر المريسي وقالوا له: هل تثبت العلم؟ قال: أقول لا يجهل.\nقالوا له: إما أن تثبت العلم وإما أن تنفيه.\nوأهل البدع يعظمون النفي، مع أن المنهج الشرعي الإثبات المفصل لأسماء الله ﷿ وصفاته، والنفي المجمل المتضمن لكمال الضد.","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>الأدلة السمعية على إثبات صفة العلم</span>\nوالأدلة النقلية الشرعية على صفة العلم ثلاثة أنواع: النوع الأول: ما يدل على علم الله ﷿ الشامل الواسع لكل شيء.\nمن أمثلة هذا النوع: قول الله ﷿: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨]، فهذا يشمل الماضي والمستقبل، ويشمل أفعال العباد ومفعولاتهم، ويشمل جميع المخلوقات، عالم الغيب والشهادة.\nوكذلك من الأمثلة: قول الله ﷿: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]، وهذه في الدلالة على العلم أصرح، كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرحه على صحيح البخاري في كتاب التوحيد، وهو آخر كتاب من كتب صحيح البخاري، لما جاء عند هذه الآية: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]، قال: هذه أصرح في الدلالة على علم الله ﷿ من الآية التي قبلها؛ وذلك لوجود النفي والإثبات فيها، وهو يدل على الاختصاص، كما سبق أن أشرنا أن النفي والإثبات يدل على الاختصاص.\nومما يدل على هذا النوع أيضًا: قول الله ﷿: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]، فعلم الله ﷿ محيط بكل شيء لا يخفى عليه خافية ﷾.\nيلاحظ في قول الله ﷿: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، أن هذه الأشياء جميعًا من مخلوقات الله، ومن الطبيعي أن الخالق يعلم تفصيلات مخلوقاته.\nالنوع الثاني: ما يدل على علمه بما سيكون قبل أن يكون.\nهناك أدلة تدل على أن الله ﷿ يعلم الشيء قبل أن يكون، ولهذا من قواعد أهل السنة: أن الله ﷿ يعلم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.\nيعني: حتى المستحيل يعلمه الله ﷾.\nيقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان:٣٤]، وكذلك أفعال العباد، ومن منهم يدخل الجنة، ومن منهم يدخل النار، وجميع ذلك في علم الله ﷿.\nجاء في صحيح البخاري ومسلم عن عمران بن حصين ﵁: (أن رجلًا قال للنبي ﷺ: يا رسول الله! الله يعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم.\nقال: ففيم يعمل العاملون؟ فقال رسول الله ﷺ: كل ميسر لما خلق له).\nوهذا من الأمور المستقبلية، وهو يعلم أفعال العباد على التفصيل ﷾، وهذه من الأمور المستقبلية.\nالنوع الثالث: ما يدل على علمه بالشيء بعد وجوده.\nمثال ذلك: قول الله ﷿: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]، وهذا يدل على أن الله ﷿ يعلم الشيء بعد وجوده بعلم ثان غير العلم الأول.","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>الفرق بين علم الله بالأشياء قبل وجودها وعلمه بها بعد وجودها</span>\nعلم الله ﷾ للأشياء يكون قبل وجودها وبعد وجودها؛ فهل علمه بالأشياء بعد وجودها هو نفسه علمه بالأشياء قبل وجودها، أم أنهما علمان اثنان؟ الحق في هذه المسألة هو: أن الله ﷿ يعلم الشيء قبل وقوعه، وهو يعلمه على حقيقته تمامًا، فإذا وقع علمه بعلم ثان؛ لأنه رآه أو سمعه ﷾ كما قال: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]، فالله ﷿ يعلم الشيء قبل أن يكون، ثم يعلمه بعد ذلك بعلم ثان، ويمكن أن نذكر عبارة لـ شيخ الإسلام ﵀ في كتابه الرد على المنطقيين، يقول رحمه الله تعالى: [وقد ذكر الله علمه بما سيكون بعد أن يكون في بضعة عشر موضعًا في القرآن، مع إخباره في مواضع أكثر من ذلك أنه يعلم ما يكون قبل أن يكون، وقد أخبر في القرآن من المستقبلات التي لم تكن بعد ما شاء الله، بل أخبر بذلك نبيه ﷺ وغير نبيه ﴿لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، بل هو سبحانه يعلم ما كان وما يكون، وما لو كان كيف يكون، كقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، فهم لم يردوا، ومع هذا علم أنهم لو ردوا لعادوا.\nبل وقد يعلم بعض عباده بما شاء أن يعلمه من هذا وهذا وهذا ﴿لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:١٤٣]، وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]، وقال: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران:١٤٠] مع أنه يعرفهم قبل حدوث المعركة، ولكن قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران:١٤٠] يعني وجود الفعل بعد ذلك.\nوقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٦] مع أنه يعلم المؤمنين قبل التقاء الجمعين ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران:١٦٧] مع أنه يعلمهم قبل التقاء الجمعين، وقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة:١٦]، وقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف:١٢]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣] مع أنه يعلم الصادقين من الكاذبين قبل هذه الفتنة التي قال تعالى عنها: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٣] إلى قوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١]، وقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١] هو يعلم المجاهدين والصابرين قبل الابتلاء، ومع ذلك قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]، وغير ذلك من المواضع.\nوروي عن ابن عباس في قوله: إلا لنعلم.\nأي: لنرى، وروي: لنميز، وهكذا قال عامة المفسرين: إلا لنرى ونميز، وكذلك قال جماعة من أهل العلم قالوا: لنعلمه موجودًا واقعًا بعد أن كان قد علم أنه سيكون].\nوهذا يوضح هذه القضية: أن علم الله ﷿ بالشيء قبل أن يكون وهو معدوم، غير علمه بالشيء بعد أن يكون وهو موجود.\nولهذا يقول: وكذلك قال جماعة من أهل العلم: لنعلمه موجودًا واقعًا بعد أن كان قد علم أنه سيكون.\nولفظ بعضهم قال: العلم على منزلتين: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به بعد وجوده، والحكم للعلم به بعد وجوده؛ لأنه يوجب الثواب والعقاب.\nفمثلًا: يعلم الله ﷿ أن فلان بن فلان سيعصي الله ﷿، ثم يموت على معصية الله، ثم يدخله النار، هذا العلم قبل أن يوجد، فإذا وجد العبد، وفعل الفعل، ومات عليه؛ علمه أيضًا بعد وجوده، فالعلم الأول قبل وجوده والعلم الثاني بعد وجوده، والثواب والعقاب يترتب على الشيء بعد الوجود وليس قبل الوج","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>شمولية علم الله تعالى</span>\nعلم الله ﷾ شامل وعام للأشياء جميعًا، فهو ﷾ يعلم كل شيء بما في ذلك أفعال العباد، ولهذا كان الإيمان بالعلم من مراتب القدر، فإن للقدر أربع مراتب: الأولى: إثبات علم الله ﷿ الشامل بكل شيء، ومن ذلك أفعال العباد.\nالمرتبة الثانية: كتابة ذلك في اللوح المحفوظ.\nالثالثة: مشيئة الله ﷿ وإرادته العامة.\nالرابعة: الخلق العام لكل شيء بما في ذلك أفعال العباد، فعلمه ﷾ شامل لكل شيء.\nهذا من مراتب الإيمان بالقدر؛ لأن من الضالين في باب العلم القدرية الذين نفوا علم الله ﷾ بالأشياء.\nولهذا يقول الشافعي ﵀ وغير واحد من السلف: ناظروا القدرية بالعلم؛ فإن أجابوا -يعني: أقروا بالعلم- خصموا، وإن أنكروا كفروا.\nإن أجابوا وقالوا: نعم، الله ﷿ عالم بكل شيء قبل أن يكون خصموا؛ لأنه مادام أنه عالم بكل شيء، فقد كتب هذا العلم، وليس في الكتابة زيادة، إنما هي مقتضى علمه ﷾، وهو خلق ما علم ﷾، ولم يجبر أحدًا على ذلك، فقالوا: خاصموهم بالعلم فإن أجابوا خصموا، وإن أنكروا كفروا.\nفعلم الله إذًا شامل لكل شيء بما في ذلك أفعال العباد، فالله ﷿ يعلم قبل أن يوجد أي شيء من مخلوقاته؛ فإنه ﷾ لا يغيب عنه شيء، ويعلم كل شيء مهما دق وصغر، أو مهما عظم وكبر، أو مهما خفي؛ فالله ﷿ علمه واسع لكل شيء، بكل ما لكلمة (كل) من أفراد، فليس هناك شيء لا يعلمه الله ﷿ أبدًا، فهو يعلمه قبل أن يوجده ﷾، فلما أوجده علمه أيضًا، بمعنى: أوجده وقد علمه بهذا الوجود.","vol":"4","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>الطوائف المنحرفة في صفة العلم</span>\nوهناك طائفة من الطوائف منحرفة في هذا الباب، مع أن صفة علم الله ﷿ من أوضح الصفات الشرعية التي أخبر عنها القرآن الكريم ومنهم الفلاسفة، مثل: ابن سينا الذي يقول: إن الله ﷿ لا يعلم الجزئيات وإنما يعلم الكليات، فهو يعلم أن هناك إنسانًا، لكن أفراد الإنسان فلان وفلان وفلان وفلان لا يعرفها، ويعلم أن هناك حيوانًا، لكن أفرادها وأنواعها لا يعرفها.\nويقولون: يعلم أن هناك مخلوقات لكن أفراد المخلوقات لا يعرفها، ويقولون: يعرف الأشياء الكلية العامة لكن الأفراد والجزئيات لا يعلمها، وقد كفرهم العلماء بذلك.\nوكفرهم أبو حامد الغزالي في كتاب تهافت الفلاسفة بثلاثة أشياء: أولًا: بهذه المقالة التي سبقت، وهي: إنكار علم الله ﷿ بالجزئيات، فقالوا: إن الله ﷿ لا يعلم الجزئيات، وإنما يعلم الكليات، فهم كفار بهذا السبب.\nثانيًا: إنكار المعاد الجسماني، فهم يقولون: إن الناس لا يبعثون يوم القيامة بأجسامهم، وإنما يكون العذاب على أرواحهم فقط، وينكرون أن الجسد إذا تحلل يعود مرة أخرى، فهم مثل كفار قريش.\nثالثًا: قولهم إن النبوة تكتسب، يعني: يمكن للإنسان أن يكتسبها بالتمرين والرياضة الروحية، فيعتقدون أن الشخص لو روض نفسه على عزائم الأمور، ومعالي الأشياء لأمكنه أن يصير نبيًا، وأن النبوة مثل الأخلاق التي عند الناس، عندما يدرب نفسه على الصدق وكظم الغيظ أو نحو ذلك.\nهذا لا شك أنه كفر مخرج عن الملة.\nورد على الغزالي أحد الفلاسفة وهو ابن رشد في كتاب سماه تهافت التهافت، وكلام ابن رشد في تهافت التهافت باطل.\nالطائفة الثانية المنحرفة في علم الله ﷿: الرافضة: فإن الرافضة من أعجب الطوائف، فعندهم غرائب؛ فمن ذلك: أن الشيعة الرافضة يعتقدون أن أسماء الله ﷿ وصفاته هي أئمتهم، فمثلًا: يروي الكليني في أصول الكافي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: أنا الأول والآخر والظاهر والباطن، وأنا وجه الله، وعلم الله وإرادة الله.\nوهم يكذبون في هذا على علي بن أبي طالب.\nوكذلك يروون عن أبي عبد الله جعفر الصادق -وهم يكذبون عليه أيضًا- بعض هذا، وهذه من غرائب البدع أنهم يعتبرون صفات الله ﷿ هي أئمتهم، وهذا موجود في أصول الكافي وبحار الأنوار للمجلسي.\nوأنتم تعلمون أن الرافضة من أضل الطوائف عن سواء السبيل.\nالطائفة الثالثة: القدرية الأوائل فهم ينكرون علم الله ﷿ بأفعال العباد، ويقولون: إن الله ﷿ لا يعلم أفعال العباد قبل أن يفعلوها، فإذا فعلوها علمها، أما قبل أن يفعلوها فهو لا يعلمها، ولا يدري ماذا سيعملون.\nومن هؤلاء: معبد الجهني، فقد جاء في قصة حديث جبريل الطويل: أن يحيى بن يعمر انطلق هو وحميد بن عبد الرحمن حاجين إلى مكة فقالا: لعلنا نلقى بعض أصحاب النبي ﷺ فنسأله عن هؤلاء -يعني: عن القدرية الذين ظهروا في البصرة- فلقوا عبد الله بن عمر فاكتنفاه، فسأل يحيى بن يعمر وقال: إنه ظهر عندنا قوم ينتسبون إلى العلم، ويقولون إن الأمر أنف -يعني: أفعال العباد التي يترتب عليها الثواب والعقاب مستأنفة لا يعلمها الله ﷿- فغضب عبد الله بن عمر وقال: أخبروا من لقيتموه بأنني منهم بريء وأنهم مني برآء حتى يؤمنوا بالقدر، فإن أحدهم لو أنفق مثل أحد ذهبًا لا يقبله الله منه حتى يؤمن بالقدر.\nثم ذكر لهم حديث جبريل عندما جاء إلى النبي ﷺ وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة.\nوهذا يدل على تكفير ابن عمر ﵁ لهؤلاء القدرية الغلاة، وهكذا كفرهم الأئمة كـ الشافعي وأحمد وغيرهم من العلماء.\nوهذه الطائفة انقرضت كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري؛ فإنه عند شرحه لحديث جبريل عندما ذكر القدر، وذكر الطائفة التي أنكرت علم الله ﷿، نص على أنها انقرضت وانتهت قبل زمن الحافظ رحمه الله تعالى، ولم يبق من القدرية إلا المعتزلة الذين سيأتي الحديث عنهم عند حديثنا عن القدر.\nالطائفة الرابعة: المعتزلة: فإن المعتزلة لا يثبتون صفة العلم، بل يقولون: إن الله عالم، فإذا قيل لهم: عالم بعلم؟ قالوا: لا عالم بلا علم، أو يقولون: عالم بعلم هو ذاته.\nوهذا هو أصلهم في نفي صفات الله ﷿ جميعًا، وإثباتهم لأسماء الله ﷿ على أنها أعلامًا محضة لا صفات فيها.\nالطائفة الخامسة والسادسة: الأشاعرة والماتريدية، مع أن هذه الصفة في الظاهر مما يثبتها الأشاعرة، فهم يدندنون على أنهم يثبتون سبع صفات يسمونها صفات المعاني، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر.\nوعند التحقيق فهم لا يثبتون إلا أسماء هذه الصفات، وأما حقائقها ومفهومه","vol":"4","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>الآثار التربوية والسلوكية لأسماء الله ﷿ وصفاته</span>\nلكل صفة من صفات الله ﷿ آثار تربوية وسلوكية على أخلاق الإنسان وآدابه، ويستطيع الإنسان أن يربي نفسه من خلال هذه الصفة.\nفمثلًا عندما يؤمن الإنسان بأن الله ﷿ عليم، وعندما يتمكن هذا الإيمان من قلبه؛ فإنه سيورث في قلبه مقام المراقبة، وهو مقام عظيم جدًا من مقامات الإيمان، فإذا علم العبد أن الله ﷿ يعلم أفعاله، وأنه عليم بذات الصدور، وأنه يعلم السر وأخفى، وأنه يعلم كل شيء؛ فإنه يعلم أنه مهما استتر بمعصيته فإن الله ﷿ يراه، ومطلع عليه.\nوالواجب أن يستحي الإنسان من ربه، فالله ﷿ عظيم وكبير ﷾، ولو أراد أن يذهب العباد بكلمة واحدة لأذهبهم جميعًا.\nولهذا ينبغي على الإنسان أن يأخذ من صفات الله ﷿ آثارًا تربوية يستفيد منها لنفسه وفي أخلاقه وآدابه.\nوقد سبق أن منهج دراسة العقيدة على نوعين: الأول: منهج تصحيح الاعتقاد، وهو تصفيته من شوائب البدع وشوائب الانحرافات الفكرية، والإيمان بالله تعالى كما آمن به رسول الله ﷺ وأصحابه.\nوالثاني: منهج تعميق العقيدة في النفوس، وذلك بالاستفادة من موضوعات العقائد في الأخلاق والآداب والصفات والدعوة إلى الله ﷿ ونحو ذلك.\nفمن فوائد الإيمان بأن الله ﷿ عليم: أن يعلم الإنسان أن الله ﷿ مطلع على فعل الفساق والفجار والكفار، وما يقومون به من إيذاء للمؤمنين، ويعلم العبد أن الله ﷿ مطلع عليه، وأنه غير مهمل له، وأنه ﷾ يراه، وأنه يرى فعله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومجاهدة مثل هؤلاء، والدعوة إلى الله ﷿؛ فإيمانه بهذه الصفة يبعثه على النشاط في الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعبادة لله ﷿، ولهذا فإن للإيمان بصفات الله ﷿ آثار عظيمة جدًا في النفوس.\nوقد سبق أن أشرت إلى قصة لقيط بن صبرة لما جاء إلى النبي ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: (يضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره.\nفقال لقيط: يا رسول الله! أو يضحك الرب؟ -ما كان يعلم أنه يضحك- قال: نعم.\nقال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا)، يعني: الخير لن نعدمه من الرب الذي يضحك، وسيرحمنا وسيعطينا الخير.\nهذا مسلك تربوي أخلاقي من هذه الصفة العظيمة وهي صفة الضحك.\nأسأل الله ﷿ أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح.","vol":"4","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>الأسئلة</span>","vol":"4","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>الفرق بين علم الله قبل وقوع الشيء وبعد وقوعه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين علم الله قبل وقوع الشيء وبعد وقوعه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معناهما وموضوعهما واحد، ولكن العلم بالشيء قبل وقوعه يعني أنه يعلمه وهو معدوم، وعلمه بالشيء بعد وقوعه يعني أنه يعلمه وهو موجود، وهناك فرق بين المعدوم والموجود، وبالتالي يكون هناك فرق بين علمه بالشيء وهو معدوم وبين علمه بالشيء وهو موجود، هذا هو الفرق.\nأما الغيب والشهادة فهما مصطلح شرعي يراد به الغيب عن العباد، ويقسمونه إلى غيب مطلق وغيب نسبي، فالغيب الشرعي بالنسبة لله ﷿ شهادة، فلا يصح استخدام مثل هذا المصطلح، لكن يقال: علمه بالشيء قبل وقوعه وعلمه بالشيء بعد وقوعه.\nوسبق ذكر الأدلة من كتاب الرد على المنطقيين.\nوبعض الأحيان لا يكون هناك ثواب وعقاب متعلق بأفعال العباد، مثلًا: زلزال سيحصل لأمة من الأمم، قبل الزلزال يعلم الله ﷿ أنه سيحصل، وبعد أن يحصل يعلم أنه حصل.\nهذا هو الفرق.\nوالحاجة التي دعت للكلام في هذا الموضوع هو ورود بعض الآيات التي استدل بها الفلاسفة استدلالًا باطلًا ووجهها الأشاعرة توجيهًا باطلًا، فاحتجنا للحديث عنها فقط، وإلا فإن المسألة واضحة أن علم الله ﷿ شامل للشيء قبل وقوعه وبعد وقوعه، لكن احتجنا لهذا التمييز وهذا التفريق لوجود منحرفين فيه، وإلا فمن المعلوم عندنا جميعًا أن علم الله شامل للأشياء قبل أن توجد وبعد أن توجد، والأشياء التي لم توجد لو جدت كيف يكون حالها، مثل قول الله ﷿: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام:٢٨]، لن يردوا أصلًا، لكن لو ردوا لعادوا، فالمفترض يعلمه الله ﷿.\nونحن أشرنا لهذه المسألة لوجود من وجَّه هذه المسائل توجيهًا باطلًا، مثل الأشاعرة الذين يقولون: إن علم الله ﷿ واحد قديم ليس له تعلق بالمخلوقات، وإن كانت المخلوقات تتغير في ذاتها، فالتغير يكون في المخلوقات ولا تعلق لها بعلم الله ﷿، وأصله ناشئ عن شبهة عقلية انحرفوا بها في أكثر من صفة وليس في مجرد صفة علم الله ﷿، فهم انحرفوا في جميع الصفات الفعلية.","vol":"4","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>الفرق بين القديم والأزلي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين قولنا قديم وأزلي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  متقاربان في المعنى.","vol":"4","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>معنى دلالة الاسم على معناه بالمطابقة وعلى الذات بالتضمن وعلى الصفة الأخرى بالالتزام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى قول العلماء: للاسم من أسمائه تعالى ثلاث دلالات: دلالة بالمطابقة، ودلالة على الذات بالتضمن، وعلى الصفة الأخرى بالالتزام، مع المثال؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نأخذ المثال في اسم الله ﷿ العليم؛ فإن العليم يدل على اسمه العليم، وهذه هي دلالة المطابقة، ويدل على ذاته الموصوفة بالعلم بدلالة التضمن، وهو فرد من أفراد المطابقة، وعلى الصفة الأخرى وهي الحياة بالالتزام، فإنه لا يمكن أن يكون عليمًا وهو غير حي، والالتزام خارج المسألة نفسها، لكن يلزم منها عندما أثبتنا أنه عليم أنه حي؛ لأنه لا يمكن أن يكون العليم غير حي.","vol":"4","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>وجه الفرق بين آخرية الله تعالى وآخرية الجنة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يعني قولك: إن آخرية الجنة ليست كآخرية الله ﷿ أن الجنة لها آخرية ثم تنتهي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، فهي لا تنتهي، لكن قد يقول قائل: ما هو الفرق إذا كانت آخرية الجنة لا تنتهي، والله ﷿ ليس له نهاية، فما هو الفرق؟ الفرق أن هذا خالق وهذا مخلوق، والفرق بين الخالق والمخلوق واضح، الخالق بصفاته الكاملة التامة، والمخلوق بصفات العجز والنقص الموجودة فيه.","vol":"4","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>شروح العقيدة الواسطية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يريد الأخ أن أدله على كتاب في شرح العقيدة الواسطية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هناك كتب كثيرة منها كتاب الشيخ محمد بن عثيمين ﵀، وهناك أيضًا كتاب للشيخ صالح الفوزان شرح فيه العقيدة الواسطية، وكتاب للشيخ زيد بن فياض اسمه الروضة الندية، وأيضًا كتب أخرى سبق أن أشرت إليها.","vol":"4","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>وجوب العمل على العبد مع سبق كتابة السعادة والشقاوة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الإنسان إن كان قد قدر الله عز جل وكتب له أنه في الجنة أو في النار فلماذا العمل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كما قال النبي ﷺ: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، لكن أنت الآن ما تعلم ماذا كتب لك، لعله كتب لك أن تكون سعيدًا، فلماذا لا تعمل بالسعادة؟ اعمل بالسعادة، بعض الناس الذين يتركون العمل بالشرع ويحتجون بالقدر، يقول لك: احتمال أني مكتوب شقي، وكيف تعلم؟ كيف علمت ذلك؟ قال: لأني أنا الآن أمارس المحرمات.\nهل أنت تمارسها عن رغبة، أم مجبور عليها؟ يعني: هل تتصورون أحدًا لا يريد المعصية وتأتيه الملائكة وتجره إليها جرًا؟! فهو مختار.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.","vol":"4","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>العقيدة الواسطية [٥]</span>\nمن صفات الله تعالى العظيمة صفة الحكم الثابتة في كثير من نصوص الكتاب والسنة بمعنييها الكوني والشرعي، المتضمنة توحيد الله تعالى في الأحكام وإبطال حاكمية غيره، ويتصل بهذه الصفة صفة أخرى عظيمة هي صفة الحكمة في الخلق والإيجاد والتشريع، ودلائلها لا تحصى كثرة في آيات الله تعالى الكونية ونصوص الوحي، كما أن من صفاته تعالى صفتي السمع والبصر، اللتين دلت عليهما نصوص متواترة متوافرة.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>آيات في إثبات صفات الله تعالى</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين.\nأما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى في ضمن سياقه للآيات: [وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢]، وقوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨]].\nثم ساق جملة من الآيات في صفة العلم، ثم قال: [وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]].","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>إثبات صفتي الحكمة والحكم</span>\nهذه الأدلة التي ساقها الشيخ يؤخذ منها مجموعة من الصفات، أولًا: صفة الحكمة والحكم، فقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢] الحكيم اسم من أسماء الله تعالى، وهو يتضمن ثلاث صفات: الصفة الأولى: أنه الحاكم، وفعيل بلغة العرب تأتي بمعنى فاعل.\nوالصفة الثانية: أنه المحكم لكل شيء، وأيضًا من المعروف أن فعيل في لغة العرب تأتي بمعنى مفعل.\nوالصفة الثالثة: الحكمة، وهذا مأخوذ من اسمه الحكيم، وقد سبق أن الأسماء يؤخذ منها صفات لله ﷾.\nويمكن أن نتحدث عن صفتين منها، الأولى: صفة الحكم، والصفة الثانية: صفة الحكمة، وأما صفة الإحكام فقد أشرنا إلى شيء منها عند حديثنا عن صفة العلم، وسيأتي مزيد الحديث عنها بإذن الله تعالى عند الحديث عن صفة الخلق لله ﷾.","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>أدلة صفة الحكم لله تعالى وأقسامها</span>\nفأما صفة الحكم لله ﷿ فقد دلت عليها أدلة كثيرة، يقول الله ﷿: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام:١١٤]، ويقول الله ﷾: ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف:٨٧].\nوالحكم ينقسم إلى قسمين: وكذلك الحال في الإرادة والقضاء والأمر، جميع هذه المصطلحات الشرعية تنقسم إلى قسمين.\nفالحكم ينقسم إلى قسمين: حكم شرعي، وحكم كوني، ولهذا عندما يتحدث علماء أصول الفقه عن الأحكام الشرعية يقسمونها إلى قسمين: أحكام تكليفية، وأحكام وضعية، الأحكام الشرعية تأتي من الله ﷾، وهو ﷾ الذي يشرع للناس الأحكام، ولا يمكن أن يشرع الله ﷿ شيئًا للناس إلا وفيه مصلحة وخير عظيم لهم.\nويمثل هذا النوع -الحكم الشرعي- قول الله ﷿: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] فالحكم هنا هو شرع الله ﷿ ودينه، وما أمر الله ﷿ به من الأوامر الشرعية، وهذه الأوامر متعلقة بحياة الإنسان العملية، والاعتقادية، والسياسية، والمالية، وبالعلاقات الشخصية، كما قال الله ﷿: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، ويقول الله ﷿ في سورة الممتحنة بعد أن ذكر جملة من الأحكام، قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة:١٠].\nفهذا هو القسم الأول من الحكم وهو الحكم الشرعي، والحكم الشرعي هنا موافق لما يحبه الله ويرضاه، والعباد قد يفعلون ما أمر الله ﷿ به وقد لا يفعلون، وهذا سيأتي الحديث عنه -إن شاء الله- مفصلًا في الكلام على القضاء والقدر.\nأما النوع الثاني من الحكم فهو: الحكم الكوني، يقول الله ﷿ عن أحد إخوة يوسف أنه قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف:٨٠]، ويقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١].\nوهذا الحكم هنا موافق لصفة الخلق والإبداع ونحو ذلك.","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>آثار الإيمان بصفة الحكم لله تعالى</span>\nولهذه الصفة -وهي أن الله ﷿ هو الحكم، وأنه ﷾ يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، وأن الحكم لله ﷿- لها آثار عظيمة جدًا متعلقة بالعبادة: فمن ذلك: أن الحكم لله ﷿ وحده لا شريك له، فلا يجوز للإنسان أن يشرك مع الله ﷿ حكمًا آخر، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦]، الله ﷿ له الحكم، وهو الذي يشرع للناس، فلا يصح أن يشرك أحد مع الله ﷿ شريكًا في حكمه، والآية السابقة التي ذكرناها وهي قول الله ﷿: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] تدل على هذا المعنى، فإن العبادة حق خالص لله ﷾، فقد جاء في حديث معاذ بن جبل ﵁ عندما كان رديفًا للنبي ﷺ على حمار، أن رسول الله ﷺ: (أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم.\nقال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا).\nإذًا: إخلاص العبادة حق لله ﷿، والحكم من العبادات، كما يدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، فهذا دليل على أن الحكم من هذه العبادات التي أمر الله ﷿ أن لا يشرك فيه معه أحد غيره.\nفالذين يظنون أن السياسة لا علاقة لها بالدين ظنهم باطل، فإن السياسة الشرعية نوع من أنواع العبادة لله ﷿، وأما السياسة الباطلة فتارة تكون شركية، وتارة تكون معصية وفسوقًا، وتارة تكون بدعة إذا كانت مخالفة لشرع الله ﷿، وكل بحسب ما يعمل الإنسان.\nولهذا كان الدين جزءًا من أجزاء السياسة، وهي داخلة في عموم قول الله ﷿: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].\nفالذين يظنون من الدعاة إلى الله ﷿ أنه لا علاقة للدعوة بالسياسة، أو لا علاقة للدين بالسياسة فهؤلاء يظنون خطئًا، وأخطئوا خطئًا كبيرًا جدًا في فهمهم لحقيقة الدين، فإن الدين شامل لحياة الإنسان كلها، شامل لأمواله، لعلاقاته، لسياساته، لأموره العامة والخاصة، ولكل أوضاعه، وهذا هو معنى قول الله ﷿: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] على أحد التفسيرين في الآية، وقد علم رسول الله ﷺ الأمة كل شيء حتى الخراءة، عندما يذهب الإنسان إلى الخلاء علمه ﷺ ماذا يعمل؟ وكيف يفعل؟ وماذا يقول؟ ماذا يقول عند نومه؟ وماذا يقول إذا استيقظ؟ وعلم الإنسان كيف ينظف فاه بالسواك عندما يأتي إلى الصلاة، وشدد في ذلك ﷺ حتى أنه قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).\nهل تظنون أن النبي ﷺ علَّم الناس هذا الأمر وترك أمورهم العامة، وما معنى الغزوات إذًا التي فعلها رسول الله ﷺ؟ وما معنى الجهاد في سبيل الله الذي شرعه الله ﷿ وحث عليه؟ وما معنى البراءة من المشركين ومعاداتهم؟ وما معنى أحكام الجزية واسترقاق الأسرى؟ ما معنى هذه الأحكام الشرعية الواضحة لو كان هذا الجانب ليس من دين الله ﷿، لاشك أن أي إنسان يعرف أحكام الله ﷿، وأن الله أمر بالحكم بالشريعة، وأمر بالجهاد في سبيل الله، وأمر بالإغلاظ على المشركين وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣]، أي إنسان يدرك هذه الأشياء جميعًا يعلم أن الله ﷿ ما أهمل السياسة، وإنما بين فيها الأحكام، وبين فيها رسول الله ﷺ الأحكام من قوله وفعله، وأمر الله ﷿ أن يكون الحكم له ﷾ وحده لا شريك له.\nومن أشمل ما صدر في هذا الموضوع كتاب الدكتور عبد الرحمن المحمود: الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه، وهو من أنفع الكتب وأنفسها وأجودها في جمع مسائل هذا الباب، وفي ترتيبها، وفي صحة الرأي فيها.\nويقول الله ﷿: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]، والحصر يدل على الاختصاص، ويقول الله ﷿: ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢]، ويقول الله ﷿: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، ولهذا حكم الله ﷿ يجب اتباعه في كل شيء، سواء في أمور العقائد أو الأعمال العامة أو الخاصة، لابد أن يتبع الإنسان حكم الله ﷾.","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>إثبات صفة الحكمة لله تعالى</span>\nالصفة الثانية المتعلقة باسم الله ﷿ الحكيم: صفة الحكمة، والحكمة صفة من صفات الله ﷿، فالله ﷿ ما شرع أمرًا من الأوامر، وما خلق شيئًا من المخلوقات إلا لحكمة عظيمة وغاية حميدة، وهذه الحكمة التي خلق الله ﷿ لها الخلق مأخوذة من كثير من النصوص الشرعية، وكذلك يدل عليها اسم الله: الحكيم.\nوقد صنف العلماء في هذا الباب مصنفات، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية له كتاب يسمى: (أقوم ما قيل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل)، وهو موجود ضمن مجموع الفتاوى في المجلد الثامن، وكذلك موجود ضمن مجموعة الرسائل والمسائل التي حققها الشيخ محمد رشيد رضا في مجلدين.\nوممن ألف في هذا الباب أيضًا: ابن القيم ﵀ فله كتاب اسمه: (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل).\nوممن ألف أيضًا: الشيخ محمد بن ربيع المدخلي له كتاب اسمه: (الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى).\nوهناك رسائل كثيرة متعلقة بهذا الباب، لكن هذه من أبرز هذه الرسائل.","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>أدلة وصيغ إثبات صفة الحكمة في نصوص القرآن الكريم</span>\nأفرد ابن القيم ﵀ في كتابه (شفاء العليل) فصلًا طويلًا في الاستدلال على حكمة الله ﷿، وهو الفصل الثاني والعشرون، وقد ظن بعض المحققين أن ابن القيم ﵀ نسي هذا الفضل؛ لأنه في مقدمة شفاء العليل بين الأبواب التي سيتحدث عنها فذكر الباب الثاني والعشرين، وأنه تحدث فيه عن حكمة الرب ﷾ وأدلة إثباتها، لكنه حصل خلط في بعض النسخ، وأضيف هذا الباب إلى الباب الذي قبله، فظنوا أنه نسيه رحمه الله تعالى وهو لم ينسه، وإنما حصل الخطأ في بعض النسخ الخطية.\nيقول ابن القيم رحمه الله تعالى: الباب الثاني والعشرون في إثبات حكمة الرب تعالى في خلقه وأمره، وذكر الغايات المطلوبة له بذلك، والعواقب الحميدة التي يفعل لأجلها ويأمر لأجلها.\nثم ذكر الأدلة التي تدل على حكمة الله ﷿، وميزة هذا الفصل: أنه وزع هذه الأدلة التي حصرها وجعلها على شكل أنواع، في كل نوع من الأنواع مجموعة من الأدلة.\nفمثلًا يقول: النوع الأول: التصريح بلفظ الحكمة وما تصرف منها، كقوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر:٥]، وكقوله: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:١١٣]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة:٢٦٩].\nالنوع الثاني: إخباره أنه فعل كذا لكذا، يعني: الإتيان بلام التعليل، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة:٩٧]، وموطن الشاهد قوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا﴾ [المائدة:٩٧].\nوقوله أيضًا: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢].\nومن ذلك أيضًا: قول الله ﷿: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٩] إلى آخر الآيات التي ذكرها.\nوفرق أيضًا في هذا النوع بين لام التعليل ولام العاقبة، فإن لام التعليل هو فعل الشيء لعلة معينة، لكن لام العاقبة، مثل قول الله ﷿: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨] يعني: آل فرعون ما التقطوه من أجل أن يكون لهم عدوًا وحزنًا، لكن المقصود باللام هنا العاقبة، وبين ذلك، قال: فإن ما بعد اللام في هذا ليس هو الغاية المطلوبة، ولكن لما كان الفعل منتهيًا إليه، وكانت عاقبة الفعل، دخلت عليه لام التعليل، وهي في الحقيقة لام العاقبة.\nثم ذكر أنواعًا أخرى قال: النوع السادس: ذكر ما هو من صرائح التعليل وهو من (أجل)، كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ [المائدة:٣٢] وهذا صريح في أن الله ﷿ فعل هذا الفعل من أجل ذلك.\n﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢].\nقال: النوع الثاني: ذكر الحكم الكوني أو الشرعي عقيب الوصف المناسب له، فتارة يذكر (بأن)، وتارة يقرن (بالفاء)، وتارة يذكر مجردًا، فالأول كقوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩ - ٩٠]، وهكذا ذكر مجموعة كثيرة.\nالنوع العاشر: إخباره عن الحكم والغايات التي جعلها في خلقه وأمره؛ كقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢]، وذكر مجموعة كثيرة من الأنواع التي فيها إثبات حكمة الله ﷿، وأن الله ﷿ يخلق الشيء لحكمة.","vol":"5","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>دلالة العقل والقياس على حكمة الله تعالى في الخلق والتشريع</span>\nثم إن خلق الله ﷿ للشيء لحكمة لا شك أنه يدل عليه العقل أيضًا، فإنه لا يمكن أبدًا أن يخلق الله ﷿ الخلق بدون أن يكون لهذا الخلق حكمة وغاية حميدة؛ فإن الإنسان العاقل عندما يفعل الفعل يسأل: لماذا فعلت هذا الفعل؟ فإذا فعله لحكمة مُدِح، وإذا فعله لغير حكمة ذم، فإذا كان هذا في المخلوق وهو مخلوق، فالخالق ﷾ أولى بذلك وأعظم، كما هو معلوم من قياس الأولى.\nإذًا: حكمة الله ﷿ ثابتة ولا شك فيها من ناحية العقل والشرع، والأدلة القرآنية مليئة بذلك، ولهذا كان من الأدلة الشرعية الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فالقياس دليل من الأدلة الشرعية وهو دليل معتبر، والقياس المراد به هو قياس الفرع الذي يراد أن يحكم فيه على أصل محكوم فيه سابقًا؛ لوجود علة بينهما، وهذه العلة صحيحة وواضحة، والقياس دليل من الأدلة الشرعية اتفق عليه أهل العلم جميعًا، ولم يخالف فيه إلا الظاهرية، واعتبرت مخالفة الظاهرية في القياس من البدع التي عندهم، ومنها أيضًا: إنكار مفهوم المخالفة والموافقة.\nابن حزم مثلًا يرى: أن الله ﷿ عندما قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] إلى قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣].\nفهو هنا نهي عن التأفف، ومفهوم الموافقة: النهي عن الضرب؛ لأنه أعظم وأشد، فيقول ابن حزم ﵀: لا يمكن أخذ النهي عن الضرب من هذه الآية؛ لأن هذه الآية غاية ما فيها النهي عن التأفف، ولاشك أن هذا خطأ كبير في فهم النصوص، ولهذا نص شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أن هذه من بدع الظاهرية.\nإذًا: القياس دليل مبني على العلة، وهذا دليل على أن الله ﷿ يشرع أحكامه لحكم وعلل حميدة ومفيدة، ولهذا فإن الذين أنكروا الحكمة والتعليل تورطوا في فهم للقياس، وكما أنهم يتحدثون في علم الكلام كذلك منهم يتحدثون هنا في أصول الفقه.","vol":"5","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>بيان ما تتضمنه الحكمة المثبتة عند أهل السنة</span>\nومعنى حكمة الله ﷿ وحقيقتها أنها تتضمن معنيين: المعنى الأول: حكمة تعود على الرب ﷾ يحبها ويرضاها.\nوالثاني: حكمة تعود على العبد فيها منفعة له ونعمة يفرح بها، ويتلذذ بها، وينشرح صدره لها.\nهذه هي الحكمة التي يثبتها أهل السنة، فالله ﷿ عندما خلق الخلق وشرع الشرائع والأوامر فإنه خلقهم لحكمة، وقبل أن يخلقهم علم هذه الحكمة، وخلق الخلق لها، وكذلك قبل أن يشرع الشرائع شرعها لحكمة ﷾، هذه الحكمة التي في المخلوقات والمأمورات تعود إلى الله ﷿ وعباده، فأما معنى عودها إلى الله ﷿ فمعناه: أنه خلقها ﷾، وهو يعلم المصلحة المترتبة عليه، وهو يحب ما أمر به ﷾، وله في خلقه أيضًا حكمة عظيمة؛ حتى المخلوقات التي ظاهرها أنها ضرر وشر، ولهذا جاء في الدعاء المعروف: (والشر ليس إليك)، ومعنى الشر ليس إليك مع وجود بعض المخلوقات الشريرة في الحياة: أن الشر لا يعود إلى فعل الله ﷿، وإنما يعود إلى مفعوله، يعني مخلوقه، وهو ﷾ ما خلق شيئًا من الخلق -حتى إبليس- إلا لحكمة عظيمة ومصلحة متعلقة بالخلق.\nفمثلًا: إبليس خلقه الله ﷾ ابتلاء واختبارًا للناس حتى يرى ﷾ من يصدق المرسلين، ويتبع كلامه ﷾، ويعصي عدوه، ويجاهده، ويصبر على هذا الجهاد، بل قد يترتب عليه أنه يموت في هذا السبيل، وهذه لا شك أنها من أعظم الحكم وأجل الغايات، بل فيها من ظهور أسماء الله ﷿ وصفاته الشيء الكثير.\nففيها مثلًا: ظهور صفة العفو والمغفرة للعباد المخطئين.\nوفيها أيضًا: ظهور صفة التجاوز والمسامحة.\nوأيضًا: ظهور صفة المعية الخاصة لعباده المؤمنين، فكل ما خلق الله ﷿ من خلق فإنه خلقه لحكمة تعود عليه من جهة، وتعود على الخلق من جهة أخرى.\nولهذا تحدث ابن القيم ﵀ كثيرًا في هذا الكتاب -شفاء العليل- عن هذه القضية، حتى المخلوقات الشريرة المعروفة فإنها لحكمة عظيمة وهدف كبير، وقد بينا طرفًا من هذه الحكمة من أكبر الشر وهو إبليس عليه لعنة الله، وأما المأمورات فليس فيها شر؛ لأن مأمورات الله ﷿ كلها مصالح ومنافع للعباد علمها من علمها، وجهلها من جهلها.\nإذًا: حكمة الله ﷿ تكون في خلقه وأمره.","vol":"5","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>موقف الناس من إثبات صفة الحكمة</span>\nانقسم الناس في الحكمة إلى قسمين: القسم الأول: نفاة الحكمة، والقسم الثاني: مثبتو الحكمة، والحكمة والتعليل بمعنى واحد.\nفنفاة الحكمة وهم الأشاعرة يقولون: إن الله ﷿ لا يفعل الفعل لحكمة، وإنما يفعله لمحض المشيئة والإرادة، فإذا قال لهم أحد: إن الحكم واضحة في مخلوقات الله ﷿.\nقالوا: هذه الحكم ليست قبل الفعل، وإنما هي بعد الفعل، وثمرة من ثمرات هذا الفعل، وأما الفعل فإن منشأه الأساسي محض المشيئة والإرادة وليس لحكمة أو غاية قبل الفعل.\nأما مثبتو الحكمة فهم طائفتان: الطائفة الأولى: المعتزلة: فقد أثبتوا الحكمة، وقالوا: إن الله ﷿ خلق الخلق لحكمة، لكن قالوا: إن هذه الحكمة تعود إلى العباد ولا تعود إلى الله ﷿ بوجه من الوجوه.\nوقالوا كذلك: إن هذه الحكمة التي نعلمها بعقولنا واجبة على الله ﷿، وهذا أصل عندهم يسمونه: إيجاب الأصلح على الله ﷾؛ فإنهم يرون أنه إذا كان الأصلح لهذا العبد أن يوفق لعمل من الأعمال، فيجب على الله أن يفعل هذا العمل.\nتعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، ولهذا يسميهم السلف الصالح: معطلة الصفات مشبهة الأفعال؛ لأنهم شبهوا الله ﷿ بخلقه في الأفعال.\nالشاهد: أنهم حين أثبتوا الحكمة قالوا: إن هذه الحكمة ليست راجعة إلى الله، وإنما هي راجعة إلى العبد، يعني: هذه المصلحة والغاية راجعة إلى العبد وليست راجعة إلى الله ﷾.\nوالسبب في ذلك: أنهم ينفون الصفات، ويقولون: إن الله ﷾ ليست له صفات، ويثبتون الأسماء على أنها أعلامًا محضة فقط، ولا تتضمن شيئًا من الصفات، وحتى العلم ينفونه، ويقولون: عالم بلا علم، فإذا قيل لهم: هل هو جاهل؟ قالوا: لا، علمه هو ذاته علمه هو ذاته.\nهكذا يقولون ويسفسطون.\nوأما السلف الصالح رضوان الله عليهم فإنهم أثبتوا الحكمة، وقالوا: إن الله ﷿ يفعل الفعل لحكمة عظيمة، وهذه الحكمة التي خلق الخلق من أجلها، أو أمر بالشرع من أجلها تعود إليه؛ فهو يحبها ﷾ ويرضاها، وتعود إلى العباد من ناحية أنهم يفرحون بها، ويلتذون بها، وتطمئن نفوسهم إليها.\nوالسبب الذي جعل الأشاعرة ينفون حكمة الله ﷿ أنهم قالوا: إن حكمة الله ﷿ لو أثبتناها للزم من ذلك أن الله ﷿ يفعل لغاية، قلنا: وما الذي يضر في هذا؟ إذا كان يفعل لغاية فهذا من الكمال، قالوا: لا، معنى هذا أن الله محتاج لهذه الغاية.\nونحن نقول لهم: لا يلزم أن الله ﷿ محتاج لهذه الغاية التي خلق الخلق لأجلها؛ لأنه خلق مخلوقات كثيرة وهو غير محتاج إليها.\nثم إنكم أردتم الفرار وخفتم من إلصاق النقص بالله ﷿ بفهمكم السيئ فألصقتم به النقص بأوضح ما يكون؛ حيث قلتم: إنه يعمل لغير حكمة.\nولهذا وصل الأمر بالأشاعرة أنهم قالوا: إن الله ﷿ قد يدخل الصالحين النار، ويدخل الكفار الجنة، وأن هذا تحت مشيئة الله ﷿، لو شاء لأدخل الصالحين النار، وأن هذا من إثبات قدرة الله.\nونحن نقول: نعم، الله ﷿ قدير، لكن قدرته مرتبطة أيضًا بحكمته فهو قدير حكيم، وليس كل فعل يقدر عليه الرب ﷾ لابد بالضرورة أن يفعله.\nأضرب لكم مثالًا في المخلوقات: أنت الآن إنسان عندك قدرة محدودة، تستطيع أن تنزع ثيابك وتمشي أمام الناس عريان، وهذا الأمر سهل وضمن قدرتك، لكن هل تستطيع أن تفعل؟ لا.\nلم؟ لأنه يوجد شيء آخر يمنعك من ذلك.\nوالله ﷿وله المثل الأعلى ﷾- قدير وقدرته عامة لكل شيء، لكنه يفعل الفعل لحكمة ﷾ لا كما يظن هؤلاء أنه لا يفعل لحكمة، وإنما هو بصرف الإرادة كما يظنون ويزعمون.\nبقي أن الأشاعرة الذين نفوا صفة الحكمة لله ﷿ نفوها في كتبهم المتعلقة بعلم الكلام، فلما جاءوا إلى كتبهم المتعلقة بأصول الفقه وبالأحكام وبالفقه ونحو ذلك تورطوا؛ لأنهم يثبتون القياس، فنجد عددًا كبيرًا من الأشاعرة يثبتون القياس، مثلًا الفخر الرازي له كتاب اسمه: (نهاية العقول)، وله أيضًا: (معالم أصول الدين)، و(الأربعين في أصول الدين)، و(المطالب العالية)، وغيرها من الكتب الكلامية، يقرر فيها ما يقرره أصحابه من نفي الحكمة، لكن له كتب في أصول الفقه مثل (المحصول)، وهكذا الغزالي له (المستصفى)، و(الاقتصاد في الاعتقاد)، ولهم كتب في علم الكلام، ولهم كتب أيضًا في علم أصول الفقه، فلما جاءوا إلى أصول الفقه وأرادوا أن يقرروا الأدلة الشرعية بدءوا يحددونها أولًا: القرآن، وثانيًا السنة، وثالثًا الإجماع، ورابعًا القياس، ولما عرفوا القياس قالوا: هو قياس فرع غير محكوم فيه على أصل محكوم فيه لعلة.\nقلنا: أنتم تنفون العلة في أمر الله وخلقه فكيف تثبتونها هنا؟ فتورطوا.\nولهذا أراد بعضهم الإجابة عن هذه المسألة فقال: إن العلة المقصودة في القياس هي علة معرفة وليست علة باعثة، فرد عليهم بأن الغزالي في (المستصفى) يقول: إن العلة في الأصول هي الباعثة على الحكم، فبعضهم أراد أن يخرج، قال: هذه العلة التي حصلت بعد ال","vol":"5","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>إثبات صفتي السمع والبصر</span>\nيقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨].\nالسمع والبصر صفتان ثابتتان لله ﷾، والمصنف هنا لم يذكر في الاستدلال على هاتين الصفتين إلا دليلين.","vol":"5","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>ذكر بعض أدلة إثبات صفتي السمع والبصر</span>\nعقد البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب التوحيد بابًا لهاتين الصفتين، قال البخاري ﵀: [باب قول الله ﷿: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤]].\n(كان) هنا -كما يقول النحويون وأهل العربية-: تدل على الاستمرار والثبات الدائم، ولهذا عندما يبحث العلماء في أصول الفقه مسألة أفعال الرسول ﷺ، وهل مجرد الفعل يدل على استمرار، يذكرون في خضم هذه المباحث مسألة مهمة جدًا وهي: أنه صدر الفعل بقوله: (كان)، فهو يدل على الاستمرار قطعًا، وإذا صدر الفعل بكان فهو يدل على الاستمرار؛ لأن من معانيها الاستمرار والثبات، فقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤] تدل على الثبات والاستمرار.\nوبعض أهل العلم قالوا: إنها بمعنى صفة الله ﷿؛ لظنهم أنها تدل على الماضي، وإذا راجعتم كلام النحويين وكلام أهل العربية؛ فإنكم ستجدون أنهم يقررون أن (كان) تدل على الاستمرار.\nروى البخاري ﵀ حديثًا عن عائشة ﵂ معلقًا، وهو: أن عائشة ﵂ قالت: (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات! فأنزل الله تعالى على النبي ﷺ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١]).\nوالبخاري لم يكمل الحديث، وتمام الحديث كما هو معلوم: (أن خولة بنت ثعلبة جاءت إلى النبي ﷺ تشتكي وتجادل النبي ﷺ عندما ظاهر زوجها منها، فقالت: يا رسول الله! إن عندي عيالًا إن آويتهم جاعوا، وإن أعطيتهم إياه ضاعوا، فكانت تجادله، وكانت عائشة ﵂ في طرف من البيت ومع هذا لم تسمعها، فقالت: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات فأنزل الله ﷿ قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١]).\nثم ساق حديثًا بإسناده عن أبي موسى قال: (كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا، فقال: أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا وإنما تدعون سميعًا بصيرًا قريبًا) وهذا هو موطن الشاهد: (تدعون سميعًا بصيرًا قريبًا).\nفقوله: (كنا إذا علونا كبرنا) هكذا كانت سنة النبي ﷺ، كان إذا علا نشزًا كبر، وإذا نزل سبح، فكانوا يرفعون أصواتهم، فقال: (أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا تدعون سميعًا بصيرًا قريبًا).\nوساق أيضًا بإسناده عن عبد الله بن عمرو: أن أبا بكر الصديق ﵁ قال للنبي ﷺ: (يا رسول الله! علمني دعاءً أدعو به في صلاتي فقال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت؛ فاغفر لي من عندك مغفرة، إنك أنت الغفور الرحيم).\nهذا الحديث يبدو للناظر من أول وهلة أنه لا علاقة له بباب إثبات صفة السمع والبصر، فما هو وجه الدلالة؟ أو لماذا جاء البخاري ﵀ بهذا الحديث في إثبات صفة السمع والبصر؟ يمكن أن نقول: إن هذا الدعاء يدل على صفة السمع من جهة أنه لو لم يكن الله ﷿ يسمع هذا الدعاء لما كان للدعاء فائدة، ولما علمه رسول الله ﷺ الدعاء، هكذا استدل البخاري ﵀ بهذا الحديث على أن الله ﷿ يسمع.\nولهذا يقول ابن عقيل الحنبلي ﵀: إن هذا الحديث يدل على مجموعة من الصفات: أولًا: وجود الله ﷿؛ لأنه لو كان غير موجود لما صح دعاؤه.\nثانيًا: السمع؛ لأنه لو لم يكن سميعًا ويسمع بسمع لما كان هناك دعاء.\nثالثًا: الغنى؛ لأن الفقير لا يدعى.\nرابعًا: الرحيم؛ لأن القاسي والظلوم الذي ليس عنده رحمة لا يدعى.\nخامسًا: يدل على أن الله ﷿ عليم سبحانه، ويدل على مجموعة من الصفات ذكرها رحمه الله تعالى، وكل ذلك استنبط من الدعاء.\nثم أيضًا ساق حديث عروة: أن عائشة ﵂ حدثته قالت: قال النبي ﷺ: (إن جبريل ﵇ ناداني قال: إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك).\nهذا جزء من حديث طويل: سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ عن أشد ما وجد من قومه، فذكر لها قصة، وهذا جزء منها وهو محل الشاهد: (إن الله قد سمع قول قومك، وما ردوا عليك) فهذه الأحاديث والآيات التي ساقها الشيخ جميعًا تدل على إثبات صفة السمع لله ﷾.","vol":"5","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>بيان ما تختص به صفتا السمع والبصر من كونهما ذاتيتين أو فعليتين</span>\nهل السمع والبصر صفتان ذاتيتان أم فعليتان؟ التحقيق في هذه المسألة: أن صفة السمع والبصر لها جانب ذاتي، ولها جانب فعلي، فأما الجانب الذاتي فهو باعتبار أصل الصفة؛ فإن أصل الصفة: أن الله ﷿ سميع بصير، فهي ذاتية بهذا الاعتبار، بمعنى: أن الله ﷿ ليس أصمًا وليس أعمى كما هو عكس هاتين الصفتين.\nوأما باعتبار تعلقها بالمسموعات وتعلقها بالمبصرات فهي فعلية، ولهذا لا تعلق للسمع والبصر بالمعدوم، بل السمع والبصر يتعلق بالشيء بعد وجوده، فالسمع يتعلق بالمسموعات بعد أن توجد، والبصر يتعلق بالمبصرات بعد أن توجد.","vol":"5","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>العلاقة بين السمع والبصر والعلم والإدراك</span>\nهل معنى السمع والبصر هو العلم والإدراك أم أن له معنى آخر؟ السمع والبصر قدر زائد على مجرد العلم والإدراك، فالعلم والإدراك صفة، والسمع والبصر صفتان زائدة على مجرد العلم، ولهذا ذكر العلماء ﵏: أن تفسير السمع والبصر بالعلم تأويل؛ لأن السمع والبصر قدر زائد على العلم؛ لأن الأعمى قد يعلم أن الأرض خضراء وهو لم يرها، والأصم قد يعلم مثلًا بالشيء وهو لم يسمعه، فهذا يدل على أن السمع والبصر كما قال الحافظ ﵀ قدر زائد على مجرد العلم والإدراك، وأما من فسره بالعلم والإدراك فهو تأويل لهاتين الصفتين لله ﷾.","vol":"5","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>إثبات إبصار الله بعينين</span>\nهل يبصر الله ﷾ بعينين؟ نعم.\nإن إبصار الله ﷿ يكون بعينين ﷾، وقد نص على ذلك الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى في كتابه التوحيد؛ فإنه قال: نحن نقول: لربنا عينان يبصر بهما ما تحت الثرى إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.\nويدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] فالله ﷿ يرى ورؤيته هي بصره، ويقول الله ﷿: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]، ويقول ﷾: ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥] إلى آخر الآية.","vol":"5","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>الأسئلة</span>","vol":"5","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>منفعة الخلق في خلق إبليس</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكرت أن الحكمة تعود على العبد بمنفعة، وذكرت أيضًا أن الله خلق إبليس لحكمة، فما هي منفعة الخلق في خلق إبليس؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  منفعة الخلق في خلق إبليس هو الابتلاء؛ لأنه إذا وجد من يوسوس، ووجد من يرد هذه الوسوسة بالجهاد.\nفهذا جميعًا يدل على أثر صفة من صفات الله ﷿، وهي العفو والمغفرة ونحو ذلك.\nوالمقصود من قوله: (ليعلم) أي: ليوجد الدفع من الإنسان، فيكون له المغفرة، وليس المقصود مجرد العلم.","vol":"5","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>ما يلزم من يصعب عليه معرفة أقوال أهل الكلام في الصفات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يصعب علي معرفة أقوال أهل الكلام في الصفات، فما الواجب علي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يلزم أن تعرفها، لكننا ننبه عليها اتقاء لشرهم، فنحن لسنا في حاجة إلى ذكر كلام أهل الكلام، ومناقشة أهل الكلام، وإنما نحن نذكرهم من أجل الرد عليهم، ولكثرة الفساد الذي سببوه بسبب العقائد التي عندهم.","vol":"5","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>حكم التحاكم إلى أعراف القبائل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم التحاكم إلى أعراف القبائل في العرض والدم والقذف والشتم ونحو ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن التحاكم إلى أعراف القبائل، بمعنى: أن يكون هناك دعوى، ويستمع لها، ونحو ذلك، فلا شك أنها من التحاكم إلى غير الشرع، ولهذا لو رجعتم إلى كتاب تحكيم القوانين للشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ ستجدون أنه ينبه على هذه المسألة، وأنها من التحاكم إلى الطاغوت، وكذلك نبه عليها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في منهاج السنة.","vol":"5","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>معنى الحكم الكوني</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من أقسام الحكم: حكم كوني، ما معنى ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الحكم الكوني معناه: أن الله ﷿ أراد وقدر وحكم بوجود هذه المخلوقات التي في الكون، وأنه ليس هناك شيء من الأشياء قد قدرها الله ﷿ إلا وقد حكم بها، ولا يمكن أبدًا أن يحصل شيء في كون الله ﷿ وهو لم يحكم عليها.\nنكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.","vol":"5","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>العقيدة الواسطية [٦]</span>\nمما يجب على المسلم أن يعلمه من أمر دينه أنه يجب عليه التصديق بما دلت عليه أخبار الصفات دون أن يتوقف ذلك على الثبوت العقلي، ومن جملة ذلك أخبار صفتي السمع والبصر، حيث توافرت طرائق الأدلة السمعية والعقلية على ثبوتهما لله تعالى، ومن جملة ما يجب التصديق به من صفات الله تعالى صفة الإرادة، سواء أكانت كونية قدرية، أم كانت شرعية، فكل ذلك مما ثبت صفة لله تعالى في محكم كتابه وخير نبيه ﷺ.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>إثبات صفتي السمع والبصر</span>\nإن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.\nأما بعد: فقد انتهينا في الدرس الماضي من الحديث عن صفة الحكمة لله ﷾، وسنتحدث إن شاء الله في هذا الدرس عن صفتي السمع والبصر، وصفتي الإرادة والمشيئة.\nوقد تحدثنا عن أدلة إثبات صفة السمع والبصر، وقلنا: إن الأدلة على إثبات السمع والبصر أدلة عقلية وشرعية، وعندما نقول: إن الاستدلال يكون بالأدلة العقلية والأدلة الشرعية لا يعني أن الإيمان بأن الله ﷿ سميع وبصير يتوقف على الاستدلال بالعقل، وإنما نذكر الاستدلال بالعقل على هاتين الصفتين لعدة أمور: منها: أن هاتين الصفتين من الوضوح والجلاء والبيان بحيث إن العقل دل عليهما، وأرشد القرآن إليهما.\nومنها: أن فيه الرد على الذين أولوا صفة السمع والبصر بالعلم أو بالإدراك.","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>وجوب الإيمان والتصديق بأخبار الصفات دون توقف على قيام الدليل العقلي على الصفة</span>\nأحب أن أنقل كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من كتابه العظيم: شرح العقيدة الأصفهانية، وهو كتاب شرح فيه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتابًا من كتب الأشاعرة، وقد تستغربون كيف يشرح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتابًا من كتب الأشاعرة، لكن أقول: إن الشروح تنقسم إلى قسمين: شروح يقصد منها توضيح مسائل الكتاب، والاستدلال له، وبيان المسائل التي تنطوي تحته.\nوهناك نوع من الشروح وهو: الشروح النقدية، وهو أن يأخذ كتابًا من كتب أهل البدع فيشرحها لينقد ما فيها من الأخطاء والبدع، ولهذا شرح أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتابًا آخر من كتب أهل البدع، وهو: المحصل للرازي، وهو محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، وهذا الكتاب غير موجود الآن، لكنه شرحه شرحًا نقديًا، ومن الشروح النقدية مثلًا في أصول الفقه: أن أبا الوليد الباجي ﵀ شرح كتاب الرازي المحصول فانتقده تقريبًا في كل شيء، حتى في عنوان الكتاب، فمن المفروض أن يقول: المحصول إلى؛ لأنه يحتاج إلى تعدية بحرف الجر.\nفكتاب العقيدة الأصفهانية هو للشيخ شمس الدين محمد بن الأصفهاني، وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذا الكتاب وهو في الديار المصرية في سنة سبعمائة واثنتي عشرة وهذا الكلام هو فيما يتعلق بالاستدلال العقلي.\nيقول رحمه الله تعالى: [ومما يوضح ذلك: أن وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر الله به ورسوله من صفاته ليس موقوفًا على أن يقوم عليه دليل عقلي على تلك الصفة بعينها، فإنه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام: أن الرسول ﷺ إذا أخبرنا بشيء من صفات الله تعالى وجب علينا التصديق به، وإن لم نعلم ثبوته بعقولنا، ومن لم يقر بما جاء به الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قال الله عنهم: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤].\nومن سلك هذا السبيل فهو في الحقيقة ليس مؤمنًا بالرسول، ولا متلقيًا عنه الأخبار بشأن الربوبية، ولا فرق عنده بين أن يخبر الرسول بشيء من ذلك، أو لم يخبر به، فإن ما أخبر به إذا لم يعلمه بعقله لا يصدق به، بل يتأوله أو يفوضه، وما لم يخبر إن علمه بعقله آمن به، وإلا فلا فرق عند من سلك هذا السبيل بين وجود الرسول وإخباره، وبين عدم الرسول وعدم إخباره، وكان ما يذكره من القرآن والحديث والإجماع في هذا الباب عديم الأثر عنده، وهذا قد صرح به أئمة هذا الطريق، يعني بهم: المشتغلين بعلم الكلام ونحوه].","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>الطرائق السمعية والعقلية في إثبات صفتي السمع والبصر</span>\nوفي هذا الكتاب أيضًا اهتم اهتمامًا كبيرًا بالاستدلال على بعض الصفات بالعقل، ومن ذلك السمع والبصر، فمثلًا يقول: في صفحة (٧٣): [إثبات كونه سميعًا بصيرًا، وأنه ليس هو مجرد العلم بالمسموعات والمرئيات هو قول أهل الإثبات قاطبة]، ثم تحدث عن المثبتين للسمع والبصر، ثم قال: [وللناس في إثبات كونه سميعًا بصيرًا، طرق: أحدها: السمع، كما ذكره -يعني: المصنف- وهو ما في الكتاب والسنة من وصفه بأنه سميع بصير، ولا يجوز أن يراد بذلك مجرد العلم بما يسمع ويرى؛ لأن الله فرق بين العلم وبين السمع والبصر، وفرق بين السمع والبصر، وهو لا يفرق بين علم وعلم إلا لتنوع المعلومات]، وهذا من الاستدلال القوي على إبطال من أول السمع والبصر بأنه العلم، وذكر الدليل على ذلك، وهو قول الله ﷿: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف:٢٠٠] ففرق بين السميع والعليم، وهكذا كل آية ورد فيها سميع عليم.\nيقول: [وفرق بين السمع والبصر أيضًا عندما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]].\nثم ذكر الطريق الثانية فقال: [لو لم يتصف بالسمع والبصر لاتصف بضد ذلك، وهو: العمى والصمم، كما قالوا مثل ذلك في الكلام] يعني: أنه لو لم يكن متكلمًا لكان أصم [لأن المصحح بكون الشيء سميعًا بصيرًا متكلمًا هو: الحياة، فإذا انتفت الحياة امتنع اتصاف المتصف بذلك، فالجمادات لا توصف بذلك لانتفاء الحياة فيها، وإذا كان المصحح هو الحياة كان الحي قابلًا لذلك، فإن لم يتصف به لزم اتصافه بأضداده]، وقد سبقت الإشارة إلى هذه الطريقة، وقلنا: إن هذه طريقة قرآنية صحيحة أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في التدمرية عند القاعدة السابعة.\nثم استطرد في الرد على الفلاسفة استطرادًا طويلًا، ثم قال: [الطريق الثالث لأهل النظر في إثبات السمع والبصر: أن السمع والبصر من صفات الكمال، فإن الحي السميع البصير أكمل من حي ليس بسميع ولا بصير، كما أن الموجود الحي أكمل من موجود ليس بحي، والموجود العالم أكمل من موجود ليس بعالم، وهذا معلوم بضرورة العقل، وإذا كانت صفة كمال فلو لم يتصف الرب بها لكان ناقصًا، والله منزه عن كل نقص، وكل كمال محض لا نقص فيه فهو جائز عليه، وما كان جائزًا عليه من صفات الكمال فهو ثابت له، فإنه لو لم يتصف به لكان ثبوته له موقوفًا على غير نفسه، فيكون مفتقرًا إلى غيره] إلى آخر كلامه ﵀.\nثم ذكر الطريق الرابع في إثبات السمع والبصر والكلام فقال: [إن نفي هذه الصفات نقائص مطلقًا]، يعني: الطريقة الثالثة: الاستدلال بالكمال، [نقائص مطلقًا سواء نفيت عن حي أو جماد، ومتى انتفت عنه هذه الصفات لا يجوز أن يحدث عنه شيء، ولا يخلقه، ولا يجيب سائلًا، ولا يعفوا ولا يعبد ولا يدعى]، ثم استدل على ذلك وبين أنها طريقة قرآنية بقول الله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢].\n[فدل هذا على أن الذي لا يسمع ولا يبصر أنه لا يغني شيئًا، وأنه لا يستحق العبادة، والله ﷿ مستحق للعبادة، وهو الخالق ﷾، فلزم من ذلك: أنه سميع بصير، وهذا استدلال عقلي قرآني]، يعني: القرآن أرشد إلى الاستدلالات العقلية الصحيحة التي ليس فيها مدخل من مداخل الباطل، وليس فيها شيء من اللوازم الباطلة التي تؤثر على عقيدة الإنسان، وهو كلام نفيس في هذه المسالة.","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>آيتان في إثبات صفتي السمع والبصر</span>\nذكر شيخ الإسلام ﵀ في إثبات صفتي السمع والبصر آيتين وجه الاستدلال منهما على صفة السمع والبصر واحد، فأما الآيتان فهما: قول الله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨].\nوجه الاستدلال منهما: أن اسم الله ﷿ السميع واسمه البصير يتضمن كل منهما صفة، فاسمه السميع يتضمن صفة السمع، واسمه البصير يتضمن صفة البصر، والدليل على أن الأسماء تتضمن الصفات هو: قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، ووجه الاستدلال من هذه الآية على أن أسماء الله ﷿ تتضمن صفات هو لفظ الحسنى، فالحسنى على وزن فعلى، وهي تدل على أن أسماء الله ﷿ في غاية الحسن والجمال والكمال، فلو كانت لا تتضمن صفات لكانت ليست ببالغة الغاية في الحسن؛ لأن الأعلام المحضة التي لا معاني لها ليست من الحسن في شيء، فلما كانت أسماء الله ﷿ حسنى عرفنا من هذا أنها تتضمن معاني عظيمة جدًا.\nويلاحظ: أن الاستدلال بالآية الأولى والاستدلال بالآية الثانية وجههما واحد، وهو: الاستدلال بالأسماء على الصفات.","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>معاني اسم الله السميع</span>\nاسم السميع له أربعة معان: الأول: المجيب: يقول الله ﷿: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم:٣٩].\nالمعنى الثاني: أنه سامع الأصوات: فهو ﷾ يسمع الأصوات القليلة والكثيرة، الخفية والمعلنة، كما قال الله ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] إلى آخر الآية.\nوسبق أن قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤]، جاء في كتاب التوحيد من صحيح البخاري أن هذه الآية نزلت في قصة خولة بنت ثعلبة عندما جاءت إلى النبي ﷺ تشتكي زوجها الذي ظاهر منها، وكانت عائشة في نفس الدار، وهي لا تسمع شكوى خولة للرسول ﷺ، ومع ذلك سمعها الله ﷿ من فوق سبع سموات.\nالمعنى الثالث: أنه يراد به النصرة والتأييد، ويدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦].\nوالمعنى الرابع: أنه يراد به التهديد والوعيد، يقول الله ﷿: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠] ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف:٨٠].\nجاءت هنا هذه الصفة في مساق التهديد والوعيد، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به) رواه البخاري ومسلم.\nمعناه: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به.\nفمعنى الإذن هنا: الاستماع.","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>طرائق نصوص الوحي في إثبات صفة البصر</span>\nجاء إثبات صفة البصر بأكثر من طريق: الطريق الأول: إثبات صفة البصر مباشرةً كما هو في الآتين معنا.\nوالثاني: إثبات الرؤية لله ﷿، كما قال الله ﷿: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦].\nوكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤].\nوكقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥].\nفالرؤية هنا بمعنى: البصر.\nوكذلك حديث جبريل الطويل عندما ذكر أركان الإيمان وأركان الإسلام وجاء إلى الإحسان فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك).\nوكذلك ثبت أن الله ﷿ ينظر، يدل لهذا قول النبي ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).\nويقول النبي ﷺ: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم).\nفقوله: (لا ينظر إليهم) صفة منفية تدل على كمال الضد، وهو النظر في حال الرضا، وهذا استدلال بالمفهوم، هذا نوع من الاستدلال، ومعلوم أن الاستدلال تارة يكون بالمنطوق، يعني: بظاهر اللفظ، مثل: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم:٣٩]، فمنطوق الآية: أن الله ﷿ يسمع دعاء الداعي، ويجيب دعاءهم.\nوهناك نوع آخر من الاستدلال وهو الاستدلال بالمفهوم، والاستدلال بالمفهوم في باب العقائد استدلال صحيح، وقد عمل به الأئمة، فـ الشافعي ﵀ استدل على إثبات رؤية الله ﷿ بالمفهوم عندما نفى الله ﷿ عن الكفار الرؤية في سورة المطففين، دل هذا بالمفهوم على أنهم يرونه، قال الله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].\nاستدل الشافعي ﵀ بهذه الآية على أنهم لما حجبوا في حال الوعيد والكراهة لهم، دل ذلك على أنهم يرونه في حال الرضا عنهم ومحبته لهم.","vol":"6","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>ما تختص به صفتا السمع والبصر من كونهما من الصفات الذاتية أو الصفات الفعلية</span>\nمن المسائل المتعلقة بصفة السمع والبصر: مسألة: هل صفة السمع والبصر صفة ذاتية أم فعلية؟ سبق أن أشرنا إلى أن صفة السمع والبصر منها ما هو ذاتي، ومنها ما هو فعلي، فصفة السمع متعلقة بالمسموعات، فإذا وجدت المسموعات؛ فإن الله عز جل يسمعها، وإذا وجدت المبصرات؛ فإن الله ﷿ يبصرها ويراها وينظر إليها، وهي بهذا الاعتبار صفة ذاتية غير متعلقة بالمشيئة، لكن في السمع سمع الإجابة مثلًا، أو سمع الوعيد والتهديد، هذه من الصفات الفعلية وليست من الصفات الذاتية.","vol":"6","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>أقوال أهل البدع في صفتي السمع والبصر</span>\nأهل البدع ينقسمون إلى قسمين في صفتي السمع والبصر: أما المعتزلة فإن عامتهم لا يثبتون صفة السمع والبصر بناءً على أصلهم في التوحيد؛ فإنهم يعتقدون أن التوحيد يلزم منه نفي الصفات، ويوجد من المعتزلة من يثبت صفة الإدراك، وبعضهم: يثبت صفة السمع والبصر، لكن يقول: له سمع وبصر هي ذاته، فهو في الحقيقة ينفيها.\nأما الأشاعرة فإنهم يتظاهرون بإثبات صفة السمع والبصر، وهم يثبتون سبع صفات، ويسمونها صفات المعاني، ومن هذه الصفات: السمع والبصر، ولكنهم يفسرونها بغير معناها الصحيح، فبعضهم يقول: إن السمع البصر هما: العلم، أو الإدراك، ولهذا التزم بعضهم بأن الله ﷿ يرى المسموعات ويسمع المبصرات؛ لأنها بمعنى واحد عنده كالعلم، وهذا باطل، وسبق في كلام شيخ الإسلام ﵀ في شرح العقيدة الأصفهانية: أن العلم غير السمع، ولهذا فرق الله ﷿ بينهما عندما قال: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٨١]، فلو كان معناهما واحدًا لما فرق بينهما ﷾، هذا من جهة.\nومن جهة أخرى: فإنه قد سبق أن أشرنا إلى أن العليم قد يعلم وهو لا يرى، وقد يعلم وهو لا يسمع، فلا يلزم من العلم وجود السمع والبصر، وهذا يدل على أن العلم صفة، وأن السمع والبصر صفتان تختلف عن العلم.","vol":"6","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>استعمالات النظر في القرآن</span>\nالنظر له استعمالات متعددة، فمنها: أنه قد يتعدى بنفسه، فإذا تعدى بنفسه فمعناه: التوقف والانتظار، كقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣]، وليس المقصود من هذا: انظرونا بأبصاركم، وإنما المقصود: انتظرونا، وتوقفوا لنا، وهذا يقوله المنافقون للمؤمنين يوم القيامة.\nفإذا عدي بـ (في) كان معناه: التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥]، يعني: يعتبروا ويتفكروا.\nومنها: أن يعدى بـ (إلى)، فإذا عدي بإلى فمعناه: نظر العين، كقوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام:٩٩]، انظروا يعني: بالعين.\nوتلاحظون أن الآيات أو الأحاديث التي ورد فيها إثبات النظر معداة (بإلى)، كقوله ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم -ثم قال: ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، فهذا النظر بمعنى الإبصار.","vol":"6","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>أقوال أهل البدع في تعلق الصفات بالمخلوقات</span>\nأهل البدع عندما يأتون إلى تعلق الصفات بالمخلوقات، يقولون: إرادة الله ﷿ واحدة وقديمة لا تتعدد، وتعلقها بالمخلوقات هو من جهة تنوع المخلوقات فقط، ويسمونه: تعلقًا اعتباريًا، يقولون: تعلق اعتباري إضافي، ولا يعتقدون أنه وجودي ثبوتي.\nوكذلك في السمع والبصر؛ فعندما يدعو داع من الذين يدعون الله ﷿ يسمعه، وقد كان قبل أن يسمعه سميعًا، فلما دعاه سمعه ﷾، وهم يقولون: إن هذا يلزم منه حدوث السمع، فإذا كانوا يقصدون: أنه يحدث لله سمع، ولم يكن من قبل سميعًا فهذا باطل لا يريده أهل السنة، وإن كانوا يقصدون أنه يسمع دعاء الداعي عندما يدعوه في ذلك الوقت، فهذا حق تثبته الأدلة وهم ينفونه، فيقولون: إن المبصرات والمسموعات الموجودة تتنوع، وقد رآها الله ﷿ من قبل برؤية واحدة، وبسمع واحد، وهم يعتبرون السمع والبصر مثل العلم، كأنه علمها بعلم واحد، وأنه لا يتجدد لله ﷿ سمع أو بصر، ويسمون هذا: حدوثًا.\nوهذه الألفاظ لا ينبغي للمسلم أن يستعملها؛ لأنها ألفاظ اصطلاحية؛ كما أنه لا ينبغي للإنسان أن ينفيها نفيًا مطلقًا، يعني: أن لفظ الحدوث والحيز والجهة، ونحو ذلك من الألفاظ التي يستعملها أهل الكلام ألفاظ مبتدعة مخترعة تتضمن معاني صحيحة وباطلة، فلا يصح للإنسان أن ينفيها؛ لأنه قد ينفي معها شيئًا من الحق، ولا يصح أن يثبتها؛ لأنه قد يثبت معها شيئًا من الباطل.\nوالصحيح: أن يستفصل عن مراد القائل بها، فإذا قال: إن هذا يلزم منه الحدوث، نقول: بين لنا معنى الحدوث؟ وماذا تقصد بالحدوث؟ فإن كنت تقصد أنه إذا وجد الأمر المبصر، أو المسموع، والله ﷿ سمعه وأبصره، فهذا يحدث لله صفةً لم تكن موجودةً من قبل، بمعنى: أن الله لم يكن سميعًا ولا بصيرًا حتى وجدت المسموعات والمبصرات، فهذا باطل لا نقره، فالله ﷿ سميع بصير ﷾، وعندما يحدث المخلوق يراه ويسمعه ﷾.\nوإن كنت تعني بالحدوث أنه عندما يوجد المخلوق يسمعه الله ويراه، وقد حدث قريبًا، ثم إذا حدث مخلوق آخر سمعه الله أو رآه، فهذا معنى حق لا ننكره، فالله ﷿ يسمع ويرى الأشياء حتى مع تأخرها وحدوثها، فهو ﷾ يراها ويسمعها.\nوهكذا كلمة الجهة؛ فإن أهل البدع ينفون صفة العلو لله ﷿، ويقولون: إن هذا يلزم منه أن نثبت الجهة، فنقول: ما معنى كلمة الجهة عندكم؟ إن كنتم تقصدون أن الله في العلو؛ فنحن نثبت أن الله ﷿ في العلو ﷾، حتى لو سميتموها أنتم جهة فلا تعكر على إثباتها تسميتكم لها بالجهة، وأما إن كنتم تقصدون أنه في جهة محددة محصورة، فهذا معنى باطل لا نقره.\nولهذا في بعض الأحيان قد يأتي بعض هؤلاء المبتدعة فيطرحون على بعض أهل السنة مصطلحات، وقد يتفاعل معها بعض أهل السنة فينفيها مطلقًا، فإذا نفاها مطلقًا نفى شيئًا من الحق، أو قد يثبتها فإذا أثبتها أثبت شيئًا من الباطل.\nوالصحيح هو: أن نقف عند المصطلحات الشرعية، فالعلو يسمى: علوًا، والسمع يسمى: سمعًا، والبصر يسمى: بصرًا؛ فإذا جاءتنا ألفاظ من هؤلاء نستفصل عن معناها، فنثبت المعنى الحق، وننفي المعنى الباطل.\nهذه هي القاعدة في الألفاظ التي ترد من عند هؤلاء.","vol":"6","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>إثبات صفة الإرادة</span>","vol":"6","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>أدلة إثبات صفة الإرادة</span>\nيقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩].\nهنا تقدير، يعني: قلت: هذا ما شاءه الله.\nوقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، موضع الشاهد: (يريد).\nوقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١]، فيها إثبات صفة الإرادة.\nوقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥].\nففي هذه الآيات إثبات صفة الإرادة لله ﷾، وهي صفة ثابتة لله ﷿ بالعقل وبالشرع، وقد أشار شيخ الإسلام في شرح العقيدة الأصفهانية إلى جانب الاستدلال العقلي، وأشهر دليل يستخدم في إثبات صفة الإرادة: إن الله ﷿ عندما خلق المخلوقات خصص بعضها بأشكال وألوان في الطول والقصر، والبياض والسواد، وخصصها بأنواع مختلفة.\nهذا التخصيص دليل على وجود إرادة عند المخصص وهو الخالق ﷾، فلو لم تكن هناك إرادة لما كان هناك تخصيص، فبعض الخلق جعلهم الله ﷿ بيضًا، وبعضهم سمر، بعضهم طويل، وبعضهم قصير، بعضهم عمره طويل، وبعضهم عمره قصير، بعضهم ذكر، وبعضهم أنثى، بعضهم إنسان، وبعضهم حيوان، بعضهم حي، وبعضهم جماد.\nهذا التخصيص يدل على أن الخالق الذي خلقهم له إرادة جعلت بعضهم هكذا، وبعضهم هكذا لحكمة، ففيه إثبات صفة الإرادة، وفيه إثبات أيضًا: صفة الحكمة.","vol":"6","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>الإرادة الكونية والإرادة الشرعية والفرق بينهما</span>\nوالإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية.\nفمعنى الإرادة الكونية: أن الله ﷿ قد أراد أن يخلق هذه المخلوقات الموجودة بكل أنواعها وكل صورها الضار منها والنافع الخير والشر ونحو ذلك، فلا يمكن أن يوجد شيء في المخلوقات إلا وقد أراده الله ﷿، ولا يمكن أن يحصل شيء لم يرده الله ﷿ من قبل، بل كل شيء أراده الله ﷿ حتى الكفر والمعاصي أرادها لحكمة، كما سبق أن أشرنا عند حديثنا عن صفة الحكمة لله ﷿، فهذه إرادة عامة، ويدل على هذه الإرادة قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥].\nهذه الآيات تدل على هذه الإرادة الكونية، وهذه الإرادة الكونية هي نفسها المشيئة، فقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة:٢٥٣]، هي المشيئة، معناها: أن الله ﷿ شاء كونًا هذه المخلوقات جميعًا بكل أنواعها وأصنافها.\nوالنوع الثاني: هي الإرادة الشرعية، وهذه الإرادة الشرعية معناها: أن الله ﷿ أراد من العباد الأعمال الصالحة، ولهذا أمرهم ونهاهم، فهي موافقة لمحبة الله ﷿، فالفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية من وجهين: الوجه الأول: أن الإرادة الكونية لابد أن تحصل في الكون، فلا يمكن أن يوجد شيء في الكون إلا وقد أراده الله ﷿، وأما الإرادة الشرعية فإنها قد تحصل وقد لا تحصل، فنحن نرى أن الأوامر الشرعية هي: ما أراده الله ﷿ من العباد شرعًا، وقد يطيع البعض وقد لا يطيع.\nالوجه الثاني: أن الإرادة الكونية منها ما يحبه الله، ومنها ما لا يحبه الله ﷿، فقد أراد الله ﷿ وجود الأعمال الصالحة في الكون.\nوهذا مما يحبه، كما أراد ﷾ وجود الأعمال السيئة في الكون من أعمال الكفار ونحو ذلك، وهذا أيضًا مراد لله ﷿، ولكن ليس معنى أنه مراد أنه محبوب لله.\nأما الإرادة الشرعية فإنها تكون محبوبة لله ﷿، فهو عندما أمر بالأوامر ونهى عن النواهي كان يحب من العباد أن يطيعوه فيما أمر، وأن يجتنبوا ما نهى عنه ﷾، فهذا هو الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وسيأتي الحديث عن هذا الأمر وفائدته في باب القدر، عند حديثنا عن خلق أفعال العباد، وعند حديثنا عن مراتب القدر بإذن الله تعالى.","vol":"6","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>بيان ما تختص به صفة الإرادة من كونها واحدة أو متعددة بحسب المرادات</span>\nهناك مسائل متعلقة بالإرادة وهي: هل إرادة الله ﷿ إرادة واحدة غير متعددة؟ أو أنها متعددة بحسب المرادات؟ الجواب على هذا: أن الله ﷿ قدر الأشياء قبل وجودوها، وهو عندما قدرها علم ما سيفعله ﷾، وأراد فعله في المستقبل، فهو علمها وأراد أن يفعلها في المستقبل، وهذه هي الإرادة القديمة، وهي: إرادة الله ﷿، وهي التي يسميها العلماء: العزم، ثم بعد ذلك عندما أرادها الله ﷾ قديمًا لم يفعلها في تلك الحالة؛ لأنه أرادها في المستقبل، فإذا جاء وقتها أراد فعلها؛ لأن الفعل المعين المحدد لابد له من إرادة، وهذا هو القصد، فالأول: عزم، والثاني: قصد.\nفالله ﷿ عندما قدر المقادير أراد أن يفعل ما يفعله في المستقبل.\nهذه إرادة قديمة، وهي التي يسميها العلماء العزم، فإذا جاء وقتها أراد الله ﷿ فعلها، فيفعلها ﷾، وهذا يسميه العلماء قصدًا.\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اختلاف أهل العلم في وصف الله ﷿ بالعزم، هل يجوز أن يوصف الله ﷿ بالعزم أو لا يجوز؟ فذكر فيها قولين: أصحهما: القول الثاني وهو الجواز، واستدل على ذلك بقول الله ﷿: ﴿فَإِذَا عَزَمْتُ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، هذه الآية فيها قراءتان: القراءة الأولى وهي قراءة الجمهور: ﴿فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩].\nوالقراءة الثانية: قراءة عكرمة وأبي جعفر وغيره: ﴿فَإِذَا عَزَمْتُ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، فتصبح التاء هنا تاء المتكلم.\nوكذلك يدل على إثبات صفة العزم لله ﷿: ما رواه مسلم عن أم سلمة ﵂ عندما توفي زوجها أبو سلمة، وحزنت عليه حزنًا شديدًا، فعلمها النبي ﷺ الدعاء المشهور، فقالت: (ثم عزم الله لي فتزوجت رسول الله ﷺ)، بمعنى: أراد الله ﷿ لي قبل أن أتزوج رسول الله ﷺ.","vol":"6","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>الفرق بين الإرادة والمشيئة</span>\nوهل هناك فرق بين الإرادة والمشيئة أو ليس هناك؟ ذكرت هذه المسألة في أثناء حديثي عن أقسام الإرادة، ونستطيع أن نقول: الإرادة عامة تشمل الإرادة الكونية.\nوهذه هي المشيئة، وتشمل الإرادة الشرعية.\nوليست هي المشيئة، فالمشيئة إذًا: موافقة للإرادة الكونية، فهي أخص من الإرادة، والإرادة بشكل عام تشمل المشيئة وزيادة ما عليها الإرادة الشرعية.\nوالدليل على أن المشيئة هي الإرادة الكونية؟ الدليل على ذلك: قول الله ﷿: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:٩٩]، فدل ذلك على أن المشيئة هنا هي المشيئة الكونية، أو هي الإرادة الكونية؛ لأن الإرادة الشرعية معناها: أن الله ﷿ يريد من العباد أن يؤمنوا، ومع هذا يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:٩٩].","vol":"6","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>نقد كلام القرضاوي في نسبة السلف إلى التفويض واتفاقهم مع المؤولة ودفاعه عن الأشاعرة</span>\nهذه مجلة المجتمع العدد مائة وسبعة وثلاثين في خمسة وعشرين جماد الآخر ألف وأربعمائة وعشرين، هناك موضوع يتعلق بموضوع توحيد الأسماء والصفات للدكتور القرضاوي يكتب: الإخوان المسلمون سبعين عامًا في الدعوة والتربية والجهاد، وتعرض الدكتور القرضاوي لآيات الصفات وأحاديثها التي نتحدث عنها في هذه الدروس.\nيقول: (قد علمت أن مذهب السلف في الآيات والأحاديث التي تتعلق بصفات الله ﵎: أن يمروها على ما جاءت عليه، ويسكتوا عن تفسيرها أو تأويلها، وأن مذهب الخلف أن يؤولوها بما يتفق مع تنزيه الله ﵎ عن مشابهة خلقه).\nولا شك أن هذا الكلام ليس بسليم وليس بصحيح؛ لأن مذهب السلف هو: إثبات أسماء الله ﷿ وصفاته من غير تعطيل ولا تحريف، وأما ما حكاه عن مذهب السلف فهو مذهب المفوضة الذين لا يثبتون معاني صفات الله ﷾.\nوالمفوضة مع كونهم لا يثبتون معاني صفات الله ﷿ فهم ينفونها في الحقيقة، يعني حقيقة مذهب المفوضة: هو أنهم ينفون الصفات لكن لا يحددون المراد من الآية، فالمفوضة والمعطلة من الأشاعرة الجهمية وغيرهم يتفقون جميعًا على نفي صفات الله ﷿، لكن المفوضة يقولون: لا نعرف معنى الآية، والمؤولة يقولون معناها: كذا وكذا، إذًا: لجميع يتفق على نفي صفات الله ﷾، ومع هذا يقول: إن هذا هو مذهب السلف وهذا ليس بصحيح.\nيقول: (كل منهما) يعني: من الطائفتين اللتين حكاهما، وهم جميعًا ينفون الصفات، ونسب إلى السلف أنهم مفوضة، يقول: (كل منهما يقطع بأن المراد بألفاظ هذه النصوص في حق الله غير ظواهرها -وهذا كلام باطل- التي وضعت لها هذه الألفاظ بحق المخلوقات، وذلك مترتب على اتفاقهما على نفي التشبيه).\nيعني: نفس كلام الأشاعرة ونفس كلام المفوضة، ومع أن موضوع الأشاعرة والمفوضة انتهى منذ زمان بعيد، وصار عدد كبير -ولله الحمد- من الدعاة وطلاب العلم يعرف أن الأشاعرة والمفوضة ليسوا من أهل السنة، وتعلمون أن إثبات الصفات هو عقيدة أهل السنة والجماعة، ومع هذا يحاول الدكتور القرضاوي أن يبرر للمفوضة وللمعطلة؛ لأن شيخه حسن البنا ﵀ قد حكى أن مذهب السلف: هو التفويض، ولا شك أن هذا من التعصب -والعياذ بالله- للأشياخ.\nيقول: (وأن اللغات مهما اتسعت لا تحيط بما ليس لأهلها بحقائقه علم، وحقائق ما يتعلق بذات الله ﵎ من هذا القبيل، فاللغة أقصر من أن تواتينا بالألفاظ التي تدل على هذه الحقائق كالتحكم في تحديد المعاني لألفاظ التغرير.\nوإذا تقرر هذا فقد اتفق السلف والخلف على أصل التأويل، وانحصر الخلاف بينهما بأن الخلف زادوا تحديد المعنى المراد حيثما ألجأتهم ضرورة التنزيه إلى ذلك حفظًا لعقائد العوام من شبهة التشبيه، وهو خلاف لا يستحق ضجةً ولا إعناتًا).\nهو في الحقيقة لم يفهم مذهب السلف الصالح، فمذهب السلف الصالح: إثبات الصفات وليس تفويضها وعدم الإقرار بمعانيها، فهو -إذًا- حكى أن مذهب السلف: هو نفي الصفات لكن بدون تحديد للمعنى المراد من الآية؛ لأنه قال: وقد اتفق الجميع -يعني: السلف والخلف في تصوره- بأن المراد بألفاظ هذه النصوص في حق الله ﵎ غير ظواهرها.\nمسألة هل ظواهر النصوص مرادهَ أو غير مرادهَ؟ هذه تحدث عنها العلماء قديمًا، منهم ابن تيمية ﵀ في الفتوى الحموية المشهورة، وبين أن مقولة: (إن منهج السلف أسلم ومنهج الخلف أعلم وأحكم) أنها مقولة باطلة مبنية على أن مذهب السلف هو التفويض، كما فهمه الدكتور القرضاوي.\nثم نقل عن الشيخ البنا ﵀ أنه يقول: (ونحن نعتقد أن رأي السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني إلى الله ﵎ أسلم وأولى بالاتباع حسمًا لمادة التأويل والتعطيل).\nوهو في الحقيقة: نفي للصفات لكي لا يفهم من معانيها شيء.\nيقول: (ونعتقد إلى جانب هذا: أن تأويلات الخلف لا توجب الحكم عليهم بكفر ولا فسوق -والكلام للبنا - ولا تستدعي هذا النزاع الطويل بينهم وبين غيرهم قديمًا وحديثًا).\nكأنه يظن أن النزاع صوري ولفظي، مع أن المعركة التي حصلت بين السلف الصالح رضوان الله عليهم وبين المفوضة والمعطلة معركة حقيقية لها بناء عميق، وخلاف منهجي قوي جدًا، ومع هذا يقول: هذه المسألة لا تحتاج إلى نزاع، وكأنه يقول: إن هؤلاء كانوا ينازعون في أمور لفظية.\nيقول: (وقد لجأ أشد الناس تمسكًا برأي السلف رضوان الله عليهم إلى التأويل في عدة مواطن، وهو الإمام أحمد بن حنبل ﵁؛ من ذلك تأويله لحديث: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض) وقوله: (قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن) وقوله ﷺ: (إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن).\nانظروا: يظنون أن هذه من التأويلات.\nهذه المسألة بحثها الشيخ محمد بن عثيمين في كتابه القواعد المثلى، وأنا أطلب","vol":"6","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>العقيدة الواسطية [٧]</span>\nيعتقد أهل السنة والجماعة إثبات صفات الله تعالى الاختيارية الفعلية كما يعتقدون إثبات صفاته تعالى الذاتية، بغير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، ومن ذلك صفة الرحمة والمحبة والرضا والغضب وغيرها من صفات كماله ﷾، وخالفهم في ذلك المنحرفون من نفاة الصفات كالجعد بن درهم والجهم بن صفوان وبشر المريسي ومن وافقهم من المعتزلة والكلابية ونحوهم.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>صفات الله تعالى الاختيارية</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين.\nأما بعد: موضوع صفات الله ﷾ الاختيارية موضوع طويل ومتشعب وهو مهم جدًا لوجود مجموعة كبيرة من صفات الله ﷾ ضمن هذه الصفات الاختيارية، وقد اتفق النفاة على نفيها جميعًا.\nفالصفات الاختيارية هي الصفات الفعلية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالة خاصة بالصفات الاختيارية موجودة في مجموع الفتاوى أظنها في (ج٦) وتشتمل على خمسين صفحة تقريبًا، يقول عن الصفات الاختيارية: هي الأمور التي يتصف بها الرب ﷿ فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته مثل: كلامه، وسمعه وبصره، وإرادته ومحبته ورضاه، ورحمته وغضبه وسخطه، ومثل: خلقه وإحسانه وعدله، ومثل: استوائه ومجيئه وإتيانه ونزوله ونحو ذلك من الصفات التي نطق بها الكتاب العزيز والسنة.\nفاسم الصفات الاختيارية اسم عام يشمل عددًا كبيرًا من صفات الله ﷾ المتعلقة بمشيئته وإرادته.\nفهناك نوع آخر من الصفات يسمى الصفات الخبرية، والصفات الخبرية جزء منها من الصفات الاختيارية، والجزء الآخر من الصفات الذاتية.\nمن الصفات الخبرية: إثبات الوجه واليدين والعينين والساق والقدم، ونحو ذلك من الصفات اللائقة بالله ﷾، وهي من صفات الكمال والجلال والجمال، لا يشبهها مخلوق من المخلوقات أبدًا.\nوالصفات الاختيارية يثبتها أهل السنة والجماعة كما نطق بها القرآن الكريم، وكما ثبت عن الرسول ﷺ، ويثبتونها كما يثبتون الصفات الخبرية، فهم يثبتون أن لله ﷿ يدين وعينين، وأن له وجهًا ﷾ يليق به، كل ذلك من غير تشبيه ولا تمثيل.\nوكذلك يثبتون أنه ﷾ يتكلم وينزل ويضحك ويجيء ويأتي، ويحب ويبغض ويغضب ويكره، ونحو ذلك من الصفات الفعلية وهي التي يسميها العلماء: الصفات الاختيارية.","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>نفاة الصفات الاختيارية</span>\nالفتنة المشهورة التي وقعت في زمن الإمام أحمد ﵀ ظهر فيها الخلاف القوي بين أهل السنة والجماعة وبين المعطلة، وهو تقريبًا من أوائل الصدامات التي وقعت بين أهل السنة من جهة والمعطلة من جهة أخرى، وهو مبني على قضية خلق القرآن، فإن قضية خلق القرآن نشأت من نفيهم للصفات الاختيارية عن الله ﷿، فلما نفوا هذه الصفات عن الله ﷿، بدءوا يؤولون ويعطلون.","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>الجعد بن درهم</span>\nوأول من عرف بنفيه لهذه الصفات هو الجعد بن درهم، وأنتم تعلمون أن أول فرقة خرجت وشقت صفوف المسلمين هم الخوارج الذين كفروا المسلمين بالذنوب، وكانت المشكلة مع الخوارج في باب الإيمان حيث إنهم يعتبرون الفاسق الذي يرتكب المعاصي كافرًا خارجًا عن الإسلام ويطبقون عليه أحكام الكفر.\nوثاني فرقة خرجت هي: الشيعة، وثالث فرقة: القدرية الذين ينكرون القدر، ورابع فرقة: المرجئة، وهذه الفرق الأربع هي أصول الفرق كما ذكر غير واحد من السلف، ولم يحصل أن اختلف أحد في صفات الله ﷿ حتى ظهر الجعد بن درهم الذي كان مربيًا ومعلمًا لآخر حكام الدولة الأموية الذي يسمونه: مروان الحمار، ولقب بـ الحمار لقوته وقوة تحمله، ويلقبونه بـ الجعدي، نسبة إلى شيخه الجعد بن درهم.\nالجعد بن درهم نفى الصفات عن الله ﷿، فكان من الصفات التي نفاها عن الله ﷿: الصفات الاختيارية، ويقول: الله ﷿ لا يتكلم أبدًا، وهو ﷾ لا يبصر، وهو ﷾ ليس له يدان ولا قدمان ولا عينان، وهو ﷾ لا ينزل ولا يغضب، ولا يرضى ولا يحب، إلى آخر ما هنالك من الصفات الموجودة في كتاب الله ﷿، نفاها جميعًا فقتله خالد بن عبد الله القسري، وكان خالد عاملًا للعباسيين على العراق، فجاء إلى الناس في يوم عيد الأضحى وقال: ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بـ الجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا، فنزل وذبحه في أصل المنبر.","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>الجهم بن صفوان</span>\nوتلقف هذه البدعة الشنعاء عن الجعد بن درهم الجهم بن صفوان، وهذا لم يكن من أهل العلم ولا عرف عنه أنه طلب العلم بالطريقة التي كان يطلبها السلف الصالح رضوان الله عليهم، وقد كانت في تلك الفترة مجالس العلم منتشرة، وأهل العلم في كل مكان يدرسون ويملون ويفتون الفتاوى المشهورة، لكن الجهم بن صفوان ما درس العلم، وإنما كان يجلس في بيته، والتقى بمجموعة من الوثنيين من الهنود يسمون: السمنية، وكان هؤلاء السمنية ينكرون غير المحسوسات، وعندهم أنه لا يثبت شيء ولا يمكن للإنسان أن يعرف شيئًا إلا بالمحسوسات فقط، فلما ناقشهم عن الله ﷿ قالوا له: هل رأيته وذقته ولمسته؟ قال: لا.\nولجهله وضعفه بقي في بيته قرابة أربعين يومًا محتارًا لا يصلي، وهذه هي المشكلة: الجهل، وغالبًا البدع لا تظهر إلا من أشخاص لم يدرسوا العلم، ولم يعرفوه، ولم يتفقهوا الفقه السليم الصحيح على دين الله ﷿، فهذه حالة من حالات الجهم.\nوهناك حالات أخرى تقع في المجتمعات، ولو أنكم تتبعتم أصحاب الفتن منذ زمن النبي ﷺ إلى زماننا المعاصر لوجدتم أن لهم سمات معينة، منها: أولًا: أنهم ليسوا من أهل العلم.\nثانيًا: لا يتدارسون مع أهل العلم.\nثالثًا: أنهم من المستعجلين.\nرابعًا: أنهم يأخذون بطرف، ويتركون أطرافًا، ويعملون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.\nفـ الجهم بن صفوان أنكر صفات الله ﷾، ومنها: الصفات الاختيارية، وقال: إن الله ﷿ هو هذا الهواء الموجود في كل مكان، وليس له اسم ولا صفة، فقتله سلم بن أحوز في خراسان.","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>بشر المريسي</span>\nوتلقف هذا عن الجهم بشر بن غياث المريسي، وكان من الحنفية، تلقف هذه الأفكار ودعا إليها ونشرها، ولهذا رد عليه علماء السنة مثل: عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب سماه: رد عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد، ورد أيضًا على شيخه جهم بكتاب سماه: الرد على الجهمية، وهؤلاء الجهمية أتباع جهم كفرهم السلف رضوان الله عليهم، ولهذا يقول ابن المبارك رحمه الله تعالى: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نحكي كلام الجهمية؛ لأنه أكفر من كلام اليهود والنصارى، فحقيقته: نفي الإله؛ لأنه تجريد للإله من الأسماء والصفات جميعًا، ولهذا قال جهم: إن إلهي هو هذا الهواء الموجود في كل مكان، إذًا: الحقيقة: أنه ليس له إله، وكانت الجهمية في بداية الأمر تنفي الصفات نفيًا مطلقًا، فتقول: لا يتكلم الله أبدًا، فلما أنكر عليهم الناس وشعروا بالشناعة والرد عليهم بدءوا يخففون من حدة الإنكار، فلما جاء بشر المريسي ذكر الدارمي رحمه الله تعالى أنه قال لبعض أصحابه: لا تفاجئوا أهل السنة بالإنكار، وإنما عليكم بالتأويل؛ لأن التأويل نفي في الحقيقة، وهو كما قال، فهو إنكار بلطف وليس فيه إثارة للآخرين عليه، فهو يريد أن يصل إلى الإنكار، فعنده في الوصول إلى الإنكار طريقان: إما أن ينكر بشكل متبجح فيثور عليه الخاصة والعامة، وإما أن ينكر بشكل متلطف فيدخل ويتغلغل في نفوس الناس، وهذه بالفعل الخطة الجديدة التي استخدمها المريسي.","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>المعتزلة والكلابية</span>\nثم لما جاءت المعتزلة كـ ابن أبي دؤاد وغيره وقد كان ظهورها قبل ذلك في مسألة الإيمان والقدر، ثم تطور حالهم حتى إنهم دخلوا في نفي الصفات، فنفوا عن الله ﷿ جميع الصفات الخبرية والاختيارية، وأبقوا لله ﷿ الأسماء وقالوا: إنها أعلام محضة لا مضمون ولا معاني لها، ورأوا أنه ليس في ذلك كبير إشكال، فإن الجهم كان ينفي الصفات والأسماء جميعًا، ويرى أن تعدد الأسماء يستلزم منه تعدد الآلهة، فجاءت المعتزلة وقالوا: لا يلزم ما دام أنها أعلام محضة، فالسارية والعمود والجدار شيء واحد، لكن فرغوها من معناها وصارت أعلامًا محضة، وعندما قالت المعتزلة بخلق القرآن أقنعوا المأمون، وكان أمير المؤمنين في زمانه، فلما أقنعوه بذلك امتحن أهل العلم وحصلت الفتنة المشهورة التي ثبت فيها الإمام أحمد ونصره الله ﷾، فلما أطلق الإمام أحمد ﵀ من السجن صار يفتي الناس بالحق، وصار إمامًا مشهورًا في كل البلاد، وصار الذين يردون على المعتزلة نوعان: النوع الأول: هم الأصل وهم أهل السنة والجماعة من أتباع الإمام أحمد ومن كان من أقرانه أو شيوخه، لكن الإمام أحمد ﵀ برز كعالم أثر تأثيرًا كبيرًا في حياة الناس، وإلا فإن هذه العقيدة هي عقيدة القرآن والسنة وعقيدة الصحابة والتابعين قبل الإمام أحمد ﵀.\nفالشاهد: أن الاتجاه الأول الذين يردون على المعتزلة: هم أهل السنة والجماعة، وقد ردوا على المعتزلة وأثبتوا الصفات لله ﷾.\nوظهرت طائفة ثانية استخدمت علم الكلام كطريقة في الرد على المعتزلة وكان زعيمهم: عبد الله بن سعيد بن كلاب، وكان ذكيًا واشتغل بعلم الكلام واتبعه طائفة من المشتغلين بعلم الحديث، وردوا على المعتزلة بنفس المنهاج والطريقة وهي: الحجاج العقلي والمناقشات العقلية بعيدًا عن القرآن والسنة، فظهرت عندهم بدعة، وهذه البدعة هي: نفي الصفات الاختيارية عن الله ﷿، فنفوا أن يتكلم الله ﷿ بحرف وصوت، ونفوا المحبة، والبغض والكراهة، والضحك والإرادة، أو فسروها بتفسير يدل على النفي، ونحو ذلك من الأفعال الاختيارية التي سيأتي الإشارة إليها بإذن الله تعالى.\nفأنكر عليهم علماء السنة في زمانهم إنكارًا كبيرًا، وأمر الإمام أحمد بهجر عبد الله بن سعيد بن كلاب وسميت هذه الطائفة: الكلابية نسبة إلى عبد الله بن سعيد بن كلاب، فنفوا الصفات الاختيارية عن الله ﷿ وهي الصفات المتعلقة بمشيئة الله ﷾، وأولوا ما وجدوه في النصوص الشرعية، فوافقوا المعتزلة في هذا الباب.","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>عقيدة أبي الحسن الأشعري</span>\nثم ظهر بعدهم بزمن أبو الحسن الأشعري وقد كان في بداية أمره على طريقة المعتزلة، وكان تلميذًا لـ أبي علي الجبائي وهو من أئمة المعتزلة، وكان أبو علي الجبائي زوجًا لأم أبي الحسن، فرباه على عقيدة المعتزلة قرابة أربعين سنة، فلما عرف فسادها خرج إلى الناس وقال: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا فلان بن فلان كنت أقول بكذا وكذا وكذا، يعني: من عقائد المعتزلة وأنا أنخلع منها كما أنخلع من قميصي هذا، فانخلع من عقيدة المعتزلة ورد عليهم بمصنفات كثيرة.\nولما خرج أبو الحسن الأشعري من المعتزلة وجد أمامه الذين يردون على الأشاعرة في اتجاهين: الاتجاه الأول: اتجاه أهل السنة المتمثل في الإمام أحمد ومن كان معه.\nالاتجاه الثاني: اتجاه الكلابية، ولحبه لعلم الكلام، ولطول اشتغاله بهذا العلم تبنى عقيدة الكلابية وألف في هذه الفترة كتابًا سماه: اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، ويقصد بهم: المعتزلة.\nوهذا الكتاب الذي يقرؤه يتبين له أن أبا الحسن الأشعري على عقيدة الكلابية بشكل واضح، وأظنه في هذه الفترة ألف كتاب: استحسان علم الكلام، ورد على المعتزلة بردود كثيرة جدًا، ثم تبين لـ أبي الحسن الأشعري أن عقيدة الكلابية خطأ وأنها ليست صحيحة، فرجع عنها وألف كتاب: الإبانة عن أصول الديانة، ومقالات الإسلاميين، ومن ضمنها: مقالة عبد الله بن سعيد بن كلاب ذكرها ثم بعد ذلك قال: وأما قول أهل السنة والحديث وهم أتباع الإمام أحمد فإنهم يقولون: وذكر عقيدتهم ثم قال: وبقولهم نقول، فدل هذا على أن كتابه مقالات الإسلاميين دليل على أنه رجع عن عقيدة الكلابية إلى عقيدة أهل السنة، وهذا الرجوع لا يثبته الأشاعرة ولا يعترفون به ولا يقرون به مع وضوحه في كتاب مقالات الإسلاميين.","vol":"7","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>أقسام نفاة صفات الله تعالى الاختيارية</span>\nنفاة الصفات الاختيارية ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: أتباع الجعد بن درهم والجهم بن صفوان، وهؤلاء أصلًا ينفون هذه الصفات وينفون الصفات الأخرى زيادة عليها.\nالطائفة الثانية: المعتزلة وهؤلاء ينفون الصفات جميعًا، سواء كانت اختيارية أو ذاتية.\nالطائفة الثالثة: الكلابية والأشاعرة والماتريدية، وهم أتباع أبي منصور الماتريدي، وهو من الحنفية، اتبع منهاج الكلابية، فصار الأحناف المتأخرون على طريقته وطريقة ابن كلاب.\nوعقيدة ابن كلاب أو الكلابية فرخت طائفتين: الطائفة الأولى: الأشعرية.\nالطائفة الثانية: الماتريدية.\nوالأشعرية والماتريدية هما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة، ولهذا حصرت المسائل التي اختلف فيها الأشاعرة والماتريدية فوجدت أنها في بضع عشرة مسألة تقريبًا، شققها بعضهم فزادها وضم بعضهم بعض المسائل إلى بعض وجعلها بشكل مختصر، أما المسائل الكبار والقواعد الأساسية فإنهم يتفقون عليها، ويقولون بها.\nإذًا: دروس الصفات مهمة جدًا، والحديث عنها مهم جدًا؛ لأنها من الصفات التي اتفق النفاة على نفيها، وهناك صفات لم يتفقوا على نفيها، مثل: الصفات الخبرية الذاتية، فالأشاعرة الأوائل يثبتونها كـ أبي الحسن الأشعري والباقلاني وبعض تلاميذ أبي الحسن الأشعري كـ ابن مجاهد والطبري وغيرهما، والطبري هذا ليس هو صاحب التفسير إنما هو رجل آخر من تلاميذ أبي الحسن الأشعري، فهؤلاء كانوا يثبتون لله الوجه والعينين واليدين والعلو وغير ذلك من صفات الله ﷾ التي ينكرها المعتزلة، مع أنهم اتفقوا مع المعتزلة في نفي الصفات الاختيارية عن الله ﷿.","vol":"7","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>إثبات أهل السنة لصفات الله تعالى الاختيارية ومخالفة الجهمية ومن وافقهم في ذلك</span>\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فصل في الصفات الاختيارية.\nهذا الفصل تقريبًا في خمسين صفحة، وحقيقة: أن ابن تيمية ﵀ ناقش موضوع الصفات الاختيارية في كتب كثيرة جدًا، منها درء التعارض في الأدلة على ثبوت الصفات الاختيارية من القرآن والسنة وأقوال السلف، في المجلد الثاني كله، وقد تعرض لهذا الموضوع ضمن درء التعارض في أماكن كثيرة، وكذلك شرح العقيدة الأصفهانية وبالذات صفة الكلام لله ﷿، وكذلك التسعينية، وهي: رسالة ألفها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في سنة (٧٠٦هـ) تقريبًا في الرد على الأشاعرة في موضوع الكلام النفسي وهو متعلق بالصفات الاختيارية، فقد رد عليهم من تسعين وجهًا.\nوكذلك شرح حديث النزول، والنزول من الصفات الاختيارية أيضًا، وغير ذلك من الكتب التي ألفها ابن تيمية ﵀ في هذا الموضوع.\nقال رحمه الله تعالى: وهي الأمور التي يتصف بها الرب ﷿.\nثم قال: فالجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم يقولون: لا يقوم بذاته شيء من هذه الصفات ولا غيرها، فهم ينفون الصفات جميعًا، والجهمية ينفون الأسماء أيضًا، والمعتزلة لا ينفون الأسماء وإنما يثبتونها أعلامًا محضة فقط.\nقال: والكلابية ومن وافقهم من السالمية -والسالمية طائفة من طوائف أهل الكلام يميلون إلى التصوف- وغيرهم يقولون: تقوم الصفات بغير مشيئته وقدرته، فأما ما يكون بمشيئته وقدرته فلا يكون إلا مخلوقًا منفصلًا عنه.\nأي: أن الكلابية أثبتوا الصفات الذاتية، أما الصفات الاختيارية المتعلقة بالمشيئة فقد قالوا: لا يمكن أن تقوم بالله ﷿، وشبهتهم هي: الخوف من الوقوع في حلول الحوادث بذات الله ﷿، فإنهم يقولون: إنه إذا كان الله ﷿ يحب هذا العبد وبعد يومين يحب العبد الثاني وبعد ثلاثة أيام يحب العبد الثالث، فمعنى هذا أنه يقوم بذات الله ﷿ حدوث حب العبد في كل مرة، والحقيقة أن كلمة حدوث مصطلح كلامي، فإن كانوا يقصدون به أنه يحدث في ذات الله ﷿ صفة لم تكن موجودة من قبل أبدًا، فهذا لا يمكن أبدًا، فالله ﷿ قبل أن يحب هذا العبد هو قادر على المحبة وهو ﷾ محب، لكن لما حصل فعل الخير من ذلك العبد أحبه ﷾، وإن كانوا يقصدون به أن الله ﷿ يحب متى شاء كيف شاء، فهذا نثبته ولا ننفيه، وهو ما جاء في القرآن والسنة.\nولهذا فإن مناقشات السلف رضوان الله عليهم لهؤلاء مناقشات دقيقة وقوية جدًا، فمثلًا: حصل للأوزاعي ولـ إسحاق بن راهويه ولغيرهما من العلماء مناقشات مع هؤلاء، فيقول بعضهم: هل تثبت أن الله ﷿ ينزل؟ فقالوا: نعم.\nفيقول الكلابي أو الأشعري أو المعتزلي: أنا أكفر بإله يتغير، أو بعضهم يقول: أنا أكفر بإله يزول عن مكانه، فيرد عليه هذا ويقول: أنا أؤمن بإله يفعل ما يشاء؛ لأنك إذا قلت: إن الله ﷿ لا يفعل ما يشاء قد قصرت مشيئته وحصرتها والعياذ بالله، وهذا هو الخطأ العظيم الذي وقعوا فيه.\nقال: وأما السلف وأئمة السنة والحديث فيقولون: إنه متصف بذلك كما نطق به الكتاب والسنة وهو قول كثير من أهل الكلام والفلسفة أو أكثرهم كما ذكرنا أقوالهم بألفاظها في غير هذا الموضع.\nقال: ومثل هذا الكلام فإن السلف وأئمة السنة والحديث يقولون: يتكلم بمشيئته وقدرته، وكلامه ليس بمخلوق بل كلامه صفة له قائمة بذاته، وممن ذكر أن ذلك قول أهل السنة، أئمة السنة: أبو عبد الله بن مندة، وأبو عبد الله بن حامد، وأبو بكر عبد العزيز، وهذا من الحنابلة، وأبو إسماعيل الأنصاري وغيرهم، وكذلك ذكر أبو عمرو بن عبد البر نظير هذا في الاستواء وأئمة السنة: كـ عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومن لا يحصى من الأئمة وذكرهم حرب بن إسماعيل الكرماني عن سعيد بن منصور وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم - وهو ابن راهويه - وسائر أهل السنة والحديث متفقون على أنه متكلم بمشيئته، وأنه لم يزل متكلمًا إذا شاء وكيف شاء إلى آخر كلامه.","vol":"7","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>ذكر بعض الصفات الاختيارية وأدلة إثباتها</span>\nالفتنة المشهورة التي وقعت في زمن الإمام أحمد ﵀ ظهر فيها الخلاف القوي بين أهل السنة والجماعة وبين المعطلة، وهو تقريبًا من أوائل الصدامات التي وقعت بين أهل السنة من جهة والمعطلة من جهة أخرى، وهو مبني على قضية خلق القرآن، فإن قضية خلق القرآن نشأت من نفيهم للصفات الاختيارية عن الله ﷿، فلما نفوا هذه الصفات عن الله ﷿، بدءوا يؤولون ويعطلون.","vol":"7","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>صفة المحبة</span>\nمن الصفات الاختيارية: صفة المحبة، يقول الله ﷿: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥].\nويقول ﷾: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩].\nويقول تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٧].\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢].\nوقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١].\nوقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤].\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤].\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤].\nفالمحبة من الصفات الفعلية الثابتة لله ﷾ التي يفعلها متى شاء كيف شاء ﷾، وقد تنوعت دلالات الكتاب والسنة على إثبات هذه الصفة، فتارةً ينص فيها باسم المحبة، كقوله تعالى: ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]، ﴿يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة:٤٢]، ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:٧٦]، ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، إلى آخر الآيات.\nوتارة تأتي باسم الخلة، والفرق بين الخلة والمحبة هو: أن الخلة أعلى درجات المحبة، ويدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥].\nوفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (ولقد اتخذ الله صاحبكم خليلًا) رواه مسلم، ويريد بصاحبكم نفسه.\nوأيضًا: جاءت الدلالة على محبة الله ﷿ في اسمه الودود، وقد ورد في القرآن الكريم في موضعين: الموضع الأول: قول الله ﷿: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤].\nالموضع الثاني: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود:٩٠].\nوالودود: فعول يأتي بمعنى: فاعل أي: وادًّ، ومعناه: محب، والمودة والمحبة بمعنى واحد، ويأتي بمعنى: مفعول، فودود بمعنى: مودود، أي: محبوب، فالله ﷿ يحِب ويحَب، فهو يحب الصالحين الطيبين، ويحب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق والإخلاص والتوحيد، ونحو ذلك من المخلوقات الشريفة أو من الأوامر التي أمر بها، وكذلك هو ﷾ محبوب من عباده الصالحين الطيبين الموحدين.\nوالدليل على أنه محبوب قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١].\nوقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، فيه إثبات أن الله ﷿ يحب، وأن الله ﷿ محبوب عند عباده الطيبين.\nووجه الدلالة من هذه الآيات التي ساقها المصنف واضح، وقوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] المقصود بالقسط هنا: العدل، وقد أعجبني تعليق ممتاز للشيخ محمد العثيمين في شرح هذه الآية في تفسيره لهذه الآية، فإنه عند حديثه عن القسط وأنه العدل، قال: إن الشرع جاء بالأمر بالعدل، ويخطئ من يقول: إن الإسلام دين المساواة، ويقصد بالمساواة أن كل شيء يساوي بعضه بعضًا.\nومما يخطئ فيه بعض الدعاة إلى الله ﷿ عند ردهم على دعاة تحرير المرأة أنهم يقولون: الرجل مساوٍ للمرأة، فبعض الدعاة يرد عليهم ويقر لهم بهذه القاعدة ويقول: نعم، هو مساو للمرأة لكن ينبغي للمرأة أن تحافظ على شرع الله، فالإقرار لهم بهذه المقدمة إقرار خاطئ، فإن المرأة ليست مساوية للرجل، فهي مختلفة عنه في أشياء كثيرة، مختلفة عنه في الصفات والخلقة وفيما أمر الله ﷿ وفي طبيعتها وفيما يتعلق بها من أوامر الشرع، ولا يعني هذا أن المرأة مهانة في دين الله، فهي معززة ومكرمة لكن ليست مساوية للرجل، ولا يعني تعزيز المرأة وتكريمها أن تكون مساوية للرجل، وكلمة المساواة شعار لطائفة من الطوائف الإجرامية الخبيثة وهي: الماسونية، فإن الماسونية اتخذوا هذه الكلمة شعارًا للحرية والمساواة، فالمساواة يعتبرونها شعارًا، ولا ينبغي أن يطلقها الإنسان، ويمكن لكم أن تراجعوا كلام الشيخ محمد بن عثيمين فهو كلام نفيس وممتاز جدًا.\nفصفة المحبة ثابتة لله ﷿ من ثلاثة أوجه: من وجه التصريح بالمحبة، ومن وجه إثبات الخلة، ومن وجه اسمه الودود.\nأما أهل البدع فإنهم ينفونها ويؤولون معناها، فالجهمية تنفيها أصلًا، والمعتزلة تنف","vol":"7","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>صفة الرحمة</span>\nوالصفة الأخرى هي: الرحمة، وقد استدل المصنف لها بقوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠] وهي آية في سورة النمل.\nوقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧].\nوقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣].\nوقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦].\nوقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤].\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧].\nوقوله: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤].\nوفي هذه الآيات إثبات صفة الرحمة لله ﷾، يقول ابن الوزير اليماني الذي يعتبر من العلماء المتقنين الفطاحلة، وله كتاب العواصم والقواصم في تسعة مجلدات، و(إيثار الحق على الخلق)، وله كتب متعددة، وهو من المجتهدين، وقد كان زيديًا فرجع إلى عقيدة أهل السنة، يقول في كتابه (إيثار الحق على الخلق): كرر الله تعالى التمدح بالرحمة في أكثر من خمسمائة مرة في كتابه الكريم، منها: باسمه الرحمن أكثر من مائة وستين مرة، وباسمه الرحيم أكثر من مائتي مرة، وجمعهما للتأكيد مائة وست عشرة مرة.\nوالأدلة التي ذكرها شيخ الإسلام ﵀ في الواسطية تدل على إثبات صفة الرحمة من طريقين: الطريق الأول: من اسمه الرحمن والرحيم، فإن اسمي الرحمن الرحيم يدلان على صفة الرحمة، ومن التصريح بصفة الرحمة وذلك موجود في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً﴾ [غافر:٧] والرحمة هي الصفة.\nوقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦].\nوأيضًا: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤].\nفهذا هو الطريق الثاني في إثبات هذه الصفة.\nوقد دل على صفة الرحمة أيضًا: مجموعة من الصفات الأخرى منها: الرأفة، يقول الله ﷿: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:٨٣] واسم الله ﷿ الرءوف، وقد ورد اسم الله ﷿ الرءوف في عشرة مواضع في القرآن، منها: قول الله ﷿: ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، وغيرها من المواضع، فالرأفة بمعنى: المحبة، وهناك فرق بين الرأفة والمحبة، وهو: أن الرأفة أرق وأخص من المحبة، وهي كما عبر ابن جرير الطبري في تفسيره للرأفة لاسم الله الرءوف في تفسير القرآن أنها أعلى معاني الرحمة.\nوكذلك من الصفات التي وردت بمعنى الرحمة: الروح، يقول الله ﷿: ﴿وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، فالمقصود بروح الله رحمة الله ﷿، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الريح من روح الله) ومعنى من روح الله أي: من رحمة الله ﷾ بعباده، وهذا الحديث صحيح رواه أبو داود وابن ماجة والإمام أحمد في مسنده.\nويقول ابن الأثير ﵀ في غريب الحديث عن حديث الريح: (ومن روح الله) أي: من رحمته بعباده.\nوقال النووي في الأذكار عندما ذكر هذا الحديث: هو بفتح الراء روح: قال العلماء: أي: من رحمة الله بعباده، وكذلك ذكر ضبط هذا الحديث من روح الله أحمد شاكر في المسند وفسرها بأنها من رحمة الله، وكذلك الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى في تعليقه على الكلم الطيب، قال: الروح هنا بفتح الراء والمقصود بها: الرحمة، والعجيب أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في المجلد التاسع في الفتاوى ظن أن معنى روح الله -بضم الراء- الجنة وقال: إن هذه من إضافة المخلوق إلى خالقه، وإنها مثل: وعيسى روح منه، والظاهر -والله تعالى أعلم- أن الصحيح هو أن ضبط الرواية: (من رَوح الله).\nوكذلك ورد الحديث عن الرحمة في صفة أخرى، وهي: الحنان، والحنان من صفات الله ﷿ وهي واردة في القرآن الكريم، يقول الله ﷿: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٢ - ١٣].\nفقوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم:١٣] فسرها جماعة من السلف منهم: ابن جرير وغيره بأنها: محبةً منا، أي: رحمةً","vol":"7","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>صفة الرضا والغضب والسخط</span>\nالصفة الأخرى صفة الرضا والغضب والسخط لله ﷿، يقول الله ﷿: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩].\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣].\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد:٢٨].\nوقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥].\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦].\nوقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣].\nوهذه الآيات مشتملة على مجموعة من الصفات، منها: إثبات الرضا لله ﷿، وهي: صفة فعلية ثابتة لله ﷿ أنه يرضى ﷾، وهي مأخوذة من قوله: ﴿﵃﴾ [المائدة:١١٩].\nومنها: إثبات صفة الغضب لله ﷿، وأنه يغضب من أخطاء العباد أو نحو ذلك، وقد ثبت في حديث الشفاعة الطويل أنه عندما يطلب من الأنبياء الشفاعة فإنهم يقولون: (إن الله غضب غضبًا لم يغضب مثله قط، ولن يغضب بعده مثله).\nوقد ورد الغضب باسم السخط، فالسخط بمعنى: الغضب، ولهذا ذكر شيخ الإسلام الآيتين: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء:٩٣].\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد:٢٨].\nفالسخط والغضب متقاربان في المعنى.","vol":"7","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>صفة الأسف</span>\nنثبت لله صفة الأسف، لقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥] أي: أغضبونا، والأسف: هو شدة الغضب، والجهمية والأشاعرة والماتريدة يؤولون الغضب بأنه إرادة الانتقام، وبعضهم يفسره بأنه الانتقام نفسه، لكن الآية: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا﴾ [الزخرف:٥٥] فيها التفريق بين الأسف الذي هو الغضب والانتقام، ولو كان معناهما واحدًا لما فرق بينهما، فإنهما افترقا لفظًا ومعنى، فقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا﴾ [الزخرف:٥٥] فالأسف الغضب، ونتيجة الغضب هو: انتقام الله ﷿ منه.","vol":"7","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>صفة المقت والكره</span>\nمن الصفات التي ذكرها الشيخ: المقت والكره، وهما بمعنى واحد، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦].\nوقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣].\nوكذلك ورد المقت والكره في صفة أخرى وهي: البغض، والبغض هو المقت والكراهة، ويدل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁: (إن الله إذا أحب عبدًا قال: يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبه) وفيه: (وإذا أبغض عبدًا)، وهذا يدل على أن البغض صفة من صفاته، (وإذا أبغض عبدًا قال: يا جبريل إني أبغض فلانًا فأبغضه فيبغضه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء ثم يوضع له البغضاء في الأرض).","vol":"7","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>صفة المجيء والإتيان</span>\nصفة المجيء والإتيان من الصفات الاختيارية الفعلية الثابتة لله ﷿، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة:٢١٠].\nوفي هذه الآية فرق بين إتيانه ﷾ وإتيان الملائكة، فإنه قال: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] يعني: والملائكة يأتون، وهذا يدل على بطلان تأويل الأشاعرة الذين أولوا الإتيان بأنه ملك من الملائكة يرسله الله ﷿.\nوقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] وهذا تفريق آخر في الإتيان.\nوقوله: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢١ - ٢٢].\nوفي كل آية من هذه الآيات التفريق بين مجيئه وإتيانه وبين مجيء الملائكة وإتيانهم.\nوبعضهم يقول: مجيء أمره، وهذا: تأويل للصفة، فإن الله ﷿ يأتي بنفسه ﷾.\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان:٢٥] ظاهر هذه الآية: أنه ليس فيها دلالة على مجيء الله ﷿ بوجه خاص، وليس فيها إلا إثبات نزول الملائكة، والشيخ ﵀ من طريقته في بعض الأحيان أنه يحشد النصوص حتى ولو كان في بعضها طرف استدلال، وليس استدلالًا مباشرًا، ووجه الاستدلال من هذه الآية: هو من قوله: ﴿تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾ [الفرقان:٢٥] فإن تشقق السماء بالغمام لا يكون إلا إذا جاء الله ﷿ وأتى كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] فإن الله ﷾ إذا جاء تشققت السماء بالغمام.","vol":"7","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>الأسئلة</span>","vol":"7","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>الفرق بين الصفات الاختيارية والصفات الفعلية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو الفرق بين الصفات الاختيارية والصفات الفعلية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس هناك فرق بين الصفات الاختيارية والصفات الفعلية، فالصفات الفعلية والاختيارية صفات واحدة، وإنما سميت الاختيارية لتعلقها بالمشيئة والاختيار.","vol":"7","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>موقف الجهمية والمعتزلة والأشاعرة من الصفات الاختيارية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الجهمية ينكرون الصفات الاختيارية فقط؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الجهمية ينكرون أسماء الله ﷿ وينكرون صفاته الذاتية وصفاته الفعلية.\nوالمعتزلة اقتصروا على نفي الصفات الذاتية والفعلية وأثبتوا الأسماء.\nوالأشاعرة المتأخرون منهم صاروا مثل المعتزلة، والمتقدمون منهم أثبتوا بعض الصفات الذاتية، ونفوا الصفات الاختيارية.","vol":"7","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>الفرق بين الجهمية والمعتزلة في نفي الأسماء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو الفرق بين الجهمية والمعتزلة في نفي الأسماء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المعتزلة يقولون: له أسماء، ويثبتون أنه عالم قادر وهكذا، لكن الجهمية يقولون: لا نسميه بهذه الأسماء مطلقًا؛ لأنه يلزم منها التعدد.","vol":"7","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>علم الله تعالى السابق وأثره في ترتب الثواب والعقاب عليه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يترتب الثواب والعقاب على علم الله السابق للعبد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يترتب الثواب والعقاب على علم الله ﷿، لكن الله ﷿ عندما علم أن العبد سيفعل كذا، فهو سيفعله قطعًا، ولهذا كتب ﷾ ما علمه، ولا يرتب الثواب والعقاب إلا إذا فعله، وهو فاعله قطعًا؛ لأنه لا يمكن أن يعلم الله أنه سيفعله ولا يفعله، فالله ﷿ علمه شامل تام.\nولهذا فإن الأطفال مثلًا أو المعتوهين أو أهل الفترة مع أن الله ﷿ علم بما كانوا عاملين إلا أنه لا يعذبهم حتى يمتحنهم في الآخرة على الصحيح من أقوال أهل العلم.","vol":"7","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>مذهب أبي الحسن الأشعري قبل رجوعه إلى مذهب أهل السنة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكرتم مراحل أبي الحسن الأشعري ﵀، ولم تذكروا مذهبه، فهلا ذكرتم مذهبه قبل الرجوع إلى أهل السنة في الجملة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أبو الحسن الأشعري لما رجع من المعتزلة وقبل أن يرجع للسنة، كان على مذهب الكلابية.","vol":"7","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>سبب نفي الكلابية للصفات الاختيارية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو السبب في نفي الكلابية للصفات الاختيارية دون غيرها؟ وما هي شبهتهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  شبهتهم هي: نفي حلول الحوادث بذات الله ﷿.","vol":"7","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>توجيه بشأن قراءة الطالب المبتدئ كتاب مقالات الإسلاميين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كتاب مقالات الإسلاميين هل يقرؤه طالب العلم المبتدئ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  مقالات الإسلاميين لـ أبي الحسن كتاب لا ينفع طالب العلم المبتدئ، وإنما ينبغي على طالب العلم المبتدئ أن يبتدئ بصغار العلم قبل كباره، وأن يبتدئ بالتفقه وتفهم أحكام الله ﷿ في العقيدة وفي الأحكام الفقهية.","vol":"7","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>الموقف من الرد على المعتزلة بردود الأشاعرة العقلية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل لطالب العلم أن يرد المعتزلة بردود الأشاعرة العقلية مع القرآن والسنة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ردود الأشاعرة العقلية على المعتزلة ليست في الغالب ردودًا صحيحة، بل فيها لوازم باطلة بناءً على مذهبهم، ولهذا فإن في القرآن والسنة غنية وكفاية عن استخدام ردود هؤلاء، وإن كان قد يوجد في بعض كلامهم ما هو صحيح، وشيخ الإسلام في بعض الأحيان قد يستخدم هذا الأسلوب للرد على أهل الكلام بكلامهم نفسه، لكن شيخ الإسلام ممن يميز المسائل ويفحصها جيدًا، وهو يختلف عن غيره، فلا يصلح هذا لكل أحد.","vol":"7","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>حكم التسمي بحنان ورحمة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز التسمي باسم حنان ورحمة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  التسمية بحنان أو رحمة إذا كان فيها تزكية فلأهل العلم كلام أنه لا يجوز، لكن إذا كان المقصود مطلق الاسم فليس فيه شيء أن تسمى حنانًا أو رحمة.\nوإضافة الرحمة إلى الله ﷿ نوعان: إضافة صفة إلى موصوف، وإضافة مخلوق إلى خالق، ولهذا قد تسمى الجنة في بعض الأحيان رحمة الله، وقد يسمى المطر رحمة الله أيضًا.","vol":"7","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>المعنى المراد من وصف الله تعالى بصفة الأسف</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أليس من معاني الأسف شدة الحزن؟ وهل يجوز نسبة هذا المعنى إلى الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأسف هنا ليس معناه شدة الحزن، وإنما معناه شدة الغضب، ولا يجوز نسبة شدة الحزن إلى الله ﷿.","vol":"7","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>نقد كتاب (الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير) لخالد العنبري</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما رأيكم في كتاب الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير لـ خالد العنبري؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا الكتاب فيه أشياء صحيحة، وفيه بعض الأشياء التي عليها ملاحظات، ومن هذه الأشياء مسألة القوانين الوضعية، فإن مؤلفة يرى أن القوانين الوضعية إذا عملها الإنسان وهو غير مستحل لها ولا يرى أنها أفضل من شريعة الله أو أنها مساوية لها بدون أي علاقة بالاعتقاد، فالقوانين الوضعية بهذه الحالة من جهة الفعل فقط معصية، والصحيح أنها كفر مخرج عن الإسلام.\nوعندما ذكر الحكم بغير ما أنزل الله ذكر أنواع الاعتقادات ثم ختمها بتطبيق القوانين الوضعية، وهذا يدل على أن الأخير الذي هو تطبيق القوانين الوضعية يختلف عن الأول؛ لأنه لو كان هو الأول لما كان هناك داعي لإفراده بنوع خاص، وهذا يدل على أن الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ كان يرى أن تطبيق القوانين الوضعية من جهة الفعل كفر يخرج عن الإسلام، حتى لو لم يخالطه استحلال قلبي أو أنه يرى أنها أفضل من شرع الله، أو نحو ذلك، وهذا هو الصحيح والحق الذي لا مرية فيه، وقد سبق أن أشرنا إلى الأدلة في هذا، ويمكن أن تراجعوا كتاب الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه للشيخ عبد الرحمن المحمود، وقد سبق أن أشرنا إلى أدلة في هذا الموضوع.","vol":"7","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>العقيدة الواسطية [٨]</span>\nإن صفات الله تعالى الخبرية مما يجب اعتقاده والتصديق به؛ إذ قد ثبتت في نصوص الوحي، ودلائلها من الكثرة بمكان، ومن جملتها صفة الوجه الذي دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية دلالة واضحة لا يستقيم معها تأويل المبتدعة.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>صفات الله تعالى الخبرية</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.\nأما بعد: فقد تحدثنا عن الصفات الاختيارية، وهي الصفات الفعلية التي تقوم بذات الله ﷾ متى شاء وكيف شاء ﷾.\nوهنا سيكون حديثنا بإذن الله تعالى عن الصفات الخبرية، وقد تحدثنا عن أن معنى الصفات الخبرية: هي الصفات التي لا يثبتها العقل استقلالًا، وهي التي وردت في النصوص الشرعية، مثل: إثبات الوجه واليدين والعينين والقدم الساق ونحو ذلك؛ فهذه الصفات تسمى الذاتية، وهي التي تتعلق بذات الله ﷾، وليست منفكة عنه بأي وجه من الوجوه، ولا تعلق لها بالمشيئة.","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>نفاة الصفات الخبرية</span>\nالصفات الخبرية يثبتها أهل السنة والجماعة كسائر الصفات الثابتة لله ﷾، وأول من أنكر ثبوت هذه الصفات هو الجعد بن درهم كما سبقت الإشارة إليه في الكلام على الصفات الاختيارية.\nفـ الجعد بن درهم كان ينفي جميع الصفات عن الله ﷾، ويقول: لا يقوم بالله ﷿ صفة من الصفات، وتابعه على ذلك الجهم بن صفوان وبشر بن غياث المريسي والمعتزلة أيضًا، فالمعتزلة تابعوا الجهمية في هذا الأمر.\nأما الأشاعرة فقد سبق أن بينت أن أبا الحسن الأشعري كان من المعتزلة ثم ترك الاعتزال بعد أربعين سنة، واتجه إلى مذهب ابن كلاب، ثم ترك مذهب ابن كلاب في آخر أمره واتجه إلى مذهب السلف الصالح رضوان الله عليهم، أما أتباعه فبعضهم بقي على مذهبه عندما كان كلابيًا، والبعض الآخر من المتأخرين غلا حتى صار قريبًا من المعتزلة إلى حد كبير.\nفكان أبو الحسن الأشعري مثل الكلابية، وكانوا لا ينفون الصفات الخبرية عن الله ﷿، وكان الصراع بينهم وبين المعتزلة في موضوع الصفات الخبرية قويًا، فـ أبو الحسن الأشعري وأبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني والقلانسي وغيرهم من الكلابية أتباع أبي الحسن كانوا يثبتون الصفات الخبرية، فيثبتون أن لله وجهًا ويدين وعينين، ونحو ذلك من الصفات التي سيأتي الإشارة إليها بإذن الله تعالى.\nوأول من نفى الصفات الخبرية في مذهب أبي الحسن الأشعري هو إمام الحرمين الجويني، فإنه اتجه بالمذهب الأشعري نحو الاعتزال بقوة، فنفى الصفات الخبرية عن الله ﷿، فقال: لا نثبت لله وجهًا ولا يدين ولا عينين، وأولها فقال: الوجه هو الثواب أو الذات، واليدان: النعمة أو القدرة، والعينان: الإحاطة أو النظر أو البصر، وحجته في النفي هي حجة المعتزلة نفسها، وهي أن إثبات هذه الصفات يستلزم إثبات الأبعاض في الله ﷿ والأجزاء والتركيب.\nوقد سبق أن أشرنا إلى أن هذه الألفاظ اصطلاحات اتفق عليها هؤلاء المتكلمون، وأنه لا بد على صاحب العقيدة السلفية الصحيحة أن لا ينفيها مطلقًا ولا يثبتها مطلقًا؛ لأن هذه الألفاظ مشتملة على شيء من الحق والباطل، وهكذا تكون البدعة.\nفإن البدعة لا يمكن أن تكون باطلًا محضًا؛ لأنها إذا كانت باطلًا محضًا لا يقبلها أحد، ولا يمكن أن تكون حقًا محضًا؛ لأنها لو كانت حقًا محضًا ما كانت بدعة، لكنها خلط ولبس للحق بالباطل، كما قال الله ﷿ عن بني إسرائيل: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧١]، فالبدعة خلط ولبس بين الحق والباطل.\nوهكذا ألفاظ هؤلاء المتكلمين جميعًا هي مشتملة على حق وباطل، فلا يصح للإنسان أن ينفيها مطلقًا ولا أن يثبتها مطلقًا، بل لا بد من الاستفصال ومعرفة معاني ما يقول، فإذا قال مثلًا: يجب أن ينفي عن الله ﷿ الأجزاء والأبعاض، فلا بد أن نسأله ما القصد بالأجزاء والأبعاض؟ فإذا كان يقصد أن الله ﷿ مركب من أجزاء وأبعاض قد ركبه غيره، أو أنه مركب ينفصل بعضه عن بعض، فهذا معنى باطل لا يقوله أحد ولا يقره أهل السنة.\nوإذا سمى هذه الصفات وهي: الوجه واليدان والعينان أبعاضًا فنثبت الوجه واليدين والعينين لله ﷿ ولا نسميها أبعاضًا؛ لأن هذه تسمية مبتدعة، وهكذا يستطيع الإنسان أن يصل إلى الحق مع إجابته عن كلام هؤلاء المبتدعة.\nوشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رد على قانونهم الكلي الذي هو تعارض العقل مع النقل في كتابه العظيم: درء تعارض العقل والنقل.\nومن الوجوه التي رد عليهم هي: أن هؤلاء المبتدعة يردون النصوص الشرعية بمعتقدات يعتقدونها، وليست هي حقيقة ما في العقل، فهم يصطلحون اصطلاحات، ويأتون بمعقولات ثم يسمونها قواطع عقلية لا تقبل النقض، ثم يعارضون بها النصوص الشرعية ويردونها، هكذا حالهم والعياذ بالله.","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>ذكر بعض صفات الله تعالى الخبرية</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.\nأما بعد: فقد تحدثنا عن الصفات الاختيارية، وهي الصفات الفعلية التي تقوم بذات الله ﷾ متى شاء وكيف شاء ﷾.\nوهنا سيكون حديثنا بإذن الله تعالى عن الصفات الخبرية، وقد تحدثنا عن أن معنى الصفات الخبرية: هي الصفات التي لا يثبتها العقل استقلالًا، وهي التي وردت في النصوص الشرعية، مثل: إثبات الوجه واليدين والعينين والقدم الساق ونحو ذلك؛ فهذه الصفات تسمى الذاتية، وهي التي تتعلق بذات الله ﷾، وليست منفكة عنه بأي وجه من الوجوه، ولا تعلق لها بالمشيئة.","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>صفة الوجه وأدلة إثباتها</span>\nالصفات الخبرية ثابتة لله ﷾ كغيرها من الصفات، يقول الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، ويقول تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].\nفي هاتين الآيتين إثبات صفة الوجه لله ﷾ كما يليق بجلالة فقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] هذه الإضافة من إضافة الصفة إلى الموصوف، وقوله تعالى: «ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ» فذو وصف للوجه؛ وإعراب وجه فاعل مرفوع، وذو صفة، والصفة تتبع الموصوف، فذو هنا مرفوعة؛ لأن وجه مرفوع، وليست (ذو الجلال) وصفًا لكلمة ربك؛ لأنها لو كانت وصفًا لكلمة ربك لكانت ذي الجلال، فهناك فرق مثلًا بين قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] وبين قوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨].\nففي قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ﴾ [الرحمن:٧٨]، هنا ذي وصف لربك، ربك مضاف إليه وهو مجرور، وذي من الأسماء الخمسة، وتجر بالياء، كما أنها ترفع بالواو، كما في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، ففي هذه الآية إثبات صفة الوجه لله ﷾.\nوقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] فيها إثبات صفة الوجه لله ﷾.\nوهناك نصوص كثيرة تدل على إثبات صفة الوجه، منها: حديث عتبان بن مالك الثابت في صحيح البخاري (أن الله ﷿ حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله).\nوقد استنبط منها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد، في باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب في المسائل حيث قال: فيه إثبات صفة الوجه خلافًا للأشعرية، يعني: الذين ينفونها، ويقصد بهم الأشعرية المتأخرين الذين جاءوا بعد أبي المعالي الجويني وقلدوه في مشابهة المعتزلة في هذا الباب.\nوقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] هذا أيضًا فيه إثبات صفة الوجه كما سبقت الإشارة إليه.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>الرد على أهل البدع في تأويل الوجه</span>\nوأهل البدع يؤولون الوجه، فتارة يقولون بأن الوجه صلة زائدة، والمعنى: ويبقى ربك ذو الجلال والإكرام، كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فإن الكاف هنا صلة زائدة، وليست للتشبيه؛ لأن لو كان لها معنى التشبيه فيما يظنون لكان المعنى: ليس كمثل مثله شيء، ففيه إثبات أن له مثلًا ثم نفي المثلية عن هذا المثل.\nوهذا لا شك أنه باطل، فالكاف هنا مؤكدة وزائدة وليست لتشبيه المثل بالمثل.\nلكن في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] لا يصح أن يقولوا: إنها صلة زائدة؛ لأن الوصف في قوله: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] معطوف على الوجه.\nثم كيف يقال: إنها زائدة مع أنه ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ يقول: (حجابه النور لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)؟ فلو قيل إنها زائدة لما كان للحديث معنى.\nوبعضهم يفسرها بأن المراد من الوجه الثواب، وهذا لا يصح؛ لأنه لو كان يراد به الثواب فمعنى هذا أنه مخلوق، فكيف يوصف بأنه ذو الجلال والإكرام؟ فليس المقصود بالوجه هنا الثواب، وإنما المقصود به الوجه الحقيقي؛ لأنه وصف بذو الجلال والإكرام، فهذا من جهة.\nومن جهة أخرى فإنه ورد في أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ أنه كان يقول في دعائه: (أعوذ بوجهك الكريم)، فلو كان المقصود به الثواب، فكيف يستعيذ النبي ﷺ بمخلوق، والاستعاذة بالمخلوق شرك؟ ولهذا استدل أهل العلم على أن كلام الله ﷿ صفة من صفاته لقوله ﷺ: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، فالاستعاذة لا تكون إلا بالله ﷿ أو بصفة من صفاته لا بالمخلوق؛ ففي هذه الاستعاذة دليل على أن الوجه صفة من صفاته، وليس المقصود به الثواب.\nوقد تحدث عن هذه القضية ابن القيم ﵀ في كتابه العظيم: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، وقد ألفه للرد على الطواغيت التي نصبها أهل التأويل لدك معاقل الوحي، وهي ما يلي: الطاغوت الأول: أن دلالات الألفاظ لا تفيد اليقين.\nالطاغوت الثاني: أن العقل يرجح على النقل عند التعارض.\nالطاغوت الثالث: المجاز.\nالطاغوت الرابع: عدم قبول خبر الآحاد في مسائل العقيدة.\nورد عليها بشكل مفصل، وهو كتاب ضخم كبير، إلا أن الموجود منه يشمل: الرد على أن دلالات الألفاظ لا تفيد اليقين، ودرء تعارض العقل والنقل، لكن آخر الكتاب مفقود وليس بموجود، والمطبوع منه الآن أربع مجلدات، واختصره الشيخ محمد الموصلي البعلي رحمه الله تعالى، فالشيء المفقود وجد مختصرًا في اختصار محمد الموصلي البعلي رحمه الله تعالى.\nويمكن مراجعة كلام ابن القيم ﵀ في موضوع صفة الوجه لله ﷿، والرد على الذين أولوه بالثواب أو بذاته تعالى في هذا الكتاب من صفحة ٣٣٥ إلى ٣٤٤.\nيقول رحمه الله تعالى: المثال الخامس: وجه الرب ﷻ، حيث ورد في الكتاب والسنة، فليس بمجاز، بل على حقيقته، ورد على قول المتكلمين بأن صفات الله ﷿ مجاز وليست حقيقة.\nقال: واختلف المعطلون في جهة التجوز في هذا، فقالت طائفة: لفظ الوجه زائد والتقدير: ويبقى ربك.\nوقالت فرقة أخرى: الوجه بمعنى الذات، وهذا القول نفس قول الذين قالوا: إن الوجه جائز؛ لأن الذات هو حقيقة الله ﷿.\nوقالت طائفة: ثوابه وجزاؤه، فتجعله مخلوقًا منفصلًا، وقالوا: لأن الذي يراد هو الثواب، وهذه أقوال نعوذ بوجه الله العظيم من أن يجعلنا من أهلها.\nثم نقل عن عثمان بن سعيد الدارمي ﵀ رده على بشر المريسي في هذا الباب، ثم قال: والقول بأن لفظ الوجه مجاز باطل من وجوه، وساق منها مجموعة كبيرة جدًا تتجاوز العشرين وجهًا، فقد رد عليها من ست وعشرين وجهًا، أحدها: أن المجاز لا يمتنع نفيه، فعلى هذا لا يمتنع أن يقال: ليس لله وجه ولا حقيقة لوجهه، وهذا تكذيب صريح بما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله.\nالثاني: أنه خروج عن الأصل والظاهر، يعني: ظاهر النص الشرعي بلا موجب.\nالثالث: أن ذلك يستلزم كون حياة وسمع وبصر وقدرة وكلام وإرادة وسائر صفاته مجاز، بل يمكن أن يقال فيما بعد: وجوده مجاز كما يقوله الملاحدة! وإن دعوى المعطل أن الوجه صلة كذب على الله وعلى رسوله وعلى اللغة، فإن هذه الكلمة ليست مما عهد زيادتها، والعادة أن الذي يكون زائدًا هو: من أو ما أو الكاف، أما كلمة لها دلالة بهذه القوة ويقولون: إنها زائدة، فلا شك أن هذا انحراف.\nيقول: ما ذكره الخطابي والبيهقي وغيرهما قالوا: لما أضاف الوجه إلى الذات وأضاف النعت إلى الوجه فقال: ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، دل على أن ذكر الوجه ليس بصلة، وأن قوله: ﴿ذو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ص","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>صفة اليدين وأدلة إثباتهما</span>\nالصفة الثانية من الصفات الخبرية التي ذكرها شيخ الإسلام ﵀ هي: إثبات صفة اليدين لله ﷿، واستدل عليها بقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤].\nوذكر ثلاث آيات في إثبات صفة اليدين لله ﷾، وقد جاءت صفة اليدين مفردة ومثناه ومجموعة.\nففي قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، فلفظة اليدين للتثنية وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] هنا للإفراد، وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] هنا للجمع، والجمع بين هذه الآيات جميعًا هو أن يقال: إن المفرد إذا أضيف فإنه يدل على العموم والجنس، فأنت تقول مثلًا: نعمة الله ﷿ وتقصد بها أنعام الله المتعددة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، فقال: لا تحصوها مع أنه أفرد النعمة، وهذا يدل على أن المراد بالنعمة جنس النعمة.\nوأما الجمع في قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] فإنه يراد به التعظيم، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان:٢٣] مع أنه واحد ﷾، فالجمع يراد به التعظيم.\nوقد يقال: إن أقل الجمع اثنان، وهذه المسألة فيها خلاف، هل أقل الجمع اثنان أو أكثر؟ وتوجد نصوص تدل على أن أقل الجمع اثنان، وحتى لو كان أقل الجمع ثلاثة فأكثر، فإنه يراد بها التعظيم، وتصبح التثنية نص في المسألة، ويؤخذ من هذا أن الله ﷿ له يدان اثنتان ﷾؛ لأن التثنية نص وليس ظاهر؛ ولهذا فالعلماء يمثلون في الكلام على دلالة الألفاظ للنص الذي لا يحتمل التأويل بالعدد، والتثنية لا تحتمل إلا اثنين، فهي نص في أن لله ﷿ يدان اثنتان ﷾ تليق بجلاله، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].\nوقد ذكر ابن القيم ﵀ في هذا الكتاب أن صفة اليد لله ﷾ وردت في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مائة موضع ورودًا متنوعًا متصرفًا فيه مقرونًا بما يدل على أنها يد حقيقية من الإمساك والطي، والقبض، والبسط، والحثيات، والخلق باليدين، والمباشرة بهما، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدل بيده، وتخمير طينة آدم بيده، إلى آخر ما هنالك من الأشياء التي ذكرها رحمه الله تعالى.","vol":"8","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>الصفات المتعلقة بصفة اليدين</span>\nومن الصفات المتعلقة بصفة اليدين ما يلي: أولًا: صفة الأخذ، وقد ورد الأخذ في حديث ابن عمر ﵁ في صحيح مسلم قال: قال رسول الله ﷺ: (يأخذ الله ﷿ سماواته وأراضيه بيديه فيقول: أنا الله الملك)، فصفة الأخذ متعلقة بصفة اليدين.\nثانيًا: صفة الأصابع، وفي حديث ابن مسعود ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم! إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأراضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، فرأيت النبي ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]).\nوهذا الحديث رواه البخاري ومسلم.\nوعندما تقارن بين هذا الحديث والذي قبله دل على أن هذه الأصابع متعلقة باليد، لكنها لا تشبه أصابع وأيدي المخلوقين، ولا يجوز للإنسان أن يكيفها بصورة معينة، فهذا التكييف الذي في ذهن الإنسان كذب وبهتان وزور وبدعة في نفس الوقت.\nولما جاء رجل إلى الإمام مالك فقال له: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول -يعني: له كيف لكنه مجهول لا نعلمه- والإيمان به واجب، يعني: أن نؤمن بأن له كيفًا لا نعرفه، والسؤال عنه بدعة.\nوهذه قاعدة قررها الإمام مالك، وقيل: أنها من كلام عائشة ﵂ أو أم سلمة، وقيل: إنها من كلام شيخ الإمام مالك وهو ربيعة الرأي، وهي قاعدة عامة من قواعد السلف في باب الصفات، فلا يجوز أن تتخيل له الصفة؛ لأن هذا من علم الغيب، وعلم الغيب غيب بالنسبة لنا، ولا يجوز للإنسان أن يكيفه.\nفكل تكييف في ذهن الإنسان بدعة من جهة، وهو في نفس الوقت كذب من جهة أخرى، فلا يجوز للإنسان أن يكيف صفات الله ﷿ في ذهنه بصورة أيًا كانت هذه الصورة، سواء كانت على صورة الخلق أو على أي صورة يتخيلها الإنسان.\nثالثًا: صفة الإمساك، وهذا وارد في الحديث السابق، فإنه قال: (إن الله يمسك السموات على إصبع).\nرابعًا: صفة الكفين والأنامل، فقد ورد الكف في حديث اختصام الملأ الأعلى، وهو أنه رأى ربه في منامه في أحسن صورة، وفي هذا الحديث الطويل: (فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري)، والأنامل هي الأصابع، والكف متعلق بصفة اليد، وهو كما يليق بجلال الله ﷿ ﷾، وفي بعض الألفاظ: (وضع يده).\nخامسًا: صفة البسط والقبض، يقول الله ﷿: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وفي حديث النزول في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (ثم يبسط يديه ﵎ ويقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم؟).\nومن أسمائه ﷾ الباسط، فالباسط يشتمل على صفة البسط، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الزمر:٥٢]]، وهذه صفة فعلية، ويشمل أيضًا على بسطه ليديه ﷾، وهي لائقة بجلاله لا تشبه أيدي المخلوقين.\nوأما القابض فورد في حديث: (يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة)، ويدل عليه قول الله ﷿: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧].\nسادسًا: صفة الطي، يقول الله ﷿: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، ويقول أيضًا في الحديث الصحيح الثابت في البخاري وفي مسلم (يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه)، وهذا الحديث موافق لمعنى الآية.\nسابعًا: صفة الحثو بالكفين، ففي حديث السبعين ألفًا الذين يدخلهم الله ﷿ الجنة بغير حساب ولا عذاب، فيه: (ثم يحثو ربي ثلاث حثيات بكفيه)، وهذا حديث صحيح.\nثامنًا: صفة الكتابة والخط، يقول الله ﷿: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً﴾ [الأعراف:١٤٥] إلى آخر الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، وفي حديث احتجاج آدم وموسى، أن آدم قال لموسى: (أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده)، والكتابة من الأركان الأساسية في الإيمان بالقدر، وأن الله ﷿ كتب مقادير كل شيء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.\nوالكتابة تحتمل عدة معان، منها: الاحتمال الأول: أنه أمر القلم أن يكتب.","vol":"8","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>حكم إثبات الشمال لله ﷿</span>\nهناك مسألة متعلقة بصفة اليدين لله ﷿، وقد ورد فيها أحاديث، ومنها: أن الله ﷿ يقبض السموات بيده اليمنى، ويقبض الأرضين بشماله، وورد في بعض الألفاظ بيساره.\nوورد في أحاديث أخرى أن الله ﷿ له يدان وكلتا يديه يمين، فهذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم على قولين: القول الأول: لله يد يمين وله يد أخرى يسار أو شمال، وهذا القول قال به الدارمي ﵀ في رده على بشر المريسي، وهو كتاب معروف ومشهور، وقال به أيضًا أبو يعلى الفراء الحنبلي في كتابه إبطال التأويلات، وقد طبع من هذا الكتاب جزأين، وأصل هذه الكتاب هو في الرد على تأويلات ابن فورك، فله كتاب في بيان مشكل الحديث، فقد استعرض ابن فورك الأحاديث التي ذكرها ابن خزيمة في كتاب التوحيد حديثًا حديثًا وأولها، فرد عليه أبو يعلى في كتاب (إبطال التأويلات) وينقل عنه شيخ الإسلام كثيرًا، وهو محقق في جزأين، ولم يكتمل طبعه بعد.\nوأيضًاَ ممن يرى هذا الرأي الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه، ففي آخر باب من أبواب كتاب التوحيد قال: فيه إثبات الشمال لله ﷾.\nوممن قال بهذا صديق حسن خان الهندي العالم المعروف ملك بهوبال، له كتاب اسمه (قطف الثمر في عقائد أهل الأثر)، أثبت فيه هذا المعنى.\nومنهم كذلك شارح العقيدة الواسطية الشيخ محمد خليل الهراس.\nومنهم الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله تعالى في شرحه لكتاب التوحيد من صحيح البخاري.\nواستدلوا على ذلك بأدلة، منها: ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يطوي الله ﷿ السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأراضين بشماله) فهذا الحديث فيه ذكر الشمال.\nالدليل الثاني: وردت أحاديث كثيرة في وصف إحدى يدي الله ﷿ باليمين، وهذا يقتضي أن الثانية يسار أو شمال، فمن هذه الأحاديث -مثلًا- ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال (يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة).\nومن ذلك أيضًا حديث أبي هريرة في البخاري ومسلم: (ويطوي السماء بيمينه)، وحديث آخر وفيه: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبًا فإن الله يقبضها بيمينه)، فهذه الأحاديث فيها وصف لإحدى يدي الله ﷿ باليمين، وهذا يقتضي أن الأخرى ليست يمينًا فتكون شمالًا.\nالقول الثاني: لله ﷿ يدان وكلتا يديه يمين، وهذا قول ابن خزيمة ﵀ في كتابه التوحيد، وقول البيهقي، وقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى، واستدلوا على ذلك بدليلين: الدليل الأول: ما رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر أنه قال: (إن المقسطين عند الله تعالى على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين).\nالدليل الثاني: ما رواه ابن أبي عاصم في كتابه السنة من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والآجري في الشريعة وصححه الشيخ الألباني من حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: (أول ما خلق الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين)، وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني.\nويبدو -والله تعالى أعلم- أن الصحيح هو أن لله ﷿ يدين، وكلتا يديه يمين.\nوأما الروايات التي ورد فيها أنه يطوي الأراضين بشماله، فيبدو أنها روايات بالمعنى من أحد الرواة.\nفالصحيح أن لله يدين، وأن كلتا يديه يمين، ولا ينبغي أن توصف اليد الأخرى بأنها شمال أو يسار، وما ورد من أحاديث فيها أنها شمال أو يسار فيبدو والله تعالى أعلم أنها ضعيفة، كما في الحديث الذي في صحيح مسلم أنه قال: (ثم يطوي الأرضين بشماله)، فقد روى هذه الرواية عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر، وقد خالف فيها من هو أوثق منه، فهي رواية شاذة أو رواية بالمعنى.","vol":"8","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>صفة العينين وأدلة إثباتهما</span>\nذكر الشيخ بعد ذلك ثلاث آيات في إثبات صفة العينين لله ﷿، وهي قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨]، وقول الله ﷿: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر:١٣]، والدسر هي المسامير، ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٤]، وقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩].\nوالصحيح أن صفة العين ثابتة لله ﷾، وأنهما عينان اثنتان، ويدل على ذلك ما رواه البخاري أن النبي ﷺ قال: (إن الدجال أعور وإن ربكم ليس بأعور)، والعور كما يقول العلماء: هو فقء إحدى العينين.\nفهذا الحديث يفهم منه أن لله ﷿ عينين، ولو كانت الأعين أكثر من ذلك لقال النبي ﷺ: إن الدجال أعور وإن الله ﷿ له أعين كثيرة.","vol":"8","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>الفوائد التربوية من إثبات صفة اليدين والعينين لله تعالى</span>\nهناك فوائد تربوية عظيمة جدًا من إثبات صفة اليدين والعينين لله ﷿، منها: أن إثبات صفة اليدين لله ﷿ تدل على أن الله ﷾ كريم وكثير العطاء، وأنه تواب رحيم، حيث ورد في بعض الأحاديث: (يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار).\nفعندما يعلم الإنسان أن الله ﷾ يبسط يديه ويقبل عن عباده تفرح نفسه بذلك، ويقبل على الله ﷾، وكذلك عندما يعلم أن الله ﷾ كريم، فإنه يكثر من دعائه، فلو أن الإنس والجن اجتمعوا في مكان واحد، وكل واحد منهم سأل مسألته فأعطاه الله مسألته، ما نقص من ملك الله ﷿ إلا كما تنقص الإبرة عندما توضع في البحر، فماذا تحمل الإبرة من هذا البحر العظيم؟ فملك الله عظيم، وعطاؤه كثير، والإنسان ينبغي عليه دائمًا أن يتعلق بالله ﷿، والمخلوق مهما يكن عنده من الأموال أو العطاء أو الملك فهو ملك محدود وبسيط، وإثبات هذه الصفات يدعو الإنسان دائمًا للتعلق بالله ﷾.\nوفي إثبات صفة العينين لله ﷿ يظهر لنا معنى الحفظ، وأن الله ﷿ يحفظ عباده الصالحين من كيد الأعداء، فهذا الدين كيد له بشكل كبير جدًا، ولو أن دينًا آخر غير هذا الدين كيد له كما كيد لهذا الدين لما بقيت له باقية أبدًا، لكن الله ﷿ يحفظ هذا الدين ويحفظ أهله، يقول الله ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].\nوقد حفظ الله هذه الأمة بوجود طائفة فيها، كما قال النبي ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)، بل إنه حفظ كل قرن من الزمان بمجدد يبعثه الله ﷿ على رأس كل مائة عام يجدد للأمة أمر هذا الدين، فمهما تخلفت هذه الأمة وتراجعت فإن المجدد موجود، والطائفة موجودة، والحق ثابت وبين وواضح، فهذا من حفظ الله ﷿ لهذه الأمة.\nكما أن الله ﷿ يحفظ هذا الإنسان من الشرور، قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١].\nوكذلك من الآثار التربوية والسلوكية المأخوذة من إثبات صفة العينين نمو المراقبة في نفس الإنسان؛ فإن الإنسان عندما يعلم أن الله ﷿ مطلع عليه، وأن الحواجز التي يضعها يخترقها نظر الله ﷿ وبصره، وأن الله ﷿ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويرى الإنسان في كل مكان، حتى لو اختبأ بجنح الظلام أو في أي مكان من الأماكن فالله مطلع عليه، وهو يراه ﷾ بعينيه؛ ولهذا يجب عليه أن يراقب الله ﷿ وأن يخاف منه.\nوكل صفات الله ﷿ لها آثار تربوية عظيمة جدًا في سلوك الإنسان وأخلاقه وآدابه.","vol":"8","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>إيضاح سبب تكرار شيخ الإسلام آيات إثبات صفتي السمع والبصر بعد ذكر صفة العينين</span>\nثم ذكر الشيخ بعد ذلك آيات تدل على إثبات صفة السمع والبصر لله ﷾.\nلكن قد يقول قائل: ما هو الفرق بين هذه الآيات التي ذكرها هنا وبين الآيات السابقة في إثبات صفة السمع والبصر؟ ذكر الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى في التنبيهات اللطيفة أن الفرق هو: أن الآيات السابقة في إثبات السمع والبصر على أنها صفات ذاتية لله ﷿، وأن الآيات هنا هي على إثبات صفة السمع والبصر على أنها صفات فعلية لله ﷾، يقول الله ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١]، وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، والمقصود بهم اليهود الذين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة:٦٤]، فإنهم لما نزل قول الله ﷿: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:٢٤٥] قالوا: إن ربك فقير ونحن أغنياء يحتاج منا القرض، فأنزل الله ﷿ هذه الآية: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء ُ﴾ [آل عمران:١٨١]، وهذا السمع يقتضي التهديد مع إثبات صفة السمع في ذاتها.\nويقول الله ﷿: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠].\nويقول: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦].\nويقول: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤].\nويقول: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢٢٠].\nويقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥].\nنقف عند هذا الحد، وأسأل الله ﷿ أن يوفقنا إياكم للعلم لنافع والعمل الصالح.","vol":"8","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>الأسئلة</span>","vol":"8","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>الفرق بين الصفات الاختيارية والخبرية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين الصفات الاختيارية والصفات الخبرية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الصفات الاختيارية هي: الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة الله ﷿ وإرادته.\nوالصفات الخبرية صفات ذاتية لا تتعلق بالمشيئة، وإن كانت الصفات الخبرية أكثر ما يذكرها العلماء للصفات الذاتية، لكن في بعض الأحيان توجد صفات اختيارية خبرية، مثل: النزول والمجيء والإتيان وغيرها.","vol":"8","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>تأويل الأشاعرة لصفة الغضب والرد عليهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى قول الأشاعرة في صفة الغضب إرادة الغضب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأشاعرة يؤولون صفة الغضب بإرادة الانتقام، ولا يفسرونها بإرادة الغضب، لكن هذا يرده قول الله ﷿: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا﴾ [الزخرف:٥٥] يعني: فلما أغضبونا انتقمنا، فصار الانتقام نتيجة للغضب، فكيف يفسر السبب بالنتيجة؟! فهذا يدل على بطلان تأويلهم.","vol":"8","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>الرد على من يستدل على خلق صفة الرحمة بحديث: (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف نرد على من قال: إن رحمة الله مخلوقة، وكذا بقية الصفات، مستدلًا بقوله ﷺ كما في صحيح البخاري: (إن الله خلق مائة رحمة)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا الحديث لا يدل على صفة من صفات الله، فالله خلق مائة رحمة يتراحم بها الناس، فالإنسان فيه رحمة مخلوقة من الله، والحيوان فيه رحمة مخلوقة من الله، فالمائة الرحمة التي خلقها الله ليست هي الصفة من صفاته، أما الصفة فهي ليست مخلوقة.\nولهذا فالرحمة والخلق تأتيان بمعنى المفعول بمعنى الصفة المتعلقة بالله ﷿، فيقول الله ﷿: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١]، وخلق الله ﷿ الذي هو صفة من صفاته القائمة به، هذا نوع آخر.\nوهكذا رحمة الله، فقد تكون رحمة الله بمعنى مرحوم وقد تكون بمعنى الصفة المتعلقة به ﷾.","vol":"8","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>مختصر الصواعق المرسلة وإمكانية الاستغناء به عن الأصل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل مختصر الصواعق يغني عن الأصل عند القراءة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لغير المتخصص يغني، وهو كتاب مفيد لو قرأه الإنسان وفهمه سيصبح من أهل العلم في هذا الباب.","vol":"8","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>إيضاح المقصود بالثلاث والسبعين فرقة في ضوء واقع كثرة الفرق</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف نوفق بين حديث الافتراق والواقع، حيث إن الفرق قد تجاوزت الاثنتين والسبعين؟ وهل هذه الفرق مخلدة في النار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه المسألة بحثها الإمام الشاطبي ﵀ في كتابه الاعتصام، وذكر أقوالًا متعددة في مسألة عدد الفرق، منها: أن المقصود بالثلاثة والسبعين أنها كثيرة، ولفظ السبعين يطلق عند العرب للكثرة، لكن هذا يرده الترتيب، فاليهود تفترق على إحدى وسبعين، والنصارى على اثنتين وسبعين، وهذه الأمة على ثلاث وسبعين، فهذا الترتيب يدل على أن العدد مقصود، وأنها تفترق على ثلاث وسبعين فعلًا، لكن يبدو -والله تعالى أعلم- أن المقصود بالثلاثة والسبعين هنا: ثلاثة وسبعون منهجًا وطريقة من الطرق، وقد تكون في هذه الطريقة مثلًا عشرات الفرق؛ لأن الشيعة قد وصلت إلى ثلاثة وسبعين فرقة، وهكذا غيرها من الفرق فقد وصلت إلى فرق متعددة، فإن الباطل يفرخ باطلًا آخر، وقد تكون في الطريقة الواحدة مجموعة من الفرق.\nوهذه الفرق ليست مخلدة في النار، فهذا الحديث من أحاديث الوعيد، والفرق الواردة في الحديث هم أهل البدع الذين لم يصلوا إلى الكفر المخرج عن الإسلام، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ: (ستفترق هذه الأمة) يعني: أمة الإجابة، وفي لفظ: (أمتي)، يعني: المسلمين (على ثلاث وسبعين فرقة).\nفقوله: (كلها في النار)، مثل قوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، ومثل: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، وغيرها من الأحاديث الواردة في الوعيد.\nفأهل هذه الفرق هم من أهل القبلة، إن شاء الله غفر لهم وإن شاء عذبهم.","vol":"8","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>أفضل الكتب في شرح أسماء الله الحسنى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو أفضل كتاب في شرح أسماء الله وصفاته؛ علمًا بأني وجدت منها ما هو طويل كالمقصد الأسمى، وما هو قصير مثل: شرح الأسماء لـ سعيد بن وهب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كثير من شروح الأسماء الحسنى كتبها أشاعرة، فـ الغزالي، والرازي والخطابي وغيرهم من علماء الأشاعرة ألفوا في شرح الأسماء الحسنى، ومن أفضل الكتب التي وجدتها في شرح الأسماء الحسنى كتاب النهج الأسمى في شرح الأسماء الحسنى في مجلدين لأحد الإخوة اسمه محمد الحمود، طبع قديمًا في مجلدين، وهو كتاب مفيد وعلى عقيدة السلف بإذن الله تعالى.","vol":"8","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>بيان معنى النقصان في حديث: (ما نقص ذلك مما عندى إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل ملك الله ينقص؟ وما معنى حديث: (ما نقص ذلك مما عندى إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر).\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  النقصان هنا تابع لملكه، وليس خارجًا عن ملكه؛ لأن كل شيء من ملكه، فهو ينقص من ملكه لملكه، لكن ليس المقصود أنه لا ينقص منه شيء في الحقيقة؛ لأن الحديث نص في النقصان، وهناك كلام ممتاز للشيخ محمد بن عثيمين في شرح هذه المسألة في شرح العقيدة الواسطية، فارجعوا إليه.","vol":"8","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>الرد على من أول اليد بالقدرة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٧٣]، ما حكم من قال: أطلق الله اليد وأراد بها القدرة؛ لأنها محسوسة أو قريبة للذهن؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن كلامه هذا باطل، وأنه غير صحيح، وأن هذا هو التأويل الذي عليه الأشاعرة وعليه عامة المعطلة، وهذه التأويلات موجودة كثيرًا في كتب البلاغة واللغة والتفسير، وبعض الأحيان في كتب الحديث، وقد يكون الشارح أو المفسر أو الكاتب أشعريًا، فيمثل ببعض الصفات ويتأولها على هذه العقائد الفاسدة، فينبغي الانتباه والحذر من ذلك.","vol":"8","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>حكم قول: (كلتا عينيه يمين)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكرت أن كلتا يديه يمين، فهل هذا يشمل العينين والأذنين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قوله ﷺ: (كلتا يديه يمين) خاص باليدين لا بالعينين، فالأحاديث وردت في اليدين فقط، ولم ترد في صفة العينين.\nوليس واردًا في الشرع إثبات الأذن لله ﷿، فلا يصح مثل هذا الفهم، وينبغي للإنسان ألا يجتهد في هذا الباب، لأنه توقيفي وغيبي، والغيب لا يعرف إلا بالنص الشرعي.","vol":"8","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>مثبتو الصفات الخبرية من الأشاعرة ونفاتها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف نوفق بين قولك: إن بعض الأشاعرة يثبتون صفة الوجه لله ﷿، مع أن الأشاعرة معروف عنهم أنهم يثبتون السبع الصفات؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأشاعرة ينقسمون إلى قسمين: الأشاعرة المتقدمين والمتأخرين.\nفالمتقدمون يثبتون هذه الصفات الخبرية إلى زمن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، فهو من أوائل من أول صفة الوجه واليدين والعينين لله ﷿، وشابه المعتزلة في ذلك، ثم قلده بقية الأشاعرة المتأخرين.\nسبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.\nنكتفي بهذا، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.","vol":"8","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>العقيدة الواسطية [٩]</span>\nمن مسائل العقيدة المهمة الإيمان بصفات الله تعالى الخبرية كالوجه والعينين واليدين، وصفات الله تعالى الاختيارية، ومن جملتها المجيء والنزول والضحك، وكذلك الإيمان بصفة المكر والكيد وما شابههما من الصفات الاختيارية التي يجب إثباتها لله تعالى على سبيل المقابلة والتقييد دون الإطلاق، والإيمان بصفات العفو والمغفرة والعزة والقدرة، ونفي الصفات السلبية التي نفتها النصوص عن الله ﷿ نفيًا مجملا مع اعتقاد كمال ضدها في حق الله ﵎.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>الصفات الاختيارية والصفات الخبرية</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.\nأما بعد: فالصفات الاختيارية هي الصفات القائمة بذات الله ﷿، وهي متعلقة بمشيئته ﷾ يفعلها متى شاء كيف شاء.\nوأما الصفات الخبرية فهي الصفات التي لا تنفك عن الله ﷿، وليست متعلقة بالمشيئة.\nوهنالك أمثلة للصفات الاختيارية فمنها: نزول الله ﷿، والمجيء والإتيان، والضحك، وكلام الله ﷿.\nوأمثلة الصفات الخبرية هي: الوجه، واليدان، والعينان، والقدمان، والأصابع، والساق، والعلم، والقدرة، والإرادة، والحياة.","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>ذكر بعض الصفات الاختيارية</span>","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>صفة المكر والكيد</span>\nومن الصفات أيضًا صفة المماحلة والمكر والكيد، يقول الله ﷿: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد:١٣]، يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: أي: شديد الأخذ بالعقوبة.\nوالأزهري ﵀ من علماء اللغة ومن أهل السنة والجماعة، فقد نقل في كتابه تهذيب اللغة قول القتيبي في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد:١٣] أي: شديد المكر والكيد.\nونقل أيضًا قول سفيان الثوري: شديد المحال: شديد الانتقام، وكذلك قول أبي عبيد: المحال الكيد والمكر، ونقل أيضًا قول الفراء: المحال المماحلة.\nفمعنى ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد:١٣] أي: شديد المكر والكيد، والعقوبة مقتضى المكر والكيد، وهذا فيما يبدو هو رأي المصنف رحمه الله تعالى؛ ولهذا بدأ في الآيات الواردة في المكر والكيد قبل غيرها من الآيات، فكأنه يفسر المحال بالمكر والكيد.\nويقول الله ﷿: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤]، ويقول: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:٥٠]، ويقول: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦].","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>ضابط وصف الله تعالى بالمكر والكيد</span>\nفهذه الصفات وهي: المحال والمكر والكيد يوصف بها الله ﷾ على سبيل المقابلة والتقييد، ولا يصح أن يوصف بها مطلقًا، والسبب في ذلك هو أن المكر والكيد يكون في موضع من المواضع مدحًا وكمالًا، ويكون في موضع من المواضع ذمًا ونقصًا.\nفلا يصح أن يطلق الوصف بأن الله ﷿ ماكر أو يمكر أو نحو ذلك، وإنما يطلق مقيدًا، فيقال: يمكر بالكافرين، لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤]، وقال: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:٥٠]، فإن المكر والكيد عندما يكون في مقابلة أولئك الماكرين يكون قوة، ويكون صفة مدح وكمال، وأما إذا كان المكر ابتدائيًا فإنه لا شك أنه يكون مخادعة وخيانة ونقصًا.\nفالمكر أو الكيد هو التوصل بالطرق والأسباب الخفية التي لا يتنبه لها الخصم لإيقاعه، والمكر والكيد والمحال صفات فعلية يفعلها الله ﷿ متى شاء، وكيف شاء، ويفعلها في مقابلة مكر الكافرين أو الكائدين أو نحو ذلك.\nومن هنا لا يسمى الله ﷿ ماكرًا ولا كائدًا، وقد نقل ابن القيم ﵀ في بدائع الفوائد قاعدة عظيمة وهي: أن المعنى الذي ينقسم إلى مدح وذم لا يسمى الله ﷿ به، وهذا مقتضى قول الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠].","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>صفة العفو والمغفرة والعزة والقدرة</span>\nثم ساق الشيخ بعد ذلك جملة من الآيات في العفو والمغفرة والعزة والقدرة، يقول الله ﷿: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء:١٤٩]، ففي هذا إثبات صفة العفو والقدرة، ووجه الدلالة التي فيها إثبات العفو والقدرة من اسم الله ﷿ العفو والقدير، وأسماء الله ﷿ تؤخذ منها الصفات، فاسمه العفو يؤخذ منه صفة العفو، واسمه القدير يؤخذ منه صفة القدرة.\nويقول الله ﷿: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]، فهذه الآية مشتملة على إثبات صفة المغفرة والرحمة، أما قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور:٢٢] فإن فيها الأمر للمخلوق بالعفو والصفح.","vol":"9","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>الفرق بين العفو والمغفرة</span>\nقال بعض العلماء: الفرق بين العفو والمغفرة هو أن العفو يكون في ترك الواجبات، والمغفرة تكون عن فعل المحرمات، والأبلغ هو المغفرة؛ لأن المغفرة فيها محو، والعفو فيه تجاوز، فالمغفرة فيها محو للسيئة، كأنها لم تفعل، وأما العفو فهو التجاوز عنها مع كونها باقية.\nفالله ﷿ عفو ورحيم وغفور لذنوب عباده ﷾، وفي هذا يمكن أن نأخذ منه أثرًا تربويًا عظيمًا وهو سعة رحمة الله ﷿ ومغفرته، وعفوه ﷾، فلا ييئس المفرط والعاصي الذي عصى الله ﷿، والذي أسرف على نفسه بالذنوب، لا ييأس فالله ﷿ عفو يتجاوز، وهو ﷾ غفور يمحو الخطايا.\nفالواجب على الإنسان دائمًا أن يلتجئ في كل لحظة إلى الله ﷾ في مغفرة ذنوبه وستر عيوبه، لا سيما وأن الإنسان في كل يوم وليلة تقع منه الذنوب الكثيرة التي لا يشعر بها.\nفلو أخذنا ذنوب اللسان مثلًا، فما أكثر آفات اللسان كالغيبة والكذب والنميمة والكلام في الباطل، ونحو ذلك.\nوذنوب العين: النظر إلى ما حرم الله ﷿، أو ترك قراءة القرآن أو نحو ذلك، فالإنسان يمارس كثيرًا من الذنوب والمعاصي في يومه وليلته، فهو بحاجة ماسة إلى عفو الله ﷿ وإلى مغفرته ليصفح الله ﷿ عنه.","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>معنى العزة وبيان المراد بها في وصف الله ﷿</span>\nويقول الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]، والعزة هي القوة والغلبة، فالله ﷿ له العزة التامة ﷾، مع أن الرسول ﷺ له عزة، وللمؤمنين عزة، إلا أن عزة الله تعالى تختلف عن عزة الرسول ﷺ وعزة المؤمنين، وذلك أن عزة الله ﷿ لا يخدشها أدنى ذلة، بينما قد تحصل للبشر ذلة حتى ولو كانوا أنبياء أو صالحين، ولهذا ذكر الله ﷿ عن المؤمنين يوم بدر أنهم كانوا أذلة، فكان عددهم قليلًا، وموقفهم ضعيفًا، وليس المقصود بالذلة هنا الذلة النفسية، وإنما الضعف وعدم القدرة على مقاومة العدو الذي هو أكبر، وإلا فإن العزة النفسية هي في نفوسهم حتى ولو غلبهم العدو، فهم أعزة وأقوياء بدين الله ﷾.\nويمكن أن نأخذ صفة العزة من اسم الله العزيز، وهو كثير في القرآن الكريم، يقول الله ﷾ عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]، ثم استثنى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٣]، فإبليس يعرف أن لله ﷿ عزة لائقة به، ومع هذا لم تنفعه هذه المعرفة، وهذا يدل على معنى مهم جدًا، وهو أنه ليس بمجرد انتساب الإنسان إلى الإسلام، أو معرفته ببعض أحكامه أنه يكون مسلمًا، بل لا بد من الإتيان بها، وترك النواقض، فالإسلام مبني على وجود شرط وعلى انتفاء مانع.\nأما الشرط الذي يجب أن يوجد فهو فعل أحكام الإسلام والالتزام بها عمليًا، كالصلاة والصيام والحج والزكاة ونحو ذلك من إقامة شعائر الله ﷿، والتحاكم إلى شرع الله ﷿، وكذلك موقوف على انتفاء مانع وهو ألا يوجد في الإنسان ناقض من نواقض الإسلام، فإذا وجد فيه ناقض من نواقض الإسلام فإنه يكون كافرًا حتى ولو صلى وصام وقال: لا إله إلا الله، وهذا لا ينتبه له كثير من الناس؛ ولهذا قد يستغرب العوام عندما يكفر أهل العلم السحرة، ويقولون: هؤلاء يصلون معنا، وبعضهم يصفه في هيئته، وأنه ملتح ومقصر ثوبه، وأنه في الصف الأول، وهذا يدل على ضعف فهم حقائق الدين، فإن الإنسان إذا ضعف فقهه في دين الله ﷿ قد يستغرب مثل هذه الأشياء، لكنه إذا فهم دين الله ﷿ لا يستغرب.\nفلا يكفي أن يكون الإنسان مسلمًا لكونه يصلي ويصوم ويحج ويزكي ويقول: لا إله إلا الله، بل لا بد أن يكون مع هذا تاركًا لنواقض الإسلام؛ لأنه لو فعل ناقضًا من النواقض فإنه يكفر، وللجهل بهذه الحقيقة الشرعية المهمة وجد في زماننا من يسمي نفسه بأنه علماني مسلم، أو ديمقراطي مسلم، أو شيوعي مسلم، أو حداثي مسلم، أو امبريالي مسلم.\nفينتسب إلى مذهب من مذاهب الكفر ثم ينتسب في نفس الوقت إلى الإسلام، فلو قال رجل أنه يهودي مسلم، أو نصراني مسلم، لا يقبل كلامه؛ لأنه يجمع بين النقائض، وهكذا إذا قال أنه علماني مسلم، أو يحكم بغير ما أنزل الله وهو مسلم، أو نحو ذلك، فهذه كلها من النقائض التي لا تجتمع؛ ولهذا ينبغي أن تعرف هذه القاعدة من قواعد الإسلام.","vol":"9","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>القدرة على الممتنع والمعدوم</span>\nبقي معنا مسألة إثبات القدرة لله ﷾، وهناك رسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اسمها قدرة الرب ﷿، وهي موجودة في مجموع الفتاوى في المجلد الثامن في كتاب القدر، فالله ﷿ على كل شيء قدير، وقد بحث بعض الناس مسائل ما كان لها أن تبحث لولا إثارة مثل هؤلاء لها، فإن الله ﷿ قدير ﷾، وهو على كل شيء قدير كما أخبر عن نفسه.\nبحث بعض العلماء مسألة: هل يقدر الله ﷿ على الممتنع؟ أي: الشيء الممتنع الذي لا يمكن أن يكون.\nوالجواب عن هذا: أن الممتنع لا وجود له في الواقع، فلا يسمى شيئًا، والله على كل شيء قدير، وأما الشيء الذي يفرضه الذهن أو العقل، فإن الذهن يفرض المحال، ويفرض الأمور المتناقضة الغريبة، وهذا لا يصح أن تعلق صفات الله ﷿ بها، فالممتنع إذًا ليس داخلًا في هذا الباب.\nأما تعلق قدرة الله ﷿ بالمعدوم، والمعدوم في الحقيقة ينقسم إلى قسمين: معدوم في الواقع ومعدوم في الذهن.\nوالمعدوم إذا كان معناه أنه ليس موجودًا في الواقع فإن قدرة الله ﷿ تتعلق به، فهو ﷾ إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن فيكون، وهو قبل أن يقول له: كن فيكون كان معدومًا، وتعلقت قدرة الله ﷿ به.","vol":"9","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>قدرة الله على أفعال العباد</span>\nوهناك أيضًا مسألة وهي: هل الله ﷿ قادر على أفعال العباد؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أن أهل السنة والجماعة يقولون: إن الله ﷿ قادر على أفعال العباد، وأنها مخلوقة من مخلوقاته.\nوالمعتزلة قالوا: إن الله ﷿ لا يقدر على أفعال العباد، وإن العباد ينشئون أفعالهم من ذواتهم، والمتقدمون منهم نصوا على أن العبد يخلق فعل نفسه، وأما المتأخرون فإنهم لطفوا اللفظة وقالوا: إنه يحدث فعل نفسه، والحقيقة أنه خلاف في اللفظ والمعنى واحد، فإنهم يقولون: إن الله ﷿ لا يقدر أن يخلق فعل عبده قبل أن يوجد وإنما العبد هو الذي يختار الفعل بنفسه.\nويقول الله ﷿: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]، فالجلال والإكرام صفتان لاسم الله ﷿، وفي هذا إثبات الاسم لله ﷿، ويدل على هذا قول الله ﷾: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠].","vol":"9","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>الاسم وصلته بالمسمى</span>\nهناك مسألة وهي: هل الاسم هو المسمى أو غير المسمى؟ هذه المسألة واضحة عند أهل السنة، فإن الاسم للمسمى، وقالت المعتزلة: إن الاسم غير المسمى، والسبب في هذا أنهم قالوا: الاسم مأخوذ من القرآن، والقرآن كلام الله، وكلام الله مخلوق، فإذا قلنا: الاسم هو المسمى فمعنى هذا أن الله مخلوق، فقالوا: إن الاسم غير المسمى، وإن أسماء الله التي سمى بها نفسه مثل الرحيم والرحمن والعزيز والجبار هي من القرآن ومن كلام الله ﷿ فهي مخلوقة كما أن القرآن مخلوق.\nولهذا قال الشافعي ﵀ وغيره من أهل السنة: من قال: إن أسماء الله مخلوقة فقد كفر، فالأشاعرة اتفقوا مع المعتزلة في الحقيقة، حيث يعتبر الأشاعرة أن القرآن الذي بين أيدينا مخلوق، وأنه عبارة عن معنى قائم بنفسه، وأن الحروف والأصوات والعبارات الموجودة في القرآن ليست من كلام الله وإنما معناها من كلام الله وفهمه جبريل أو محمد ﷺ وعبروا عنه بهذا القرآن! فهم وافقوا المعتزلة في أن القرآن مخلوق، حتى إن بعض الأشاعرة كـ البيجوري في تحفة المريد في شرح جوهرة التوحيد قال: يصح أن يقال: القرآن مخلوق في مقام التعليم، أي: لأجل تقريب المعلومات إلى الناس، لكن المعنى هو كلام الله ﷿؛ ولهذا نفوا أن يتكلم الله ﷿ بحرف وصوت.\nفعندما وافقوا المعتزلة في الحقيقة خالفوهم في هذه المسألة، وقالوا: إن الاسم هو المسمى، فالألف والسين والميم هو حقيقة المسمى نفسه؛ لأنه من كلامه وهو صفة من صفاته، وسموا العبارات الموجودة في القرآن مخلوقة، لكن الاسم هو حقيقة المسمى، أي: هو الله نفسه.\nوالمعتزلة عندما قالوا: الاسم غير المسمى، قصدوا بالاسم التسمية عند الأشاعرة، فاتفقوا في الحقيقة واختلفوا في العبارة، وأهل السنة يقولون: أسماء الله ﷿ ليست مخلوقة؛ لأن أسماء الله ﷿ من كلام الله ﷿، وكلام الله ﷿ صفة من صفاته ولا يمكن أن تكون مخلوقة، فالاسم للمسمى، وقد سمى الله ﷿ نفسه بهذه الأسماء، وهذه الأسماء له، ولا يصح أن يقال: الاسم هو المسمى أو الاسم غير المسمى.\nوقد بينا مقاصد من قال: إن الاسم هو المسمى، أو إن الاسم غير المسمى، ولـ شيخ الإسلام ﵀ رسالة مستقلة في هذا الموضوع موجودة في الفتاوى.","vol":"9","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>الصفات السلبية وموقف أهل السنة وأهل البدع منها</span>\nالصفات السلبية هي الصفات المنفية، وهي ما نفاه الله ﷿ عن نفسه، وطريقة القرآن في الصفات التي نفاها الله ﷿ عن نفسه أنه نفاها نفيًا مجملًا مع اعتقاد كمال ضدها.\nوأما أهل البدع فطريقتهم النفي التفصيلي، يقول الله ﷿: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] أي: هل تعلم له مماثلًا وندًا؟ وهذا الاستفهام إنكاري يتضمن النفي، يعني: لا سمي له ولا ند له، والكمال المثبت لله ﷿ هنا هو الكمال المطلق، فإنه لا ند له مطلقًا، فهو كامل كمالًا مطلقًا ﷾، ويقول تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، ويقول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]، ثم ذكر في آخر الآية التي تليها فقال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، والأنداد: هم المثلاء والنظراء، والمقصود بالأنداد هنا الأنداد في العبادة.\nفكل آية من الآيات السابقة قصد بها نوع معين، فقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] يعني: لا مثيل له في أسمائه، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] يعني: لا كفء له ولا مماثل له في صفاته، وقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:٢٢] يعني: لا ند له في ألوهيته وعبادته، فهو المعبود وحده لا شريك له.","vol":"9","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>الفرق بين التشابه والتماثل وبيان المنفي منهما في نصوص الوحي</span>\nهناك مسألة يذكرها بعض أهل العلم وهي: هل التشابه هو التماثل؟ وهل هما بمعنى واحد أم هناك فرق بينهما؟ وما هو الذي نفاه الشرع؟ والجواب على هذا نقول: الآيات الواردة في النفي عن الله ﷿ يراد به نفي التماثل والأنداد والسمي.\nوهل التشابه والتماثل بمعنى واحد؟ هذه المسألة فيها قولان مشهوران: القول الأول: أن التشابه والتماثل بمعنى واحد، وهذا قول المعتزلة والأشاعرة والماتريدية.\nالقول الثاني: أن التشابه ليس هو التماثل، بل بينهما فرق، وهذه المسألة مبنية على مسألة مختلف فيها وهي: هل يمكن أن يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه، أو أنه لا بد أن يشبهه من كل الوجوه؟ فمن قال: يمكن أن يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه قال: هناك فرق بين التشابه والتماثل.\nومن قال: لا يمكن أن يوجد شبه للشيء بالشيء من وجه دون وجه قال: لا يمكن أن يكون هناك تماثل.\nوالصحيح الذي تدل عليه اللغة ويدل عليه الشرع والعقل هو: أن التماثل يختلف عن التشابه، فالتماثل هو التوافق في حقيقة الصفات أو في حقيقة الذات.\nوأما التشابه فهو ما يمكن أن يشبه الشيء من وجه دون وجه، فالألوان جميعًا تتشابه من وجه وهو أنها ألوان، لكن لا يمكن لأحد أن يقول: إنها متماثلة؛ لأن الأسود لا يماثل الأبيض.\nوالأشياء القائمة بنفسها أنواع متعددة، فهي تتفق في كونها قائمة بنفسها لكنها تختلف، فالنار قائمة بنفسها وتختلف عن الماء وهو قائم بنفسه، والإنسان قائم بنفسه ويختلف عن النباتات وهي قائمة بنفسها، والنباتات قائمة بنفسها وهي تختلف أيضًا عن الحيوانات، فلا يصح أن يقال إن المشابه من وجه دون وجه مماثل له في كل الخصائص والصفات.\nوفائدة هذا الكلام: هو أنه لما كانت هناك موافقة بين أسماء الله وصفاته وبين أسماء بعض مخلوقاته وصفاتهم، ورد التشابه في الأسماء، والقدر المشترك أن الاتفاق في الأسماء لا يقتضي التماثل والاتفاق في المسميات.\nفهذه خلاصة المسألة، ويمكن أن نختمها بأن التشابه ليس هو التماثل، بل يمكن للشيء أن يشبه الشيء من وجه دون وجه، ولا يقال: إنه مثله؛ لأن الأشياء بينها قدر مشترك وقدر مميز، والقدر المشترك لا يستلزم القدر المميز، بل هناك فرق بينهما.","vol":"9","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>آيات في توحيد الله تعالى ونفي الشرك</span>\nيقول الله ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، والشاهد من هذا هو قوله: (أندادًا) يعني: مثلاء.\nويقول الله ﷿: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١]، ففي هذه الآية إثبات صفة الحمد والألوهية والملك لله ﷿، وقيد الله تعالى لفظ الولي بقوله: (من الذل)؛ لأن لله ﷿ أولياء، فالله ﷿ يقول: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢].\nفقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء:١١١] أي: ليس له ولي يحتاجه؛ لأنه ذليل، أو هذا الولي يكون مساعدًا أو معاونًا، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣].\nفهاتان الآيتان ذكر ابن القيم ﵀ أنهما تجتثان عروق الشرك من أساسه.\nويقول الله ﷿: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن:١].\nويقول: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١] و(تبارك) بمعنى: تعاظم، وبمعنى أنه ﷾ ذو الجلال والإكرام، والفرقان هو القرآن، والمقصود بعبده هو محمد ﷺ نبيه، قال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢].\nويقول الله ﷿: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٩١ - ٩٢]، فهذه الآية تدل على إثبات الوحدانية لله ﷿، وهي تتضمن دليلًا عقليًا في إثبات الوحدانية لله ﷾، وتقرير ذلك أن الله ﷿ قال: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١] يعني: ليس معه إله معبود على الحقيقة، أي: معبود بحق؛ لأن هناك آلهة معبودة بالباطل، ولا يشترط أن يقام الدليل على إثبات الوحدانية بإبطالها؛ فإنها هي باطلة في نفسها، وإنما الدليل هنا في تقرير أنه لا يوجد إله بحق مع الله ﷿، ففيه إبطال الاثنينية، أن يكون هناك إله مع الله ﷾ معبودًا بحق، وأنه مثل الله ﷿ في صفاته وفي كونه إلهًا معبودًا بالحق.\nوالدليل قوله تعالى: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون:٩١]، ومعنى هذا أنه لو كان هناك إله آخر، وهذا الإله الآخر حقيقي فإنه لا بد أن يكون له خلق؛ لأنه لا يمكن أن يكون إله بدون خلق، فإذا كان له خلق فإنه حينئذ سيذهب بهذا الخلق، وسيذهب الإله الآخر بخلقه الآخرين، وحينئذ يكون كل إله من هذين الإلهين عاجز عن القدرة على خلق غيره، فهذا من جهة.\nومن جهة ثانية فإن الواقع المشاهد هو أن العالم متصل بعضه مع بعض، فليس هناك عالم يدار بإرادة أخرى غير إرادة الله ﷿، فدل هذا على أنه ليس هناك إله آخر ذهب بخلقه، فإنه إذا كان هناك إلهان، فسيكون لكل إله إرادة تختلف عن إرادة الإله الآخر، فإذا اختلفوا في أمر من الأمور، فإما أن تنفذ إرادة أحدهما فيكون هو الإله الحق والثاني عاجزًا، وإما ألا تنفذ إرادة الاثنين فيكونان جميعًا عاجزين، وهذا غير صحيح وغير واقع، وإما أن تنفذ الإرادتين سواء، وحينئذ يقع التناقض، وهذا غير موجود.\nفدل هذا على أن نظام الكون واتساقه واتصاله بعضه مع بعض، دليل على أن مدبره واحد وهو الله ﷾، وهو المعبود بحق ﷾.\nولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١]، يعني: عندما يعبدون مع الله إلهًا آخر، ويعتقدون أن هذا الإله حقيقي، ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٩٢]، وقد سبق الحديث عن صفة العلم.\nويقول الله ﷿: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ","vol":"9","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>الأسئلة</span>","vol":"9","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>حكم القسم برب العزة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم القسم برب العزة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان يقصد بالعزة عزة الله ﷿ فلا يجوز، وإذا كان يقصد عزة العباد المخلوقة فلا بأس بهذا.","vol":"9","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>الفرق بين العفو والصفح</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين العفو والصفح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الفرق بينهما هو أن العفو معناه الترك، والصفح معناه الإحسان، فالصفح أفضل من العفو.","vol":"9","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>وقفة إيمانية مع صفات الله ﷿</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  حبذا أن تذكر بعض الوقفات الإيمانية مع صفات الله ﷿؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن صفات الله ﷿ تشتمل على معان عظيمة جدًا يستفيد منها الإنسان في حياته، معان عظيمة جدًا، وهي من الأمور الثابتة في الشرع، فينبغي على الإنسان أن يتصف فيما يمكن الاتصاف به، فيتصف بالرحمة والعزة والقوة وهكذا، إلا ما لا يمكن أن يتصف به مثل الخلق، قال رسول الله ﷺ (إن الله جميل يحب الجمال)، وصفة العزة تدل على أن الإنسان إذا ارتبط بالله ﷿ فهو مرتبط بعزيز، فهو ﷾ عظيم قوي الجانب، وهو ﷾ يعين المستضعفين والمؤمنين الصادقين، فحاجة الدعاة إلى الارتباط بالله ﷿ لا سيما في وقت الاستضعاف، وفي وقت كثرة أهل الباطل وظهورهم وانتشارهم في الأرض، وقوتهم وغلبتهم، وارتباط الإنسان بالله ﷿ في مثل هذه الأوقات مهم جدًا، ولهذا يحتاج أن يرتبط الإنسان بالله ﷿ دائمًا وأبدًا.","vol":"9","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الصفات الذاتية هي التي لا تنفك عن الله ﷿ وليست متعلقة بالمشيئة، مثل علم الله ﷿، وصفة اليدين والقدرة والحياة ونحو ذلك، ولو كانت صفة العلم مثلًا مرتبطة بمشيئة الله إن شاء فعلها وإن شاء تركها؛ فلو تركها يكون جاهلًا، ولا يمكن هذا أبدًا.\nأما الصفات الفعلية فهي المتعلقة بمشيئة الله، إن شاء فعلها وإن شاء تركها.","vol":"9","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>صلة السمع والبصر بالعلم والإدراك</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل السمع والبصر في حق الله لا يتضمن العلم والإدراك أم أن العلم والإدراك شيء زائد عن السمع والبصر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  السمع والبصر زائدان عن العلم والإدراك.\nالسؤال: لماذا لا يتضمن سمع الله وبصره العلم؟ الجواب: السمع والبصر يتضمنان العلم، ولا يفسران به؛ لأن تفسيرها بالعلم إلغاء لصفة السمع والبصر، وهذه هي مسألة لوازم الصفات، فصفة السمع أو البصر تتضمن العلم، لكن ليست هي العلم؛ لأن السمع والبصر صفتان زائدتان على مجرد العلم، فيمكن من لا يسمع ولا يبصر أن يكون عنده علم.","vol":"9","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>الصفات الثبوتية والسلبية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  صفات الله ﷿ تنقسم إلى قسمين: ثبوتية وسلبية، ما هو الصحيح منها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كلها صحيح، فالثبوتية هي الصفات التي أثبتها الله ﷿ لنفسه، فأثبت لنفسه العلم والحياة والإرادة والسمع والبصر والنزول والضحك ونحو ذلك.\nوالسلبية هي التي نفاها عن نفسه كالأنداد المماثلة والجهل والتعب ونحو ذلك.","vol":"9","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>نصيحة في الزهد في الدنيا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في هذه الأيام وهذا الزمان كثر من اشتغل بالدنيا واهتم من أجل الدنيا على حساب دينه وأخلاقه، فنرجو منكم ترقيق القلوب من أجل الزهد في هذه الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  التعلق بالدنيا مشكلة يعاني منها كثير من الناس، حتى الطيبين من طلاب العلم والمشتغلين به، فتجد أن تعلقهم بالدنيا تعلق قوي جدًا إلى درجة أن كثيرًا من الصالحين ينسى الموت والدار الآخرة، وينسى أنه يعمل في هذه الدنيا لأجل البقاء، إما جنة عرضها السماوات والأرض، أو نار عظيمة محرقة مؤلمة.\nوالتعلق بالدنيا يضعف الإنسان في دينه وأخلاقه، ولهذا فإن النبي ﷺ بين أن سبب الذلة التي تقع على المسلمين هو ترك الجهاد في سبيل الله والتعلق بالدنيا، فالجهاد في سبيل الله هو التضحية بالنفس والفداء بها، والإنسان الذي يجاهد في سبيل الله يكون تعلقه بالدنيا بسيطًا وضعيفًا؛ ولهذا يكون عزيزًا دائمًا، فالمجاهدون في سبيل الله هم أعز الناس.\nيقول النبي ﷺ: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم).\nفالتعلق بالدنيا يسبب الذلة للإنسان، والحاجة والافتقار إلى الناس في المال ونحو ذلك، حتى إن بعض الناس يحصل له افتقار وحاجة إلى الآخرين في طلب شيء من حطام الدنيا! والسلف رضوان الله عليهم كانوا أصحاب عفة وبعد عن طلب الناس وسؤالهم، فهم أهل العزة الذين تعلقوا بالله ﷿، ولم يتعلقوا بالناس أبدًا.","vol":"9","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>موقف أهل السنة والجماعة من علماء الإسلام الذين أولوا بعض الصفات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو موقف أهل السنة من العلماء الذين وقعوا في تأويل بعض الصفات مثل النووي وابن حجر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الذين وقعوا في البدع أنواع: فمنهم من وقع في البدعة وأصّل لها وجاهد من أجلها، واشتهر وعرف بها، مثل أهل الكلام من المعتزلة ومتكلمي الأشاعرة، فهؤلاء يجب الرد عليهم وبيان باطلهم، وتوضيح الحق للناس، وعدم السكوت عنهم، والتحذير من قراءة كتبهم المليئة بالباطل من العقائد الضالة.\nونوع آخر قد يكون مشتغلًا بالفقه أو بالحديث أو بأي علم من العلوم مثل النحو، ولكن طبيعة العصر الذي عاش فيه أنه كان فيه رواج لفرقة من الفرق مثل الأشاعرة، فيكون قد تأثر بمعتقدات هذه الفرقة، مع أنه ليس متخصصًا أصلًا في هذا الباب، فيؤخذ ما عنده من العلم في التاريخ والحديث والفقه، ويترك ما عنده من الباطل في تأويل صفات الله ﷿ أو في القول بالقدر أو نحو ذلك من الأقوال الضالة، ولا يصح أن يستغنى عما عنده من العلم.\nفالحافظ ابن حجر ﵀ إمام كبير في علم الحديث، وفي التاريخ، وخدم سنة النبي ﷺ خدمة عظيمة، وكان العلماء الذين يدرسون الناس أشاعرة، فدرس عليهم وحفظ هذه العقيدة، وفي أثناء طلبه للعلم تبين له كثير من الباطل الذي عندهم، ولهذا تجد أن الحافظ ابن حجر ﵀ يرد على الأشاعرة باسمهم في موطن، ويقلدهم في موطن آخر، مع أن هذا الإمام ليس مشتغلًا بعلم تأويل الصفات أو بنحو ذلك من العقائد الفاسدة، وأكثر علمه هو في الحديث والفقه والتراجم والتاريخ ونحو ذلك، فمثل هذا العالم يؤخذ ما عنده من الحق، وهو عالم من علماء المسلمين، وأما في باب الصفات وغيره من أبواب العقائد فينبغي للإنسان أن يكون حذرًا في قراءة كلامه وأن ينقد ما عنده من الخطأ.","vol":"9","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>حكم الترحم على أهل البدع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز الترحم على أهل البدع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  مسألة الترحم على أهل البدع مبنية على انقسام أهل البدع، فأهل البدع ينقسمون إلى قسمين: بدع مكفرة تخرج عن الإسلام، مثل بدع الفلاسفة والباطنية والقرامطة والحلولية وعباد القبور ونحو ذلك، فهؤلاء لا يترحم عليهم ولا يصلى خلفهم ولا كرامة.\nالنوع الثاني من البدع: البدع التي لا تخرج الإنسان عن دائرة الإسلام، فإن صاحبها يكون مسلمًا، وحينئذ فإن مقاطعة أصحاب البدع من هذا الصنف مبنية على المصلحة، فإن كانت هناك مصلحة من مقاطعته أو ترك السلام عليه أو ترك الصلاة على جنازته فإنه يفعل ذلك، إذا كان الذي يفعله عالم مشهور، فإذا فعل هذا الفعل ترك الناس هذه البدعة.\nأما إذا فعلها إنسان عادي فإنه يترحم عليه، ويسلم عليه، ويشمت إذا عطس، ونحو ذلك من حقوق المسلم، فإن النبي ﷺ يقول: (حق المسلم على المسلم خمس) حتى لو كان مبتدعًا لكنه مسلم، ولا يصح لإنسان أن يترك هذا الحق لأجل أنه مبتدع، مع أنه ليس هناك فائدة من الترك.\nفالمبتدع إذا كانت بدعته غير مكفرة فإن له حقوق المسلم، إلا إذا كان في تركها فائدة للناس، كأن يهجره عالم مشهور أو نحو ذلك.\nفلا يجوز تكفير المسلم إلا إذا أتى بناقض من نواقض الإسلام، والخوارج يكفرون المسلمين بالمعاصي، فمن لم يترحم على المسلم ولو كان مبتدعًا بدعة غير كفرية فإنه يخشى عليه أن يشابه الخوارج في مذهبهم الباطل.\nنكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"9","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>العقيدة الواسطية [١٠]</span>\nإن مما يجب على المسلم الإيمان به والتصديق ما ثبت لله تعالى من صفة استوائه على عرشه وعلوه على خلقه كما يليق بجلاله وكماله، فقد نطقت بذلك آيات الكتاب صراحة، وتضمن بعضها ذلك دلالة، وجملة تلك الأدلة من الكثرة بمكان، وما ذهب إليه النفاة لهذه الصفة من تأويلهم للاستواء وإنكارهم للعلو قول رقيع لا ينتهض بدليل ولا لغة.","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>نفي الصفات السلبية عن الله وإثبات كمال ضدها</span>\nالحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا؛ إنك أنت العليم الحكيم.\nفي الدرس الماضي تحدثنا عن بعض الصفات الاختيارية، وهي صفة المكر والكيد بالكافرين، وكذلك صفة العفو والعزة والمغفرة والقدرة، وتحدثنا أيضًا عما يتعلق بإثبات اسم الله ﷿، وأن لله أسماء حسنى، وتحدثنا أيضًا عن الفرق بين الاسم والمسمى، كما تحدثنا عن الصفات السلبية، والصفات السلبية هي: الصفات المنفية عن الله ﷾، وهذه الصفات تنقسم إلى قسمين: صفات سلبية عامة، بمعنى: أن السلب فيها عام، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وهناك سلبٌ مفصل، كنفي الولد عن الله ﷿ أو التعب أو الجهل أو نحو ذلك من صفات النقص التي نفاها الله ﷿ عن نفسه، وقلنا: إن هذه الصفات السلبية لها قاعدة مشهورة من قواعد الصفات، وهي: أن النفي في صفات الله ﷿ يتضمن إثبات كمال الضد، فنفي الجهل لكمال علمه، ونفي النوم لكمال حياته وقيوميته، ونفي التعب لكمال قدرته ﷾، وهكذا النفي يدل على إثبات كمال الضد.\nثم ذكرنا الآية المذكورة في سورة المؤمنون، وهي قول الله ﷿: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، هذه الآية قلنا: إنها برهان عقلي على وحدانية الله ﷿، وقد استخدم فيها أسلوب السبر والتقسيم.\nوالسبر والتقسيم من الطرق العقلية المستخدمة في القرآن، ومعنى التقسيم: حصر المعاني والأقسام التي يمكن أن تترتب على شيء من الأشياء بشرط أن تكون هذه المعاني أو الأقسام محصورة، ثم سبر هذه المعاني والأقسام وتمحيصها، ومعرفة حكم كل نوع منها، فيخلص لك في النهاية أن مجموعة منها باطلة، وأن واحدًا منها هو الحق، فمثلًا: قول الله ﷿: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، المعنى هنا: ما كان معه من إله، ولو كان معه إله ماذا سيحصل؟! ذكر هنا قسمين، وهي قسمة محصورة فقال: ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون:٩١]، هذا القسم الأول.\nثم قال: ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، هذا القسم الثاني.\nولا يوجد هناك قسم صحيح إلا الأخير، وهو أن تكون هذه الآلهة باطلة جميعًا إلا الله ﷾ الواحد، فإذا أبطلنا أن يذهب كل إله بما خلق، كما هو الواقع المشهود الآن، وإذا أبطلنا أن يعلو بعضهم على بعض؛ لعدم وجود الصراع كما نلاحظه في الكون، فلا يبقى إلا أن مدبر هذا الكون واحد، وهو الله ﷾.\nإذًا: هذا برهان عقلي استعمل في القرآن الكريم.","vol":"10","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>إثبات صفتي العلو والاستواء لله ﷿</span>\nوفي هذا الدرس سيكون حديثنا -إن شاء الله- عن صفة من أعظم الصفات الشرعية التي طال فيها الكلام، وهي صفة علو الله ﷾ على خلقه، وأيضًا صفة استواء الله ﷿ على عرشه، ودائمًا تلاحظون أن صفة الاستواء تقرن بصفة العلو، والسبب في ذلك هو: أن الاستواء يعتبر دليلًا من أدلة العلو، كما أن النزول يعتبر دليلًا من أدلة العلو، وكذلك المجيء والإتيان ونحوها من الصفات تعتبر من أدلة العلو، وقد بدأ المؤلف ﵀ بالآيات الدالة على استواء الله ﷾ على عرشه.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] في سبعة مواضع: في سورة الأعراف قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤].\nوقال في سورة يونس ﵇: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣].\nوقال في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢].\nوقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].\nوقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:٥٩].\nوقال في سورة الم السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤].\nوقال في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]].\nهذه الآيات جميعًا تدل على صفة من صفات الله ﷾ وهي صفة استواء الله ﷾ على العرش، والله ﷿ استوى على العرش حقيقة، كما تدل هذه الآيات، والعرش من أعظم مخلوقات الله ﷾، وهو مخلوق من مخلوقات الله ﷿ خلقه الله ﷾ قبل خلق السماوات والأرض، والعرش من أوائل المخلوقات التي خلقها الله ﷾، وهو سرير الملك، وقد استوى الله ﷾ عليه بعد أن خلق السماوات والأرض.\nوالدليل على أن هذه الصفة كانت بعد خلق السماوات والأرض هو استعمال (ثم) وهي تدل على الترتيب والتراخي، فإن الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣]، وهكذا بقية الأدلة تجدون أنها جاءت بلفظ (ثم)، وثم تدل على الترتيب والتراخي، فاستواء الله ﷿ على العرش كان بعد خلق السماوات والأرض، فهو إذًا صفة فعلية اختيارية كانت بعد خلق السماوات والأرض.\nوالاستواء معناه معلوم، ولكن كيفيته مجهولة، كما قال الإمام مالك عندما سئل عن الاستواء وعن هذه الآية بالذات فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، قال له الرجل: كيف استوى؟ فأطرق الإمام مالك وعلته الرحضاء -يعني: العرق- ثم قال: (الاستواء معلوم) يعني: معلوم معناه في لغة العرب.\n(والكيف مجهول، والإيمان به واجب) يعني: الإيمان بمعناه والإيمان بكيفيته المجهولة بالنسبة لنا واجب.\n(والسؤال عنه بدعة)، وقوله: (السؤال عنه) الضمير في قوله: (عنه) يرجع إلى الكيفية ولا يرجع إلى المعنى، فإن الإيمان بمعنى الاستواء واجب؛ لأنه من تدبر القرآن، والله ﷿ يقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، ويقول ﷾: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩].\nفمعاني صفات الله ﷿ واضحة؛ لأنها جاءت بلغة العرب، وهذا القرآن نزل بلسان عربي مبين، ولا يمكن أن يخاطبنا الله ﷿ بألغاز أو بأحاجي لا معاني لها، ولا يمكن أن يخاطبنا الله ﷿ بكلام لا نفهمه، فنحن نفهم معاني الصفات، لكن لا ندرك كيفيتها، ولا ندرك حقيقتها وكنهها؛ لأنها من صفات الخالق، وهناك فرق كبير بين الخالق والمخلوق، ولأن الله ﷿ لم يخبرنا بكيفية صفاته وإنما بين لنا معانيها؛ لما فيها من الفوائد العظيمة لنا في إيماننا وأخلاقنا وآدابنا.\nإذًا: فقوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) يتضمن إثبات صفة الاستواء لله ﷾، وهو كذلك يتضمن إثبات صفة العلو لله ﷾.\nوهذه الصفة الثابتة لله ﷿ معناها هو كما حكى جماعة من المفسرين من السلف الصالح رضوان الله عليهم قالوا: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) قالوا: (استوى) بمعنى: علا وارتفع واستقر.\nفك","vol":"10","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>نفاة صفة الاستواء والرد على شبهات استدلالهم</span>\nوكان السلف رضوان الله عليهم مجمعين على معاني صفات الله ﷿ لا يختلفون فيها، حتى ظهر الجعد بن درهم فنفى صفات الله ﷾، وأظهر القول بنفي الصفات، فنفى استواء الله ﷾، ثم جاء الجهم بن صفوان بعده فقلده في ذلك ونفى استواء الله ﷿، ثم جاءت المعتزلة بعد ذلك وقلدوا الجهمية في هذا وقالوا: إن الاستواء ليس من صفات الله وإنما هو بمعنى: استولى، وفسروا الاستواء بالقدرة.\nولما أظهر المعتزلة القول بخلق القرآن كان مما نفاه المعتزلة هذه الصفة وهي صفة الاستواء، ونفوا كذلك صفة علو الله ﷾ على خلقه، فرد عليهم إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في كتابه (الرد على الزنادقة والجهمية) وكذلك رد عليهم جماعات، ومنهم: عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان، وهذا هو مؤسس الكلابية، وقلده في ذلك أبو الحسن الأشعري وتابعه أوائل الأشاعرة، وأيضًا أثبتها أبو بكر بن الطيب الباقلاني وكذلك عدد من الأشاعرة المتقدمين أثبتوا صفة الاستواء لله ﷿، وصفة العلو لله ﷾، ومن أوائل من نفى صفتي الاستواء والعلو من الأشاعرة هو إمام الحرمين الجويني؛ فإنه نفى صفة الاستواء ونفى صفة العلو، وأخذ تأويل المعتزلة والجهمية أن الاستواء بمعنى القدرة والاستيلاء، ولا شك أن هذا التأويل باطل؛ لأنه لا يوجد في لغة العرب استعمال الاستواء بمعنى الاستيلاء.\nوقد نقل أبو المظفر السمعاني في كتابه (الإفصاح) عن الخليل بن أحمد الإمام اللغوي شيخ سيبويه أنه لا يوجد في كلام العرب استعمال الاستواء بمعنى الاستيلاء والقدرة، وإنما جاء بها هؤلاء المحرفون لنصوص الكتاب والسنة، الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وقالوا: إن الاستواء بمعنى الاستيلاء.\nوقد رد عليهم السلف بردود لطيفة جدًا، ومن ذلك أنهم قالوا: إن الله ﷿ مستولٍ على كل شيء، فالله ﷿ مستولٍ على الأرض، وهو ﷾ مستولٍ على الإنسان، وهو ﷾ مستولٍ على الجماد، وهو ﷾ مستولٍ على جميع مخلوقاته، فلو كان معنى الاستواء الاستيلاء لصح أن يكون الله ﷿ مستويًا على الأرض أو مستويًا على العباد أو مستويًا على البحار أو مستويًا على الأنهار والأشجار، وهذا لا يقول به أحد، ولو كان الاستواء بمعنى الاستيلاء لما كان للعرش خصوصية، ولما خصص العرش دون سائر المخلوقات بالاستواء، وهم لا يقولون: إن الله ﷿ استوى على الإنسان مثلًا، ولا يقولون: إن الله ﷿ استوى على البحار والأنهار والأشجار، لا يقولون بهذا، ولا يقول به عاقل، وإنما أرادوا الهروب من هذه الآية، ففسروها بمعنى باطل، فوقعوا في الغلط وفي الخطأ الشنيع.\nوالعجيب أن الأشاعرة والمعتزلة الذين سبق أن تحدثنا عنهم، وأنهم يقدمون العقل على النقل، ويضعفون الأدلة النقلية الشرعية ويقولون: إنها لا تفيد اليقين، ولا يقبلون أخبار الآحاد في العقيدة، لكنهم عندما قيل لهم: ما هو الدليل على أن الاستواء بمعنى الاستيلاء؟ قالوا: يقول الشاعر: قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق فلما سئلوا من القائل؟ فإذا هو الأخطل النصراني، وهو شاعر نصراني متأخر قال هذا البيت، فاستدلوا به على أن الاستواء بمعنى الاستيلاء.\nفنقول لمثل هؤلاء: كيف تتركون نصوص الكتاب والسنة وتقدمون العقل عليها، وتهونون الأدلة من القرآن والسنة، ولا تقبلون أخبار الآحاد في العقيدة، ثم تستدلون ببيت شاعر نصراني؟! ثم إن هذا البيت يحتاج إلى التثبت من صحته، فإذا كانت النصوص الشرعية مثل السنة غير المتواترة تحتاج للتصديق بها والعمل بها أن نعرف النقل، وهل ثبت هذا الحديث أم لم يثبت، إذا كان هذا في حديث الرسول ﷺ، فكيف بمثل هذا البيت الذي قاله رجل نصراني لا يحتج به؟ فيقال لهم: من قال هذا البيت؟ فإن هناك أبياتًا كثيرة منحولة مكذوبة ليست ثابتة عن أصحابها، فمع كون القائل نصرانيًا، هل يثبت هذا البيت؟! فلم يستطيعوا إثباته.\nوهكذا تكون البدعة والعياذ بالله! وهكذا يكون الهوى، فإن الإنسان إذا استشرب قلبه الهوى -والعياذ بالله- أصبح يبحث عن الحجج بأي أسلوب، ويحاول أن يدفع النصوص بالراحتين والصدر، وأن يبعدها عن دلالاتها.\nومن أدلة هؤلاء أنهم قالوا: لو أن الله ﷿ استوى على عرشه فمعنى هذا أنه جسم، فهل تقولون: إن الله جسم؟ هكذا يخاطبون أهل السنة، فبماذا نجيبهم؟ نجيبهم بما يلي: أولًا: نقول كلمة (جسم) لها معنى بلغة العرب، ولها معنى خاص عندكم، فأما معناها في لغة العرب فالجسم هو: الجسد المبني، وهو هذا البدن الموجود، فإن قصدتم بالجسم المعنى اللغوي فلا شك أن الله ﷿ ليس بجسم؛ لأن فيه تمثيلًا بخلقه، والله ﷿ قد بين في القرآن أن معنى الجسم هو البدن، فقال الله ﷿ عن طالوت: ﴿وَزَادَهُ بَسْط","vol":"10","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>أدلة إثبات علو الله ﷿</span>\nوالأدلة التي تثبت علو الله على خلقه أنواع، وكل نوع يشتمل على مجموعة من الأدلة، وقد ذكر ابن القيم ﵀ في (الصواعق المرسلة) أكثر من ثلاثين نوعًا من الأنواع التي تدل على إثبات علو الله ﷿ على خلقه، ومن ذلك الاستواء، فإن الآيات الواردة في الاستواء والأحاديث الواردة في الاستواء تدل على إثبات علو الله على خلقه، وكذلك النزول والمجيء والإتيان، ونزول الملائكة ونزول القرآن، وصعود الملائكة وصعود الأعمال الصالحة إلى الله، وكذلك الإسراء والمعراج، وغيرها من النصوص الكثيرة الدالة على إثبات علو الله ﷿، مثل حديث الجارية، وهو أن النبي ﷺ لما سأله معاوية بن الحكم عن هذه الجارية بعد أن لطمها: أيعتقها؟ فقال لها: (أين الله؟ قالت: في السماء، وأشارت إلى السماء، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة)، وفي أكبر مجمع وأكبر مكان اجتمع فيه أهل الإسلام في زمن النبي ﷺ في حجة الوداع كان النبي ﷺ يقول: (اللهم اشهد! ويشير إلى السماء وينكتها إليهم) وفي هذا إثبات صفة العلو عن طريق الفعل.\nالشاهد: أن إثبات صفة العلو لله ﷿ موجود حتى في العقل والفطرة، أما الفطرة فإن الإنسان عندما يدعو الله ﷿ يجد في قلبه ضرورة تتجه إلى العلو، وهذا دليل فطري، وقد كان إمام الحرمين الجويني يدرس طلابه في المسجد نفي العلو عن الله ﷿ ويقول: إنه يلزم منه الجهة، فجاءه أحد الحضور وهو الهمداني ﵀، فقال: دع ما قلت، أخبرني عن الضرورة التي يجدها الإنسان في قلبه، فكلما دعا الله ﷿ أحد العارفين وجد في نفسه ضرورة ملحة تتجه نحو العلو، فصار الجويني يضرب على رأسه ويقول: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني.\nويقول ابن تيمية ﵀: جاءني رجل من نفاة العلو، وكانت له حاجة عندي، فكنت أماطله حتى ضاق صدره فلما ضاق صدره ونظر إلى السماء، فقلت له: إلى أين تنظر وأنت لا تثبت أن في السماء إلهًا وإنما هو في كل مكان أو لا هو خارج العالم ولا هو داخل العالم؟ فكان هذا من أعظم الأسباب التي جعلته يتراجع عن هذه العقيدة؛ لأنه شعر أنها تخالف الفطرة التي خلقه الله ﷿ عليها.\nوقد ذكر الإمام أحمد ﵀ في الرد على الزنادقة والجهمية دليلًا عقليًا على إثبات علو الله ﷿؛ فإنه قال لخصومه: الله ﷿ عندما خلق العالم إما أنه خارج العالم أو أنه خلق العالم ودخل فيه، فإن قلتم: دخل في العالم، فقد كفرتم؛ لأنكم جعلتم الله ﷿ داخلًا في الأماكن القذرة في كل مكان، وإن قلتم: إنه لا داخل العالم ولا خارج العالم، فقد ضللتم؛ لأنه مخالف للعقل، فإذا كان لا داخل العالم ولا خارج العالم، فأين هو؟! وإن قلتم: خارج العالم، وصلتم إلى الإثبات، وهو إثبات العلو لله ﷿، وهذا لا شك أنه دليل عقلي دقيق في إثبات علو الله ﷾ على خلقه.","vol":"10","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>أقسام نفاة صفة العلو</span>\nوالمعطلة لصفة العلو انقسموا إلى قسمين: المشتغلين بعلم الكلام، والمشتغلين بالفلسفة، فإذا قالوا: إن الله ﷿ ليس في العلو قال لهم الناس: أين هو؟ قالوا: لا داخل العالم ولا خارج العالم! فهؤلاء هم المشتغلون بعلم الكلام والفلسفة من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة.\nوأما المشتغلون بالتصوف والتعبد إذا سئلوا فقيل لهم: أين من تعبدون؟! قالوا: في كل مكان؟! فالقول الأول والقول الثاني يتفقان على نفي العلو عن الله ﷿، فالجميع ينفي العلو، ولكن كل قول من الأقوال له جهة سببها منهج الدراسة والتعليم، فالذين قالوا: إن الله لا خارج العالم ولا داخل العالم سبب قولهم هذا هو دراستهم لعلم الكلام؛ وعلم الكلام والفلسفة يتجه نحو التجريد، والإيمان بالخيالات، والإيمان بالمتناقضات، ولهذا قالوا: لا داخل العالم ولا خارج العالم.\nوأما المشتغلون منهم بالتعبد، فإن التعبد يقتضي وجود إله معبود؛ فإنه لا يمكن أن يقولوا: إنه لا داخل العالم ولا خارج العالم، فسيقال لهم: وأين هو؟ وكيف تعبدونه؟ وكيف تتوجهون إليه، وهو لا داخل العالم ولا خارجه؟ فاضطروا إلى القول بأنه في كل مكان، ولهذا قالوا: هو في كل مكان، بل قال ابن عربي: إن الكون جميعًا هو الإله، وإن الناس هم الإله، وإن كل شيء موجود في الكون فهو الله ﷿، فالشجر هو الله! والإنسان هو الله! والحيوان هو الله! وكل شيء هو الله! حتى الكلام قال: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه وقال: العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف؟! إن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنى يكلف؟ يقول: العبد رب والرب عبد، يعني: هو هو.\nوقال: (يا ليت شعري من المكلف)، ولهذا أسقط التكاليف، يقول من المكلف فيهما وهذا هو هذا وهذا هو هذا؟ ولماذا تكلفون الناس بتكاليف؟ المفروض أنه لا يكلف أحد لا بصلاة ولا بصيام ولا بحج ولا بزكاة، ثم دلل على هذا فقال: (إن قلت عبد) يعني: إن قلت: المكلف هو العبد.\n(فذاك رب) يعني: العبد هو الرب.\n(وإن قلت رب أنى يكلف) يعني: كيف يكلف الرب، ولهذا توصل إلى أن الكون جميعًا هو الله، وأنه لا يوجد رسالات، وأنه لا يوجد حق وباطل، وأن كلام فرعون عندما قال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] هو عين الحق، وهو الصواب الذي لا محيد عنه! وقال: إن ادعاء النمرود بأنه يحيي الموتى صدق لا شك فيه! ونحو ذلك من المقالات الكفرية التي يقول عنها ابن تيمية ﵀ مع اطلاعه على مقالات الناس: ما رأيت مثلها في مقالات العالم، يعني: لا يوجد مثلها في مقالات العالم، فإنهم يقولون: كل شيء هو الله، والعياذ بالله! ولهذا صار هؤلاء يستحلون المحارم، وصاروا يفعلون المنكرات الظاهرات البينات ويقولون: هذا حلال لنا، وظهرت الباطنية في بلدان مختلفة يستخدمون الحشيش ويشربون الخمر ويزنون بالمحارم ويفعلون المنكرات الكبرى ويسقطون التكاليف عن العباد! ومن أعظم حججهم هذه العقائد الفاسدة، حتى إنه ظهر رجل في اليمن اسمه علي بن الفضل منذ زمن بعيد وأحل للناس المحارم، وأباح لهم المنكرات جميعًا، يقول في قصيدة له: خذي الدف يا هذه والعبي وغني هزاريك ثم اطربي تولى نبي بني هاشم وهذا نبي بني يعرب فقد حط عنا فروض الصلاة وحط الصيام فلم يتعب فلا تمنعي نفسك المعرسين من الأقربين أو الأجنبي فكيف حللت لذاك الغريب وأصبحت محرمة للأب أليس الغراس لمن ربه ونماه في الزمن المجدب إذًا: هؤلاء زنادقة من المنافقين الذين اندسوا ممن يخدم فكر اليهود أو ربما يكون ورائهم اليهود الذين يعتقدون أن نجاحهم هو في إفساد عقائد العالم، فإن اليهود يعتقدون أن نجاح ديانة اليهودية وظهورها هو في إفساد عقائد العالم، فاليهودية ليست دين دعوة، فهم لا يدعون الناس إلى الدخول في اليهودية؛ لأنهم أصحاب عنصرية، فاليهود هم اليهود، وليس في الإمكان وجود أشخاص آخرين، ويظهرون على الأديان الأخرى مع أنهم أصحاب عنصرية بإفساد عقائد وأخلاق الآخرين، فظهر بولس شاول في النصرانية وأراد إفساد عقائد النصرانية، وكان بولس شاول هذا رجلًا يهوديًا يعذب النصارى، ثم جاء يومًا من الأيام إلى النصارى بعد طول التعذيب وقال: أنا تنصرت، فلما سئل عن السبب قال: كنت متجهًا إلى قرية من قرى النصارى من أجل أن أعذبهم فجاءني نور من السماء وقال: أنا ابن الله المسيح! لماذا تعذب أتباعي؟ ثم قال لي: كرس بالإنجيل، يعني: احفظ الإنجيل وادع إلى الإنجيل، ثم أدخل فكرة الثالوثية في النصارى، وأن الإله مكون من ثلاثة: الأب والابن وروح القدس، والتف عليه كثير من الجهلة من النصارى، ولهذا سماهم الله ضالين؛ لأنهم يتعبدون على جهل، فالتف عليه عدد كبير جدًا من النصارى، وصاروا من أتباعه، وبقى الموحدون في عدد قليل، وانقرضوا مع الأيام، لا سيما عندما تنصر قسطنطين، وكان قسطنطين حاكم الامبراطور في دول الرومان تنصر على طري","vol":"10","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>ذكر بعض الآيات الدالة على علو الله ﷿</span>\nوقد ذكر الشيخ مجموعة من الأدلة نقرؤها: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥].\nوقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨].\nوقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠].\nوقوله: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]].\nإذًا: فرعون كان يعرف أن الله في السماء، فكان أفقه من هؤلاء المبتدعة الذين ينفون علو الله ﷿ على خلقه.\nقال ﵀: [وقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦]].\n(فِي) هنا بمعنى: على، كما في قول الله ﷿: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، وليس المقصود: داخل الجذع، وأنه يحفر الجذع ويدخلهم فيه، وإنما المقصود: على، ولهذا يقولون: إن حروف الجر تتناوب، ينوب بعضها عن بعض.\nقال ﵀: [وقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦ - ١٧]].\nوهكذا الأحاديث، وسيأتي إن شاء الله ذكر ذلك كقول النبي ﷺ في رقية المريض: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض) إلى آخر الحديث، وحديث الجارية وسيأتي الإشارة إليه إن شاء الله في وقته.\nنكتفي بهذا، وإن شاء الله في اللقاء القادم نكمل الكلام على علو الله ﷿.","vol":"10","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>الأسئلة</span>","vol":"10","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>وجود الزنادقة في هذا الزمان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يوجد زنادقة في هذا الزمان أم لا يوجد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، الزنادقة في هذا الزمان كثيرون.","vol":"10","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>حكم من ادعى أن السماوات والأرض أكبر من الذات الإلهية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما رأيكم فيمن يقول: إن جرم السماوات وجرم الأرض أكبر من ذات الله؟!\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا زنديق، فإن هذا لا يقوله مسلم، فالله ﷿ هو الكبير المتعال ﷾.","vol":"10","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>حكم من عبد صفة من صفات الله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم من عبد صفة من صفات الله دون الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كيف يعبد صفة من صفات الله دون الله؟! هذه ما تحصل.","vol":"10","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>المقصود بذات الله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما المقصود بذات الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ذات: تأنيث ذو، وذو بمعنى صاحب، فـ (ذات) ليس معناها صفة من صفة الله اسمها ذات، وإنما المقصود صاحبة، فمعنى ذات الله يعني: صاحبة الصفات، فإنه لا يتصور أن يوجد ذات لله ﷿ مجردة عن صفاته ﷾، ويصح أن يقال: ذات الله بمعنى: (في الله)، أو تكون ذات بمعنى حقيقة أو بمعنى نفس، يعني: تكون بمعنى التوكيد، كقول خبيب: وذلك في ذات الإله.\nوكقول النبي ﷺ: (كذب إبراهيم ثلاث كذبات كلها في ذات الله)، يعني: في الله ﷿.","vol":"10","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>أهمية الدعاء والمناصرة للمستضعفين والمجاهدين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لا يخفى عليكم ما يعانيه إخواننا المسلمون في الشيشان، نرجو منكم تذكير الإخوان بأهمية الدعاء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن أهل الإسلام في الشيشان يعانون حربًا ضروسًا من الشيوعيين الملاحدة، ولا شك أن هذا هو حال المسلمين في أماكن كثيرة ومختلفة، والواجب على المسلم أن يكون دائمًا مرتبطًا ارتباطًا كبيرًا بإخوانه المسلمين في كل مكان؛ فإن الإخوة الإسلامية لا يحدها إقليم ولا منطقة، والله ﷿ ربط الأخوة بالدين ولم يربطها باللون ولا بالجنس ولا بالبلد ولا بأي شيء من ذلك، والواجب هو نصرة هؤلاء المسلمين بالمال، والواجب أيضًا هو نصرتهم بالدعاء، وبقدر ما يستطيع الإنسان يجب عليه أن ينصر هؤلاء المسلمين به، لاسيما أن هناك عددًا كبيرًا من المجاهدين في سبيل الله يقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله، وهم يقاتلون هؤلاء المشركين الملاحدة الذين يدعمهم العالم جميعًا، كما هو معلوم، حيث تدعمهم الدول الغربية بكل ما يستطيعون من المال والعتاد، فالواجب الدعاء لإخواننا، والدعاء لا شك أنه من أعظم الأسلحة التي توفق المسلمين، فقد كان أصحاب النبي ﷺ قلة يوم بدر، وكان النبي ﷺ يلجأ إلى الدعاء، كما يقول علي بن أبي طالب: (كنا ننام وكان النبي ﷺ لا ينام، كان يرفع يديه ويدعو الله ﷿ ويقول: اللهم نصرك الذي وعدتني) ويدعو الله ﷾، فينبغي علينا جميعًا أن ندعو الله ﷿ لنصرة إخواننا المسلمين في الشيشان وفي كل مكان، نسأل الله ﷿ أن ينصرهم وأن يخذل عدوهم.","vol":"10","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>مقصود المعطلة من نفي صفات الله وأسمائه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ماذا يستفيد المعطلة والجهمية والأشاعرة وغيرهم من نفي صفات الله أو أسمائه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هم لا يستفيدون عائدًا ماديًا، هم يعتقدون أنهم عندما ينفون هذه الصفات أنهم ينزهون الله ﷿، ولا يعتقدون أنهم على باطل، لكن المنهج الذي سلكوه فأوصلهم إلى نفي صفات الله ﷿ منهج فاسد؛ لأنهم اعتمدوا على العقل قبل النقل الشرعي، ولم يهتموا بالنصوص الشرعية، حتى إن بعضهم إذا ناظره بعض أهل السنة وذكر له آية، يقول: لا نسلم بصحة الحديث؛ يظن أنه حديث! فلا يفرقون بين الآية والحديث؛ لقلة اطلاعهم على كتب السنة وعدم اعتنائهم بالنصوص.","vol":"10","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>عقيدة الكوثري</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكر في كتاب أن محمد زاهد الكوثري فقيه حنفي متعصب جركسي الأصل جهمي المعتقد حاقد على أهل السنة، كيف يكون ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  محمد زاهد الكوثري رجل عالم من علماء الحديث، لكنه ضال في العقيدة، وله مقالات وله تحقيقات على بعض كتب أهل السنة، وكان يقدح في أئمة أهل السنة ويقول: ينبغي أن يسمى كتاب (التوحيد) لـ ابن خزيمة كتاب الشرك! لأنه يعتقد أن ابن خزيمة قد ضل في كتابه كتاب (التوحيد)، وابن خزيمة من أئمة السلف كما تعلمون، فـ محمد هذا جهمي في العقيدة ينفي صفات الله ﷿ عن نفسه، وله معتقدات هؤلاء الجهمية جميعًا، وأيضًا كان متعصبًا لـ أبي حنيفة ﵀، وربما قدح في بعض العلماء من أجل أبي حنيفة، وقد ألف كتابا ً سماه (تأنيب الخطيب فيما روى عن أبي حنيفة من الأكاذيب)، وقد ضعف وقدح وجرح عددًا من أئمة الحديث المروي لهم في الصحيحين وفي الكتب الستة، وخالف في أمور اعتقادية وفقهية، وقد تصدى له الإمام الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمه الله تعالى في كتاب سماه (التنكيل بما جاء في تأنيب الكوثري من الأباطيل)، وقد رد عليه ردودًا ممتازة، وأوصي بمراجعة هذا الكتاب، فهو من أفضل الكتب وأحسنها.","vol":"10","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>حكم التسمي بأسماء الله ﷿</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز مشاركة الله ﷿ في أسمائه عامة أو مقيدة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كيف تكون مشاركة الله؟! لا أحد يشارك الله ﷿، الله ﷿ له الأسماء الحسنى التي بلغت الغاية في الحسن، لكن يمكن أن تتفق أسماء المخلوق مع أسماء الله ﷿؛ فالله العزيز ويقول: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١]، يعني: عزيز مصر، لكن تلك عزة تناسبه؛ لأنها مضافة إلى مخلوق، وعزة الله تناسبه؛ لأنها مضافة إلى الخالق، وأنت لك رحمة والله رحيم، فيمكن أن تتوافق الأسماء، لكن تختلف المسميات والحقائق.","vol":"10","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>حكم قول: (لله صفات سلبية)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يصح القول: أن لله صفات سلبية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، السلب هنا معناه: النفي، يعني: لله ﷿ صفات منفية، يعني: نفاها الله ﷿ عن نفسه.\nالسؤال: ما صحة قول من يقول: إن من الابتداع قول هذه المقولة؟ الجواب: هذا لا أرى أنه صحيح.","vol":"10","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>صفة الإرادة بين كونها ذاتية أو فعلية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل صفة الإرادة من الصفات الذاتية الفعلية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  صفة الإرادة ذاتية، لكن متعلقاتها فعلية.","vol":"10","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>حديث عمران بن حصين في أولية الله تعالى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قبل استوائه سبحانه على العرش هل ورد ذكر أين كان الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ورد في حديث عمران بن حصين أنه ﷺ عندما جاءه أهل اليمن وسألوه عن أول هذا الأمر قال: (كان الله ولا شيء غيره، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض، وكتب في الذكر عنده كل شيء).","vol":"10","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>نظرة في القول بوجود خلق من الجن قبل آدم ﵇</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل خلق الله السماوات والأرض وخلق الجن في الأرض أولًا قبلنا ثم أرسل إليهم ملائكة فقتلتهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يوجد دليل على هذا، إلا ما يروى في بعض الإسرائيليات: (أن الأرض كان يسكنها الجن، وأنهم عصوا وفسدوا فيها، فأرسل الله إليهم الملائكة فقتلتهم، وأخذت ممن أخذت إبليس).\nوليس في هذا دليل ثابت عن النبي ﷺ، وبعض المفسرين أخذ مرويات إسرائيلية في هذا، وذكرها عند قول الله ﷿: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠]، وقال: كيف عرفت الملائكة سفك الدماء ونحو ذلك مع أنهم عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؟! والجواب يسير، وهو: أن الله أخبرهم عندما قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، أخبرهم أن هذا الخليفة هو الإنسان، وأنه سينزل الأرض، ويحصل بينهم سفك للدماء وعصيان، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة:٣٠].","vol":"10","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>حكم الفرق التي نفت صفات الله ﷿</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل تعتبر الفرق التي نفت صفات الله ﷿ من فرق المسلمين؟ وماذا نقول فيهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الفرق التي نفت صفات الله ﷿ تختلف: فالجهمية كفرهم السلف رضوان الله عليهم، لمقالاتهم الكفرية، وأما الأشاعرة فبإجماع أهل السنة أنهم ليسوا كفارًا، وأنهم من المسلمين، لكنهم وقعوا في هذه البدع المضلة، فهم من أهل البدع وليسوا من الكفار، وإنما هم من المسلمين.","vol":"10","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>تعقيب على تفسير بعض المعاجم للاستواء بالاستيلاء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  جاء في بعض المعاجم: أن معنى الاستواء: الاستيلاء، هل يفهم من ذلك أن في لغة العرب استوى بمعنى: الاستيلاء، أم أن بعض مؤلفي المعاجم هم من الطوائف المنحرفة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الحقيقة هي ما نقله أبو المظفر السمعاني فيما سبق عن الخليل بن أحمد أنه لا يوجد الاستواء بمعنى: الاستيلاء، وقد ذكر بعض العلماء: أن الاستواء قد يوجد بمعنى الاستيلاء، لكن بشرط: أن يكون هناك مغالبة سابقة، فإذا وجد في كلام العرب، فمعنى هذا: أنه لا يصح أن يقال: إن استوى بمعنى استولى في كلام الله ﷿.","vol":"10","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>حكم إطلاق لفظ الجسم على الله ﷿</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكرتم أن الألفاظ التي يطلقها أهل البدع يجب أن نستفصل عنها؛ لكي لا نثبت باطلًا وننفي حقًا، ما الحق في لفظ الجسم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لم أفهم ماذا يقصد بالحق، فإذا كان الأخ يقصد الحق يعني: معناه في لغة العرب، فمعنى الجسم: البدن، ولا يصح أن يقال: الله جسم بهذا المعنى، وإذا كان الأخ يقصد: إذا قال الجهمية: هل تثبتون أن الله جسم؟ فما هو المعنى الحق الذي يمكن أن يرد علينا لو نفينا، فنقول: إنهم اصطلحوا في اسم الجسم على أنه الجسم الذي يقبل الانقسام والموصوف بالصفات، فقالوا: إن الله ليس بجسم، هكذا بإطلاق، وقالوا: إذًا: ما استوى على عرشه، وليس في السماء، وليست له يدان ولا وجه، وليس خالقًا ولا رازقًا إلا بمعنى المفعول وأنها لم تقم فيه، وهكذا من أنواع نفي الصفات الذي يقولونه.","vol":"10","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>خطر المتصدرين للفتوى على الفضائيات بغير علم وواجب المسلم تجاههم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  مما عمت به البلوى الشيوخ الذين يظهرون على القنوات الفضائية، وأخبرني زميل في العمل أن شيخًا من هؤلاء أفتى أن آدم ﵇ لم يكن في الجنة، واستدل بحديث الرسول ﷺ: (إن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) وأن الجنة معناها: البستان أو المزرعة، واستدل بقصة أصحاب الجنة في سورة القلم وصاحب الجنة في سورة الكهف، والمشكلة والطامة الكبرى أن هذا الزميل مقتنع بهؤلاء المشايخ الذين يظهرون في القنوات الفضائية، وينظر إلى علمائنا بأنهم غير مثقفين في الدين، ولا يعرف أسماءهم، مع العلم بأن هذا الشخص من أبناء هذا البلد، فنرجو توضيح هذا القول؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن هذه الفتوى التي أفتى بها هذا الشيخ الفضائي باطلة وغير سليمة وغير صحيحة؛ لأن الجنة التي كان فيها آدم ﵇ أول ما خلقه هي جنة عدن، والذين يقولون: إن الجنة التي كان فيها آدم ليست الجنة التي في السماء وإنما هي في الأرض هم المعتزلة؛ فإنهم لا يعتقدون أن الجنة موجودة الآن، ولا شك أن كلامهم باطل؛ فإن القرآن أثبت أن الجنة في السماء، وهناك عدة أدلة على هذا من خلال سياق قصة آدم، منها قول الله ﷿: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة:٣٨]، والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل، فلو كانت في الأرض لما قال: (اهبطوا) فالهبوط -كما قلت- يكون من أعلى إلى أسفل.\nقال ﷿: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ [البقرة:٣٨] إلى آخر الآيات.\nوكذلك الله ﷿ يقول: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة:٣٥]، فبين أنه كان يأكل منها رغدًا حيث شاء.\nوالجنة والنار مخلوقتان الآن، والدليل على أن النار مخلوقة: قول الله ﷿: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤]، فقوله: (أُعِدَّتْ) يعني: سابقًا.\nفهذا القول الذي يقوله هذا الشيخ قول باطل، وهم من مقالات المعتزلة الذين لا يثبتون أن الجنة موجودة الآن، ويقولون بأن الله ﷿ يخلقها بعد ذلك.\nوالحقيقة أن مما ابتلي به الناس فعلًا بعض هؤلاء الذين يظهرون في القنوات الفضائية يفسدون على الناس دينهم، فبعضهم يفتي بجواز الفوائد الربوية ويقول: الرجل إذا وضع ماله في البنك وأخذ عليه فوائد فهذا مباح! وكل هذا من الظلم والباطل، والواجب ألا يقبل الإنسان من مثل هؤلاء، وأن ينصح المسلم إخوانه المسلمين في ألا يقبلوا من هؤلاء الذين يفتون بغير علم، والذين يتكلمون بالباطل.\nوهذا من جهة أخرى يدعونا إلى وجوب دعوة الناس إلى الله ﷿، وإلى وجوب نقل فتاوى أهل العلم الموثوق بهم من علمائنا من أهل السنة وتوزيعها في كل مكان وتعريف الناس بدين الله ﷿ الصحيح المربوط بدليله من الكتاب والسنة.\nوكما تلاحظون أن هذا القنوات الفضائية تعمل بطريقتين لإفساد الخلق، فالشهوات طريقة؛ حيث يظهرون النساء كاسيات عاريات راقصات، ويظهرون الفساد بكل أنواعه وصوره، حتى أصبحت بعض القنوات الجنسية الأوروبية تبث ويلتقطها المسلم في بيته في أي مكان والعياذ بالله! وهذه من أعظم المصائب.\nوأيضًا أصبحوا يفسدون على الناس دينهم من جهة الشبهات؛ فبعض القنوات تظهر -مثلًا- مقابلات أو مناظرات بين أشخاص، ويطرحون مسائل عويصة وصعبة، ويتناقشون فيها وينظر فيها بعض المسلمين الذين حصيلتهم من علم الله ﷿ يسيرة وضعيفة ولا يعرفون أحكام الله ﷿ ولا يعرفون كثيرًا منها، ولهذا قد تتلقف بعض النفوس بعض هذه العقائد، والهوى غلاب على النفوس والعياذ بالله! فيصبح هذا الإنسان من الضالين بهذا السبب، فالواجب يا إخوان: أولًا: تحذير الناس من مثل هؤلاء، وألا يقبلوا إلا من أهل العلم الشرعي من أهل السنة الذين تميزوا باتباع السنة وبربط المسائل بأدلتها الشرعية.\nثانيًا: تحذير الناس من الشهوات ومن الشبهات، وتوظيف فتاوى أهل العلم الموثوق بهم ونشرها على أعلى مستوى يمكن.","vol":"10","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>الفرق بين ابن عربي وابن العربي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  صاحب الشعر: إن قلت عبد فذاك رب هل هو ابن عربي أو ابن العربي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ابن عربي هذا هو محمد بن عربي الطائي صوفي مشهور له كتاب اسمه (فصوص الحكم)، وله كتاب (الفتوحات المكية)، وله كتاب اسمه (الهو) يعني: الذكر بالاسم المضمر، وأما ابن العربي بالألف واللام المالكي فهو من أئمة المسلمين، له كتب كثيرة منها (العواصم من القواصم) وله (أحكام القرآن) ونحو ذلك.","vol":"10","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>حكم من لم يكفر الكافر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكرت الأحباش وأنهم جهمية اليوم وهم يكفرون من يثبت صفة العلو لله ﷾ فهل الأحباش كفار بذلك؟ وما صحة حديث: (من لم يكفر الكافر فهو كافر)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  من لم يكفر الكافر فهو كافر ليس حديثًا عن الرسول ﷺ، وإنما هي قاعدة عند أهل العلم.\nوالمقصود بقوله: من لم يكفر الكافر، يعني: الكافر الأصلي الواضح الكفر، فمثلًا: لو جاء شخص وقال: إن إمامًا من أئمة الكفر وزعيمًا من زعماء الكفر -مثل كلينتون - ليس بكافر، فإن هذا القائل تورط في الكفر في الحقيقة؛ لأن هذا الرجل لم يكفر الكافر الأصلي، فالذي لا يكفر الكافر الأصلي يدخل في هذا، لكن من يكون عنده شبهة أو نحو ذلك، لا يصح أن يقال: من لم يكفره فهو كافر.","vol":"10","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>معنى الزندقة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى الزنادقة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الزنديق هو: المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهو الذي يتلون، وقد يكون معنى الزنديق: الخارج عن السنة، ولهذا قال الإمام أحمد: (أهل الكلام زنادقة) يعني: من أهل البدع، فكلمة زنديق في حد ذاتها لا يلزم منها التكفير؛ لأنها قد تستخدم للخارج عن السنة، وقد تطلق على بعض أهل البدع، وإن كان أكثر شيء استخدم كلمة زنديق على المنافقين.","vol":"10","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>استواء الله ﷿ على العرش بعد خلق السماوات والأرض</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكرتم أن الله استوى على عرشه بعد خلق السماوات والأرض، فهل استوى قبل خلق السماوات والأرض على عرشه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، وإنما استوى بعد خلق السماوات والأرض؛ لأن الآية نص في الموضوع، قال ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، فقبله لم يرد أنه استوى على عرشه.\nوثم تدل على الترتيب والتراخي، لكن التراخي لا يدل على أنه قبل، أي: لا يلزم حصول الاستواء فيه، ثم إنه لا يلزم أيضًا نفي الاستواء قبل خلق السماوات والأرض، فقبل خلق السماوات والأرض لم يرد في النصوص الشرعية النفي ولا الإثبات، لكن الوارد في النصوص أن الاستواء الوارد في السبعة المواضع كان بعد خلق السماوات والأرض.","vol":"10","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>حكم من أنكر صفة من صفات الله ﷿</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل من أنكر صفة من صفات الله كفر، وإذا كان كافرًا هل هو مخلد في النار كأي كافر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  منكر الصفات إذا أنكرها عنادًا واستكبارًا فلا شك أنه كافر، وأن كفره كفر المخلد في النار يوم القيامة، فيكون مخلدًا في النار يوم القيامة، ويكون له أحكام الكافرين في الدنيا، وأما إذا كان متأولًا وعنده شبهة فهذا لا يكفر؛ لأن المتأول لا يكفر حتى ترفع عنه الشبهة التي عنده، فمثل هؤلاء المتأولين لا يكفرون كما سبق، وإنما يكفر من أنكرها عنادًا واستكبارًا.","vol":"10","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>حكم أخذ العلم وإفادته ممن عنده أخطاء في العقيدة من العلماء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يستفاد من علم وفتاوى بعض العلماء المعاصرين الذين ثبت أن عندهم أخطاء في العقيدة وغيرها؛ حيث سمعت أنه استفيد من علم بعض الأئمة السابقين كالإمام النووي وابن حجر ﵏ جميعًا؛ حيث كان عندهما لبس في معرفة مفهوم الاستواء والعلو؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان أحد عنده أخطاء في العقيدة فهو على نوعين: إما أن يكون داعية لبدعته التي أخطأ فيها وباذلًا فيها ما يستطيع، فمثل هذا لا يؤخذ عنه العلم؛ لأنه داعية إلى بدعته، وإن كان غير داعية إلى بدعته وإنما وقعت عنده البدعة بسبب دراسته على بعض المبتدعة ونحو ذلك فهذا ينبه على بدعته، ويحذر منها، ويستفاد مما عنده من العلم في جوانب أخرى، لكن في جوانب العقائد لا ينبغي أن تؤخذ منه إلا لمتمكن بصير يعرف الحق من الباطل، أما طالب العلم المبتدئ فينبغي عليه أن يبتدئ بالكتب الواضحة في العقيدة الصحيحة للعلماء المتميزين في العقيدة الذين ليس عندهم أخطاء، فطالب العلم المبتدئ يأخذ كتب أهل العلم الذين ليس عندهم أخطاء في العقيدة وخاصة عند بداية طلبه للعلم، ثم بعد ذلك قد يحتاج وهو في الحديث أو في الفقه أو في السيرة النبوية أو في باب من الأبواب إلى كتب يدرسها، وقد يكون هناك كتب مؤلفة لبعض العلماء الذين عندهم أخطاء في العقيدة وليسوا دعاة إلى بدعتهم، كـ ابن حجر والنووي وغيرهما، فهؤلاء يستفاد منهم ومن علومهم في الحديث والفقه ونحو ذلك من الفوائد التي تكون عندهم.","vol":"10","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>حكم تكفير الرازي والزمخشري وأمثالهما</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل هؤلاء كفار ويجوز لعنهم بأعيانهم: الرازي والزمخشري؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، ولا يصح التكفير هكذا بالإطلاق، وإنما الرازي أخطأ في العقيدة ووصل إلى درجة الفلاسفة، والزمخشري معتزلي، لكن ثبت أن الرازي تاب من هذه العقيدة التي كان فيها، وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ توبته، ونقل عنه من كتاب أقسام الذات أنه كان يقول: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ولم أجد ما يشفي إلا ما هو في القرآن؛ اقرأ في الإثبات قول الله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وساق أدلة على ذلك، وهذه تدل على توبته رحمه الله تعالى.\nأما الجعد بن درهم والجهم بن صفوان فقد كفرهم العلماء بأعيانهم؛ لظهور الكفريات في منهجهم.\nوأما عبد الله الحبشي مؤسس فرقة الأحباش فعنده عقائد الجهمية، لكن لا ينبغي أن يكفر الأشخاص بأسمائهم إلا إذا وجدت فيهم الشروط وانتفت عنهم الموانع، وأما إذا لم توجد الشروط فلا يصح أن يوزع التكفير على الناس هكذا.\nأما الروافض فلا شك أن عقائدهم الموجودة في كتبهم عقائد كفرية، وأن كتبهم التي يدرسونها تنضح بالكفر الذي هو استغاثة بغير الله ﷿ ودعاء غير الله ﷿ وطلب الشفاء ونحو ذلك، وبعض العقائد التي فيها نسبة الغيب للأئمة، وعقائد أخرى كثيرة تدل على كفرهم، لكن لا يصح أن يقال: إن عوام الرافضة كفار، وإنما يقال: إن عوام الرافضة بحسب ما قام في قلب الواحد منهم من العقائد، فإن اعتقد صحة هذه العقائد الموجودة في كتبهم فهو مثلهم من الكفار، وإن لم يعتقد صحة هذه العقائد وإنما كان عنده خطأ في بعض الأحكام الفقهية في الصلاة كالجمع بين الصلوات ونحو ذلك، أو كان عنده بعض الأخطاء في العقيدة فهذا يكون مبتدعًا لا يصل إلى درجة الكفر، إلا إذا آمن بالكفر، ولهذا تبعات الأعمال يوم القيامة تكون فردية، فالإنسان يُسأل عن عقيدته التي يعتقدها، أما الانتساب فقد ينتسب بعض الناس إلى جهة من الجهات وهو يخالفها، ففي بعض الأحيان قد ينتسب إلى عقيدة من العقائد وهو في الحقيقة ليست هذه عقيدته، لكن ينتسب إليها انتسابًا، فأنتم تلاحظون أن الأشاعرة ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري ويخالفونه وينفون العلو وأبو الحسن يثبته، وينفون الاستواء وأبو الحسن يثبته، وينفون الوجه واليدين والعين وأبو الحسن يثبتها وهكذا، فليس بالانتساب حتى يقال: إن هؤلاء كفار.","vol":"10","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>حكم الصلاة خلف من يعتقد أن الله في كل مكان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل تجوز الصلاة خلف من يعتقد أن الله في كل مكان، علمًا بأنه صوفي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان يعتقد أن الله في كل مكان وأنه على عقيدة ابن عربي فلا تجوز الصلاة خلفه؛ لأنها بدعة كفرية.","vol":"10","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>صفة الاستواء بين كونها ذاتية أو فعلية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل صفة الاستواء من الصفات الفعلية أو من الذاتية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  من الصفات الفعلية؛ لأنه تعالى قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤].","vol":"10","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>حكم من يرى أن الأطفال لا يدرسون الآيات التي فيها ترهيب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما رأيكم في شخص يزعم أنه مسلم ويرى أن الأطفال من المفترض ألا يدرسوا الآيات التي فيها ترهيب نحو سورة المسد؟ وهل يعد هذا من الزنادقة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  بعض الأحيان قد يكون الشخص جاهلًا وفيه حمق، فيظن أن هذه الآيات فيها تخويف للأطفال، فيقول: من الممكن أن ندرسهم هذه الآيات، لكن الآن وفي البداية لا ينبغي أن ندرسهم هذه الآيات، وكلامه ليس عن سوء قصد، لكن عن ضعف تفكير، فمثل هذا لا يلزم أن يكون زنديقًا، لكن بعضهم خبيث النية والطوية؛ وهو يريد أن يقول: لا تعلموا الأطفال القرآن، لكن لا يستطيع أن يقولها بهذا النص، فيقول -مثلًا-: لا تعلموهم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:١ - ٥]؛ لأنها صعبة ولا يفهمونها، ولا يعرفها الطفل المسكين، وهو يقصد لا تعلمون الأطفال القرآن؛ بغضًا لهذا الدين والعياذ بالله! فمثل هذا لا شك أنه من الزنادقة، ونعرفه بقول الله ﷿: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠]، أعوذ بالله!","vol":"10","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>حكم الموالد وما يقال فيها من أشعار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  وزع في أحد الموالد شريط لبعضهم، وكان فيه أبيات شعرية منها: لو أنفقت عمري في محبة الرسول كان ذلك أصل إكرامي وإسعادي فما رأيكم في هذا البيت؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن الموالد من البدع المحدثة في دين الله ﷿، وأما هذا البيت ففيه شيء من الغلو، ومعناه العام فيما يظهر أنه لا إشكال فيه، لكن يوجد عندهم أبيات أخطر من هذا يرددونها في الموالد وفي كتبهم؛ يستغيثون فيها بالرسول ﷺ ويطلبون منه المدد!","vol":"10","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>العقيدة الواسطية [١١]</span>\nمن صفات الله تعالى الثابتة بالمتوافر من نصوص الوحي صفة معيته ﷾ لخلقه مع استوائه على عرشه ومباينته لخلقه، ويعتقد أهل السنة ثبوتها بأقسامها، خلافًا لمنكري ذلك من المنحرفين عن جادة إثبات ما نطقت به النصوص، كما أن من صفات الله تعالى العظيمة صفة الكلام المتضمنة إثبات الكمال لله تعالى، وقد ضل فيها طوائف عديدة، وخالفوا أهل السنة في اعتقاد ظاهرها كما أخبر الله تعالى به عن نفسه بما يدل على إثبات أن الكلام بحرف وصوت ليس بمعنى نفسي ولا بمخلوق.","vol":"11","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>معية الله ﷿ وأدلة إثباتها</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.\nأما بعد: ففي الدرس الماضي انتهينا من الكلام على صفة الاستواء والعلو بشيء من الاختصار، وإلا فصفة العلو أفردت بكتب مستقلة، ومن أفضل هذه الكتب التي نقلت آيات القرآن وأحاديث النبي ﷺ وكلام السلف الصالح رضوان الله عليهم كتاب: (اجتماع الجيوش الإسلامية لغزو المعطلة والجهمية) لـ ابن القيم رحمه الله تعالى.\nوفي هذا الدرس سنتحدث - بإذن الله تعالى - عن موضوع معية الله ﷾.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤].\nوقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧].\n﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠].\nوقول: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦].\n﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨].\n﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦].\n﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩]].\nهذه الآيات جميعًا هي في إثبات معية الله ﷾، والله ﷾ مستوٍ على عرشه، وهو في العلو ﷾، وفي نفس الوقت هو مع خلقه، هذه المعية التي نثبتها بمقتضى النصوص الشرعية هنا هي معية العلم والقدرة.\nوالمقصود بعلو الله ﷿: هو علو القهر، والقدر، والذات، فليست المعية الواردة في هذه الآيات هي معية الذات، بل هي معية العلم، والإمام أحمد ﵀ عندما صنف كتابه: (الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله) ذكر جملة من آيات المعية، وبين أن هذه الآيات فُهمت عند الجهمية على غير وجهها، فإن الجهمية ظنوا أن هناك تعارضًا بين آيات إثبات العلو لله ﷿، وبين الآيات التي فيها معية الله ﷿، وهي الآيات التي تقدمت آنفًا.\nوبين رحمه الله تعالى: أن المعية في هذه الآيات ليس المقصود بها (المخالطة) وأن الله ﷿ مخالط للخلق بذاته، وإنما المقصود: أن الله ﷾ مستوٍ على عرشه، وهو عالٍ عليهم، وأيضًا: هو معهم بعلمه وإحاطته وقدرته وسلطانه ﷾؛ ولهذا لما ساق آية المجادلة قال: إن هذه الآية بدئت بالعلم وختمت بالعلم، فإن بداية الآية قول الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] فبدأ بالعلم وختمها بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]، فدل ذلك على أن قول الله ﷿: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] أن المقصود بها: معية العلم والإحاطة، وأن المعية لا تقتضي المخالطة بالذات، كما فهم الجهمية.\nوالآيات التي تقدمت جميعًا تدل على المعية، ويمكن أن نحدد موطن الشاهد من كل آية: الآية الأولى: قول الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤] والاستواء على العرش فيه إثبات العلو.\nوقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، فقوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) هذا هو موطن الشاهد من الآية الذي يدل على إثبات معية الله ﷿، والمقصود بهذه المعية هنا: معية العلم والقدرة.\nوأما الآية الثانية: فسبق أن حددنا موطن الشاهد منها وبينا معناها.\nالآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، والمقصود أيضًا بالمعية هنا: معية ا","vol":"11","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>أقسام المعية</span>\nوالمعية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: معية عامة، وهذه المعية العامة تكون للمخلوقات جميعًا، تكون للبر والفاجر والمؤمن والكافر، والصالح والطالح، تكون لجميع المخلوقات.\nومن الأدلة على هذه المعية قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، فهذه الآية تدل على أن الله ﷿ مع كل المخلوقات بعلمه وقدرته ﷾.\nالقسم الثاني من المعية: المعية الخاصة، وهذه المعية الخاصة هي معية الله ﷿ مع المؤمنين، يمثل هذه الآية قوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦] وغيره من الآيات التي تدل على هذا.\nوبعض العلماء الذين شرحوا هذه العقيدة قسموا المعية الخاصة إلى قسمين، فقالوا: إن المعية تنقسم إلى قسمين: معية مطلقة، وهي المعية العامة، ثم المعية الخاصة، ثم قسموا الخاصة إلى قسمين: معية لوصف، ومعية لشخص، فالمعية التي تكون للوصف هي مثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل:١٢٨] فالذين اتقوا، هنا وصف، يشمل فلانًا وفلانًا وفلانًا من المتقين في كل زمن وفي كل مكان.\nوأيضًا كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]، والصبر: وصف، يشمل أعدادًا كبيرة من الناس الذين يتحقق فيهم هذا الوصف، وكقوله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩]، وهذه المعية أيضًا هي معية الوصف أيضًا، وأما المعية المتعلقة بالشخص فهي مثل قول الله ﷿: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] قال ذلك الرسول ﷺ لصاحبه أبي بكر كما يدل على ذلك سياق الآية من بدايتها، وكقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، والمقصود بالضمير في قوله: (معكما): مع موسى وهارون، فهي معية متعلقة بشخص.\nوالحقيقة: أن المعية الخاصة تشمل معية الوصف، وهو الأصل في هذه المعية الخاصة، ثم المعية التي تكون مقيدة بشخص هي ناتجة عن تلك المعية، وهما بمعنى واحد.\nفالمعية المطلقة معناها: أن الله ﷿ مع كل المخلوقات بعلمه، فلا يكون في هذا الكون شيء لا يعلمه الله، وهو مع هذه المخلوقات بقدرته، فلا يكون في هذه المخلوقات شيء لا يقدر عليه الله، وهو مع هذه المخلوقات بسلطانه، فلا يمكن أن يوجد شيء ليس لله سلطان عليه، فكل شيء الله ﷿ قادر عليه، وهو عالم به.\nوأما المعية الخاصة فهي تتضمن المعنى الذي في المعية العامة وزيادة، وهذه الزيادة هي النصرة والتأييد والإحاطة والعناية والتوفيق والتسديد ونحو ذلك.\nإذًا: المعية الخاصة تتضمن ما في المعية العامة من المعاني؛ فهي تشمل أن الله ﷿ يعلم كل شيء، وأن الله قادر عليه، وأنه من سلطان الله الذي يتصرف فيه كيفما يشاء، ومن كانت له معية خاصة يزاد على ذلك أن الله ينصره، وأن الله مؤيده، وأنه مسدد ونحو ذلك.","vol":"11","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>دفع شبهة منكري العلو في احتجاجهم بآيات المعية</span>\nوقد استدل الجهمية -كما سبق- بهذه الآيات على نفي العلو، واستدلالهم باطل؛ فإن القرآن لا يمكن أن يتناقض أبدًا، فالآيات والأحاديث التي فيها إثبات العلو يقال: إن هذا العلو ثابت لله ﷿، وإنه ﷾ عالٍ على الخلق بقهره وقدرته ﷾، وهو عالٍ ذاته أيضًا، وهو كذلك مع الخلق بعلمه وقدرته، ومع بعضهم بتأييده ونصره بل إن هذه المعية التي أثبتها الله ﷿ لا تقتضي المخالطة بأي وجه من الوجوه، ويدل على هذا عدة أمور: الأمر الأول: أن الله ﷿ أثبت لنفسه العلو، فدل هذا على أنه عالٍ على خلقه بعلمه وقدرته.\nوالأمر الثاني: أن هذه النصوص التي فيها إثبات أن الله مع خلقه لا يلزم منها المخالطة لا عقلًا ولا لغةً.\nفأما عقلًا أو حسًا: فإنك تقول: سرنا والقمر معنا، وهو في العلو، وليس مخالطًا لك.\nوأما في اللغة: فإن المعية لا تقتضي المخالطة أبدًا بأي وجه من الوجوه، فإنه يصح كما قلت لغة أن تقول: سرت والقمر معنا، وهذا صحيح لغة، مع أنه غير مخالط لك.\nوقد تحدث أهل العلم كثيرًا عن هذه الصفة من صفات الله ﷿، أعني: صفة المعية، وسيأتي لها حديث إن شاء الله مستقلًا بعد مجموعة من الصفات.\nوبعد الحديث عن وسطية هذه الأمة، وسنتكلم عن هذه الصفة بشكل أكبر.","vol":"11","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>صفة الكلام وأدلة إثباتها</span>\nقال رحمه الله تعالى: وقوله: [﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧].\n﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢].\n﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١١٦].\n﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥].\nوقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤].\n﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣].\n﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣].\n﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢].\nوقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:١٠].\n﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف:٢٢].\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥].\n﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦].\n﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥].\n﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح:١٥].\n﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف:٢٧].\nوقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦].\n﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام:٩٢].\n﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١].\n﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:١٠١].\n﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:١٠٢].\n﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]].\nهذه الآيات جميعًا متعلقة بصفة كلام الله ﷾، وكلام الله ﷿ صفة من صفاته، وهو من الصفات الفعلية، فهو ﷾ يتكلم متى شاء، وفي أي وقت شاء، وفي أي زمان شاء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وكلامه ﷾ بحرف وصوت، كما يدل على ذلك جملة من الآيات والأحاديث النبوية.\nوهو ﷾ تكلم قديمًا، وما زال يتكلم، وسيتكلم في الآخرة ﷾، وهو يتكلم في أي وقت يشاء، وفي أي زمان يشاء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].\nوقد جاءت التعبيرات عن صفة الكلام بأكثر من وجه: فجاءت بصيغة الحديث، كقول الله ﷿: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧].\nوجاءت بصيغة القول، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾ [المائدة:١١٦].\nوجاءت بمسمى الكلام أو باسم الكلام كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١١٥]، وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وقوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣].\nوجاءت أيضًا بصيغة النداء، فالنداء من الكلام، كقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ [مريم:٥٢]، وقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ [الشعراء:١٠]، وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الأعراف:٢٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]، فهذه الأربعة الأنواع جاءت جميعًا تدل على صفة الكلام لله ﷾.\nوالذي يدل على أن الله ﷿ يتكلم بحرف وصوت: أن مسمى الكلام في","vol":"11","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>الطوائف المنكرة لصفة الكلام والرد عليها</span>\nوهذه الصفة الجليلة مع وضوحها وأهميتها ومكانتها إلا أن طوائف من المبتدعة أنكرتها.\nوالعقل يثبت هذه الصفة، وقد استدل الله ﷾ في القرآن بطرق عقلية على إثبات صفة الكلام، ومنها: أن الله ﷿ ذم وعاب آلهة المشركين بأنها لا تتكلم، فلو كان الله سبحانه لا يتكلم لما كان هناك معنى لعيب آلهة المشركين، فالله ﷿ يقول حاكيًا عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢]، هذا في السمع والبصر، ولما ذكر الله ﷾ العجل الذي عبده بنو إسرائيل قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف:١٤٨] (لا يكلمهم) يعني: لا يتكلم معهم، وهكذا آلهة المشركين نفى الله ﷿ عنها صفة الكلام، فدل ذلك على أن من نفيت عنه صفة الكلام فهو ناقص، وبالتالي: تدل على أن الله ﷿ موصوف بصفة الكمال وهي: صفة الكلام.\nإذًا: فالكلام صفة كمال يتكلم ﷾ متى شاء كيف شاء، ولكن مع وضوح هذه الصفة ومع أهميتها ومكانها وتعلقها بالقرآن إلا أنه وجد من أنكرها من أهل البدع، فظهرت الجهمية وقالت: إن الله ﷿ لا يتكلم، ولما سئلوا عن القرآن الذي هو كلام الله؟ قالوا: هذا مخلوق من مخلوقات الله وليس صفة من صفات الله ﷾.\nوبناءً على هذا قالوا: إن القرآن من مخلوقات الله ﷿ التي يخلقها وإنه مثل سائر المخلوقات، وإنه مثل البشر ومثل الشجر والحجر ونحو ذلك من مخلوقات الله ﷾، ومن هنا جاءوا بفكرة أن القرآن مخلوق، ودُعي إليها في زمن المأمون، وأوذي بسببها الإمام أحمد وسجن وضرب وأوذي وصبر، ثم كانت النتيجة لأهل السنة ولله الحمد، فظهرت السنة.\nوكان الناس في وقت الإمام أحمد على قولين: قول يقول: (إن القرآن كلام الله، وإن كلام الله صفة من صفاته، وإنه يتكلم متى شاء وكيف شاء وفي أي وقت شاء)، وهذا هو مذهب أهل السنة وهم عامة الأمة.\nوالقول الثاني: قول الجهمية والمعتزلة الذين قالوا: إن الله لا يتكلم متى شاء وكيف شاء، وإن القرآن مخلوق، وإن كلام الله ﷿ ليس صفة من صفاته، بل هو مخلوق من مخلوقاته، يخلقه الله ﷿ في الهواء أو يخلقه في إنسان أو يخلقه في أي شيء من الأشياء، فهو ليس صفة وإنما هو مخلوق! وكانت الحرب كبيرة بين أهل السنة الذين يستدلون بالنصوص الشرعية وبين هؤلاء الجهمية الذين يخالفون النصوص الشرعية، والذين كفرهم السلف، وقالوا: من قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر، وبين السلف الصالح رضوان الله عليهم سبب ذلك، وهو أن النبي ﷺ يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، فلو كانت كلمات الله التامات من المخلوقات لكان هذا شركًا؛ لأنه كيف يستعيذ بالمخلوقات؟ فإنه قال: (أعوذ بكلمات الله)، فلو كانت كلمات الله مخلوقة كما يقول الجهمية والمعتزلة لكان معنى هذا أن النبي ﷺ استعاذ بمخلوق، والاستعاذة بالمخلوق شرك أكبر، وفي هذا نسبة الشرك للرسول ﷺ.\nوالمعتزلة يقولون: عندما جاء موسى وناداه الله ﷿ من الشجرة قالوا: إن الله ﷿ خلق الكلام في الشجرة، فمعنى هذا أن المتكلم هي الشجرة؛ لأن المتكلم هو الذي تقوم به صفة الكلام، ومعنى هذا: أن الشجرة هي التي تكلمت وهي التي قالت: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠] ولا شك أن هذا باطل واضح البطلان، فكيف تقول الشجرة: (يا موسى إني أنا الله رب العالمين) وكيف يأتي سياق الآية على أن موسى صدق، وعلى أن موسى أقر واعترف، وأنه تلقى النبوة من هذا الكلام، وأن الشجرة هي التي تكلمت وأعطت موسى النبوة؟! لا شك أن هذا في غاية البطلان، ولهذا كفر السلف رضوان الله عليهم من قال: إن القرآن مخلوق.\nلكن ظهرت طائفة ثالثة، وزعمت أن كلام الله ﷿ معنى، وأنه ليس حروفًا وأصواتًا؛ لأن المعتزلة قالوا: حقيقة الكلام في لغة العرب: هو الحروف والأصوات، هذا هو الكلام في لغة العرب، وبناءً على هذا فإن الله ﷿ إذا تكلم تكلم بحرف وصوت، ومعنى هذا: أنه قامت في الله ﷿ هذه الصفة، فإذا كان يتكلم ﷾ فإنه يحدث فيه الكلام، وهذا يدل على أن الإله مخلوق، كما أنه يدل على بطلان دليلهم الذي استدلوا به على إثبات وجود الله ﷿، وهو دليل حدوث الأجسام الذي بنوه على أن المخلوق حادث والخالق قديم، ومن هنا قالوا: إن الكلام ليس صفة من صفات الله، وإن القرآن مخلوق.\nفجاء الكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب وقالوا: إن الكلام هو المعنى، وإن الحروف والأصوات هي تعبير عن الكلام، وقد تسمى كلامًا مجازًا، ثم قالوا: إن كلام الله ﷿ معنى قائم بذات الله ﷿ ليس بحرف ولا صوت، وإن الحروف والأصوات مخلوقة، وكلام الله ﷿ هو معنى قائم بذ","vol":"11","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>ذكر ردود شيخ الإسلام ابن تيمية على منكري صفة الكلام ومؤوليها</span>\nوقبل هذا أحب أن أشير إلى الكتب التي ناقشت هذا الموضوع بشكل مفصل، فـ ابن تيمية ﵀ رد على الأشاعرة الذين قالوا: إن الكلام هو معنى قائم بذات الله ﷿، رد عليهم في كتاب خاص سماه: (التسعينية) وهو مطبوع الآن في مجلدين ومحقق، وطبع قديمًا ضمن الفتاوى المصرية في المجلد الخامس، وقد ألفه ﵀ في سنة ٧٠٦ من الهجرة عندما كان بمصر، رد فيه على الأشاعرة من أكثر من تسعين وجهًا، ورد فيه على الرازي بالذات بما يقارب الستة والسبعين وجهًا؛ لأن الرازي دافع عن تأويلهم لكلام الله ﷿ بأنه الكلام النفساني فقط.\nوأيضًا من الكتب في هذا رسالة ضمن مجموعة الفتاوى اسمها: (المسألة المصرية في القرآن)، هذه أيضًا في الحديث عن صفة الكلام، وأيضًا من الرسائل التي تحدث ابن تيمية ﵀ فيها عن صفة الكلام: (رسالة الكيلانية) وهي مطبوعة أيضًا ضمن مجموع الفتاوى، وهناك مجلد خاص في مجموع الفتاوى عنوانه: (القرآن كلام الله) مليء بالأسئلة التي سئل فيها شيخ الإسلام ﵀ عن هذه الصفة، وتحدث فيها عن عقيدة أهل السنة ورد فيها على الفرق الضالة.\nالشاهد: أن شيخ الإسلام ﵀ قال لهؤلاء الأشاعرة: أنتم قلتم: إن الكلام هو الكلام النفسي، فالكلام النفسي إما أن يكون خبرًا أو أمرًا أو نهيًا، فالخبر إذا كان نفسيًا فهو العلم، والأمر والنهي إذا كان نفسيًا فهو الإرادة، فمعنى هذا: أنكم لا تثبتون في الحقيقة كلام الله ﷿، وإنما تثبتون العلم والإرادة، وسميتم مجموع العلم والإرادة الكلام النفسي.\nفمعنى هذا: أن شيخ الإسلام ﵀ جاء إلى الصفة التي أثبتوها بغير وجهها الصحيح، وقال: إنكم في الحقيقة لا تثبتون صفة من صفات الله اسمها صفة الكلام، وإنما جمعتم العلم والإرادة وسميتم ذلك كلامًا نفسيًا، فمعنى هذا: أنكم لا تثبتون الصفة، وهم يقولون: لا، بل نحن نثبت الصفة، فقال: إذًا: فرقوا لي بين العلم والخبر في الكلام النفسي، وبين الإرادة والأمر والطلب في الكلام النفسي، فما استطاعوا أن يفرقوا بينهما بوجه من الوجوه، وحينئذٍ هذا يدل في الحقيقة أنهم مخطئون.\nوهم أرادوا أن ينزهوا الله ﷿ فوقعوا فيما فروا منه من وصف الله بالنقص؛ حيث وصفوه بأنه لا يتكلم أبدًا، والأشاعرة في الحقيقة يقولون: إن القرآن هذا الذي نقرؤه نوعان: نوع معنى، وهذا المعنى هو كلام الله، ونوع ألفاظ وحروف، وهي التي نقرؤها، وهذه عندهم مخلوقة، ولهذا قالوا: إن القرآن الذي بين أيدينا الله ﷿ أعطى المعنى لجبريل ﵇ وجبريل أعطى المعنى لمحمد ﷺ، فبعضهم قال: إن هذه الألفاظ من فعل جبريل، وبعضهم قال: إن هذه الألفاظ من فعل محمد ﷺ.\nفإذا قيل لهم: كيف أعطى الله ﷿ المعنى لجبريل؟ قالوا: خلق له إدراك هذا المعنى.\nإذًا: فهم في الحقيقة توصلوا إلى أن القرآن مخلوق، لكن لا يستطيعون أن يقولوا: إن القرآن مخلوق، بشكل مكشوف؛ لأن قضية خلق القرآن قضية مشهورة في الفكر الإسلامي، والحديث عنها والصراع بين الإمام أحمد ﵀ وأهل السنة وبين المعتزلة مشهور، فما استطاعوا أن يقولوا بهذا القول.\nوهم في الحقيقة وقفوا في مفترق طرق، وقفوا بين قول أهل السنة: إن الكلام صفة، فإذا قلنا: إنه مخلوق، فمعنى هذا: أن المتكلم هو ذلك المخلوق، ففروا من هذا، فقالوا: إذًا: المتكلم هو الله، فجاءوا وقالوا: المتكلم هو الله، فألزمهم المعتزلة بأنكم إذا قلتم: إن المتكلم هو الله فمعنى هذا أن الكلام يحدث شيئًا بعد شيء ويكون هذا دليلًا على حدوث هذه الصفة، فإما أن تبطلوا دليل الحدوث الذي أثبتم به وجود الله، وإما أن تبطلوا صفة الكلام فلا تقولوا: إن الله يتكلم، فقالوا: بل نبطل صفة الكلام، بمعنى: أن يكون الكلام هو الحروف والأصوات، ونثبت أن الكلام هو معنى قائم بالله، فأتوا ببدعة جديدة لا يعرف لها مثال سابق، وأرادوا أن يستدلوا على هذا، فاستدلوا على ذلك بقول عمر عندما ذهب مع أبي بكر الصديق ﵁ إلى سقيفة بني ساعدة: (فزورت في نفسي قولًا).\nقالوا: هذا يدل أن حديث النفس يسمى قولًا، فرد عليهم شيخ الإسلام، وقال: هذا باطل: بل هذا الخبر من عمر رد عليكم؛ فإنه فرق بين حديث النفس وبين القول، فقال: زورت في نفسي قولًا، ولو كان حديث النفس هو القول لقال: تكلمت بكذا وكذا، مع أن عمر ﵁ لم يتكلم، بل تكلم الصديق فكفى وأشفى.\nفكلمة عمر ﵁ فيها تفريق بين حديث النفس وبين الكلام، وأنتم تعلمون أن حديث النفس ليس فعلًا مستقلًا أو ليس شيئًا -يعني- يستقل، فأنت عندما تحدث نفسك - مثلًا - بأنك ستتكلم بكذا وبكذا وبكذا بعد فترة، ولم يأتِ وقته، هل تقول: إنك تكلمت؟ لا تقول: إنك تكلمت، وهذا معروف في لغة ا","vol":"11","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>الأسئلة</span>","vol":"11","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>عقيدة المعتزلة في كلام الله ﷿</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هي عقيدة المعتزلة في الكلام؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قد ذكرتها، وقلت: إن عقيدة المعتزلة في الكلام هي أنهم يقولون: إن كلام الله ﷿ مخلوق من مخلوقاته وليس صفة من صفاته.","vol":"11","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>صفة المعية بين كونها ذاتية وفعلية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل المعية صفة ذاتية أم فعلية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المعية العامة: صفة ذاتية، وهي التي تدل على الإحاطة والعلم التام والقدرة التامة، والمعية الخاصة: صفة فعلية؛ لأنها متعلقة بمشيئة الله، وهذا هو ضابط الصفة الفعلية.","vol":"11","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>الجمع بين اعتقاد حقيقة المعية ونفي مقالة الجهمية أن الله في كل مكان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل المعية حقيقة أم كناية عن العلم؟ وكيف الجمع بين قول شيخ الإسلام: إنها معية حقيقة، وقول الجهمية: إنه مع الناس في كل مكان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المعية حقيقية، وليس معناها حقيقية بذاته، وإنما حقيقية في معناها الصحيح، ومعناها الصحيح: أنه مع عباده بعلمه وقدرته وسلطانه، ومع بعض عباده بما سبق وبزيادة العناية والتمكين والنصرة.\nإذًا: هي معية حقيقية على هذا المعنى الذي سبقت الإشارة إليه، ولا يلزم من كلمة (حقيقية) أن يكون مع عباده بذاته؛ فإن هذا هو قول الجهمية الضالين المنحرفين، فهناك فرق بين أن يقال: معية الله معية حقيقية، وبين أن يقال: معية الله: مع عباده بذاته، فالأول قول صحيح لا إشكال فيه، ولا يلزم منه أن يكون مع الخلق مخالطًا لهم بذاته، والقول الثاني هو قول الحلولية الضالين المنحرفين.\nالسؤال: كيف الرد على من يقول: إن أهل السنة يؤولون المعية بالعلم؟ الجواب: لا شك أن هذا فهم خاطئ لكلام أهل السنة، فإن المعية في أصل اللغة لا يلزم منها المخالطة، بل قد تطلق المعية وتدل على المخالطة، وقد تطلق ولا تدل على المخالطة، فنحن نقول: إن معية الله ﷿ من النوع الثاني، وهي التي لا تقتضي المخالطة، وأما ما هو الدليل على أنها لا تقتضي المخالطة؟ فهناك أدلة كثيرة جدًا، منها: إثبات علو الله ﷿ واستوائه على عرشه وتنزيهه ﷾ وتقديسه، ثم إن العلو والمعية تجتمع في آية واحدة، وهذا يدل دلالة صريحة على أن المعية هنا المقصود بها: معية العلم والإحاطة، ولا يصح أبدًا أن يقال: إن هذا تأويل لصفة المعية، فليس هذا تأويلًا، وإنما التأويل هو صرفها عن ظاهرها، وهذا هو ظاهرها، ظاهرها: أن الله مع العباد بعلمه وقدرته.","vol":"11","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>الرد على مدعي تأويل أهل السنة لصفة المعية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل المعية حقيقة أم كناية عن العلم؟ وكيف الجمع بين قول شيخ الإسلام: إنها معية حقيقة، وقول الجهمية: إنه مع الناس في كل مكان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المعية حقيقية، وليس معناها حقيقية بذاته، وإنما حقيقية في معناها الصحيح، ومعناها الصحيح: أنه مع عباده بعلمه وقدرته وسلطانه، ومع بعض عباده بما سبق وبزيادة العناية والتمكين والنصرة.\nإذًا: هي معية حقيقية على هذا المعنى الذي سبقت الإشارة إليه، ولا يلزم من كلمة (حقيقية) أن يكون مع عباده بذاته؛ فإن هذا هو قول الجهمية الضالين المنحرفين، فهناك فرق بين أن يقال: معية الله معية حقيقية، وبين أن يقال: معية الله: مع عباده بذاته، فالأول قول صحيح لا إشكال فيه، ولا يلزم منه أن يكون مع الخلق مخالطًا لهم بذاته، والقول الثاني هو قول الحلولية الضالين المنحرفين.\nالسؤال: كيف الرد على من يقول: إن أهل السنة يؤولون المعية بالعلم؟ الجواب: لا شك أن هذا فهم خاطئ لكلام أهل السنة، فإن المعية في أصل اللغة لا يلزم منها المخالطة، بل قد تطلق المعية وتدل على المخالطة، وقد تطلق ولا تدل على المخالطة، فنحن نقول: إن معية الله ﷿ من النوع الثاني، وهي التي لا تقتضي المخالطة، وأما ما هو الدليل على أنها لا تقتضي المخالطة؟ فهناك أدلة كثيرة جدًا، منها: إثبات علو الله ﷿ واستوائه على عرشه وتنزيهه ﷾ وتقديسه، ثم إن العلو والمعية تجتمع في آية واحدة، وهذا يدل دلالة صريحة على أن المعية هنا المقصود بها: معية العلم والإحاطة، ولا يصح أبدًا أن يقال: إن هذا تأويل لصفة المعية، فليس هذا تأويلًا، وإنما التأويل هو صرفها عن ظاهرها، وهذا هو ظاهرها، ظاهرها: أن الله مع العباد بعلمه وقدرته.","vol":"11","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>دفع شبهة المحتج بقول عمر: (زورت في نفسي كلامًا) على الكلام النفسي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول الأخ: لو اعترض معترض وقال: قد يكون الكلام بغير صوت وحرف، والدليل أن عمر ﵁ قال يوم المبايعة لـ أبي بكر: (وزورت في نفسي كلامًا)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هناك فرق بين الكلام وبين التزوير في النفس، هذا الرد الأول.\nالرد الثاني: هو أن يقال: إنه لا يصح أن يقال: كلام نفسي في موضع الإطلاق، وإنما يقال: كلام نفسي في موضع التقييد، فهنا قال: زورت في نفسي كلامًا، فنص على النفس، والأصل أنه لا ينسب الكلام إلى النفس؛ فإن النفس ليس فيها كلام.","vol":"11","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>كلام الناس مخلوق</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل كلام الناس مخلوق؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم مخلوق؛ لأنهم مخلوقين؛ لأنك إذا قلت: كلام الناس غير مخلوق، هذا شرك؛ لأن معناه: أن كلام الناس صفة من صفات الله! فالموجودات جميعًا خالق ومخلوق، الخالق هو الله بصفاته، والمخلوقات: هي جميع الأشياء الموجودات غير الله ﷿.","vol":"11","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>بيان امتناع القول بخلق القرآن بحجة كون لفظه مخلوقًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  وهل إذا كان الكلام مخلوقًا، يكون القرآن مخلوقًا؛ لأن الناس يتكلمون به؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، فنفس القراءة التي يقرأ بها الإنسان مخلوقة، لكن الكلام ينسب إلى قائله الأول، يعني: أنت عندما تأتي إلى قصيدة من المعلقات - مثلًا - ماذا تقول؟ تقول: قال امرؤ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل لو جاءك واحد وقال لك: لا، الذي تقولها أنت، وليس امرأ القيس، فتقول له: أنا أقولها ناقلًا عن امرئ القيس.\nفالكلام في أصله ينسب للمتكلم به أولًا، وأما الناقل فلا ينسب له الكلام، وإلا لو كان كذلك، لكان ممكن أن نقرأ كتب ابن تيمية ونقول: هذا تأليفنا، وأصير أنا أقرأ كتاب مثلًا (التدمرية) وأقول: (قلت) وهو في الحقيقة كلام ابن تيمية، فإذًا: الكلام ينسب للمتكلم به أولًا، وأما الناقل له فلا يعتبر كلامه هذا، فنحن عندما نقرأ القرآن صحيح أن أصواتنا مخلوقة، لكن هذا الكلام الذي نقرؤه هو للمتكلم الأول به وهو الله ﷾، وليس كلامنا نحن.","vol":"11","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>مذهب الأشاعرة والكلابية في تأويل كلام الله ﷿</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لعل القائل بأن كلام الله هو كلام نفسي قائم بذاته هم الأشاعرة، أما الكلابية فقالوا: بأن كلام الله هو حكاية عن كلامه وليس كلام الله، كما قرأت في شرح الشيخ ابن عثيمين فما تعليقكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأشاعرة والكلابية جميعًا اتفقوا في أن الكلام هو المعنى القائم بذات الله ﷾، ثم لما جاءوا إلى القرآن الموجود، قالت الأشاعرة: هذا حكاية عن الله، وقالت: الكلابية: هذا عبارة عن كلام الله، قالوا: هذا حكاية عن كلام الله، فهؤلاء وهؤلاء قالوا: هذا عبارة عن كلام الله، ثم اختلفوا: عبارة من؟ وحكاية من؟ هل هو عبارة جبريل، أو عبارة محمد؟ على قولين، ولهم في ذلك تفصيلات أخرى.","vol":"11","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>الدليل على أن أفعال العباد مخلوقة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الدليل على أن أفعال العباد مخلوقة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  مخلوقون، ولو كانت أفعالهم ليست مخلوقة، فمعنى هذا: أنهم من الله، وقلت لكم: الموجودات جميعًا خالق ومخلوق، الخالق: هو الله بصفاته، والمخلوقات هو كل الموجودات، وأي شيء ليس من صفات الله فهو مخلوق، أهم شيء أنه ليس من صفات الله، فإذا كان من صفات الله فليس بمخلوق.","vol":"11","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>شبهة الجهمية والمعتزلة في قولهم بأن القرآن مخلوق</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  بماذا تمسك الجهمية والمعتزلة في قولهم: القرآن مخلوق؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  سبق أن أشرت إلى أصل كلام المعتزلة في قولهم بأن القرآن مخلوق، وهو أنهم: عندما ابتدعوا دليل حدوث الأجسام على إثبات وجود الله ﷿ التزموا بهذا الدليل: أن الله ﷿ لا تقوم به الأفعال، وأن الله ﷿ لا يفعل ما يشاء متى شاء! فقالوا إذًا: كل الأفعال مخلوقة، ومنها القرآن، والكلام، فتوصلوا إلى هذه النتيجة، ثم جمعوا من القرآن والسنة ما ظنوا أنه يدل على قولهم، وهو لا يدل، فمثلًا بعضهم يستدل بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، قالوا: ما دام أنه خلق كل شيء، فمن ذلك القرآن! وهذا كلام باطل؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] فعندنا: (الله) هو الخالق، و(كل شيء) هو المخلوق، فالله ﷿ المقصود به: الله ﷿ وصفاته، يعني: إذا قيل: (الله) فهو بصفاته ﷾، ومن صفاته الكلام، والقرآن من كلامه ﷾، فالقرآن ليس داخلًا في كل شيء، وإنما هو تابع لكلمة (الله) وليس داخلًا في كل شيء، هذا من جهة.\nومن جهة أخرى: فإن الله ﷾ أخبر بقوله: (كل) عن الأغلب والأعم، كما في قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥]، هذا يدل على أن مساكنهم لم تدمر، مع أنه قال: (كل شيء) وهكذا.","vol":"11","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>كيفية معاملة أهل البدع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول: كثيرًا ما نسمع من حديثكم عن الفرق أنهم كانوا يريدون بكلامهم هذا تنزيه الله، فوقعوا فيما وقعوا فيه، فكيف يعاملون من قبل الناس؟ بل كيف يعاملهم الله؟ هل على نياتهم أم على ما اقترفوا وأضلوا به الناس؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أما كيف يعاملهم الناس؟ فمعاملتهم هي كمعاملة أهل البدع، بحسب بدعهم؛ لأن البدع تنقسم إلى قسمين: بدع مكفرة، وبدع غير مكفرة، فالتي أصحابها يتبنون البدع المكفرة هؤلاء لا شك أنهم ضلال منحرفون، يجب الرد عليهم، ولا يجوز الصلاة خلفهم، ولا يتعامل معهم بتعامل المسلمين.\nوأما أصحاب البدع غير المكفرة وهم الذين عندهم تأول أو تشوبهم شائبة التأول، فمثل هؤلاء يرد عليهم ويبين باطلهم، ويضللون ويبين انحرافهم، لكن يعاملون معاملة المسلمين إلا إذا بان كفر أحدهم، وإلا يعامل معاملة المسلمين.\nوأما مسألة الصلاة خلف أحدهم، أو هجرانه فهذه مبنية على قاعدة من قواعد الشرع، وهي قاعدة: المصالح والمفاسد، فإذا كانت هناك مصلحة من هجرانه، أو ترك السلام عليه أو ترك الصلاة خلفه، أو نحو ذلك فيعملها الإنسان لصالح المسلمين، وإن لم يكن هناك مصلحة في ذلك فلا تعمل، وتبقى له حقوق المسلمين.","vol":"11","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>القرآن صفة من صفات الله ﷿</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف يكون القرآن صفة من صفاته سبحانه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  القرآن مصدر قرأ، وهو من القراءة، وهو كلام الله ﷿، وكلام الله صفة من صفاته، فمن هنا كان القرآن صفة من صفاته.","vol":"11","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>تكلم الله ﷿ في أمره بالكوارث والزلازل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  حدوث الكوارث والزلازل حاليًا هل تكلم الله بها حاليًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  تقصد: هل أمر الله بها؟ إن قصدت ذلك فنعم أمر الله ﷿ بها، فإنه يأمر في كل وقت بما يشاء، ولهذا يكون له كلام الآن، وقد كان له كلام من قبل، وسيتكلم يوم القيامة، وقوله لآدم: (يا آدم! قال: لبيك، قال: أخرج بعث النار)، هذا لم يكن الآن، ولم يكن سابقًا، وإنما سيكون يوم القيامة.","vol":"11","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>العقيدة الواسطية [١٢]</span>\nتضمنت أحاديث النبي ﷺ بيان جملة من أمور العقيدة، في عدة من متواتر الأخبار وآحادها، وكل ذلك مما يجب اعتقاده والإيمان به دون تفريق بين متواتره وآحاده؛ خلافًا لنابتة الضلالة المعتقدة عدم حجية السنة مطلقًا أو عدم حجية آحادها في باب العقائد، ومن جملة ما ثبت عنه ﷺ في ذلك إخباره عن صفة نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا، وعن صفة الفرح وصفة الضحك وصفة العجب وغير ذلك من صفات الله ﷾.","vol":"12","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>ذكر مجمل الأقوال في صفة الكلام</span>\nالحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين.\nأما بعد: في الدرس الماضي تحدثنا عن صفة الكلام لله ﷿، وبينا قول أهل السنة، وأن الله ﷿ يتكلم بصوت وحرف، وبينا الدليل على صفة الكلام، وبينا الدليل على أن الله ﷾ يتكلم بحرف وأنه يتكلم بصوت، وقلنا: إن معنى الكلام في لغة العرب وعند أهل السنة: هو المعنى والصوت والحرف جميعًا فهو مجموع المعنى واللفظ، وأما الأشاعرة فإنهم يعتبرون الكلام هو: المعنى فقط.\nوأما المعتزلة فإنهم يعتبرون الكلام هو: اللفظ فقط.\nوبناء على هذا الاختلاف في معنى الكلام اختلفوا في تحديد كلام الله ﷿، فالأشاعرة قالوا: إن الكلام هو: معنى قائم بالنفس قديم أزلي ليس بصوت ولا حرف.\nوالمعتزلة قالوا: إن الكلام ليس صفة ثبوتية لله ﷿، وإنما هو خلق الله ﷿، والله يخلق كلامًا في الهواء أو في الشجر أو في نحو ذلك فيسمى كلامًا، ويكون إضافة الكلام إلى الله ﷿ بهذا الاعتبار عند المعتزلة إضافة تشريف كقولهم: بيت الله، وناقة الله، ونحو ذلك.\nوأما أهل السنة فإنهم قالوا: إن صفة الكلام صفة قائمة بالله ﷿ ثابتة له معنى ولفظًا.\nفهو ﷾ يتكلم بصوت، وله صوت يليق بجلاله، ويتكلم بحرف، وهذه الحروف الموجودة في القرآن هي كلام الله ﷿، وأما قراءة الإنسان نفسه للقرآن فمخلوقة؛ لأنه هو مخلوق، ولكن القرآن الموجود هو من كلام الله؛ لأن الكلام ينسب إلى من قاله أولًا، فأنت مثلًا تقرأ كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وتقول: قال شيخ الإسلام وتقول: هذا كلام شيخ الإسلام.\nمع أن الذي يتكلم به في اللحظة نفسها هو أنت؛ لأن الكلام ينسب إلى قائله أولًا.","vol":"12","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>صفة الكلام صفة اختيارية</span>\nوصفة الكلام من الصفات الاختيارية المتعلقة بمشيئة الله ﷿، فهو يتكلم متى شاء، وكيف شاء، وفي أي وقت شاء، وكلامه ﷾ يكون شيئًا بعد شيء، فهو ﷾ يتكلم الآن، وفي الأيام القادمة، وفي يوم القيامة، وعندما يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، وهذه أمور في المستقبل، وهو ﷾ يتكلم ويسكت فيتكلم إذا شاء، ويسكت إذا شاء.","vol":"12","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>الأدلة على ثبوت صفة السكوت لله تعالى</span>\nوالسكوت صفة ثابتة لله ﷿ ومعناها: عدم التكلم، والدليل عليها ما ثبت عن النبي ﷺ من قوله: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو).\nوأيضًا ثبت عنه في حديث آخر ﷺ أنه قال: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها).\nوالسكوت كما يقول العلماء: نوعان: سكوت عن التكلم، بمعنى: عدم التكلم، وسكوت عن إظهار الكلام، يعني: قد يتكلم ولكن لا يظهر كلامه، ويدل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ عندما قال للنبي ﷺ: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله! أرأيت سكوتك بعد التكبير وقبل القراءة ماذا تقول؟) فسماه قولًا مع كونه سكوتًا، وهو سكوت بالنسبة له؛ لأنه لا يسمع شيئًا من كلامه، بينما هو يتكلم في واقع الأمر، فأخبره بدعاء الاستفتاح المعروف.\nوهناك كتب صنفت في هذا الموضوع لشيخ الإسلام ابن تيمية، منها: كتاب التسعينية، وسمي التسعينية؛ لأنه رد على الأشاعرة بما يقارب تسعين وجهًا في موضوع الكلام النفسي.","vol":"12","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>أدلة الأشاعرة على أن كلام الله نفسي والرد عليهم</span>\nوقد استدل الأشاعرة على قولهم: بأن كلام الله كلام نفسي وليس بحرف وصوت: بحديث عمر بن الخطاب ﵁ عندما ذهب هو وأبو بكر الصديق إلى سقيفة بني ساعدة فقال عمر: زورت في نفسي كلامًا.\nقالوا: فهذا يدل على أن الكلام كلام نفسي، وأن الكلام النفسي وهو: ما يدور في النفس يسمى كلامًا، ومن هنا لم ينسبوا إلى الله الحرف والصوت وقالوا: إن الكلام كلام نفسي.\nوهذا باطل.\nوهذا النص ورد فيه تقييد الكلام بالنفس، ولم يرد فيه العموم ولا إطلاق الكلام بشكل عام وإرادة الكلام النفسي.\nهذا من جهة.\nومن جهة أخرى: فإنه فرق بين ما دار في نفسه وبين الكلام، ولو أن أحدًا قال لـ عمر: فهل تكلمت؟ لقال: لا.\nيعني أنه لما قال: زورت في نفسي كلامًا، لو قيل له: فهل تكلمت؟ ولو كان كلامًا لقال: نعم، تكلمت في نفسي.\nولكن من المعلوم أنه سيقول: لم أتكلم؛ لان الكلام إذا أطلق لا يمكن أن يكون معناه الكلام النفسي؛ ولهذا ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله عفا عن أمتي أو إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت بها نفوسها ما لم تتكلم أو تعمل)، ففرق بين حديث النفس وبين الكلام، ودل هذا على أن حديث النفس ليس كلامًا.\nواستدلوا كذلك بقول الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا ولا شك أن هذا أيضًا باطل.\nوقد أبطل شيخ الإسلام الكلام النفسي في ذاته، وقال لهم: ماذا تعنون بالكلام النفسي؟ فإن الكلام النفسي إن كان خبرًا فهو صفة العلم، وإن كان أمرًا ونهيًا وإنشاء فهو صفة الإرادة، فليس هناك إذًا شيء يستطيعون أن يقولوا أنه صفة جديدة -غير العلم والإرادة- يسمى الكلام النفسي، فدل هذا على أن هذه الصفة التي نسبوها إلى الله غير صحيحة، إلا إذا أثبتوها بالطريقة الشرعية الصحيحة.\nوهناك كتاب آخر لـ شيخ الإسلام في صفة الكلام بعنوان: المسألة المصرية في القرآن، وهذه فتوى أصلًا، وليست رسالة مستقلة وكتاب السبعينية غير كتاب التسعينية؛ لأن السبعينية في الرد على الملاحدة والفلاسفة، وتسمى بغية المرتاد في الرد على ابن سبعين وابن سبعين هذا صوفي كبير جلس في غار حراء شهرًا ينتظر الوحي، فلم يحصل له؛ لأنه كان على مذهب الفلاسفة الذين يعتقدون أن الوحي اكتساب يكتسب.\nوله كتاب: الكيلانية، وهي في موضوع الكلام النفسي.","vol":"12","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>وجوب الإيمان بما ثبت في السنة من أخبار الصفات</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: ثم في سنة رسول الله ﷺ؛ فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه، وما وصف الرسول به ربه ﷿ من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك].\nهنا شرع الشيخ في بيان أحاديث الصفات، فقال: (ثم في سنة رسول الله ﷺ؛ فالسنة تفسر القرآن وتبينه) فقوله: (فالسنة تفسر القرآن وتبينه)، فيه إشارة إلى الآية التي في سورة النحل المشهورة، وهي قول الله ﷿: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤].\nفالسنة مبينة للقرآن، وهي تشرح القرآن ومعانيه، وتبين المجمل فيه وتخصص عمومه، وتقيد إطلاقه، وتوضح ما أجمل فيه بشكل مفصل فهي مصدر من مصادر التشريع، ومصدر من مصادر العقيدة.","vol":"12","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>المنحرفون في اتباع السنة من القرآنيين والمتكلمين</span>\nثم نبتت نابتة في القرون المتأخرة ادعت أن السنة جميعًا المتواتر منها والآحاد ليس فيها حجة كافية، سواء في العقائد أو في الأحكام، وهؤلاء هم الذين سموا أنفسهم بالقرآنيين.\nوهؤلاء القرآنيون الذين انتسبوا إلى القرآن يقولون: إنه لا حجة في السنة، فإذا استدللت عليهم بدليل في السنة لم يقروا به ولم يعترفوا به ولو كان حديثًا متواترًا، ولا شك أن هذا انحراف عظيم عن منهج أهل الإسلام، وعن منهج النبي ﷺ وأصحابه.\nفالسنة مصدر من مصادر التشريع يجب الإيمان بها، وأخذها جميعًا، وهي تبين وتفصل وتؤسس، ومعنى أنها: تبين وتفصل، يعني: أنه قد يأتي مجمل في القرآن، كقول الله ﷿: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فتأتي السنة وتبين هذا المجمل الذي هو في قوله: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ)، فبين النبي ﷺ أن الصلاة خمس صلوات في اليوم والليلة، وبين عدد ركوعها وكيفية الصلاة فيها، وقوله: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) بين النبي ﷺ الأموال الزكوية، وأنصبتها جميعًا، وكيفية استخراج الزكاة منها.\nوالحقيقة أن الذين ينكرون السنة يريدون هدم الدين.\nوالسبب في ذلك: هو أن أغلب النصوص الشرعية التي تفصل أحكام القرآن جميعًا في السنة.\nوالقرآن أمر باتباع السنة، وهذه قضية مهمة وكثير من المبتدعة الضلال منهجهم منهج منحرف وكفري في الحقيقة.\nفهؤلاء الذين يقولون: نحن لا نحتج إلا بالقرآن، نقول لهم: قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].\nفاعملوا إذن بالسنة كما أمر القرآن.\nوالله ﷿ يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، ويقول الله ﷿: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، والرد إلى سنته بعد وفاته.\nفالعمل بالسنة واجب شرعي، ولا يردها إلا منحرف ضال.\nوممن انحرف في عدم اتباع السنة أهل الكلام، فإنهم قالوا: إن العقيدة لا تبنى إلا على العقل، يعني: أن العقيدة يقين ولا تبنى إلا على العقل، وأما القرآن والسنة فقالوا عنها: إن دلالات الألفاظ الواردة فيهما لا تفيد اليقين الجازم، وبالتالي لا يستدل بها على العقائد.\nفأغلقوا على أنفسهم باب الهداية من كلام الله وكلام رسوله، نسأل الله السلامة والعافية.\nومصدر التلقي عند أهل السنة: القرآن والسنة، سواء كانت متواتر أو آحادًا والسنة المتواترة هي: التي نقلها جمع عن جمع يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، وأسندوها إلى شيء محسوس، وهذا المتواتر يفيد اليقين، والمقصود بالجمع هنا: العدد الكثير، سواء كانوا عشرة أو مائة أو مائتين أو ألفًا أو ألفين، عن جمع يعني: عن مثلهم، وأسندوه إلى شيء محسوس، يعني: أسندوه إلى شيء محدد، فمثلًا: القرآن متواتر؛ لأنه نقله جمع كبير من الصحابة أعدادهم بالآلاف، ونقله عنهم جمع من التابعين أعدادهم بالآلاف، ونقله كذلك جمع كبير جدًا عن هؤلاء، وكلهم ينسبون هذا القرآن إلى رسول الله ﷺ، وأنه جاء به من عند الله ﷿، وحينئذ فالقرآن لا مرية فيه ولا شك فيه.","vol":"12","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>بيان نوعي السنة من حيث التواتر والآحاد</span>\nوأما السنة المروية عن الرسول ﷺ فهي على نوعين: نوع رواه جمع عن جمع يستحيل في العادة تواطئهم على الكذب، وأسندوه إلى كلام الرسول، وإلى شيء محسوس، وهذا القيد في قوله: أسندوه إلى شيء محسوس مهم؛ لأنه قد يجتمع جمع كثير عن جمع كثير ولكنهم يسندوه إلى قضايا غيبية أو إيمانية مثلًا، كاجتماع النصارى مثلًا على التثليث، واجتماع اليهود مثلًا على أن عزيرًا ابن الله، واجتماع الهندوس مثلًا على زرادشت، فهذا لا يدل على أن كلامهم حق، وإنما يدل على أن النصارى فعلًا يقولون: أن عيسى ابن الله، وأن اليهود يقولون: عزيرًا ابن الله ولا يدل على أنه حق والتواتر يفيد العلم اليقيني.\nوأما الآحاد فهو: ما ينقله أقل من هؤلاء الجمع، يعني: ما ينقله واحد عن واحد، أو ما ينقله اثنان عن اثنين، أو ما ينقله ثلاثة عن ثلاثة، أو أربعة عن أربعة، أي: أن العدد فيه يكون أقل من العدد المتواتر، فيسمونه متواترًا.","vol":"12","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>الأدلة القرآنية على قبول خبر الآحاد في العقائد والأحكام</span>\nوالآحاد مقبول عند أهل السنة في مسائل العقائد وفي مسائل الأحكام، والدليل على أن الآحاد مقبول في مسائل العقائد ومسائل الأحكام كثيرة جدًا، وممن تحدث عن هذا الموضوع الإمام الشافعي ﵀ في كتابه الرسالة، وقد ذكر فيها الأدلة الدالة على قبول أخبار الآحاد.\nوالأدلة على أن أخبار الآحاد مقبولة كثيرة في القرآن والسنة، وقد أفرد لها البخاري ﵀ في صحيحه كتابًا خاصًا سماه: كتاب أخبار الآحاد، واستدل على قبول أخبار الآحاد بالقرآن والسنة.\nفأما القرآن فاستدل بقول الله ﷿: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢]، فهذه الآية تدل على أن خبر الآحاد مقبول، ووجه الدلالة أنه قال: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ [التوبة:١٢٢] والفرقة هي الجماعة من الناس.\nوقوله: ﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٢٢]، يعني: يخبروا قومهم بالنذارة التي عرفوها من التفقه.\nوهذا يدل على أن قولهم مقبول.\nوالطائفة يصح لغة أن تطلق على الشخص الواحد، فلو نفر شخص واحد من مجموعة وتفقه في الدين ثم جاءهم وأخبرهم بشرع الله ﷿ لوجب قبوله، وهذا هو منطوق الآية، وهو ظاهر الآية.\nويدل على أن الطائفة تطلق على الشخص الواحد، قول الله ﷾: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] وهي تصح في اقتتال اثنين فقط، بل إنها كما يقول بعض المفسرين: نزلت في مقاتلة وقعت بين اثنين من المسلمين، فيسمى كل واحد طائفة لغة.","vol":"12","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>الأدلة من السنة على قبول خبر الآحاد في العقائد والأحكام</span>\nومما يدل كذلك على أن أحاديث الآحاد مقبولة في العقائد والأحكام: حديث عمر الثابت في صحيح البخاري، وقد رواه البخاري في كتاب أخبار الآحاد، أنه كان له صاحب وكانوا عند أحد، وكان ينزل هو يومًا ويأتيه بما أخبر به رسول الله ﷺ، وينزل صاحبه يومًا ويأتيه بما أخبر به الرسول ﷺ، وهذا يدل على أنه يقبل خبر الآحاد.\nوقد أرسل النبي ﷺ معاذًا إلى اليمن وقال: (إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدًا رسول الله)، وشهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدًا رسول الله من العقيدة، ولم يشترط أهل اليمن في أن يكون الناقل لكلام الرسول ﷺ جمع غفير، وإنما كفاهم واحد.\nوقد أرسل النبي ﷺ عددًا من أصحابه إلى الملوك: فقد أرسل دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل، وأرسل عمرو بن أمية الضمري إلى المقوقس صاحب مصر، وأرسل غيره إلى كسرى وقد أرسل كل واحد منهم منفردًا، وكان مع كل أحد منهم كتاب من الرسول ﷺ.\nفاشتراط التواتر في أخبار العقائد مردود، ولا صحة له أبدًا؛ لأنه لو كان يشترط التواتر لأرسل النبي ﷺ إلى كل حاكم من هؤلاء الحكام عددًا كثيرًا، وكل واحد منهم يقول: نشهد أن الرسول ﷺ يقول كذا ويقول كذا، ولو كان خبر الآحاد لا يقبل في العقائد لصح لأهل اليمن أن يقولوا عندما جاءهم معاذ: لا نقبل قولك، فدع الرسول ﷺ يرسل لنا عددًا متواترًا.\nفالقول بعدم قبول أحاديث الآحاد في الحقيقة منع لأحكام الدين، ورد لها، ومن الأمور المتفق عليها والتي أجمع عليها أهل السنة والجماعة: أن أخبار الآحاد تفيد العلم، وأنها مقبولة في الأحكام، ومقبولة كذلك في العقائد.\nوقد انحرف أهل الكلام من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة فقالوا: إن أخبار الآحاد لا تقبل في العقيدة، فإذا استدللت عليهم مثلًا بحديث النزول: (ينزل ربنا)، قالوا: لا نقبل هذا الحديث؛ لأنه من أخبار الآحاد، مع أنه حديث ثابت في الصحيحين، وهكذا يفعلون في كل الأحاديث التي هي في صفات الله في الصحيحين فيردونها جميعًا، ويقولون: إنها غير مقبولة؛ لأنها أحاديث آحاد.","vol":"12","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>نقد تعليلات الرازي لعدم قبوله لأحاديث الآحاد في باب العقائد</span>\nوقد تكلم الرازي في كتابه أساس التقديس -وهو من الأشاعرة- عن مسألة أخبار الآحاد وقال: إنها غير مقبولة في العقيدة، وعلل لذلك بتعليلات يقشعر لها جلد المسلم، فقال: إن أخبار الآحاد لا تقبل في العقيدة، لأن الثقة -أولًا- مرتفعة عن الصحابة؛ لأنهم تقاتلوا فيما بينهم، وكل شخص منهم قتل الثاني.\nقال: والسبب الثاني: هو أن الزنادقة وضعوا أحاديث، ولسلامة قلوب المحدثين -يعني: لغفلتهم- قبلوها وزعم أن أحاديث البخاري ومسلم فيها أحاديث من وضع الزنادقة، وهذا لجهله.\nوزعم أمورًا أخرى لا أستحل نقلها.\nوالسبب في الوصول إلى هذا المستوى المنحط في التعامل مع سنة النبي ﷺ؛ هو عدم تقدير الرسول ﷺ، وهم لا يرجون لله وقارًا في الحقيقة، لو كانوا يرجون لله وقارًا لما عللوا بهذه التعليلات الفاسدة الباطلة، في الوقت الذي يقبلون فيه كلام الأخطل في قوله: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا فقبل قول الأخطل وهو نصراني، ولم يثبت عنه، ولم ينقل نقلًا متواترًا، وهو مخالف للغة، وفيه روايات متعددة، فقبل كلامه لأنه يوافق هواه، ورد أحاديث الرسول ﷺ؛ لأنها لم توافق هواه، وهذا هو الضلال بعينه.\nوهكذا الإنسان إذا اشرب قلبه بالبدعة يصل إلى هذه الطريقة ويتخبط ويضل وينحرف ويقول المقالات العظيمة المخالفة لشرع الله التي هي في بعض الأحيان قد تخرجه من الدين، والعياذ بالله.\nولهذا فلنحذر غاية الحذر من الهوى الذي يصل بالإنسان إلى هذه الطريقة وإلى هذا المستوى المنحط، وهذا من مصادر الاستدلال التي يخالفنا فيها الأشاعرة، فكيف يقول مثلًا الدكتور يوسف القرضاوي وغيره -من الذين لا يعرفون حقيقة الخلاف بين أهل السنة الأشاعرة-: إن الأشاعرة من أهل السنة؟! وكيف يكونون من أهل السنة وهم يخالفوننا في الأدلة؟! فنحن نعتبر أخبار الآحاد أدلة صحيحة عن العقيدة وهم لا يعتبرونها، فكل أحاديث الصحيحين غير مقبولة عندهم في العقيدة، وكذلك بقية أحاديث الكتب الستة غير مقبولة في العقيدة عندهم، فالخلاف بيننا وبينهم خلاف منهجي وجذري، وليس خلافًا سطحيًا وبسيطًا كما يظن بعض هؤلاء الذين لم يتعلموا العلم من أصوله الصحيحة، ولم يدركوا هذه المسائل، وإنما أخذوها بشكل عاطفي، مثل: الدكتور القرضاوي وغيره من الذين يقولون: إن الأشاعرة من أهل السنة، فهم لم يدرسوا كتب الأشاعرة ولا يعرفونها، ولا يعرفون الخلاف بين أهل السنة والأشاعرة، ولا يدركون ما هو، ولم يقرءوا كتب ابن تيمية ﵀، ولا كتب السلف السابقين، ولم يدرسوا العلم دراسة تفصيلية، وإنما درسوا دراسات سطحية، ثم يتربعون على عرش الإفتاء والتوجيه للناس، ويأتون بهذه المقالات العجيبة الغريبة، مع أن الخلاف بيننا وبين الأشاعرة خلاف جذري كما نلاحظ في مصادر الاستدلال، وفي منطلقات الإنسان في معرفته لصفات الله ﷿ ولأسمائه ولأحكام العقيدة.\nفإذًا: أخبار الآحاد مقبولة، ومن أراد الأدلة على ذلك فليراجع كتاب أخبار الآحاد من صحيح البخاري ففيه عشرون حديثًا استدل بها البخاري ﵀ على قبول أخبار الآحاد وعدم ردها.\nوأن ردها من البدع المنحرفة.","vol":"12","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>ذكر بعض أحاديث الصفات</span>","vol":"12","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>حديث صفة النزول إلى السماء الدنيا</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن ذلك مثل قوله ﷺ: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) متفق عليه].\nهذا هو حديث النزول، وقد شرحه شيخ الإسلام ابن تيمية شرحًا طويلًا، وهو مطبوع ضمن مجموع الفتاوى التي جمعها الشيخ ابن قاسم، وطبع مستقلًا بتحقيق الخميس، وهو شرح عظيم طويل، أكثر فيه من الحديث عن الصفات الاختيارية والخلاف فيها.","vol":"12","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>حديث صفة الفرح</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله ﷺ: (لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته)، الحديث متفق عليه].\nوهذا حديث طويل، وتكملته: (لله أشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن التائب من أحدكم ضلت عنه راحلته وهو في أرض فلاة، فنام تحت شجرة وهو يظن الهلاك، فلما قام وجدها بين يديه، فقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)، وهو حديث يدل على إثبات صفة الفرح لله ﷿.\nوصفة النزول صفة فعلية اختيارية، وكذلك صفة الفرح صفة فعلية اختيارية، وقد وردت صفة الفرح باسم آخر، وهي: البشبشة، فقد ثبت عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم)، وهو حديث صحيح رواه ابن ماجة في سننه، والإمام أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه وصححه ووافقه الذهبي، وكذلك رواه ابن خزيمة، وصححه الشيخ الألباني، وهذا اللفظ هو لفظ ابن ماجة ﵀، ورواه الإمام أحمد في مسنده بلفظ آخر: (لا يتوضأ أحدكم فيحسن الوضوء)، إلى آخر الحديث، (إلا تبشبش الله له) وهذا الحديث صححه الأستاذ أحمد شاكر رحمه الله تعالى.","vol":"12","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>حديث صفة الضحك</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله ﷺ: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة) متفق عليه].\nوهذا قد ورد مفسرًا في نفس الحديث، فإنه قال: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل ثم يتوب، -يعني: القاتل- ثم يقتل في سبيل الله)، يعني: يلتقي المسلمون والكفار فيقتل رجل من الكفار رجلًا من المسلمين ثم يسلم هذا الكافر ثم يقاتل في سبيل الله ويقتل، فيجتمعان في الجنة القاتل والمقتول، فيقول النبي ﷺ: (يضحك الله إلى رجلين)، ففي هذا إثبات صفة الضحك لله، وهي صفة فعلية ثابتة لله ﷿ كما يليق بجلاله، وقد بوب في إثبات الضحك ابن خزيمة ﵀ في كتاب التوحيد والآجري في كتاب الشريعة، وابن أبي عاصم في كتاب السنة.","vol":"12","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>حديث صفة العجب</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب) حديث حسن].\nوهذا الحديث في إثبات صفة العجب لله ﷿.\nوالصفات السابقة: صفة النزول، وصفة الفرح، وصفة الضحك وردت في السنة ولم تأت في القرآن، إلا أن صفة النزول تدل عليها صفة المجيء والإتيان في القرآن؛ لأن الله ﷿ يجيء ويأتي يوم القيامة للناس وهم في المحشر، والمحشر يكون في الأرض ويكون موطنهم بلاد الشام، فهي تدل على صفة النزول، ولكن لفظ النزول لم يأت في القرآن.\nوأما صفة الفرح فلم ترد إلا في السنة، وصفة الضحك كذلك لم ترد إلا في السنة، وأما صفة العجب فقد وردت في القرآن في آيتين، الآية الأولى: هي قول الله ﷿: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢]، قرأها حمزة والكسائي وقراء الكوفة: (بل عجبتُ) بالضم على أنها تاء المتكلم، (ويسخرون) وقرأها بقية القراء: (بل عجبتَ ويسخرون)، ولما تغيرت الحركة تغير المعنى في القراءتين، فعلى قراءة: (بل عجبتُ) على أنها تاء المتكلم يكون العجب صفة لله ﷿، وقراءة: (بل عجبتَ) على أنها تاء المخاطب تكون صفة العجب للرسول ﷺ، وكلاهما قراءتان ثابتتان ومعنيان صحيحان ثابتان، وأيضًا يدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد:٥].\nفقوله: «وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ»، فسرها قتادة كما روى ابن جرير الطبري في تفسيره، بأن قال: «وَإِنْ تَعْجَبْ» يعني: أنت يا محمد! «فَعَجَبٌ»، يعني: فعجب الرحمن من قولهم.\nوأيضًا هذا الحديث الذي هو قوله: (عجب ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره) وهو قطعة من حديث طويل لـ أبي رزين، والحديث الطويل.\nوقد اختلف العلماء في صحته فقد رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن أبي عاصم في السنة، وضعفه الشيخ ناصر الألباني رحمه الله تعالى.\nوثبت في صحيح البخاري: أن النبي ﷺ قال: (عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل)، يعني: يجرون إلى الجنة جرًا، وهذا ثابت في الصحيح.\nفصفة العجب ثابتة لله بالقرآن وبالسنة، ولأن المصنف لم يورد إلا هذا الحديث؛ أشكل هذا عند بعض الناس في صفة العجب، والصحيح: أنها ثابتة لله ﷾ بالقرآن وبصحيح السنة، حتى لو لم يثبت حديث أبي رزين المشهور، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يحسن هذا الحديث، فإنه قال عنه: حديث حسن.","vol":"12","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>حديث صفة القدم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله ﷺ: (لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها رجله)، وفي رواية: (عليها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط قط) متفق عليه].\nوقط قط معناها: حسبي حسبي، يعني: يكفيني.\nوالقدم صفة ذاتية ثابتة لله ﷾، وهما قدمان، كما ثبت أن الكرسي موضع قدمي الرب.","vol":"12","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>حديث إثبات الصوت لله تعالى</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (يقول تعالى: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك.\nفينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار) متفق عليه.\nوقوله: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه وليس بينه وبينه ترجمان)].\nوهذان الحديثان في صفة الكلام، وحديث: (يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك! فينادي بصوت)، فيه: إثبات الصوت لله ﷿ كما يليق بجلاله، وقد ورد في بعض الأحاديث: (أن الصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب).","vol":"12","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>العقيدة الواسطية [١٣]</span>\nمن جملة ما يعتقده أهل السنة والجماعة ويسألون ربهم أن يمن به عليهم رؤية الله ﵎ يوم القيامة، وهي مسألة عقدية نطق بإثباتها صريح الكتاب ومتواتر السنة، وأينعت ثمار الإيمان بها في قلوب الموحدين، وصنف فيها الأئمة والعلماء وكتبوا، وضل عن الإيمان بها منكروها من المعتزلة ومن وافقهم، مستمسكين بالواهي من استنتاجات العقول التي لا يجوز نصبها خصمًا لأدلة الشرع الصريحة الصحيحة.","vol":"13","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>إثبات رؤية الله ﷿ يوم القيامة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.\nأما بعد: فموضوع رؤية الله ﷾ يوم القيامة فيه مسائل: مسألة رؤية المؤمنين لربهم ﷾ يوم القيامة، وهي أطول مسألة في هذا الموضوع.\nومسألة رؤية الله ﷿ يوم القيامة، يعني: قبل دخول الجنة.\nومسألة هل الكفار والمنافقين يرون الله ﷿ في عرصات القيامة أم لا يرونه؟ ومسألة رؤية النساء لله ﷿؟ ومسألة رؤية الله ﷿ في الدنيا؟ ورؤية الله في المنام، ونحو ذلك من المسائل.\nقال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣]، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥].\nوهذا الباب في كتاب الله كثير.\nمن تدبر القرآن طالبًا للهدى منه تبين له طريق الحق].\nهذه جملة من الآيات التي ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى للاستدلال على رؤية الله ﷿ يوم القيامة.","vol":"13","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>طرق العلماء في الكلام على صفة الرؤية في مصنفاتهم</span>\nوموضوع الرؤية تحدث عنه العلماء في مصنفاتهم بطريقتين: الطريقة الأولى: أن يفردوا له مصنفًا خاصًا ويكون هذا المصنف جميعه في باب الرؤية.\nوالطريقة الثانية: أن يتكلموا عن موضوع رؤية الله ﷾ ضمن باب من أبوب متعددة في العقيدة.\nوموضوع الرؤية يوجد في كل كتب الاعتقاد، سواءً القديمة أو المتأخرة مثل: الشريعة للآجري، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، والسنة لـ عبد الله بن الإمام أحمد، وغيرها من مصنفات العقيدة القديمة الطويلة، وكذلك كتب العقيدة المتأخرة مثل هذا الكتاب، ومثل: لمعة الاعتقاد، وغيرها من كتب العقيدة، فكلها يوجد فيها فصل أو باب في الحديث عن رؤية الله ﷿.\nوأما الكتب التي أفردت موضوع الرؤية بالتصنيف فهي: كتاب الرؤية للإمام أحمد ﵀.\nذكر ذلك ابنه عبد الله في كتابه السنة، وأنه قرأه عليه، غير أنني لم أجد هذا الكتاب ولم أطلع عليه لا مخطوطًا ولا مطبوعًا.\nوالكتاب الثاني هو: كتاب الرؤية لـ ابن أبي داود السجستاني، وهذا الكتاب أيضًا لا أعلم وجوده، وولكن يذكره أهل العلم، ونقل ابن القيم ﵀ في حادي الأرواح، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى عن هذا الكتاب.\nوكتاب: رؤية الله ﵎ لـ ابن النحاس، وابن النحاس هذا توفي في سنة ٤١٦، وهذا الكتاب طبع في الهند في الدار العلمية في لاهو بتحقيق محفوظ السلفي.\nوالكتاب الرابع: الرؤية لـ ابن الأعرابي.\nوهذا الكتاب مخطوط، وتوجد منه نسخة في المكتبة الظاهرية في دمشق.\nوالكتاب الخامس: كتاب التصديق بالنظر إلى الله ﵎ في الآخرة للآجري.\nوهذا الكتاب طبع بهذا العنوان مستقلًا.\nوهو في الحقيقة جزء من كتاب الشريعة للآجري، وقد طبع كتاب الشريعة في بداية الأمر بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي في جزء واحد صغير، ثم طبع بعد ذلك في ستة أجزاء بتحقيق الدكتور عبد الله الدميجي، وقد ذكر وحقق أن هذه الرسالة جزء من الشريعة للآجري.\nوكذلك لـ أبي نعيم كتاب في الرؤية.\nذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ولم أطلع عليه.\nوأيضًا للبيهقي ﵀: كتاب في الرؤية.\nذكره الذهبي في ترجمته في تذكرة الحفاظ.\nوأيضًا لم أطلع على هذا الكتاب مخطوطًا ولا مطبوعًا.\nومن أكبر الكتب في الرؤية: كتاب الرؤية للدارقطني ﵀، وقد صنفه على طريقة المحدثين، وذكر فيه ٢٨٦ رواية تقريبًا بالمكرر.\nوقد بحث شيخ الإسلام ﵀ موضوع الرؤية في أماكن متعددة من كتبه ورسائله، وتكلم عن موضوع الرؤية ابن القيم ﵀ كلامًا طويلًا في كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، وقد أطال الكلام في موضوع رؤية الله ﷿، وفصّل فيها كثيرًا، رحمه الله تعالى.","vol":"13","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>الأدلة من القرآن على رؤية الله يوم القيامة</span>","vol":"13","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>آية سورة القيامة</span>\nوهذه الأدلة التي ذكرها الشيخ هي قول الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] فالأولى ناضره بالضاد بدون ألف، والثانية بالظاء بألف، فقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢]، من النضرة، وهي: البهاء والجمال.\n﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] والمقصود بالنظر هنا نظر العين، وذلك: أن مادة (نظر) إما أن تتعدى بنفسها، وإذا تعدت بنفسها فإنها تكون حينئذ بمعنى: الانتظار، كقول الله ﷿: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣]، وكقوله تعالى: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس:٤٩]، وكقوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:٣٥].\nوالفعل ينقسم إلى قسمين: لازم، ومتعد.\nوالفعل اللازم هو: الذي يكتفي بفاعله.\nوالفعل المتعدي هو: الذي يطلب مفعولًا.\nوالفعل المتعدي ينقسم إلى قسمين: متعد بنفسه، وهو: الذي يطلب المفعول بنفسه، بدون صلة.\nمتعد بصلة، وهو: الذي يتعدى إلى مفعوله بحرف من حروف الجر.\nفإذا تعدى الفعل (نظر) بنفسه فيكون النظر بمعنى: الانتظار، كما في قوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣]، أي: انتظرونا، وقوله: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً﴾ [يس:٤٩]، يعني: ما ينتظرون إلا صيحة، وقوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:٣٥]، يعني: منتظرة بم يرجع المرسلون.\nوإذا تعدى فإما أن يتعدى بحرف (في)، وإما أن يتعدى بحرف (إلى)، فإذا تعدى بحرف (في) فيكون معنى النظر: التفكر والاعتبار والاتعاظ، كقول الله ﷿: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥]، يعني: أولم يعتبروا ويتفكروا في ملكوت السماوات والأرض.\nوأما إذا تعدت (بإلى) فإنها تكون نصًا في الرؤية بالعين، كقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧]، وكيفية النظر إلى خلق الإبل لا يتم إلا إذا نظر الإنسان إليها بعينه، وكذلك قوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام:٩٩]، يعني: انظروا بأعينكم، وكقوله أيضًا في قصة الرجل الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه: ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة:٢٥٩]، ومعنى النظر هنا: النظر بالعين.\nويزيد التأكيد على أن النظر في هذه الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] بالعين هو: أن النظر جاء متعديًا (بإلى)، وهو نص في رؤية العين، ثم إنه أضيف إلى الوجه، وليس في الوجه ما يمكن أن ينظر به إلا العين، فعلم من هذا أن قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، يعني: إلى ربها ناظرة بعيونها.\nفالمؤمنون يرون الله ﷿ يوم القيامة بعيونهم التي في رؤوسهم.\nوبعض المبتدعة يقول: إن النظر في هذه الآية معناه: الإدراك العقلي والشعور النفسي والفكري فقط، وأنه لا يمكن أن يرى الله ﷿ بالعين التي في الرأس مع هذه التأكيدات التي تدل على أن الآية المقصود بها النظر بالعين التي تكون في الرأس.","vol":"13","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>آية سورة المطففين</span>\nثم قوله تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣]، هذه الآية ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مستدلًا بها على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.\nوأكثر المفسرين إذا جاءوا إلى هذه الآية: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣]، يقولون: ينظرون إلى ما أعطاهم الله ﷿ من النعم والبهاء والخير.\nوقال بعض المفسرين: ينظرون إلى أهل النار وهم يعذبون في النار، فيزدادون بهذا فرحًا إلى فرحهم، بأنهم ليسوا من هؤلاء، وأن الله ﷿ قد أنعم عليهم بهذه الجنة.\nوذكر ابن كثير ﵀ زيادة على ذلك: أنهم ينظرون إلى الله ﷿، فيكون الاستدلال بهذه الآية من جهة العموم؛ فإن الآية في قوله: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٢ - ٢٣]، يعني: ينظرون إلى النعيم، وإلى الله، وإلى أهل النار وهم يعذبون، وإلى أنفسهم، ونحو ذلك.","vol":"13","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>آية سورة يونس</span>\nقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فقوله: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا»، يعني كما قال ابن عباس: للذين قالوا: لا إله إلا الله، وبعضهم قال: للذين فعلوا الواجبات وتركوا المحرمات.\nوالمقصود: للذين أحسنوا في حياتهم بتقوى الله ﷿.\nوالحسنى على وزن فعلى، وهي التي بلغت الغاية في الحسن، والمراد بها: الجنة.\nوقوله: «وَزِيَادَةٌ»، هذه الزيادة جاءت مفسرة عن النبي ﷺ في صحيح مسلم من حديث صهيب وغيره أن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتنجينا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿.\nثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]) وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه.\nففسر النبي ﷺ الزيادة في هذا الحديث بأنه رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وهذا هو مقتضى المعنى.\nوبعض أهل البدع الذين قالوا: إن معنى الزيادة هنا: زيادة النعيم، يقال لهم: إن صيغة الحسنى صيغة تدل على المبالغة في الحسن.\nفمعنى الحسنى: الشيء الذي بلغ الغاية في الحسن، وإذا بلغ الغاية في الحسن فالزيادة عليه تدل على أنه لم يبلغ الغاية، فتصبح الصيغة صيغة ضعيفة وليست صيغة صحيحة، وحينئذ يكون التركيب القرآني تركيب غير سليم، وهذا ما يدل على أن تفسيرهم باطل؛ لأن القرآن قرآن مبين، وأنزل بلسان عربي مبين كما أخبر الله ﷿، فلما أخبر أن للذين أحسنوا الحسنى، يعني: الجنة التي بلغت الغاية في الحسن وزيادة.\nدل هذا على أن الزيادة هذه غير الحسنى التي أعطوا إياها، فيدل على أن الزيادة: رؤية الله ﷿ النقل والعقل.\nفأما النقل: فهو ما رواه مسلم من حديث صهيب، وقد سبق.\nوأما العقل: فهو أيضًا كما سبق تقريره من أنه لو كانت الزيادة تعني: الزيادة في النعيم لما كان للتعبير بالحسنى معنى.\nفلما عبر بالحسنى عن الجنة وهي التي بلغت الغاية في الحسن، ودل هذا على أن الزيادة ليست زيادة في النعيم الذي يكون في الجنة.","vol":"13","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>آية سورة (ق)</span>\nقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥].\nولم يرد عن النبي ﷺ في الحديث: أنه فسر المزيد في هذه الآية في سورة ق بأنه النظر إلى وجه الله ﷿.\nوإنما قال العلماء: إن هذه الآية تشبه تلك الآية، ولا فرق بينهما، فإن الآية السابقة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس:٢٦] تشبه قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ [ق:٣٥].\nوهي مطلقة فلهم ما يشاءون وما يشتهون من النعيم، ثم قال في تلك: «وَزِيَادَةٌ»، وقال في آية ق «مَزِيدٌ» فدل على أن الزيادة هي المزيد هنا.","vol":"13","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>رد اعتراض المعتزلة على تفسير المزيد في سورة (ق) بالرؤية</span>\nوقد اعترض بعض أهل البدع وهو القاضي عبد الجبار في شرحه للأصول الخمسة وهو من المعتزلة على تفسير المزيد بالرؤية، وقال: إن المزيد لا يكون إلا من جنس ما زيد عليه، ولو كان المزيد هنا رؤية الله ﷿ لبطلت هذه القاعدة؛ فدل هذا على أن الزيادة هي: زيادة النعيم على ما أعطوا سابقًا.\nواستدلوا على ذلك بأن قولنا مثلًا: سأعطيك عشرة آصع من الحنطة وزيادة، يعني وزيادة: صاع مثلًا أو صاعين على تلك العشرة.\nفلا بد أن يكون المزيد من جنس المزيد عليه.\nوهذا الكلام باطل، وقد رد عليه بعض أهل العلم وقال: إن المزيد يكون من جنس المزيد عليه إذا كان المزيد عليه مقدرًا أو محددًا، فحينئذٍ يدل على أن الزيادة من جنسه، وأما إذا لم يكن مقدرًا ومحددًا كقولك: لأعطينك حنطة وزيادة فإن الزيادة لا تكون من جنس المزيد عليه، ولو كانت من جنسها لما كان هناك مبرر لهذه الزيادة.\nفلو قلت لشخص مثلًا: سأعطيك ذهبًا وزيادة، فإن هذا الشخص لن يفهم أن هذه الزيادة زيادة ذهب؛ لأن الذهب الذي ستعطيه إياه أصلًا غير مقدر، فهو أعلى شرط ممكن، فإذا قلت: وزيادة فليس لها مبرر.\nولكن إذا قدرت الشيء وحددته فقلت له مثلًا: سأعطيك عشرين مثقالًا من الذهب وزيادة، يعني: وزيادة على العشرين.\nوعلى هذا فقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس:٢٦]، لما لم تكن الحسنى مقدرة بعدد معين دل هذا على أن الزيادة غير المزيد عليه.\nولو كانت الجنة مقدرة ومحددة فقيل: وزيادة، لكانت هذه الزيادة زيادة من جنس المزيد عليه وهو النعيم في الجنة.\nولكن الجنة ليس لها قدر محدد، وإنما هي نعيم دائم مقيم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.\nوحينئذ يبطل اعتراض القاضي عبد الجبار ويبطله ما هو أصرح وأوضح من هذا، وهو تفسير النبي ﷺ للزيادة: بأنها رؤية الله ﷿ يوم القيامة.","vol":"13","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>مفهوم آية سورة المطففين</span>\nقول الله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].\nوهذه الآية في سورة المطففين تدل على أن الكفار يحجبون عن رؤية الله ﷿ يوم القيامة؛ لأنهم من أهل الجحيم، وقد استدل الشافعي رحمه الله تعالى بهذه الآية من جهة المفهوم بأن أهل النعيم يرون الله ﷿، وقال: إنه لما حجب نفسه عنهم في مقام التعذيب، دل على أنهم يرونه في مقام التكريم والعطاء.\nوهذا استدلال واضح وقوي بالمفهوم، والاستدلال في الاعتقاد يمكن أن يكون بالمنطوق وبالمفهوم، كما يكون بالقول وبالفعل وبالتقرير، وأنه يمكن الاستدلال على قواعد الاعتقاد بهذه جميعًا.","vol":"13","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>آية سورة الإنسان</span>\nقول الله ﷿: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان:٢٠]، وفي قراءة: «ومَلِكًا كبيرًا» وهي قراءة صحيحة فيصبح معنى الآية: «وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ»، يعني: هناك، فثم اسم إشارة «رَأَيْتَ نَعِيمًا»، وهذا هو الجنة، «وَمَلِكًا كَبِيرًا»، يعني: الله ﷿، فهو الملك ﷾، مالك كل شيء، ففيه إثبات رؤية الله ﷾ يوم القيامة.","vol":"13","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>الأدلة من السنة على رؤية الله يوم القيامة</span>\nوأما الأدلة من السنة فقد ساق الشيخ الحديث المشهور في رؤية الله ﷿، وقد ذكر العلماء: أنه قد تواتر عن الرسول ﷺ إخباره برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، فأحاديث الرؤية ليست من الآحاد، بل هي متواترة يستحيل في العادة التواطؤ على الكذب فيها.\nقال المؤلف ﵀: [قال ﵊: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا).\nمتفق عليه].\nوهذا الحديث وغيره من أحاديث الرؤية رواها أكثر من عشرين صحابيًا.\nوهذا الحديث رواه جرير بن عبد الله البجلي وهو في صحيح البخاري، وروي أيضًا عن أبي هريرة وعن غيره من أصحاب النبي ﷺ.\nوهذا الحديث رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.\nوجاء في لفظ آخر: (إنكم سترون ربكم عيانًا)، وهي لفظة صحيحة رواها البخاري عن جرير بن عبد الله البجلي.\nفقوله: (عيانًا)، توكيد لرؤية الله ﷿ بالبصر، وقد قدح القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة في مرويات السنة بعدة أمور وكان منها: أن هذه أخبار آحاد لا تقبل في العقيدة.\nومما يبطل هذا الكلام: أن هذه النصوص ليست من أخبار الآحاد، ثم إنه لو كانت خبر آحاد فهي مقبولة في العقيدة.","vol":"13","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>الفرق المنكرة للرؤية</span>\nوقد ضل في موضوع الرؤية فرقتان من الفرق الضالة:","vol":"13","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>إنكار المعتزلة للرؤية والرد عليهم</span>\n* أما الفرقة الأولى: فهم المعتزلة المحرومون.\nفقد قالوا: إن الله لا يرى يوم القيامة بالعين.\nوأولوا جميع الآيات وجميع الأحاديث الواردة في رؤية الله ﷿ بالمعرفة وأن المراد بهذه الآيات والأحاديث زيادة المعرفة والإكثار منها وهو مشهور عن المعتزلة.\nوالمعتزلة في الحقيقة لم يستدلوا بالأدلة الشرعية على إنكار رؤية الله ﷿، وإنما كان منطلقهم في الاستدلال على إنكار رؤية الله ﷿ منطلق عقلي محض.\nفقالوا: إذا كان الله يرى فمعنى هذا أنه في جهة، ولا يكون في جهة إلا ما كان جسمًا منقسمًا.\nوهذه الألفاظ لا بد أن يستفصل عن معناها، فإذا كانت معانٍ صحيحة قبلت، وإذا كانت معانٍ باطلة ردت، وإذا كانت مشتملة على معنى صحيح ومعنى باطل قبل الصحيح ورد الباطل.\nوهذه الاصطلاحات متأخرة ظهرت بعد الاصطلاحات الشرعية، وأراد بها أصحابها أنواعًا من العقائد التي تشتمل على الحق والباطل.\nفهم مثلًا يقولون: إن إثبات العلو لله، وإثبات رؤيته ﷿ يلزم منه أن يكون الله في جهة.\nونحن نقول: ماذا تريدون من كلمة جهة؟ فإذا كنتم تريدون من كلمة جهة أن الله ﷿ في جهة العلو، وأن المؤمنين يرونه يوم القيامة ولا يحيطون برؤيتهم له إحاطة تامة، كما قال الله ﷿: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] فهذا معنى حق أثبته الشرع، فلا عبرة بنفيكم.\nوإن كنتم تقصدون بالجهة: أن الله في جهة، يعني: أنه محصور في جهة فهذا معنى باطل لا نقول به.\nوإنما نقول: إن الله ﷿ في جهة العلو، وهو ﷾ يرى يوم القيامة بالأبصار.\nفلما رأى المعتزلة أن أهل السنة أصحاب عقيدة صحيحة، وأن منطلقهم النصوص بدءوا يتلمسون في النصوص ما يحاولون أن يستدلوا به على إنكار الرؤية، وهذه طريقة أهل البدع.\nفأهل البدع يقررون العقيدة أولًا كما يشاءون، ثم بعد ذلك يحاولون يأخذوا من النصوص ما يظنون أنه يوافق عقيدتهم ويستدلون بها، ويتركون الواضحات البينات.\nفجاءوا إلى قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فقالوا: إن معناها: أنه لا يرى.\nوهذا كلام باطل؛ لأن الله ﷿ في هذه الآية لم ينف الرؤية وإنما نفى الإدراك.\nوالإدراك معناه: الإحاطة.\nونحن لا نقول: إن الله ﷿ نراه يوم القيامة ونحيط به، وإنما نقول: نراه ولا نحيط به كما فسرتموها بالعلم، فإن علمه لا يحاط به، كما قال الله ﷿: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ومعنى هذا إذًا: أننا لا نعرف الله ﷿، لأننا لا نحيط به علمًا، وهذا إلزام لهم.\nوإلا فالمعنى الصحيح لهذه الآية: أن الله ﷿ نفى عن العباد أن يدركوه، فلا يمكن للعبد أن يدرك الله ﷿ حتى مع نظره إليه.\nوقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في التدمرية عند حديثه عن القدر المشترك بين صفات الله وصفات خلقه: أن الله ﷿ يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] فهذه الآية فيها إثبات للرؤية؛ لأنه قال: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] وهذا يدل على أنها تراه.\nفنفى الإدراك ففيه تضمين لإثبات الرؤية.\nفيكون هذا دليل إضافيًا إلى تلك الأدلة التي تدل على رؤية الله ﷿ يوم القيامة.","vol":"13","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>إنكار الأشاعرة للرؤية وتأويلهم لها</span>\nالطائفة الثانية المنحرفة في باب الرؤية هم: الأشاعرة.\nوالأشاعرة في كثير من الأحيان يأتون بشعارات يتفقون مع أهل السنة فيها، لكنهم عند التحقيق يختلفون عن منهج السلف رضوان الله عليهم.\nفهم يقولون مثلًا: نحن نقول: بإثبات الرؤية، وأن الله يرى يوم القيامة.\nويقررون هذا في مصنفاتهم بشكل واضح، ولكنهم يفسرونها بمزيد الانكشاف العلمي، ومعنى هذا: أن الرؤية هي علم عندهم، وهي مزيد معرفة بالله فقط.\nوهذه العلم غير الرؤية كما هو معلوم؛ لأن الإنسان يمكن أن يعلم شيئًا ولا يراه بعينه، ونحن في الدنيا نعلم وجود الله ﷿ ونعلم صفاته ﷾ ولم نره بأعيننا.\nفهم عندما جاءوا إلى الرؤية في قوله ﷺ: (إنكم سترون ربكم)، قالوا: هذا يعني: ستعلمون ربكم.\nفوافقوا المعتزلة في الحقيقة وخالفوهم في الشعار.\nفإذا سمعت أشعريًا يقول: إننا نثبت رؤية الله ﷿، فقل له: هل تثبت رؤية الله ﷿ بالعين؟ فسيقول لك حينئذ: إنه مزيد انكشاف، وبعضهم كـ الغزالي في إحياء علوم الدين يقول: إن الله يخلق في عين العبد رؤية له، وهو في الحقيقة لم ير الله ﷿؛ وذلك لأنهم ينفون الجهة.\nويقولون: الله ﷿ ليس في جهة.\nولهذا يقول العلماء عنهم: من أثبت الرؤية ونفى الجهة فقد أضحك الناس على عقله، والأشاعرة لا يقولون: إن الله في السماء، وإنما يقولون: هو في كل مكان.\nأو يقولون: لا خارج العالم ولا داخله، ولا في العلو، فكيف يُرى من كانت هذه صفته؟! ولهذا لما جاءوا إلى الرؤية قالوا: إن الرؤية معناها مزيد انكشاف علمي.\nأو يقولون كما قال الغزالي: إن الله يخلق في نظر العبد شيئًا من مخلوقاته تسمى الرؤية، وهذه طريقة عجيبة في التعامل مع النصوص، وهذا لا شك أنه باطل؛ فإن النصوص الشرعية أثبتت أن الله ﷿ يُرى يوم القيامة بالعين المجردة التي هي عين الإنسان، وليس في هذا إحاطة ولا إدراك أبدًا.\nفهؤلاء محجبون محرومون يموت الواحد منهم وهو لا يعتقد أنه يرى الله ﷿ فهم في أشد الحرمان والعياذ بالله.","vol":"13","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>ثمرات الإيمان برؤية الله تعالى يوم القيامة</span>\nوأما الفائدة التربوية والسلوكية والإيمانية لرؤية الله ﷿ فهي: أن إثبات رؤية الله ﷿ تورث في القلب محبة لله ﷿، والشوق إلى لقائه، والتمني لهذه الرؤية، بل إن الإنسان إذا علم أن لذة النظر إلى الله ﷿ تفوق كل لذة، حتى في الجنة -مع أن نعيم الجنة لا يوصف بمقاييس نعيم الدنيا- هان في نظرهم كل نعيم.\nولهذا أعلى المؤمنين منزلة من يرى الله ﷿ في كل يوم مرتين، وهذا يناله الإنسان بكثرة العمل، وكثرة تطبيق ما أمر الله ﷿، واجتناب ما نهى الله ﷿ عنه، والحرص على ذلك، وبذل الجهد في العمل الصالح.\nومما يوصل إلى رؤية الله ﷿ يوم القيامة العقيدة الصحيحة التي تتضمن إثبات رؤية الله ﷾ يوم القيامة، وهو الذي يحكم بيننا وبين هؤلاء المبتدعة الضالين يوم القيامة، عندما تجتمع الخصوم بين يدي الله ﷿، وفي ذلك اليوم تحق الحقائق فيرى المؤمنون ربهم ﷾ يوم القيامة.\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا ممن يراه في جنات عدن، إنه على كل شيء قدير.","vol":"13","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>الأسئلة</span>","vol":"13","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>حكم الفرق الضالة في العقيدة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الفرق الضالة كفار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الفرق الضالة بحسب البدعة التي ضلوا فيها، فإن كانت بدعهم كفرية -كبدع الإسماعيلية والقرامطة والشيعة- فيُكفرون، وأما إذا كانت البدع أقل من ذلك -كبدع الأشاعرة مثلًا- فليسوا كفارًا، فإن الأشاعرة بإجماع العلماء ليسوا كفارًا، حتى ولو كانت عندهم بدع وانحرافات.","vol":"13","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>حكم الأشاعرة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الأشاعرة الذين ينفون رؤية الله ﷿، هل هم كفار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، ليسوا كفارًا، وإنما هم أهل بدع.\nسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.","vol":"13","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>العقيدة الواسطية [١٤]</span>\nيتصل بالإيمان برؤية الله تعالى يوم القيامة مسائل عقدية عديدة، ومن جملتها: حكم إنكار رؤية الله تعالى يوم القيامة، وما يعتقد في رؤية الله تعالى في الدنيا بالعين الباصرة، لا سيما ما وقع للنبي ﷺ، ورؤيته تعالى بعين القلب، ورؤيته تعالى في المنام، ورؤية الكافرين والمنافقين ربهم يوم القيامة، وغير ذلك من مسائل الرؤية.","vol":"14","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>حكم إنكار رؤية الله ﷿ يوم القيامة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.\nأما بعد: فإن إثبات رؤية المؤمنين لربهم ﷾ يوم القيامة وفي الدار الآخرة من المسائل التي اتفق عليها أهل العلم، وأجمعوا عليها، وهي كذلك مما دل عليه القرآن الكريم، وتواترت النصوص الشرعية وأحاديث النبي ﷺ فيها.\nوإنكار رؤية الله ﷿ يوم القيامة أو في الدار الآخرة كفر مخرج عن الإسلام، فإذا كان صاحب هذا الإنكار جاهلًا فيعلم وتبين له الأدلة وتوضح من كتاب الله ومن سنة النبي ﷺ، فإن أبى ورفض وأعرض كفر وخرج من الإسلام؛ لأنه أنكر ما أجمع عليه أهل الإسلام، وما دل عليه القرآن الكريم وتواتر في السنة النبوية، وإنكار ذلك تكذيب للوحيين، وهو كفر يخرج عن الإسلام، كما نص على ذلك أهل العلم.","vol":"14","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>معتقد أهل السنة في رؤية الله تعالى بالعين في الدنيا</span>\nومن المسائل التي بحثها العلماء فيما يتعلق بالرؤية: رؤية الله ﷿ في الدنيا بالعين.\nفرؤية الإنسان لله ﷿ في الدنيا بعيني رأسه غير حاصلة بالنسبة لعامة المسلمين والمؤمنين.\nوقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن الله ﷿ لا يُرى في الدنيا بالعين واستدلوا على ذلك من القرآن ومن السنة.\nفمما جاء في القرآن: قول الله ﷿: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، فهذه الآية تدل على أن الله ﷿ لا يُرى في الدنيا بالعين التي تكون في الرأس.\nووجه الدلالة من ذلك: أن موسى طلب الرؤية في الدنيا، عندما كلمه ربه فطمع في رؤيته، فطلب هذا الطلب، وهذا يدل على أن الله ﷿ يمكن أن يرى، وهي من الأدلة التي استدل بها أهل السنة على: أن الله ﷿ يمكن أن يرى وقد قال الله ﷿: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣].\nفبين أنه لا يراه الإنسان في الدنيا بالعين الحقيقية، قال تعالى: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:١٤٣].\nومما يدل على ذلك أيضًا: ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (إن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت)، فقوله: (حتى يموت)، يعني: في الدنيا، فلن يرى الإنسان الله ﷿ في الدنيا بعينه حتى يموت، وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه.\nوهذه المسألة مما اتفق عليها أهل السنة والجماعة، وخالف فيها الصوفية، فإنهم قالوا: إنه يمكن أن يرى الله ﷿ في الدنيا، ولهم حكايات وقصص يروونها في كتبهم على أنها من الكرامات، وأن بعض أوليائهم رأوا الله ﷿، وهذه كلها من الخرافات والأباطيل التي يرويها الصوفية في العادة.","vol":"14","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>الخلاف في رؤية الرسول ﷺ ربه في الدنيا بعينه</span>\nوأما بالنسبة لنبينا محمد ﷺ فقد اختلف أهل السنة في رؤيته لربه في الدنيا بعينيه حقيقة، فروي عن ابن عباس أنه قال: (إن النبي ﷺ رأى ربه).\nوروي عن أبي ذر أنه سأل النبي ﷺ: (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه؟!).\nوروي عن بعض الصحابة أنهم أنكروا أن يكون رسول الله ﷺ رأى ربه بعينيه التي في رأسه، ومنهم عائشة ﵂ عندما سئلت: هل رأى رسول الله ﷺ ربه بعينيه؟ فقالت: لقد وقف شعري مما قلت، أو قالت -كما في رواية أخرى-: من زعم أن محمدًا ﷺ رأى ربه في الدنيا فقد أعظم على الله الفرية.\nيعني: الكذبة.\nوالتحقيق في هذه المسألة هو: أن النبي ﷺ لم ير ربه بعينيه التي في رأسه على الصحيح، وما روي عن ابن عباس من إثبات رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا بعينيه روي مطلقًا ومقيدًا، فالرواية المطلقة قوله: (إن النبي ﷺ رأى ربه)، وأما المقيدة فقوله: (إنه رآه بقلبه).\nوالقاعدة هي: أنه إذا وردت نصوص مطلقة ونصوص مقيدة، فإنه يحمل المطلق على المقيد.\nفيكون معنى رأى ربه بهذا الإطلاق: رأى ربه بقلبه، كما في الرواية المقيدة.\nفالصحيح في هذه المسألة هو: أن النبي ﷺ لم ير الله ﷿ بعينيه في الدنيا.\nوما روي عن ابن عباس فيها يحمل المطلق فيه على المقيد، وهذا هو تحرير شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لهذه المسألة، وهو تحرير رائع وممتاز، وفيه جمع للأقوال، فيصبح حينئذ الخلاف في هذه المسألة خلافًا لفظيًا، وإذا وجد خلاف حقيقي في هذه المسألة فهو من الخلاف الذي يعذر الإنسان فيه.\nوالخلاف ينقسم إلى قسمين: خلاف تنوع، وخلاف تضاد.\nوخلاف التضاد ينقسم إلى قسمين: خلاف تبنى عليه الموالاة والمعاداة: مثل الخلاف في أصول العقائد، وما أجمع عليه أهل السنة.\nوخلاف يعذر صاحبه ويؤجر عليه إذا كان مخطئًا أجرًا واحدًا، أو يكون له أجران إذا كان مصيبًا، كما في قاعدة: المجتهد المخطئ والمصيب، وهي معروفة.","vol":"14","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>المعتقد في رؤية الله ﷿ بالقلب</span>\nوأما مسألة رؤية الله ﷿ بالقلب في الدنيا، فقد صح عنه ﷺ أنه رأى ربه بقلبه، وهو ثابت عن ابن عباس كما في صحيح مسلم أنه قال: (رأى رسول الله ﷺ ربه بقلبه).\nوفي صحيح مسلم أيضًا عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (رآه بفؤاده مرتين).\nوأما الرواية التي فيها: (أن النبي ﷺ رأى ربه مرتين، مرة ببصرة ومرة بفؤاده)، فلا تصح، وهي معارضة لما ثبت في صحيح مسلم: (أنه رأى ربه بفؤاده مرتين).\nومعنى رؤية النبي ﷺ لربه بقلبه: أن الله ﷾ جعل في قلبه بصرًا يرى ربه به حقيقة، وهذا ما ذكره شراح هذا الحديث.\nوأما رؤية المؤمنين لربهم في الدنيا: فإن الصحابة والتابعين والأمة من بعدهم على جواز رؤية المؤمنين لربهم بقلوبهم، وأنها جائزة وواقعة، وأنها ليست لكل أحد، وإنما تكون لبعض الناس، وهذه الرؤية تكون بالقلب لبعض المؤمنين، وهي ليست رؤية لذات الرب وصفاته حقيقة، وليس المرئي بقلب الإنسان هو نفسه الرب تعالى، ولهذا تختلف الرؤية القلبية عن بعض المؤمنين من شخص لآخر.\nوقد بحث هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأشار إليها عند حديثه عن الكشوفات في المجلد الخامس من الفتاوى صفحة (٢٥١)، فقال: [ومن رأى الله ﷿ في المنام فإنه يراه في صورة من الصور بحسب حال الرائي، إن كان صالحًا رآه في صورة حسنه، ولهذا رآه النبي ﷺ في أحسن صورة، والمشاهدات التي قد تحصل لبعض العارفين -يعني: الأولياء والصادقين- في اليقظة كقول ابن عمر لـ ابن الزبير لما خطب إليه ابنته في الطواف: أتحدثني في النساء ونحن نتراءى الله ﷿ في طوافنا؟! وأمثال ذلك، إنما يتعلق بالمثال العلمي المشهود، لكن رؤية النبي ﷺ لربه فيها كلام ليس هذا موضعه، فإن ابن عباس قال: رآه بفؤاده مرتين.\nفالنبي ﷺ مخصوص بما لم يشركه فيه غيره، وهذا المثال العلمي يتنوع في القلوب بحسب المعرفة بالله والمحبة له تنوعًا لا ينحصر].\nفمقصود شيخ الإسلام ﵀: أن الإنسان عندما يكون مؤمنًا بالله ﷿ إيمانًا عظيمًا، ويكون قلبه قريبًا من الله ﷾ فإنه يشعر في قلبه بقرب عظيم من الله ﷿، ويوضح ذلك حديث جبريل الطويل الثابت في الصحيحين: فإنه لما سأله عن الإحسان؟ قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه)، المقصود: رؤية القلب، يعني: استحضار مراقبة الله ﷿ وعظمته، وأسمائه وصفاته في القلب استحضارًا عظيمًا، يشبه الرؤية الحقيقية بالعين.\nوليس هو رؤية حقيقية ولكنه يشبهه، وهذه تحصل عند خواص المؤمنين الذين يعملون الصالحات، ويجتهدون في تطبيق الأوامر الشرعية، ويحذرون من المناهي، حتى يرتفع إيمانهم إلى درجات عالية جدًا، فيحصل عندهم هذا الشعور، وهذه الرؤية القلبية، وليست هي رؤية حقيقية لصفات الله ﷾، بل الله ﷿ له المثل الأعلى في السماوات والأرض، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].\nيقول شيخ الإسلام: [وهذا المثال العلمي يتنوع في القلوب بحسب المعرفة بالله].\nيعني: هو عبارة عن مثل، وأن الإنسان عندما يعبد الله ﷿ كأنه يراه، ويشعر بقرب عظيم من الله ﷿ إلى درجة أن تنكشف في قلبه معرفته بربه، فيحصل لقلبه مثال، فهذا المثال هو مثال علمي، وليس مثالًا حقيقيًا يراه بعينه.\nوهذا المثال العلمي هو نوع من القرب ونوع من الإحسان الذي يكون في قلب الإنسان.\nقال شيخ الإسلام ﵀: [بل الخلق في إيمانهم بالله وكتابه ورسوله متنوعون، فلكل منهم في قلبه للكتاب والرسول مثال علمي بحسب معرفته، مع اشتراكهم في الإيمان بالله وبكتابه وبرسوله، فهم متنوعون في ذلك متفاضلون، وكذلك إيمانهم بالمعاد والجنة والنار، وغير ذلك من أمور الغيب، وكذلك ما يخبر به الناس بعضهم بعضًا من أمور الغيب هو كذلك، بل يشاهدون الأمور ويسمعون الأصوات، وهم متنوعون في الرؤية والسماع، فالواحد منهم يتبين له من حال المشهود ما لم يتبين للآخر، حتى قد يختلفون ويثبت هذا ما لم يثبته الآخر.\nفكيف فيما أُخبِروا به من الغيب؟!!].\nفهذه الرؤية التي نثبتها ليست رؤية حقيقية لذات الله ﷾ وصفاته.","vol":"14","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>خلاف الصوفية لأهل السنة في دعوى رؤيتهم لله تعالى بقلوبهم على الحقيقة</span>\nوهذه المسألة يخالفنا فيها الصوفية، فالصوفية يقولون: إننا نثبت رؤية الله ﷿ بالقلب حقيقة.\nويقولون: إنهم يرون بقلوبهم صفات الله ﷿ على الحقيقة.\nوهذا لا شك أنه كلام باطل؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:٢٧].\nويقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].","vol":"14","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>المعتقد في رؤية الله في المنام</span>\nوأما مسألة رؤية الله في المنام، وهل يمكن للإنسان أن يرى الله في المنام؟ فقد اتفق الصحابة والتابعون على جواز ذلك ووقوعه، وقد وقع ذلك للرسول ﷺ، كما في حديث اختصام الملأ الأعلى، ففي حديث اختصام الملأ الأعلى قال النبي ﷺ: (رأيت ربي في أحسن صورة).\nوالرواية التي توضح أن الرؤية منامية هي رواية معاذ بن جبل، فهذا الحديث رواه عن النبي ﷺ أكثر من صحابي، وفيه كلام كثير لأهل العلم في صحته.\nوالصحيح: أن هذا الحديث صحيح وثابت عن النبي ﷺ، ومن أراد التطويل والاستزادة في هذا الموضوع ومراجعة أقوال أهل العلم فيه فليراجع كتاب ابن رجب الحنبلي ﵀ في شرح هذا الحديث، بتحقيق الأستاذ جاسم الفهيد الدوسري، فقد أطال في تخريجه إطالة كبيرة.\nورواية معاذ بن جبل هي أنه قال: (احتبس لنا رسول الله ﷺ ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعًا فَثَوّبَ بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ وتجوز في صلاته، فلما سلّم دعا بصوته فقال لنا: على مصافكم كما أنتم، ثم انفتل إلينا فقال: أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة: إني قمت من الليل فتوضأت فصليت ما قُدِّر لي، فنعست فاستَثقَلتُ، أو فاستُثقِلتُ فإذا أنا بربي ﵎ في أحسن صورة، فقال: يا محمد! قلت: ربِ لبيك، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟) إلى آخر الحديث، وهو حديث طويل وفي قوله: (فنعست)، وقوله: (استُثقِلت، أو استَثقَلت)، وقوله: (رأيت ربي في أحسن صورة)، ما يدل على أن هذه الرؤية رؤية منامية، والرؤية المنامية قريبة من الرؤية القلبية، والإنسان بحسب طاعته وخوفه من الله ﷿ وتقواه وإيمانه وإخلاصه وإحسانه قد يرى في النوم صورًا وأحوالًا، وهذه الصور والأحوال ليست هي حقيقة ذات الله وصفاته؛ لأن الله كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].\nوكما قال: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:٢٧]، وهذه الرؤى والأحوال التي يراها وهو نائم تعبر عن إيمانه، ويشعر في قلبه وهو نائم أن هذا هو ربه، وليس هو الله ﷿ حقيقة، ونحن نعلم أن الإنسان في النوم وكِّل به ملك من الملائكة يضرب له الأمثال، فما يراه الإنسان في منامه هي عبارة عن أمثال تُضرب له، ولهذا كان تعبير الرؤى مقبولًا، وقد أفرد البخاري ﵀ في صحيحه كتاب: تعبير الرؤى، وقد عبّر النبي ﷺ كثيرًا من المنامات لأصحابه، وهو القائل: (رأيت في النوم أن الناس يُعرضون عليّ وعليهم قمص، ورأيت عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: بم عبّرت ذلك؟ قال: عبّرته بالدين).\nفهذا مثال يُضرب للإنسان وهو نائم بمعنى من المعاني، وقد يكون في بعض الأحيان أضغاث أحلام، فالإنسان كما ثبت عن النبي ﷺ وكِّل به ملك وشيطان، وللملك لمّة وللشيطان لمّة، سواء في حال يقظته، أو في حال منامه، فما كان من الرؤى التي لها معنى صحيح ودلالة صحيحة فهي من الملك، وهي عبارة عن ضرب أمثال، وما كان من أضغاث الأحلام فهي من الأحلام.\nولهذا ليس كل ما يراه النائم تكون رؤيا ولها تعبير، فقد يكون أضغاث أحلام، وقد يكون المنام في بعض الأحيان له معنى وتعبير.\nفالإنسان في نومه لا يرى حقيقة الله ﷿ وحقيقة صفاته، وإنما يضرب له المثل ويشعر في قلبه أن هذا هو الله، ويراه في صور مختلفة، وقد يرى فلان بن فلان صورة، ولا يرى فلانًا، وليس بالضرورة أن كل إنسان يُضرب له هذا المثل، وقد ينقل عن بعض العلماء أنه قال: رأيت الله في المنام فقمت وقال لي، فليس المقصود بهذا أنه رأى الله ﷿ بذاته وصفاته حقيقة؛ فالله ليس كمثله شيء، وإنما رأى شيئًا في المنام في صورة معينة ضربها له الملك بحسب إيمانه، فيشعر في قلبه أنها الله، وليست هي الله ﷾ حقيقة.\nفينبغي ملاحظة هذه القضية، فالنائم مثلًا يرى في نومه أنه يتكلم ويصيح ويُضرب أو يَضرِب ويفعل الفعل ويقوم ويتنقل ويسافر ويهاجر ويأتي هنا وهناك، وهو في الحقيقة لم يتكلم، بل لسانه صامت ولم يسمع شيئًا بإذنه الحقيقية، وإنما هي ضرب أمثال.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى في المجلد الثالث صفحة (٣٩٠): [وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحًا لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه، ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة ولها تعبير وتأويل، لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق].\nفمثلًا: في كتاب (مناقب الإمام أحمد) لـ ابن الجوزي يذكر الإمام أحمد فيه: أنه رأى ربه في المنام، وقد يستعظم هذه المسألة بعض الناس و","vol":"14","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>موضع الرؤية الحقيقية بالعين الباصرة</span>\nوالرؤية بالعين الحقيقية تكون بعد الموت وفي مكانين: المكان الأول: يوم القيامة.\nوالمكان الثاني: في الجنة.\nوقد ثبتت في ذلك أحاديث صحيحة، ويمكن مراجعتها في صحيح البخاري، كتاب: التوحيد كحديث أبي هريرة وفيه: (قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: نعم، سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته).\nثم ساق حديثًا طويلًا فيه الكلام على الحشر والشفاعة.\nوكذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ بهذا المعنى.\nوهي أحاديث طويلة في صحيح البخاري.","vol":"14","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>الخلاف في رؤية المنافقين والكفار ربهم في عرصات يوم القيامة</span>\nوقد اختلف أهل العلم في رؤية الكفار والمنافقين لله ﷿ يوم القيامة، وأما في الجنة فلا يمكن أن يروه؛ لأنه لا يدخل الجنة كافر ولا منافق.\nفالجنة متفق على أنه لا يراه فيها إلا المؤمنون وأما في عرصات يوم القيامة في المحشر فقد اختلف أهل العلم: هل الكفار والمنافقون يرون الله ﷿ يوم القيامة أو لا؟ وأما المؤمنون فإنه متفق عليه بين أهل السنة أيضًا أنهم يرونه يوم القيامة، وهذا الخلاف هو خلاف فقهي أيضًا، كمسألة رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا، وهو خلاف لا يترتب عليه قطيعة ولا معاداة ولا خلاف شديد.\nوقد اختلف أهل البحرين في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مسألة رؤية الكفار لربهم يوم القيامة.\nواختلفوا فيها اختلافًا شديدًا وصارت بينهم قطيعة وبغضاء، حتى إنهم كادوا يقتتلون بالسيوف، فأرسلوا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية يستفتونه في ذلك؟ فكتب لهم رسالة فيها، وهي مطبوعة ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام التي جمعها ابن قاسم في المجلد السادس، بعنوان: رسالة إلى أهل البحرين في رؤية الكفار لربهم يوم القيامة.\nوقد تحدث شيخ الإسلام ﵀ في هذه الرسالة عن كيفية التعامل مع الخلافات؟ وقال ﵀: إن الخلافات التي تحصل في مسائل الدين تنقسم إلى قسمين: * خلافات يترتب عليها الكفر أو البدعة وهذه هي الخلافات التي يكون فيها حرب بين أهل السنة وأهل البدعة، ونحن نتكلم على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والصوفية من هذا الباب.\nوخلافات يحتملها الاجتهاد، مثل الخلاف في المسائل الفقهية، فالعلماء كما نلاحظ يختلفون في الإفتاء.\nومن الخلاف الذي يحتمل الاجتهاد: الخلاف في هذه المسائل، وكتب لهم رسالة علمهم فيها كيفية التأدب مع هذه المسائل؟ وقال: إن هذه المسائل من فروع المسائل، التي لا يترتب عليها كفر ولا بدعة، وقد اختلف فيها علماء السنة، ورأى بعضهم أن الكفار قد يرون الله يوم القيامة، وذكر شيخ الإسلام في هذه الرسالة الأمور التي اتفق عليها المختلفون، والأمور التي اختلفوا فيها.\nفالمختلفون في رؤية الكفار لله ﷿ يوم القيامة ونفيها متفقون على عدة أمور: * أولًا: اتفقوا على أن هذه الرؤية ليست رؤية لذة ونعيم وراحة وطمأنينة، بل إنهم يقولون: إنها رؤية عذاب؛ لأن الله ﷾ يريهم نفسه ثم يحتجب عنهم، وفي ذلك أشد أنواع العذاب، هكذا قالوا.\n* ثانيًا: اتفقوا أيضًا على أنهم بعد الانتهاء من الحشر لا يرون الله ﷿، وإنما يكونون من أهل الجحيم، والعياذ بالله.\nواختلفوا هل يرونه بأعينهم في الحشر، حتى ولو كان في هذا عذاب لهم؟ واختلافهم مبني على فهم الأدلة، فقد ورد في حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ما ظاهره أن الله ﷿ يأتي الناس يوم القيامة فيرونه، يعني: يراه الكفار والمنافقون والمؤمنون، وهذه النصوص التي ظاهرها أنهم يرونه أشكلت على الذين أثبتوا رؤية الكفار لله ﷿ يوم القيامة، وبناءً على هذا قلنا: إن هذه المسألة ليست من المسائل التي يعنّف فيها المخالف، ولا من المسائل التي تعتبر من أصول الدين.\nومثل هذه المسائل: كرؤية الله ﷿ بالقلب، أو كرؤية الله ﷿ في الدنيا لا تعرض لعامة الناس الذين لا يفقهون العلم ولا يدرون ما هو، وإنما تعرض لطلاب العلم الذين يدرسون العلم ويتفهمون معانيه، وإذا أشكل على أحدهم شيء سأل؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فهذه المسائل لا تعرض للعامة، بحيث أنها تضطرهم إلى الإنكار وإلى التشنيع.\nوالصحيح في مسألة رؤية الكفار لربهم يوم القيامة: أنهم لا يرون الله يوم القيامة، ويدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].\nومما يدل على ذلك أيضًا: أن الرؤية سماها الله ﷿ زيادة ومزيدًا، فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦].\nوقال: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، فلو أن الكفار والمنافقين يرون الله ﷿ يوم القيامة لما كان لاختصاص المؤمنين بالمزيد معنى، فلما اختص المؤمنين بالمزيد دل هذا على أنهم لا يرونه، وأوضح ما يدل على أنهم لا يرونه عموم قول الله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].","vol":"14","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>المعتقد في رؤية النساء لله ﷿ في الجنة</span>\nومن المسائل التي يبحثها أهل العلم في مسألة الرؤية أيضًا: مسألة: هل النساء يرين الله ﷿ في الجنة إذا دخلنها أولًا؟ والصحيح من أقوال أهل العلم هو: أن النساء يرين الله ﷿ في الجنة، والدليل على ذلك عموم النصوص؛ فإن النصوص التي في إثبات الرؤية مثل: قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، تدل على دخول المؤمنات في الجنة في هذه الرؤية؛ لأن العموم يشملهن.\nوقد يقول قائل: إن قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس:٢٦]، الذين: صيغة مذكر، فلا تدخل النساء فيها؟ فنقول: إن مسألة دخول النساء في عموم النصوص الواردة بصيغة الذكور، مسألة معروفة ومشهورة عند أهل العلم، وهناك نصوص تدل على دخولهن في العموم، ومن ذلك قول الله ﷾ عن مريم في سورة التحريم: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم:١٢].\nوالقانتين: جمع مذكر سالم لقانت، فجعلها داخلة في عموم جمع المذكر السالم، فلو قيل: إن القانتين جمع مذكر سالم، فكيف يدخل المؤنث فيه؟! قلنا: هذا هو ما دل عليه النص، والقرآن جاء بلغة العرب، كما قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، فهذا يدل على أن المؤمنات يدخلن في النصوص التي جاءت بصيغ المذكر، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، ونحو ذلك من النصوص.","vol":"14","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>الأسئلة</span>","vol":"14","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>انتفاء الإحاطة بالله ﷿ في رؤيته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل قول الله ﷿: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] يعني: أننا نرى وجه الله فقط، ولا نرى غير الوجه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نحن لا نتصور صفات الله ﷿ أصلًا، ولا نعرف ماهيتها، ولا نتصور أنه على شكل الإنسان، وهو سبحانه له وجه ويدان، ولا نعرف الكيفية، وصفاته ليست مثل صفات الخلق، وإنما تختلف، وأما معنى قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فمعناه: أنه لا يمكن أن تحيط به، فالأبصار يمكن أن تدرك إنسانًا، ولكن الله ﷿ لا يمكن أن تحيط به من كل مكان.\nمثل علمنا بالله ﷿، فنحن نعلم أن لله صفات وأسماءً، ولكن لا نحيط به علمًا، فكذلك إذا رأينا الله، وسنراه حقيقة، ولكن لا نحيط به رؤية، ولا نتخيل تكييفًا لذلك؛ فإن تخيل التكييف خطأ وباطل.","vol":"14","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>الموقف من قول: (طمس بصري في بصيرتي فرأيت الله)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما صحة هذا القول، وهل هو من حديث رسول الله: طُمس بصري في بصيرتي فرأيت الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  مثل هذه الكلمات الغامضة نستعمل معها ما نستعمل مع المصطلحات، فنسأل عن مقصود صاحبها، فإذا كان يقصد معنىً صحيحًا قلنا: هذا معنىً صحيح، ولكن استعمل له أسلوبًا واضحًا، وإذا كان المعنى باطلًا رددناه، وإذا كان المعنى مختلطًا بين الصحيح والباطل صححنا الحق وأبطلنا الباطل، ومنعناه من هذا الكلام المجمل المحتمل للحق والباطل، فقوله: طمس بصري في بصيرتي فرأيت الله، معنى مجمل له عدة معان.","vol":"14","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>دلالة قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق) على رؤية ساق الله يوم القيامة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢]، ألا تدل هذه الآية على رؤية ساق الله يوم القيامة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  بلى، هذه الآية مع حديث أبي سعيد الخدري تدل على رؤية ساق الله ﷾ يوم القيامة، كما يليق بجلاله، بدون أن يتخيل الإنسان ساقًا معينة، أو صورة معينة؛ لأن هذا التخيل باطل.","vol":"14","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>حقيقة رؤية الله تعالى في الدنيا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  عندما كنت صغيرًا رأيت الله تعالى، فهل هذا من الشيطان أم هو حقيقة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا كلام مجمل، فإذا كنت تقصد بالعين المجردة فهذا شيطان، وأما إذا كنت تقصد في النوم فقد يكون هذا من ضرب المثل الذي أشرنا إليه، والأمثال التي تضرب في النوم أو في القلب ليست هي الله حقيقة.","vol":"14","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>نظرة في كتاب (رؤية الله) للدكتور أحمد الحمد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما رأيك في كتاب (رؤية الله) للدكتور أحمد الحمد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كتاب رؤية الله للدكتور أحمد الحمد لا بأس به في الجملة، والكاتب من أهل السنة ومعروف، ولكن كثيرًا من المسائل تحتاج إلى تحرير أكثر.","vol":"14","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>معنى المكاشفة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى مصطلح المكاشفة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كلمة مكاشفة وكشف يمكن أن يكون معناها صحيح، ويمكن أن يكون معناها باطل، والصوفية يستخدمونها بالمعنى الباطل، وأما المعنى الصحيح للكشف فهو: اكتشاف الشيء الجديد، وقد يكون هذا الكشف علميًا، وقد يكون عمليًا.","vol":"14","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>العقيدة الواسطية [١٥]</span>\nالوسطية مطلب شرعي وصفة محبوبة اصطفى الله تعالى لها هذه الأمة، وقوامها وحقيقتها العدل واتباع النصوص، وقد حظي أهل السنة باستحقاق هذا الوصف العظيم في العمل والاعتقاد، فهم في صفات الله تعالى وسط بين المعطلة والمشبهة، وفي أفعال العباد وسط بين الجبرية والقدرية، وفي الوعيد وسط بين المرجئة والوعيدية، وفي الصحابة الكرام وسط بين الروافض والخوارج، وفي غير ذلك من أبواب العلم والعمل.","vol":"15","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>أهمية موضوع الصفات</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى آتاه اليقين.\nأما بعد: فإن باب الصفات من أطول أبواب العقيدة، وهو باب مهم؛ لأنه يتعلق بالله ﷾، ولأن أهل البدع والضلالة خاضوا فيه بالباطل، وانحرفوا فيه عن جادة السلف الصالح رضوان الله عليهم.\nفمن هنا كان للحديث فيه أهمية عظيمة ومكانة ومنزلة رفيعة.\nومن جهة أخرى: فإن لصفات الله ﷾ آثارًا تربوية وإيمانية تتعلق بحياة الإنسان، ولهذا فالحديث عنها مهم وله أهمية قصوى.","vol":"15","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>مفهوم الوسطية</span>\nوهذا الباب منطلقه هو قول الله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣].\nفقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، هذا خبر وأمر فهو خبر من جهة بيان حال الصحابة رضوان الله عليهم وتزكية منهجهم، وأمر لمن يأتي بعدهم بأن يلتزم بهذا المنهج الوسط.","vol":"15","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>معاني الوسطية</span>\nوالوسطية لها ثلاثة معانٍ: العدل والخير والتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط.\nأما العدل فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب التفسير، في تفسير سورة البقرة، في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، عن أبي سعيد الخدري ﵁ وفي آخره: أن الرسول ﷺ قال: (الوسط: العدل).\nوأما الخيرية فإن الوسط في لغة العرب: تطلق على الخير فإذا قيل: هذا أوسط القوم، يعني: أعقلهم وأكثرهم معرفةً وإدراكًا، ومن ذلك قول الله ﷾: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم:٢٨]، في قصة أهل البستان الذي أحرقه الله ﷾ في سورة القلم، قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم:٢٨].\nوالمقصود: بأوسطهم: يعني: أعقلهم وأخيرهم وأحسنهم وأفضلهم، وكوننا أمةً وسطًا، يعني: من خير الأمم فنحن من ناحية التاريخ آخر الأمم ومن ناحية الخيرية خير الأمم.\nوقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا) أي: نحن الآخرون زمنًا، والأولون مكانةً يوم القيامة.\nوأول زمرة تدخل الجنة هم من هذه الأمة وروي أنهم: المهاجرون فيدخلونها ويتمتعون فيها قبل الناس بأربعين سنة كما روي ذلك في بعض الأحاديث المرفوعة.\nوأما كوننا خير أمة، فهذا كما قال الله ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، تفسر قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] والقرآن كما تعلمون يفسر بعضه بعضًا وأفضل التفسير هو تفسير القرآن بالقرآن؛ لأن الله ﷿ أعلم بمراد نفسه ﷾.\nوأما المعنى الثالث وهو: الوسط، بمعنى: المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وقد رجحه بعض أهل العلم، فمن رجحه من المتقدمين ابن جرير الطبري في تفسيره لهذه الآية، ومن المتأخرين: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذا الكتاب.","vol":"15","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>بيان ما ناله أهل السنة من مضامين الوسطية</span>\nوالحقيقة: أن كون هذه الأمة أمةً وسطًا يشمل ذلك كله فأهل السنة هم أعدل الناس، وهم أهل العدل وأهل الميزان المستقيم والصراط غير المعوج، وعامة الفرق الضالة ليس عندهم عدل فتجدهم يكفر ويفسق بعضهم بعضًا بالهوى، ولمجرد المخالفة الشخصية، بينما أهل السنة والجماعة لا يتبعون أهواءهم، وإنما يتبعون الدليل والسنة وطريقة الرسول ﷺ، وهذا هو الذي ميزهم عن كثير من الفرق الضالة المنحرفة، فنجد أن المعتزلة مثلًا: كما يقول: أبو المظفر السمعاني ﵀ في كتابه الانتصار لأهل الحديث: (إن ميزة أهل السنة: الجماعة، وميزة أهل البدع: الفرقة والاختلاف) ويقول الشاطبي ﵀ في كتابه الاعتصام: (والتفرق من أخس أوصاف المبتدعة) ويذكر أن البغداديين من المعتزلة يكفرون البصريين، والبصريون يكفرون البغداديين وأن الرجل يكفر أباه، والأب يكفر ابنه، فـ أبو علي الجبائي يكفر أتباع أبي هاشم، وأتباع أبي هاشم يكفرون أتباع أبي علي، والذي يحكم بينهم بالعدل هم أهل السنة والجماعة.\nولهذا أمرنا الله ﷾ بالعدل دائمًا، وأمثلة العدل في السنة النبوية وفي سيرة الرسول ﷺ كثيرة جدًا حتى مع اليهود والنصارى والمخالفين؛ لأن الظلم محرم حتى مع الكفار، فالظلم محرم في ذاته وقبيح حتى مع الكفار ونحن أمة العدل، ولا يجوز للإنسان أن يظلم أحدًا، ولا يجوز للمسلم إذا كره فرقةً من الفرق أن يكيل لها الاتهامات.\nونحن نكرههم بحق ولا نكرههم بباطل وهوى، إلا أنه لا يجوز لنا أن نكيل لهم الاتهامات وبعض الناس إذا غضب يكيل الاتهامات، جزافًا ويرميها رميًا، وليس هذا هو منهاج السلف الصالح رضوان الله عليهم، وإنما منهجهم هو التحري والدقة فيما ينسب إلى الأشخاص، ونقد من وقع منهم في البدعة، ومعرفة حجم البدعة التي وقع فيها، وإعطاؤها حقها، وعدم المبالغة أو النقصان فيها، فهذا هو الميزان العادل، فمثلًا: لا يأتي إنسان إلى بدعة مثل: الذكر الجماعي فيجعله أم المصائب جميعًا، ويكفر من يقع فيه فهذا لا يجوز؛ لأن هذه البدعة لا توصل إلى الكفر، وإن كانت بدعة ولكنها لا توصل إلى الكفر.\nوكذلك لا يجوز له أن يأتي إلى بدعة الشيعة الذين يسبون أبا بكر وعمر، ويكفرونهما ويلعنونهما، ويحجون إلى القبور، ويستغيثون بأهلها فيهون من شأنها ويقلل من الخلاف مع الشيعة، ويقول: إن خلافنا مع الشيعة هو خلاف فرعي، كخلاف الحنابلة مع الشافعية، فهذا باطل لا يجوز.\nفينبغي على الإنسان أن يكون قوامًا بالقسط، وصاحب ميزان معتدل وصحيح ودقيق، وأن يكون بعيدًا عن كيل الاتهامات لكل أحد، حتى ولو كان مبتدعًا؛ فإن البدعة نفسها درجات، فهناك بدعة مكفرة، وبدعة غير مكفرة.\nالواقعون في البدعة أنواع: نوع يدعو إلى بدعته ومتشبث بها.\nونوع لا يدعو إلى بدعته.\nلكل واحد حالة ونمط من التعامل يختلف على النمط الآخر، وهكذا ينبغي للإنسان أن يكون عادلًا.","vol":"15","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>رد دعوى دخول أهل البدع في الوسطية بعموم الخطاب</span>\nقد يقول قائل: إن قول الله ﷿ فيها: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] خطاب عام يشمل المسلمين جميعًا، فيدخل فيه أهل البدع؛ لأن أهل البدع ليسوا كفارًا، فكيف يقال: إنهم ليسوا وسطًا؟ والجواب على هذا بسيط وهو أن نقول: إن هذه الآية خوطب بها أصحاب النبي ﷺ، قبل أن يقع التفرق والاختلاف فلما وقع التفرق والاختلاف أتينا إلى هذه الآية فوجدنا أن أسعد الناس بأن يكون وسطًا هم: أهل السنة والجماعة أتباع الصحابة.\nوأما أهل البدع فإنهم انحرفوا عن منهج الصحابة وعن الوسطية التي وصف الله ﷾ بها منهج الصحابة.\nقال المؤلف ﵀: [فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك -يعني: يؤمنون بهذه الوسطية- كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه العزيز، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم الوسط في الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم].\nوهنا نلاحظ أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرجح أن معنى الوسطية هو: التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط.\nوقوله عن أهل السنة بأنهم الفرقة الناجية، وصفوا بأنهم فرقة ناجية من أمرين: الأمر الأول: من التفرق.\nوالأمر الثاني: من النار التي توعد الله ﷿ بها الفرق المخالفة للصراط المستقيم.","vol":"15","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>حقيقة الوسطية</span>\nوالوصف بالوسطية ليس معناه: أن الإنسان ينظر في طرائق الناس ومناهجهم ثم يتخذ وسطًا من عنده، ويقول: هذا هو الوسط، أي: في النصف.\nفلا يأتي إلى الوسط بين هذا المنهج وبين هذا المنهج، ويقول: هذا أحسن شيء فأتبعه.\nوإنما المقصود بالوسطية هنا: إخبار الله ﷿ بأن هذه الأمة لما اتبعت الصراط المستقيم -وهو كلام الله ﷿، وكلام الرسول ﷺ- صارت أمةً وسطًا بذلك.\nفالوسطية في اتباع النصوص وليست في النظر إلى مذاهب الناس واختيار مكان معين منها بالهوى، وبعض الناس مثلًا يقول: لا بد أن تكون وسطًا مع الكفار، فلا تصير متشددًا مثل الذين يريدون جهاد الكفار، ولا تصير متساهلًا مثل الذين يوالون أعداء الله، وإنما كن وسطًا، يعني: لا تجاهدهم ولا توالهم، وإنما تبقى بينك وبينهم علاقات ومودة طيبة، وهذا الاختيار باطل، لأنه ليس وسطًا، وإنما هو انحراف، فليست الوسطية اختيار الإنسان للمكان الذي يريد بين الأهواء والآراء، وإنما هي اتباع ما أمر به الله ﷾ وأمر به رسوله ﷺ، فمعنى الآية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، يعني: أنكم لما اتبعتم الطريق المستقيم واتبعتم الوحي الرباني صرتم وسطًا، واتباع الوحي يجعل الإنسان وسطًا، فإذا انحرف عنه فلا يكون وسطًا، وإنما يكون إما في طرف الإفراط، أو في طرف التفريط.","vol":"15","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>صور من وسطية أهل السنة في العقائد بين الفرق المنحرفة</span>","vol":"15","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>وسطية أهل السنة في صفات الله تعالى بين المعطلة والمشبهة</span>\nقال المؤلف ﵀: [فهم وسط في باب صفات الله ﷾ بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة].\nفأهل السنة والجماعة يثبتون أسماء الله ﷿ وصفاته، وينفون عنها مشابهة المخلوق وهذا وسط.\nوالمشبهة والممثلة أفرطوا في الإثبات، فأوصلهم هذا الإفراط إلى التشبيه والتمثيل فقالوا: إن يد الله كأيدينا، وعين الله كأعيننا، وأن الله ﷿ يتكلم كما نتكلم، وإنه ﷾ مثلنا تمامًا، ولهم كلام شنيع في هذا الموضوع، وأول فرقة من فرق المشبهة الذين شبهوا الله ﷿ بخلقه هم الشيعة، وكان هشام بن الحكم الرافضي مشبهًا مشهورًا، ثم بعد ذلك ترك الشيعة التشبيه وتأثروا بمناهج المعتزلة، وصاروا ينفون صفات الله ﷿ كالمعتزلة، ومن يراجع كتاب التوحيد لـ ابن بابويه القمي -وهو من أئمة الشيعة المشاهير- يجد أنه كان على منهج المعتزلة تمامًا.\nوأما الفئة الأخرى -وهم الجهمية- فقد فرطوا، فلم يثبتوا شيئًا، ولهذا يقول السلف: الجهمي يعبد عدمًا والمشبه يعبد صنمًا، ولما قيل لـ جهم بن صفوان: ما هو إلهك؟ قال: هو هذا الهواء بدون اسم ولا صفة.\nوالجهمية هم أتباع الجهم بن صفوان، وكان ظهوره في القرن الثاني الهجري، ولم يكن معروفًا بالعلم، ولا جلس في حلقاته، ولا درسه على أصوله الصحيحة، وقد التقى بطائفة من الهنود يسمون: السمنية، وكانوا ينكرون الأمور الغيبية ويثبتون الحسيات، فلما التقى بهم ناقشهم في الله فقالوا له: أين ربك؟ هل هو شيء رأيته؟ قال: لا قالوا له: فهل شممته أو ذقته أو لمسته؟ قال: لا قالوا: إذًا ليس هناك شيء، فجلس في بيته أربعين يومًا لا يصلي، ثم خرج على الناس وقال: إن ربي هو هذا الهواء ليس له اسم ولا صفة، فلما هلك جهم جاء بعده بشر المريسي، ثم جاء بعدهما ابن أبي دؤاد الذي تزعم فتنة خلق القرآن، وكان من المعتزلة، فأصبحت الجهمية كما يقول العلماء ثلاث درجات: الجهمية الأولى: وهم أتباع جهم بن صفوان وهؤلاء ينفون أسماء الله وصفاته بالكلية بجميع أنواعها.\nوالجهمية الثانية: وهم المعتزلة وهؤلاء يثبتون أسماء الله وينفون صفاته، ويجعلون أسماء الله ﷿ أعلامًا محضة ليس لها أي دلالة.\nوالجهمية الثالثة: وهم الأشاعرة والماتريدية فالأشاعرة جهمية؛ لأنهم ينفون صفات الله ﷿ الخبرية والاختيارية ولا يثبتون إلا سبع صفات فقط ويسمونها: صفات المعاني.\nوقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتابًا سماه: بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، رد فيه على الأشاعرة، فقد رد فيه على الرازي، وهو أحد أئمة الأشاعرة المتأخرين في كتابه: أساس التقديس، فسمى شيخ الإسلام الأشاعرة جهمية.\nوكل من عطل الصفات سواءً عطلها جميعها أو بعضها فهو من الجهمية.\nوالجهمية يتفاوتون ما بين غال كـ جهم بن صفوان الأول، وأقل غلوًا كالأشاعرة.","vol":"15","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>وسطية أهل السنة في أفعال العباد بين الجبرية والقدرية</span>\nقال المؤلف ﵀: [وهم وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية].\nوالجبرية: هم الذين يقولون: إن العبد مجبور على فعل نفسه، وأنه كالريشة في مهب الريح، وأنه ليس مختارًا في أفعاله التي يقوم بها، وإنما هي أفعال الله ﷿ ألزم العباد بها، فيرون أن كفر العبد وعصيانه معذور فيهما؛ لأنهما ليسا باختياره ورغبته، وإنما هو مجبور من الله، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.\nوهؤلاء الجبرية هم: جهمية؛ لأن جهم بن صفوان ضل في أكثر من باب في العقيدة، فقد ضل في الأسماء والصفات، فنفى أسماء الله وصفاته جميعًا، وضل كذلك في القدر فاعتقد الجبر، وقال: إن العبد مجبور على فعل نفسه.\nومن الجبرية كذلك الأشاعرة، فإنهم يقولون: إن العبد كاسب لفعله، وأنه ليس له فعل في الحقيقة، ويمثلون لاقتران فعل الله ﷿ بفعل العبد: بحال رجل قوي يحمل صخرةً كبيرة وهذه الصخرة الكبيرة يستطيع حملها وحده، فلو جاء رجل آخر ووضع يده معه، فإن هذا الرجل الآخر لو رفع يده لاستطاع الأول أن يحملها، ولكنه شاركه فسمي حاملًا للحجر.\nفيقولون: إن الله ﷿ خلق فعل العبد، والعبد سيفعل هذا الفعل شاء أم أبى، وقد سمي هذا العبد فاعلًا؛ لأن الفعل وقع منه، فسموه كسبًا، وهم في الحقيقة لا يثبتون فعلًا للعبد.\nوالإيجي من الأشاعرة يقول في كتابه المواقف من علم الكلام: الجبرية نوعان: جبرية خالصة، وهم الجهمية الأولى، وجبرية متوسطة وهم: الأشاعرة.\nقال المؤلف ﵀ [وهم وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية].\nوالقدرية قالوا: إن الله ﷿ ليس له أي علاقة -لا من قريب ولا من بعيد- في أفعال العباد، وأن العباد يخلقون أفعالهم كما يشتهون والله ﷿ لا يعلم بفعل العبد إلا بعد أن يقع، وهذا لاشك أنه ضلال مبين والقدرية معتزلة والمعتزلة ضلوا في بابين من أبواب العقيدة أو أكثر.\nالباب الأول: باب الصفات.\nوالباب الثاني: باب القدر.\nفالعلماء سموهم قدرية؛ لأنهم ضلوا في هذا الباب، وإلا فهم معتزلة في الحقيقة.\nوالحق: هو منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، وهو كالآتي: إن الله ﷿ خالق لكل شيء، ولا يحدث شيء في الكون إلا وقد علمه الله ﷿ قبل أن يحدث ثم أراده ثم خلقه بعد ذلك.\nويثبتون: أن للعبد فعلًا، وأن هذا الفعل بمشيئته وإرادته واختياره ويفسرون ذلك: بأن الله ﷿ خلق للعبد إرادة يختار بها ما يشاء، فإذا أراد العبد إرادة معينة خلقها الله ﷿ له، فكان الفعل، فأصبح الفعل من خلق الله، وبإرادة العبد في نفس الوقت، فإذا كان أمام العبد أمران: فعل، أو ترك، فإنه يختار ما يشاء، فهو قادر على الفعل ومستطيع له قبل أن يفعله وهو كذلك قادر على الترك بمحض الإرادة التي خلقها الله ﷿ له فإذا فعل الفعل أو تركه، فالفعل الذي فعله وقع باختياره وإرادته من غير إكراه، وفي نفس الوقت هذا الفعل الذي فعله ليس من خلق العبد.","vol":"15","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>وسطية أهل السنة في الوعيد بين المرجئة والخوارج والمعتزلة</span>\nقال المؤلف ﵀: [وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم].\nفقوله: [وفي باب وعيد الله]، يعني: الآيات والأحاديث التي وردت في وعيد أهل الكبائر والذنوب، وفي وعيد الكفار ونحوهم فأهل السنة يقولون: إن هذه الآيات والأحاديث على حقيقتها وإن العبد إذا فعل ذنبًا من هذه الذنوب أو ارتكب معصيةً من المعاصي فهو مهدد بالنار، ثم إذا شاء الله ﷿ أنفذ وعيده، وإذا شاء عفا عن عبده، ويستدلون على ذلك بقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فهو ﷾ يغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ويستدلون بالشفاعة أيضًا فإن الشفاعة من أنواعها: أن الله ﷿ يعفو عن أهل الكبائر الذين استحقوا النار، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (إن لكل نبي دعوة مستجابة وادخرت دعوتي شفاعةً لأهل الكبائر من أمتي) وهذا يدل على أن أهل الكبائر يوم القيامة مع كونهم متوعدون بالنار، إلا أن الله ﷿ قد يعفو عنهم.\nوأما المرجئة فإنهم يقولون: إن العبد لو فعل الكبائر فإنها لا تؤثر على إيمانه، وإيمانه تام صحيح ولا يعذب ويقولون: لا يضر مع المعصية طاعة، ولا يضر مع الطاعة والإيمان معصية.\nوإن العبد مهما أذنب من الذنوب فإنه لا يعذب أبدًا.\nوهذا القول لا شك أنه قول كفري.\nوالمرجئة درجات وليسوا درجةً واحدة، فمنهم: غلاة المرجئة كالجهمية، وهؤلاء لا شك أنهم ليسوا بمسلمين، وقد كفرهم السلف رضوان الله عليهم.\nوأما من دونهم وهم الأشاعرة فإنهم يقولون: إن العبد إذا فعل المعصية فقد يعذبه الله ﷿ ولكنهم يقولون في الإيمان: إنه مجرد التصديق القلبي، ولا يترتب على ترك العمل كفر يؤاخذ به العبد في الدنيا أو الآخرة.\nوالوعيدية طائفتان: الخوارج والمعتزلة، وسموا وعيدية؛ لأنهم يرون أن أهل الكبائر كفار فترى الخوارج أنهم كفار في الدنيا، وفي الآخرة مخلدون في النار بينما يرى المعتزلة أنهم في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، وفي الآخرة مخلدون في النار وهذا لا شك أنه باطل، فإن الله ﷿ يعفو عن أهل الكبائر الذين تابوا وهم يقولون: إن الله ﷿ لا يمكن أن يعفو عن أصحاب الذنوب ويمنعون ذلك وينكرون الشفاعة.","vol":"15","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>وسطية أهل السنة في الإيمان بين الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة</span>\nقال المؤلف ﵀: [وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية].\nإن المرجئة إذا عمل الإنسان معصية أعطوه اسم الإيمان، مع فعله المعصية، ويقولون: هو مؤمن مع أن الرسول ﷺ صرح بأنه ليس بمؤمن، فقد قال ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)، وهم يقولون: هو مؤمن أثناء الزنا، وأثناء السرقة، وهذه مخالفة صريحة لقول النبي ﷺ.\nكما أنهم يقولون: إن الإيمان هو مجرد التصديق.\nوأما الحرورية والمعتزلة فإنهم يكفرون أصحاب الكبائر ويعتقدون أنهم من المخلدين في النار يوم القيامة.\nفأما تكفيرهم لأصحاب الكبائر فالخوارج يصرحون بالتكفير، والمعتزلة يقولون: إنهم في منزلة بين المنزلتين فليسوا بمسلمين ولا كفار، وإنما هم في منزلة بين المنزلتين ويتعامل معهم كما يتعامل مع الكفار، فهم في الأخير يلتزمون قول الخوارج، ولا يسمونه كافرًا، فالمعتزلة والخوارج يتفقون في الحقائق والأحكام ويختلفون في الأسماء، ففي أحكام الدنيا يطبقون عليهم أحكام الكفر، ولا يسمونهم كفارًا، وفي أحكام الآخرة فيطبقون عليهم أحكام الكفار، ويقولون: إنهم مخلدون.","vol":"15","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>وسطية أهل السنة في الصحابة بين الرافضة والخوارج</span>\nقال المؤلف ﵀: [وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج].\nالرافضة: هم غلاة الشيعة، وسموا رافضةً لأنهم كما تروي كتب الملل والنحل جاءوا إلى زيد بن علي وهو من أهل البيت وأرادوا الخروج معه على بني أمية فقالوا: لابد أن تتبرأ من الشيخين -يعني: من أبي بكر وعمر - قال: لا أتبرأ منهما، فقالوا: إذًا: لا نخرج معك، فقال: رفضتموني فسموا رافضة والرافضة لهم أسماء، فيسمون الرافضة، ويسمون الإثني عشرية؛ لأنهم يرون أن الأئمة اثنا عشر إمامًا من نسل علي بن أبي طالب، ولما توفي الإمام الحادي عشر عندهم وهو الحسن العسكري وليس له ولد قالوا: إن له ولد كان يربيه بعض أجداده دخل السرداب، وسيخرج في آخر الزمان، ويملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا من قبل، وهو مهدي الرافضة الذي ينتظرونه في سامرا ولجئوا إلى هذا عندما أحرجهم الناس بأن الإمامة قد انقطعت.\nويسمون الإمامية، والسبب في تسميتهم الإمامية هو: أن أعظم أصول الدين عندهم: الإمامة، فهي أعظم من الشهادتين، والإمامة عندهم: تعتبر من أركان الدين الأساسية.\nومن عقائد الرافضة الإمامية الإثني عشرية في أصحاب النبي ﷺ: أنهم يكفرونهم جميعًا إلا علي بن أبي طالب، وفاطمة، وأبناء علي بن أبي طالب، وبعض الصحابة: كـ سلمان، والمقداد بن الأسود وغيرهم.\nوبضد هؤلاء الخوارج، فإنهم كفروا علي بن أبي طالب في الوقت الذي تعتبره الشيعة إلهًا، فهناك فرق شاسع بين الطائفتين، فطائفة تعتبره من أعظم الصالحين الأتقياء، وهو: خليفة النبي ﷺ، وأن الناس ظلموه في حين أن الخوارج يكفرونه، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، وكلاهما من الضالين.\nوالحق هو: أن علي بن أبي طالب ﵁ أحد الأئمة الأربعة، وأحد المبشرين بالجنة، ومن الصحابة الفضلاء وله مناقب عظيمة وجليلة وفي نفس الوقت: لا نقول إنه أفضل من أبي بكر وعمر، ولا نوصله إلى ما أوصله إليه الرافضة الضلال فنحن وسط بين هؤلاء وهؤلاء وهذه هي الوسطية.","vol":"15","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>الأسئلة</span>","vol":"15","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>حكم الأشاعرة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان الأشاعرة جهمية وجبرية ومرجئة فما المانع من تكفيرهم، أو تكفير مقولاتهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأشاعرة بإجماع المسلمين ليسوا كفارًا، وأما تسميتنا لهم جهمية، فهو لوجود شعبة من شعب التجهم عندهم، فهم ليسوا جهمية خالصة، وإنما عندهم شعبة من شعب التجهم، وكذلك عندما نسميهم جبرية ومرجئة فذلك لوجود شعبة من شعب الجبر والإرجاء عندهم، ولا يعني هذا تكفيرهم فهم من أهل البدع، وليسوا كفارًا.","vol":"15","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>الفرق بين القدرية والجبرية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين القدرية والجبرية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كالفرق بين المشرق والمغرب، فالمشرق في جهة والمغرب في جهة، فالقدرية تنكر القدر تمامًا ولا تثبته أبدًا، والجبرية ترى أن القدر معناه: جبر العبد.\nفهم اختلفوا في أفعال العباد فالقدرية يرون أن العبد حر فيها وليس لله عليه فيها سلطان، وهو يخلق الفعل بنفسه، ولهذا سماهم السلف مشبهة الأفعال، وأولئك يقولون: ليس له أدنى عمل يقوم به، وإنما هو مجبور، مثل: الحركة الاضطرارية، ومثل: الريشة في مهب الريح.","vol":"15","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>الموقف من المفتين بإباحة الغناء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كتب أحد الجهال الذين يتكلمون فيما لا يعلمون مقالًا يستحل فيه الغناء، ويعتقد أنه حلال فما حكمه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  انتشر في هذا الزمان بعض المفسدين الذين لا هم لهم إلا إباحة الشهوات، والتلاعب بدين الله ﷿، وأصبحت أحكام الله ﷿ يتلاعب بها بعض الناس السفهاء والمفسدين الذين ليسوا من أهل العلم لا من قريب ولا من بعيد، وليسوا حتى من أهل المعرفة العادية وإلى الله المشتكى، فهذا زمان الفتن الذي أخبر النبي ﷺ عنه بأن في آخر الزمان: (ينطق فيهم الرويبضة) والرويبضة كما فسره العلماء: هو الرجل التافه الذي يتكلم في الأمور العامة، فهذا الذي يستبيح الغناء وأمثاله من الذين لم يعرفوا رائحة العلم لا من قريب ولا من بعيد، وهم من الرويبضات الذين يعبثون في دين الله ﷿، ويتلاعبون به، ومثل هؤلاء لا يلتفت إليهم.","vol":"15","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>حكم الفرق المخالفة في أبواب العقيدة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل هذه الفرق مخلدة في النار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  تختلف، وليست على درجة واحدة.","vol":"15","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>نظرة في قول المرجئة: (لا ينفع مع الكفر طاعة)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل قول المرجئة: إنه لا ينفع مع الكفر طاعة، كلام صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان المقصود بالطاعة أعمال الفروع فالكلام صحيح، فلو كان الإنسان كافرًا وصلى وصام فإنها لا تنفعه هذه الطاعة، وإذا كان المقصود بالطاعة أصل الدين فلاشك أن أصل الدين يزيل الكفر.","vol":"15","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>العقيدة الواسطية [١٦]</span>\nمن أركان الإيمان وأصوله العظيمة الإيمان باليوم الآخر، الذي جعله الله تعالى معادًا للعباد للجزاء والحساب، وإنما أنكره من لا يؤمن بالله تعالى من المشركين الدهريين والفلاسفة والباطنية، ويتصل بالإيمان بهذا الركن الركين الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وفتنة الناس في قبورهم، وغير ذلك من المسائل الثابتة في النصوص.","vol":"16","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>الإيمان باليوم الآخر</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.\nأما بعد: فالإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، ففي حديث جبريل الطويل الذي رواه عمر بن الخطاب ﵁ عندما أخبر أنه جاء رجل إلى النبي ﷺ ثم ذكر أنه سأله على الإيمان؟ فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره).\nفالإيمان باليوم الآخر ركن أساسي من أركان الإيمان.\nوهو يتضمن الإيمان بما بعد الموت.\nفيشمل الإيمان بفتنة الناس في قبورهم وعذاب القبر ونعيمه، ويشمل - كذلك - القيامة والحشر والبعث والحساب والحوض والميزان وما يلحق بذلك من الجنة والنار.\nوحياة الناس تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الحياة الدنيا.\nوالحياة البرزخية.\nوالحياة الأخروية.\nفأما الحياة الدنيا فهي مدار الأمر والنهي والتكليف، وهي التي يعيش فيها الناس منذ ولادتهم الأولى إلى الموت.\nوأما البرزخ فيبدأ من موت الإنسان إلى أن يبعث الله ﷿ من في القبور ويحشرهم في مكان واحد، ثم بعد ذلك يبدأ اليوم الآخر الذي يشمل جميع الناس.\nوالدليل على وجود الحياة الدنيا: عيشنا فيها الآن.\nوالدليل على وجود البرزخ: قول الله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].\nفهذا يدل على أن هذه الحياة المشار إليه في الآية حياة متوسطة بين الحياة الدنيا وبين الحياة الأخرى، كما دل على ذلك قوله: ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].\nوالحياة الدنيا هي التي فيها التكليف.\nوأما حياة البرزخ والحياة الأخروية فليس فيها تكليف، وإنما فيها الجزاء والحساب.","vol":"16","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>وجوب الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه</span>\nقال المؤلف ﵀: [ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه.\nفأما الفتنة: فإن الناس يمتحنون في قبورهم فيقال للرجل: من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فيقول المؤمن: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد ﷺ نبيي.\nوأما المرتاب فيقول: هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته.\nفيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق.\nثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى].\nفلا شك أن الناس يفتنون في قبورهم.\nوالدليل على ذلك ما ثبت عن النبي ﷺ من قوله: (إن الناس يفتنون في قبورهم مثل فتنة الدجال)، أو قال: (قريبًا من فتنة الدجال).\nوقد بين النبي ﷺ طبيعة هذه الفتنة كما في حديث البراء بن عازب الذي رواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن البراء بن عازب ﵁ في حديث طويل، وفيه: أن المؤمن يسأل عن ربه فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله.\nويقال له: وما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام.\nفيقال له: ومن نبيك؟ فيقول: نبيي محمد ﷺ، ففتنة الناس في قبورهم ثابتة.","vol":"16","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>بيان أصناف الذين لا يفتنون في القبر</span>\nوقد بحث العلماء مسألة: هل كل الناس يمتحنون؟ لأن كلمة الناس عامة تشمل الأنبياء والشهداء والصالحين، وتشمل الكفار والمنافقين، وتشمل أشياء كثيرة.\nفأما الشهداء فورد فيهم نص عن النبي ﷺ حيث قال النبي ﷺ: (كفى ببارقة السيوف على رؤوسهم فتنة)، يعني: أن قتالهم في سبيل الله وبريق السيوف الذي واجهوه وقتلهم في سبيل الله يرفع عنهم الفتنة في القبر.\nوهذا حديث صحيح صححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في كتابه: أحكام الجنائز.\nفالشهداء لا يمتحنون في قبورهم، ولا يأتيهم ملكان يسألانهم عن الرب وعن النبي وعن الإسلام.\nوأما الأنبياء فلا يمتحنون في قبورهم.\nوالدليل على ذلك أمران: الأمر الأول: هو أن الأنبياء أولى من الشهداء.\nفإذا كان الشهداء لا يمتحنون في قبورهم فالأنبياء أولى منهم؛ لأن فضل النبوة أعلى من فضل الشهادة.\nوإذا كان فضل الشهادة مانعًا من الفتنة في القبور ففضل النبوة أولى.\nوثانيًا: أن الإنسان يسأل في قبره عن النبوة والأنبياء، فيقال له: من نبيك؟ وهذا يدل على أن المسئول عنه عظيم.\nوإذا كان يسأل عن الأنبياء فلا شك أن هذا يدل على أنهم لا يسألون في قبورهم، وإنما ينعمون مباشرة.\nويفتن بقية الناس المسلم والكافر، وهو الصحيح الذي عليه أهل السنة من أن الفتنة في القبور تكون على المسلمين وعلى الكفار.\nويدل عليه حديث البراء بن عازب الطويل، والذي صنف فيه الذين يسألون ويفتنون في قبورهم.\nقال: (فأما المؤمن)، ثم قال: (وأما المنافق)، وفي بعض الألفاظ: (والكافر).\nوهذا يدل على أن المؤمن يسأل ويفتن.\nوكذلك فيه دليل على أن الكافر أيضًا يسأل ويفتن، وكذلك المنافق؛ لأن هؤلاء جميعًا ورد النص فيهم في حديث البراء بن عازب، وكذلك دل على هذا عموم الأدلة التي بين النبي ﷺ فيها أن هذه الأمة تفتن في قبورها.\nوكلمة الأمة تشمل أمة الاستجابة وأمة الدعوة.\nفالكفار يفتنون على الصحيح.\nوهذا ما رجحه ابن القيم ﵀ في كتابه الروح.\nوكتاب الروح عمدة في هذا الباب؛ لأنه اشتمل على كثير من الأحاديث الواردة في قضية البرزخ وتعلق الروح بالبدن فيها وما يتبع ذلك من مسائل.","vol":"16","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>فتنة الأمم السابقة في قبورها</span>\nوأما الأمم السابقة فقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ أن هذه الأمة تمتحن في قبورها.\nوورد في الحديث أيضًا عن النبي ﷺ: (أنه كان على بغلة فحادت عن الطريق حتى كادت تسقطه، فقال النبي ﷺ: إن يهود يمتحنون في قبورهم).\nوثبت أيضًا في صحيح البخاري: (أن يهودية جاءت إلى عائشة ﵂ وقالت لها: استعيذي بالله من عذاب القبر، فسألت النبي ﷺ وقالت: هل في القبر عذاب؟ فقال: نعم، عذاب القبر حق.\nفما زال ﷺ يستعيذ بالله من عذاب القبر طيلة ذلك اليوم).\nأعاذنا الله وإياكم من عذاب القبر.\nوالنصوص الواردة في الامتحان عامة تشمل الأمم جميعًا.\nوإن كانت الأدلة لم ترد إلا في هذه الأمة وفي اليهود.\nولكن عموم الأدلة تشمل عموم الناس.\nإذًا: فقول الشيخ: (الناس) ليس على عمومه، فالأنبياء والشهداء لا يمتحنون في قبورهم.","vol":"16","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>ذكر الخلاف في اسمي الملكين اللذين يمتحنان الناس في القبور</span>\nوالذي يمتحن الناس في قبورهم: ملكان، هذان الملكان اختلف أهل العلم في اسميهما: هل لهما اسم أو ليس لهما اسم؟ والخلاف في ذلك مبني على أمرين: الأمر الأول: على ثبوت الحديث في هذا.\nوالأمر الثاني: على استنكار بعض أهل العلم لتسمية الملائكة بالمنكر والنكير.\nفأما الحديث الوارد في هذا: فقد ثبت عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح كما رواه الترمذي وابن أبي عاصم في السنة والآجري في الشريعة: أن النبي ﷺ قال: (إن الميت إذا مات جاءه ملكان في قبره أحدهما المنكر والآخر النكير فيسألانه).\nفسماهم النبي ﷺ بهذين الاسمين: وهذا الحديث حديث ثابت صحيح.\nوأما استنكار بعض أهل العلم لتسميتهما بالمنكر والنكير فلا شك أنه إذا ورد الحديث في هذا وثبت فلا يرد هذا الإشكال أبدًا؛ لأنه من كلام النبي ﷺ، ولا يصح الاعتراض على كلام النبي ﷺ.\nكما يمكن أن نجيب عن هذا الإشكال بأنهما ليسا منكرًا ونكيرًا في ذاتهما، وإنما عند الشخص الذي يفتنانه، وقد يكون منكرًا بمعنى: مخيفًا.\nولهذا ورد في صفتهما في الحديث: إنهما أسودان أزرقان.\nولا شك أن هذه الصورة مخيفة للإنسان.","vol":"16","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>ضمة القبر</span>\nوقد ورد عن النبي ﷺ في حديث وفاة سعد بن معاذ أنه قال: (إن للقبر ضمة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ).\nوضمة القبر ليست من العذاب، وإنما هي صفة للقبر.\nوقد ذكر بعض أهل العلم أنها فترة، وما يلحق بذلك من الكسل ونحو ذلك.\nفليست من العذاب، ولا يعني هذا أن كل الناس يعذبون كما يفهم من ظاهر كلام المؤلف.","vol":"16","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>الأدلة القرآنية على ثبوت عذاب القبر ونعيمه</span>\nوعذاب القبر ونعيمه يثبته أهل السنة والجماعة لثبوت الأدلة فيه.\nوقد أنكره الخوارج والمعتزلة، فقالوا: ليس في القبر نعيم ولا عذاب.\nواستدل أهل السنة على ثبوت عذاب القبر ونعيمه من القرآن الكريم بما يأتي: قال الله ﷿: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].\nوهذا النص واضح بأن النار التي يعرضون عليها قبل يوم القيامة.\nولهذا قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].\nفهذه النار التي يعذبون فيها ويعرضون عليها غدوًا وعشيًا هي قبل يوم القيامة.\nوليس هناك نار يعرضون عليها إلا في القبور وبعد الموت.\nولهذا وردت آثار عن السلف الصالح رضوان الله عليهم في أن أرواح آل فرعون في طيور سود تعذب.\nوظاهر الآية واضح في إثبات عذاب القبر.\nوقال الله ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧].\nفهذه الآية تدل على عذاب القبر؛ لأنه لما سئل الرسول ﷺ عن القبر وبين أن الناس تمتحن فيه قرأ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧].\nولهذا أجمع المفسرون على أن هذه الآية ورادة في عذاب القبر ونعيمه.\nوقال الله ﷿: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام:٩٣]، إلى آخر الآية.\nوهذه الآية من الآيات التي استدل بها الإمام البخاري ﵀ على إثبات عذاب القبر.\nفقد عقد بابًا في كتاب الجنائز باب: عذاب القبر.\nوسرد مجموعة من الآيات منها هذه الآية، وجعلها دليلًا على إثبات عذاب القبر.\nووجه الدلالة من هذه الآية من ناحيتين: الناحية الأولى هي: أن الله ﷿ يقول: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام:٩٣]، يعني: في أثناء الاحتضار.\n«وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ» يعني: يستعدون لها بالضرب.\nوذلك أن روح المنافق والكافر إذا أراد الملائكة أن يخرجوها تتفرق في بدنه فلا يجمعونها إلا بالضرب، يضربونها من هنا وهناك، ثم يجمعون هذه الروح ويخرجونها.\nفإذا كان الميت يعذب في غمرات الموت بسبب فسوقه وكفره؛ فإنه يعذب في قبره من باب أولى.\nوهذا الوجه أفاده الشيخ حافظ حكمي في كتابه معارج القبول.\nوالوجه الثاني: هو أن هذه الآية فسرت بآية أخرى في سورة محمد، وهي قول الله ﷿: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٧].\nفقالوا: إن الضرب على الوجوه والأدبار من الملائكة للفاسقين والكافرين يكون بعد الموت وقبل الدفن.\nووجه الدلالة حينئذ هو: أنه إذا كان الميت يعذب قبل دفنه فبعد دفنه من باب أولى.\nوهذا أفاده الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري في كلامه على هذه الآية.\nوقال الله ﷿: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١].\nوالمرتان الواردتان في الآية ليس المقصود بهما الآخرة.\nوالدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١].\nفعندنا في هذه الآية ثلاثة أنواع من العذاب: العذاب الأول، والعذاب الثاني، والعذاب الثالث يكون في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١].\nفأخبرت الآية أنه يعذبهم مرتين ثم بعدها يردون إلى العذاب العظيم.\nوالعذاب العظيم يكون في الآخرة يوم القيامة.\nوأما المرتان فقال المفسرون فيها: إنهما عذاب في الدنيا وعذاب في القبر.\nوقد روى ابن أبي حاتم والطبري عن ابن عباس ﵁ أنه قال: العذاب الأول في الدنيا، والعذب الثاني في القبر.\nوروي عن غيره أنه قال: العذاب الأول بالجوع والقتل، والعذاب الثاني في القبر.\nولهذا قال الحافظ ابن جرير الطبري المفسر المشهور: إن كل الآثار الواردة في تفسير المرتين متفقة على أن الثاني منهما عذاب القبر، واختلفوا في الأول.\nفبعضهم على أنه في الدنيا بشكل عام، وبعضهم يجعلها بالقتل والسبي، وبعضهم يجعلها بالجوع والفقر، وما إلى ذلك.\nوكلها تجمع على أن العذاب الأول في الدنيا، والعذاب الثاني يكون في القبر.\nوهذا دليل صريح واضح على أن الناس يعذبون في قبورهم.","vol":"16","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>الأحاديث النبوية الدالة على عذاب القبر ونعيمه</span>\nوأما في السنة فقد ثبتت الأحاديث في ذلك عن النبي ﷺ عن أكثر من اثنين وثلاثين صحابيًا.\nمنهم عمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وابن عباس.\nففي حديث ابن عباس المشهور في الصحيحين: (عندما مر النبي ﷺ بقبرين وقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الثاني فكان يمشي بين الناس بالنميمة).\nوروي أيضًا عن البراء بن عازب، وعن عدد كبير من الصحابة.\nوقد ساق هذه الأحاديث مفصلة الشيخ حافظ حكمي في كتابه معارج القبول عن هؤلاء الثلاثين جميعًا.\nوهي جميعًا متفقة على أن الناس يعذبون أو ينعمون في قبورهم.\nولهذا قال الشيخ حافظ حكمي في كتابه معارج القبول: بأن أحاديث عذاب القبر ونعيمه بلغت حد التواتر المعنوي.\nوالتواتر هو: نقل جماعة عن جماعة يستحيل في العادة أن يتواطئوا على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس.\nوهنا قد نقل جماعة كثيرة عن جماعة كثيرة، وأسندوه إلى شيء محسوس، وهو قول النبي ﷺ وإخباره.\nوالتواتر ينقسم إلى قسمين: تواتر لفظي.\nوتواتر معنوي.\nفأما التواتر اللفظي فهو: أن يتواتر حديث بلفظ معين.\nكقوله ﷺ: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار).\nوأما التواتر المعنوي فهو: أن ترد مجموعة أحاديث بأوجه مختلفة، وكلها تدل على معنى واحد.\nومن التواتر المعنوي مثلًا المسح على الخفين، ورؤية الله ﷿ يوم القيامة، وأحاديث النزول، وأحاديث العلو، وأحاديث عذاب القبر ونعيمه.","vol":"16","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>المنكرون لعذاب القبر ونعيمه</span>\nوأنكر الخوارج والمعتزلة عذاب القبر ونعيمه.\nوقالوا: إن الناس لا يعذبون في قبورهم.\nومن الجهمية الذين أنكروا عذاب القبر ونعيمه بشر بن غياث المريسي المشهور الذي رد عليه السلف.\nفقد رد عليه عثمان بن سعيد الدارمي.\nوليس هو صاحب السنن بل صاحب السنن هو عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي.\nوأما عثمان فهو المصنف في العقائد، وله كتاب: الرد على الجهمية، وكتاب رد عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد.\nفالشاهد: أن الخوارج والمعتزلة نفوا عذاب القبر ونعيمه.\nوكذلك العقلانيون عمومًا لا يثبتون عذاب القبر ونعيمه.","vol":"16","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>الرد على استدلال منكري عذاب القبر بآية سورة الدخان</span>\nٍوقد استدل الخوارج والمعتزلة على إنكارهم لعذاب القبر ونعيمه بثلاثة أدلة: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦] فقالوا: معنى هذا: أنهم إذا كانوا يعذبون في قبورهم فسيذوقون أكثر من موتة.\nوهذا مخالف للآية.\nوالجواب على هذا بسيط وسهل وهو: أن هذه الآية وردت في أهل الجنة، وليس في أهل القبور.\nولهذا فطريقة أهل البدع دائمًا هي: أنهم يأتون بالنصوص ويضعونها في غير موضعها ويشبهون على الناس بذلك.\nفينبغي على الدعاة إلى الله ﷿ أن يميزوا ويفصلوا.","vol":"16","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>الرد على استدلال منكري عذاب القبر بآية سورة فاطر</span>\nومما استدلوا به قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢].\nفقالوا: إن الله ﷿ نفى أن يكون أحد يسمع من في القبور.\nولو كان أهل القبور أحياء ويعذبون وينعمون لسمعوا.\nوهذا المعنى باطل؛ لأنه لا يلزم من وجود الحياة وجود السمع.\nفبعض الأحيان قد ينام النائم بجانبك وتتكلم أنت مع شخص آخر وهو لا يسمع مع أنه حي قطعًا.\nوبعض الأحيان لا يسمع الإنسان لبعد مكانه.\nفمثلًا: من يعيش الآن في المغرب الإسلامي لا يسمع كلامنا الذي نتكلمه.\nفعدم السماع ليس دليلًا على عدم الحياة.\nوالله ﷿ لما خلق الخلق وخلق الحياة الدنيا جعل لها طبيعة خاصة بها، وجعل للبرزخ طبيعة خاصة به، وجعل للحياة الآخرة طبيعة خاصة بها.\nوجعل بين هذه الثلاث فروقًا وحواجز.\nومسألة هل الأموات في قبورهم يسمعون أو لا يسمعون مسألة مشهورة عند أهل العلم، اختلف فيها أهل العلم بناءً على الأدلة الواردة فيها.\nوقد كان اختلاف السلف رضوان الله عليهم في هذه المسألة اختلافًا بسيطًا لا يترتب عليه ما رتبه عليه أهل البدع، وذلك لوجود أدلة تنفي السماع وأخرى تثبته؛ ولهذا أعدل الأقوال في هذه المسألة هو ألا يقال: إنهم يسمعون مطلقًا، أو لا يسمعون مطلقًا.\nوإنما يقال: إنهم يسمعون في ما ورد النص فيه بأنهم يسمعونه، كرد السلام مثلًا، وكأهل قليب بدر لما وقف عليهم النبي ﷺ وقال: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا.\nقالوا: يا رسول الله! تكلم جيفًا قد بليت؟ قال: ما أنتم بأسمع لكلامي منهم، لكنهم لا يجيبون).\nووردت أيضًا بعض الأحاديث التي تدل على أن بعض الموتى يسمعون.\nولكن هذا لا يعني أن هذا السماع سماع مطلق.\nوهذا هو الصحيح من كلام أهل العلم.\nثم جاء أهل البدع ورتبوا على هذه المسألة أمرين: الأمر الأول: أن بعضهم أنكر عذاب القبر ونعيمه؛ لظنهم بأنهم لا يسمعون.\nوليس في هذا أي وجه لنفي عذاب القبر.\nوإذا افترض أنهم لا يسمعون فهذا لا يعني أنهم لا يعذبون في قبورهم، فقد يكون بيننا وبينهم حاجز فلا يسمعون، كحاجز البعد مثلًا، وهكذا.\nوجاءت طائفة أخرى من أهل البدع أثبتوا أنهم يسمعون ورتبوا على ذلك أنه يستغاث بهم، ويدعون من دون الله، فاصبحوا يقولون: مدد يا فلان، أو يقولون: إن فلانًا يشفع لنا عند الله ﷿.\nونحو ذلك من الشركيات.\nوليس بين هذا وذاك أي ارتباط.\nفإنهم إذا سمعوا في قبورهم فهذا لا يعني بالضرورة أنهم لا بد أن يدعوا ويستغاث بهم!! بل لو كانوا أحياءً في الدنيا لما جاز أن يدعوا فكيف إذا كانوا أمواتًا في القبور؟!! فإذا قيل: إنه في قبره له علاقة بالدار الآخرة، قلنا: وإذا كان له علاقة بالدار الآخرة فلا يلزم من هذا أن يُستغاث به ويطلب منه المدد، ونحو ذلك؛ لأن هذا من الشرك.","vol":"16","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>الرد على استدلال منكري عذاب القبر بانتفاء حركة الميت</span>\nالدليل الثالث الذي استدلوا به: أن الإنسان إذا مات ودفن فإنه يبقى سنينًا طويلة لا يتحرك.\nوقال بعض الفلاسفة: إن الزئبق هو أشد المواد حركة إذا وُجد ما يحركه.\nوعندما يوضع الزئبق على بدن الميت فإن هذا الميت لا يتحرك.\nوبناءً عليه فإن الزئبق سيبقى في نفس المكان سنينًا طويلة.\nولو كان يعذب في قبره كما ورد في الحديث: من أنه يسأل ويضرب ويصيح ويوسع له قبره ويأتيه من روحها وريحانها ويضحك ويتحرك لتحرك هذا الزئبق الذي عليه.\nوهذا القول قول فاسد من حيث العقل؛ لأن هذا الكلام الذي نقوله عن عذاب القبر ونعيمه وعن الغيبيات جاءنا من الصادق المصدوق ﷺ.\nوالرسول ﷺ ثبت صدقه عندنا بما لا يدع مجالًا للشك.\nفقد ثبت صدق الرسول ﷺ بشكل لا نظير له.\nومن ذلك: أن الوحي الذي جاء به الرسول ونسبه إلى الله ﷿ يدل على صدقه بشكل مؤكد، حيث أنه أخبر فيه عن مغيبات ستقع فوقعت.\nوأخبر فيه عن أمور في طبيعة البشر فثبت بالدليل العلمي الآن أنها صحيحة.\nوأيضًا: معجزات النبي ﷺ وآياته التي جاء بها مثل انشقاق القمر نصفين، ونبع الماء من بين أصابعه.\nوفي ذات الوقت فالرسول ﷺ ليست طبيعته كطبيعة السحرة والكهنة.\nوقد يقول قائل مثلًا: انفلاق القمر نصفين يفعله السحرة والكهنة، فنقول: السحرة والكهنة لهم طبيعة خاصة، فتجد فيهم الكذب والوسوسة والحمق، وغيرها من الأمور، بينما هذه الأشياء ليست موجودة في الرسول ﷺ.\nفالرسول ﷺ إنسان مستقيم الفطرة والطبع، ولم يحفظ عليه خطأ، أو تصرف غير طبيعي، وإنما كانت تصرفاته جميعًا طبيعية، وكانت أخلاقه كريمة، وكان صادقًا لا يكذب.\nومع هذا جاء بهذا الوحي العجيب الخارق، فلا يصح عقلًا أن يكون غير صادق.\nوالدليل على هذا قصة هرقل في حديث ابن عباس الطويل لما أرسل إليه النبي ﷺ كتابًا مع عمرو بن أمية الضمري، وفيه: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى، اسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن كفرت فإن عليك إثم الأريسيين ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران:٦٤]).\nفلما وصلته هذه الرسالة قال: اطلبوا لي أحدًا من العرب في بلاد الشام، فجيء له بـ أبي سفيان ومجموعة -يصلون إلى العشرين- من أهل مكة.\nفقال: من أقربكم نسبًا من هذا الرجل الذي يدعي أنه نبي؟ قال أبو سفيان: أنا.\nقال: تقدم.\nفتقدم.\nثم قال له: إن سائلك عن هذا الرجل فإن كذب فكذبوه.\nفسأله أسئلة شاملة لأحوال الرجل من كل جهاته.\nفسأله عن دعوة النبي، وعن طبيعته الشخصية، وعن علاقته بهم، وعن تاريخه.\nفسأله: هل يكذب؟ قال: لا قال: هل يغدر؟ قال: لا وهذه الأسئلة عن الطباع الشخصية.\nوسأله عن التاريخ وعن الواقع الموجود، فقال: هل هناك من آبائه من ملك؟ قال: لا.\nقال: هل هناك أحد منكم جاء بهذه الدعوة قبله؟ قال: لا.\nوسأله أيضًا عن دعوته، فقال: بماذا يأمركم؟ قال: يأمرنا بأن نعبد الله ولا نشرك به شيئًا، وبالصبر والصدق والعفاف، والبعد عن الزنا والكذب.\nثم استدل من هذا كله أنه نبي.\nولهذا قال: إنه لنبي، وإن كان ما تقولون حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين.\nولو ظننت أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولغسلت عن قدميه وشربت مرقتها.\nفقد عرف أنه نبي.\nلأن أحواله تدل على نبوته.\nوإذا ثبتت النبوة للرسول ﷺ فيلزمنا الإيمان بها وتصديقها.\nوأركان النبوة أربعة: تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع.\nكما ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀.\nويمكن أن ترد هذه الأربع إلى ثلاثة: التصديق والاتباع والانقياد.\nفالتصديق يعني: لخبره.\nوالاتباع يعني: لمنهجه وطريقته.\nوالانقياد يعني: لأمره من جهة الفعل، ولنهيه من جهة الترك.","vol":"16","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>كيفية إقامة الحجة على منكر عذاب القبر ونعيمه</span>\nومن ينكر عذاب القبر ونعيمه لا يخلو من حالين: الحال الأول: أن يكون من المسلمين أو ممن ينتسب إلى الإسلام.\nوالحال الثاني: أن يكون من غير المسلمين.\nفإذا كان من المسلمين فنقول له: إذا أقررت بنبوة النبي فلا بد أن تلتزم بما أخبر به.\nوقد أخبر النبي ﷺ بوجود عذاب القبر ونعيمه.\nوقبل ذلك أخبر القرآن الكريم به.\nوأما إذا كان كافرًا لا يؤمن بالنبوة ولا يؤمن بالله فنثبت له أولًا صدق النبي.\nوالأدلة على صدقه كثيرة جدًا.\nفإذا أثبتنا له صدقه بحيث لا يكون هناك مجال للشك في صدقه فنقول: إن هذا الصادق أخبر بعذاب القبر ونعيمه فيلزمنا الالتزام بما أخبر به وتصديقه.","vol":"16","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>منكرو اليوم الآخر والبعث</span>","vol":"16","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>المشركون</span>\nوأما بالنسبة لليوم الآخر بشكل عام فالمنكرون له هم المشركون.\nكما قال الله ﷿: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧].\nوكقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨].\nإلى آخر الآيات.\nفقد كان كفار المشركين ينكرون البعث، حتى أنهم كانوا يقولون: أموت ثم بعث ثم حشر حديث خرافة يا أم عمرو يعني: إن الحياة بعد الموت وحشر الناس حديث خرافة.\nوأصل كلمة حديث خرافة عند العرب أن رجلًا كان يسمى خرافة زعم أنه أخذته الجن ثم جاء إلى الناس يحدثهم بغرائب وعجائب، فأصبح كلامه مثلًا فيقال: هذا حديثه حديث خرافة يعني: أن حديثه هذا فيه غرائب كحديث خرافة الذي زعم أنه أخذته الجن.\nولهذا كانوا يقولون: حديث خرافة يا أم عمرو وكانوا يقولون: ما هي إلا أرحام تدفع -يعني: للدنيا- وأرض تبلع -يعني: في القبور- ولا يهلكنا إلا الدهر.\nوكانوا ينكرون أن يبعث الناس لرب العالمين يوم القيامة.","vol":"16","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>الفلاسفة والباطنية</span>\nوقد أنكر اليوم الآخر الفلاسفة والباطنية.\nأما الفلاسفة فمثل ابن سيناء والفارابي ونحوهما كانوا ينكرون بعث الأجساد ويقولون: إن الأجساد لا تبعث يوم القيامة؛ لأنها تفتت وتصبح ذرات تتكون منها مخلوقات أخرى، فلا تعود مرة أخرى.\nوقد كفر أهل العلم الفلاسفة لثلاثة أمور: الأمر الأول: بأنهم قالوا بقدم العالم.\nوالأمر الثاني: قالوا بإنكار علم الله بالجزئيات.\nوالأمر الثالث: أنكروا البعث الجسماني.\nوقالوا: إنما هو للأرواح فقط.\nويفسر الفلاسفة عذاب الآخرة للأرواح بقولهم: إن الروح بعد أن يموت الجسد ويتفرق إذا كانت منعمة انتقلت إلى شخصية منعمة ومبسوطة في الدنيا، وإذا كانت معذبة كأن يكون صاحبها قد ظلم الناس في الدنيا انتقلت إلى شخص فقير معذب.\nوأما الباطنية فيفسرون البعث والقيامة بأنه انتقال روح الشخص المعذب إلى روح كلب أو خنزير مثلًا، أو حيوان معذب يطرد ويؤذى ويجرح ونحو ذلك.\nويعتقدون أن الشخصية المنعمة تنتقل إلى حيوان آخر ينعم ويعتنى به ويغسل ويكون له من أحسن ما يكون.\nويقولون: الروح هي الروح هنا وهناك، سواء كانت في جسد إنسان أو كانت في جسد حيوان فهي هي.\nوحينئذ تعذب هناك أو تنعم هناك، ولا شك أن هذا كفر بالله رب العالمين.","vol":"16","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>الأسئلة</span>","vol":"16","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-362>المراد بالشهداء الذين لا يفتنون في قبورهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل المقصود بالشهداء الذين لا يفتنون في القبور: هم الذين يقاتلون في سبيل الله فقط، أم يتعداهم إلى بقية أصناف الشهداء كفريق البحر مثلًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المقصود بالشهداء هم الذين يقتلون في سبيل الله، وهذا ظاهر النص؛ فإن النبي ﷺ قال: (كفى ببارقة السيوف)، وبارقة السيوف هو: الجهاد.","vol":"16","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-363>فتنة الأعلى منزلة من الشهيد في القبر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الصديقون أعلى مرتبة من الشهداء؛ فهل يفتنون؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  من كان أعلى مرتبة من الشهداء كالصديقين فيرى بعض أهل العلم: أنهم لا يفتنون.\nويرى آخرون أنهم يدخلون في العموم.","vol":"16","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>المراد بقوله تعالى في الحديث القدسي: (وما ترددت) وقوله: (وأنا الدهر)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هي القاعدة في مثل هذه الأحاديث، وما هو تفسيرها: (وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبد مؤمن يكره الموت وأكره مساءته)، رواه ابن أبي عاصم في السنة، وقال شيخ الإسلام في الفتاوى: رواه البخاري.\nوحديث: (يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر)؟ وهل هي مثل بقية أحاديث الصفات؟ وهل يستخرج منها أسماء الله تعالى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أما الحديث الأول، وهو قوله: (ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبد مؤمن).\nفليس المقصود بالتردد هنا التردد في الإرادة، وإنما المقصود به كما فسره في الحديث: أنه يكره الموت وأكره مساءته.\nيعني: أن صورة الحال هي صورة تردد، وإلا فإن الله ﷾ لا يوصف بالتردد الذي يوصف به العباد، وهو عدم الإقدام على الفعل للجهل به وبعاقبته.\nفهذا لا يمكن أن ينسب لله ﷿.\nوإنما المقصود بالتردد هو: أن هذا العبد يحبه الله، وهذا العبد يكره الموت، والله ﷿ إذا أحب عبدًا كره ما يكره.\nولكن سابق قضاء الله ﷿ هو أن يموت.\nففيها أمران: سابق قضاء الله ﷿.\nوالأمر الثاني: أن الله يكره ما يكرهه العبد.\nفهذه هي صورة التردد، ثم الله ﷿ يمضي قضائه السابق.\nفليس التردد الوارد في الحديث هو التردد الذي يحصل عند الناس؛ لأن الإنسان في بعض الأحيان مثلًا يتردد في شراء الشيء أو تركه؛ للجهل بقيمته، والله ﷿ عالم بكل شيء ﷾.\nوحينئذ فالقاعدة في هذا الموضوع هي: أن ترد الأحاديث المشكلة إلى الأحاديث المحكمة الواضحة.\nوثبوت العلم لله ﷿ واضح لا إشكال فيه، وثبوت إرادته وفعله لا إشكال فيه أيضًا.\nفإذا ورد حديث ظاهره أنه مناقض لصفة العلم فلا بد أن يفسر بما يوافق هذه الصفة، وأن يفهم من السياق العام في هذا النص.\nفمثلًا: هذا الحديث واضح مشروح في نفس الحديث.\nقال فيه: (يكره الموت وأنا أكره مساءته).\nفهو مفسر في هذا الحديث.\nومثله: حديث الدهر، قال: (يسب ابن آدم الدهر، وأنا الدهر أقلب الليل والنهار).\nففسر معنى قوله: (وأنا الدهر)، يعني: وأنا خالق الدهر؛ لأن الله ليس هو الدهر قطعًا.\nوإنما الدهر الليل والنهار الذي نعيش فيه.\nولا يقول عاقل عرف الآيات والأحاديث الواردة في تميز الله ﷾ عن خلقه، وما ثبت له من الصفات والأسماء العلى: إن الله هو نفسه حقيقة الدهر.\nوإذا تصورنا أن هذا الحديث يدل على هذا المعنى فإننا نفسره على تقدير حذف مضاف، وهذا معتاد في لغة العرب، ومن الأمثلة على ذلك: قول الله ﷿: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف:٨٢]، والجمال لا تسأل، فلا يأتي شخص يترك الناس ويسأل الجمال ويقول: هذا هو المفهوم من ظاهر النص؛ لأن العير المقصود به القافلة التي يوجد فيها ناس يوجهونها.\nوهذا هو المقصود.\nوالقرية هي التي يوجد فيها أشخاص يعيشون فيها، ونحو ذلك.\nوهذا يدل عليه السياق.\nقال: (وأنا الدهر أقلب الليل والنهار) يعني: وأنا خالق الدهر؛ يعني: كيف يسب الدهر وأنا خالقه؟ فلا يصح أن يسبه أحد وأنا خالقه.\nوقوله: (أقلب الليل والنهار)، شرح لقوله: (وأنا الدهر).\nفمثل هذه النصوص يرجع فيها إلى كلام أهل العلم ولا يستعجل في تفسيرها.\nوفي كتاب القواعد المثلى للشيخ محمد بن صالح العثيمين، قاعدة في هذا الموضوع وضحها وذكر أمثلة كثيرة عليها، وبينها بيانًا شافيًا، فجزاه الله خيرًا.","vol":"16","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>ما يسأل عنه أفراد الأمم السابقة في قبورهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل فتنة الأمم السابقة تكون في السؤال عن الرب والدين والنبي محمد ﷺ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  تكون عن الرب والدين وعن نبيهم الذي أرسله الله ﷿ لهم.","vol":"16","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>سؤال القبر وشموله للمتعلم والجاهل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الامتحان يشمل المسلم المتعلم والجاهل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يقول الله ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] يعني: سواءً كان جاهلًا أو متعلمًا، فهذه لا يحتاج لها علم.\nوهي من العقائد الأساسية الطبيعية العادية.\nوهل أحد من المسلمين لا يعرف أن الرب هو الله؟ فلو جهل ذلك لكان غير مسلم أصلًا.\nوكذلك الدين، والإسلام والنبوة.\nوهذه الثلاثة فصلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب الأصول الثلاثة.\nوالأصول الثلاثة هي: معرفة العبد ربه، ونبيه ودينه ففصلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب تفصيلًا بينًا في الأصول الثلاثة.","vol":"16","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>الرد على المنكرين لحياة البرزخ بدعوى انتفاء حركة أجساد الموتى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف نرد على العقلانيين في قولهم: إن الأجساد لا تتحرك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الغيبيات لا يصح أن تحاكم إلى الحسيات.\nبل لا بد فيها من التصديق الجازم بخبر الرسول ﷺ.\nفإذا كان الإنسان مؤمنًا بالنبوة فلا شك أنه سيصدقها حتى ولو لم ير بعينه.\nوهناك ردود تفصيلية أخرى ذكرها بعض أهل العلم وهي: أنه لا يلزم من عدم الحركة الآن في الدنيا عدم ما يترتب عليها من العذاب.\nفالنائم مثلًا: يحلم بأحلام مزعجة ومؤذية، ويشعر أنه مطارد وأنه سيقتل، وهو نائم لا يتحرك.\nثم إذا استيقظ أخبر الناس بذلك وهم لم يروا شيئًا يدل على هذا.\nفالشاهد: أن العمدة الأساسية في الرد هو أن نقول: هل تثبتون النبوة أو لا؟ فإن أثبتوا النبوة لزمهم الإقرار مباشرة؛ فكيف يكذبون النبي الذي أخبر بذلك؟ وإذا كانوا لا يثبتون النبوة فيقال لهم: نبوة النبي ثابتة بالأدلة، وهي كذا وكذا وما يتبع ذلك.","vol":"16","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>حكم الاستغاثة بصفات الله تعالى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في الحديث المشهور: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث)، كيف تكون الاستغاثة بصفة من صفات الله تعالى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الاستغاثة بصفة من صفات الله ﷿ جائزة، وهي مثل الاستعاذة بكلماته كما في الحديث: (أعوذ بكلمات الله التامات).","vol":"16","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>معنى قول النبي ﷺ: (وما يعذبان في كبير)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول: هل قوله: (وما يعذبان في كبير)، يعني: أن النميمة ليست كبيرة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nوإنما المعنى: لا يعذبان في عمل كبير يشق عليهم عمله.\nولهذا ورد في بعض الألفاظ: (ما يعذبان في كبير، بلى، إنه كبير)، يعني: كبير من جهة الإثم.\nوقوله: (ما يعذبان في كبير)، يعني: أنه من جهة العمل بسيط يمكن التحرز منه.","vol":"16","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>الرد على مثبت عذاب القبر ونعيمه للأرواح دون الأجساد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ألا يمكن الرد على العقلانيين في إنكارهم لعذاب القبر في قولهم بمسألة الزئبق: بأن العذاب هو عذاب الأرواح لا عذاب الأجسام؛ لأن الأجسام تبلى وتكون ترابًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا؛ لأن الذي يعذب في القبر الأجسام والأرواح أيضًا.\nوهناك قاعدة ذكرها أهل العلم في علاقة الروح بالجسد بالنسبة للحياة في الدنيا والبرزخ.\nففي الحياة الدنيا العمل مبني على الجسد والروح تابعة له.\nأما في القبر فالعكس.\nفالروح هي الأصل والجسد تابع لها.\nفالعذاب يكون على الروح والجسد في القبر.\nوهذا هو قول جمهور أهل العلم وهو الصحيح الذي عليه العمدة.","vol":"16","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>الجمع بين عقيدة أهل السنة في عدم في تكفير القاتل وقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنًا)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] وبين قول المؤلف: إن عقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يكفر القاتل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قصد المؤلف هنا: أنه لا يكفر مرتكب الكبيرة.\nويقول أهل العلم في تفسيرهم لهذه الآية: إن الخلود نوعان: خلود بمعنى: طول المكث.\nوخلود بمعنى: التأبيد.\nفالوارد في هذه الآية معناه: طول المكث.\nفمعنى الآية: أنه من طول مكثه في النار - والعياذ بالله - وهذا يشبه الذي يكون خالدًا في النار.","vol":"16","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>مدة عذاب القبر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل عذاب القبر دائم أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  بالنسبة للكفار فعذاب القبر عليهم دائمًا، وبالنسبة لعذاب المسلمين فهو بحسب أعمالهم، فيعذبون بقدر ذنوبهم، ثم ينعمون بعد ذلك.","vol":"16","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>العذاب بالنار وحصوله بعد عذاب القبر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  المؤمن العاصي قد يعذب في قبره، فهل يعذب مرة ثانية في جهنم، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام:١٦٠]؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الله ﷿ عادل.\nفإذا عذب عبده في قبره بمقدار ذنوبه جميعًا فلا يعذبه في الآخرة مرة أخرى، وإذا عذبه في قبره ببعض الذنوب فيعذبه في الآخرة ببعضها الآخر.\nوقد لا يعذب في قبره ويعذب في الآخرة بجميع ذنوبه.\nولكنه لا ينعم قبل ذلك.\nوهذا كله راجع إلى حكمة الله ﷿ وإرادته ﷾.","vol":"16","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>كيفية تفسير نزول الله مع اختلاف وقت ثلث الليل الآخر بين البلدان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يتفاوت ثلث الليل من دولة إلى دولة أو من منطقة إلى منطقة، فكيف يكون نزول الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  من عقيدة أهل السنة أنهم لا يسألون عن كيفية الصفات؛ لأن كيفية الصفات لا نعلمها أصلًا؛ لأننا لم نرها ولم يخبرنا الرسول بكيفيتها.\nفنحن نؤمن بيد الله ولا نعرف كيفيتها، ونؤمن بقدم الله ولا نعرف كيفيته، ونؤمن بعيني الله ولا نعرف كيفيتها، ونؤمن بصوت الله وكلامه ولا نعرف كيفيته.\nفالكيفية غير معلومة لدينا.\nوهذا الإنسان الذي تخيل هذه الشبهة كان أساس مشكلته أنه يريد أن يعرف الكيفية.\nولهذا إذا قطع الطمع في معرفة الكيفية فإنه يزول عنه الإشكال.\nونحن لا ندري كيف ينزل.\nوإنما نؤمن أنه ينزل مع اختلاف الليالي واختلاف المناطق.\nولكن إذا تخيلت أنه ينزل ويطلع مثل الإنسان فتكون قد شبهت الله ﷿ بخلقه، وهذا لا يجوز.\nفلا يجوز لنا أن نتصور كيفية صفات الله.\nفالرسول ﷺ لم يخبرنا عن كيفية صفات الله ونحن لم نرها؛ لأنها من الغيب.\nوصفات الله لها كيفية لا نعرفها، والله أعلم بها.\nوإنما نثبتها؛ لأن القرآن أخبرنا أن لله صفات، وبين أن هذه الصفة غير هذه الصفة، فعلم الله غير يد الله غير قدم الله وهكذا.\nوأما تحديدها وطبيعتها فلا نعرفها؛ لأنها من الغيبيات.\nولا يجوز التفكير فيها؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].\nفخير للإنسان ألا يفكر في هذا الأمر فهو مضيعة للوقت، ومأثم أيضًا على الإنسان.","vol":"16","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>العقيدة الواسطية [١٧]</span>\nيتصل بالإيمان باليوم الآخر الإيمان بالبعث والمعاد، فهو مما يجب على المكلف اعتقاده وتصديقه، كما ثبتت بكيفيته النصوص المتظافرة، وكذلك الإيمان بالموازين، ونشر صحف الأعمال، والحساب، والحوض، وغير ذلك من أمور اليوم الآخر.","vol":"17","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>مسائل في الإيمان باليوم الآخر</span>","vol":"17","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>الخلاف في استمرار عذاب القبر إلى البعث</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.\nأما بعد: فممن بحث موضوع اليوم الآخر الإمام القرطبي ﵀ في كتابه (التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة)، وأيضًا الشيخ حافظ حكمي في المجلد الثاني من كتابه (معارج القبول)، فقد بحثا موضوع القيامة الكبرى بحثًا مفصلًا، وذكرا كثيرًا من آيات التحدي وغيرها في هذه المسألة.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم بعد هذه الفتنة -يعني: فتنة القبر- إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى].\nفي هذا المقطع مسألتان، المسألة الأولى هي مسألة: هل عذاب القبر ونعيمه مستمر إلى القيامة الكبرى أم أنه ينقطع؟ والحقيقة: أن عذاب الكفار مستمر كما هو معلوم، وأما المسلمين ممن لم يكفروا بالله ﷿ فيعذبون بقدر أعمالهم وبقدر ما يقدر الله ﷾ عليهم من العذاب، وعذابهم ليس مستمرًا، كما قال بعض الشراح، وقال بعضهم: إن عذاب الكفار ليس مستمرًا، وبالتالي يكون عذاب المسلمين أولى من ذلك، ولا يكون مستمرًا، واستدل على ذلك بقوله ﷾: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، ففي هذه الآية إشارة إلى أن الكفار يُعرضون على النار مرتين في اليوم، وقت الغدو، ووقت العشي، ووقت الغدو بعد الفجر، والعشي آخر النهار بعد العصر، وفهم منها بعضهم: أن المقصود من قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦]، يعني: باستمرار، والحقيقة أن هذه الآية تشير فعلًا إلى أن الكفار لا يستمر عذابهم في القبر بشكل دائم؛ ولهذا جاء في قوله ﷾ عنهم: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢] فإن بعض العلماء فهم من هذه الآية أن عذاب الكفار في القبر ليس مستمرًا، وعلى كل حال ليس هناك كبير إشكال في كونه مستمرًا أو غير مستمر، وهذا الأمر عائد إلى الله ﷿ إن شاء عذبهم عذابًا مستمرًا، وإن شاء لم يُدم عليهم العذاب، ولكنهم لا ينعمون باتفاق؛ لأن الكافر لا يمكن أن ينعم أبدًا.","vol":"17","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>القيامة الكبرى والقيامة الصغرى</span>\nوالمسألة الثانية: هي في قوله: القيامة الكبرى، فإن الوصف بقوله: الكبرى دليل على أن هناك قيامة صغرى، وهذا صحيح، فإن القيامة تنقسم إلى قسمين: قيامة صغرى، وقيامة كبرى.\nأما القيامة الصغرى: فهي قيامة الإنسان نفسه، ويكون ذلك بموته، فإن الإنسان إذا مات (قامت قيامته)، كما قال النبي ﷺ.\nوالقيامة الكبرى: هي قيامة الناس جميعًا، فإنهم يقومون لرب العالمين ﷾.","vol":"17","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>الإيمان بالبعث</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلًا].\nوقيام الناس من قبورهم: هو البعث.\nوالبعث متفق عليه بين المسلمين، وليس هناك خلاف بين المسلمين على وقوعه، وكذلك وافق اليهود والنصارى المسلمين في ذلك، فهم يعتقدون أن الناس يبعثون من قبورهم ويحاسبون.","vol":"17","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>إنكار الكفار الوثنيين للبعث</span>\nوخالف في البعث طوائف: منهم الكفار الوثنيون، مثل: كفار قريش؛ فإنهم كانوا لا يعترفون بالبعث، بل كانوا يقولون: موت ثم بعث ثم حشر حديث خرافة يا أم عمرو ولهذا يقول الله ﷿ عنهم: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧]، وكانوا يقولون: إن لحوم الناس تتفرق، وعظامهم تتفتت، وحينئذ يصبحون ممزقي الأوصال ويكونون ترابًا، فكيف يعودون مرة أخرى؟ والحقيقة: أنه يمكن الاستدلال عليهم بالعودة بما يعترفون به من أن الخلق الأول هو خلق الله ﷿ للناس، كما قال الله ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، فهم يعترفون بأن الله هو الخالق الذي خلق الخلق ﷾، فإذا كان الله ﷿ هو الذي خلق الخلق فهو قادر على إعادته؛ لأن الإعادة أسهل من البدء.\nولهذا استعمل مع المنكرين دليلًا عقليًا بقدرته ﷾، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] فهذا برهان عقلي كاف لقطع حجة المنازعة لو أنه فكّر وتأمل.","vol":"17","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>إنكار الفلاسفة والباطنية للبعث</span>\nوالطائفة الثانية المنكرة هي: الفلاسفة، والفلاسفة كفّرهم علماء أهل السنة لثلاثة أشياء: كفّروهم بقولهم بقدم العالم، وبإنكار علم الله في الجزئيات، وبإنكار المعاد الجسماني، حيث قالوا: إن الأجساد لا تعود مرة أخرى، ووافق الفلاسفة من المنتسبين إلى الإسلام كذبًا وزورًا الباطنية، أمثال النصيريين والدروز والإسماعيليين، فالإسماعيليون -الذين هم البهرة وغيرهم- وافقوا الفلاسفة في إنكار البعث للإنسان.\nثم اختلفوا في تفسير البعث فقال بعضهم: إن البعث يكون للأرواح، وهذه الدنيا لا تتغير، ولا تزول ولا تذهب، وإنما هو انتقال للروح من بدن إلى بدن آخر، فيعتقدون أن الأرواح محدودة، والأبدان كثيرة، وروحك أنت الآن كانت روحًا لبدن سابق، فإن كان البدن السابق عاصيًا فإن روحه توضع في جسد معذّب، سواء كان إنسانًا أو حيوانًا، وفي عقائدهم: أن الكافر غير المؤمن تنتقل روحه إلى كلب معذّب مريض بالقروح وبالجروح، مطرود يجوع ويعطش ويذهب ويشقى، وأما الذي كان صادقًا وطيبًا وصاحب أخلاق حسنة فإن روحه تنتقل إلى ملك معظّم في الأجيال القادمة، فإذا اشتهى شيئًا وأراده حصل له كما أراد.\nفهم يعتقدون أن هذه الدنيا لا تتغير وأن الناس إذا دفنوا لا يبعثون يوم القيامة من جديد، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيهم: إنهم أكفر من اليهود والنصارى.","vol":"17","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>عقيدة المسلمين في البعث وكيفيته</span>\nوأما عقيدة المسلمين: فهي الإيمان بالبعث كما أخبر تعالى في سورة التكوير بما يحدث لهذا العالم من تغيره وتبديله بعالم آخر.\nثم ينزل الله ﷿ مطرًا مثل مني الرجال -كما جاء في الحديث- فينبت الناس من قبورهم، كما تخرج النبتة الصغيرة من الأرض، فإذا خرجوا اجتمعوا في مكان واحد.","vol":"17","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-383>أرض المحشر</span>\nوأرض الحشر هي بلاد الشام، وقد بين الله في سورة الحشر أن بني النضير طردوا من المدينة إلى أول الحشر، وقال المفسرون: إن أول الحشر بلاد الشام، فإنه لما خرج بنو النضير من المدينة ذهبوا إلى أرض الحشر، وهي بلاد الشام.\nفإن قيل: كيف تتسع بلاد الشام لهذه الجموع الكثيرة المجموعة من الأعصار المختلفة منذ زمن آدم إلى قيام الساعة؟ فنقول: إن الأرض تتغير وتتبدل ويمدها الله ﷿، فتدك الجبال، وتصبح قاعًا صفصفًا، لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، كما أخبر الله ﷿، فيجتمع الناس في هذا المكان عراة، ليس عليهم لباس، وحفاة: ليسوا منتعلين، وغرلًا: ليسوا مختونين كما كانوا من قبل، ويجتمع الرجال والنساء، قالت عائشة للنبي ﷺ: ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: (الأمر أعظم من أن ينظر بعضهم إلى بعض) وتدنو منهم الشمس قدر ميل، وسواء كان هذا الميل في السماء ميل المسافة، أو كان ميل المكحلة، فالمقصود: أن الشمس تكون قريبة جدًا من الخلق.\nوالإنسان في أثناء قراءته عن أحوال الآخرة لابد أن يضع في عقله أن أحوال الآخرة ليست كأحوال الدنيا، ولا تقاس بمقياس الدنيا، وعلماء الفلك اليوم يقولون: إن الشمس لو تقدّمت أمتارًا لأصبحت الأرض جمرة ملتهبة، أو ربما اختفت من شدة الحرارة، ولو تأخرت قليلًا لأصبحت الأرض جليدًا واحدًا من شدة البرودة.\nوفي يوم القيامة تدنو الشمس حتى تصير قدر ميل ولا تضر، يعني: لا تحرق أجساد العباد، وإنما يجلسون في هذا المكان خمسين ألف سنة كما أخبر الله ﷿ على هذه الحال، في مكان ضيق كثير الزحام، وهذا هو الحشر، ويصيبهم العرق فبعضهم يلجمه إلجامًا، وبعضهم يبلغ العرق منه إلى كعبيه، وبعضهم إلى ركبتيه، وبعضهم إلى حقويه، كما أشار النبي ﷺ إلى ذلك.\nفإن قيل: كيف أن العرق يلجم بعضهم، ويصيب بعضهم إلى قدر الركبة، وبعضهم أقل من ذلك، وهم في مكان واحد؟ وهل يكون مثلًا الذين يلجمهم العرق في مكان، وغيرهم في مكان آخر؟ فنقول: الله أعلم، فإن أمور الآخرة لا تقاس بمقياس الدنيا.","vol":"17","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>نصب الموازين يوم القيامة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [فتنصب الموازين].\nوالموازين: جمع ميزان، والميزان: الآلة التي يوزن بها.\nوالموازين عند الله ﷿ توزن فيها أعمال العباد، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن هذا الميزان له كفتان، وذلك في حديث صاحب البطاقة الذي يأتي على رءوس الخلائق فينشر له تسع وتسعون سجلًا كلها ذنوب ومعاص، وتوضع في كفة، ثم يقال: هل عملت خيرًا؟ فيقول: لا.\nفيقال: بلى، إن لك خيرًا عندنا، فتخرج له بطاقة مكتوب فيها: لا إله إلا الله، فتوضع في الكفة الأخرى فتطيش هذه الصحائف، وينجو هذا الإنسان، وهذا يدل على أن هذا الميزان له كفتان، وأن الأعمال توزن، كما قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].\nوالعمل يوزن كما قال النبي ﷺ: (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان) فأعمال العباد توزن، وكذلك صحفهم توزن، كما في حديث صاحب البطاقة، وكذلك السمين، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (يؤتى بالرجل السمين يوم القيامة من أهل النار فيوضع في كفة الميزان فلا يزن عند الله ﷿ جناح بعوضة) وهذا هو ما أخبر الله ﷿ به في قوله: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥].\nوليس بالضرورة أن يوزن كل الناس، ولكن بعضهم يوزنون.\nوأنكر المعتزلة وزن الأعمال، وقالوا: كيف توزن الأعمال مع أنها أعراض وليست أجسامًا؟ وهذا يدل على ضلالهم، فإن الشرع لا يعترض عليه بالعقل، فإن الله ﷿ يجعل هذه الأعمال أجسامًا ثم توزن بعد ذلك.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [فتنصب الموازين، فتوزن بها أعمال العباد، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣]، وتنشر الدواوين].\nالدواوين: جمع ديوان، وهو الكتاب المدون، والإنسان يكتب عليه كل شيء كما قال الله ﷿: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، فيكتب عليه كل شيء، ويجده يوم القيامة، وتنشر هذه الدواوين يوم القيامة.","vol":"17","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>أصناف الناس في أخذ صحائف الأعمال</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتنشر الدواوين -وهي صحائف الأعمال- فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره].\nوالشيخ هنا صنف الناس ثلاثة أصناف: فالأول: آخذ كتابه بيمينه، والثاني: بشماله، والثالث: من وراء ظهره، والحقيقة أنها تعود إلى صنفين: آخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره؛ لأن الذي يأخذ كتابه بشماله فإنه يأخذه بشماله من وراء ظهره.\nفأصناف الناس يوم القيامة تعود إلى صنفين: مؤمن وجبت له الجنة، وكافر وجبت له النار، والمنافق يكون تبعًا للكافر؛ لأنه في الدرك الأسفل من النار، وحينئذ فالكافر يأخذ صحيفته بشماله من وراء ظهره، والمؤمن يأخذها بيمينه.\nقال المؤلف ﵀: [كما قال ﷾: «وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ».\nوالمراد بالطائر: العمل الذي طار منه، فالإنسان إذا عمل عملًا طار منه، سواء خيرًا أو شرًا.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤]].\nوقد أخبر الله ﷿ أن البعض يأخذ كتابه بيمينه، والبعض يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره في سورة الانشقاق كما تعلمون.\nقال: [ويحاسب الله الخلائق] كما في سورة الانشقاق.","vol":"17","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-386>كيفية حساب المؤمنين والكفار يوم القيامة</span>\nقال: [ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه، كما وصف ذلك في الكتاب والسنة، وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم وتحصى، فيوقفون عليها ويقررون بها].\nوالحساب ينقسم إلى قسمين: حساب المسلمين، ولفظ المسلمين يشمل المؤمنين الصادقين، ويشمل أيضًا الفساق ممن لم يرتفع عنهم اسم الإسلام، وحساب الكفار.\nفأما حساب المسلمين فإنه نقاش وليس فيه محاسبة، وإنما يأذن الله لكل عبد مسلم ويقرره بذنوبه ويقول: هل تعرف ذنب يوم كذا؟ وذنب كذا يوم كذا وكذا؟ ثم يعفو عنه الله ﷿ ويدخله الجنة، ولا ينجو ويخرج من هذا الحساب إلا السبعون ألفًا الذين في حديث ابن عباس، وفيه: (مع كل ألف)، وفي رواية: (مع كل واحد سبعون ألفًا)، هؤلاء يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب ولا عذاب.\nوأما حساب الكفار فليس حساب نقاش، وإنما هو بيان لأعمالهم، وليس وزنًا لهم، ولا تعدادًا للحسنات وللسيئات؛ لأنهم لا حسنات لهم، بل أعمالهم باطلة، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨] فهم ليست لهم أعمال صالحة، ولكن حسابهم تقرير لأعمالهم ولذنوبهم حتى يعلموا، ومن أنكر منهم شهد عليه بدنه، ثم يساقون إلى جهنم وبئس المصير.\nومسألة الفرق بين حساب المسلمين وبين حساب الكفار اختلف فيها العلماء، هل الكفار يحاسبون أم لا؟ فبعضهم نفى الحساب بإطلاق، وبعضهم أثبته بإطلاق.\nفمن نفاه بإطلاق فقد أخطأ، كما أخطأ من أثبته بإطلاق، وكلام ابن تيمية ﵀ هنا كلام دقيق محرر.\nقال المؤلف ﵀: [وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته].\nلأنهم ليس لهم حسنات حتى توزن حسناتهم وسيئاتهم، وإنما هذا الحساب للمسلمين؛ لأن لهم حسنات.\nقال: [فإنه لا حسنات لهم].\nيعني: الكفار.\nقال: [ولكن تعد أعمالهم وتحصى، فيوقفون عليها].\nوعد أعمالهم السيئة وإيقافهم عليها سماه بعض أهل العلم: حسابًا، وسماه البعض الآخر: غير حساب، والحقيقة: أن من جعل معنى الحساب: تعداد الأعمال فقط، فإنه قال: إن الكفار يحاسبون، ومن جعل الحساب: الموازنة بين الحسنات والسيئات قال: الكفار لا يحاسبون.","vol":"17","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>الحوض المورود</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي عرصات القيامة].\nالعرصات: جمع عرصة، والعرصة: هي المكان الفسيح بين المباني، وعرصات القيامة: يعني: المواقف التي تكون يوم القيامة.\nقال المؤلف ﵀: [وفي عرصات القيامة: الحوض المورود].\nوالحوض ورد وصفه في السنة النبوية بأنه: حوض كبير يكون يوم المحشر، طوله: مسيرة شهر وأكثر، يعني: بالإبل، ولونه: أبيض من اللبن، وطعمه: أحلى من العسل، وعليه أكواب كعدد نجوم السماء، وفي بعض الروايات: أن هذه الأكواب كنجوم السماء.\nوفي هذا اللفظ الثاني زيادة معنى، وهي: أنها منيرة وجميلة وتشبه نجوم السماء من حيث الجمال والهيئة الحسنة، وهذا الحوض من شرب منه لا يظمأ أبدًا.\nوالذي لا يرده صنفان: الكفار، وأهل البدع، فأهل البدع لا يردون الحوض؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (أنا فرطكم على الحوض)، ثم قال: (إنه يذاد عنه بأقوام)، يقول: (أعرفهم) ومعرفته لهم، يعني: أنهم من المسلمين قال: فأقول: (أصحابي! أصحابي!)، وفي لفظ: (أصيحابي! أصيحابي!) فيقال: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).\nوالإحداث هو: العمل بأحكام الشرع على غير طريقة المرسلين.\nوأهل العلم يسوقون هذا الحديث في ذم أهل البدع، وهذا يدل أيضًا على أن الحوض قد يرد عنه طوائف من أهل البدع مع أنهم من المسلمين وليسوا من الكفار.\nوفي حديث أبي ذر عن النبي ﷺ أنه قال: (إن لكل نبي حوضًا).\nوقد اختلف أهل الحديث في صحة هذا الحديث، وقد رواه ابن أبي عاصم، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى بمجموع الطرق، وهو عنده حسن أو صحيح.","vol":"17","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-388>العقيدة الواسطية [١٨]</span>\nالإيمان بالقدر وما يتضمنه من المراتب وغيرها من جملة أركان الإيمان التي لا يتم الإيمان بدونها، وقد نطقت به آيات من الكثرة بمكان، وأبانته أحاديث كثيرة رواها عدة من الصحابة الكرام، منهم أبو هريرة وعبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وعمران بن حصين وغيرهم رضي الله تعالى عنهم، وصنف فيه الأئمة والعلماء، وإنما ضل فيه الجبرية والقدرية لانحرافهم عن دلائل النصوص والتسليم لها.","vol":"18","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>الإيمان بالقدر وأدلة وجوبه</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.\nأما بعد: فالإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان يزول الإيمان بزواله.\nوقد دل على الإيمان به الكتاب والسنة.\nفأما الكتاب فقول الله ﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩].\nوأما من السنة فالأحاديث كثيرة، ومن أجمعها حديث جبريل الذي رواه عمر بن الخطاب ﵁ عندما جاء جبريل إلى النبي ﷺ فسأله عن الإيمان فقال: (فالإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره).","vol":"18","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>كتب مصنفة في موضوع القدر</span>\nوقد ترجم البخاري في صحيحه كتاب القدر، وكذلك في صحيح مسلم، وعند أصحاب السنن.\nوقد أفرد أهل العلم لموضوع القدر مصنفات مستقلة.\nومن أقدم هذه المصنفات -المطبوعة الآن- كتاب القدر والأحاديث الواردة فيه، لـ عبد الله بن وهب القرشي تلميذ الإمام مالك المشهور المتوفى سنة (١٩٧).\nويروى أن للإمام مالك رحمه الله تعالى كتابًا في القدر، ذكر ذلك القاضي عياض وذكره الذهبي رحمه الله تعالى.\nويذكر بعض الباحثين: أن أغلب كتاب ابن وهب في القدر من رواية مالك.\nولعله هو كتاب القدر وزاد عليه عبد الله بن وهب روايات أخرى.\nوممن ألف في القدر مفردًا من السلف أبو بكر الفريابي ﵀ المتوفى سنة (٣٠١هـ)، وكتابه اسمه القدر وهو مطبوع.\nوألف أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رسائل متعددة في القدر منها رسالة: أقوم ما قيل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل، وهي مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى.\nوأيضًا طبعت ضمن جامع الرسائل والمسائل التي طبعها الشيخ محمد رشيد رضا في مطبعة المنار.\nومن كتبه أيضًا: كتاب الاحتجاج بالقدر على المعاصي.\nوهو كتاب أيضًا مطبوع ضمن مجموعة الرسائل والمسائل.\nومن كتبه أيضًا: قصيدة له تائية يرد فيها على أحد أهل الذمة الذين احتجوا بالقدر على كفرهم، فرد عليه بقصيدة تائية شرحها الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في كتاب مستقل وهو مطبوع أيضًا.\nوأيضًا ممن أفرد موضوع القدر ابن القيم ﵀ في كتاب سماه: شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل.\nوهناك كتب متعددة طبعت مؤخرًا في القضاء والقدر.\nمن أشهر هذه الكتب كتاب: القضاء والقدر للدكتور فاروق الدسوقي في ثلاثة مجلدات.\nوكتاب: القضاء والقدر للدكتور عبد الرحمن المحمود.\nوالأخير من أفضل الكتب المؤلفة في هذا الموضوع.","vol":"18","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>حقيقة العبد بين كونه مسيرًا ومخيرًا</span>\nوالحقيقة أن موضوع القدر موضوع يهم الجميع ويفكر فيه كل الناس.\nوهو موضوع حساس اختلف فيه المسلمون قديمًا وما زال الخلاف مستمرًا فيه إلى اليوم.\nوقد طرح كثير من الناس سؤالًا وهو: هل المسلم مسير أم مخير؟ يعني: هل هو مسير بقضاء سابق يدفعه إلى العمل ولا يستطيع أن يتحرك برغبته، أم هو مخير ينتقي من الأعمال ما شاء ويترك ما شاء؟ وقد تخبط في الإجابة على هذا السؤال كثير من الباحثين.\nفبعضهم أجاب بأنه: مسير مطلقًا، وأراد بذلك تعظيم الله ﷿، وإثبات أن الله ﷿ هو الخالق وحده لا شريك له.\nوبعضهم أجاب بالعكس وقال: إنه مخير مطلقًا.\nودافعوا عما سموه بحرية الإرادة الإنسانية، وصنفوا المؤلفات فيها.\nوحاولوا أن يدفعوا فكرة أن هناك قدر سابق قدره الله ﷾ على العباد.\nوالحق الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإنسان مسير في أشياء ومخير في أشياء.\nفمن تسيير الله له أن خلقه في هذا الوقت مثلًا.\nفأنت مثلًا خلقك الله ﷿ في القرن الخامس عشر الهجري ولم يخلقك مثلًا في زمن إبراهيم أو نوح أو موسى أو عيسى أو محمد ﷺ.\nفتحديد الوقت الذي خلقت فيه لم تخير فيه، وإنما أنت مسير فيه بتقدير الله ﷿ لك.\nولهذا نفذ تقدير الله ﷿ فيك في هذا، وخلقت في هذا القرن.\nوكذلك طولك وقصرك ولونك وأمك وأبوك ونحو ذلك أنت مسير فيها ولست مخيرًا.\nفالإنسان لا يختار شكله ولا لونه ولا طوله قبل أن يولد، وإنما ولد على هذه الهيئة التي خلقه الله ﷿ عليها، ولم يكن له في ذلك تدبير ولا تخيير.\nوهو مخير من جهة أخرى، فهو مخير في الأعمال والأقوال والإرادات التي يقوم بها.\nفهو مخير في فعل الصالحات أو المعاصي، وفي قول الحق أو الباطل، وفي الكفر أو الإيمان.\nوالحقيقة هي: أن هذا الموضوع ليس هو مدار النقاش.\nفليس خلاف الفرق وخلاف الناس في أن الإنسان مسير في طوله وقصره، فهذا الأمر يعرفونه بالضرورة.\nوالإنسان كما هو معلوم له فعل اضطراري وفعل اختياري.\nفأما الفعل الاضطراري فهو الذي يحدث فيه من غير إرادته، كالطول والقصر واللون والشكل والوقت الذي ولد فيه وأبيه وأمه وأخوته ونحو ذلك، كسقوط الإنسان عندما يسقط من مكان مرتفع فإنه لا يستطيع أن يرد نفسه مرة أخرى فكل هذه تسمى أفعالًا اضطرارية.\nوأما الأفعال الاختيارية فهي التي خير فيها الإنسان، فقد خلق الله ﷿ له إرادة وقدرة ينتج عنها العمل الذي يعمله.","vol":"18","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>حقيقة القضاء والقدر والفرق بينهما</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتؤمن الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره].\nوالقدر في اللغة هو: التقدير.\nوالقضاء: الحكم.\nفالقضاء والقدر معناه: الحكم والتقدير.\nوالفرق بينهما -كما يقول بعض الشراح- هو: أن القضاء يكون بعد وجود الإنسان، والقدر قبل وجوده.\nفما قدره الله ﷿ حسب علمه ﷾ وقبل وجود الإنسان يسمى قدرًا، وأما تنفيذ هذا القدر ووقوعه في حياة الإنسان بعد وجوده أو في حياة المخلوقات عمومًا بعد وجودها فيسمى القضاء.\nفإذا اجتمعا كان لكل منهما معنى مستقل عن الآخر، وإذا افترقا كان كل منهما يدل على الآخر فالقضاء مفردًا يشمل القدر، والقدر مفردًا يشمل القضاء.","vol":"18","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>الشر في المقدورات وحكمته وحكم إضافته إلى الله تعالى</span>\nفإن قيل: هل في القدر شر؟ قلنا: الشر المثبت في قضايا القدر هو في المقدورات والمخلوقات التي خلقها الله ﷾.\nفالله ﷿ له خلق وله مخلوق.\nفالشر ليس في خلق الله الذي هو صفة من صفاته، وإنما هو في مخلوقاته ﷿، وهو باعتبار ما يقع على الإنسان من آلام والمتاعب، وهو من جهة أخرى خير، فالآلام والكفر وخلق إبليس وقتل المقتولين وظلم الظالمين كل ذلك من القدر الذي قدره الله ﷿؛ لابتلاء الناس في الأرض.\nالشر لا يجوز لنا أن نضيفه إلى الله؛ لأنه جاء عن النبي ﷺ في بعض دعائه قال: (والشر ليس إليك).\nوطريق الجمع بين كون الشر ليس إلى الله ﷿ وبين وجوده في الواقع -مع أن هذا الوجود من خلق الله ﷿- هو أن نقول: إن الشر ليس صفة لله وإنما أثر الصفة، وهو المخلوق الذي خلقه الله ﷿.\nولوجود هذا الشر حكمة ربانية وهي الابتلاء والامتحان والاختبار.","vol":"18","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-394>منشأ ضلال الجبرية والقدرية في خلق الشرور</span>\nوهذه هي القضية التي جهلتها بعض الفرق، فالبعض عندما أزعجتهم وضاقت صدورهم بسبب وجود الكفر والمعاصي والآفات والأمور غير المرغوبة قالوا: كيف يخلقها الله ﷿؟! وإذا خلقها وهو مقر لها فمعنى هذا: أن فعلها ليس فيه شيء.\nوقال آخرون: إن هذه الأمور ليست من خلق الله حتى يخرجوا من القضية؛ لأنهم لم يفهموا الحكمة من وجودها، قال غلاة الجبرية -وهم ابن عربي الطائي الصوفي المشهور ومن سار معه على عقيدته-: إن هذه المخلوقات هي من أفعال الله والله مقر لها.\nفلو أن الإنسان فعل الكفر أو المعاصي فليس عليه شيء؛ لأنها من مخلوقات الله، فنسبوها لله واحتجوا بالقدر، وجاءت هذه الطائفة الأخرى تعظم الله ﷿ فنفت القدر وقالت: هذه ليست من مخلوقات الله أبدًا، وإنما من مخلوقات العباد، فأشركت في الربوبية؛ لأنه ليس هناك خالق إلا الله ﷿.\nوالحقيقة هي: أن هذه من مخلوقات الله ﷾، والله خلقها ونهى عنها.\nفإن قيل: كيف يخلقها وينهى عنها؟ قلنا: خلقها للحكمة وهي الابتلاء؛ ليبتلي بها العباد.\nفقد خلقها الله ﷿ ونهى العباد عنها، فمن ترك نهي الله ﷿ وفعل هذه المحرمات فإنه يعاقب؛ لمخالفته لنهي الله ﷾، وخلق الطاعات وأمر بها، فمن ترك ما أمر الله ﷿ به عوقب.\nفالحكمة من وجود هذه الأشياء المتضادة في الكون هو الابتلاء.\nوهذه قضية واضحة في القرآن الكريم، فإن الله ﷿ يعلل لخلق الإنسان بالابتلاء، كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢].\nوقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥].\nفكل هذه المخلوقات خلقها الله ﷿ للابتلاء والاختبار، فالعبد ليس مهملًا في هذه الدنيا وإنما مختبر.\nوقد جاءت أحاديث كثيرة جدًا عن النبي ﷺ تقرر أن هذه الدار دار ابتلاء، وأن الآخرة دار جزاء، ولأجل هذا لو أطاع الإنسان الله ﷿ في الآخرة فلا تنفعه الطاعة؛ لأن دار الابتلاء انتهت بالموت أو بالقيامة الكبرى التي تزيل معالم الدنيا بأكملها.","vol":"18","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>مراتب القدر</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين].\nاختلف المصنفون في درجات الإيمان بالقدر، والحقيقة أن هذا الاختلاف اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، فهم يتفقون في المعنى لكنهم قد يختلفون في اللفظ.\nوشيخ الإسلام ﵀ هنا جعلها درجتين، وجعل كل درجة درجتين.\nوبعضهم يفصلها ويجعلها أربع مراتب.\nوهذه الأربع التي تمثل حقيقة القدر كلها تعود إلى صفات الله تعالى.\nفالمرتبة الأولى: العلم.\nوالمرتبة الثانية: الكتابة.\nوالمرتبة الثالثة: المشيئة والإرادة.\nوالمرتبة الرابعة: الخلق.\nوكلها تعود إلى الله ﷿ وإلى صفاته.\nولهذا يقول أهل العلم: القدر سر الله ﷾؛ ولأجل هذا نهى النبي ﷺ عن الخوض في القدر بغير علم، وبين أنه يجب على المسلم أن يؤمن بقدر الله ﷾.","vol":"18","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-396>مرتبة العلم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال].\nهذه المرتبة الأولى، وهي: إثبات علم الله ﷾ الشامل العام لكل شيء.\nوهذا بداية الإيمان بالقدر.\nوهي أن يعلم الإنسان ويوقن ويجزم بأن الله ﷿ علمه شامل وعام ليس كعلم المخلوق، فهو يعلم ﷾ ما سيخلق إلى الأبد، ونحن لا نعلم مثلًا من الذين سيخلفوننا في هذه المدينة بعد قرن من الزمن؛ لأن علمنا محدود.\nوالله ﷿ يعلمهم ويعلم ماذا يعملون وكيف يعملون على التفصيل الدقيق، فما تسقط من ورقة في ظلمات البر ولا حبة إلا يعلمها، وهي في كتاب عنده ﷾.\nفلا يمكن أن يضل أحد في القدر إلا لنقص علمه بعلم الله ﷾.\nفعندما يكون علم الإنسان وتصوره ناقصًا عن علم الله وسعته وشموليته يضل في القدر.\nوإذا أدرك هذه الصفة وآمن بها على حقيقتها فإنه لا يضل أبدًا.\nولهذا يقول الشافعي رحمه الله تعالى وغيره من علماء أهل السنة: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أجابوا - يعني: اعترفوا بصفة العلم - خصموا -يعني: غلبوا- وإن أنكروا - يعني: أنكروا صفة العلم - كفروا.","vol":"18","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-397>مرتبة الكتابة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق].\nوهذه هي الدرجة الثانية، وهي: كتابة الله ﷿ لما علمه من مقادير الخلق في اللوح المحفوظ.\nواللوح المحفوظ مخلوق من مخلوقات الله ﷿ العظيمة الكبيرة، وهو في السماء السابعة، كما ورد في أحاديث الإسراء، ولم يثبت في صفته حديث صحيح فيما أعلم.\nواللوح المحفوظ كتب فيه كل شيء على التفصيل؛ لأن اللفظ الوارد في الحديث عن النبي ﷺ لفظ عام، فليس هناك شيء مما هو كائن من المخلوقات ومما يتعلق بأعمال بني آدم أو الجن أو الحيوانات أو بقية المخلوقات إلا وقد كتبه ﷾ في اللوح المحفوظ.\nقال المؤلف ﵀: (فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب.\nقال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)].\nوهذا الحديث صحيح رواه أبو داود في سننه، والترمذي أيضًا.\nوأورد ابن أبي عاصم في السنة جملة من الأحاديث بهذا المعنى، وصححها الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.\nوهذا الحديث فيه النص على الكتابة، فأول ما خلق الله القلم.\nوالقلم مخلوق من مخلوقات الله ﷿.","vol":"18","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-398>المراد بالقلم المكتوب به ما هو كائن إلى يوم القيامة</span>\nفإذا قيل: هل المقصود بالقلم هنا أنه قلم واحد، أو المقصود به الجنس؟ قلنا: ورد في أحاديث أخرى أن النبي ﷺ قال: (جفت الأقلام ورفعت الصحف).\nوقال: (جفت الأقلام وطويت الصحف).\nوهذا يدل على أنها مجموعة أقلام.\nوالوارد في النص هنا القلم، فيكون المقصود به الجنس، وأنها أقلام متعددة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ [الإنسان:١]، فالإنسان هنا ليس شخصًا محددًا وإنما المقصود به جنس الإنسان.\nوفي الحديث: (قال: اكتب.\nقال: ما أكتب؟).\nوهذا يدل على أن القلم يتكلم: (قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة).\nفقوله: (ما هو كائن)، هذه اللفظة عامة تشمل كل شيء، حتى القرآن الكريم مكتوب في اللوح المحفوظ.","vol":"18","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>الجمع بين سبق كتابة القرآن الكريم في اللوح المحفوظ وتكلم الله به حال التنزيل</span>\nفإن قيل: كيف كتب في اللوح المحفوظ ثم نزل على النبي ﷺ وتكلم به الله ﷿؟ قلنا: ليس هناك إشكال في هذا.\nفقد كتبه الله في اللوح المحفوظ، وهذه الكتابة كتابة قديمة قبل خلق السماوات والأرض؛ لأن الله ﷿ كتب مقادير العباد قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.\nثم لما جاء زمن النبي ﷺ تكلم به ﷾ في كل وقت بما يناسبه.\nوالله ﷿ يتكلم متى شاء، وكيف شاء.\nويتكلم بحرف وصوت، وليست أصواته كأصوات المخلوقين، ولا كلامه ككلام المخلوقين، بل هو ﷾ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.","vol":"18","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-400>سبق كتابة كل مقدور</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: (فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف).\nكما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]].\nوهذه الآية دليل على المرتبتين، فإن قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحج:٧٠]، فيها صفة العلم، والشمول فيها مأخوذ من قوله: ﴿مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحج:٧٠].\nوما هنا موصولة بمعنى: الذي، وهي من صيغ العموم.\nفقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحج:٧٠]، يعني: يعلم كل ما في السماء والأرض.\nفهذه هي المرتبة الأولى وهي مرتبة العلم.\nثم قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج:٧٠]، وكتاب هنا جاء على وزن فعال.\nوفعال يأتي على وزن مفعول وعلى وزن فاعل في المعنى.\nفكتاب هنا جاء على وزن مفعول، مثل: إله يأتي على وزن مفعول، فنقول: مألوه يعني: معبود.\nفقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج:٧٠]، يعني: أن ذلك مكتوب في كتاب.\nقال المؤلف ﵀: [﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢]].\nونبرأها يعني: نخلقها.\nوالباري هو الخالق ﷾ ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢].","vol":"18","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-401>أنواع الكتابة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا التقدير -يعني: وهذه الكتابة- التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلًا].\nيعني: الكتابة التي كتبها الله ﷾ على خلقه أنواع: كتابة عامة، وهي الواردة في اللوح المحفوظ.\nوكتابة خاصة بالعباد، وهي أنواع.\nفمنها: كتابة عمرية.\nومعنى عمرية: أنه يكتب كل شيء في عمر الإنسان.\nوهذه الكتابة تكون عندما يخلق الإنسان في بطن أمه، كما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ في الحديث المشهور أنه قال: (حدثني الصادق المصدوق: إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك)، إلى أن قال: (ثم يرسل إليه ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، فيقال: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد).\nوهذه الكتابة للملك؛ لأن الذي يؤمر بالكتابة هو الملك الموكل بالإنسان، فيكتب في صحيفته تقدير هذا الإنسان حتى يموت.\nومنها: كتابة حولية.\nوتكون في كل سنة، ويكون ذلك في ليلة القدر في رمضان.\nوالدليل على ذلك قول الله ﷿: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤].\nقال المفسرون: المراد: يكتب تقدير السنة للإنسان.\nوقد أشار شيخ الإسلام ﵀ إلى هذا في قوله: [ونحو ذلك]، وأثبت كتابة أخرى غير الكتابة في اللوح المحفوظ وجاء لها بمثال واحد، وأجمل الثاني.\nفأما المثال الذي جاء به فهو التقدير العمري، وذكر حديث ابن مسعود أو بمعناه.\nوأما الثاني؛ فإنه لم يصرح به، وإنما أشار إليه في قوله: [ونحو ذلك].\nقال المؤلف ﵀: [فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية قديمًا ومنكروه اليوم قليل].\nوقد ورد في حديث النبي ﷺ لما سألوه وقالوا: (يا رسول الله! أنعمل في شيء مضى وانقضى أم في أمر مستقبل؟)، يعني: هل نعمل في شيء قد كتبه الله علينا سابقًا أو نعمل في شيء مستقبل؟ يعني: نحدثه نحن؟ (قال: بل في شيء مضى وانقضى، قالوا: ففيم العمل؟)، يعني: لماذا نعمل.\n(قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له).","vol":"18","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-402>الكتابة لا تدل على الجبر</span>\nفإذا كان الله ﷿ قد كتب علينا وعلى كل الإنس والجن كل شيء، وكتب منزلتهم ومكانتهم سواء من الجنة أو من النار، -أعاذنا الله وإياكم منها- فقد يقول قائل: ألا تدل هذه الكتابة على أن الله جبرنا؟ فنقول: ليس جبرًا.\nفإذا قيل: كيف لا يكون جبرًا وقد كتبنا وانتهى الأمر؟! فنقول: إننا إذا آمنا بعلم الله الشامل العام فحينئذ يزول عنا هذا الإشكال.\nفإن هذا الإشكال إنما يرد عندما نظن أن الله لا يعلم ماذا سنعمل.\nيعني: أننا تحدث لنا أحداثًا في مستقبل الأيام، وسنختار كيف نتعامل معها بإراداتنا وبشهواتنا وبقناعاتنا، وهذا الاختيار علمه الله ﷿ قبل أن نختاره؛ لأن علمه شامل لكل شيء.\nوإذا كان علمه شاملًا لكل شيء فمعنى هذا أن اختيارنا علمه الله قبل أن نختاره فكتبه.\nوليس معنى كتابة الله له في اللوح المحفوظ أنه ألزم العباد بشيء لا يريدونه، وإنما كتب في اللوح المحفوظ ما علم أنه سيقع من العباد باختيارهم.\nوما كتبه الله سيقع منا باختيارنا، فلو فرضنا أن الله كتب علينا شيئًا فإننا لا نستطيع أن نغير ما كتبه الله؛ لأننا أصلًا لا ندري ماذا كتب الله علينا؛ ولهذا قال العلماء: القدر سر الله ﷿.","vol":"18","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-403>فساد الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي</span>\nولهذا من يحتج بالقدر فحجته أفسد حجة.\nمثل العاصي الذي يقول: إن الله كتب علي ألا أصلي، فإذا سألناه: وكيف علمت أن الله كتب عليك ألا تصلي؟ فهل أطلعك على الغيب، أو جاءك ملك من الملائكة وأخذك من الأرض وصعد بك إلى السماء فدخلتها ورأيت اللوح المحفوظ مكتوبًا فيه: إنك لا تصلي؟ فهذا كذب.\nوإنما أنت الذي تركت الصلاة برغبتك.\nوهو سبحانه لم يكتب أنك ستترك الصلاة بعد أن انتهيت من تركها، وإنما كتبها قبل أن تتركها؛ لأنه علم أنك ستتركها فكتبها ﷾.\nفهل تركك للصلاة أجبرك الله عليه؟ كلا، لم يجبرك عليه، وإنما كتب ذلك لأنه علم أنك ستتركها.\nيتلخص من هذا: أن مدار موضوع القدر هو الإيمان بالعلم، فعندما يؤمن الإنسان أن الله ﷿ يعلم مستقبل الأمور وما سيختاره العبد فحينئذ تزول هذه الشبهة منه.\nونضرب لذلك بمثال محسوس: إذا كان عندنا كتاب فبإمكاننا أن نفتحه أو نتركه مغلقًا؛ لأننا مختارون، ولسنا ملزمين بشيء معين.\nوبعد لحظات لا أحد يعلم هل سنفتحه أم لا، ولكن الله يعلم ذلك.\nفإذا لم نفتحه، وقبل أن نتكلم بهذا كان الله قد كتب ﷾: أننا سنقول: هل سنفتح الكتاب أو لا؟ ثم سنختار عدم فتحه ولم يجبرنا أحد على ذلك، وإنما كتبه الله؛ لأنه عليم بما سنفعل، وعلمه واسع شامل.\nفبهذه الصورة نفهم هذا الموضوع، وحينئذ فلن يحتج علينا المحتج بأنه مجبور على فعله، بل هو مختار كما بينا.","vol":"18","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-404>مرتبة المشيئة</span>\nقال المؤلف ﵀: [وأما الدرجة الثانية فهي: مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السماوات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات].\nويدل على إثبات صفة المشيئة آيات كثيرة جدًا في القرآن.\nوهناك آيات خاصة بصفة المشيئة المتعلقة بفعل العبد، فمثلًا: يقول الله ﷿: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩].\nويقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود:١١٨].\nويقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠].\nفصفة المشيئة لله يجب أن يثبتها الإنسان -حتى يؤمن بالقدر- من خلال إيمانه أنه لا يمكن أن يحدث في كون الله ﷿ إلا ما شاءه الله ﷿، حتى الكفر والمعاصي والذنوب، فجميع الأشياء لا يمكن أن تحصل إلا بمشيئة الله.","vol":"18","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-405>العلاقة بين المشيئة والأمر والنهي الشرعيين</span>\nوهناك من خلط بين مشيئة الله ﷿ وبين أوامر الله ﷿ الشرعية.\nفبعضهم يظن أن كل ما خلقه الله من الأشياء القبيحة والحسنة قد شاءه ﷾، وما دام أنه شاءه فمعنى هذا أنه يقره ويبيحه.\nوهذا باطل.\nقال: إن عندنا نصوصًا واضحة في القرآن والسنة تدل على أن الله ﷿ ينهى عن الكفر وعن المعاصي وعن الذنوب وعن القبائح وعن الظلم والزنا والفجور وشرب الخمور، ونحو ذلك وما دام أن هذه الآيات واضحة، وهي أوامر الله ﷿ فما يحدث في الكون ليس بمشيئة الله؛ لأنه إذا شاءه فمعنى هذا أنه يقره.\nفأصل الشبهة فاسدة، لأنه لا يلزم من خلق الله لهذه الأشياء أن يقرها، وإنما خلقها للابتلاء والامتحان.\nفلا يمكن أن يوجد في الكون شيء لم يرده الله.","vol":"18","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-406>أقسام الإرادة</span>\nويقسم العلماء الإرادة إلى قسمين: إرادة كونية.\nوإرادة شرعية.\nفأما الإرادة الكونية فهي: إرادة الله ﷿ للموجودات.\nفلا يمكن أن يوجد شيء لم يرده الله أبدًا؛ لأنه لا يكون في كونه إلا ما يريد، ولأنه ليس هناك إله آخر يخلق غير الله ﷾.\nوأما الإرادة الشرعية فهي: ما أمر الله ﷿ به ونهى عنه.\nوالإرادة الكونية أوسع، وهي تشمل المخلوقات جميعًا؛ لأن هذه المخلوقات أرادها الله ﷿ وقدرها للابتلاء، ثم أمر ببعضها ونهى عن بعضها.\nفالإرادة الشرعية هي ما أمر الله به، وأما ما نهى عنه فليس إرادة شرعية، وإنما هو إرادة كونية.\nفموضوع الإرادة كالآتي: هناك إرادة واسعة تشمل المخلوقات جميعًا، وكل المخلوقات الموجودة في الكون حسنها وقبيحها خيرها وشرها جميعًا أرادها الله كونًا؛ لأنه لا يمكن أن يوجد في كون الله شيء لا يريده.\nثم هذه المرادات والمخلوقات جميعًا منها ما أمر الله به كالصلاة والصيام والحج والزكاة وبر الوالدين ونحو ذلك من الأعمال الصالحة، فهذه هي الإرادة الشرعية، ومنها ما نهى عنه فهذه تشملها الإرادة الكونية.\nفقول المؤلف: [ولا يكون في ملكه إلا ما يريد]، يعني: لا يمكن أن يحصل في ملك الله شيء لا يريده، والمقصود بالإرادة هنا الإرادة الكونية.","vol":"18","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-407>مرتبة الخلق</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه].\nومنها خلق أفعال العباد سبحانه.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه، لا خالق غيره، ولا رب سواه.\nومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته.\nوهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات.\nولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين.\nولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد].\nفالله ﷿ هو الخالق لكل شيء، وأفعالنا خلقها الله، الصالح منها وغير الصالح.\nوالعبد لا يمكن أن يخلق فعل نفسه.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [والعباد فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم.\nوالعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم.\nوللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨ - ٢٩]].\nفالعباد لهم إرادة حقيقة وهم مسئولون عن أفعالهم، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].\nفنسب العمل إلى العبد.\nوالآيات التي تدل على أن العمل منسوب إلى العبد وأنه مؤاخذ به كثيرة جدًا، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧].\nوهكذا بقية الأعمال منسوبة إلى العبد حقيقة.\nفالعمل فعله العبد، وخلقه الله في نفس الوقت.\nوهذه نقطة حساسة ينبغي الانتباه لها، وهي: أن بعض الناس يظن أنه إذا كان الله ﷿ خلق فعل العبد فمعنى هذا أن العبد مجبور؛ لأن فعله مخلوق.\nونحن نقول: الله ﷿ خلق فعل العبد، وهو ليس بمجبور، فالعمل يتكون من القدرة على العمل ومن الإرادة له.\nفإذا وجدت القدرة التامة والإرادة الجازمة نتج العمل مباشرة.\nفالله خلق قدرة العبد وإرادته، فنتج عنهما العمل، فيكون العمل مخلوقًا لله ﷿.","vol":"18","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-408>وجه نسبة العمل إلى العبد مع أن الله تعالى خالقه</span>\nفإذا قيل: إذا كان العمل مخلوقًا لله ﷿ فكيف ينسب للعبد؟ فنقول: ينسب للعبد على أن العبد سبب في وجوده، كما في قاعدة حدوث الأسباب فمثلًا: إذا أراد الله خلق النبات فإنه ينزل المطر من السماء فيقابل تربة متهيئة فينبت النبات فهذا النبات نبت بسبب المطر، وليس المطر هو الذي خلق النبات، وإنما خلقه الله وإنما يقال: إن المطر سبب وجود النبات؛ لأن الله جعله سببًا.\nوهكذا فعل العبد، فقدرته مخلوقة خلقها الله ﷿، وهذه القدرة تنتج عنها مقدورها، وهو العمل من الصلاة والصيام والشر والخير وشرب الخمر والزنا، وغيرها من الأعمال، فهذه الأعمال تنسب للعبد مع أن القدرة مخلوقة لله.\nوالله هو الذي خلق القدرة وجعل من صفاتها: أنها سبب في إنتاج العمل، وقد تكون سببًا في عدم وجوده إذا عطلها الإنسان.\nفقدرة العبد مخلوقة لله ﷿، وهي سبب في إنشاء مقدورها، وليست مستقلة في وجود العمل عن الله، وهي ليست مثل العلم الاضطراري، كرعشة المرتعش، أو سقوط الساقط وإنما تختار الأنواع المتقابلة، يعني: أن العبد يجد بين يديه أنواعًا، فيأخذ هذا باختياره ويترك هذا باختياره.\nوهذا الاختيار ليس مستقلًا عن الله، بل الله ﷿ خالقه ﷾.\nوما دام أن الله خالقه فلا ينسب إلى العبد إلا على أنه سبب في وجوده، وهذا السبب اختياري يشعر به الإنسان في نفسه، كما أن المطر سبب اضطراري في وجود الزرع.\nوهذه الأسباب يمكن أن نقسمها إلى قسمين: أسباب اختيارية، مثل فعل العبد.\nوأسباب اضطرارية تنتج مقدورها من غير إرادة، كالمطر وغيره من الأسباب الأخرى.\nفالعبد مسئول عن فعله وسيحاسب عليه يوم القيامة، وليس مجبورًا عليه.\nوهذا يدل عليه القرآن والسنة والإجماع والحس.\nفمثلًا: أنت تشعر أنك لست مجبورًا، فإذًا: أنت مسئول عن عملك وستحاسب عليه يوم القيامة حقيقة، ولست مظلومًا في ذلك؛ لأنك مختار، وليس عندك إشكال فيه.","vol":"18","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-409>بيان ضلال القدرية والجبرية في أفعال العباد</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ: (مجوس هذه الأمة)].\nوهذا الحديث رواه أبو داود والإمام أحمد في السنن، واختلف فيه العلماء صحة وضعفًا، وبعضهم يرى أنه موقوف وليس مرفوعًا إلى النبي ﷺ.\nقال المؤلف ﵀: [ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات، حتى سلبوا العبد قدرته واختياره.\nويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها].","vol":"18","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>أحاديث القدر من صحيح الإمام البخاري</span>","vol":"18","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>حديث عبد الله بن مسعود في مراحل الخلق وكتابة الملك</span>\nالحديث الأول أحاديث القدر هو: حديث ابن مسعود ﵁ قال: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربعة: برزقه وأجله وشقي أو سعيد.\nفو الله إن أحدكم - أو الرجل - يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها).\nوالمسائل المتعلقة بالقدر في هذا الحديث هي: أولًا: إثبات الكتابة العمرية التي في صحف الملائكة.\nفالملائكة تكتب ما قدره الله ﷿ على العبد في عمره، ثم تتابع هذه الأقدار؛ لأن الله ﷾ خلق هؤلاء الملائكة يتابعون تنفيذ أقداره ﷾ في العباد.\nوالمسألة الثانية هي: مسألة سبق الكتاب.\nومعنى سبق الكتاب: أن العبد يعمل في بداية عمره بعمل أهل الجنة أو أهل النار ثم في آخر عمره يختار غير ما بدأه في بداية عمره.\nفمثلًا: في بداية عمره يكون الظاهر أنه سيكون من أهل الجنة، ولكن الله ﷿ علم أنه في آخر عمره سيختار مثلًا طريق أهل النار فكتبه عليه، فعبر النبي ﷺ عن ذلك بقوله: (يسبق عليه الكتاب).\nولهذا يقول شراح الحديث -مثل الحافظ ابن حجر ﵀-: هذا الحديث يدل على التحذير من سوء الخاتمة.\nوبعض العلماء يوجه قوله: (وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، توجيهًا آخر فيقول: إنه ورد في بعض الروايات أنه قال: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس)، ففهم بعض أهل العلم من قوله: (فيما يبدو للناس)، يعني: أن هذا الرجل الذي تحدث عنه النبي ﷺ في هذا الحديث هو المنافق الذي يظهر غير ما يبطن ثم ينكشف في آخر أمره ويموت على الكفر.\nوهذا التوجيه ذكره الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم في شرحه لهذا الحديث، إلا أن التوجيه الأول أقوى؛ لأن قوله: (فيما يبدو للناس)، لا يعارض التوجيه الأول؛ لأنه يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس أنه سيموت عليه، ولكنه سيختار في آخر عمره عمل أهل النار، وهذا ما كتبه الله بحسب علمه الشامل، فيختار طريق أهل النار فيموت عليها.\nولهذا يعتبرون هذا الحديث من أحاديث الوعيد في سوء الخاتمة.","vol":"18","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-412>حديث أنس فيما يكتبه الملك الموكل بالرحم في بطن الأم</span>\nالحديث الثاني وهو: حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (وكل الله بالرحم ملكًا فيقول: أي ربي نطفة، أي ربي علقة، أي ربي مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي ربي، ذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه).\nوهذا يؤكد الحديث السابق من كتابة الملك ما علمه الله ﷿ من فعل العبد.","vol":"18","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-413>حديث عمران بن حصين وغيره في سبق علم الله تعالى بأهل الجنة والنار</span>\nقال المؤلف ﵀: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣].\nويبدو أن البخاري ﵀ يفسر قوله: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] يعني: على علم منا.\nلأن بعض الناس يفهم من هذه الآية: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣]، يعني: أنه كان عالمًا وضل.\nولكن يبدو من سياق البخاري ﵀ أن قوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣]، يعني: أن الله ﷿ أضل هذا العبد؛ لأنه علم أنه سيختار الضلال.\nوقال أبو هريرة: قال لي النبي ﷺ: (جف القلم بما أنت لاقٍ).\nقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٦١]، سبقت لهم السعادة.\nيعني: عند الله ﷾ بحسب علمه ﷾.\nوما جاء عن أبي هريرة وابن عباس من المعلقات.\nولكن الحديث المسند هو عن عمران بن حصين قال: (قال رجل: يا رسول الله! أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم.\nقال: فلم يعمل العاملون؟ قال: كل يعمل لما خلقه أو لما ييسر له).\n-أسأل الله ﷿ أن ييسرنا لليسرى- وهذا الحديث واضح أن أهل الجنة معروفون من أهل النار، وفيه الرد على القدرية.","vol":"18","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-414>حديث ابن عباس في سبق علم الله تعالى بما كان سيعمله أولاد المشركين</span>\nعن ابن عباس ﵄ قال: (سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين).\nولهذا يمتحنون يوم القيامة -كما رجح أهل العلم- هم وأهل الفترة ومن بلغته الرسالة وهو مجنون أو معتوه، أو نحو ذلك.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن ذراري المشركين؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين).\nوعن أبي هريرة قال: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه، كما تنتجون البهيمة هل تجدون فيها من جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟ قالوا: يا رسول الله! أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين).","vol":"18","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-415>حديث أبي هريرة في نهي المرأة عن سؤال طلاق أختها</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها، ولتنكح - يعني: تنكح زوجها - فإن لها ما قدر لها).\nفما يحصل من المصائب ومن طلب الإنسان لرزقه كله مكتوب، ولا يعني هذا أن الإنسان لا يفعل السبب، بل يفعل الأسباب ولكن لا يتعلق قلبه بها، فلا يتعلق قلبه بالمال ولا بالدنيا، ولا بالزوجة، ولا بالأبناء، ولا بمتاع الدنيا.\nوبعض الناس يعصي ربه من أجل الأسباب الدنيوية، فمثلًا: إذا كان عنده وظيفة فقد يعصي الله ﷿ من أجل البقاء في هذه الوظيفة، أو إذا كان عنده مال فقد يعصي الله ويأكل الربا من أجل هذا المال، أو إذا كان عنده زوجة بغي خائنة - والعياذ بالله - فيمسكها لأنها جميلة، وهكذا.\nفبعض الناس يعتمدون على الأسباب وينسون تقدير الله ﷿.","vol":"18","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-416>حديث أسامة بن زيد في مقالة رسول الله ﷺ لابنته حال احتضار ابنها</span>\nوعن أسامة قال: (كنت عند النبي ﷺ إذا جاءه رسول إحدى بناته وعنده سعد وأبي بن كعب ومعاذ أن ابنها يجود بنفسه - يعني: يكاد يموت - فبعث إليها: لله ما أخذ ولله ما أعطى، وكل بأجل، فلتصبر ولتحتسب).\nوورد في روايات أخرى للحديث: أن هذا الابن لابنته زينب، وأنه لم يمت.\n(أنه جاء إليه النبي ﷺ وأخذه بيده وأخذت نفسه تقعقع، فبكى ﷺ، فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ فقال: هذه رحمة وضعها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء).\nوهذا الحديث ساقه البخاري ﵀ في باب: العمل بالخواتيم.","vol":"18","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>حديث أبي هريرة في احتجاج آدم وموسى ﵉</span>\nوساق بإسناده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (احتج آدم وموسى فقال له موسى: يا آدم! أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة.\nقال له آدم: يا موسى! اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده)، وفي رواية أخرى: (خط لك التوراة بيده.\nأتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، ثلاثًا).\nوهذا الحديث حديث طويل، وتشعب العلماء في شرحه على مناهج مختلفة.\nوأصح ما قيل فيه هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث في مجموع الفتاوى، قال: إن موسى ﵇ لم يلم آدم على المعصية وهي الأكل من الشجر، وإنما لامه على نتيجة المعصية وهي الخروج من الجنة.\nفيقول: خيبتنا، يعني: أخرجتنا من الجنة.\nوالخيبة هي تكون بالنتيجة وليست بالمعصية؛ لأن موسى ﵇ نبي مكلم، ولا يمكن أن يلومه على المعصية وقد تاب منها، وإنما لامه على المصيبة الناتجة عن المعصية وهي الخروج من الجنة.\nفاحتج آدم بالقدر على المصيبة ولم يحتج بها على المعصية.\nويذكر العلماء قاعدة في موضوع الاحتجاج بالقدر، وهي: الاحتجاج بالقدر يجوز على المصائب دون المعائب.\nيعني: لو حصل لك حادث مثلًا، وانقطعت يدك ومات معك مجموعة من الناس، فلو جاءك إنسان ولامك وقال: يا أخي كيف انقطعت يدك؟ فتحتج له بالقدر وأن هذا أمر كتبه الله عليك.\nولكن لا يحتج بالقدر على المعائب، كأن يفعل الإنسان معصية ويقول: قدرها الله علي.\nوإذا كانت المعصية بعد التوبة منها فتعتبر من المصائب.\nوقد ذكر ابن القيم في شفاء العليل قولًا آخر في توجيه هذا الحديث وهو: أن موسى ﵇ لام آدم على معصيته بعد أن تاب منها، فاحتج آدم عليه بأن التوبة من المعصية تجبها، وأن فعل المعصية مع أنه تاب منها أصبحت مصيبة في حقه، وليست معصية يريد أن يفعلها.\nولهذا يقول العلماء: إن الاحتجاج بالقدر على المصائب مباح، والاحتجاج بالقدر على المعائب والمعاصي مذموم.\nفالإنسان لا يجوز له أن يفعل المعصية ويقول: قدرها الله علي.\nفإذا فعل ذلك فقد ارتكب عدة أخطاء: الخطأ الأول: أنه ادعى ما لم يعلم وكذب على الله ﷿.\nوالأمر الثاني: أنه احتج بركن من أركان الإيمان في غير موطنه وموضعه.\nوشرح هذا الحديث يمكن مراجعته في مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.\nويمكن مراجعة شرح كتاب القدر في فتح الباري، وإن كان لـ ابن حجر فيه اختيارات قد يكون مخالفًا للسنة في بعضها.\nأسأل الله ﷿ أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح إنه على كل شيء قدير.","vol":"18","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-418>الأسئلة</span>","vol":"18","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>حكم من يقول: إنه كافر، وهو يعرف معنى ما يقول</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا نصح الرجل زوجته فردت عليه بقولها: إنها كافرة، مع أنها طالبة متخرجة من الدراسات الإسلامية، وتعرف معنى ما تقول.\nفما الحكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هي كما قالت عن نفسها -والعياذ بالله- حتى تتوب.","vol":"18","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>أثر الهم والحزن من ضيق الرزق على الإيمان بالقدر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الهم والحزن من ضيق الرزق مثلًا أو من المرض أو من الدين اعتراض على قدر الله، أو هو ضعف في الإيمان بالقدر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الهم والحزن لضيق الرزق إذا كان مجرد هم نفسي كأن يكون الإنسان يتعب نفسيًا من ضيق الرزق، وإذا تعب نفسيًا أصابه هم وحزن، فإن ترتب على هذا الهم والحزن مثلًا بحث عن الرزق بأي أسلوب ولو كان محرمًا فهذا يدل على عدم الإيمان بالقدر.\nوكذلك إذا جزع مثلًا من ضيق الرزق فهذا يدل على عدم الإيمان.\nوأما مجرد المضايقة النفسية العادية التي تحصل للبشر فلا يكون الإنسان محاسبًا عليها، إلا إذا تجاوزت حدودها.\nوبعض الناس قد تصيبه الأمراض النفسية، وهذا يدل على ضعف إيمانه بهذا الركن العظيم من أركان الإيمان.","vol":"18","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-421>الجمع بين دراسة القدر ونهي النبي ﷺ عن الخوض فيه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف يجمع بين نهي النبي ﷺ الصحابة عن الحديث في القدر وبين الدروس التي تلقى في مسائل القدر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نهي النبي ﷺ للصحابة عن الحديث في القدر ليس نهيًا عن الحديث الصحيح فيه، وإنما نهاهم عندما وجدهم يضربون كتاب الله بعضه ببعض، فهذا ينزع بآية وهذا ينزع بآية، فغضب؛ لأنه رآهم يبحثون في القدر بغير المنهج الشرعي، فغضب عليهم ونهاهم عن هذا النوع من البحث فانتهوا، وإلا فإن أحاديث القدر كثيرة.\nهذا أولًا.\nوثانيًا: الحديث عن القدر يزيد في الإيمان؛ لأنه ركن من أركان الإيمان، ولا يمكن أن ينهى النبي ﷺ عن الحديث في ركن من أركان الإيمان.\nفالمقصود بالنهي هو النهي عن الكلام الباطل والمنهج المنحرف في الحديث في هذا الموضوع.","vol":"18","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-422>درجة ثبوت سؤال عمر ربه تعالى كتابته في ديوان السعداء ومحوه من ديوان الأشقياء إن كان شقيًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل مقولة عمر ﵁ صحيحة: اللهم إن كنت كتبتني شقيًا فامحني واكتبني سعيدًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أظن أن مثل هذا يثبت عن عمر؛ لأن هذا من الاعتداء في الدعاء.\nوالدعاء الصحيح هو: اللهم اكتبني سعيدًا.","vol":"18","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-423>انتفاء وصف الفساد عن الإرادة المخلوقة في العبد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أليس الله هو الذي خلق الإرادة للعبد، فإذا كانت هذه الإرادة فاسدة فإنها تؤدي إلى عمل المعاصي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الله ﷿ خلق الإرادة للعبد، والإرادة من حيث هي إرادة ليست فاسدة؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة كما في الحديث.\nفهو أول ما يولد لا تكون الإرادة عنده فاسدة.\nوإنما هو يرغب في الشر أو في الخير بإرادته، فليست الإرادة فاسدة إلا عندما يفسدها هو برغبته، أو يفسدها غيره فيطيعه، كأن يفسدها أبوه فيطيعه، أو يفسدها صديقه فيطيعه.\nوإلا فإن الإنسان مختار، والاختيار فيه ظاهر.\nوبهذا نجمع بين الإيمان بعلم الله السابق وكتابته للأقدار وبين اختيار الإنسان وأنه ليس مكرهًا.","vol":"18","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-424>كيفية نزول القرآن</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف نزل القرآن؟ وهل نزل من الله مباشرة أم عن طريق جبريل إلى الرسول ﷺ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  القرآن تكلم الله ﷿ به فسمعه منه جبريل فبلغه للرسول ﷺ، ونقل له كلام الله ﷿.","vol":"18","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>كيفية التصبر عند نزول المصائب إذا لم تحتمل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا أصابتنا مصيبة فكيف نصبر أنفسنا إذا لم نتحملها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إنما الحلم بالتحلم والصبر بالتصبر، والإنسان يحاول ويجتهد أن يصبر نفسه ويدربها على الصبر، ويعلم أن جزعه هذا لا يفيد، وإنما يضر نفسه ولا ينفعها، وحينئذ يشعر بالراحة.","vol":"18","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>الحكمة من كتابة الملائكة للحسنات والسيئات مع سبق كتابتها في اللوح المحفوظ</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الحكمة من جعل الملائكة يكتبون الحسنات والسيئات وهي مكتوبة في اللوح المحفوظ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الله أعلم بالحكمة.\nوليس كل خبر أخبر به الله ﷿ لا بد أن نعرف حكمته.\nوهو له حكمة قطعًا لكن قد لا نعلمها، وعدم العلم بالشيء لا يعني عدم وجوده.\nوليس هناك نص معين في الحكمة من ذلك.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.","vol":"18","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-427>العقيدة الواسطية [١٩]</span>\nتحتل مسائل الإيمان مكانة عظيمة بين أبواب العقيدة، لما وقع فيه من الخلاف بين أهل السنة ومن ناوأهم من الفرق الضالة، ومن جملة مسائله حقيقته عند أهل السنة في كونه قولا وعملا، يشمل تصديق القلب وعمله وقول اللسان وعمل الجوارح، وقد ضل فيه الخوارج غلوًا، والمرجئة تفريطًا، فنشأ عن ضلالهم آثار خطيرة في حياة المسلمين تجاه التعامل مع المنكرات والمعاصي الصادرة من أهل القبلة.","vol":"19","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-428>الإيمان في عقيدة أهل السنة والجماعة</span>","vol":"19","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-429>أهمية باب الإيمان بين أبواب العقيدة</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه وسنتهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.\nأما بعد: فيعتبر موضوع الإيمان من أهم موضوعات العقيدة، بل من أعظم الموضوعات الأساسية في حياة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو كذلك من المسائل التي وقع فيها الاختلاف والتفرق في حياة الأمة، وترتب عليه الكثير من المشكلات والاختلافات والتفرق.\nوقد ألف السلف الصالح رضوان الله عليهم تصانيف مفردة في الإيمان، وممن ألف في ذلك: أبو عبيد القاسم بن سلام، وابن أبي شيبة، وأبو يعلى الحنبلي، والعدني، وللإمام أحمد ﵀ كتابًا اسمه (الإيمان) ما يزال مخطوطًا، وهو في (٢٠٠) ورقة تقريبًا، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ له كتاب الإيمان الكبير، والإيمان الأوسط.\nوموضوعات الإيمان موضوعات حساسة وخطيرة؛ لأنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بقضايا التكفير، ولهذا كانت مسألة الإيمان أول مسألة وقع فيها الخلاف في حياة المسلمين، ووقع بينهم التفرق بعد مقتل عثمان بن عفان ﵁، فقد خرجت الخوارج وكفرت المسلمين بالذنوب، ثم ظهرت المرجئة -كرد فعل للخوارج- فأخرجت العمل من حقيقة الإيمان، وأهل السنة وسط بين هؤلاء جميعًا.\nوالطريقة التي سنتبعها في بيان هذا الباب هي: أننا سنتحدث أولًا: عن عقيدة أهل السنة في الإيمان مفصلة، ثم نتحدث عن عقائد الفرق الضالة، ثم نبين الآثار المترتبة على هذا الاختلاف والتفرق.","vol":"19","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-430>حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة</span>\nوقد اتفقت كلمة أهل السنة والجماعة على أن الإيمان قول وعمل.\nوقد حكى الإجماع على ذلك عدد من الأئمة، منهم: الإمام الشافعي والبغوي وأبو عمر بن عبد البر والإمام أحمد، وغيرهم من الأئمة المتقدمين رحمهم الله تعالى.\nيقول البخاري رحمه الله تعالى: حدثت عن ألف عالم في الأمصار كلهم يقول: الإيمان قول وعمل، وسماهم.\nوعامة كتب أهل السنة في العقيدة يعقد فيها باب خاص بالإيمان، مثل: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، والشريعة للآجري، والإبانة لـ ابن بطة، وغيرها من كتب العقيدة الكبيرة، وكذلك في كتب السنة مثل صحيح البخاري؛ فإنه أفرد الإيمان بباب مستقل، وكذلك مسلم وأصحاب السنن لهم كتب في الإيمان ضمن كتابهم الصحيح أو السنن.","vol":"19","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-431>معنى قول السلف: (الإيمان قول وعمل)</span>\nومعنى قول السلف: الإيمان قول وعمل، يعني: أن الإيمان مشتمل على هذه الحقيقة المركبة من القول والعمل، والقول يراد به: قول اللسان وقول القلب.\nفأما قول القلب: فهو تصديقه بما أخبر الله به، وبما أخبر به رسوله ﷺ.\nوأما قول اللسان: فهو يشمل قول لا إله إلا الله، والذكر، وقراءة القرآن، والدعوة إلى الله ﷾، إلى آخر تلك العبادات المتعلقة باللسان.\nوأما العمل: فإنه يشمل عمل القلب، وعمل الجوارح: فأما عمل القلب فهو خشية الله، محبة الله، الخوف من الله، التوكل على الله، الإنابة، التوحيد، الإخلاص، المراقبة، اليقين، القبول، الرضا، وهكذا سائر الأعمال القلبية التي تكون في القلب، فهذه تسمى: أعمال القلب.\nوأما عمل الجوارح فهو يشمل الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وهكذا سائر الأعمال التي تكون بالبدن.\nإذًا: هذه هي حقيقة الإيمان، مركبة من القول والعمل، والقول يشمل قول القلب وقول اللسان، والعمل يشمل عمل القلب وعمل اللسان.\nوإذا أردنا أن نقسم حقيقة الإيمان على الجوارح نجد أنها اشتملت على ثلاثة جوارح: على جارحة اللسان: قول اللسان.\nوعلى جارحة القلب: قول القلب وعمل القلب.\nوعلى بقية الجوارح عمومًا.\nولهذا عبر بعض السلف الصالح رضوان الله عليهم عن حقيقة الإيمان وعن تعريف الإيمان بأنه: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان.\nوعبر بعضهم فقال: هو قول وعمل ونية.\nوقال بعضهم: هو قول وعمل ونية واتباع للسنة.\nوالحقيقة أن هذه العبارات ليست مختلفة اختلاف تضاد، وإنما هو اختلاف تنوع، وهو مثل إخبار الصادقين عن حادثة معينة رأوها جميعًا، هذا يعبر بتعبير، وذاك يعتبر بتعبير آخر، والثالث يعبر بتعبير ثالث، لكنها جميعًا تتفق في المعنى.\nإذًا: الإيمان حقيقة مركبة تشمل الدين كله، وتشمل الإسلام كله، وتشمل العبودية لله كلها، فلا يخرج من الدين شيء ليس من الإيمان، فكل ما شرعه الله ﷾ مما يتعلق بالعبادات القولية أو القلبية أو التي تتعلق بالجوارح من الإيمان، ولهذا لما أراد السلف أن يعبروا عن الدين كله عبروا بأنشطة الإنسان، وهي متكونة من القول والعمل، فقالوا: قول وعمل.\nوأصح وأدق تعريف من تعاريف السلف هو قولهم: الإيمان قول وعمل، وتفصيله على النحو السابق.\nوقد يقول قائل: لماذا قالوا: قول وعمل ونية؟ ولماذا قالوا: قول وعمل ونية واتباع للسنة؟ نقول: الذين قالوا: إن الإيمان هو قول وعمل ونية؛ خشوا ألا يفهم من قولهم: (عمل) عمل القلب، ومن قولهم: (قول) قول القلب؛ لأن الذهن قد ينصرف عند سماع (قول) إلى اللسان، وعندما يقال (عمل) ينصرف لعمل الجوارح، فأرادوا التأكيد على عمل القلب، فقالوا: ونية، هذا من جهة.\nومن جهة ثانية؛ فإن الأعمال إذا كانت على غير السنة فإنها لا تكون من الإيمان، أرأيتم البدع التي يبتدعها الناس هل هي من الإيمان؟ لا، ليست من الإيمان، مثل: الطواف حول القبور، والذبح لها، والذكر الجماعي، والاحتفالات البدعية، والأعياد المبتدعة ونحو ذلك، كل هذه الأعمال ليست من الإيمان في شيء، وليست من حقيقة الإيمان.","vol":"19","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-432>أدلة شمول الإيمان لقول القلب</span>\nأولًا: قول القلب -الذي هو تصديقه-: الدليل عليه هو قول الله ﷿: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] ففي هذه الآية تحديد لمحل الإيمان.\nويقول الله ﷿: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧] فدل على أن هناك ارتباطًا بين الإيمان وبين القلب، فقوله: «وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ» يعني: زين الإيمان في قلوبكم.\nوقال: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ [المجادلة:٢٢].\nوقال عن المكره الذي ينطق بكلمة الكفر: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦].\nولو رجعنا إلى مادة (قلب) في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن لوجدنا أن كثيرًا من الأعمال علقت بالقلب، مثل: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] ونحو ذلك من الأعمال المتعلقة بالقلب، مما يدل على كثرة الأعمال القلبية التي فرضها الله ﷿ على العباد، هذا ما يتعلق بقول القلب.\nإذًا: من سقط عنده هذا الركن من أركان الإيمان هل يكون مسلمًا؟ لا يكون مسلمًا أبدًا بإجماع المسلمين؛ لأن ضد قول القلب: التكذيب، ولا يكون مكذبًا إلا المنافق، حتى المرجئة الذين قالوا: إن الإيمان هو التصديق القلبي فقط، قالوا: من ترك قول القلب -وهو التصديق القلبي- فهو كافر، وكذلك الخوارج، وكذلك أهل السنة قالوا: بأن من ترك قول القلب فهو منافق كافر خارج عن الإسلام.","vol":"19","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>أدلة شمول الإيمان لقول اللسان</span>\nثانيًا: قول اللسان: والدليل على أن قول اللسان من الإيمان: قول الله ﷿: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ [البقرة:١٣٧]، ما هو الذي آمنتم به؟ القول، فالله ﷿ أمرهم أن يقولوا: (آمنا)، ولو قالوا: (آمنا) فإن النتيجة هي: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ [البقرة:١٣٧]، وهذا دليل على أن القول من الإيمان.\nومما يدل على ذلك أيضًا: قول الله ﷿: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر:٨٤ - ٨٥]، وما هو الإيمان الذي آمنوا به؟ قولهم: آمنا، فقال: «فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ»، فسمى قولهم: «آمَنَّا بِاللَّهِ»: إيمانًا.\nومما يدل على ذلك: حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين: (الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول لا إله إلا الله -هذا هو محل الشاهد- وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).\nويقول النبي ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا) أمر الله ﷿ النبي ﷺ بمقاتلة الناس: (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) والشهادة: تتضمن الإخبار، والإخبار لا يكون إلا باللسان.\nومما يدل على أن قول اللسان من الإيمان: قول النبي ﷺ: (من قال: لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه دخل الجنة) رواه ابن مندة.\nوأيضًا في الحديث الآخر: (من قال: لا إله إلا الله مستيقنًا بها غير شاك دخل الجنة).\nوفي الحديث الآخر بدل (مستيقنًا) قال: (صدقًا)، وهذا يدل على أن قول لا إله إلا الله من الإيمان.\nإذًا: لو أن إنسانًا ترك قول اللسان هل يكون كافرًا؟ نقول: قول اللسان منه ما يكون تركه لا شيء فيه، مثل: أذكار النوم والاستيقاظ منه، هذه ليست واجبة، فلو تركها فلا شيء عليه، ومن القول ما يكون تركه إثمًا، لكنه لا يصل إلى الكفر، مثل: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو مستطيع له، ومن القول: ما يكون تركه كفرًا مخرجًا عن الإسلام، وهو الشهادتان؛ فمن لم ينطق بهما لا يكون مسلمًا، والدليل على ذلك: الأحاديث السابقة، ومنها قوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)، وهذا يدل على أن الشهادة باللسان ركن أساسي في الإيمان، يزول الإيمان بزواله.\nوالدليل الثاني: ما رواه البخاري عن المسيب بن حزن -وهو أبو سعيد بن المسيب -: أن النبي ﷺ جاء إلى عمه أبي طالب فقال له: (يا عم! قل: لا إله إلا الله.\nكلمة أحاج لك بها عند الله)، فمات ولم يقلها، فأصبح مخلدًا في النار، مع أنه مصدق بقلبه أن دين محمد من خير أديان البرية دينًا، كما قال ذلك في قصيدته.\nفلابد إذًا: من النطق بلا إله إلا الله محمد رسول الله، حتى يكون مسلمًا.\nوهل النطق يكفي؟ نقول: لا، لابد أن تضاف إليه الأركان الأخرى، هذا أولًا.\nثانيًا: لابد أن يكون هذا النطق لإنشاء الالتزام بالدين، ومعنى إنشاء الالتزام بالدين: أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهو مصدق بدين الإسلام، ويريد أن يعمل به، لكن لنفترض أنه قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، قولًا مجردًا بلا عمل أو اعتقاد، هل ينفعه ذلك؟ لا، لابد أن يقولها وهو يريد الالتزام بدين الله ﷾.","vol":"19","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>أدلة شمول الإيمان لعمل القلب</span>\nثالثًا: عمل القلب، وعمل القلب يدخل فيه التوكل على الله ﷿، فالله ﷿ يقول: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، فجعل التوكل شرطًا في الإيمان، وهكذا أنواع متعددة من أعمال القلب هي شرط في الإيمان، ولهذا ورد في حديث الشفاعة أن النبي ﷺ قال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال ذرة من إيمان) ومعنى: (في قلبه مثقال ذرة من إيمان) يعني: عمل القلب، فإذا زال عمل القلب هل يكفر الإنسان؟ نقول: إذا زال جزء منه؛ فإنه بحسب ما زال منه، فقد يزول جزء بسيط فلا يكفر، لكن إذا زال كل عمل القلب فإنه يكفر؛ لأنه لا يتصور أن يوجد مسلم لا يحب الله، ولا يخاف من الله، ولا يتوكل على الله، ولا يرجو الله، ولا ينيب إلى الله، وهكذا سائر أعمال القلب الكثيرة إذا زالت منه كلها فهو كافر بالله رب العالمين، ولهذا كان أقل أهل الجنة، وهم آخر من يخرج من النار -وهم الجهنميون- صفتهم: (من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال ذرة من إيمان) ويعرفون بمواطن السجود، وهذا يدل على أن الصلاة ركن أساسي من أركان الإيمان.","vol":"19","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-435>أدلة شمول الإيمان لعمل الجوارح</span>\nرابعًا: عمل الجوارح: والدليل على أن عمل الجوارح من الإيمان: قول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣].\nوورد في حديث الشعب أنه قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق -وهذا عمل- والحياء شعبة من الإيمان)، والله ﷿ يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأنهم صلوا في البداية إلى بيت المقدس، ثم حولت القبلة، وتحدث بعض الناس عن أن الصلوات التي صلوها لبيت المقدس باطلة، فأنزل الله ﷿ قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] فسمى الصلاة: إيمانًا، والصلاة عمل من أعمال الجوارح.\nويقول النبي ﷺ: (الطهور شطر الإيمان) رواه مسلم.\nويقول النبي ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن).\nوهذا يدل على أن ترك الزنا من الإيمان، والترك من العمل، كما قال الله ﷿: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩]، فعبر عن ترك التناهي بالفعل، قال: «كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ» يعني: يتركون التناهي، «كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ» يعني: لبئس ما كانوا يفعلونه من ترك التناهي، فسمى ترك التناهي فعلًا، فترك الزنا فعل وعمل أدخل في الإيمان، قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) إذًا: من ترك الزنا صار مؤمنًا، وهكذا أحاديث كثيرة تدل على أن من ترك الكبائر فهو مؤمن.\nوكذلك قول النبي ﷺ: (لا إيمان لمن لا أمانة له).\nوقوله: (من غشنا فليس منا).\nويقول النبي ﷺ: (حسن العهد من الإيمان) كما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الإيمان.\nإذًا: الإيمان حقيقة مركبة من القول والعمل، والقول: يشتمل على قول القلب وهو: تصديقه، وقول اللسان: وهو النطق بالشهادتين، وما يتبع ذلك من قراءة القرآن والذكر ونحو ذلك، والعمل يشتمل على عمل القلب، وهو خشية الله، والتوكل على الله، ومحبة الله، والرجاء لله ﷿ ونحو ذلك، وأيضًا: عمل الجوارح، مثل: الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة.","vol":"19","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-436>حكم ترك شيء من الإيمان</span>\nفإن قيل: هل من ترك شيئًا من الإيمان، ولو جزءًا بسيطًا يكفر؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يكفر إذا ترك جزءًا بسيطًا، وذلك بحسب المتروك.\nوالمتروك ثلاثة أنواع: النوع الأول: مندوب ومستحب لا إثم في تركه.\nوالنوع الثاني: واجب يأثم صاحبه، لكنه غير خارج من الإسلام.\nالنوع الثالث: ترك يخرج الإنسان من الإسلام، ويكون صاحبه كافرًا.\nإذًا: المتروكات من الإيمان ثلاثة أنواع: الأول: ترك لا يعاقب الإنسان عليه، وهو ترك المستحب المندوب.\nوالثاني: هو ترك الواجب وهذا يعاقب عليه، لكنه لا يخرج من الإسلام.\nوالثالث: ترك يخرج من الإسلام، ويكون صاحبه كافرًا.\nترك المندوب مثل: السنن الرواتب والتسبيح، وذكر الله ﷿ في كل مكان، فهذه من النوافل، ولو أن الإنسان تركها لا يعتبر آثمًا.\nوترك الواجب مثل: ترك بر الوالدين، والجهاد في سبيل الله، والصيام، على قول من لم يكفر تارك الصيام.\nوأما الترك المخرج من الإسلام فهو أنواع: النوع الأول: من ترك الإيمان كله، يعني: من ترك التصديق، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح، فهذا كافر لاشك في كفره.\nوالثاني: من ترك تصديق القلب، وهذا كافر بإجماع الطوائف؛ حتى عند المرجئة.\nالثالث: من ترك الشهادتين من قول اللسان، فهذا أيضًا كافر خارج عن الإسلام كما دلت عليه الأحاديث السابقة.\nالرابع: من ترك عمل القلب بالكلية، فهذا كافر؛ حتى لو كان مصدقًا، يعني: من ترك عمل القلب لوحده حتى لو كان مصدقًا، وحتى لو كان يقول: لا إله إلا الله بلسانه، وحتى لو كان يصلي ويصوم، ما دام أنه ترك عمل القلب بالكلية، فإنه يكون كافرًا.\nالخامس: من ترك عمل الجوارح بالكلية، لا يصلي، ولا يصوم، ولا يحج، ولا يزكي، ولا يعمل من أعمال الإسلام الظاهرة شيئًا، فهذا لاشك أنه كافر بإجماع السلف الصالح رضوان الله عليهم.","vol":"19","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-437>التلازم المتين بين عمل القلب وعمل الجوارح</span>\nهناك تلازم قوي بين عمل القلب وعمل الجوارح، فعمل القلب هو: أصل الإيمان في القلب، وإذا وجد عمل القلب فلابد أن يوجد عمل الجوارح مباشرةً، والاتصال بينهما اتصال ثابت شرعًا وواقعًا.\nأما من الناحية الشرعية: فالنبي ﷺ يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) فبين أن العلاقة بين القلب والجوارح علاقة تامة.\nبمعنى: أنه إذا لم يوجد شيء من عمل القلب، فلا يمكن أن يوجد شيء من عمل الجوارح، وإذا وجد شيء من عمل القلب، فإنه يوجد على قدره شيء من عمل الجوارح، فمن وجد في قلبه شيء من محبة الله، وشيء من الخوف من الله ﷿، وشيء من التوكل على الله ﷿؛ فإنه سيوجد مقابله عمل من الجوارح، فلا يتصور أبدًا أن يكون عمل القلب موجودًا، وليس هناك عمل للجوارح بالمرة، ولا يتصور أيضًا وجود عمل الجوارح بدون عمل القلب بالمرة إلا في حالة المنافق، ففي الحالة العادية لا يمكن أن يوجد أحدهما دون الآخر.\nفإذا تصورنا إنسانًا عنده عمل من أعمال القلب فإننا نقول: في الحالة الطبيعية لابد أن يوجد عمل الجوارح مباشرةً، ولا يمكن أن يوجد إيمان وتقوى لله ﷿ وقدرة على العمل ثم لا يحصل العمل؛ لأن العمل يتكون من الإرادة التامة، والقدرة الكاملة، فينتج العمل مباشرة، يعني: ما دامت المحبة موجودة لله، والخوف كذلك فلابد أن يحصل شيء من العمل، ولا يمكن أن يفقد العمل بالكلية.\nوكذلك في الحالة الطبيعية إذا كان يعمل في الظاهر، فهذا مباشرةً يدل على وجود إيمان في الباطن، ويمكن أن يوجد لدى إنسان عمل في الظاهر، وليس عنده عمل في الباطن مثل: المنافق، ويمكن للإنسان أن يكون عنده عمل في الباطن، وليس عنده عمل في الظاهر في حالة المكره، وإن كان الإكراه لا يمكن أن يتصور أن يحيط بالإنسان من كل وجه؛ لأنه يمكن أن يسبح الله من غير تنبه المكرهين له، ويمكن أن يذكر الله من غير أن ينتبه المكرهين له.\nالشاهد هو: أن العلاقة علاقة تامة، ومطردة وقوية، وبهذه الطريقة تعلمون أن قضية الإيمان قضية حية في واقع المسلمين، وليست قضية نظريات مجردة يعتقدها الإنسان في قلبه ثم لا يعمل بها.","vol":"19","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-438>عقائد الفرق الضالة في حقيقة الإيمان</span>\nبعد أن عرفنا حقيقة الإيمان عند أهل السنة وبينا أدلته، نتطرق إلى عقائد الفرق الضالة في هذا الموضوع، وسنركز الحديث عن المرجئة؛ لأن خطرها عظيم وكبير، وانتسب إليها عدد كبير ممن يظن نفسه على السنة.","vol":"19","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-439>عقيدة الخوارج في الإيمان وخطرها</span>\nالخوارج يعرفون الإيمان كما يعرفه أهل السنة، ويقولون: الإيمان قول وعمل، لكنهم يرون أن ترك جزء من العمل أيًا كان نوع هذا الجزء يخرج الإنسان من الإسلام، فلو أنه ارتكب كبيرة من الكبائر كفر عندهم، ولو أنه ترك واجبًا من الواجبات وتكون كبيرة في حقه يكفر أيضًا، وهذا ما خالفهم فيه السلف، فإن الكبائر لا يكفر أصحابها عندهم.\nومن الأدلة على أن الكبائر لا يكفر صاحبها: قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فهذه الآية يبين الله ﷿ فيها أن ما دون الشرك فهو قد يغفر لصاحبه، لكن الشرك لا يغفر، ولا يمكن أن تصنف الكبائر ضمن الشرك؛ لأنها ليست شركًا، والدليل على أنها ليست شركًا: أن النبي ﷺ عندما عد أكبر الكبائر فصل الشرك عن الزنا والخمر وغيرها من الذنوب الأخرى، ومن المعلوم أن الكبائر ليس فيها شيء من الشرك، هذا الدليل الأول.\nالدليل الثاني: أحاديث الشفاعة، وقد نقل ابن الوزير اليماني ﵀ في كتابه: إيثار الحق على الخلق: أن أحاديث الشفاعة التي فيها أن أصحاب الكبائر لا يخلدون متواترة، ومنها: أن النبي ﷺ قال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، ومن كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان) فمن كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان -وهو عمل القلب-، وقال: لا إله إلا الله، يخرج من النار.\nفإن قيل: أين عمل الجوارح؟ قلنا: عمل الجوارح أخذناه من التلازم بين إيمان القلب وعمل الجوارح، فإن قوله: (مثقال ذرة من الإيمان) يدل على وجوب أن يكون له مقتضى وثمرة، وهي العمل، ولهذا ورد في أحاديث الشفاعة: أن الجهنميين من أهل الصلاة (يعرفون بمواطن السجود)، وهذا يدل على أنهم كانوا يصلون، فإذا كانوا يصلون فلابد أنهم قرءوا القرآن؛ لأن الفاتحة من القرآن وهم يصلون بها، وحينئذ يكون قد حصل لديهم مجموعة من أعمال الجوارح كانوا بها من المسلمين، ولو لم يوجد عندهم قول اللسان، لم يكونوا مسلمين، ولو لم يوجد عندهم عمل القلب، لم يكونوا مسلمين، ولو لم يوجد عندهم عمل الجوارح فإنهم لا يكونون مسلمين أيضًا.\nوأحاديث الشفاعة تدل على بطلان معتقد الخوارج؛ لأن الخوارج يعتقدون أن الزاني والسارق وشارب الخمر مخلد في النار، وهذا باطل؛ لأن أهل الكبائر يخرجون من النار، ولو كانوا كفارًا لما خرجوا؛ لأن الجنة محرمة على الكفار، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (أتاني جبريل وبشرني أن من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، قال أبو ذر: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق)، وهذا يدل على أن أصحاب الكبائر يعذبون على قدر ذنوبهم، ثم يعودون إلى الجنة بعد ذلك؛ لأنهم لم يشركوا بالله شيئًا.\nوالحقيقة: أن خطر الخوارج كبير، فقد تجد إنسانًا يتحرج من الصلاة خلف المسلمين، ويقول: لعل هذا الإمام غير مسلم، مع أن الأصل في الناس: السلامة، فتصلي خلف المسلمين ما دام لم يظهر منهم الكفر، وبعضهم يرى أن المحكومين بغير ما أنزل الله كلهم كفار، وهذا لاشك أنه ضلال مبين والعياذ بالله؛ لأن المحكومين بغير الشريعة أصناف: منهم: من رضي وتابع على علم، فهذا كافر.\nومنهم: من لم يرض ولم يتابع، فهذا ليس بكافر، والبلدان الإسلامية حكمت بغير ما أنزل الله مع أن فيها علماء وصالحين وأتقياء، لكن ليس لهم حول ولا قوة، بل إن الصحابة عندما كانوا في مكة حكموا بغير ما أنزل الله، ولم يكفرهم أحد.\nوبعضهم يقول: لابد أن يبين البراءة من الحاكم بغير ما أنزل الله، فيقال: إن التبيين ليس شرطًا في الإيمان حتى ترتب عليه الكفر؛ لأن التبيين قد يراه شخص ولا يراه آخر، وحينئذ قد يكفره من لم يسمع التبيين، وهؤلاء ليس لهم ولاية على المسلمين حتى يقولوا: هذا تبين منه أنه يكفر بالطاغوت، وهذا لم يتبين منه، ولهذا وجد من هؤلاء الجهال من كفر أهل العلم والصالحين والأخيار من الناس؛ لأنهم ليسوا على طريقته، وليسوا على منهجه، ولهذا يجب الحذر من مثل هذه الأفكار الضالة، والخوارج منطلقهم الأول هو الخوض في الحكم بغير ما أنزل الله، ثم يبدءون في تكفير الناس بدون بينة ولا علم.\nوالواجب: هو أن يتعلم الإنسان العلم النافع حتى يكون على بصيرة، وحتى يعرف الكافر الحقيقي من المؤمن الحقيقي، وبهذا يكون على بينة وبصيرة.","vol":"19","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-440>عقيدة المرجئة في الإيمان</span>\nالإرجاء هو: إخراج العمل عن مسمى الإيمان؛ فإن المرجئة قالوا: إن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان.\nوالمرجئة أصناف متعددة، بعضهم من الغلاة، وبعضهم أقل غلوًا، لكنهم جميعًا داخل دائرة واحدة، وغلاة المرجئة هم الجهمية الذين يقولون: إن الإيمان هو المعرفة، فإذا عرف الله، وعرف رسول الله ﷺ فهو مسلم حتى لو لم يصدق، وهذا لاشك أنه كفر مبين، فإن إبليس يعرف الله ﷿، وقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢].\nوفرعون كفر ظاهرًا وهو في الحقيقة يعرف الله؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤].\nوقال الله ﷿ كما قال موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢].\nوأبو طالب قال له النبي ﷺ: (يا عم! قل: لا إله إلا الله.\nكلمة أحاج لك بها عند الله) فقال للنبي: هو على ملة عبد المطلب، فكفر مع أنه كان يعلن للناس ويقول: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا الطائفة الأولى: الغلاة من المرجئة وهم الجهمية، وهؤلاء كفرهم السلف مثل ابن المبارك وغيره.\nالطائفة الثانية من المرجئة قالوا: إن الإيمان هو التصديق، وأخرجوا ثلاثة أشياء: أخرجوا قول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح، وهؤلاء هم الأشاعرة والماتريدية، وهم الضالون في هذه المسائل.\nالطائفة الثالثة من المرجئة: الذين قالوا: الإيمان هو تصديق القلب، وقول اللسان، وعمل القلب بدون عمل الجوارح، وهؤلاء أيضًا: من الضالين في هذه المسألة، وهم وإن كانوا أقل غلوًا وأقل بدعة من أولئك لكنهم في دائرة البدعة، فإن من أخرج عمل الجوارح عن حقيقة الإيمان مرجئ.\nتنبيه: المرجئة لا يقولون: إن عمل الجوارح والقلب ليس من الإيمان، بمعنى: أنها ليست من أحكام الدين بالكلية، فهذا لا يقوله أحد، حتى الذي يقول هذا كافر لا يمكن أن يقوله، لكنهم يقولون: عمل القلب وعمل الجوارح وقول اللسان من الإيمان، لكن لا يترتب عليه كفر، فإذا ترك قول اللسان فهو مثل الذي يفعل معصية، وإذا ترك عمل القلب فهو مثل الذي يفعل معصية، وإذا ترك عمل الجوارح فهو مثل الذي يفعل معصية، ولهذا يصرح الأشاعرة بأن من ترك قول وعمل القلب واللسان وعمل الجوارح أنه يعذب في النار، لكنهم لا يعتقدون أنه كافر في الدنيا ويخلد في النار.\nوكذلك الذي يقول: إن أعمال الجوارح ليست من الإيمان، لا يقول: إن الصلاة والصيام والحج ليست من الدين، هذا لا يقوله مسلم، لكنهم يقولون: إن من ترك عمل الجوارح بأكملها فإنه لا يكفر، لكنه يعتبر عاص من العاصين، وهذا خطأ كبير، فإن من ترك قول اللسان وعمل القلب وعمل الجوارح بالكلية فهذا كافر بالله رب العالمين يقام عليه حد الردة في الدنيا، وأحكام الكفر في الدنيا، ويكون في الآخرة من المخلدين في النار.","vol":"19","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-441>الآثار المترتبة على الإرجاء</span>\nأما الآثار المترتبة على قضية الإرجاء فكيرة جدًا منها: أولًا: تهوين أعمال القلب والجوارح، فإنه أصبح كثير من الناس يتهاونون في هذه المسائل، وليست -في نظره- من المسائل الكبيرة، وبهذا انتشر الفسوق في حياة المسلمين في ظل الإرجاء، وانتشرت المعاصي، والدعارة، وانتشرت الذنوب والمعاصي؛ لأنهم لا يعتقدون أن هذه الأعمال من الإيمان.\nثانيًا: أن الأشاعرة أخرجوا عمل القلب وعمل الجوارح من الإيمان، وعمل القلب وعمل الجوارح هو نفسه توحيد الألوهية، يعني: إذا قابلنا بين التوحيد والإيمان نجد أن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد الألوهية قول وعمل، فنجد أن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات يدخل في القول، وتوحيد الألوهية يدخل في العمل.\nمعنى هذا: أن الأشاعرة والماتريدية عندما قالوا: إن العمل ليس من الإيمان: أن توحيد الألوهية ليس من الإيمان أيضًا.\nويترتب على هذا: أنهم يرون أن الطواف بالقبور ليس شركًا، وأن الذبح لغير الله ليس شركًا، وأن الاستغاثة بغير الله، مثل مدد يا عبد القادر! أو: مدد يا حسين! أو طلب تفريج الكروب، ومغفرة الذنوب من الرسول ﷺ، لا يعتبرونها من الشرك المخرج من الإسلام.\nوالخلاف العميق الذي وقع بين أهل السنة وبين الأشاعرة: أن الأشاعرة أدخلوا عباد القبور ضمن الموحدين والمسلمين، وأهل السنة أخرجوهم، فاختلفنا نحن والمرجئة على طائفة كبيرة من الذين يطوفون حول القبور ويذبحون لها، هذا من جهة.\nمن جهة ثانية: يأتي شخص ويغير أحكام الله ﷿ في مسألة التشريع العام، ويشرع للناس حكمًا جديدًا، هذا في حكم أهل السنة كافر خارج عن الإسلام؛ لأنه بدل الدين، وكفر بالله رب العالمين، واتخذ المبدل والمشرع إلهًا من دون الله ﷿؛ لأن التأله معناه: التنسك والتعبد والطاعة لله، ولهذا يقول الله ﷿ عن الرسل أنهم قالوا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].\nما معنى قوله: «أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ»؟ يعني: تنسكوا لله، وتعبدوا لله، وأطيعوا الله، فالطاعة داخلة في حقيقة الدين، ولذا كان من يطيع غير الله ﷿ طاعة مطلقة -كطاعتهم في التشريع- كافرًا بالله رب العالمين.\nإذًا: اختلفنا نحن والأشاعرة والماتريدية في طائفة ثانية، وهم: المبدلون لأحكام الله المغيرون لشريعته، الذين يأتون بقانون بريطاني، أو فرنسي، أو أي قانون من القوانين ويجعلونها مهيمنة على الناس، فهؤلاء ليسوا بمسلمين عندنا، أما عند هؤلاء فهم مسلمون.\nإذًا: الخلاف عميق وكبير وقوي، ولهذا صارت مجادلات كبيرة بين أهل السنة من جهة، وبين الأشاعرة من جهة أخرى.\nوالأشاعرة يسمون أهل السنة خوارج؛ لأنهم يعتقدون أنهم يكفرون الناس بدون دليل أو بينة، ولما ظهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقال: إن الطواف حول القبور، والذبح لها، والنذر لغير الله، والسحرة والكهنة والمشغوذين كفار، قالوا: إذًا أنتم من الخوارج، فما استطاعوا أن يفرقوا بين منهج السنة الصحيح وبين الخوارج، فالخوارج يكفرون بالكبائر، وهؤلاء يكفرون بالمكفرات الحقيقية، مثل: عبادة غير الله ﷿، ولهذا وقعت الخصومة الكبيرة بين أهل السنة وبين المرجئة في واقع المجتمع والحياة.\nمثال هذا: محمد علوي المالكي، هذا رجل خرافي صوفي، وهو أشعري من جهة أخرى، ففي كتابه: (مفاهيم يجب أن تصحح) له، تجد أنه يرى أن اتخاذ وسيلة بينه وبين الله يستغيث به، ويدعوه من دون الله، ويطلب منه المدد ونحو ذلك، أن هذا ليس من الشرك في شيء، وعندما رد عليه الشيخ صالح آل الشيخ بكتاب: (هذه مفاهيمنا) بين لنا أن هذا المنهج الباطل تسويغ للشرك، ودعوة إلى الشرك، فمعنى هذا: أننا لو تركنا المجال أمام محمد علوي المالكي فسيجعلنا جميعًا نستغيث بالرسول، وحينئذ سنصبح كفارًا جميعًا، ولن يصبح هناك فرق بيننا وبين اليهود والنصارى إذا استغثنا بغير الله، وإذا ذبحنا لغيره؛ لأن اليهود والنصارى كفروا من جهة، ونحن سوف نكفر من جهة أخرى، وحينئذ تضيع حقائق الدين، وتضيع عقائد المسلمين بسبب هذه الفتنة العظيمة، وركنها الأساسي هو الإرجاء.\nكذلك قالت المرجئة: من سب الله أو سب الرسول ﷺ فإنه لابد أن يعتقد أن سب الله ورسوله حلال، فإذا اعتقد ذلك فهذا معناه أنه مكذب، لكن إذا لم يعتقد فهو غير مكذب، ولهذا انتشر سب الله وسب الرسول ﷺ في كثير من المجتمعات التي كان دعاة الإرجاء يملئونها، وأصبح الإنسان يسب الدين ويسب الله عندما يغضب على زوجته وولده.\nولو قيل لهؤلاء الناس: إن سب الله ﷿ وسب الرسول ﷺ كفر مبين يوجب القتل في الدنيا، هل يتجرءون عليه؟ لو تربى الأطفال وهم صغار على أن هذا من الكفر، هل يمكن أن يسبوا؟! لا يمكن أبدًا.\nوهكذا أصبح السحرة عند محمد علوي المالكي","vol":"19","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>عقيدة أهل السنة في عصاة أهل القبلة</span>\nقال: [وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية].\nوهذا أيضًا مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص.\n[وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة].\nوأهل القبلة هم الذين قالوا: لا إله إلا الله، وصلوا، لا يكفرونهم بالكبائر، لكن إذا ارتكب أحد من أهل القبلة كفرًا يخرج عن الإسلام كفروه إذا وجدت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع.\nوقد نسبوا إلى القبلة؛ لأنهم من أهل الصلاة، وهذا يدل على أن من لم يصل لا يعتبر من أهل القبلة، وعلى أن تارك الصلاة ليس من أهل القبلة، يقول النبي ﷺ: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم) أي: في الظاهر، فلو أن رجلًا صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، ثم طاف بقبر لا يعتبر مسلمًا إذا أقيمت عليه الحجة.\nقال: (لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج)، فإن الخوارج يكفرون بالكبائر، ويستدلون على ذلك بقول النبي ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن).\nويقولون: النبي ﷺ بين أن الزاني في زناه لا يكون مؤمنًا، نقول: نعم.\nلا يكون مؤمنًا كامل الإيمان؛ لأن الإيمان فيه كمال وفيه أصل، فهو ليس بمؤمن كامل الإيمان، لكن أصل إيمانه موجود.\nلو أن إنسانًا مات على الزنا، أو مات وهو مخمور فإنه يعاقب على ذنبه إذا شاء الله ﷿، ثم يدخل الجنة إذا كان عنده أصل الإسلام وأصل الإيمان.\nومشكلة أهل البدع في الاستدلال: أنهم يأخذون طرفًا من النصوص ويتركون أطرافًا، فتجد أحدهم يأخذ حديثًا واحدًا، ولا يعرف عن عشرات الأحاديث الأخرى.\nيقول: (كما يفعله الخوارج) بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، حتى لو كان الإنسان عاصيًا فأخوة الدين ثابتة، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨].\nقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة:١٧٨] المقصود: بأخيه هنا: القاتل، والضمير في أخيه يرجع إلى ولي الدم، وهو ولي المقتول، فاعتبر القاتل أخًا لولي المقتول وللمقتول أيضًا؛ لأنهم جميعًا مسلمين، لكن القاتل عاص، ويعاقب على عصيانه إذا شاء الله ﷿.\nوقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩]، فوصفهم بالإيمان مع أنه قال: «اقْتَتَلُوا».\n﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩].\nويقول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] يعني: وصفهم بالإيمان مع وجود الشحناء والبغضاء والاقتتال بينهم.\nقال: [ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقول المعتزلة].\nالمعتزلة يقولون: من فعل الكبيرة في الدنيا فهو في منزلة بين المنزلتين، لا نسميه مسلمًا، ولا نسميه كافرًا، وهذه بدعة جديدة، أما حاله في الآخرة فقد وافقوا الخوارج؛ لأنهم يعتقدون أنه مخلد في النار، لكن أهل السنة لا يسلبون الفاسق الملي الإسلام، والفاسق الملي معناه: المسلم العاصي، فاسق يعني: عنده عصيان، الملي: يعني: الذي على ملة الإسلام لم يكفر، ولم يخرج عن الإسلام، فهذا لا يسلبونه الإسلام، يعني: لا يجعلونه كافرًا بفسوقه، ولا يخلدونه في النار كما تفعل المعتزلة والخوارج الذين اتفقوا في شيء واختلفوا في شيء، فاتفقوا على أن يخلدوه في النار، واختلفوا في حاله في الدنيا، أما حاله في الدنيا فقد اتفقوا من جهة، واختلفوا من جهة: اتفقوا من جهة أنه مسلوب الإيمان، فالخوارج لا يعتقدون أنه مؤمن؛ لأنه عندهم كافر، والمعتزلة لا يعتقدون أنه مؤمن؛ لأنه في منزلة بين المنزلتين.\nيقول الله ﷿: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] جاءت مطلقة، يعني: حتى لو كان عندها شيء من العصيان.\nوقال: [وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق].\nوعندنا الإيمان المطلق ومطلق الإيمان، فما الفرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق؟ مطلق الإيمان يعني: وجود أصل الإيمان، والإيمان المطلق يعني: الإيمان الكامل، فالفاسق عنده مطلق الإيمان، ليس عنده الإيمان المطلق؛ لأن الإيمان المطلق لا يكون إلا عند من وحد لله ﷾، وآمن وترك الذنوب والمعاصي، لكن من كانت عنده ذنوب ومعاص فإن عنده مطلق الإيمان وليس عنده الإيمان المطلق، ولهذا يقول: وقد لا يدخل -يعني: الفاسق الملي- في اسم الإيمان المطلق، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢]، هؤ","vol":"19","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-443>الأسئلة</span>","vol":"19","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-444>حكم تارك الصلاة وكيفية معاملته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم من يترك الصلاة حينًا ويصلي حينًا، وهل يعتبر من المسلمين أم لا؟ وكيف يتعامل معه إن كان من الأقارب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  اتفق السلف رضوان الله عليهم وأجمعوا على أن ترك الصلاة كفر، ثم اختلفوا متى يكون كافرًا؟ هل هو عند الترك المطلق، أو عند مطلق الترك، يعني: هل يكون بترك فرض أو فرضين، أو يكون بالترك نهائيًا.\nقال بالأول بعضهم، وقال بالثاني: آخرون، والتحقيق في هذه المسألة هو: أن من ترك الصلاة حتى سمي تاركًا وصح عليه لفظ الترك فقد كفر، يعني: من يمر عليه شهران، ثلاثة، أو أربعة أشهر، فهذا يتحقق فيه اسم الترك إذا لم يصل فرضًا فيها، وحينئذ يكون كافرًا، هذا بالنسبة للحكم.\nأما بالنسبة للتعامل فهو ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: التعامل الدعوي، فالتعامل الدعوي حتى مع الكافر، ينبغي أن نعامله بلطف من أجل أن نكسبه ونستميل قلبه إلى الإيمان، سواء كان تاركًا للصلاة، أو شاربًا للخمر، أو صاحب ذنوب ومعاص كثيرة، وأن نجذبه بإحسان، لكن النوع الثاني من التعامل، هو: التعامل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعني: لو أن إنسانًا له أخت عند شخص لا يصلي بالمرة، فهذا لابد أن يسحب أخته؛ لأنها إذا بقيت عنده فستكون معاشرته لها بالحرام؛ لأن التارك للصلاة بالمرة ليس بمؤمن، بل هو كافر، والله ﷿ يقول: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]، فلا يجوز حينئذ أن تبقى عنده أبدًا.\nإذًا: هناك فرق بين التعامل في حالة التعامل نفسها، مثلًا: رجل لا يصلي بالمرة، وتعرف أنه لا يصلي، ثم مات فلا تصل عليه، وإذا كنت تغسل الموتى فلا تغسله، وإذا كان قريبًا لك فتمتنع من الإرث؛ لأنه ليس بمسلم إذا تيقنت أنه كافر، لكن لا يستعجل الإنسان في هذه الأمور، بل ينبغي أن يكون متريثًا، ودقيقًا فيها؛ لأنه يترتب عليها كثير من المشكلات.","vol":"19","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>الفرق بين المشرك والكافر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين المشرك والكافر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هو نفسه الفرق بين الشرك والكفر، وهما بابان لحقيقة واحدة، فالشرك: هو عبادة يصرفها الإنسان لغير الله مع الله، والكفر جحود لما أوجب الله ﷾ عليه.\nنكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.","vol":"19","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-446>العقيدة الواسطية [٢٠]</span>\nللصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم مكانتهم العظيمة في الإسلام، فهم حملة لوائه، وناشروه في الأقطار، ولذا كانت لهم منزلتهم في قلوب أهل السنة اعتقادًا يدينون الله تعالى به، فيرون وجوب سلامة صدورهم لأصحاب النبي ﷺ، ويعتقدون فضلهم على غيرهم، وتفاضل مراتبهم، والشهادة بالجنة لمن شهد له الرسول ﷺ بذلك، وتفاضل الأربعة الخلفاء، والبراءة من طريقة الرافضة والخوارج تجاههم، والإمساك عما شجر بينهم، وغير ذلك مما يعتقدونه بشأنهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.","vol":"20","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-447>مسائل وأحكام في عقيدة أهل السنة في الصحابة</span>\nإن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.\nأما بعد: فسبب دخول باب الصحابة في أبواب العقيدة أنه وجد من الضالين المنحرفين عن سواء السبيل من طعن فيهم، وتكلم عليهم، ونقص من قدرهم، أو من رفع بعضهم فوق منزلته الشرعية التي يجب أن ينزله إياه.\nوهذا الباب يوجد في مصنفات أهل العلم في العقائد مثل: أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، والشريعة للآجري، والإبانة لـ ابن بطة، وغيرها من مصنفات أهل العلم في العقائد.\nوقد أفرد له البخاري ﵀ في صحيحه كتابًا مستقلًا سماه: كتاب المناقب، وكذلك الإمام مسلم في صحيحه أفرد له كتابًا سماه: كتاب الفضائل، وأورد فيه فضائل الصحابة رضوان الله عليهم.\nوالإمام ابن ماجة القزويني رحمه الله تعالى جعله ضمن كتاب السنة في كتابه السنن.\nأما الترمذي ﵀؛ فإنه أفرد له كتابًا سماه: المناقب أيضًا.\nوقد صنف أهل العلم قديمًا وحديثًا مصنفات مستقلة في موضوع الصحابة، ومن أشهرها كتاب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى الذي سماه: فضائل الصحابة.\nوالصحابة رضوان الله عليهم جم غفير، يقول أبو زرعة الرازي: إن عدد الذين رأوا رسول الله ﷺ ورووا عنه وسمعوه يتجاوزون المائة ألف، فقد خطب النبي ﷺ في حجة الوداع بما يقارب المائة ألف، وقد رأوه ﷺ، واجتمعوا به، واستمعوا إلى خطبته عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.","vol":"20","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-448>تعريف الصحابي</span>\nالتعريف الدقيق والحد المنضبط للصحابي هو: كل من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك.\nوالمقصود باسم الإشارة (ذلك) يعني: مات على الإيمان.\nوقولنا: من لقي النبي ﷺ، يشمل الرجال والنساء، ويشمل كذلك من رآه بنظره، ومن سمعه بأذنه كالأعمى، ولهذا لفظة: (من لقي) أدق من لفظة: (من رأى).\nوقولنا: (وهو مؤمن به) يخرج من لقيه من الكفار، كعمه أبي لهب، أو أبو جهل، أو غيرهم من الكفار الذين التقوا برسول الله ﷺ ولم يسلموا، ومنهم اليهوديان اللذان التقيا مع النبي ﷺ، فقالا له: (نشهد أنك رسول الله، فقال لهما رسول الله ﷺ: وما يمنعكما أن تتبعاني؟ قالا: تقتلنا يهود) فرجعوا ولم يؤمنوا، فهؤلاء وإن رأوا رسول الله ﷺ، وشهدوا بأنه نبي مرسل من الله ﷾، إلا أنهم ليسوا من الصحابة؛ لأنهم لم يؤمنوا به.\nوقولنا: (ومات على ذلك) يخرج به من لقي رسول الله ﷺ وهو مؤمن، ثم ارتد عن الإيمان، كبعض الذين التقوا برسول الله ﷺ وارتدوا وقاتلهم الصحابة وقتلوا، كـ مسيلمة الكذاب وغيره من المرتدين.","vol":"20","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-449>مسائل متعلقة بتعريف الصحابي</span>\nوهناك مسائل يذكرها أهل العلم في تعريف الصحابي: المسألة الأولى: هل عيسى ﵇ يعتبر من الصحابة؟ الواقع أن عيسى ﵇ ينطبق عليه حد الصحابي، فقد لقي رسول الله ﷺ في السماء عندما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء، وهو مؤمن به، وهو لم يمت بعد، وسينزل في آخر الزمان، ثم يموت وهو مؤمن بالرسول ﷺ ولهذا ذكره بعض من ترجم لأصحاب النبي ﷺ.\nالمسألة الثانية: هل النساء يدخلن في تعريف الصحابي؟ نعم.\nالنساء يدخلن في تعريف الصحابي كما هو واضح في التعريف، فـ (مَن) مِن ألفاظ العموم التي تشمل الرجال والنساء.\nالمسألة الثالثة: من ارتد ثم عاد إلى الإسلام بعد ذلك، كـ الأشعث بن قيس هل هو داخل في الصحابي؟ نقول: نعم.\nداخل في حد الصحابي، وهو ينطبق عليه أنه لقي النبي وهو مؤمن، ثم مات على الإيمان، لأنه بعد ردته آمن مرة أخرى.\nالمسألة الرابعة: ما هو الدليل على أن من لقي الرسول ﷺ ولو مرة واحدة أنه من الصحابة؟ يعني: النبي ﷺ عندما حج وحج معه مائة ألف، ما الدليل على أن هؤلاء من الصحابة؟ الدليل على هذا: أن النبي ﷺ أمر عائشة ﵂ بأن تأمر أبا بكر أن يصلي بالناس، فراجعته في ذلك، وقالت له: إن أبا بكر رجل رقيق، وإذا وقف مكانك لا يملك نفسه من البكاء، فقال النبي ﷺ: (إنكن صويحبات يوسف، مرن أبا بكر فليصل بالناس) فسمى من لقي يوسف ﵇ من النسوة اللاتي قطعن أيديهن، وهن لم يلتقين به إلا مرة واحدة صويحبات، وهذا دليل واضح على أن من لقي إنسانًا مرة واحدة فإنه يسمى صاحبه لغة.\nالمسألة الخامسة: أن الصحابة ليسوا على مرتبة واحدة في الفضل؛ فمن رأى رسول الله ﷺ مرة واحدة ليس كمن عاش مع النبي ﷺ وجاهد معه وبذل، وليس كمن رافقه كـ أبي بكر الصديق ودافع عنه، واجتهد في نصرة الدين معه، ليسوا على درجة واحدة.","vol":"20","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-450>سلامة قلوب أهل السنة وألسنتهم للصحابة رضي الله تعالى عنهم</span>\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ].\nممن يتفق مع أهل السنة والجماعة من الطوائف في باب الصحابة: الأشاعرة والماتريدية؛ ولهذا يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه منهاج السنة النبوية: أن لفظة (أهل السنة) تطلق ويراد بها ما يطلقه العامة، والعامة تطلق أهل السنة فيما يقابل الشيعة الروافض الذين يشتمون أصحاب النبي ﷺ، وبهذا المعنى يكون الأشاعرة من أهل السنة وهو الإطلاق الذي تطلقه العامة، وهذا إطلاق عرفي؛ لأن الأشاعرة وأهل السنة والماتريدية اتفقوا على مخالفة الشيعة في هذه المسألة من مسائل العقيدة، فسموا هؤلاء الطوائف أهل السنة، وهذا اصطلاح عرفي تطلقه العامة لا ينبني عليه مدح ولا ذم إلا في موافقتهم للسنة فإنهم يمدحون في ذلك.\nوالإطلاق الثاني هو: أن أهل السنة هم الذين يقابلون أهل البدعة، وحينئذ فلا يدخل الأشاعرة، ولا تدخل الماتريدية في هذا التعريف، فإن أهل السنة هم أهل السنة المحضة الخلص الصافين من الابتداع، والأشاعرة عندهم بدع عقائدية علمية وعملية في مثل باب الصفات والإيمان والقدر وغيرها.\nيقول: [ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]].\nهذه الآية جاءت بعد آيتين في موضوع الصحابة، وهي في موضوع الفيء.\nالآية الأولى في المهاجرين: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر:٨] إلى آخر الآية.\nوالآية الثانية في الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ [الحشر:٩]، والمقصود بالدار: المدينة.\nوالآية الثالثة هي في أهل السنة الذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر:١٠] يعني: جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]، وقد أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية فائدة فقهية، وهي: أن الشيعة ومن سب أصحاب النبي ﷺ ليس له شيء في الفيء، فإن الله قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر:٨] ثم قال في الآية التي بعدها: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ [الحشر:٩] يعني: لهم نصيب في الفيء، ثم قال في الآية الثالثة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] والشيعة ليسوا من المهاجرين، وليسوا من الأنصار، وليسوا من الطائفة التي تقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]؛ لأنهم يتكلمون في أصحاب الرسول ﷺ.","vol":"20","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-451>اعتقاد أهل السنة فضل الصحابة على غيرهم</span>\nيقول: [وطاعة النبي ﷺ في قوله].\nطاعة هنا معطوفة على قوله: (سلامة قلوبهم) يعني: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب الرسول ﷺ، ومن أصولهم أيضًا: [طاعة النبي ﷺ في قوله: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)].\nهذا الحديث حديث صحيح رواه البخاري ومسلم.\nيقول النبي ﷺ: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق) يعني: في سبيل الله.\n(مثل أحد) وهو الجبل المعروف في المدينة.\n(ذهبًا) يعني: تصدق بأغلى أنواع الأثمان.\n(ما بلغ) يعني: في الأجر والمكانة عند الله ﷿.\n(مد أحدهم) يعني: ما بلغ مثل ما يتصدق به الواحد من الصحابة بمقدار المد، وهو ربع الصاع (ولا نصيفه).\nوهنا تلاحظون مقابلة بين رجل من الصحابة ورجل من المؤمنين من غير الصحابة، هذا الرجل من المؤمنين تصدق بمثل أحد ذهبًا في سبيل الله، وذاك الرجل من الصحابة تصدق بمقدار المد من الطعام، كيف عرفنا أن المقصود بالمد هنا الطعام؟ لأن المد من المكيلات، والذهب من الموزونات، ولا يمكن أن يقصد بالمد هنا مد الذهب، وإنما المقصود به مد الطعام؛ لأنه لو كان المقصود به مد الذهب لجعله من الموزونات.\nوما الفائدة أن يكون من المطعوم أو من الذهب؟ الفائدة: أن هذا المتصدق من غير الصحابة تصدق بما هو أكثر حجمًا، وأجود نوعًا، والصحابي تصدق بما هو أقل حجمًا وكمًا وأقل نوعًا، ومع هذا فضل مد الصحابي على مثل الجبل من الذهب الذي يتصدق به من بعده.\nولهذا صدقة الصحابة أفضل من صدقة غيرهم، وهذا يدل على أن فضل الصحابة أكبر من فضل غيرهم، فهل يصح أن يسب مثل هؤلاء الفضلاء؟!","vol":"20","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-452>اعتقاد أهل السنة تفاضل مراتب الصحابة</span>\nيقول: [ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم].\nوقد سبق أن أشرنا إلى أن أهل العلم رووا فضائلهم في الصحيحين والسنن، وجعلها بعضهم من العقيدة كما فعل الإمام ابن ماجة القزويني رحمه الله تعالى في سننه المعروفة بسنن ابن ماجة حيث جعلها في كتاب السنة؛ لأن علاقة فضائل الصحابة بالعقيدة علاقة قوية.\nيقول: [ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم، ويفضلون من أنفق من قبل الفتح -وهو صلح الحديبية- وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل].\nلا شك أن الصحابة ليسوا على مرتبة واحدة في الفضل، وإنما هم على مراتب، فمن أسلم قبل صلح الحديبية أفضل ممن أسلم بعد صلح الحديبية.\nالدليل على هذا: قول الله ﷿: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد:١٠].\nهذه الآية فيها تقرير واضح لفضل من أنفق من قبل الفتح وقاتل على من أنفق من بعد الفتح وقاتل.\nوالدليل على أن الفتح هو صلح الحديبية: قول الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:٢٧].\nوقد أنزل الله ﷿ في هذه الحادثة -صلح الحديبية- سورة كاملة وهي سورة الفتح وبدأها بقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] فسمي صلح الحديبية فتحًا.\nوقد يقول قائل: كيف يسمى صلح الحديبية فتحًا مع أنه صلح اتفاق مع الكفار على شروط، وقد رأى بعض الصحابة رضوان الله عليهم أن في هذه الشروط تقليلًا لهيبة المسلمين، وتعظيمًا لقوة الكافرين، ومع هذا سمي فتحًا؟ نقول: كان ذلك فتحًا بإذن الله ﷿ وبأمره، وذلك أن هذه الفترة التي عاهد النبي ﷺ فيها الكفار كانت من أعظم الفترات التي أسلم فيها عدد كبير من الصحابة رضوان الله عليهم، فقد جاء النبي ﷺ وهو في صلح الحديبية بألف وأربعمائة وحصل الصلح، ودخل مكة فاتحًا بعشرة آلاف، وهذا يدل على الفتح العظيم الذي حصل بهذا الصلح.\nإذًا: الصحابة الذين أسلموا قبل صلح الحديبية أفضل من الصحابة الذين أسلموا بعد صلح الحديبية.\nيقول: [ويقدمون المهاجرين على الأنصار].\nلأن المهاجرين أسلموا قبل الأنصار، ولأنهم جمعوا بين خصلتي الهجرة والنصرة، أما الأنصار فلهم خصلة النصرة.\nيقول: [ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر - وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر -: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)].\nهذا حديث رواه البخاري ورواه مسلم في قصة حاطب بن أبي بلتعة عندما كتب رسالة إلى أهل مكة يخبرهم فيها بأن النبي ﷺ قادم إليهم، فجاء الوحي إلى النبي ﷺ بذلك، فأرسل عليًا بن أبي طالب ومعه آخر وقال: ستجدون امرأة في مكان كذا وكذا معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة فجاءوا إلى المكان المعين، فوجدوا هذه المرأة وطلبوا منها الكتاب فرفضت، فهددها علي بن أبي طالب ﵁ أنها إن لم تأت بالكتاب فإنه سيعريها من ملابسها، فلما رأت منه العزم أخرجت الكتاب.\nفلما جيء بالكتاب إلى النبي ﷺ قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنق هذا المنافق، وهذا يدل على أن موالاة الكفار من النفاق، ولم ينكر عليه النبي ﷺ في كون هذا العمل من النفاق، لكنه سأل المعين وهو حاطب - قائلًا: ما حملك على ذلك؟! فتأول حاطب وهذا يدل على أن الإنسان إذا تلبس بالكفر فإنه لا يلزم أن يكون كافرًا مباشرة، ولا بد من توفر الشروط وانتفاء الموانع، ومن ذلك: التأول؛ فإن حاطبًا تأول، حيث كان له مال في مكة، وليس له أحد يحمي ماله في مكة، وخشي أن يتلاعب به الكفار، فقال: يا رسول الله! إن لأصحابك من يحمي أموالهم في مكة، وليس لي أحد يحمي مالي في مكة، ثم قال النبي ﷺ لـ عمر: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر -وحاطب منهم- فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).\nوقد عد ابن سعد في الطبقات الكبرى أسماء الثلاثمائة والأربعة عشر في كتابه؛ لأنه أفرد للبدريين طبقة خاصة لفضلهم.\nأما قوله: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، فليس فيه دعوة إلى فعل المعاصي، ويمكن مراجعة كلام ابن القيم ﵀ في الفوائد لمعرفة هذه القضية.\nيقول: [وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة].\nهذه البيعة حصلت في صلح الحديبية؛ فإن الصح","vol":"20","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-453>شهادة أهل السنة بالجنة لمن شهد لهم الرسول ﷺ من الصحابة</span>\nيقول: [ويشهدون -يعني: أهل السنة- بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ].\nفمن شهد له رسول الله ﷺ له بالجنة يشهدون له بالجنة يقينًا لا تردد فيه، أما غيرهم من العلماء والصالحين والفضلاء فإننا نرجو لهم الجنة، لكن لا نشهد يقينًا بها لأحد إلا لمن شهد له رسول الله ﷺ يقينًا بها كالعشرة وهم معروفون، وسموا بالعشرة لأنهم جمعوا في حديث واحد رواه أبو داود.\nومنهم ثابت بن قيس بن شماس وهو صحابي جليل تأثر من قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١]، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات:٣]، وقبلها بين أن من رفع صوته فإنه يكاد أن يحبط عمله، وكان رجلًا ذا صوت مرتفع، فخشي أن يكون ممن شملته هذه الآية، فبقي في بيته لا يشهد صلاة الجماعة، فأرسل إليه النبي ﷺ، فأخبره بما يظن، فبشره النبي ﷺ بالجنة.\nيقول: [وغيرهم].\nوغيرهم كثير كأمهات المؤمنين مثلًا، وورقة بن نوفل؛ فإن النبي ﷺ يقول: (لا تسبوا ورقة، فإني رأيت له جنة أو جنتين).\nوأيضًا: كأصحاب الشجرة وأهل بدر فإنهم يدخلون في هذا، وغيرهم ممن شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، ومنهم بلال بن رباح وغيره.","vol":"20","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-454>اعتقاد أهل السنة تفاضل الأربعة بحسب ترتيب خلافتهم</span>\nيقول: [ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره: من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلثون بـ عثمان، ويربعون بـ علي ﵃ كما دلت الآثار].\nقوله: (يثلثون) يعني: يجعلون عثمان ثالثًا.\nوقوله: (يربعون) يعني: يجعلون عليًا بن أبي طالب رابعًا.\nولا شك أن أهل السنة أجمعوا على أن أفضل الصحابة على الإطلاق أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب ﵁.\nأما عثمان وعلي بن أبي طالب فإن أكثر أهل السنة على أن عثمان أفضل من علي بن أبي طالب ﵁، ووجد من أهل السنة من قال بأن عليًا أفضل من عثمان، فيجعلون الترتيب كالآتي: أفضل الصحابة أبو بكر ثم عمر ثم علي ثم عثمان في الفضل.\nأما في الخلافة والبيعة فإنهم مجمعون على أن الخلفاء بالترتيب التالي: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.\nإذًا: الخلاف الواقع بين أهل السنة في أول الأمر هو في أفضيلة علي على عثمان، وليس في كونه أولى بالخلافة منه؛ لأنهم متفقون على أن عثمان أولى بالخلافة من علي بن أبي طالب ﵁.\nوهذا الاتفاق يدل على ضعف قول من فضل عليًا بن أبي طالب على عثمان ﵃ أجمعين، فإذا كان عثمان أولى بالخلافة منه، وقد بويع بالخلافة، ورضيه علي وسائر الصحابة، وعليه أهل السنة من بعدهم، فهو أيضًا يدل على فضله عليه، وليس في فضل أحدهم على الآخر منقصة للآخر، بل هو فاضل ولكنه أمام الآخر يعد مفضولًا.","vol":"20","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>الآثار الدالة على تفاضل الأربعة</span>\nوقوله: (وقد دلت على ذلك الآثار) والآثار في هذا الموضوع كثيرة جدًا، منها: ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵁ أنه قال: كنا في زمن النبي ﷺيعني: والنبي يقر هذا- لا نعدل بـ أبي بكر أحدًا، ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم.\nوقد صرح علي بن أبي طالب ﵁ أكثر من مرة على المنبر في الكوفة: أن أفضل أصحاب النبي ﷺ هم أبو بكر وعمر، وقد سأله ابنه محمد بن الحنفية وقال له: من أفضل أصحاب النبي ﷺ؟ قال له: أبو بكر، ثم قال له ابنه: ثم من؟ قال: ثم عمر، يقول محمد: فخشيت أن أقول: ثم من؟ فيقول: عثمان.\nوهذا يدل على قوة رأي من فضل عثمان على علي ﵃ أجمعين.\nيقول محمد الحنفية: فقلت له: ثم أنت؟ فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين.\nويقول شريك بن عبد الله القاضي، وقد كان من محبي علي بن أبي طالب ﵁، يقول: سمعت عليًا بن أبي طالب يقول على أعواد منبر الكوفة، أفضل أصحاب النبي ﷺ أبو بكر وعمر.\nوهذا يدل على أن من فضل عليًا بن أبي طالب على أبي بكر وعمر فهو ضال مبتدع بمخالفته لأقوال النبي ﷺ، ولما تواتر عن الصحابة رضوان الله عليهم في هذا الأمر، والمخالف للإجماع ضال، لقول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥].","vol":"20","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-456>المفاضلة بين علي وعثمان رضي الله تعالى عنهما</span>\nيقول شيخ الإسلام: [وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة - يعني: في الخلافة - مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على أبي بكر وعمر أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا وربعوا بـ علي، وقدم قوم عليًا، وقوم توقفوا].\nإذًا: في مسألة أفضلية علي على عثمان أو عثمان على علي أربعة أقوال: القول الأول وهو الصحيح: تفضيل عثمان على علي بن أبي طالب ﵄.\nوالقول الثاني: أنهم كانوا يفضلون فيقولون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم يسكتون.\nوالقول الثالث: أنهم كانوا يقولون: أفضل الصحابة هم أبو بكر ثم عمر ثم علي ثم عثمان.\nوالقول الرابع: التوقف في المسألة، يقولون: أبو بكر ثم عمر ثم يتوقفون في أيهما أفضل عثمان أم علي.\nيقول: [لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان على علي].\nوهذا يدل على أن الواسطية دقيقة الألفاظ، فقد بين أن مسألة تقديم علي على عثمان نوعان: الأولى: تقديم في الأفضلية، وهذا محل خلاف، وليست من مسائل الأصول التي يضلل فيها المخالف، وإن كان الراجح: هو تقديم عثمان على علي.\nالثانية: مسألة الخلافة والبيعة: ولا شك أن عثمان بن عفان متقدم على علي فيها، وهذا التقدم يصح أن يكون دليلًا على من قدم عثمان على علي في الأفضلية؛ لأنه لا يمكن أن يكون المفضول خليفة والفاضل موجودًا؛ لأن هذه خلافة راشدة أخبر عنها النبي ﷺ.\nيقول: [وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي].\nولا شك أن هذه من الدقة عند شيخ الإسلام ﵀.\nيقول: [ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله].\nيعني: من طعن في خلافة أبي بكر، أو في خلافة عمر، أو في خلافة عثمان، أو في خلافة علي فهو ضال مضل، وهو أجهل من حمار أهله.","vol":"20","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-457>براءة أهل السنة من طريقة الروافض والنواصب تجاه الصحابة</span>\nثم يقول: [ويتبرءون من طريقة الروافض].\nالروافض: جمع رافضي، والرافضة سموا رافضة؛ لأنهم رفضوا زيدًا بن علي بن الحسين عندما تولى الشيخين، فإنه عندما فضل أبا بكر وعمر على علي قالت له الرافضة: إما أن تقدم عليًا وتفضله على الشيخين وإلا تركناك، فتركوه فقال: رفضتموني، فسموا: رافضة.\nيقول: [الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم].\nوالشيعة المعاصرون يكفرون أصحاب النبي ﷺ، وإذا كفروهم فطبيعي أن يسبوهم ويشتموهم، ويتهموهم بأي أمر من الأمور؛ لأنه ليس بعد اتهامهم بالكفر مصيبة أكبر منها.\nوالحقيقة: أن طريقة الشيعة طريقة خطيرة جدًا؛ لأننا إذا كفرنا أصحاب الرسول ﷺ وهم نقلة الشريعة والأخبار عن الرسول ﷺ؛ فحينئذ لا يثبت عندنا حديث، فأحاديث أبي هريرة كلها باطلة عندهم، وأحاديث عائشة مثلها، وأحاديث أنس وابن عباس وابن عمر وغيرهم من الصحابة جميعًا كلها باطلة غير صحيحة.\nإذًا: لن يبقى من السنة إلا مجموعة أحاديث قليلة رواها علي بن أبي طالب، أو المسور بن مخرمة أو سلمان الفارسي، وهم تقريبًا خمسة من الصحابة الذين لا يسبونهم، وهذا كما قال أهل العلم في حقيقته: طي لبساط الشريعة، يعني: لا يصبح هناك شريعة؛ لأن الآثار جميعًا غير مقبولة عند هؤلاء.\nيقول: [ويتبرءون أيضًا من طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل].\nوالنواصب: جمع ناصبي، وهم من ناصبوا عليًا بن أبي طالب وذريته العداء، كـ الحجاج بن يوسف الثقفي ومسلم بن عقبة الذي كان قائدًا له عندما قاتل أهل مكة، وكان السلف يسمونه: مسرفًا، وغيرهم من عمال بني أمية، وبعض الأمويين ممن كان ضد أهل البيت وناصبهم العداء.","vol":"20","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-458>اعتقاد أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة</span>\nيقول: [ويمسكون عما شجر بين الصحابة].\nالخلاف الذي وقع بين الصحابة عندما اقتتلوا بعد عثمان بن عفان ﵁ خلاف اجتهادي، فبعد قتل عثمان بن عفان ﵁ انقسم الناس إلى ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: هم طائفة الخلافة، وهم علي بن أبي طالب ﵁ ومن معه، وهؤلاء قالوا: ننتظر حتى يهدأ الناس ثم نتتبع قتلة عثمان ونقتلهم جميعًا.\nوالطائفة الثانية: هم أهل الشام معاوية بن أبي سفيان ﵁ ومن معه، وهؤلاء قالوا: لا بد من قتل هؤلاء الذين قتلوا عثمان الآن.\nوالطائفة الثالثة: هم الذين أمسكوا عن الفتنة.\nوالممسكون عن الفتنة أنواع: فبعضهم: أمسك عن الفتنة وهم عامة الصحابة كـ سعد بن أبي وقاص ﵁ وغيره من الصحابة؛ لأنهم يحفظون أخبارًا عن النبي ﷺ أنها ستقع فتنة، وأن الممسك عنها هو صاحب الحق.\nوبعضهم: أمسك لأنه لم يعرف وجه الحق في المسألة، كأهل الثغور الذين كانوا على الحدود والمشاركين في الجهاد في سبيل الله.\nوبعضهم: أمسك لأنه لم يعرف الحق لكنه وقع في بدعة، وهي قوله: إن الطائفتين مخطئتان.\nوالصحيح في هذه المسألة هو: أن أصحاب النبي ﷺ جميعًا أهل خير وصدق، والفتنة التي وقعت عندهم وقعت باجتهاد، والاجتهاد يقول عنه النبي ﷺ: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر).\nونحن نعتقد أن المصيب في هذه الفتنة هو علي بن أبي طالب ﵁، وأن أهل الشام معاوية بن أبي سفيان ﵁ وعمرو بن العاص ﵁ ومن معهم أخطئوا في هذه الفتنة، لكن ما عندهم من الفضل والخير والجهاد مع النبي ﷺ ومن الصحبة تمسح هذا الخطأ إن لم يكونوا مأجورين فيه؛ لأن المجتهد إذا كان مصيبًا فله أجران، وإذا كان مخطئًا فله أجر، فهو ليس بآثم أصلًا.\nولو فرضنا أن بعضهم وقع في الإثم؛ فإن ما وقعوا فيه من الإثم أقل بكثير جدًا من فضائلهم وحسناتهم، والله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].\nيعني: لو فرضنا أنهم وقعوا في خطأ وزلة فإن الحسنات تذهب هذه السيئة، والصحابة ليسوا بمعصومين من الخطأ، وقد يقع بعضهم في الكبائر، وقد وقع بعضهم في الزنا، لكن ما عندهم من فضل الصحبة والجهاد والصدق ونصرة الدين وإقامته ومحبة الرسول ﷺ؛ لا يقف معه خطأ أبدًا.\nوالميزان الحقيقي الصحيح هو: أن الصحبة لا يقف دونها خطأ، والواجب فيما شجر بين الصحابة: الإمساك وترك الخوض فيه، وخصوصًا العامة ومن لا علم عنده، لا سيما وقد روي في هذه الأحداث كثير من الأخبار الموضوعة والمكذوبة والتي هي من الكذب المحض، ولهذا استغل المستشرقون وأذنابهم من المستغربين هذه الحادثة استغلالًا بشعًا؛ فإنهم اعتمدوا في كثير من أخبار في هذه الفتنة على روايات وضعتها الشيعة، وعلى أخبار موضوعة ومكذوبة، وأصبحوا يتحدثون عن الفتنة التي وقعت بين الصحابة كأنها قضية سياسية معاصرة، فتجد مثلًا بعض المستشرقين يتحدث عن الفتنة فيقول: انقسم الصحابة إلى ثلاثة أحزاب: الحزب الأول: حزب المحافظين.\nالحزب الثاني: حزب اليسار.\nالحزب الثالث: حزب المتوقفين عن الموضوع.\nوتقدم حزب اليمين خطوتين وتراجع حزب كذا، وهكذا يتعامل مع المسألة كأنه يتعامل مع حدث سياسي في الديمقراطية الأمريكية، وجهل أن الصحابة رضوان الله عليهم الدين تربوا على يد الرسول ﷺ ما عرفوا الخبث، ولا الغدر، ولا الخيانة، وإذا وقع عند بعضهم خطأ؛ فإنه يقع باجتهاد وبنصح لله ولرسوله وللمسلمين.\nولهذا أقول: تعامل هؤلاء مع هذه الحادثة ومع غيرها من الحوادث كحادثة خلافة أبي بكر الصديق ﵁ عامل قبيح جدًا، فإنهم صوروهم على أنهم أحزاب سياسية، وأنهم يسعون للوصول إلى الحكم، وأن كل طائفة من هذه الطوائف تراوغ وتحاول، ثم اجتهدوا في البحث في كتب التاريخ -خصوصًا الموضوعات التي كان يضعها الشيعة- واستخدموها استخدامًا قبيحًا جدًا في تشويه صورة الصحابة رضوان الله عليهم.\nوهكذا من يعتمد في دراساته ومؤلفاته على المستشرقين يقع في نفس الخطأ، مثل الدكتور علي سامي النشار وغيره من الأساتذة الذين كتبوا في هذه الأحداث وقعوا في الخطأ، لأنهم يعتمدون على المستشرقين، والمستشرقون يعتمدون على روايات الشيعة في هذه المسألة، وقد صنف الشيعة في الجمل وصفين كتبًا كثيرة جدًا.\nومن المصنفين ورواة الشيعة المشاهير: أبو مخنف وهو لوط بن يحيى، وقد قال عنه بعض السلف: إن الواقدي -وهو من رواة السير ومتروك في الحديث- خير من ملء الأرض من مثل أبي مخنف، لأن أبا مخنف وضاع كذاب شيعي","vol":"20","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-459>معتقد أهل السنة في المروي في مساوئ الصحابة وما صدر عنهم من الزلل</span>\nيقول: [ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز الذنوب عليهم في الجملة].\nلكن إجماع الصحابة معصوم، أي: أن أفراد الصحابة غير معصومين، لكن الإجماع معصوم ولا شك.\nوالدليل على عصمته: هو قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء:١١٥] فاعتبر سبيل المؤمنين، وأن اتباع غيره ضلال يوجب العقوبة، ويوجب أن يكون من أهل جهنم.\nيقول: [ولهم من السوابق -يعني: السابقة في الإسلام- والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم.\nوقد ثبت بقول الرسول ﷺ أنهم خير القرون].\nوهذا ثابت في صحيح مسلم: أن النبي ﷺ قال: (خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).\nقال: [وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم، كما دل عليه الحديث السابق المتفق عليه.\nثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ وهم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف في الأمور التي كانوا فيها مجتهدين، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور؟!].\nوهذا واضح، فإن للصحابة من الفضل والسابقة والمكانة ما يستحق به مغفرة ذنوبهم إن وقعوا فيها.\n[ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله عليهم به من الفضائل علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله].\nولهذا اهتم العلماء بجمع تاريخ الصحابة، فألف ابن الأثير كتاب (أسد الغابة في معرفة الصحابة) وألف أبو نعيم وابن مندة كتبًا في معرفة الصحابة، وألف الحافظ ابن حجر (الإصابة في معرفة الصحابة) وكل من تكلم عن تاريخ المسلمين يبدأه بالصحابة وتاريخهم وفضلهم، والذي يقرأ فيه يتعجب من عبادتهم وتقواهم وإخلاصهم لله ﷿، وخوفهم من الله ﷿، وحرصهم وبذلهم، وجهادهم مع النبي ﷺ في أوقات متعبة ومضنية، ومع ذلك كانوا أشد الناس ثباتًا.","vol":"20","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-460>محبة أهل السنة لآل بيت رسول الله ﷺ</span>\nيقول: [ويحبون -يعني: أهل السنة- أهل بيت رسول الله ﷺ].\nوأهل البيت يدخل فيهم أزواج النبي ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣].\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب:٣٣] جاء في سياق الحديث عن نساء النبي ﷺ؛ فهن من أولى من دخل في آل بيته ﷺ.\nوأيضًا: من آل البيت جماعات آخرين وردت فيهم رواية في صحيح مسلم من حديث الحصين بن سبرة أنه قال لـ زيد بن أرقم: ومن أهل بيته يا زيد؟ يعني: من أهل بيت الرسول ﷺ، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده.\nقال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، يعني: آل الحسن وآل الحسين وآل محمد بن الحنفية وآل عقيل، وهو عقيل بن أبي طالب أخو علي بن أبي طالب ابن عم النبي ﷺ.\nوآل جعفر: وهو جعفر بن أبي طالب أيضًا ابن عم النبي ﷺ.\nوآل عباس: والعباس هو ابن عبد المطلب عم النبي ﷺ.\nفكل هؤلاء حرام عليهم الصدقة.\nإذًا: آل البيت يشمل أزواج النبي ﷺ، وآل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، يشمل هؤلاء جميعًا ومن جاء من بعدهم من نسلهم.\nوآل البيت لهم أحكام فقهية تحدث عنها أهل العلم في أماكنها، ومنها: أن الصدقة محرمة عليهم، وأن لهم حقًا في بيت مال المسلمين.\nيقول: [ويحبون أهل بيت النبي ﷺ].\nوتخصيصه أهل البيت؛ لأن أهل البيت بالذات لهم ثلاثة أمور تجلب محبتهم: الأمر الأول: الإيمان.\nوالأمر الثاني: الصحبة.\nوالأمر الثالث: لأنه من آل بيت النبي ﷺ.\nومحبة آل بيت النبي ﷺ أمر معتبر شرعًا، ولهذا ثبت عن النبي ﷺ أنه قال للصحابة: (أذكركم الله في أهل بيتي).\nيقول: [ويحبون أهل بيت النبي ﷺ، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم].\nوغدير خم هذا غدير قريب من الجحفة، قريب من منطقة رابغ بين مكة والمدينة، وقال النبي ﷺ هذا القول عندما رجع من حجة الوداع في الثامن عشر من ذي الحجة، لما جاء إلى غدير خم قال للصحابة رضوان الله عليهم: (أذكركم الله في أهل بيتي) وهذه وصية واضحة.\nوقال أيضًا للعباس عمه، وقد اشتكى إليه بعض قريش من بني هاشم، فقال: (والذي نفسي بيده! لا يؤمنوا حتى يحبوكم لله ولقرابتي) وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود الطيالسي، ورواه أيضًا الإمام أحمد في فضائل الصحابة، وفي إسناده ضعف، ويمكن مراجعة كلام محقق فضائل الصحابة على هذا الحديث.\nوقال ﵊: (إن الله اصطفى بني إسماعيل من العرب، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) وهذا حديث صحيح رواه مسلم.","vol":"20","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-461>تولي أهل السنة أزواج النبي ﷺ</span>\nيقول: [ويتولون أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين، كما قال الله ﷿: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦] إلى آخر الآية].\nفأزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين، ولا يجوز أن يتزوجهن أحد بعده ﷺ كما دلت عليه أيضًا آية في سورة الأحزاب.\nأيضًا: أمهات المؤمنين هم من آل بيت النبي ﷺ.\n[ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة].\nوقد ثبت أنهن أزواجه في الدنيا، وكذلك أزواجه في الآخرة، ولهذا قال النبي ﷺ لـ عائشة: (أنتِ زوجي في الجنة).\n[خصوصًا خديجة ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية].\nولا شك أن خديجة ﵂ لها منزلة عظيمة، فقد ثبت في الحديث عن النبي ﷺ: (أن جبريل نزل من السماء وقال: بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب).\nولا شك أن النبي ﷺ كان يذكر خديجة كثيرًا لزوجاته، وخديجة ﵂ عاضدته في بداية دعوته، فهي التي أخذته عندما جاءه الناموس إلى ورقة بن نوفل.\nأما الصديقة بنت الصديق عائشة ﵂ فهي التي قال فيها النبي ﷺ: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)، وقال النبي ﷺ في فضل خديجة: (كمل من النساء ثلاث: آسية) التي كانت زوجة فرعون وهي مؤمنة، (ومريم ابنة عمران وخديجة ﵂).\nوهناك مسألة يذكرها بعض أهل العلم وهي: هل الأفضل خديجة أم عائشة؟ وهل الأفضل عائشة أم فاطمة ﵂؟ والتحقيق في هذه المسألة: أنه لا يصح التفضيل بإطلاق، وإنما هذه أفضل باعتبار، وتلك أفضل باعتبار آخر، ويمكن مراجعة كلام ابن القيم ﵀ على هذه المسألة في بدائع الفوائد، فقد وضع قاعدة ممتازة في مسألة التفضيل، وأن التفضيل بعضه يكون مطلقًا، وبعضه يكون مقيدًا باعتبار.\nنكتفي بهذا، وأسأل الله ﷿ أن يوفقنا وإياكم لما فيه خيرنا جميعًا.","vol":"20","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-462>الأسئلة</span>","vol":"20","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-463>الضلال المتأخرون من آل البيت وما يتناولهم من أحكام آل البيت</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل من ضل عن سنة النبي ﷺ من آل بيته المتأخرين يدخلون في العموم، وتنطبق عليهم أحكام آل البيت؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nالمقصود من آمن وكان من الصالحين.","vol":"20","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-464>مراجع في الاطلاع على الفتنة بين الصحابة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو أفضل كتاب وضح فتنة الصحابة ﵃ حتى يستطيع طالب العلم الرد على من يثير مثل هذه الفتن؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أوصي طلاب العلم بالقراءة في هذا الموضوع، لكن من الكتب التي ألفت في هذا الموضوع كتاب: (فتنة الصحابة) في مجلدين رسالة دكتوراه لـ محمد آل مخزون، وأيضًا كتاب (مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري) للدكتور يحيى اليحيى، هذه من أفضل الكتب.\nوأما الأشرطة التي انتشرت للسويدان في هذا الموضوع فهي أشرطة سيئة، ولا ينبغي ترويجها ولا توزيعها.","vol":"20","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-465>الموقف من إثبات الصحبة لجبريل ﵇ وبعض الأنبياء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل جبريل ﵇ صحابي؟ وكذلك موسى وإبراهيم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أما موسى وإبراهيم فقد توفوا قبل مبعث النبي ﷺ، وأما جبريل فقد ناقش هذه المسألة بعض أهل العلم واعتبره بعضهم من الصحابة، لكن الصحيح أن عيسى نبي وفضل النبوة أعظم من فضل الصحبة كما تعلمون.","vol":"20","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-466>ثبوت رتبة الصحبة لبعض الجن</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل من الجن صحابة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم.\nهناك من الجن صحابة التقوا بالنبي ﷺ، ومن المؤكد.\nأن لهم أسماء لا نعرفها.","vol":"20","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-467>أول من آمن بالنبي ﷺ</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول: من أول من آمن به ﵇ هل ورقة أم علي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أول من آمن به أبو بكر الصديق ﵁ من الرجال، وعلي من الصبيان، وورقة بن نوفل آمن بالنبي ﷺ.","vol":"20","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-468>حكم القراءة في الكتب المتضمنة مرويات مكذوبة على الصحابة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كلما قرأت في كتب السير والتاريخ عما حصل بين الإمام علي ﵁ ومعاوية بن أبي سفيان انقبض قلبي وتضايقت، وأحسست أن فعل معاوية لم يكن للدين وإنما كان للدنيا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه مشكلة؛ لأن البعض يعتمد على روايات غير صحيحة، وتنقبض نفسه بدون فائدة؛ لأن الرواية أصلًا كذب، يعني: تخيل لو أن إنسانًا أخبرك عن شخص تحبه بخبر كذب، ثم تقبض نفسك، فما فائدة هذا الانقباض؟ تكره الإنسان على خبر كذب ليس صحيحًا؟ ولهذا ينبغي للإنسان أن يتقي الله، وألا يقرأ في هذه الكتب التي تذكر مثالب الصحابة.","vol":"20","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-469>مادة كتاب نضرة النعيم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل كتاب نضرة النعيم يتحدث عن الصحابة؟ ومن مؤلفه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نضرة النعيم لا يتحدث عن الصحابة، بل يأتي إلى مسألة من المسائل بالذات في أخلاق الرسول ﷺ، أو الصدق ثم ينقل آيات وأحاديث وأقوال في هذه المسألة تصلح كمادة علمية للذي يريد أن يكتب أو يخطب.","vol":"20","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-470>حكم ذكر أخطاء الصحابة للاستفادة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز ذكر أخطاء الصحابة رضوان الله عليهم بقصد الاستفادة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، الإنسان يستفيد من أخطائه هو ولا يحتاج أن يدرس أخطاء غيره حتى يستفيد، ادرس فضلهم حتى تصير مثلهم، كقيام الليل، وقراءة القرآن، والصوم، وطلب العلم، والجهاد في سبيل الله، والبراءة من الكفار، وموالاة المؤمنين والصدق فيها، هذه من أعظم الأمور التي نحن بحاجة إليها.","vol":"20","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-471>حكم من يطعن في معاوية ﵁</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم من يطعن في معاوية ﵁ ويردد أحداث الفتنة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الذي يطعن في معاوية ﵁ منحرف ضال، كيف يطعن في معاوية ﵁ وهو الصحابي الجليل؟! أما كونه اجتهد وأخطأ في اجتهاده فله أجر في هذا، وإن وقع عنده خطأ فخطؤه ليس بشيء عند حسناته وفضله، ولهذا كان الذي يسب معاوية ﵁ منحرفًا ضالًا.","vol":"20","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-472>الجمع بين تخطئة مناوئي علي ولزوم الإمساك عما شجر بين الصحابة ﵃</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل إذا قلنا: إن معاوية أخطأ، هل قولنا هذا يعارض الإمساك عن الكلام في هذه الفتنة التي أرشد إليها في السنة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يلزم أن يكون هذا من عدم الإمساك، يعني: نحن عندما نتحدث عن موضوع الفتنة، إما أن نتكلم عنها بشكل موسع أو مفصل ونطول فيها، أو يكون موضوع حديث دائم ومستمر، هذا هو الذي يجب الإمساك عنه، لكن عندما يذكر الموضوع بشكل مجمل، ونتحدث عن الموضوع بشكل عام؛ فإننا نقول: إن عليًا ﵁ هو المصيب، وأهل الشام أخطئوا في هذا، وليس في هذا قدح ولا عيب، وإنما هو خطأ إما يكون لهم أجر فيه إذا كانوا مجتهدين -وهذا هو الواقع- أو إذا وقع منهم خطأ وزلة فإنها تكون بسيطة عند فضلهم ومنزلتهم.","vol":"20","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-473>حكم الشهادة بالجنة لأحد الصالحين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قرأت كلامًا للشيخ محمد العثيمين على أن شيخ الإسلام يرى أن الأمة إذا تواطأت على الشهادة بصلاح أحد نشهد له بالجنة؛ فهل هذا الكلام صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  مسألة الشهادة بالجنة فيها أقوال متعددة لأهل السنة، لكن الشهادة اليقينية للشخص بأنه من أهل الجنة لا نشهد إلا لمن شهد له رسول الله ﷺ، لكن بعض فضلاء الأمة الذين كان لهم جهاد عظيم، بعض العلماء يرى أن القول بأنهم من أهل الجنة وارد، ويستدل عليه بقول النبي ﷺ عندما أتي بجنازة أثنوا عليها خيرًا فقال: (وجبت) وعندما أتوا بجنازة أخرى فأثنوا عليها شرًا فقال: (وجبت) وبقول النبي ﷺ: (أنتم شهداء الله في أرضه).\nويمكن مراجعة كلام ابن أبي العز الحنفي ﵀ في شرح العقيدة الطحاوية، فقد ذكر الأقوال، ورجح أنه لا نشهد لأحد على وجه اليقين إلا بما شهد به النبي ﷺ لأنه من علم الغيب الذي لا يدركه الإنسان.","vol":"20","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-474>إيضاح الآثار المروية عن عمر في اعتبار الخلافة أمرًا اجتهاديًا قد يليه غير عثمان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هناك أحاديث تبين أن أمر الخلافة أمر اجتهادي، وأقصد بذلك ما بعد الشيخين، وقد قال عمر: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًا لوليته، ولو كان أبو عبيدة ولو كان ثالثًا وهكذا.\nفهل هذا يدل على أنه أمر اجتهادي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، لا يدل على أنه أمر اجتهادي، فـ عمر بن الخطاب ﵁ كان يتذكر الصحابة رضوان الله عليهم وما فيهم من الفضل، ويقول: لو كان ثم فلان لوليته.\nوهذا حديث نفس وليس أمرًا مقطوعًا، متى صار الأمر مقطوعًا؟ لما تولى عثمان وأن علي بن أبي طالب هو الخليفة بعده، وهذا ما أجمعت عليه الأمة، حيث أجمعت على عثمان، ثم أجمعت على علي بعده، وإجماع الأمة معتبر كما هو معلوم.\nأما حديث النفس الذي حصل عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فلا يدل على أن هذا الأمر اجتهاد؛ لأن الحجة هي بعد حصول الخلافة وصار إجماعًا.","vol":"20","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-475>عدم تحقق الكفر في فعل حاطب ﵁</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل كانت غزوة بدر مانعًا لكفر حاطب بن أبي بلتعة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  حاطب بن أبي بلتعة ما كفر حتى تكون غزوة بدر مانعة له، حاطب بن أبي بلتعة وقع في عمل كفري، لكن لم تتحقق فيه شروط الكفر حتى يكفر؛ لأنه كان متأولًا معذورًا، يعني: ظن أن هذا العمل الذي يعمله ليس كفرًا، واجتهد في هذا الظن، وتأول فيه، فقال النبي ﷺ ذلك خصوصًا أيضًا مع كونه شهد بدرًا، وهذا مما يدل على إخلاصه وصدقه ومحبته للمؤمنين، لأن المكفر هو: إعانة الكفار على المؤمنين، ولكن هذا المكفر ليس واقعًا في حاطب.\nإذًا: ظاهر العمل أنه كفر، لكن حقيقته ليست كفرًا، لماذا؟ لأن حقيقة الرجل أنه ليس محبًا للكافرين أصلًا، بل هو يجاهد الكافرين ويقاتلهم بالسيف، وربما جرح وصبر على ذلك، وهو مهاجر من مكة إلى المدينة، ولهذا حاطب ليس محبًا للكافرين.\nإذًا: العمل الذي عمله كيف يفسر؟ يفسر بما قاله هو، وأنه أراد أن تكون هذه يدًا عندهم، فلا يعتدوا على أمواله التي بمكة.\nإذًا: فـ حاطب أصلًا ما وقع في الكفر.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.","vol":"20","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-476>العقيدة الواسطية [٢١]</span>\nمن أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء، سواء أكانت في العلوم والمكاشفات أم في القدرة والتأثيرات، مع اعتقاد أنها ليست كمعجزات الأنبياء، ولا كدجل المشعوذين والسحرة، وأنها لا تصح إذا عادت على أحكام الشريعة بالإسقاط، إيمانًا بما ثبت بها من الأخبار، وصح عن الأخيار، خلافًا لنفاتها من المعتزلة والغلاة فيها من الصوفية، ومن أصولهم كذلك التزام أصل اتباع آثار رسول الله وسبيل السابقين الأولين، واستمساكهم بسنة النبي ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من الأصول العظيمة.","vol":"21","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-477>كرامات الأولياء</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.\nأما بعد: يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء].","vol":"21","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-478>المقصود بالأولياء</span>\nالأولياء جمع ولي، والولي هو: الطائع لله ﷾ المتقي له، يقول الله ﷿: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]، فقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] تفسير وتبيين لقوله ﷾: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢].\nإذًا الأولياء المعنيون في كلامنا هذا هم أهل التقوى وأهل الإيمان، ممن جمع بين أمرين: الأمر الأول: صحة الاعتقاد، والأمر الثاني: صحة العمل، فليس من أولياء الله ﷿ من كان صاحب عقيدة باطلة وفاسدة، وكذلك ليس من أولياء الله ﷿ من كان فاسد الأخلاق أو مرتكبًا للنواهي ومفرطًا في الأوامر.\nإذًاَ الأولياء المقصودون هنا هم: أهل السنة والجماعة فعلًا وحقيقة، وليس انتسابًا ورسمًا فقط، فالفاسق والعاصي والمبتدع لا يدخلون في الأولياء.","vol":"21","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-479>المقصود بالكرامات</span>\nوالمقصود بالكرامات: جمع كرامة، والكرامة هي: أمر خارق للطبيعة والعادة يقع على يد ولي من أولياء الله ﷾ في العلم أو العمل، ويكون لأغراض متعددة.","vol":"21","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-480>عقيدة أهل السنة في كرامات الأولياء</span>\nوموضوع كرامات الأولياء بحثه العلماء في موضوع العقائد لوجود بعض الضالين في هذا الباب، فقد ضلت في كرامات الأولياء طائفتان: الطائفة الأولى أنكرت، والطائفة الثانية غلت، فأما الطائفة التي أنكرت فهي المعتزلة، وأما الطائفة التي غلت فهي الصوفية، وسيأتي الحديث عنهما بإذن الله.\nأما عقيدة أهل السنة في كرامات الأولياء فهم يعتقدون أن كرامات الأولياء جارية على أيدي أولياء الله ﷾، وهي أمور خارقة للعادة والطبيعة والجبلة، وهي داخلة ضمن معجزات الأنبياء، ومعنى قولنا: داخلة ضمن معجزات الأنبياء يعني: أن هذه الكرامات تدل على صحة وصدق الأنبياء، فلو لم يكن مصدقًا بالأنبياء ومؤمنًا بحقيقة دينهم لما صح أن يكون وليًا، ثم لما صدق بصحة الأنبياء أجرى الله ﷿ على يديه هذه الكرامات، إذًا فهذه الكرامات فرع من معجزات الأنبياء، ولهذا قال بعض العلماء أن النبي ﷺ حصلت له جميع معجزات الأنبياء، وذكر بعض أهل العلم ممن شرح العقيدة الواسطية نماذج لبعض المعجزات التي صارت للأنبياء ولم تعرف عن النبي ﷺ في ذاته، مثل: إلقاء إبراهيم ﵇ في النار، فإن النبي ﷺ لم يلق في النار، لكن قلنا: إن كل معجزة من معجزات الأنبياء فقد أجراها الله ﷿ معجزة لرسوله ﷺ سواء كانت منه هو ﷺ أو وقعت كرامة لأحد الأولياء من المسلمين المتبعين له ﵊، فمعجزة إبراهيم ﵇ عندما ألقي في النار حصلت كرامة لـ عبد الله بن ثوب المكنى بـ أبي مسلم الخولاني فإنه ألقي في النار، والذي ألقاه الأسود العنسي، فلم يحترق، ومعجزة انفلاق البحر لموسى ﵇ حتى جرى على اليبس حصلت للعلاء بن الحضرمي، فإنه دعا الله ﷿ وخاض في الماء حتى قطع النهر ولم يغرق أحد لا من الخيل ولا من الرجال، وهكذا العديد من النماذج المتعددة والتي نجد من خلالها أنه لم تكن المعجزة في فعل النبي ﷺ أو قوله وإنما كانت في ولي من أولياء الله ﷿ المصدقين به، فلما كانت هذه المعجزة في أحد الأولياء ممن صدق بنبوة النبي كان ذلك أيضًا معجزة له ﷺ؛ لأنه لو لم يكن هذا الولي مصدقًا بنبوة الرسول ﷺ لما أجرى الله ﷿ هذه الكرامة له.\nوهذا ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في النبوات وقد بينها ووضحها.","vol":"21","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-481>الفرق بين كرامات الأولياء ومعجزات الأنبياء</span>\nولا يعني هذا أن كرامات الأولياء مثل معجزات الأنبياء، فإن معجزات الأنبياء أقوى وأظهر وأوضح من كرامات الأولياء، من حيث الفعل ذاته هي واحدة، لكن معجزات الأنبياء أقوى، هذا من جهة.\nومن جهة أخرى نجد أن المعجزات التي صار فيها تحدٍ للكفار لم تحصل للأولياء، فمثلًا: القرآن معجزة للرسول ﷺ لم يحصل لأحد من الأولياء، وهكذا النار التي ألقي فيها إبراهيم، فهي وإن ألقي أبو مسلم الخولاني في النار ولم يحترق إلا أنها ليست مثلها، فهي أقل منها حجمًا وقوة، وأيضًا بقية المعجزات الأخرى وإن توافقت في الصورة إلا أن معجزة النبي أقوى، وهذا الفرق الأول.\nالفرق الثاني: هو أن كرامة الولي ليست مصحوبة بادعاء النبوة، بينما معجزة النبي فيها دعوى النبوة وهي دعوى صادقة.\nومن جهة ثانية: لو أن الولي ادعى النبوة لما صار وليًا، ولما صار العمل الذي جاء على يده كرامة خارقة، وإنما يكون سحرًا أو كهانة أو أي أمر آخر.","vol":"21","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-482>الفرق بين الكرامة والسحر والشعوذة</span>\nوهناك مسألة أخرى يبحثها أهل العلم وهي: ما هو الفرق بين كرامة الولي وشعوذة الساحر والكاهن، فإن الساحر يعمل أعمالًا في ظاهرها خرق للعادة، والكاهن يدعي علومًا في ظاهرها خرق للعادة، فما هو الفرق بين كرامة الولي وبين سحر الساحر وكهانة الكاهن؟ الفرق بينهما: أولًا: هو أن الكرامة ليست علمًا يتعلم مثل السحر والكهانة.\nوثانيًا: أحوال الأولياء تختلف عن أحوال السحرة والكهنة، فإن أحوال الأولياء هي الصدق والعمل الصالح والبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله والإيمان الحق لله ﷾ وما إلى ذلك من الأعمال الفاضلة الصالحة الكثيرة التي تدل على صلاح صاحبها، بينما الساحر معروف أنه كذاب وأنه أثيم وأنه دجال وأنه يكذب على الناس وأنه يتعامل بوسائل منحرفة إذًا حالة الساحر تختلف عن حالة الولي، فما يحصل عند الساحر من خوارق العادات يدل حاله على أنه ساحر، وأما الولي فإنه صادق، آمر بالمعروف وناه عن المنكر، تقي ويصلي لله ﷿ دائمًا، مؤمن وصاحب عقيدة صحيحة، وإذا حصل لصاحب هذه الأعمال شيء خارق للعادة فإنه يكون كرامة ولا يصح أن يقال عنها سحرًا.\nوالكرامة ليست أمرًا يطلب، وإنما هي هبة من الله ﷿، ولا تدل على أفضلية من أجراها الله ﷿ على يده، كما قال ابن تيمية ﵀: إن الكرامات في جيل التابعين ومن بعد جيل التابعين أكثر من جيل الصحابة؛ لأن الكرامة - في بعض الأحيان - يكون من مقاصدها تثبيت صاحبها، ومن هنا فإن الصحابة رضوان الله عليهم كان تعلقهم بالوحي ونظرهم إليه كافيًا في تثبيتهم على الإيمان، بينما احتاج من جاء بعدهم إلى الكرامة، ومع هذا لا يقال: إن التابعين أفضل من الصحابة، فليس كل من يحصل منه كرامة يدل على أنه أفضل ممن لم يحصل منه الكرامة إذا اجتمعوا في الولاية.","vol":"21","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-483>انتفاء صحة الكرامة المنافية لأحكام الشريعة</span>\nوهناك أمر آخر ينبغي الاهتمام به وهو: أن كرامات الولي ينبغي أن تكون في حدود الشريعة، فلو أن إنسانًا جاء وزعم كرامة من الكرامات وهي مخالفة للشريعة، فإنه لا يقال: إن هذه كرامة، لأن الكرامة هي التي تكون في حدود الشريعة، فدعاوى بعض الصوفية أن من كراماتهم سقوط التكاليف يجاب عليها أن التكاليف لا تسقط عن أحد حتى الموت، فالأنبياء وهم الأنبياء لم تسقط عنهم التكاليف، فهذه ليست كرامة، إنما هي غواية.\nوهكذا لو قال إنسان: إن من كرامات هذا الإنسان أنه يبارك لكل متزوج، بمعنى: أنه يجامع زوجته ويفتض بكارتها قبله حتى يباركها، وهذه من كراماته وخصوصياته، وهذا زنا، وليست من الكرامات، فإن الكرامات لا تكون مخالفة لأحكام الشرع.","vol":"21","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-484>ذكر بعض ما ثبت خبره من الكرامات</span>\nليس هناك دليل يقول: إن هذه كرامة، وإنما حكى الله ﷿ كرامات متعددة وقعت لأوليائه، فمثلًا: قصة أصحاب الكهف، وقصة الخضر مع موسى ﵇، وقصة ذي القرنين، وقصة دخول زكريا ﵇ على مريم ووجود الرزق عندها، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧] قال المفسرون: إنه كان يدخل عليها في الصيف فيجد عندها فاكهة الشتاء، ويدخل عليها في الشتاء فيجد عندها فاكهة الصيف، وقيل: إنه كان يجد عندها فاكهة ليست من الفواكه المعتادة في البلد، وكذلك كرامة الذي جاء بعرش بلقيس إلى سليمان ﵇ قبل أن يرتد إليه طرفه، وقد قيل: إنه نبي، وقيل إنه ولي، وعلى كل حال فإذا كان وليًا فهذه من كراماته، وإن لم يكن وليًا فللعفاريت من الجن الذين أعطاهم الله ﷿ القوة أن يأتوا بالعرش من اليمن إلى بلاد الشام قبل أن يقوم من مقامه، وهذا دليل على الكرامة أيضًا.\nوأيضًا من الكرامات الواردة في السنة ما ذكر في كتاب الأنبياء من صحيح البخاري في باب ما ذكر عن بني إسرائيل، فإن النبي ﷺ ذكر مجموعة أحاديث هي من الكرامات.\nومن الكرامات التي وردت في أحاديث الرسول ﷺ: قصة جريج العابد وكان من الأمم السابقة والذي جاءته أمه وهو يصلي في صومعته، وقالت: يا جريج! أنا أمك، كلمني -وكان في صلاته- فقال في نفسه: رب! أمي أم صلاتي، فرجح صلاته، فنادته مرة أخرى وكان في صلاته أيضًا فرجح الصلاة على أن يكلم أمه، فدعت عليه، قالت: اللهم! إن هذا عبدك جريج جئت فطلبت منه أن يكلمني فلم يكلمن، اللهم! لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، فزنى راعٍ من الرعاة ببغية من القرية فحملت منه ثم ولدت، فقيل لها: ممن هذا؟ قالت: من الراهب الذي في الصومعة، فجاءوا ومعهم الفئوس وأرادوا تحطيم صومعته فنادوه وكان في صلاته فلم يخرج، فبدءوا يحطمون فيها فخرج إليهم، وسمع كلام البغية فتبسم ثم وضع يده على ناصية الطفل وقال: من أبوك يا غلام؟! فقال: أبي فلان الراعي!! والعادة أن الغلام لا ينطق، وهذه من كرامات الأولياء.\nومن كرامات الأولياء التي وردت في الأحاديث عن النبي ﷺ: قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، فسقطت على باب الغار صخرة كبيرة سدت باب الغار، فدعوا الله ﷿ بأعمالهم الصالحة ثم فتحت هذه الصخرة.\nوهناك نماذج كثيرة، منها: قصة الأبرص والأقرع والأعمى عندما جاءهم الملك وامتحنهم.\nونماذج متعددة أخرى.\nومن الكرامات التي حدثت لجيل الصحابة: كرامة أسيد بن حضير عندما كان يقرأ القرآن، فجاءته السكينة ونزلت عليه وهو يقرأ القرآن كما في صحيح البخاري.\nومنها أيضًا: قصة العلاء بن الحضرمي عندما مشى على النهر.\nومنها: قصة أبي بكر الصديق ﵁ عندما علم أن ما في بطن زوجته أنثى، وسيأتي معنا الإشارة إلى هذا.","vol":"21","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-485>كتب مصنفة في الكرامات</span>\nوممن أفرد موضوع كرامات الأولياء بالتصنيف من علماء السلف: اللالكائي ﵀، فإن له كتابًا من جزء في كرامات أولياء الله تعالى، حققه الدكتور أحمد سعد حمدان، وألحقه بكتاب: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة.\nوأيضًا ممن ألف: ابن تيمية ﵀، فقد أشار إلى موضوع كرامات الأولياء في كتابين من كتبه، الكتاب الأول هو: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، والكتاب الثاني هو: كتاب النبوات، وكلامه في الكتاب الأول أكثر من كلامه في الكتاب الثاني، وغيرها من مصنفاته رحمه الله تعالى.","vol":"21","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-486>أقسام الكرامات</span>\nيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ومن أصول أهل السنة: التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات].\nقوله: في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات يدل على أن الكرامات تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: في العلوم والمكاشفات.\nوالقسم الثاني: في القدرة والتأثيرات.\nويمكن أن نقسمها إلى قسمين: القسم الأول هو: القسم العلمي، والقسم الثاني هو: القسم العملي.\nفأما قوله: في أنواع العلوم: فيمثلون لهذا بقصة أبي بكر الصديق ﵁ التي سبقت.\nوأما قوله: المكاشفات: فيمثلون لها بقصة عمر بن الخطاب ﵁، فإنه كان على المنبر يومًا من الأيام، فصاح قائلًا: يا سارية! الجبل، يا سارية! الجبل، يا سارية! الجبل، وكان سارية أحد قادة عمر في العراق، وتبعد المدينة عن العراق بمفازات كبيرة جدًا، فكشف لـ عمر أن سارية قد حوصر من العدو، وأن نجاته تكون بالجبل، فنادى عمر على منبره فانتقل الصوت إلى سارية فسمعه، يقول سارية: فسمعت عمر بن الخطاب ﵁ يصيح قائلًا: يا سارية! الجبل، فانحزت إلى الجبل، فانتصر بذلك على عدوه، وهذا حديث صحيح صححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في كتابه: سلسلة الأحاديث الصحيحة.\nوأما القدرة والتأثيرات: فهو على نحو ما سبق أن أشرنا إليه في قصة العلاء بن الحضرمي، وأيضًا في قصة سعد بن أبي وقاص، فإنه سار على ماء دجلة حتى قطع النهر من دون أن يغرق.","vol":"21","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-487>إنكار المعتزلة للكرامات والرد عليهم</span>\nالمنكرون للكرامات هم: المعتزلة، فقد أنكروا وجود الكرامات، وأنكروا السحر كذلك وقالوا: لو وجد السحر والكرامة لما كان لمعجزات الأنبياء معنى، ولا شك أن قولهم باطل؛ فإن الكرامة ثابتة في القرآن والسنة وفي الواقع العملي، ولا يعني وجود الكرامة على يد الولي أن المعجزة لا تكون على يد النبي، فقد سبق أن فرقنا بينهما وقلنا: إن آيات الأنبياء الكبرى لا تقع لأحد من الأولياء، مثل: القرآن مثلًا وانشقاق القمر وغيرها، وهي لا تَقع لأحد من الأولياء، هذا أولًا.\nوثانيًا: أن الولي لا يكون وليًا إلا إذا صدق بالنبي، فكرامة الولي فرع عن معجزة النبي كما سبق أن أشرنا، فليس هناك تعارض بينهما.\nثم إن حال الولي يختلف عن حال النبي، فالولي وإن كان صالحًا إلا أنه يعترف أنه ليس بنبي، ولو ادعى النبوة لما صار وليًا ولما جرت على يده الكرامة.","vol":"21","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-488>غلو الصوفية في الكرامات</span>\nأما الذين يغلون فيها فهم الصوفية، فهم يغلون في الكرامات غلوًا فاحشًا إلى درجة أن بعضهم تعلم السحر من أجل إيجاد هذه الكرامات على يديه وعلى أيادي أتباعه، وممن اشتهر بهذا أصحاب الطريقة الرفاعية، فإنهم يتعلمون السحر من أجل أن يظهروا الخوارق، فإذا أظهروا خوارق العادات اعتقدوا أن هذه كرامة من الله ﷾، وقد سبق أن أشرنا إلى أن الصوفية يرون أن العبودية توحيد الربوبية فقط، وأن الألوهية التي هي إفراد العبادة لله ﷿ ليست قسمًا من أقسام التوحيد، فاعتبروا أن الطواف حول القبور والذبح لها والاستغاثة بغير الله ﷿ ليست شركًا، فلو أن إنسانًا استغاث بالأولياء أو استغاث بالجن والشياطين ونحو ذلك فليس مشركًا شركًا مخرجًا من الملة في فهمهم، وبالتالي انتشر السحر على يد الصوفية انتشارًا كبيرًا في حياة المسلمين، وأصبح أقطاب السحرة ذاتهم أقطاب الصوفية في نفس الوقت، ولهذا أصبحت بعض القنوات الفضائية في هذه الأيام تجري تحقيقات ومقابلات وتنقل تقارير عن بعض أمثال هؤلاء، وتأتي بصور حية لهؤلاء الذين يبتلعون العقارب والحيات ويضعون السيوف في حلوقهم حتى تنتهي، ويشربون السم، ويدخل أحدهم في تابوت مليء بالسكاكين ويغلق عليه ثم يخرج كما هو، ويقولون: إن هذه من الكرامات! وهو لا شك أنه من السحر ومن الشعوذة، خصوصًا أن كثيرًا من هؤلاء لا يرجو لله وقارًا، ولا يعظمون الله ﷿ وليسوا من أهل العلم ولا من أهل الدين؛ بل لأنهم انتسبوا إلى الطريقة الرفاعية فبدأت هذه الكرامات تنهال عليهم من كل جانب، ولا شك أن هذا من الفجور ومن السحر، بل من الكفر المخرج عن الإسلام؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢] أي: أنه ليس له نصيب.\nوفي كتاب: جامع كرامات الأولياء لـ يوسف بن إسماعيل النبهاني، وهو أحد الصوفية المتقدمين الذين كانوا في القرن الماضي وفي زمن الدولة العثمانية من الأشياء العجيبة، ومثاله كتاب طبقات الصوفية للشعراني، ومثل هذه الكتب تحكي الكرامات الغريبة، فبعضهم يقع في الزنا ويسمي هذا كرامة! وبعضهم ينام مع الكلاب والدواب والخنازير في أماكنها ويسمي هذا كرامة! وبعضهم يأتي مبيته ومسراه ورجوعه إلى الأماكن القذرة والوسخة ويقولون: إن هؤلاء من كبار الأقطاب! وهذا ما يكون في الجانب العملي.\nوأما في الجانب العلمي فإنهم يدعون من الكرامات ما لا يخطر على بال، فيدعون أنهم يعلمون الغيب، ويدعون أنهم يعلمون الظاهر والباطن، وأنهم يعلمون كل شيء دون العرش، وأنهم يشرعون للناس، وأن الشرائع التي يقولونها هي ملزمة لهم كما أن القرآن ملزم للناس! ونحو ذلك من الأكاذيب والدجل والكفر المبين.","vol":"21","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-489>التزام أهل السنة باتباع آثار رسول الله ﷺ باطنًا وظاهرًا</span>\nيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ثم من طريقة أهل السنة والجماعة: اتباع آثار رسول الله ﷺ باطنًا وظاهرًا].\n(اتباع آثار الرسول ﷺ) مثل: محبة الله، والخوف من الله والتوكل على الله ونحو ذلك من الأعمال القلبية الباطنة وهي من أعظم الإيمان.\nوظاهرًا أي: اتباع السنة الظاهرة، مثل: إطلاق اللحية، وتقصير الثياب، والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله، والصلاة مع المسلمين، وحضور الصف الأول، والزكاة، وكثرة قراءة القرآن، والتسبيح، والإتيان بالأوامر ونحو ذلك من أعمال الظاهر.\nفتجد أن أهل السنة من يلتزمون بهذا وذاك.\nوقد انحرفت طوائف عن فهم السنة في هذا الموضوع، فنجد مثلًا أن طائفة تركز على أعمال القلوب، وتقول: أهم شيء هو محبة الله والخوف من الله وغيرها من الأعمال القلبية، وتسمي الأعمال الظاهرية قشورًا، وأنها ليست مهمة، فهي قشور ظاهرية.\nوهذا باطل، فقد كان أصحاب النبي ﷺ حريصين على التشبه به في صلاته مثلًا: كوضع اليدين على الصدر وغيرها.\nفكانوا يتشبهون به طريقة الصلاة، إلى درجة أنهم حفظوا كل شيء في صلاته وفي صيامه وفي سكونه وفي حركته وفي حجه ﷺ، والتزموا بما جاء عن الرسول الكريم في ظاهرهم وباطنهم، فالذين يقولون: إن الالتزام بأحكام الإسلام إنما هو من الاهتمام بالقشور أخطئوا خطأً كبيرًا وعظيمًا وخالفوا منهج أهل السنة في هذا الموضوع.\nواعتقدت طائفة أخرى عكس اعتقاد الطائفة السابقة فأصبحوا يهتمون بالظاهر ويهملون الباطن، فتجد أنهم يهتمون بإطلاق اللحية وبتقصير الثياب، والصلاة بالنعال ونحو ذلك من الأعمال الظاهرة ويهملون الباطن إهمالًا كبيرًا، وهذا أيضًا من الخطأ، فلا بد من التوازن والانضباط في شخصية المسلم والداعية إلى الله ﷿، ولا بد أن يهتم بالأمرين جميعًا، وأصحاب الباطن الذين يتكلمون عن الاهتمام بالباطن لو اهتموا بالباطن حقيقة لنتج عن ذلك الاهتمام بالظاهر، لكن لوجود شبهة عندهم في عدم الاهتمام بالظاهر أصبحوا يقصرون فيه تقصيرًا عظيمًا، ولهذا كان من منهج أهل السنة اتباع آثار النبي ﷺ في كل شيء في الظاهر وفي الباطن، فلا يصح أن يقال: إن الاهتمام بالظاهر من القشور، ويقال: إنكم أزعجتم الناس بالاهتمام بالظاهر وأشغلتم الناس باللحية وبتقصير الثياب، والناس أحوج ما تكون إلى الاهتمام الباطن، وهذا من الخطأ فإنه يجعل دين الله يعارض بعضه بعضًا، مع عدم وجود أي معارضة، فدين الله ﷿ دين واحد وليس هناك معارضة فيه، فليس الاهتمام بالباطن معارضًا للاهتمام بالظاهر، وليس الاهتمام بالظاهر معارضًا للاهتمام بالباطن، بل لا بد أن يكون الجميع على وفق سنة النبي ﷺ.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار].\nولهذا من خالف طريقة الصحابة ومن خالف منهجهم هو ليس منهم، وبالتالي لا يكون من أهل السنة والجماعة.\nفلم يُحفظ أبدًا ولم يدّعِ أحد ممن يوثق بدعواه أن الصحابة رضوان الله عليهم تورطوا في الفرق التي افترقت عن جماعة المسلمين كالخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة والجهمية والأشاعرة والصوفية فلا يعرف أبدًا أن أحدًا الصحابة رضوان الله عليهم كان متورطًا في إحدى هذه الفرق، ولا ينسب إلى الصحابة ما نسبه إليهم ذلك الدكتور علي سامي النشار وغيره من الكتاب الذين يكتبون في العقائد وكل ما نسبوا إلى الصحابة من الإرجاء فكلامهم باطل وفاسد، فالصحابة كانوا أعظم الناس التزامًا بالعلم والعمل والجهاد.\nيقول المصنف رحمه الله تعالى: [واتباع وصية النبي ﷺ حيث قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) والنواجذ هي: الأضراس، (وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة)].\nويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد، ولهذا سموا: أهل السنة والجماعة، وقد سبق أن تحدثنا عن مفهوم أهل السنة والجماعة، وبينا أن طريقتهم هي الالتزام بالسنة والجماعة.","vol":"21","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-490>بيان سبب تسمية أهل السنة والجماعة بهذا الاسم</span>\nوسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع، ولهذا تجد أن أهل السنة يحرصون على جماعة المسلمين وعلى ائتلاف قلوبهم، ويبتعدون عن الفرقة.\nوقد يقول قائل: كيف تردون على الفرق الضالة وأنتم تدعون أنكم تسعون إلى وحدة جماعة المسلمين؟ فنقول: إن من السعي إلى وحدة جماعة المسلمين رد العدوان والباطل عنها، ومن الباطل: هدم الفرق الضالة، فليس المقصود عندما نقول: إنهم سموا الجماعة الحرص على الجماعة أيًا كانت، وبأي طريقة، فلو قال إنسان: نريد أن نحرص على جماعة النوع الإنساني، فنجمع كل الناس بكل أديانهم، فهذا مجنون؛ لأن اليهود لن يتنازلوا عن يهوديتهم، ولا المسلمين عن إسلامهم، ولا النصارى عن نصرانيتهم، ودعواه هذا كفر جديد جاء به وهو جمع الأديان.\nوكذلك الذي يقول: نريد أن نجمع الفرق الضالة مع جماعة أهل السنة والجماعة.\nفهذا يريد أن يجمع الحق مع الباطل، والله ﷿ يقول: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٤٢].\nوالجماعة التي ندعو إليها ونحرص عليها هي جماعة أهل السنة، فهذه الجماعة ليست جماعة عضوية، أي: مجتمعين في بلد واحد ولهم حزب واحد، فهي ليست كذلك، وإنما هي جماعة وصفية، بمعنى: أن جماعتهم جماعة أوصاف، من تحققت فيه هذه الأوصاف فإنه منهم، سواء تعرف عليهم أو لم يتعرف عليهم، وسواءً كان من بلاد العرب الأخرى، أو من بلاد المسلمين الأخرى، أو من أي مكان آخر في الأرض وسواء كان رجلًا أو امرأة، أو كان عالمًا أو غير عالم، وسواءً كان متخصصًا في العقيدة والعلوم الشرعية أو كان متخصصًا في الحاسب الآلي أو الهندسة أو الطب أو في أي مجال من المجالات، فإذا وجدت فيه الصفات والمقاييس الأساسية التي عند أهل السنة فهو من أهل السنة، ولا يخرج الإنسان عن وصف أهل السنة والجماعة إلا بالابتداع.\nيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع، وضده الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسمًا لنفس القوم المجتمعين].\nولا يجوز أن يحصل هناك فرقة بين أهل السنة، وقد تحصل لكنها لا يجوز أن تكون، فقد يغضب بعض المسلمين على بعض، ويحصل بينهم اقتتال ومشكلات مثلًا، وكل هذا لا يجوز، فأهل السنة يجب أن يجتمعوا مع بعضهم ما دام أنهم من أهل السنة، ولا يصح أبدًا أن يختلفوا من أجل اجتهاد سائغ شرعًا أو من أجل خلاف شخصي.\nفالخلاف الشخصي لا يجوز أن يفرق جماعة أهل السنة، والاجتهاد الشرعي الذي استكمل شروطه الشرعية لا يجوز أن يفرق أهل السنة أبدًا كذلك، وإذا ابتدع أحد خرج من أهل السنة ولا يهمنا الاجتماع معه، لكن أهل السنة أنفسهم لا يجوز أبدًا أن يتفرقوا بسبب الخلافات الشخصية أو بسبب اجتهادات سائغة شرعًا، وأهل البدع الذين فارقوا السنة لا يجوز الاجتماع معهم وإقرارهم على الباطل، وإنما يجب توجيه الدعوة إليهم ونصيحتهم لعلهم ينتهون عما هم عليه من الباطل.","vol":"21","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-491>الإجماع المنضبط أصل معتمد عند أهل السنة</span>\nيقول المصنف رحمه الله تعالى: [والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين].\nالإجماع موضوع متعلق بأصول الفقه ويمكن أن يراجع في كتب أصول الفقه، وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة.\nفإذا أردتم أن تزنوا فكرًا أو عقيدة أو منهجًا، فإن الميزان هو القرآن والسنة، وإجماع الصحابة.\nوالدليل على أن إجماع الصحابة وسنتهم ومنهاجهم وطريقتهم معتبرة قول الله ﷾: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] وهذا يدل على أن سبيل المؤمنين معتبر.\nوأما من السنة: فقوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، وقوله ﷺ: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) وهذا الحديث حسنه الشيخ الألباني في تعليقه على كتاب السنة لـ ابن أبي عاصم ﵏ جميعًا.\nثم ضبط المصنف الإجماع؛ لأنه نقلت كلمة عن الإمام أحمد وهي قوله: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريه لعل الناس اختلفوا.\nوهذه الكلمة ليست على إطلاقها، بمعنى: أنه لا يوجد إجماع أبدًا، وإنما المقصود: النهي عن التوسع فيه لعدم وجود المخالف عند الشخص نفسه، أي: أنك لا تجد مخالفًا فتقول: أجمع على ذلك المسلمون، فهذا خطأ.\nولهذا أراد ابن تيمية رحمه الله تعالى أن يضبط الإجماع، فقال: [والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح - يعني: الصحابة وأصحاب القرون الثلاثة الأولى المفضلة أي: التابعين وأتباعهم فقط- إذ بعدهم كثر الخلاف وانتشر في الأمة] فما يدري الإنسان لعل عالمًا يكون مخالفًا لما عليه الآخرون.\nوالإجماع ما زال ساريًا في الأمور العصرية، فمثلًا: بناء الدور الثاني في المسعى، فقد أجمع أهل العلم على جواز السعي في الدور الثاني ولم يخالف في هذا إلا عالم واحد وهو الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى، وهكذا نجد نماذج معاصرة يمكن أن يصح فيها الإجماع خصوصًا مع وجود الاتصال والمواصلات في هذا الزمان، ولهذا تكونت المجامع الفقهية منها: المجمع الفقهي الإسلامي الموجود في منظمة المؤتمر الإسلامي، ومجمع الفقه الإسلامي الموجود في رابطة العالم الإسلامي، وهذه المجامع أقل ما يقال فيها: إنها تحكي اجتهادًا جماعيًا، والاجتهاد الجماعي لا شك أنه أفضل من الاجتهاد الفردي.","vol":"21","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-492>اكتمال منهج أهل السنة في جمعه بين المعرفة النظرية وأعمال الجوارح والقلوب</span>\nيقول المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ثم هم -يعني أهل السنة- مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر].\nلا بد من الإشارة إلى نقطة مهمة جدًا وهي: أنه مرت فترة على المشتغلين بالدعوة الإسلامية والعمل وبالبحوث الإسلامية، مرت فترة صوّر كثير من هؤلاء أن منهج أهل السنة والجماعة هو منهج خاص بالعقائد النظرية، فإذا قيل عند هؤلاء: منهج أهل السنة والجماعة، تبادر إلى ذهنهم مباشرة: عقيدتهم في الأسماء والصفات عقيدتهم في القدر عقيدتهم في الإيمان، وانتهى الموضوع عند هذا الحد، وانحرف بسبب هذا التصور طائفتان متقابلتان: الطائفة الأولى انحرفت عندما ظنت أن منهج أهل السنة والجماعة هو منهج نظري محصور في أبواب نظرية معينة في العقيدة فذهبوا يطلبون بقية أمور الدين من غير منهج أهل السنة، وقالوا: إن أهل السنة ليس عندهم شيء من أعمال القلوب والإيمان والتقوى والإخلاص، فاتجهوا نحو التصوف، وأرادوا إشباع هذه الحاجة بالتصوف، ولهذا تجد هذه الطائفة تقول: نحن منهجنا أو دعوتنا دعوة سلفية وطريقتنا طريقة صوفية، فيجمعون بين دعوة سلفية أي: على طريقة أهل السنة والجماعة، وطريقة صوفية، وقالوا: دعوتنا دعوة السلف في مسائل نظرية، فأنا في الأسماء والصفات أوافق السلف، وفي القدر واليوم الآخر موافق للسلف، وهكذا لكن أعمال القلوب يتصور أن السلف ليس لديهم منهج في هذا الموضوع، فاتجه نحو التصوف لتكملة هذا الجانب، مثل موضوع الدعوة إلى الله ﷿، حيث ظن أن السلف الصالح ليس عندهم منهجًا متكاملًا في الدعوة إلى الله سبحانه، فاتجه إلى اختراع مناهج جديدة في الدعوة إلى الله ﷿، ولهذا ظهر من يطالب بجمع الطوائف جميعًا بحجة أننا في زمن انكسرت فيه شوكة المسلمين العامة، فنحتاج إلى جمع الطوائف جميعًا لا على عقيدة أهل السنة، بل نجمعهم جميعًا ونترك الخلافات فيما بين هذه الطوائف، ولهذا يطالبون دائمًا أن نسكت عن الخوارج وعن الشيعة، وعن المرجئة، وعن الجهمية، وأن نسكت عن الأشاعرة، وأن نسكت عن الصوفية، ويقولون: لا تتكلموا في هذه الأمور، فإنكم بذلك فرقتم المسلمين وشققتم صفوفهم، وهذا باطل؛ لأن جمع الناس بهذه الطريقة غير ممكن شرعًا وعقلًا، أما من ناحية الشرع فلأن الله ﷿ نهى عن لبس الحق بالباطل، وهؤلاء على الباطل، فكيف نلبسهم بالحق ونجمعهم مع أهل الحق ونسكت عن تبيين الحق وعن الرد على الباطل؟! فهو مخالف لشرع الله وقد سبق أن أشرنا إلى نماذج من مخالفة هذا الرأي لشرع الله ﷿.\nومن جهة أنه غير ممكن واقعًا، فهؤلاء لو استمروا وقد استمروا في الدعوة إلى هذه الفكرة مدة ستين سنة تقريبًا وهم يشتغلون في جمع الطوائف فما توصلوا إلى نتيجة، ولم يجمعوا أحدًا، وإنما كونوا رأيًا جديدًا وهو: إرادة جمع الطوائف، فلم يجمعوا أهل السنة مع الخوارج وإنما بقي الخوارج على معتقداتهم، وبقيت الشيعة والمرجئة على معتقداتهم وبقي أهل السنة على سنتهم، ولم يجمعوا أحدًا، وهذا دليل على بطلان هذه الفكرة واقعًا عمليًا.\nوأنا أتوقع بل أؤكد أن السبب عند الذين دعوا إلى هذه الفكرة هو أنهم يتصورون أن منهج أهل السنة هو منهج نظري تجريدي، ولهذا دائمًا تجد هؤلاء مثلًا يقولون: لماذا لا تتكلمون مع الناس في مسائل أعمال القلوب؟ فهم يتصورون دائمًا أن أهل السنة والمشتغلين بالدعوة إلى العقيدة الصحيحة أنهم يدعون إلى عقائد نظرية فقط، وأما أعمال القلوب والدعوة إلى الله ﷿ فيتصورون أن أهل السنة ليس لديهم منهج متكامل، ولهذا وجد في واقع المسلمين في حياتنا وفي أماكننا التي نعيش فيها دعاة عندهم هذا الانفصام، فتجد أنه على عقيدة أهل السنة في الأسماء والصفات وفي القدر، لكنه في أعمال القلوب يتجه نحو التصوف، فتجد أنه يذهب إلى شيخ يدرس على يديه التصوف، ويبدأ يشتغل معه التصوف ويعتقد أن هذا هو المنهج الصحيح، بل إنهم يشجعون طلابهم ويشجعون من يعرفون لهذه الطريقة وهذا المنهج، وهذا لا شك أنه منهج منحرف في التربية، فليس هذا بصحيح، فأهل السنة أصحاب منهج كامل في العقائد النظرية، وفي الأخلاق، وفي أعمال القلوب وتزكية النفوس، وأصحاب منهج كامل في الدعوة إلى الله، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي السياسة الشرعية، وفي كل أمر من أمور الدين، ولهذا يعتبر منهج أهل السنة هو منهج الإسلام الصحيح وبهذه الطريقة سنفهم الإسلام بشكل صحيح، أما إذا ظن البعض أن منهج السلف هو عبارة عن قضايا نظرية حينئذ سيتجهون إلى الباطل في بقية الأمور، وهذه هي الطائفة الأولى التي انحرفت بسبب هذه الفكرة.\nوانحرفت طائفة أخرى بسبب الفكرة ذاتها، لكنها ضد الأولى فأقروا ضمنيًا - وإن لم يقروا حقيقة بشكل علني - أن عقيدة أهل السنة هي عقيدة لتصحيح العقائد النظرية الخاطئة التي وقعت فيها الفرق الضالة، ثم لما ظنوا أن هذا هو منهج أهل السنة اكتفوا به، ولهذا أهملوا أعمال القلوب وتزكية النفوس، وأهملوا حسن الأخلاق والآداب وكرائم الصفات، وأهملوا الدعوة إلى الله ﷿ بشكل متنوع وبشكل قوي بحيث أنهم","vol":"21","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-493>منهج أهل السنة تجاه المنكر ومسلكهم في التعامل مع المسلمين</span>\nيقول المصنف رحمه الله تعالى في وصف أهل السنة والجماعة: [ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر].\nلا يسكتون عن المنكرات، ويتميز أهل السنة دائمًا بالصدق، فبعض الناس ينتسب إلى السنة وهو ينكر منكرًا في مكان ويقر نفس المنكر في مكان آخر، وهذا خطأ، فتجد أنه ينكر على العامة مثلًا الزنا، لكن إذا وقع فيه شخص كبير شريف له مكانة في الناس لا ينكر عليه، مع أن العمل هو العمل نفسه، وهكذا في بقية الأمور الأخرى.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء].\nيعني: الأمراء الذين يقيمون الشريعة في الناس، أبرارًا كانوا أم فجارًا، وحتى لو كان الحاكم فاسقًا وفاجرًا، كأن يكون يشرب الخمر ويزني، فما دام أنه لم يقع في الكفر المخرج عن الإسلام فإنه يطاع فيما أمر الله به، أما إذا أمر بمعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\nقال: [ويحافظون على الجماعات]، يعني: يحافظون على الجماعات في المساجد، وهناك بعض طوائف التكفير تهجر الجماعات وتشكك في الأئمة وتقول: إن بعض الأئمة قد يكون عنده عقيدة فاسدة، وهذه كلها ليست من طريقة أهل السنة.\nقال: [ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله ﷺ: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا وشبك بين أصابعه)] ولهذا تجد أنهم يحرصون على الأخوة، ويجتهدون على لمّ صفوف أهل السنة، ويحافظون عليها، ويبتعدون عن الأخلاق التي تكون سببًا في سوء الصحبة أو العشرة ونحو ذلك.\nقال: [وقول النبي ﷺ: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله ﷺ: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا)].\nولهذا لا يصح أن يكون الإنسان طالب علم وصاحب علم كثير وهو سيئ الأخلاق، وسيئ التعامل مع المسلمين، فهذا لا يصح أبدًا، فلا بد من الخلق الحسن وهي من صفات أهل السنة.\nقال: [ويندبون إلى أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين وصلة الأرحام وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق، بحق وبغير حق، ويأمرون بمعالي الأمور وينهون عن سفسافها، وكل ما يقولونه ويفعلونه من هذا وغيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة.\nوطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمدًا ﷺ، لكن لما أخبر النبي ﷺ أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وفي حديث عنه أنه قال: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص من الشوب -يعني: من القدح مثلًا أو الخطأ والزلل- هم أهل السنة والجماعة، وفيهم -يعني في أهل السنة- الصديقون والشهداء والصالحون].\nيعني: وفيهم أيضًا: العامي وفيهم المتعلم، وفيهم المتخصص في أحكام الشريعة، وفيهم غير المتخصص، وقد نقل النووي أن فيهم الفقهاء والنحويون واللغويون والمؤرخون وهكذا.\nقال: [ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، وأولو المناقب المأثورة والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال].\nوالأبدال: جمع بدل، وقيل: أن المقصود بالأبدال هم الصالحون الذين يأتي بعضهم بدل بعض عندما يموتون، ويروى في الأبدال أحاديث كلها ضعيفة موضوعة لا تصح، والأبدال لهم اصطلاح خاص عند الصوفية، وهو اصطلاح باطل، وهو أن لهم تأثيرًا في تحريك الأرض وتدبير شئون الخلق، لكن هذا ليس مقصود الشيخ، وإنما المقصود بالأبدال أي: الأولياء الذين يأتي بعضهم بدل بعض، وليس المقصود اصطلاح الصوفية.\nقال: [وفيهم أئمة الدين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم، وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة)].\nقد سبق الحديث عن هذه الأمور جميعًا.\nقال ﵀: [نسأل الله أن يجعلنا منهم وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب، والله أعلم.\nوصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا].\nوبهذا نكون قد انتهينا من شرح كتاب العقيدة الواسطية.\nأسأل الله ﷿ أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يعيذنا من شر الأقوال والأعمال إنه على كل شيء قدير.","vol":"21","page":18}]}